النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ كتاب الحضانة وليس للمرأة أن تنقل ولدها إلى دار الحرب، وإن كان قد تزوجها هناك وكانت حربية بعد أن يكون زوجها مسلماً أو ذميّاً؛ لأن في ذلك إضراراً بالصبي؛ لأنه يتخلق بأخلاق الكفرة فيتضرر به، وإن كان كلاهما حربيين فلها ذلك؛ لأن الصبي تبع لهما، وهما من أهل دار الحرب، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم وهو الموفق. وذلك لإطلاق عبارته، فهي شاملة إلى ما بعد الاستغناء وهذا هو الأرفق بالأم، لكن قد علمت أن الفتوى = على الأول، وهو أن الوالد له السفر بولده بعد انتهاء مدة حضانته، لأنه يجبر على أخذه لتربيته، وتثقيفه، وتعليمه . ولا يمنع من السفر إلا في مدة الحضانة، وأما بعدها - فلا يمنع، وهو الأصح، والفتوى عليه اليوم. ولا داعي لتعهد الأم له بعد مدة الحضانة، لأنه في حاجة إلى التخلق بأخلاق الرجال وآدابهم، وهو الذي يتوجه إلى أمه؛ ليراها. والله أعلم. ينظر: الحضانة لشيخنا بكر داود. كِتَابُ الإِعْتَاقِ(١) الكلام في هذا الكتاب في الأصلِ في مواضع: في بيان أنواع الإعتاق، وفي بيان ركن الإعتاق، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان صفة الإعتاق، وفي بيان حكم الإعتاق، وفي بيان وقت ثبوت حكمه، وفي بيان ما يظهر به الإعتاق. أما الأول فالإعتاق في القسمة الأولى ينقسم إلى أربعة أقسام: واجب، ومندوب إليه، ومباح، ومحظور. ١٥٢ ب أما الواجب/ فالإعتاق في: كفارة القتل، والظهار، واليمين، والإفطار، إلاَّ أنه في باب القتل والظهار والإفطار واجبٌ على التعيين عند القدرة عليه، في اليمين واجب على التخيير؛ قال الله - تعالى - في كفارة القتل والظهار: ﴿فَتَخْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وفي كفارة اليمين: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وأنه أمر بصيغة المصدر؛ كقوله - عزَّ وجل -: ﴿فَضَرْبُ الرِّقَابِ﴾ (١) العتق لغة: الحرية، يقال منه عتق يعتق عتقاً وعَتقاً، بكسر العين وفتحها، عن صاحب ((المحكم)) وغيره، وعتيقة وعتاقاً وعتاقة؛ فهو عتيق، وعاتق، حكاها الجوهري، وهم عتقاء، وأمة عتيق، وعتيقة، وإماء عتائق، وخلف بالعَتاق، بفتح العين؛ أي: بالإعتاق. قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عتق الفرس: إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ: إذا طار واستقل؛ لأن العبد يتخلص بالعتق، ويذهب حيث يشاء. قال الأزهري، وغيره: إنما قيل لمن أعتق نسمة: إنه أعتق رقبة، وفك رقبة؛ فخُصَّت الرقبة دون سائر الأعضاء، مع أن العتق يتناول الجميع؛ لأن حكم السيد عليه، وملكه له كحبل في رقبته، وكالغل المانع له من الخروج، فإذا أعتق، فكأن رقبته أطلقت من ذلك. انظر: ترتيب القاموس ١٢٩/٣. اصطلاحاً: عرفه الحنفية بأنه: خروج الرقيق عن الملك لله تعالى. عرفه الشافعية بأنه: إزالة الرق عن الآدمي. عرفه المالكية بأنه: خلوص الرقيق من الرق بصيغة. عرفه الحنابلة بأنه: تحرير الرقيق وتخليصه من الرق. انظر: البحر الرائق ٢٣٨/٤، تبيين الحقائق ٦٦/٣، مغني المحتاج ٤٩١/٤، بلغة السالك ٤٤١/٢، كشاف القناع ٥٠٨/٤، الكافي ٩٦١/٢، الإشراف ٣٧١/٢. ٢٢٢ ٢٢٣ كتاب الإعتاق [محمد: ٤] وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله - تعالى -: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ونحو ذلك. وقال النبيُّ وَّرَ في كفارة الإفطار: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً))(١). وأما المندوب إليه فهو الإعتاق لوجه الله - تعالى - من غير إيجاب؛ لأن الشرعِ ندب إلى ذلك؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله وَّر أنه قال: «أَيَّمَا مُؤْمِن أَعْتَقَ مُؤْمِناً فِي الدُّنْيَا، أَعْتَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ))(٢) . وعن واثلة بن الأسقع(٣) قال: أتينا رَسُولَ اللهِ وَر في صاحب لنا قد أوجب، (١) تقدم تخريجه في كتاب الصيام. (٢) أخرجه البخاري (١٧٤/٥) في العتق، باب في العتق وفضله (٢٥١٧) (٦٠٧/١١) في كفارات الأيمان، باب قول الله تعالى ﴿أو تحرير رقبة﴾ (٦٧١٥). ومسلم (٢/ ١١٤٧) في العتق، باب فضل العتق (٢٣/ ١٥٠٩) والنسائي في الكبرى (١٦٨/٣) في العتق، باب فضل العتق (٤٨٧٤ - ٤٨٧٦) وأحمد (٤٢٠/٢، ٤٢٢، ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٤٧، ٥٢٥) والبيهقي (٢٧١/١٠)، والبغوي في شرح السنة (٢٥٢/٥) (٢٤٠٩) من طرق عن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة مرفوعاً ((من اعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار حتى يعتق فرجه بفرجه)). وفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم كعب بن مرة. وعمرو بن عبسة وعقبة بن عامر. فأما حديث كعب بن مرة فرواه أبو داود (٢/ ٤٢٥) في العتق باب أي الرقاب أفضل؟ (٣٩٠)، وابن ماجة (٨٤٣/٢) في العتق، باب العتق (٢٥٢٢) والنسائي في الكبرى (١٦٩/٣ - ١٧٠) (٤٨٨٠ - ٤٨٨٤)، وأحمد (٢٣٥/٤) مرفوعاً ((من أعتق امرأ مسلماً كان فكاكة من النار، يجزي كل عظم منه بكل عظم منه، ومن أعتق امرأتين مسلمتين، كانتا فكاكة من النار يجزي بكل عظمين منهما عظم منه». وأما حديث عمرو بن عبسة فرواه أبو داود (٣٩٦٦) والترمذي (١٦٣٤) في فضائل الجهاد، والنسائي (٦/ ٢٦) في الجهاد، باب ثواب من رضي في سبيل الله، وأحمد (١١٣/٣، ٣٨٦) مرفوعاً ومن أعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار. وأما حديث عقبة بن عامر فرواه أحمد (٤/ ١٤٧)، والطيالسي (٢٤٣/١) (١١٩٣) وأبو يعلى (١٧٦٠) والحاكم (٢١١/٢) وصححه ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع (٢٤٥/٤): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا قيس الجزامي ولم يضعفه أحد)». وينظر سنن النسائي الكبرى (١٦٨/٣ - ١٧١) وشرح السنة (٢٥٢/٥ - ٢٥٥)، والمستدرك (٢١١/٢ . ٢١٣) - ونصب الراية (٢٧٧/٣ - ٢٧٨). وكان بعض أهل العلم يستحب ألا يكون العبد الذي يعتقه خصياً لينال بعتقه الموعود في الحديث. (٣) واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر من بني ليث بن عبد مناة ويقال: ابن الأسقع بن عبد الله بن عبدياليل بن ناشب بن غيرة، ابن سعد بن ليث. وصحح ابن أبي خيثمة أنه واثلة بن عبد الله بن الأسقع كان ينسب إلى جده، ويقال: الأسقع لقب، واسمه عبد الله قال الواقدي: يكنى أبا قرصافة. وقال غيره: يكنى أبا الأسقع، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو الخطاب، ويقال: شداد. ووهم البخاري في ذلك، أسلم قبل تبوك، وشهدها. ٢٢٤ كتاب الإعتاق فقالِ بَّهِ: ((اعْتَقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يُغْيِقِ اللَّهُ - تَعَالَى - بِكُلُ عُضْوِ مِنْهُ عُضْواً مِنْهُ مِنَ النَّارِ))(١). وعن أبي(٢) نجيح السلمي قال: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ وَ ليل بالطائف، فسمعته يقول: (مَنْ رَمَىْ بِسَهْم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الجِنَّةِ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةٌ فِي الإِسْلاَمَ كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ القِيَامَّةِ، وَأَيَّمَا رَجُل مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلاً مُسْلِمَاً، كَانَ بِهِ وَقَاء كُلِّ عَظُمَّ مِنْ عِظَامِ يحرره مِنَ النَّارِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةَ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَة كَانَ بِهَا وَقَاء ◌ُلْ عَظْمٍ مِنْ عِظَامٍ تحررها مِنَ النَّارِ))(٣). وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: جاء أعرابيٍّ إلى النبي وَلّ فقال: يا رسولَ الله، علمني عملاً يدخلني الجنة، فقال ◌َّهِ: ((أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ، فَقَال: أوَلَيْسًا واحداً، فقال ◌َّ: ((لا، عِثْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِثْقِهَا، وَفَكُ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي [إِفْكَاكِهَا] (٤)(٥) وفي بعض الروايات: ((أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا)) . وأما المباح فهو: الإعتاق من غير نيةٍ لوجود معنى الإباحة، وهي تخيير العاقل بين تحصيل الفعل وتركه شرعاً . وأما المحظور فهو: أن يقول لعبده: أنت حُرِّ لوجه الشيطان ويقع العتق لوجود ركن الإعتاق وشرطه وقوله: ((لوجه الشيطان))؛ لبيان الغرض ونقسمه أيضاً أقساماً أخر نذكرها في مواضعها، إن شاء الله - تعالى -. = ينظر أسد الغابة ت ٥٤٢٩ والعبر (٩٩/١) الإصابة (٤٦٢/٦) والتهذيب (١٠٤/١١). (١) أخرجه أبو داود (٢٩/٤) كتاب العتق باب في ثواب العتق حديث (٣٩٦٤) وأحمد (٤٩٠/٤ - ٤٩١) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٣٢/٨) من حديث واثلة بن الأسقع. (٢) في أ: ابن. (٣) أخرجه أبو داود (٣٠/٤) كتاب العتق باب أي الوقاب أفضل حديث (٣٩٦٧) والنسائي (٢٦/٦ - ٢٨) كتاب الجهاد باب ثواب من رمى بسهم، والترمذي (١٤٩/٤) كتاب فضائل، الجهاد: باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله حديث (١٦٣٧) وأحمد (٣٨٦/٤) كلهم من حديث أبي نجيح السلمي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. (٤) في أ: نكاحها. (٥) أخرجه أحمد (٢٩٩/٤) والطيالسي (٢/ ٣٠ - منحة) رقم (٢٠٠٩) وابن حبان (١٢٠٩ - موارد) والحاكم (٢١٧/٢) والبيهقي (٢٧٢/١٠ - ٢٧٣) كتاب العتق: باب فضل اعتاق النسمة وفك الرقبة، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٥٤/٥) كلهم من حديث البراء بن عازب وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٤٣/٤) وقال : رواه أحمد ورجاله ثقات. ٢٢٥ کتاب الإعتاق فصل في ركن الإعتاق وأما ركن الإعتاق فهو : اللفظ الذي جُعِلَ دلالةٌ على العتق في الجملة، أو ما يقوم مقام اللفظ، فيحتاج فيه إلى بيان الألفاظ التي يثبت بها العتق في الجملة إما مع النية أو بدون النية، وإلى بيان ما لا يثبت به العتق من الألفاظ رأساً. أمَّا الأول: فالألفاظ التي يثبت بها العتق في الجملة فتنقسم ثلاثة أقسام: صريح، وملحق بالصريح، وكناية . أما الصريح فهو: اللفظ المشتق من العتق أو الحرية (١) أو الولاء؛ نحو قوله: أَعْتَقْتُكَ، أو حَرَّرْتُكَ، أو أنت عَتِيقٌ، أو مُعْتَقٌ، أو أنت مولاي؛ لأن الصريح في اللغة: اسم لما هو ظاهرُ المعنى مكشوفُ المراد عند السامع، وهذه الألفاظ بهذه الصفة: أما لفظ العتق والحرية، فلا شَكَّ فيه؛ لأنه لا يستعمل إلا في العتق، فكان ظاهر المراد عند السامع(٢)، فكان صريحاً، فلا يفتقر إلى النية كصريح الطلاق؛ إذ النية لتعيين المحتمل، وأما لفظ الولاء: فالمولى وإن كان من الألفاظ المشتركة في الأصل لوقوعه على مسمياتٍ مختلفةِ الحدودِ والحقائق - بمنزلة اسم العين والقرء وغيرهما . فإنه يَقَعُ على الناصر، قال الله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] ويقع على ابن العم، قال الله - تبارك وتعالى - خبراً عن نبيه زكريا - عليه الصلاة والسلام -: ﴿وَإِنِّ خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥]، ويقع على المعتِقْ والمعتَق، لكن ههنا لا يحتمل معنى الناصر؛ لأن المولى لا يستنصر بعبده، ولا ابن العم إذا كان العبد معروف النسب، ولا المُعْتِقِ إذ العبد لا يعتق مولاه، فتعين المعتق مراداً به، واللفظ المشترك يتعين بعض الوجوه الذي يحتمله مراده بدليلٍ معين، فكان صريحاً في العتق، فلا يحتاج إلى النية؛ كقوله: أنت حُرٍّ، أو عَتِيقٌ؛ وكذا إذًا ذكر هذه الألفاظ بصيغة النداء؛ بأن قال: يا حُرٍّ، يا عَتِيق، يا مُعْتَقُ؛ لأنه ناداه بما هو صريحٌ في الدلالة على العتق؛ لكون اللفظ موضوعاً للعتق والحرية، ولا يعتبر المعنى بالموضوعات، فيثبت العتق من غير نية؛ كقوله: أَنْتَ حُرٍّ، أو عَتِيقٌ، أو مُعْتَقٌ. (١) لأَنَّ هذين اللَّفْظَيْنِ ورَدا في الكتابِ والسّنَّةِ، وهما يُسْتَعمَلانِ في العِثْقِ عُرْفاً، فكانا صَرْيحَيْنِ فيه، فمتى أتَى بشَيْءٍ من هذه الألفاظِ، حصَلَ به العِثْقُ، وإن لم يَنْوِ شَيْئاً، عَتَقَ أيضاً. ينظر: المغني (٣٤٥/١٤). (٢) في أ: السماع. بدائع الصنائع ج٥ - ١٥٢ ٢٢٦ كتاب الإعتاق وذكر محمد أنه لو كان اسم العبد حُرّاً وعُرف بذلك الاسم، فقال له: يا حر، لا يعتق؛ لأنه إذا كان مسمى بذلك الاسم معروفاً به فالنداء(١) يحمل على الاسم العَلَم لا على الصفة، فلا يعتق؛ وكذا إذا قال له: يا مولاي، يُعتق عليه عند أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: لا يعتق من غير نيةٍ. ١١٥٣ وجه قوله أن قوله: ((يا مولاي)) يحتمل التعظيم(٢)، / ويحتملُ العتق(٣)، فلا يحمل على التحقيق إلا بالنية؛ كقوله: يا سيدي ويا مالكي. ولنا أن النداء للعبد باسم المولى لا يراد به التعظيم للعبد(٤) وإكرامه عادةً، وإنما يراد به الإعتاق فيحمل عليه؛ كأنه(٥) قال: أنت مولاي، ولو قال ذلك يعتق عليه؛ كذا هذا، بخلاف قوله: يا سيدي ويا مالكي؛ لأن هذا قد يذكر على وجه التعظيم والإكرام، فلا يثبت به العتق من غير قرينة، وعلل محمد - رحمه الله - لهذا فقال: لأنَا إنما أعتقناه في قوله: (يا مولاي)) لأجل الولاء، لا لأجل الملك، ومعناه ما ذكرنا، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. ولو قال في شيء من هذه الألفاظ من قوله: ((أعتقتك)) أو نحوه عنيت به الخبر كذباً لا يصدق في القضاء؛ لعدوله عن الظاهر؛ لأنه يستعمل في إنشاء العتق في عرف اللغة والشرع؛ كما يستعمل في الإخبار؛ فإن العرب قبل ورود الشرع كانوا يعتقون عبيدهم بهذه الصيغة، وفي الحمل على الخبر حمل على الكذب، وظاهر حال العاقل بخلافه، فلا يصدق في القضاء كما لو قال لامرأته: طلقتُك، ونوى به الإخبار كذباً لا يصدق في القضاء، ويصدق به فيما بينه وبين الله - عزَّ وجلَّ -؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه؛ لأنه يحتمل الإخبار، وإن كان إرادته الخبر خلاف الظاهر. ولو قال: عنيت به أنه كان خبراً، فإن كان مؤكداً لا يصدق أصلاً؛ لأنه كذبٌ محضّ، وإن كان إنشاءً، لا يصدق قضاء؛ لأن الظاهر إرادة الإنشاء من هذه الألفاظ، فلا يصدق في العدول عن الظاهر، وَيُصَدَّقُ ديانةً؛ لأن اللفظ يحتمل الإخبار عن الماضي. ولو قال أنْتَ حُرِّ من عمل كذا، أو أنت حُرِّ اليوم من هذا العمل، عُتِقٍ في القضاء؛ لأن العتق بالنسبة إلى الأعمال والأزمان لا يتجزّأ؛ لاستحالة أن يعتق اليوم ويرق (٢) غداً، أو يعتق في عمل ويرق في عمل، فكان الإعتاق في عمل دون عمل، وفي زمان دون زمان إعتاقاً عن(٧) (١) في ط: لندائه. (٢) في أ: التعطف. (٣) في أ: التحقيق. (٤) في أ: تعطف العبد. (٥) في أ: كان. (٦) في ط: ويسترق. (٧) في ط: من. ٢٢٧ کتاب الإعتاق الأعمال كلها، وفي الأزمان بأسرها، فإذا نوى [به] (١) بعض الأعمال والأزمان، فقد نوى خلاف الظاهر، فلا يصدقه القاضي؛ وكذا إذا قال أنت مولاي، وقال: عنيتُ به الموالاة في الدين، لا يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر إذ هو يستعمل لولاء العتق ظاهراً، ويصدق ديانةً؛ لأن اللفظ يحتمل ما نوى. ولو قال: ما أنت إلاَّ حُرٌّ، عُيِقٍ؛ لأن قوله: ما أنت إلاَّ حر، آكدُ من قوله أنت حر؛ لأنه إثبات بعد النفي؛ كقولنا: لا إله إلاَّ الله. ولو قال: أنت حر لوجه الله - تعالى - عتق؛ لأن اللام في قوله: ((لوجه الله تعالى)) لامُ الغرض، فقد نجز الحرية وبين أن غرضه من التحرير وجه الله - عزَّ وجلَّ -؛ وكذا لو قال لعبده: أنت حر لوجه الشيطان عتق، ذكره محمد - رحمه الله - في الأصل لأنه أعتقه بقوله: أنت حر، وبين غرضه الفاسد من الإعتاق، فلا يقدح في العتق، ولو دعى عبده سالماً، فقال: يا سالم، فأجابه مرزوقٌ، فقال: أنت حُرُّ، ولا نية له عتق الذي أجابه؛ لأن قوله: أنت حر، خطاب والمتكلم أولَى بصرف الخطاب إليه من الساكت. ولو قال: عنيت سالماً، عُتِقًا في القضاء، أما مرزوق؛ فلأنَّ الإشارة مصروفة إليه لما بينا، فلا يصدق في أنه ما عناه، وأما سالم فبإقراره، وأما فيما بينه وبين الله - تعالى - فإنما يعتق الذي عناه خاصَّةً؛ لأن الله - تعالى - يطلع على سره، ولو قال: يا سالم أنت حُرٍّ، فإذا هو عبدٌ آخر له أو لغيره، عُتق سالم؛ لأنه لا مخاطب ههنا إلاَّ سالم، فيصرف قوله: أنت حر إليه، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وأما الذي هو ملحق بالصريح فهو: أن يقول لعبده: وَهَبْتُ لك نَفْسَكَ، أو وهبت نفسك منك، أو بعت نفسك منك، ويعتق سواء قَبِلَ أو لم يقبل، نوى أو لم ينو؛ لأن الإيجاب من الواهب أو البائع إزالة الملك من الموهوب [أو المبيع](٢)، وإنما الحاجة إلى القبول من الموهوب له والمشتري لثبوت الملك لهما، وههنا لا يثبت للعبد في نفسه، لأنه لا يصلح مملوكاً لنفسه، فتبقى الهبة والبيع إزالة الملك عن الرقيق لا إلى أحد، وهذا هو معنى الإعتاق؛ ولهذا لا يفتقر إلى القبول، فلا يحتاج إلى النية أيضاً؛ لأن اللفظَ صريحٌ في الدلالة على زوال الملكِ عن الموهوب والمبيع، والإعتاق إزالة الملك، وقد قال أبو حنيفة: إذا قال لعبده: وهبت لك نفسك، وقال: أردتُ وهبت له عتقه، أي: لا أعتقه، لم يصدق في القضاء؛ لأن الهبة وضعت لإزالة الملك عن الموهوب وهبة العتق إستبقاء الملك على الموهوب فقد عدل عن ظاهر الكلام، فلا يصدق في القضاء، ويصدق فیما بینه وبین الله- عزَّ وجلَّ -؛ لأنه نوی ما يحتمله كلامه. (١) سقط من ط . (٢) في أ: للبيع. ٢٢٨ كتاب الإعتاق ١٥٣ ب وروي عن أبي يوسف فيمن قال لعبده: أنت/ مولى فلان، أو عتيق فلان - أنه يعتق في القضاء؛ لأنه أخبر أنه معتق فلان، ولا يكون معتق فلان إلاَّ وَأنْ يكون مملوكاً لفلان فأعتقه، فإن [قال](١) اعتقك فلان فليسٍ بشيء؛ لأن قَوْلَهُ أعتقك فلان يحتمل أنه أراد أن فلاناً أنشأ العتق فيك، ولا يكون ذلك إلاَّ بعد الملك، ويحتمل أنه أراد به أنه قال لك للحال أنت حر، ولا ملك له فيه، فلا يعتق بالشك، والله أعلم. ومن هذا القبيل إذا اشترى أباه أو أمه أو ابنه، عُتق عليه، نوى أو لم ينو عند عامة العلماء؛ لأن شراءه جعل إعتاقاً شرعاً حتى تتأدى به الكفارة إذا اشترى أباه ناوياً عن الكفارة في قول أصحابنا الثلاثة؛ خلافاً لزفر والشافعي، وعند مالك لا يعتق إلا بإعتاق مبتدأ. والأصل أن كل من يملك ذا رحم محرم منه بالشراء أو بقبول الهبة أو الصدقة أو الوصية أو بالإرث، يُعتق عليه. وقال مالك: لا يعتق ما لم يعتقه. وقال الشافعي: لا يعتق بالملك إلا من له ولاد، فأما من لا ولاد له، فلا يعتق إلا بإعتاق مبتدأ (٢). (١) سقط من ط. (٢) قال ابن قدامة: وإذا مَلَكَ المَرِيضُ مَن يَعْتِقُ عليه بغير عِوَضٍ، عَقَقَ ووَرِثَ. وبهذا قال مالِكٌ، وبعضُ أصحابِ الشافِعِيِّ. وحكاه الْخَبْرِيُّ مَذْهَباً للشافعِيِّ. ولا خِلاَّفَ بينِ هؤلاءِ في أنَّه إذا مَلَكَه بالمِيرَاثِ، أنَّه يَعْتِقُ ويَّرِثُ. وقال أبو حنيفةَ: إِن حَمَلَه الثُّلُث، عَتَقَ وَوَرِثَ، وإلاَّ سَعَى فيما بَقِيَ عليه، ولم يَرِثْ. ولم يُفَرِّقْ بين أن يَمْلِكَه بِعِوَضٍ أو غيرِه. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يُخْتَسَبُ مِيرَاثُهم من قِيمَتِهِم، فإن فَضَلَ شيءٌ أَخَذَه، وإن فَضَلَ عليهم شيءٌ سَعَوْا فيه. ولَنا، أنَّ المَرِيضَ لم يَضَعْ فيهم شيئاً من مالِه، وإنَّما تَعَاطَى سَبَبَ مِلْكِهِم على وَجْهٍ لم يَسْتَقِرَّ، وزَالَ بغيرِ إِزَالَتِهِ، فلم يُحْتَسَبْ عليه من ثُلُثِهِ، كما لو اتَّهَبَ شَيْئاً فَرَجَعَ الواهِبُ فيه قبلَ قَبْضِه، أو اشْتَرَى شَيْئاً فيه غِبْطَةٌ بِشَرْطِ الخِيَارِ فِفَسَخَ البائِعُ، أو وَجَدَ بالثَّمَنِ عَيْباً فَفَسَخَ البَيْعَ، أو تَزَوَّجَتِ المَرْأةُ فَطُلْقَتْ قبلَ الدُّخُولِ. وإذا لم تكُنْ وَصِيَّةٌ تُخْتَسَبُ عليه من الثُّلُثِ، لم يُمْنَعِ المِيرَاثَ، كما لو ملَكه بالمِيرَاثِ عندَ من سَلَّمه، أو كما لو كان ذلك في صِحَّتِه، فإن مَلَّكَّه بِعِوَضٍ، كالشِّرَاءِ، فحكى الْخَبْرِيُّ عن أَحْمَدَ، أنَّه يعتق ويَرِثُ وهذا قولُ ابنِ الماجِشُون، وأهلِ البَصْرَةِ. وقال القاضي في ((المُجَرَِّ)): إن مَلَكَه بِعِوَضٍ، وخَرَجْ مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَ ووَرِثَ، وإلاَّ عَتَقَ منهَ بِقَدْرِ الثُّلُثِ. وهذا قول مالِكِ. وقال الخبرِيُّ: وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصحابِ الشافِعِيِّ. وحكى غيره عن الشافعِيِّ أنَّه لا فَرْقَ عندَه بين أن يَمْلِكَه بِعِوَضٍ أو غيرِهِ، وأنَّه إنْ خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ عَتَقَ، وإلاَّ عَتَقَ منه بِقَدْرِ الثُّلُثِ، ولا يَرِثُ في الحالَيْنِ؛ لأنه لو وَرِثَّ لَكان إَغْتَاقُه وَصِيّةً لِوَارِثِ، فَيَبْطُلُ عِثْقُه، ويَبْطُلُ مِيرَاتُه، لِيُطْلانِ عِثْقِه، فَيُؤَدِّي تَوْرِيتُه إلى إنْطالِ تَوْرِيثِه، فصَحَّحْنا عتْقَه ولم نُوَرْثْه، لَلأَّ يُفضِيَ إلى ذلك. ومذهبُ أبي حنيفةَ وصاحِبَيْه في هذا، كمَذْهَبِهِم فيما إذا مَلَّكُهُ بِغيرِ عِوَضٍ . = ٢٢٩ كتاب الإعتاق أما مالك فإنه احتج بما روى أبو داود في سننه بإسناده، عن أبي هريرة، عن رسولِ اللهِ وَ﴿ أنه قال: ((لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ عَنْ(١) وَالِدَهُ إلَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكَاً فَيَشْتَرِيهِ فَيَعْتِقَهُ))(٢) حقق ◌َّيّة الإعتاق عقيب الشراء، ولو كان الشراء نفسه إعتاقاً لم يتحقق الإعتاق عقيبه؛ لأن إعتاق المعتق لا يتصور، فدل أن شراء القريب ليس بإعتاق؛ ولأن الشراء إثبات الملك، ولَنا، على إعتاقِه قولُ النبيِّ وَّهِ: (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِم مَخْرَم، فَهُوَ حُرِّ)). ولأنّه مِلْكٌ وُجِدَ معه ما يُنَافِيه، فبَطَلَ، كمِلْكِ النّكَاحِ مع مِلْكِ الرَّقَبةِ، أعْنِي فيما إذا اشتَرَىّ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ صاحِبَه. وإذا عَتَقَ وَرِثَ؛ لأنَّه وُجِدْ سَبَبُ المِيرَاثِ عَرِيًّا عن المَوانِعِ، فَورِثَ، كما لو وَرِثَه. وقولُهم: إن عَتْقَه وَصِيّةٌ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ فِعْلُه، والعِثْقُ هُهُنا يَحْصُلُ مَن غير اخْتِيارِه ولا إرَادَتِه، ولأنَّ رَقَبَةَ المُعْتَقِ لا تَحْصُلُ له، وإنَّما تَتْلَفُ مالِيَّته وتَزُولُ، فَيَصِيرُ ذلك كتَلَفِه بِقَتْل بعضٍ رَقِيقِه، أو كإتْلافِ بعضِ مالِه في بِنَاءِ مَسْجِدٍ، مثال ذلك، مَرِيضٌ وُهِبَ له ابْنُه، فَقِلَه وقِيمَتُه مائَةٌ، ثمَ ماتَ المَرِيضُ، وخَلَفَ ابْناً آخر ومائَتيْنٍ، فإنَّه يَعْتِقُ، ويُقَاسِمُ أَخَاه المائتَيْنِ، في قول الأكْثَرِينَ. وعند الشافِعِيِّ، فيما حكى عنه غيرُ الْخَبْرِيّ، يُعْتِقُ ولا يَرِثُ شَيْئاً. وعند صاحِبَيْ أبي حنيفةَ، يَعْتِقُ وله نِصْفُ التَّرِكَةِ، فَيُخْتَسَبُ عليه بِقِيمَتِهِ ويَبْقَى له خَمْسُونَ. وإن كان باقِي التَّرِكَةِ خَمْسِينَ، فعندَنا يَعْتِقُ، وله نِصْفُ الخَمْسِينَ. وهو قولُ مالِكِ. وعند أبي حنيفةَ، يَعتِقُ نِصْفُه، ويَسْعَى في باقِيه، والخَمْسُونَ كلُّها لأخِيه. وقال صاحِبَاهُ: يَعْتِقُ ثَلاثَة أزِباعِه. وعند الشافِعِيِّ، في قولٍ غيرِ الْخَبْرِيّ، يَعْتِقُ نِصْفُه، ويَرِقُّ نِصْفُه، ونصفُه الرَّقِيقِ والخَمْسُون كلُّها لأَخِيه. وإن كان باقِي التَّرِكَّة ثَلاَثُمائة، فعندَنا يَعْيِقُ وله مائة وخَمْسُونَ، وعند الشافِعِيّ، يَعْتِقُ ولا يَرِثُ شَيْئاً. وعند صاحِبَيْ أبي حِنِيفَةً، يَعْيِقُ وله مائةٌ. فإن كان اشْتَرَى ابنَه بمائةٍ، وماتَ، وخَلَّفَ ابْناً آخَرَ ومائةً أُخْرى، فعلى الرُّوَايةِ الأُولَى، يَعْتِقِ ويُقَاسمُ أخاه المائةَ الباقيةَ. وعلى ما حَكَاهُ القاضِي، يَعْتِقُ منه ثُلُثاه، ويَرِثُ أرْبَعِينَ، ويَعْتِقُ باقِيه على أخِيه، ولا يَرِثُ بذلك الجُزْءِ شَيْئاً؛ لأنَّ عَتْقَه حَصَلَ بعد مَوْتِ أبِيه. وعند الشافِعِيِّ يَعْتِقُ ثُلُثَاه، ولا يَرِثُ. / وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُنَاه، ويَسْعَى في باقِيه، ولا يَرِثُ. وعند صاحِبَيه، يَعْتِقُ كلِّه، ولا يَرِثُ شَيْئاً، فإن كان قد تَصَدَّقَ قبلَ ذلك بِثُلُثِهِ، أو حَابَى به، لم يَعْتِقْ، لأنَّ الثلث قد ذَهَبَ. ينظر: المغني (٣٩٨/٨ - ٤٠٠). (١) سقط من ط . (٢) أخرجه مسلم (١١٤٨/٢) كتاب العتق: باب فضل عتق الوالد حديث (١٥١٠/٢٥) والبخاري في ((الأدب المفرد)) حديث (١٠) وأبو داود (٣٤٩/٥) كتاب الأدب: باب بر الوالدين حديث (٥١٣٧) والترمذي (٤/ ٣١٥) كتاب البر والصلة: باب في حق الوالدين حديث (١٩٠٦) والنسائي في ((الكبرى)) (١٧٣/٣) كتاب العتق: باب أي الرقاب أفضل حديث (٤٨٩٦) وابن ماجه (١٢٠٧/٢) كتاب الأدب: باب بر الوالدين حديث (٣٦٥٩) وأحمد (٢/ ٢٣٠) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٩٧١) والطيالسي (٢٤٠٥) وابن حبان (٤٢٥ . الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٩/٣) كتاب العتاق: باب الرجل يملك ذا رحم محرم منه وابن عدي في ((الكامل)) (٥٧/٣ - ٥٨) والبيهقي (٢٨٩/١٠) - وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٥/٦) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٠٦/١٤) والبغوي في شرح السنة)) (٢٦١/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: لا يجزىء ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فیشتريه فیعتقه. ٢٣٠ کتاب الإعتاق والإعتاق إزالة الملك وبينهما مغافاة، فكيف يكون اللفظ الواحد إثباتاً وإزالةً. ولنا ما روي عن رسولِ اللهِ وََّ أنه قال: ((مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِم مُحَرَّمٍ مِنْهُ، فَهُوَ حُرِّ)(١). (١) أخرجه أبو داود (٤١٩/٢، ٤٢٠) كتاب ((العتق)): باب ((فيمن ملك ذا رحم محرم)) رقم (٣٩٤٩) والترمذي (٦٣٧/٣) كتاب ((الأحكام)): باب (ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم)) رقم (١٣٦٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٧٣/٣) كتاب ((العتق)): باب ((ذكر اختلاف الناقلين في خبر سمرة في ذلك والاختلاف على قتادة فيه))، رقم (٤٨٩٨/ ١ - ٢/٤٨٩٩ - ٣/٤٩٠٠ - ٤/٤٩٠١ - ٥/٤٩٠٢) وابن ماجه (٨٤٣/٢) كتاب ((العتق)): باب (من ملك ذا رحم محرم فهو حر) رقم (٢٥٢٤)، وأحمد (١٥/٥ - ١٨ - ٢٠)، والحاكم (٢١٤/٢)، والبيهقي (٢٨٩/١٠) كتاب ((العتق)): باب (من يعتق بالملك))، والطبراني (٢٤٩/٧) رقم (٦٨٥٢). قال أبو داود: ولم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه. قال الترمذي: هذا الحديث لا نعرفه مسنداً، إلا من حديث حماد بن سلمة. وفي الباب من حديث عمر بن الخطاب موقوفاً: أخرجه أبو داود (٢/ ٤٢٠) كتاب ((العتق): باب ((فيمن ملك ذا رحم محرم)) رقم (٣٩٥٠)، ((والترمذي)) (٦٣٨/٣) كتاب ((الأحكام)): باب ((ما جاء في من ملك ذا رحم محرم)) رقم (١٣٦٥)، والبيهقي (٢٨٩/١٠) كتاب ((العتق)): باب ((من يعتق بالملك)). وفي الباب من حديث الحسن موقوفاً: أخرجه أبو داود (٢/ ٤٢٠) كتاب ((العتق)): باب ((فيمن ملك ذا رحم محرم)) رقم (٣٩٥١) وفي الباب عن جابر بن زيد والحسن: أخرجه أبو داود حديث رقم: (٣٩٥٢): قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٧٩/٣، ٢٨٠). أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ◌َّو، قال: (من ملك ذا رحم محرم منه، فهو حر)). انتهى. أخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد؛ وسعيد؛ والباقون عن جماعة عن حماد، قال أبو داود: لم يرو هذا الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه، فإن موسى بن إسماعيل قال في موضع آخر: عن سمرة - فيما يحسب - حماد؛ وقد رواه شعبة مرسلاً عن الحسن عن النبي ◌َّلتر، وشعبة أحفظ من حماد؛ وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسنداً إلا من حديث حماد بن سلمة. وقال في ((علله الكبرى)): وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يعرفه عن الحسن عن سمرة، إلا من حديث حماد بن سلمة، ويروى عن قتادة عن الحسن عن عمر، انتهى. قلت: رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن الحسن عن النبي ◌َّ*، فذكره مرسلاً؛ ورواه البيهقي بسند السنن، وقال: إذا انفرد به حماد، وشك فيه، وخالفه من هو أحفظ منه وجب التوقف فيه؛ وقد أشار البخاري إلى تضعيفه، وقال علي بن المديني: هذا عندي منكر، انتهى. وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق أحمد بن حنبل به عن حماد بن سلمة عن عاصم الأحول، وقتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعاً، وسكت عنه، ثم أخرجه عن ضمرة بن ربيعة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعاً: من ملك ذا رحم فهو حر. انتهى. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وشاهده الحديث الصحيح المحفوظ عن سمرة بن جندب، انتھی. وقال صاحب ((التنقيح)): وقد تكلم في هذا الحديث بسبب انفراد جماعة، وشكه فيه، ومخالفة غيره ممن هو أثبت منه؛ وقد أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن حماد، وذكر أبو داود فيه عن = ٢٣١ كتاب الإعتاق وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاء رَجُلٌ إلى النبِّي وَ لِّ فقال: يا رسولَ الله دخلتُ السوقَ فوجدتُ أخي يُباع، فاشتريته، وأنا أريدُ أن أعتقه، فقال له وَّ: ((إِنَّ اللَّه - تعالى - قَدْ أَعْتَقَهُ))(١) والحديثان حجة على مالك والشافعي، ومعنى قول النّبِّي ◌َّر، في حديث أبي هريرة: ((فتعتقه)) أي: تعتقه بالشراء، يحمل على هذا عملاً بالأحاديث كلها؛ صيانةً لها عن التناقض. وأما قوله: الشراء إثبات الملك، والإعتاق إزالة الملك، فنعم، ولكن الممتنع إثبات حكم وضده بلفظ واحد في زمان واحد، وأما في زمانين فلا؛ لأن علل الشرعَ في الحقيقة دلائلُ وأعلام على المحكومات الشرعية، فيجوز أن يكون لفظ الشراء السابق علماً على ثبوت الملك في الزمان الأول، وذلك اللفظ بعينه علماً على ثبوت العتق في الزمان الثاني؛ إذ لا تنافي عند اختلاف الزمان. وأما الكلام مع الشافعي، فمبني على أن القرابة المحرمة للنكاح فيما سوى الولاد، وهي قرابة الأخوة والعمومة والخؤولة، حرامُ القطع عندنا وعنده لا يحرم قطعها، وعلى هذا يبنى وجوب القطع بالسرقة ووجوب النفقة في هذه القرابة أنه لا يقطع، ويجب النفقة عندنا؛ خلافاً له، ولا خلاف في أن قرابةَ الولاد حرام القطع، ولا خلاف أيضاً في أن القرابة التي لا تحرم النكاح؛ كقرابة بني الأعمام، غير محرمة القطع، فالشافعي يلحق هذه القرابة بقرابة بني الأعمام، ونحن نلحقها بقرابة الولاد. سمرة فيما يحسب حماد، وقد رواه سعيد عن قتادة عن عمر بن الخطاب من قوله: وقتادة لم يدرك عمر = وقد رواه الطحاوي من حديث الأسود عن عمر موقوفاً وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعاً بإسناد مختلف فيه؛ وروي بإسناد ضعيف من حديث عائشة، وبإسناد ساقط من حديث علي، انتهى. وموقوف عمر أخرجه أبو داود، والنسائي عن قتادة عن عمر قال: من ملك ذا رحم محرم فهو حر، انتهى. وأعل بأن قتادة لم يسمع من عمر، فإن مولده بعد وفاة عمر بنيف وثلاثين سنة. والله أعلم. وفي الباب من حديث عبد الله بن عمر: أخرجه ابن ماجه (٨٤٤/٢) كتاب ((العتق)): باب ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر) رقم (٢٥٢٤)، والحاكم (٢١٤/٢). قال البوصيري في ((الزوائد)): في إسناده من تكلم فيه. (١) أخرجه الدارقطني (١٢٩/٤) والبيهقي (١٠/ ٢٩٠) من طريق أشعث بن عطاف عن العرزمي عن أبي النضر محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مرفوعاً. وقال الدار قطني: العرزمي تركه ابن المبارك وابن مهدي ويحيى القطان. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٨٠/٣). وقال ابن القطان: والكلبي متروك أيضاً، وهو القائل: كل ما حدثت به عن أبي صالح فهو كذب، انتهى. وقال البيهقي: هذا مما لا يحل الاحتجاج به، لإجماعهم على تركه رواية الكلبي، والعرزمي، وروي عن حفص بن أبي داود عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس، وحفص ضعيف، انتهى. ٢٣٢ كتاب الإعتاق وجه قوله: أن العتق إنما يثبت بالقرابة؛ لكون العتق صلة، وكون القرابة مستدعية للصلة، والإحسان إلى القريب والعتق من أعلى الصلات، فلا يثبت إلا بأعلى القرابات وهي قرابة الولاد؛ لما فيها من الجزئية والبعضية، ولا يوجد ذلك في هذه القرابة، فلا يلحق بها، بل يلحق بالقرابة البعيدة، وهي قرابة بني الأعمام، ولهذا ألحق بها في كثير من الأحكام، وهي جريان القصاص في النفس والطرف، وقبول الشهادة، والحبس بالدين، وجواز الاستئجار، ونكاح الحليلة، وعدم التكاتب. ولنا أن قرابة الولاد إنما أوجبت العتق عند الملك؛ لكونها محرمة القطع وإبقاء الملك في القريب يفضي إلى قطع الرحم؛ لأن الملك نفسه من باب الذل والهوان، فيورث وحشة، وإنها توجب التباعد بين القريبين وهو تفسير قطيعة الرحم، وشرع السبب المفضي إلى القطع مع تحريم القطع متناقضٌ، فلا يبقى الملك دفعاً للتناقض، فلا يبقى الرق ضرورةً؛ لأنه لم يشرع بقاؤه في المسلم والذمي إلا لأجل الملك المحترم للمالك المعصوم، وإذا زال الرق ثبت العتق ضرورة، والقرابةُ المحرمة للنكاح محرمة القطع؛ لأن النصوص المقتضية لحرمة قطع ١١٥٤ الرحم عامة أو مطلقة؛ قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلَوُنَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] معناه: واتقوا الله الذي تساءلون به، فلا تعصوه، واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، ويحتمل أن يكون معناه: واتقوا الله وصلوا الأرحام، وقد روي في الأخبار عن رسولِ الله وَل أنه قال: ((صِلُوا الأَرْحَامَ؛ فَإِنَّهُ أَبْقَى لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَخَيْرٌ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ»(١) والأمر بالوصل يكون نهياً عن القطع؛ لأنه ضده؛ والأمر بالفعل نهى عن ضده. وروي عنه وَّرَ أنه قال: ((الرَّحِمُ شُجْنَةٌ(٢) مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - مُعَلَّقَةٌ بِالعَزْشِ؛ تَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا مِقَامُ العَائِذِ بِكَ، قُطِعْتُ وَلَمْ أُوصَلْ، فيقولُ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَىَ - أَمَاَ يَكْفِيِكِ أَنِّي شَقَقْتُ لَكِ اسْمَاً مِن أَسْمِي، أَنَا الرَّحْمَنُ وَأَنْتِ الرَّحِمُ، فَمَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ بَتُهُ)(٣) ومثل هذا الوعيد لا يكون إلا بارتكاب المحرم، فدل أن قطع الرحم حرام، والرحم هو القرابة سميت القرابة رحماً إما باعتبار أن الرحم مشتق من الرحمة؛ كما جاء في الحديث، والقرابة سميت الرحمة والشفقة على القريب طبعاً، وإما باعتبار العضو المخصوص من النساء المسمى (١) ذكره الهندي في (كنز العمال)) (٣٥٦/٣) رقم (٦٩١١) بلفظ: اتقوا الله وصلوا الأرحام فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما. (٢) الشُّجْنَةُ: هي القرابة المشتبكة كاشتباك العروق، وأصل الشجنة بالكسر والضم: شعبة في غصن من غصون الشجرة. النهاية في غريب الحديث (٤٤٧/٢) (شجن). (٣) أخرجه البخاري (٤٣٠/١٠): كتاب الأدب: باب من وصل وصله الله، حديث (٥٩٨٨). ٢٣٣ كتاب الإعتاق بالرحم محل السبب الذي يتعلق به وجود القرابات، فكان كل قرابة أو مطلق القرابة محرمة القطع بظاهر النصوص إلاَّ ما خُصَّ أو قيد بدليلٍ - ثم نخرج الأحكام، أما جريان القصاص فلا يفضي إلى قطع الرحم؛ لأن القصاص جزاء الفعل، وجزاء الفعل يضاف إلى الفاعل، فكان الأخ القاتل أو القاطع هو قاطع الرحم؛ فكأنه قتل نفسه أو قطع طرفه باختياره؛ وكذا الحبس بالدين لأنه جزاء المطل الذي هو جناية، فكان مضافاً إليه. وأما الإجارة فهي عقد معاوضة وهي(١) تمليك المنفعة بالمال، وأنه حصل باختياره، فلا يفضي إلى القطع إلاّ أنه لا يجوز استئجار الأب ابنه في الخدمة التي يحتاج إليها الأب، لا لأنه يفضي إلى قطيعة الرحم، بل لأن ذلك يستحق على الابن شرعاً، فلا يجوز أن يستحق الأجر في مقابلته، فلا يدخل في العقد، ولو استأجر الابن أباه يصح، ولكن يفسخ احتراماً للأب، ونحن نسلم أن للأب زيادة احترام شرعاً يظهر في حق هذا وفي حق القصاص والحبس، ولا کلام فيه . وأما نكاح الحليلة فإنه وإن كان فيه نوع غضاضة، لكن هذا النوع من الغضاضة غير معتبرٍ في تحريم القطع، فلأن الجمع بين الأختين حرم للصيانة عن قطيعة الرحم، ثم يجوز نكاح الأخت بعد طلاق أختها وانقضاء عدتها، وإن كان لا يخلو عن نوع غضاضة. وأما التكاتب، فعند أبي يوسف ومحمد يتكاتب الأخ كما في قرابة الولاد، وعن أبي حنيفة فيه روايتان، ثم نقول عدم تكاتب الأخ لا يفضي إلى قطيعة الرحم؛ لأن ملكه لا يصلح للتكاتب؛ لأنه من باب الصلة والتبرع، وملك المتكاتب ملك ضروري لا يظهر في حق التبرع والعتق، فإذا لم يتكاتب عليه لم يقدر الأخ على إزالة الذل عنه، وهو الملك، فلا يفضي إلى الغضاضة بخلافِ الولد؛ لأن ملك المكاتب وإن كان ضروريّاً لم يشرع إلا في حق حرية نفسه، لكن حرية أبيه وابنه في معنى حرية نفسه؛ لأن المرء يسعى لحرية أولاده وآبائه مثل ما يسعى لحرية نفسه، فهو الفرق، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. وسواء كان المالك لذي الرحم المحرم بالغاً أو صبيّاً، عاقلاً أو مجنوناً، يعتق عليه إذا ملكه؛ لعموم قوله ◌َّ: (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِم مُحَرَّم مِنْهُ، فَهُو حُرّ)؛ ولأنه علق الحكم وهو الحرية بالملك، فيقتضي أن كل من كان من أهل الملك كان من أهل هذا الحكم، والصبيُّ والمجنونُ من أهل الملك، فكانا من أهل هذا الحكم. فإن قيل إنَّ الصَبِيَّ العَاقِلَ إذا اشْتَرىُ أباه يُعْتِقُ عليه، وشراء القريب إعتاقٌ عند أصحابنا (١) في ط: وهو. ٢٣٤ كتاب الإعتاق حتى تتأدى به الكفارة، والصبى وإن كان عاقلاً، فليس من أهل الإعتاق، فينبغي أن لا يعتق أو لا يكون الشراء إعتاقاً، قبل إن كون شراء الأب إعتاقاً عرفناه بالنص، وهو ما رويناه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - والنصُّ قابلٌ للتخصيص والتقييد، وقد قام الدليل على أن الصبي ليس بمراد؛ لأنه ليس من أهل الإعتاق، فلا يكون الشراء من الصبي - وإن كان عاقلاً - إعتاقاً، بل يكون تمليكاً فقط، فيعتق عليه بالملك شرعاً؛ لقول النبي ◌َّ: (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِم مُحَرَّمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرّ) لا بالإعتاق، ولو ملك حليلة ابنه أو منكوحة أبيه أو أمه من الرضاع، لا يعتّق عليه. وكذا إذا ملك ابن العم أو العمة أو ابنتها أو ابن الخال أو الخالة أو بنيهما لا يعتق، لأن شرطَ العتق ملكُ ذي رحم محرم، فلا بد من وجودهما، أعني: الرحم المحرم، ففي الأول ١٥٤ ب وجد المحرم بلا رحم، وفي الثاني / وجد الرحم بلا محرم، فلا يثبت العتق، وأهل الإسلام وأهل الذمة في ذلك سواء؛ لاستوائهم في حرمة قطع الرحّم وأهلية الإعتاق وأهلية الملك؛ ولعموم قوله وَّرَ: ((مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِم مُحَرَّم(١) فَهُوَ حُرّ) وولاء المعتق لمن عتق عليه؛ لأن العتق إن وقع بالشراء، فالشراء إعتاقٌ . وقد قال النبي ◌ََّ: ((الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))(٢) وإن وقع بالملك شِرعاً، فالملك للمعتق عليه، فكان الولاء له، ولو اشترى أمة وهي حبلى من أبيه والأمة لغير الأب، جاز الشراء وعُتق ما في بطنها ولا تعتق الأمة، ولا يجوز بيعها قبل أن تضع، وله أن يبيعها إذا وضعت. أما جواز الشراء فلا شك فيه؛ لأن شراء الأخ جائز كشراء الأب وسائر ذوي الرحم المحرم(٣). وأما عتق الحمل فلأنه أخوه وقد ملكه فيعتق عليه، ولا تعتق الأم (٤) عليه؛ لأنها أجنبية عنه لعدم القرابة بينهما، يحققه أنه لو ملكها أبوه لا تعتق عليه، فابنه أولى. وأما عدم جواز بيعها ما دام الحمل قائماً؛ فلأن في بطنها ولداً حُرّاً، ولأن بيع الحامل بدون الحمل لا يجوز. ألا ترى أنه لو باعها واستثنى الحمل يفسد البيع، فإذا كان الولد حُرّاً - والحُرُّ لا يكون محلاً للبيع - يصير كأنه استثنى الولد، وإذا وضعت جاز بيعها؛ لأن المانع قد زال، وإذا ملك شقصاً من ذي رحم محرم منه، عُتق عليه قدر ما ملك في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد وزفر: يعتّق كله؛ كما لو أعتق شقصاً من عبد له أجنبي؛ لأن العتق يتجزأ عنده، وعندهم لا يتجزأ. (١) في أ: محرم منه. (٢) تقدم تخريجه. (٣) في أ: الجنين. (٤) في أ: الأمة. ٢٣٥ کتاب الإعتاق ولو ملك رجلان ذا رحم محرم من أحدهما حتى عتق عليه، فهذا لا يخلو إما أن ملكاه بسبب لهما فيه صنيع، وإما أنّ ملكاهَ بسبب لا صنيع لهما فيه، فإن ملكاه بسبب لهما فيه صنع بأن ملكاه بالشراء أو بقبول الهبة أو الصدقة أو الوصية، لا يضمن من عتق عليه لشريكه شيئاً، موسراً كان أو معسراً في قول أبي حنيفة، ولكن يسعى له العبد في نصيبه، وعند أبي يوسف ومحمد يضمن الذي عتق عليه نصيبه، إن كان موسراً. وعلى هذا الخلاف إذا باع رجلٌ نصفَ عبدِهِ من ذي رحم محرم من عبده، أو وهبه له حتى عتق عليه، لا يضمن المشتري نصيب البائع عند أبي حنيفة، موسراً كان القريب أو معسراً، ولكن يسعى العبد في نصف قيمته للبائع، وعندهما يضمن إن كان موسراً، وإن كان معسراً يسعى العبد. ولو قال الرجل لعبد ليس بقريب له إن ملكته فهو حر، ثم اشتراه الحالف وغيره صفقة واحدة؛ ذكر الجصاص أنه على هذا الخلاف أنه لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة، وعندهما يضمن، وذكر الكرخي أني لا أعرف الرواية في هذه المسألة. واجمعوا على أن العبد إذا كان بين اثنين، فباع أحَدَهُمَا نصيبه من قريب العبد حتى عتق عليه، أن المشتري يضمن نصيب الشريك الساكت إن كان موسراً ولا يضمن البائع شيئاً. والكلام في هذه المسائل(١) بناءً على أن الإِعتاق يتجزأ عند أبي حنيفة، وعندهما لا يتجزأ، ووجه البناء على هذا الأصل أن الإعتاق لما لم يكن متجزئاً عندهما - وشراء القريب إعتاق - فكان شراء نصيبه إعتاقاً [لنصيبه]، وإعتاق نصيبه إعتاق لنصيب صاحبه، فيعتق كله كالعبد المشترك بين اثنين أعْتَقَّهُ أحدهما وهو موسر، ولما كان متجزئاً عنده كان شراء نصيبه إعتاقاً لنصيبه خاصة، فلم يكن إفساداً لنصيب شريكه ولا تمليكاً لنصيبه أيضاً؛ لأن ذلك ثبت لضرورة تكميل الإعتاق لضرورة عدم التجزئة، فإذا كان متجزئاً عنده، فلا ضرورة إلى التكميل فلا حاجة إلى التمليك. والدليل عليه أنه لا ضمان(٢) إذا كان معسراً، وضمان الإتلاف والتمليك لا يسقط بالإعسار، وكان ينبغي أن لا يجب الضمان على الشريك المعتق إلاَّ أنا عرفنا وجوب الضمان ثمة مخالفاً للأصول(٣) بالنص؛ نظراً للشريك الساكت وهو مستحق للنظر، إذ لم يوجد منه الرضا بمباشرة الإعتاق من الشريك، ولا بمباشرة شرطه، وههنا وجد لأن كل واحد من المشتريين راضٍٍ بشراء صاحبه، وكيف لا يكون راضياً به وأن شراء كلٌ واحد منهما شرط (١) في أ: المسألة. (٣) في أ: للأصل. (٢) في أ: لا يجب الضمان. ٢٣٦ كتاب الإعتاق لصحة شراء صاحبه، حتى لو أوجب البائع لهما فقبل أحدهما دون صاحبه، لم يَصِحَّ. وكذا البائع نصف عبده من ذي رحم محرم راضٍ بشرائه، ومن رضي بالضرر لا ينظر إليه(١)، فلم تكن هذه المواضع نظير المنصوص عليه، فبقي الحكم فيها على الأصل؛ بخلاف العبد المشترك بين اثنين باع أحدهما نصيبه من ذي رحم محرم منه؛ لأن هناك لم يوجد دليلُ الرضا من الشريك الساكت بشراء القريب أصلاً حتى يوجّب سقوط حقه في الضمان، فكان في ١٥٥أ معنى المنصوص عليه/ فيلحق به، ثم وجه الكلام لأبي حنيفة على طريق الابتداء أنه وإن سلم أن شراء نصيبه إعتاقٌ لنصيبه، وإفساد لنصيب شريكه، لكن هذا إفساد مرضيٍّ به من جهة الشريك؛ لأنه رضي بشراء نفسه، وإثبات الملك له في نصيبه ولا يمكنه ذلك بدون شراء صاحبه؛ لأن الخلاف فيما إذا أوجب البائع البيع لهما صفقة واحدة، فلا بد وأن يكون القبول موافقاً للإيجاب؛ إذ البائع ما رضي إلا به. ألا ترى أنه لو قال بعت منكما، فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر، لم يصح البيع، فكان الرضا بشراء نفسه رضاً بشراء صاحبه، فكان شراء القريب إفساداً لنصيب الشريك برضا الشريك، فلا يوجب الضمان؛ كما إذا كان العبد مشتركاً بين اثنين، فقال أحدهما لصاحبه: اعتق نصيبك، أو رضيت بإعتاق نصيبك، فأعتق لا يضمن، كذا هذا. فإن قيل: هذه النكتة لا تتمشى في الهبة؛ فإن أحدهما إذا قبل الهبة دون الآخر يثبت له الملك فلم يكن الرضا بقبول الهبة في نصيبه رضاً بقول صاحبه، فلم يكن هذا إفساداً مرضياً به من جهة الشريك، وكذا لا تتمشى فيما إذا لم يعلم الشريك الأجنبي أن شريكه قريب العبد؛ لأنه إذا لم يعلم به لم يعلم كون شراء القريب (٢) الشريك إعتاقاً لنصيبه، فلا يعلم كونه إفساداً النصيب شريكه فلا يثبت رضاه بالإفساد؛ لأن الرضا بالشيء بدون العلم به محال. فالجواب: أن هذا من باب عكس العلة؛ لأنه أراه الحكم مع عدم العلة، وهذا تفسير العكس، والعكس ليس بشرط في العلل الشرعية (٣)؛ لجواز أن يكون لحكم واحدٍ شرعيِّ عللٌ، فنحن نفينا وجوب الضمان في بعض الصور بما ذكرنا، ونبقيه في غيره بعلة أخرى، ثم نقول أما فصل الهبة فنقول كل واحد منهما وإن لم يكن قبوله شرط صحة قبول الآخر حتى ينفرد كل واحد منهما بالقبول، لكنهما إذا قبلا جميعاً كان قبولهما بمنزلة شيءٍ واحدٍ؛ لأنه - (١) في ط: له. (٢) سقط من ط (٣) ينظر: الكلام على العكس في: البرهان ٨٤٢/٢ المحصول ٣٥٥/٢ الإبهاج ١١٩/٣ المستصفى (٢/ ٣٤٤) المنخول (٤١١) روضة الناظر (١٧٨) جمع الجوامع ٣٠٣/٢ الإحكام للآمدي (٢١٦/٣) تيسير التحرير ٤/ ٢٢، ١٥٣. ٢٣٧ كتاب الإعتاق جواب إيجاب واحد، مثاله: إذا قرأ المصلي آيةً واحدةً قصيرة أو طويلة على الاختلاف يتعلق به الجواز، ولو قرأ عشر آيات أو أكثر، يتعلق الجواز بالكلِّ، ويجعل الکل کآية واحدة؛ كذا هذا . وأما فصل العلم فتخريجه على جواب ظاهر الرواية، وَهُوَ أنَّ عند أبي حنيفة لا يجب الضمان، سواء علم أو لم يعلم، وعندهما يجب علم أو لم يعلم، نَصَّ عليه في الجامع الصغير، أما على أصلهما فظاهر لأن الضمان عندهما يجب مع العلم فمع الجهلٍ أولى. وأما على أصل أبي حنيفة؛ فلأن سقوطَ ضمانٍ الإتلاف عند الإذن والرضا به لا يقف على العلم، فإنَّ مَنْ قال الرجل: كُلْ هذا الطعام، والآذنُ لا يعلم أنه طعام نفسه، فأكله الرجلَ لا يستحق الضمان عليه، وإن لم يعلم به، وهذا لأن حقيقة العلم ليست بشرط في بناء الأحكام عليها، بل المعتبر هو سبب حصول العلم والطريق الموصل إليه، ويقام مقام حقيقة العلم؛ كما يقام سبب القدرة مقام حقيقة القدرة، وطريق حصول العلم ههنا في يده وهو السؤال والفحص عن حقيقة الحال، فإذا لم يفعل فقد قصر، فلا يستحق الضمان. وروى بشر عن أبي يوسف أنه فصل بين العلم والجهل، فقال: إن كان الأجنبي يعرف ذلك، فإن العبد يعتق ويسعى للأجنبي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان لا يعلم فهو بالخيار إن شاء نقض البيع وإن شاء تم عليه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. ووجه هذه الرواية أن الشراء مع شركة الأب عيب، فكان بمنزلة سائر العيوب أنه إن علم به المشتري يلزمه البيع كما في سائر العيوب، وإن لم يعلم به لم يلزمه مع العيب، وإذا لم يلزمه العقد في حق أحد الشريكين، لم يلزم في حق الآخر، فلا يعتق العبد، ويثبت للمشتري حق الفسخ. وذكر في الجامع الصغير: لوِ اشترى رجلٌ نصف عبد، ثم اشترى أب العبد النصف الباقي وهو موسر، فالمشتري بالخيار بمنزلة عبد بين اثنين(١) أعتقه أحدهما فالمشتري بالخيار؛ لأنه لم يوجد من المشتري الأجنبي ما هو دليلُ الرضا في سقوط الضمان عن الأب، فلا يسقط . وروي عن أبي يوسف أنه قال: لَوْ أن عبداً اشترى نفسه وهو أجنبي من مولاه، فالبيعُ باطلٌ في حصة الأجنبي، لأنه اجتمع العتق والبيع في عقدٍ واحد في زمانٍ واحدٍ؛ لأن بيع نفس العبد منه إعتاق على مال، فلا يصح البيع بخلاف الرجلين اشتريا ابن أحدهما أنه يصح، وإن (١) في أ: شريكين. ٢٣٨ كتاب الإعتاق اجمتع الشراء والعتق في عقد واحد؛ لأن شراء القريب تملك في الزمان الأول، وإعتاق في الزمان الثاني، وأنه جائز لِمَا بَيْئًا. ١٥٥ ب وروي عن/ أبي يوسف أنه قال: إذا قَالَ إن ملكت من هذا العبد شيئاً فهو حر، ثم اشتراه الحالف وأبوه صفقة واحدة، عتق على الأب، وهذا على أصله لأن العتق عنده لا يتجزأ، وقد اجتمع للعتق سببان القرابة واليمين إلاَّ أن القرابة سابقة على اليمين، فإذا ملكاه صار كأن عتق الأب أسبق فيعتق النصيبان عليه؛ ولهذا قال في رجلٍ قال إن اشتريت فلاناً أو بعضه فهو حُرّ، فادعى رجل آخر أنه ابنه ثم اشترياه، عُتق عليهما، ونصفُ ولائه للذي أعتقه وهو ابن الذي ادَّعاه؛ لأن السبب(١) ههنا لم يسبق اليمين فيعتق نصيب كل واحد منهما عليه، وولاؤه بينهما لأنه عتق عليهما، والولاء للعتق. وإن ملك اثنان ذا رحم محرم من أحدهما بسبب لا صنع لهما فيه بأن ورثا عبداً وهو قريبُ أحدهما حتى عتق عليه، لا يَضمن نصيب شريكه، موسراً كان أو معسراً، ولكن يسعى العبد في نصف قيمته لشريكه في قولهم جميعاً؛ لأن العتق ههنا ثبت بالملك شرعاً من غير إعتاق من جهة أحدٍ من العباد؛ إذ لا صنع لأحد من العباد في الإرث، ووجوب الضمان على المرء يعتمد شرعاً صنعاً من جهته، ولم يوجد من القريب، فلا يضمن، والله الموفق. ومن هذا القبيل ألفاظ النسب وذكرها لا يخلو إما أن يكون على وجه الصفة، وإما أن يكون على سبيل الفداء، فإن ذكرها على طريق الصفة بأن قال لمملوكه: هذا ابني، فهو لا يخلو إما أن كان يصلح ابناً له بأن كان يولدُ مثلُهُ لمثلِهِ، وإما إن كان لا يصلح، ولا يخلو إما أن كان مجهولَ النسبِ أو معروف النسب من الغير، فإن كان يصلح ابناً له، فإن كان مجهول النسب يثبت النسب والعتق بالإجماع، وإن كان معروف النسب من الغير لا يثبت النسب بلا شك، ولكن يثبت العتق عندنا، وعند الشافعي: لا يثبت العتق. والأصلُ عنده إن العتق بغاء على النسب، فإن ثبت النسب ثبت العتق وإلا فلا، وإن كان لا يصلح ابناً له، فلا يثبت النسب بلا شك، وهل يعتق؟. قال أبو حنيفة: يعتق سواء كان مجهول النسب أو معروف النسب. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، والأصل عندهما أن العتق مبني على تصور النسب واحتمال ثبوته، فإن [كان] (٢) تصور ثبوته ثبت العتق، وإلا فلا. والأصلُ عند أبي حنيفة أن ثبوت العتق لا يقف على ثبوت النسب ولا على تصور ثبوته؛ (١) في ط: النسب. (٢) سقط من ط . ٢٣٩ كتاب الإعتاق وكذلك لو قال لمملوكته هذه بنتي، فهو على هذا التفصيل والاتفاق والاختلاف الذي ذكرنا في الابن. وجه قولهم إن العتق لو ثبت لا يخلو إما إن ثبت ابتداء، أو بناء على ثبوت النسب، لا وجه للأول؛ لأنه لم يوجد الإعتاق ابتداءً، ولا سبيل للثاني، أما عند الشافعي فلأن النسب يثبت في المسألتين جميعاً، فلا يثبت العتق بناءً عليه، وأما عندهما فلأن في المسألة الثانية لا يتصور ثبوت النسب، فلا يثبت العتق، وفي المسألة الأولى يتصور ثبوت النسب منه حقيقةً بالزنا والاشتهار من غيره بناء على النسب الظاهر، فيعتق. ولأبي حنيفة أن كلام العاقل المتدين يحمل على الصحة والسداد ما أمكن، لاعتبار عقله ودينه دلالة، وأمكن تصحيح هذا الكلام من وجهين الكناية والمجاز؛ أما الكناية فلوجود طريق الكفاية في اللغة، وهو الملازمة بين الشيئين أو المجاورة بينهما غالباً على وجهٍ يكون بينهما تعلق الوجود به أو عنده أو تعلق البقاء، وتكون الكناية كالتابع للمكنى، والمكنى هو المقصود، فيترك اسم الأصاع صريحاً ويكنى عنه باسم الملازم إياه التابع له؛ كما في قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿أَوْ جَاءَ بَأَحَدٌ فِتْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] والغائط: اسم للمكان الخالي المطمئن من الأرض، كني به عن الحدث لملازمة بين هذا المكان وبين الحدث غالباً وعادة؛ إذ العادة أن الحدث يوجد في مثل هذا المكان؛ تستراً عن الناس. وكذا الاستنجاء والاستجمار كناية عن تطهير موضع الحدث؛ إذ الاستنجاء طلب النجو والاستجمار طلب الجمار(١)، وكذا العرب تقول: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، أي: نطأ المطر؛ إذ المطر ينزل من السماء؛ ونحو ذلك من مواضع الاستعمال. والبنوة في الملك ملازمة للحرية، فجاز أن يكنى بقوله هذا ابني عن قوله: هذا معتقي، وذكر الصريح والكناية في الكلام سواء، ولو صرح فقال: هذا معتقي عتق؛ فكذا إذا كني به. وَأمَّا المجارُ من طرقه المشابهة بين الذاتين(٢) في المعنى الملازم المشهور في محل الحقيقة، فيطلق اسم المستعار عنه على المستعار له لإظهار المعنى الذي هو ظاهر/ في ١١٥٦ المستعار عنه خفي في المستعار له؛ كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد؛ ونحو ذلك، وقد وجد هذا الطريق ههنا من وجهين : أحدهما: أن الابن في اللغة اسم للمخلوق من ماء الذكر والأنثى، وفيه معنى ظاهر لازم وهو كونه منعماً عليه من جهة الأب بالإحياء لاكتساب سبب وجوده وبقائه بالتربية، والمعتق (١) في أ: الجمرة. (٢) في أ: الناس. ٢٤٠ كتاب الإعتاق منعمّ عليه من جهة المعتق؛ إذ الإعتاق إنعام على المعتق، وقال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَإِذْ نَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] قيل في هذا التفسير: أنعم الله - تعالى - عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق، فكان بينهما مشابهة في هذا المعنى، وأنه معنى لازم مشهور، فيجوز إطلاق اسم الابن على المعتق مجازاً لإظهار نعمة العتق؛ كإطلاق اسم الأسد على الشجاع والحمار على البليد. والثاني: أن بين معتق الرجل وبين ابنه الداخل في ملكه مشابهة في معنى الحرية، وهو معنى لازم للابن الداخل في ملكه بحيث لا ينفك عنه، وأنه مشهور فيه، فوجد طريق الاستعارة فصحت الاستعارة، وقد خرج الجواب عن قولهم إن العتق إما إن ثبت ابتداء أو بناء على النسب؛ لأنَّا نقول ابتداءً لكن بأحد الطريقين، وهو الكناية أو المجاز، على ما بيننا، ولا يلزم على أبي حنيفة ما إذا قال لامرأته: هذه بنتي، ومثلُه لا يلد مثلَها، أنه لا تقع الفرقة بينهما، لأن إقراره بكونها بنتاً له نفي النكاح لأجل النسب، وههنا لم يثبت النسب، فلا ينتفي النكاح، فأما ثبوت العتق فليس يَقِفُ على ثبوت النسب. والدليلُ على التفرقة بين المسألتين أنه لو قال لزوجتِهِ وهي معروفة النسب من الغير: هذه بنتي، لم تقع الفرقة . ولو قال لأَمَتِهِ هذه بنتي وهي معروفة النسب، تعتق، وما افترقا إلا لما قلنا؛ وكذا لو قال لزوجته هذه بنتي وهي تصلح بنتاً له، ثم قال: أوهمت أو أخطأت، لا تقع الفرقة. ولو قال لأمتِهِ هذه بنتي وهي تصلح بنتاً له، ثم قال: أو همت أو أخطأت، يقع العتق، فدل على التفرقة بينهما؛ وكذلك لو قال هذا أبي، فإن كان يصلح أباً له وليس للقائل أبٌ معروفٌ، يثبت النسب والعتق بلا خلاف، وإن كان يصلح أباً له ولكنْ للقائل أبٌ معروفٌ، لا يثبت النسب، ويعتق عندنا؛ خلافاً للشافعي، وإن كان لا يصلح أباً له لا يثبت النسب بلا شك، ولكن يعتق عند أبي حنيفة، وعندهما لا يعتق. وكذلك لو قال: هذه أمي، فالكلام فيه كالكلام في الأب، وأما الكلام في الحرية بأن كان المملوك أمة، ففي كل موضع يثبت النسب تثبت الحرية، وإلاَّ فلا، ولو قال لعبده: هذه بنتي، أو قال لأمته: هذا ابني، اختلف المشايخ فيه، قال بعضُهم: يُعتق، وقال بعضُهم: لا يعتق . ولو قال لمملوكه: هذا عمي أو خالي، يعتق بلا خلاف بين أصحابنا، ولو قال: هذا أخي أو أختي، ذكر في الأصل أنه لا يعتق، بخلاف قوله: هذا ابني أو أبي أو عمي أو خالي، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعتق؛ كما في قوله: عمي أو خالي، وجه هذه الرواية: أنه