النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب النفقة المال في يدها، وهو من جنس النفقة، فلها أن تنفق على نفسها منه بغير أمر القاضي؛ لحديث أبي سفيان، فلو طلبتِ المرأةُ مِنَ القاضي فرض النفقة في ذلك المال، وعلم القاضي بالزوجية وبالمال فرض لها النفقة؛ لأن لها أن تأخذه فتنفق على نفسها من غير فرض القاضي، فلم يكن الفرض من القاضي في هذه الصورة قضاء، بل كان إعانة لها على استيفاء حقها، وإن كان في يدِ مودعه أو مضاربه، أو كان له دينٌّ على غيره، فإن كان صاحب اليدِ مقراً بالوديعة والزوجية، أو كان من عليه الدين مقرّاً بالدين والزوجية، أو كان القاضي عالماً بذلك، فرض لها في ذلك المال نفقتها في قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: لا يفرض. وجه قوله: أن هذا قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر؛ إذ المودع لیس بخصم عن الزوج؛ وکذا المدیون فلا يجوز. ولنا أن صاحب اليد وهو المودع إذا أقر بالوديعة والزوجية، أو أقر المديون بالدين والزوجية، فقد أقرَّ أنَّ لها حق الأخذ والاستيفاء؛ لأن للزوجة أن تمد يدها إلى مالٍ زوجها فتأخذ كفايتَها منه؛ لحديث امرأة أبي سفيان، فلم يكم القاضي فرض لها النفقة في ذلك المال قضاء، بل كان إعانة لها على أخذ حقها وله على إحياء زوجته، فكان له ذلك، وإن جحد أحد الأمرين ولا علم للقاضي به، لم تسمع البينة ولم يفرض؛ لأن سماع البيئة والفرض يكون قضاء على الغائب من غير خصم حاضر؛ لأنه إن أنكر الزوجية لا يمكنها إقامة البينة على الزوجية؛ لأن المودع ليس بخصم عنه في الزوجية، وإن أنكر الوديعة أو الدين لا يمكنها إقامة البينة على الوديعة والدين، لأنها ليست بخصم عن زوجها في إثبات حقوقه، فكان سماع البينة على ذلك قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصمٌ حاضر؛ وذلك غير جائز عندنا . هذا إذا كانتِ الوديعةُ والدين من جنس النفقة؛ بأن كانت دراهم أو دنانير أو طعاماً أو ثياباً من جنس كسوتها؛ فأما إذا كان من جنس آخر، فليس لها أن تتناول شيئاً من ذلك، وإن طلبت من القاضي فرض النفقة فيه، فإن كان عقاراً لا يفرض القاضي النفقة فيه بالإجماع؛ لأنه لا يمكن إيجاب النفقة فيه إلا بالبيع، ولا يباع العقار على الغائب في النفقة بالاتفاق، وإن كان منقولاً من العروض فقد ذكر القاضي في شرحة ((مختصر الطحاوي)» الخلاف فيه، فقال القاضي: لا يبيع العروض عليه في قول أبي حنيفة، وعندهما له أن يبيعها عليه، وهي مسألة الحجر على الحر العاقل البالغ. وذكر القدوري المسألة على الاتفاق، فقال القاضي: إنما يبيع على أصلهما على الحاضر الممتنع عن قضاءِ الدين؛ لكونه ظالماً في الامتناع دفعاً لظلمه، والغائب لا يعلم امتناعه، فلا يعلم ظلمه فلا يباع عليه، وَإذا فرض القاضي لها النفقة في شيء من ذلك وأخذ منها كفيلاً، فهو حسن، لاحتمال أن يحضر الزوج فيقيم البينة على طلاقها أو على إيفاء حقها في النفقة عاجلاً، فينبغي أن يستوثق فيما يعطيها بالكفالة، ثم إذا رجع الزوج يُنظر إن كان لم يعجل لها بدائع الصنائع ج٥ - م١١ ١٦٢ كتاب النفقة النفقة، فقد مضى الأمر، وإن كان قد عجل وأقام البينة على ذلك أو لم يقم له بينة واستحلفها فنكلت، فهو بالخيار إن شاء أخذ من المرأة، وإن شاء أخذ من الكفيل، ولو أقرت المرأة أنها كانت قد تعجلت النفقة من الزوج، فإن الزوج يأخذ منها ولا يأخذ من الكفيل؛ لأن الإقرار ١٤٣ب حجة قاصرة فيظهر في حقها لا في حق الكفيل، ولو طلبت/ الزوجة من الحاكم (١) أن يدفع مهرها ونفقتها من الوديعة والدين، لم يفعل ذلك، وإن كان عالماً بهما؛ لأن القضاء بالنفقة في الوديعة والدين كان نظراً للغائب، لما في الإنفاق من إحياء زوجته بدفع الهلاك عنها، والظاهر أنه يرضى بذلك، وهذا المعنى لا يوجد في المهر والدين، ولو كان الحاكم فرض لها على الزوج النفقة قبل غيبته فطلبت من الحاكم أن يقضي لها بنفقة ماضية في الوديعة والدين، قضى لها بذلك؛ لأنه لما جاز القضاء بالنفقة في الوديعة والدين يستوي فيه الماضي والمستقبل؛ لأن طريق الجواز لا يختلف. وكذلك إذا كان للغائب مالٌ حاضر، وهو من جنس النفقة، وله أولاد صغار فقراء وكبار ذكور زمني فقراء أو إناث فقيرات وولدان فقيران؛ فإن كان المال في أيديهم فلهم أن ينفقوا منه على أنفسهم، وإن طلبوا من القاضي فرض النفقة منه فرض؛ لأن الفرض منه يكون إعانة لا قضاء، وإن كان المال في يد مودعه أو كان ديناً على إنسان، فرض القاضي نفقتهم منه. وكذلك إذا أقر المودع والمديون بالوديعة والدين والنسب، أو علم القاضي بذلك؛ لأن نفقة الوالدين والمولودين تجب بطريق الأحياء؛ لأن الإنسان يرضى بإحياء كله وجزئه من ماله؛ ولهذا كان لأحدهما أن يمد يده إلى مال الآخر عند الحاجة، ويأخذه من غير قضاء ولا رضا، وقد تحققت الحاجة ههنا، فكان للقاضي أن يفرض ذلك من طريق الإعانة لصاحب الحق، وإن جحدهما أو أحدهما ولا علم للقاضي به، لم يفرض لما ذكرنا في الزوجة ولا يفرض لغيرهما ولا من ذوي الرحم المحرم نفقتهم في مال الغائب؛ لأن نفقتهم من طريق الصلة المحضة؛ إذ ليس لهم حَقِّ في مال الغائب أصلاً. ألا ترى أنه ليس لأحد أن يمد يده إلى مال صاحبه فيأخذه، وإن مست حاجته من غير قضاء القاضي، فكان الفرض قضاء على الغائب من غير خصم حاضر، فلا يجوز، وإن لم يكن المال من جنس النفقة، فليس لهم أن يبيعوا(٢) بأنفسهم، وليس للقاضي أن يبيع على الغائب في النفقة على هؤلاء العقار بالإجماع، والحكم في العروض ما بينا من الاتفاق أو الاختلاف، وفي بيع الأب العروض خلاف نذكره في ((نفقة المحارم»(٣). (١) في أ: القاضي. (٣) في أ: الأقارب. (٢) في أ: ينفقوا. ١٦٣ كتاب النفقة وأما يسار الزوج فليس بشرطٍ لوجوبٍ الفرض، حتى لو كان معسراً وطلبت المرأة الفرض من القاضي، فرض عليه إذا كان حاضراً، وتستدين عليه فتنفق على نفسها؛ لأن الإعسار لا يمنع وجوب هذه النفقة، فلا يمنع الفرض، وإذا طلبت المرأة من القاضي فرض النفقة على زوجها الحاضر، فإن كان قبل النقلة وهي بحيثُ لا تمتنع من التسليم لو طالبها بالتسليم أو كان امتناعها بحقِّ - فرض القاضي لها: إعانة لها على الوصولِ إلى حقّها الواجب لوجود سبب الوجوب وشرطه، وإن كان بعد ما حولها إلى منزله، فزعمت أنه ليس ينفق عليها، أوْ شَكَتِ التضيق في النفقة، فلا ينبغي له أنه يعجل بالفرض، ولكنه يأمره بالنفقة والتوسيع فيها؛ لأن ذلك من باب الإمساك بالمعروف، وأنه مأمور به، ويتأتى في الفرض، ويتولى الزوج الإنفاق بنفسه قبل الفرض إلى أن يظهر ظلمه بالترك والتضييق في النفقة، فحينئذ يفرض عليه نفقة كل شهر، ويأمره أن يدفع النفقة إليها لتنفق هي بنفسها على نفسها. ولو قالت: أيُّها القاضي أنه يريد أن يغيب، فخذ لي منه كفيلاً بالنفقة، لا يجبره القاضي على إعطاء الكفيل؛ لأن نفقة المستقبل غير واجبةٍ للحال، فلا يجبر على الكفيل بما ليس بواجب، يحققه أنه لا يجبر على التكفيل بدين واجب، فكيف بغير الواجب، وإلى هذا أشار أبو حنيفة فقال: لا أوجب عليه كفيلاً بنفقة لم تَجِبْ لها بعد. وقال أبو يوسف: استحسنُ أن آخذ لها منه كفيلاً بنفقة أشهر؛ لأنَّا نعلم بالعادةِ أن هذا القدر يحب في السفر؛ لأن السفر يمتدُّ إلى شهر غالباً، والجواب أن نفقة الشهر لا تجب قبل الشهر، فكان تكفيلاً بما ليس بواجب، فلا يجبر عليه، ولكن لو أعطاها كفيلاً، جاز، لأن الكفالة بما يذوب على فلان جائزة. وأما الثالث: وهو بيان حكم صيرورة هذه النفقة ديناً في ذمة الزوج، فنقول: إذا فرض القاضي لها نفقة كلَّ شهر أو تراضياً على ذلك، ثم منعها للزوج قبل ذلك أشهراً، غائباً كان أو حاضراً، فلها أن تطالبه بنفقة ما مضى؛ لأنها لما صارت ديناً بالفرض أو التراضي، صارت في استحقاق المطالبة بها كسائر الديون بخلاف نفقة الأقارب إذا مضت المدة ولم تؤخذ أنها تسقط ؛ لأنها لا تصير ديناً راساً؛ لأن وجوبها للكفاية، وقد حصلت الكفاية فيما مضى، فلا يبقى الواجب كما لو استغنى بماله، فأما وجوب/ هذه النفقة فليس للكفاية، وإن كانت مقدرة بالكفاية . ألا ترى أنها تجب مع الاستغناء بأن كانت موسرة، وليس في مضي الزمان إلا الاستغناء فلا يمنع بقاء الواجب، ولو أنفقت من مالها بعد الفرض أو للتراضي لها أن (١) ترجع على الزوج؛ لأن النفقة صارت ديناً عليه. ١١٤٢ (١) في ط: أنه. ١٦٤ كتاب النفقة وكذلك إذا استدانت على الزوج لما قلنا، سواء كانت استدانتها بإذن القاضي أو بغير إذنه، غير أنها إن كانت بغير إذن القاضي، كانت المطالبة عليها خاصَّةً، ولم يكن الغريم أن يطالب الزوج بما استدانت، وإن كانت بإذن القاضي لها أن تحيل الغريم على الزوج فيطالبه بالدين، وهو فائدة إذن القاضي بالاستدانة، ولو فرض الحاكم النفقة على الزوج، فامتنع من دفعها وهو موسرٌ، وطلبت المرأةُ حبسه، لها أن تحبسه، لأن النفقة لما صارت ديناً عليه بالقضاء، صارت كسائر الديون، إلاَّ أنه لا ينبغي أن يحبسه في أول مرة تقدم إليه، بل يؤخر الحبس إلى مجلسين أو ثلاثة يَعِظُهُ في كلٌّ مجلسٍ يقدم إليه، فإن لم يدفع حبسه حينئذٍ كما في سائر الديون، لما نذكر في ((كتاب الحبس))، إن شاء الله - تعالى -. وإذا حبس لأجل النفقة، فما كان من جنس النفقة سلمه القاضي إليها بغير رضاه بالإجماع، وما كان من خلاف الجنس، لا يبيع عليه شيئاً من ذلك، ولكن يأمره أن يبيع بنفسه؛ وكذا في سائر الديون في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يبيع عليه، وهي مسألةُ الحجر على الحرِّ العاقل البالغ، نذكرها في ((كتاب الحجر))، إن شاء الله - تعالى -. فإنِ ادَّعى الزوج أنه قد أعطاها النفقة، وأنكرت، فالقولُ قولُها مع يمينها؛ لأن الزوج يدعي قضاء دين عليه، وهي منكرة، فيكون القولُ فولَها مع يمينها؛ كما في سائر الديون، ولو أعطاها الزوجُ مالاً فاختلفا، فقال الزوج: هو من المهر، وقالت هي: هو من النفقة، فالقولُ قولُ الزوج إلاَّ أن تقيم المرأة البينةً؛ لأن التمليك منه، فكان هو أعرف بجهة التمليك؛ كما لو بعث إليها شيئاً فقالت: هو هديةٌ، وقال: هو من المهر، أن القولَ فيه قولُهُ إلاَّ في الطعام الذي يؤكل؛ لما قلنا؛ كذا هذا. ولو كان للزوج عليها دَيْنٌ، فاحتسبت عن نفقتها، جاز لكن برضا الزوج؛ لأن النقاص إنما يقع بين الدينين المتماثلين، ألا ترى أنه لا يقع بين الجيد والرديء، وَدَيْنُ الزوجِ أقوى بدليل أنه لا يسقط بالموت، ودَيْنُ النفقة يسقط بالموت، فأشبه الجيد بالرديء، فلا بد من المقاصة بخلافِ غيرها من الديون، والله أعلم. فصل فيما يسقطها بعد وجوبها وصيرورتها ديناً في الذمة وأما بيان ما يسقطها بعد وجوبها وصيرورتها ديناً في ذمة الزوج، فالمسقط لها بعد الوجوب قبل صيرورتها ديناً في الذمة واحدٌ، وهو مضي الزمان من غير فرض(١) القاضي والتراضي. (١) في أ: قضاء. ١٦٥ كتاب النفقة وأمَّا المسقط لها بعد صيرورتها ديناً في الذمة مأمور: منها الإبراء عن النفقة الماضية؛ لأنها لما صارت ديناً في ذمته، كان الإبراء إسقاطاً لدين واجب، فيصح كما في سائر الديون، ولو أبرأته عما يستقبل من النفقة المفروضة، لم يصح الإبراء، لأنها تجب شيئاً فشيئاً على حسب حدوث الزمان، فكان الإبراء منها اسقاط الواجب قبل الوجوب وقبل وجود سبب الوجوب أيضاً، وهو حق الحبس؛ لأنه(١) يتجدد بتجدد الزمان فلم يصح؛ وكذا يصح هبة النفقة الماضية؛ لأن هبة الدين يكون إبراء عنه فيكون إسقاط دين واجب فيصح، ولا تصح هبة ما يستقبل لما قلنا. ومنها: موت أحد الزوجين حتى لو مات الرجلُ قبل إعطاء النفقة، لم يكن للمرأة أن تأخذها من ماله، ولو ماتت المرأة لم يَكُنْ لورثتها أن يأخذوا؛ لما ذكرنا أنها تجري مجرى الصلة، والصلة تبطل بالموتِ قبل القبض كالهبة؛ فإن كان الزوج أسلفها نفقتها وكسوتها، ثم مات قبل مضي ذلك الوقت، لم ترجع ورثته عليها بشيءٍ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، سواء كان قائماً أو مستهلكاً؛ وكذلك لو ماتت هي لم يرجع للزوج في تركتها عندهما. وقال محمد: لها حِصَّةُ ما مضى من النفقة والكسوة، ويجبُ رَدُّ الباقي إن كان قائماً، وإنْ كان هالكاً، فلا شيء بالإجماع. وروى ابن رستم عن محمدٍ أنها إن كانت قبضت نفقة شهرٍ فما دونه، لم يرجع عليها بشيء، وإن كان المفروض أكثر من ذلك يرفع عنها نفقة شهرٍ وردّت ما بقي، وجه هذه الرواية أن الشهرَ فما دونه في حكم القليل، فصار كنفقة الحال، وما زاد عليه في حكم الكثير، فيثبت به الرجوع کالدین. وجه ظاهر قول محمد أن هذه النفقة تشبه الأعواض فتسلم لها بقدر ما سلم للزوج من المعوض كالإجازة إذا عجل المستأجر الأجرة، ثم مات أحدهما قبل تمام المدةِ / وجه قوله إن ١٤٤ ب هذه صلة اتصل بها القبض، فلا يثبت فيها الرجوع بعد الموت كسائر الصلات المقبوضة. وأما قوله: إنها تشبه الأعواض، فنعم، لكن بوصفها لا بأصلها، بل هي صلة بأصلها؛ ألا ترى أنها تسقط بالموت قبل القبض بلا خلافٍ بين أصحابنا؛ لاعتبار معنى الصلة فيراعى فيها المعنيان جميعاً، فراعينا معنى الأصل قبل (٢) القبض، فقلنا إنها لا تبطل بالموت بعد القبض، فلا يثبت فيها الرجوع اعتباراً للأصل، وراعينا معنى الوصف قبل القبض، فقلنا إنها تبطل بالموت قبل القبض كالصلات، وراعينا معنى الوصف بعد القبض، فقلنا لا يثبت فيها (١) في ط: لا يتجدد. (٢) في ط: بعد. ١٦٦ كتاب النفقة الرجوع كالأعواض اعتباراً للأصل والوصف جميعاً على ما هو الأصل في العمل بالشبهين عند الإمكان والله الموفق. فصل في نفقة الأقارب(١) وأما نفقة الأقارب فالكلامُ فيها أيضاً يقع في المواضع التي ذكرناها في نفقة الزوجات، (١) مما لا يختلف فيه اثنان أن كل إنسان فقير إلى معاونة أخيه الإنسان، وعلى المعاونة مدار المدينة، وأساس العمران، ولها مظاهر لا يحدها حدٍّ، ولا يحصرها عدٍّ، نشاهد آثارها في أعمال الناس على اختلاف أنواعها، وإن كثيراً منهم يحسب أنه إنما يعمل لنفسه، ويسعى لإحيائها. ومن أنواع المعاونة نوع جليل الأثر، عظيم النفع، يؤلف بين القلوب، ويربط بين النفوس، وهو: الإنفاق في الخير بالمعنى الشامل للزكوات، وصدقات التطوع، والهِبَات، والهدايا، والوصايا، والأوقاف، وصلة الرحم. ومن محاسن الشريعة الإسلامية، ومزاياها العظيمة: العناية بكل طرف من هذه الأطراف، وإعطاؤه حقّه من التشريع الذي يكفل القيام به على أتم وجه وأيسره. ومن هذه الأطراف صلة الرحم؛ فقد حَث عليها الشَّارِعُ، وَحَذْرَ من قطعها بوجه عام، وأوجب لذلك أمورًا، وَحَرَّمَ أموراً على وجه خاص. ومما أوجبه لذلك نفقة الأقارب، فالنفقة على الوالدين عند احتياجهما، جزاء النعمة الكبرى، والمنة العظمى، واليد السابقة منهما على الولد ... والنفقة على الأولاد تأسيس لعمارة الكون، لولاه لتهدم بنيانه، وتصدعت أركانه، وعاد على الآباء أنفسهم وباله ... والنفقة على من ترثه جزاء سابق لِلإِزثِ منه، وإن كان لا يظهر في بعض الأفراد، إلا أن العبرة بالمجموع، وفي ذلك إقرار النعمة، ومنع لجحودها ... والنفقة على ذوي الرحم صلة عظيمة تجتث عروق الجسد من منابتها، فإن المحتاج أول ما يخطر بباله معاونة قريب له، لما يشعر به من الاتصال والاتحاد، فإذا جفاه، وأثر عليه سواه - ضاق به صدره، واجتواه وكان أقدر على إيذائه من الأجنبي الذي لا يعرف خباياه. قد يقول إنسان: إن السبيل الأَجْدَى لرقي الأمة، ورفعة شأنها أن يوجب على كل غني فيها قسط من المال يتولى الحاكم أخذه، وإنفاقه على المحتاجين عموماً، وبهذا لا يحتاج إلى نفقة الأقارب. ونقول لهذا: إن يُسْرَ الإِسلام اقتضى أن يقوم كل غني بنفقة أقاربه المحتاجين، لأن المشروعات الواسعة قَلَّمَا تخلو من خطر، ألا ترى أنه مهما كثرت ملاجىء البر، ومصارف الصدقات لم يمكن فيها مراعاة العدالة التامّة، فكثير من المحتاجين يقعون في اليأس؛ لأنه لا حيلة لهم، وكثير ممن لا حاجة بهم يحتالون على الأخذ بتصنع الحاجة. لهذا عني الشارع بإيجاب نفقة الأقارب على أقاربهم، ولم يفته مراعاة الناحية العامة؛ فشرع جَمْعِ الصدقات، وتفرقتها على من لم يجدوا من مال أقاربهم ما يقوم بكفايتهم. أضف إلى ذلك أن الفقير الذي يأخذ من مال الصدقات العامة، لا يشعر بالعاطفة نحو قريبه، أو وارثه؛ كما لو باشر إعطاءه بنفسه. وبهذا تبينت سماحة الإسلام ويسره، وأنه الدين العام الخالد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد. = ١٦٧ كتاب النفقة وهي بيان وجوب هذه النفقة، وسبب وجوبها، وشرط الوجوب، ومقدار الواجب، وكيفية الوجوب، وما يسقطها بعد الوجوب. أما الأول، وهو بيان الوجوب(١): فلا يمكن الوصول إليه إلاَّ بعد معرفة أنواع القرابات، فنقول وبالله التوفيق: القرابة في الأصل نوعان: قرابةُ الولادةِ، وقرابة غير الولادة، وقرابة غير الولادة نوعان أيضاً: قرابة محرّمة النكاح؛ كالأخوة والعمومة والخؤولة، وقرابة غير محرمة للنكاح؛ كقرابة بني الأعمام والأخوال والخالات، ولا خلاف في وجوب النفقة في قرابة الولاد. وأما نفقة الوالدين(٢)، فلقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانَاً﴾ [الإسراء: ٢٣] أي: أمر ربك وقضى أن لا تعبدوا إلا إياه، أمر - سبحانه وتعالى -؛ وَوَصى بالوالدين إحساناً، والإنفاق عليهما حال فقرهما من أحسن الإحسان، وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنً﴾ [العنكبوت: ٨] وقوله - تعالى -: ﴿أَن اشْكُرْ لِي وَلِوَ الِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] والشكر للوالدين هو المكافأة لهما، أمر - سبحانه وتعالى - الولد أن (١) نقل عن بعض العلماء من أنه لا يحبر أحد على نفقة أحد وأبين ما ينبغي في تفسيره، فأقول: قال عبد بن حميد الكشي: حدثنا قبيصة بن ذؤيب، عن سفيان الثوري، عن أشعث، عن الشعبي قال: ((ما رأيت أحداً أجبر أحداً على أحدٍ، يعني: على نفقته)) نقل هذا ابن حزم ثم ابن القيم، وهو يحتمل أنه لا يرى وجوب النفقة على الأقارب أو يرى أنها واجبة، لكن لا يجبر القاضي عليها من امتنع منها، وكلا الأمرين بعید . أما الأول: فلمصادمة الأدلة التي تقطع بوجوب نفقة الأقارب في الجملة. وأما الثاني: فلمصادمته الأدلة الدالة على أن أولي الأمر يجب عليهم الأخذ على يد الظالم. ومما يبعده أنه يشمل نفقة الزوجة التي لا خلاف في وجوبها، ولا في إجبار الممتنع عليها؛ ولذا تأوله ابن القيم؛ فقال: وفي إثبات هذا المذهب بهذا الكلام نظر، والشعبي أفقه من هذا. والظاهر أنه أراد أن الناس كانوا أتقى لله من أن يحتاج الغني إلى أن يجبره الحاكم على الإنفاق على قريبه المحتاج؛ فكان الناس يكتفون بإجاب الشرع عن إيجاب الحاكم، أو إجباره)) اهـ. وحاصله: أن الشعبي يحكي أنه لم يرى أحداً أجبر أحداً، وهذا لا يستلزم أن يكون قوم شكوا من عدم نفقة أقاربهم عليهم، فلم يجبروا، ولعله لم يبلغه ما روي عن عمر أنه حبس عصبة صبي، ولو بلغه ذلك - لما قال: ((ما رأيت ... الخ)) فينبغي الإغضاء عن هذا المذهب. ولعل هذا هو الداعي لابن المنذر إن حكى إجماع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين، اللذين لا كسب لهما واجبة في مال الولد. وإذا أغضى النظر عن هذا المذهب - صح أن يقال: اتفق العلماء على وجوب النفقة على الأقارب في الجملة. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد. (٢) اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجب على الولد ابناً أو بنتاً أن ينفق على أبيه وأمه المباشرين. ١٦٨ كتاب النفقة يكافىء لهما ويجازي بعضَ ما كان منهما إليه من: التربية، والبر، والعطف عليه، والوقاية من كلِّ شر ومكروه؛ وذلك عند عجزهما عن القيام بأمر أنفسهما والحوائج لهما وإدارار النفقة عليهما حَالَ عجزهما وحاجتهما من بابٍ شكرِ النعمة فكان واجباً؛ وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فَي الدُّنْيَا مَعْرُوفَا﴾ [لقمان: ١٥] وهذا في الوالدين الكافرين، فالمسلمان أولى، والإنفاق عليهما عند الحاجةِ مِنْ أعرفِ المعروف، وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَشْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وأنه كناية عن كلام فيه ضرب إيذاء، ومعلوم أن معنى التأذي بترك الإنفاق عليهما عند عجزهما وقدرة الولد أكثر، فكان النهي عن التأفيف نهباً عن ترك الإنفاق دلالة؛ كما كان نهياً عن الشتم والضرب دلالةً. وَرُوِيَ عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن رجلاً جاء إلى رسولِ اللهِ وَّل ومعه أبوه فقال: يا رسولَ الله، إن لي مالاً، وإنَّ لي أباً وله مالٌ، وإن أبي يريد أن يأخذَ مالي، فقال رسولُ اللهِ وَِّ: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ))(١) أضاف مال الابن إلى الأب بلام التمليكِ، وظاهره (١) ورد هذا الحديث عن جماعة من أصحاب النبي وَلير وهم جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب وعبد الله بن مسعود وأبو بكر الصديق وعائشة ورجل من الأنصار. ۔ حدیث جابر أخرجه ابن ماجه (٧٦٩/٢) كتاب التجارات: باب ما للرجل من مال ولده حديث (٢٢٩١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٨/٤) كتاب القضاء والشهادات: باب الوالد هل يملك مال ولده أم لا، وفي (مشكل الآثار)) (٢/ ٢٣٠) وابن عدي في ((الكامل)) (٧/ ١٦٥) كلهم من طريق يوسف بن أبي إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مالاً وولداً وإن أبي يريد أن يجتاح مالي فقال: أنت ومالك لأبيك. قال البوصيري في ((الزوائد)) (٢٠٢/٢): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط البخاري. وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٣٧/٣): قال ابن القطان: إسناده صحيح، وقال المنذري: رجاله ثقات، وقال في ((التنقيح)): ويوسف بن أبي إسحاق من الثقات المخرج لهم في الصحيحين ... ١ هـ. وقد توبع يوسف على هذا الحديث. تابعه عمرو بن أبي قیس . أخرجه السهمي في ((تاريخ جرجان)» (ص - ٣٨٥) من طريق عمرو عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي ◌َّلو قال: أنت ومالك لأبيك. وتابعه أبان بن تغلب. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٧٢/٥) من طريق أبان بن تغلب عن محمد بن المنكدر عن جابر به وتابعه المنكدر بن محمد بن المنكدر. أخرجه الطبراني في ((المعجم الصغير)) (٢/ ٦٢ - ٦٣) من طريق عبيد بن خصلة ثنا عبد الله بن نافع المدني عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال : .... = ١٦٩ كتاب النفقة جاء رجل إلى النبي ◌َّ﴿ فقال يا رسول الله إن أبي أخذ مالي فقال النبي ملؤه للرجل اذهب فأتني بأبيك = فنزل جبريل عليه السلام على النبي ◌َيهر فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه فلما جاء الشيخ قال له النبي ◌َّيقول: ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله هل أنفقته إلا على عماته وخالاته أو على نفسي؟ فقال النبي ◌َّر: إيه دعنا من هذا أخبرنا عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك. فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقيناً، لقد قلت في نفسي شيئاً ما سمعته أذناي فقال: قل وأنا أسمع قال: قلت تعل بما أجني عليك وتنهل لسقمك إلا ساهراً أتململ طرقت به دوني فعيناي تهمل لتعلم أن الموت وقت مؤجل إليها مدى ما فيك كنت أؤمل كأنك أنت المنعم المفضل فعلت كما يفعل الجار المجاور يفعل برد على أهل الصواب موكل غدوتك مولوداً ومنتك يافعاً إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت كأني أنا المطروق دونك بالذي تخاف الردى نفسي عليك وإنها فلما بلغت السن والغاية التي جعلت جزائي غلظة وفظاظة فليتك إذا لم ترع حق أبوتي تراه معداً للخلاف كأنه قال فحينئذ أخذ النبي وَل# بتلابيب ابنه وقال: ((أنت ومالك لأيك)). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد تفرد به عبید بن خصلة . والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٥٨/٤) وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه من لم أعرفه والمنكدر بن محمد ضعيف وقد وثقه أحمد والحديث بهذا التمام منكر. حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد (٢١٤/٢) وأبو داود (٨٠١/٣ - ٨٠٢) كتاب البيوع والإجارات: باب في الرجل يأكل من مال ولده حديث (٣٥٣٠) وابن ماجه (٧٦٩/٢) كتاب التجارات: باب ما للرجل من مال ولده حديث (٢٢٩٢) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٩٩٥) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٨/٤) كتاب القضاء والشهادات: باب الوالد هل يملك مال ولده أم لا والبيهقي (٧/ ٤٨٠) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٤٩/١٢) وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢٢/٢) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتى أعرابي رسول الله وَلير فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي قال: أنت ومالك لوالدك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أموال أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئاً. - حديث عمر بن الخطاب أخرجه البزار (٨٤/٢ - كشف) رقم (١٢٦١) وابن عدي في ((الكامل)) (٣٧٥/٣ - ٣٧٦) من طريق سعيد بن بشير عن مطرف عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر أن رجلاً أتى النبي وَليه فقال: إن أبي يريد أن يأخذ مالي قال: أنت ومالك لأبيك. قال البزار: لا نعلمه عن عمر مرفوعاً إلا من هذا الوجه وقد رواه غير مطرف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . وقال ابن عدي: ولا أدري تشويش هذا الإسناد ممن هو لأن هذا الحديث يرويه جماعة عن عمرو بن = ١٧٠ كتاب النفقة شعيب عن أبيه عن جده، ولا أعلم رواه عن سعيد بن المسيب عن عمر إلا من حديث سعيد بن بشير = هذا وسعيد بن بشير له عند أهل دمشق تصانيف لأنه سكنها وهو بصري ورأيت له تفسيراً مصنفاً من رواية الوليد عنه ولا أرى بما يروي عن سعيد بأساً ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق ا هـ. والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٥٤/٤) وقال: رواه البزار وسعيد بن المسيب لم يسمع من عمر. ۔ حدیث عبد الله بن عمر أخرجه أبو يعلى (٩٩/١٠) رقم (٥٧٣١) من طريق أبي حريز عن أبي إسحاق عن ابن عمر أن رسول الله وَّير قال لرجل: أنت ومالك لأبيك. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٤/ ١٥٧) وقال: رواه أبو يعلى وفيه أبو حريز وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات ا هـ. قلت: قال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص ـ ١٤٦) عن أبيه قال: لم يسمع أبو إسحاق عن ابن عمر إنما رآه رؤية. وللحديث طريق آخر عن ابن عمر. أخرجه البزار (٨٤/٢ - كشف) رقم (١٢٥٩) من طريق ميمون بن يزيد عن عمرو بن محمد عن أبيه عن ابن عمر قال: جاء رجل يستعدي على والده فقال: إنه يأخذ مالي فقال له رسول الله وَله: أنت ومالك من كسب أبيك قال البزار: لا نعلمه عن ابن عمر مرفوعاً إلا بهذا الإسناد. وفي ((نصب الراية)) (٣٣٩/٣) قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد وعمر بن محمد فیه لین. والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٧/٤) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط وفيه: الولد من كسب الوالد وميمون بن يزيد لينه أبو حاتم ووهب بن يحيى - شيخ البزار - لم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات. - حديث سمرة بن جندب أخرجه البزار (٨٤/٢ - كشف) رقم (١٢٦٠) والعقيلي في ((الضعفاء (٢٣٤/٢) والطبراني في ((الكبير)) (٢٧٨/٧ - ٢٧٩) رقم (٦٩٦١) كلهم من طريق عبد الله بن إسماعيل أبو مالك الجوداني ثنا جرير بن حازم عن الحسن عن سمرة أن رسول الله وَ ليل قال الرجل: أنت ومالك لأبيك. قال البزار: لم يسنده غير أبو إسماعيل. قال العقيلي: منكر الحديث لا يتابع على شيء من حديثه ... وفي الباب أحاديث من غير هذا الوجه وفيها لين وبعضها أحسن من بعض. والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٧/٤) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد الله بن إسماعيل الجوداني قال أبو حاتم: لين وبقية رجال البزار ثقات. - حديث عبد الله بن مسعود أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٤٠٢/٦) والطبراني في ((الصغير)) (٨/١) وفي ((الكبير)) (٩٩/١٠) رقم (١٠٠١٩) من طريق معاوية بن يحيى عن إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية عن غيلان بن جامع عن = ١٧١ كتاب النفقة يقتضي أن يكون للأب في مال ابنه حقيقة الملك، فإن لم تثبت الحقيقة، فلا أقل من أن يثبت له حق التمليك عند الحاجة. وَرَؤُيَ عنِ النّبِيِّ نَِّ أنه قال: ((إِنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبٍ أَوْلاَّدِكُمْ إِذَا اخْتَجْتُمْ إِلَّيْهِ بَالْمَعْرُوفِ))(١)، والحديث حجة بأوله وآخره، أما بآخره فظاهر؛ لأنه وَّ أطلق للأب الأكل من كسب ولده إذا احتاج إليه مطلقاً عن شرط الإذن والعوض، فوجب القول به . وأما بأوله فلأن معنى قوله ((وإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كسبه))، أي: كسب ولده من كسبه؛ لأنه جعل كسب الرجل أطيب المأكول، والمأكول كسبه لا نفسه، وإذا كان كسب ولده كسبه كانت نفقته فیه؛ لأن نفقة الإنسان من(٢) کسبه، ولأن ولده لما كان من كسبه، کان کسب ولده ککسبه، وکسب کسب الإنسان كسبه فكسب عبده المأذون، فكانت نفقته فيه. حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن النبي وَّيقول قال الرجل: أنت ومالك لأبيك. = قال الطبراني: لا يروى عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد تفرد به ابن ذي حماية وكان من ثقات المسلمين. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٧/٤) وقال: رواه الطبراني في الثلاثة وفيه إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات. وقد وثقه الطبراني كما تقدم. - حديث أبي بكر الصديق أخرجه البيهقي (٧/ ٤٨١) كتاب النفقات: باب نفقة الأبوين، من طريق المنذر بن زياد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: حضرت أبا بكر الصديق فقال له رجل: يا خليفة رسول الله هذا يريد أن يأخذ مالي كله ويجتاحه فقال أبو بكر: إنما لك من ماله ما يكفيك فقال: يا خليفة رسول الله وَلقوله أليس قال رسول الله وَله: أنت ومالك لأبيك. فقال أبو بكر: ارضى بما رضي الله به. قال البيهقي: والمنذر بن زياد ضعيف. والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٥٨/٤ - ١٥٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه المنذر بن زياد الطائي وهو متروك. - حديث عائشة أخرجه ابن حبان (١٠٩٤ - موارد) من طريق عطاء عن عائشة أن رجلاً أتى النبي وَ لّ يخاصم أباه في دين عليه فقال النبي ◌ّله: أنت ومالك لأبيك. - حديث الرجل من الأنصار أخرجه ابن أبي عمر العدني في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية)) (٣٧٥/٢) رقم (٢٥٠٩) من طريق الشعبي عن رجل من الأنصار أنه جاء إلى النبي وير فقال: إن أبي غصبني مالك قال: أنت ومالك لأبيك. (١) تقدم تخريجه من حديث عاشة. (٢) في ط: في. ١٧٢ كتاب النفقة وَأَمَّا نفقة الولد فلقوله - تعالى -: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣](١) أي: رزق الوالدات المرضعات، فإن كان المراد من الوالدات المرضعات المطلقات المنقضيات العدة، ففيها إيجاب نفقة الرضاع على المولود له، وهو الأب لأجل الولد، كما في قوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ أَرْضَغْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وإن كان المراد منهن المنكوحات، أو المطلقات المعتدات، فإنما ذكر النفقة، والكسوة في حال الرضاع، وإن كانت المرأة تستوجب ذلك من غير ولد؛ لأنها تحتاج إلى فضل إطعام وفضل كسوة لمكان الرِّضاع. ألاَ تَرَى أنَّ لها أن تفطِرَ لأجلِ الرَّضَاع إذا كانت صائمة لزيادة حاجتها إلى الطعام بسبب ١١٤٥ الولد، ولأن الإنفاق عند/ الحاجة من باب إحياء المنفق عليه، والولد جزء الوالد، وإحياء نفسه واجب؛ كذا إحياء جزئه، واعتبار هذا المعنى يوجب النفقة من الجانبين؛ ولأن هذه القرابة مفترضة الوصل محرمة القطع بالإجماع، والإنفاق من باب الصلة فكان واجباً وتركه مع القدرة للمنفق وتحقق حاجة المنفق عليه يؤدي إلى القطع، فكان حراماً. واختلف في وجوبها في القرابة المحرمة للنكاح سوى قرابة الولادة، قال أصحابنا: تجب . وقال مالك والشافعي: لا تجبُ، غير أن مالكاً يقولُ: لا نفقة إلاَّ على الأب للابن والابن للأب حتى قال: لا نفقة على الجدّ لابن الابن، ولا على ابن الابن للجد. وقال الشافعي: تجب على الوالدين والمولودين، والكلام في هذه المسألة بناء على أنَّ هذه القرابة مفترضةُ الوصل، محرمةُ القطع عندنا؛ خلافاً لهما. (١) وجه الدلالة: أن الله - عز وجل - أوجب على الآباء أجرة رضاع أولادهم، ولو لم تكن مؤنتهم واجبة عليهم - لما وجب أجر رضاعهم. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ . وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أوجب للوالدات الرزق والكسوة على المولود له، وهو الأب. ولا شكَّ أن ﴿المَوْلُودِ لَهُ﴾ مشتق، فتعلق الحكم به يؤذن بأن ولادة الولد له علة في وجوب الرزق، والكسوة عليه، فإذا وجبت نفقة غير الولد، بسبب الولد - فوجوب نفقته أولى. هذا على أنها في الإنفاق على الزوجات، والمعتدات بدون إرضاع، وأما على أنها الإنفاق على المرضعات جزاء الإرضاع - فهي مثل الآية السابقة، وقد قررت في صدر الرسالة أن الظاهر كونها في الإنفاق للولادة، لا للرضاع، وأن كون الولادة علة لا يتنافى مع إيجاب النفقة للزوجات، والمعتدات بدون ولادة. والمقصود هنا بيان دلالتها على وجوب نفقة الأولاد وعلى الأب. وهي تدل على ذلك بوجهيها. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد. ١٧٣ كتاب النفقة وعلى هذا ينبني العتق عند الملك، ووجوب القطع بالسرقة، وهي من مسائل العتاق - نذكرها هناك إن شاء الله - تعالى -. ثم الكلام في المسألة على سبيل الابتداء، احتج الشافعي فقال: إن الله - تعالى - أوجب النفقة على الأب لا غير بقوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بَالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فمن كان مثل حاله في القرب يلحق به، وإلاَّ فلا، ولا يقال إن الله - تعالى - قال: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذلك﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ لأن ابن عباس - رضي الله عنهما - صرف قوله ذلك إلى ترك المضارة، لا إلى النفقة والكسوة، فكان معناه لا يضار الوارث باليتيم؛ كما لا تضار الوالدة والمولود له بولدهما. ولنا قوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وروي عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - وجماعةٍ من التابعين أنَّهُ معطوفٌ على النفقة والكسوة لا غير، لا على ترك المضارة، معناه وعلى الوارث مثلُ ما على المولود له من النفقة والكسوة، ومصداق هذا التأويل أنه لو جعل عطفاً على هذا لكان عطف الاسم على الاسم، وأنه شائع، ولو عطف على ترك المضارة لكان عطف الاسم على الفعل، فكان الأول أولى؛ ولأنه لو جعل عطفاً على قوله: ((لاَ تُضَارَّ)) لكان من حق الكلام أن يقولَ: والوارث مثل ذلك، وجماعة من أهل التأويل عطفوا على الكلِّ من النفقة والكسوة وترك المضارة؛ لأن الكلام كله معطوف بعضه على بعض بحرف الواو، وأنه حرف جمع فيصير الكل مذكوراً في حالة واحدة فينصرف قوله ذلك إلى الكل، أي: على الوارث مثل ذلك من النفقة والكسوة وأنه لا يضارها ولا تضاره في النفقة وغيرها، وبه تبين رجحان هذين التأويلين على تأويل ابن عباس - رضي الله عنهما -، على أن ما قاله ابن عباس ومن تابعه لا ينفي وجوب النفقة على الوارث، بل يوجب؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] نهى - سبحانه وتعالى - عن المضارة مطلقاً في النفقة وغيرها، فإذا كان معنى إضرار الوالد الوالدة بولدها بترك الإنفاق عليها أو بانتزاع الولد منها وقد أمر الوارث بقوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أنه لا يضارها، فإنما يرجع ذلك إلى مثل ما لزم الأب؛ وذلك يقتضي أن يجب على الوارث أن يسترضع الوالدة بأجر مثلها، ولا يخرج الولد من يدها إلى يد غيرها إضراراً بها. وإذا ثبت هذا فظاهرُ الآيةِ يقتضي وجوب النفقة والكسوة على كلٌ وارث، أو على مطلق الوارث إلاَّ من خُصَّ، أو قُيِّدَ بدليل. وأمَّا القرابة التي ليست بمحرمة للنكاح، فلا نفقة فيها عند عامة العلماء؛ خلافاً لابن أبي لیلی. واحتج بظاهر قوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] من غير فصل بين ١٧٤ كتاب النفقة وارث ووارث، وإنا نقول المراد من الوارث الأقارب الذي له رحمٌ محرمٌ، لا مطلق الوارث؛ عرفنا ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ((وَعَلَى الوَارِثِ ذَي الرَّحِمِ المُحَرمِ مِثْلُ ذَلِكَ)) ولأن وجوبها في القرآن العظيم معلولاً بكونها صلة الرحم؛ صيانة لها عَن القطيعة، فيختص وجوبها بقرابة يجب وصلها ويحرم قطعها، ولم توجد فلا تجب؛ ولهذا لا يثبت العتق عند الملك، ولا يحرم النكاح ولا يمنع وجوب القطع بالسرقة، والله الموفق. فصل في سبب وجوب نفقة الأقارب وأما سبب وجوب هذه النفقة؛ أما نفقة الولادة فسبب وجوبها هو الولادة؛ لأن به تثبت الجزئية والبعضية، والإنفاقُ على المحتاج إحياء له، ويجب على الإنسان إحياء کله وجزئه، وإن شئت قلت سبب [وجوب](١) نفقة الأقارب [في الولادة](٢) وغيرها من الرحم المحرم هو (١) تنوعت أراء الفقهاء فيمن تجب لهم النفقة من القرابة على خمسة مذاهب: الأول: أنها تجب للأب والأم المباشرين على الابن والبنت، وللابن والبنت على أبيهما المباشر، دون أمهما. ولا تجب لغير هذه الأصناف الأربعة من أصول وفروع، وغيرهما - وهذا مذهب المالكية، وهو أضيقُ المذاهب. الثاني: أنها تجب لعمودي النَّسَبِ؛ الأصول وإن علوا، والفروع وإن سفلوا، دون غيرهم من بقية الأقارب. وهذا مذهب الشافعية، وهو أوسع من الأول. والثالث: أنها تجب للأصول والفروع جمیعاً، ولكل ذي رحم محرم سواهما، سواء کان وارثاً، کالأخ، والأخت، وابن الأخ لغير الأم، والعم لغير الأم، أم لا؛ كالعم لأم، والخال، والخالة، والعمة، وابن الأخ لأم، وابن الأخت، وبنت الأخ، بخلاف ذي الرحم الذي ليس بمحرم، سواء كان وارثاً كابن العم لغير الأم، أم لا؛ كابن العم لأم، وولد الخال، أو الخالة، أو العمة. وهذا مذهب الحنفية، وحماد بن أبي سليمان، وهو أوسع من المذهبين قبله. الرابع: أنها تجب للأصول والفروع جميعاً، ولكل موروث من غيرهم على من يرثه بفرضٍ أو تعصيب. وقيل: على من يرثه بالتعصيب فقط وقيل: على من يرثُه، ولو بالرحم. وهذا مذهب الإمام أحمد، وفيه ثلاثُ رواياتٍ في غير الأصول والفروع، كما ترى. الأولى: أنها تجب للموروث على الوارث بالفرض كالأخ لأم والأخت، أو بالتعصيب، كالأخ الشقيق، وابن العم، والمولى المعتق وهذه هي المشهورةُ. وبمثل ذلك قال الحسن، ومجاهد، والنخعي، وقتادة، والحسن بن صالح، وابن أبي لیلی، وأبو ثور. الثانية: أنها تجب للموروث على الوارث بالتعصيب فَقَطْ. وهذه رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد، وبمثلها قال الأوزاعي، وإسحاق، ومجاهد، وعطاء، وقضى بذلك عمر. الثالثة: أنها تجبُ للموروث على الوارث، ولو بالرحم؛ كالخال، والخالة، والعمة. وهذه رواية مخرجة - خرجها أبو الخطاب - على مذهب أحمد في إرث ذوي الأرحام؛ فإنه يورثهم إن لم يوجد ذو فرض، ولا تعصيب. ١٧٥ كتاب النفقة القرابة المحرمة للقطع؛ لأنه إذا حرم قطعها، يحرم كل سبب مفضٍ إلى القطع، وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم مع قدرته/ وحاجة المنفق عليه، تفضي إلى قطع الرحم، فيحرم الترك، ١٤٥ ب وإذا حرم الترك، وجب الفعل(١) ضرورةً. وإذا عرف هذا، فنقول الحال في القرابة الموجبة للنفقة لا يخلو إما أن كانت حال الانفراد، وإما أن كانت حال الاجتماع، فإن كانت حال الانفراد بأن لم يَكُنْ هناك من تجب عليه النفقة إلاَّ واحداً تجب كل النفقة عليه عند استجماع شرائط الوجوب؛ لوجود سبب وجوب كل النفقة عليه؛ وهو الولاد والرحم المحرم وشرطه من غير مزاحم، وإن كانت حال الاجتماع، فالأصل أنه متى اجتمع الأقرب والأبعد، فالنفقة على الأقرب في قرابة الولاد والرواية الأولى والثانية بينهما وبين قول الحنفية - عمومٌ من وجهه، وخصوص من وجه. = والثالثة: ظاهرها أنها أعم عموماً مطلقاً؛ لأن حاصلها أنَّ النفقة تجب لكل الأقارب، سواء أكانوا أصولاً، أم فروعاً، أم حواشي، وسواء أكانوا وراثين بالفرض، أم بالتعصيب، أم بالرحم. وتجب أيضاً للعتيق، وإن لم یکن قريباً. لكن من تأمل وجد بينهما عموماً وجهياً أيضاً، لأن الحنفية قد يوجبونها على ذي الرحم المحرم، وإن كان محجوباً. وهذه الرواية لا توجبها عليه إن كان محجوباً. الخامس: أنها تجب للأصول والفروع جميعاً، ولكل موروث، ولكل ذي رحم محرم. وهذا مذهبُ ابن حزم، ومرادُه بالموروث: من يرثه المنفق، من غير أن يحجبه أحد عن ميراثه، إن مات من عصبة، أو مولى له أسفل؛ هكذا قال في هذا المبحث، وظاهره أنه يريد الإرث بالتعصيب فقط، لكن قد علمت فيما مضى أنه أوجب على الزوجة الغنية أن تنفق على زوجها العاجز عن نَفَقَةٍ نَفْسِهِ، لأنها وارثة له، فتبين بهذا أن مرادَهُ بالموروثِ: من يورث بتعصيب، أو فرضٍ؛ فلعله اقتصر في البيان على الوارث بالتعصيب؛ لأن الوارث بالفرض هو البنت، وبنت الابن، والأم والجدة، والأخت، والأخ لأم، والزوج والزوجة، والجميع داخلون في ذي الرحم المحرم، ما عدا الزوج والزوجة. ونفقة الزوج على الزوجة، ونفقة الزوجة على زوجها قد قال بها فيما مضى؛ فلم يبق إلا الإرث بالتعصيب؛ فلذا اقتصر عليه هنا، فليتأمل. وظهر بهذا أنه يعمم في الموروث؛ فيتعدى به الأقارب، حتى يشمل الزوج، والمولى الأسفل؛ أي: العتيق؛ فيكون أعم من المذاهب السالفة كلها ما عدا الرواية الأخيرة عن الإمام أحمد فإنها أعم منه؛ لشمولها إنفاق ذي الرحم الذي ليس محرماً، ولا وارثاً بفرض، أو تعصيب على ذي رحمه؛ كإنفاق بنت العم على ابن عمها الذي ليس له وراث بالفرض، أو التعصيب. ولعله أعم من هذه الرواية بالنظر، لشموله إنفاق الزوجة على زوجها، وإن كان مقتضى إطلاقهم الوارث في مذهب أحمد، وتمثيلهم بالمعتق أنهم يوافقون ابن حزم في الزوجة، وإن لم يصرحوا بذلك. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، التحفة ٣٤٤/٨، النهاية ٢٦٤/٦، المغني ٢٥٦/٩، كشاف القناع ٣١٣/٣. (٢) سقط من ط . (١) في أ: من الوالدين والمولودين. ١٧٦ كتاب النفقة وغيرها من الرحم المحرم، فإن استويا في القرب، ففي قرابة الولاد يطلب الترجيح من وجه آخر، وتكون النفقة على من وجد في حقه نوع رجحانٍ، فلا تنقسم النفقة عليهما على قدر الميراث. وإن كل واحد منهما وارثاً، وإن لم يوجد الترجيح، فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما، وأما في غيرها من الرحم المحرم، فإن كان الوارث أحدهما والآخر محجوباً، فالنفقةُ على الوارثِ ويرجح بكونه وارثاً، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما وارثاً، فالنفقةُ عليهما على قدر الميراث، وإنما كان كذلك لأن النفقة في قرابة الولاد تجب بحق الولادة لا بحق الوراثة؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكَسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] علق - سبحانه وتعالى - وجوبها باسم الولادة، وفي غيرها من الرحم المحرم تجب بحق الوراثة؛ لقوله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] علَّق - سبحانه وتعالى - الاستحقاق بالإرث، فتجب بقدر الميراث؛ ولهذا قال أصحابنا أن من أوصى لورثة فلان وله بنون وبنات، فالوصية بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولو أوصى لولد فلان، كان الذكر والأنثى فيه سواء، فدل به ما ذكرنا . وبيان هذا الأصل إذا كان له ابن وابن ابن، فالنفقة على الابن؛ لأنه أقرب، ولو كان الابن معسراً وابن الابن موسراً، فالنفقةُ على الابن أيضاً، إذا لم يكن زَمناً؛ لأنه هو الأقربُ، ولا سبيل إلى إيجاب النفقة على الأبعد مع قيام الأقرب إلاَّ أن القاضي يأمر ابن الابن بأنه يؤدي عنه على أن يرجع عليه إذا أيسر، فيصير الأبعدُ نائباً عن الأقربِ في الأداء، ولو أدى بغير أمر القاضي لم يرجع، ولو كان له أب وجدٌّ، فالنفقة على الأب لا على الجد؛ لأن الأبَ أقرب. ولو كان الأب معسراً، والجدُّ موسراً، فنفقتُهُ على الأب أيضاً إذا لم يكن زَمناً؛ لكن يؤمر الجد بأن ينفقِ، ثم يرجع على الأب إذا أيسر، ولو كان له أب وابن ابن فنفقته على الأب؛ لأنه أقرب إلاَّ أنه إذا كان الأب معسراً غير زمن وابن الابن موسراً، فإنه يؤدي عن الأب بأمر القاضي، ثم يرجع عليه إذا أيسر. ولو كان له أبٌ وابنٌ، فنفقته على الابن لا على الأب، وإن اسْتَوَيَا في القرب والوراثةِ ويرجعُ الابن بالإيجاب عليه؛ لكونه كسب الأب، فيكون له حقاً في كسبه، وكون ماله مضافاً إليه شرعاً؛ لقوله وَّرِ: ((أَنْتَ وَمَالكَ لأَبِيكَ)) ولا يشارك الولد في نفقة والده أحدٌ لما قلنا. وكذا في نفقة والدته؛ لعدم المشاركة في السبب وهو الولادة، والاختصاصُ بالسبب يوجبُ الاختصاصَ بالحكم؛ وكذا لا يشارك الإنسان أحدٌ في نفقة جده وجدته عند عدم الأبِ والأم؛ لأن الجد يقوم مقامَ الأبِ عند عدمه، والجدة تقوم مقام الأم عند عدمها، ولو كان له ابنان فنفقتهُ عليهما على السواء؛ وكذا إذا كان له ابن وبنت، ولا يفضل الذكر على الأنثى في النفقةِ لاستوائهما في سببِ الوجوبِ وهو الولاد. ١٧٧ كتاب النفقة ولو كان له بنت وأخت، فالنفقةُ على البنت؛ لأن الولاد لها، وهذا يدل على أن النفقة لا تعتبر بالميراث؛ لأن الأخت ترثُ مع البنت، ولا نفقة عليها مع البنت، ولا تجب على الابن نفقة منكوحة أبيه؛ لأنها أجنبية عنه إلا أن يكون الأب محتاجاً إلى من يخدمه، فحينئذٍ يجب عليه نفقة امرأته؛ لأنه يؤمر بخدمة الأب بنفسه أو بالأجير. ولو كان للصغير أبوان فنفقتُهُ على الأب لا على الأم بالإجماع، وإن استويا في القرب والولاد، ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحدٌ؛ لأن الله - تعالى - خص الأب بتسميته بكونه مولوداً له، وأضاف الولد إليه بلام الملك، وخَصَّهُ بإيجاب نفقة الولد الصغير عليه بقوله: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي رزق الوالدات المرضعات، سمى الأم والدة والأب مولوداً له، وقال - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَأَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] خص - سبحانه وتعالى - الأب بإيتاء أجر الرضاع بعد الطلاق؛ وكذا أوجب في الآيتين كل نفقة/ ١١٤٦ الرضاع على الأب لولده الصغير، وليس وراء الكل شيءٌ. ولا يقال: إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قال: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والأم وارثة، فيقتضي أن تشارك [الأب](١) في النفقة كسائر الورثة من الرحم المحرم، وكمن قال: أوصيتُ لفلانٍ من مالي بألف درهم، وأوصيتُ لفلانٍ مثل ذلك، ولم تخرج الوصيتان من الثلث أنهما يشتركان فيه؛ كذا هذا؛ لَأنا نقولُ لمَّا جعل الله - عزَّ وجلَّ - كل النفقة على الأب بقوله: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] تعذر إيجابها على الأم حال قيام الأب، فيحمل على حال عدمه؛ ليكون عملاً بالنص من كل وجه في الحالين، ولم يوجد مثل هذا في سائر ذوي الرحم المحرم، وفي باب الوصية لا يمكن العمل بكلَّ واحدةٍ من الوصيتين في حالين، وقد ضاق المحلّ عن قبولهما في حالة واحدة، فلزم القول بالشركة ضرورة(٢). ولو كان الأب معسراً غير عاجز عن الكسب، والأم موسرة، فالنفقة على الأب، لكن تؤمر الأم بالنفقة ثم ترجع بها على الأب إذا أيسر؛ لأنها تصير دَيْناً في ذمته إذا أنفقت بأمر القاضي، ولو كان للصغير أب وأم أم، فالنفقة على الأب والحضانة على الجدة؛ لأن الأم لما لم تشارك الأب في نفقة ولده الصغير مع قربها، فالجدة مع بعدها أولى. هذا إذا كان الولد صغيراً فقيراً وله أبوان موسران، فأما إذا كان كبيراً وهو ذَكَرٌ فقيرٌ عاجزٌ عن الكسب، فقد ذكر في ((كتاب النكاح)) أن نفقته أيضاً على الأب خاصّةً، وذكر الخصاف أنه على الأب والأم أثلاثاً، ثلثاها على الأب وثلثُها على الأم. (١) في أ: الوصل. (٢) سقط من ط . بدائع الصنائع ج٥ - ١٢٣ ١٧٨ كتاب النفقة وجه ما ذكره الخصاف أن الأب إنما خص بإيجاب النفقة عليه لابنه الصغير؛ لاختصاصه بالولاية، وقد زالت ولايته بالبلوغ فيزول الاختصاص، فتجب عليهما على قدر ميراثهما. وجه رواية ((كتاب النكاح)) أن تخصيص الأب بالإيجاب حال الصغر لاختصاصه بتسميته بكونه مولوداً له، وهذا ثابتٌ بعد الكبر، فيختص بنفقته كالصغير، واعتبار الولاية والإرث في هذه النفقة غير سديد؛ لأنها تجب مع اختلاف الدين ولا ولاية ولا وارث عند اختلاف الدين. ولا يشارك الجد أحد في نفقة ولد ولده عند عدم ولده؛ لأنه يقوم مقامَ ولده عند عدمه. ولا يشارك الزوج في نفقة زوجته أحدٌ؛ لأنه لا يشاركه أحدٌ في سبب وجوبها وهو حق الحبس الثابت بالنكاح، حتى لو كان لها زوجٌّ معسر وابن موسرٌ من غير الزوج أو أب موسر أو أخ موسر، فنفقتُها على الزوج لا على الأب والابن والأخ، لكن يؤمر الأب أو الابن أو الأخ بأن ينفق عليها، ثم يرجع على الزوج إذا أيسر، ولو كان له جَدَّ وابن ابن، فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما؛ لأنهما في القرابة والوراثة سواء، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر من وجه آخر، فكانتِ النفقةُ عليهما على قدر الميراث، السدس على الجد، والباقي على ابن الابن؛ کالميراث. ولو كان له أم وجد كانت النفقة عليهما أثلاثاً، الثلثُ على الأم والثلثان على الجد؛ على قدر ميراثهما؛ وكذلك إذا كان له أمُّ وأخ لأب وأمّ، أو لأب، أو ابن أخ لأب وأم أو لأب، أو عم لأم وأب، أو لأب - كانتِ النفقةُ عليهما أثلاثاً، ثلثُها على الأم، والثلثانِ على الأخ وابن الأخ والعم. وكذلك إذا كان له أخ لأب وأم وأخت لأبٍ وأم، كانت النفقة عليهما أثلاثاً على قدر ميراثهما، ولو كان له أخ لأب وأم وأخ لأم، فالنفقة عليهما أسداساً، سدسُها على الأخٍ لأم، · وخمسة أسداسها على الأخ لأبٍ وأم. ولو كان له جد وجدة، كانت النفقة عليهما أسداساً على قدر الميراث، ولو كان له عم وعمة، فالنفقةُ على العمِّ، لأنهما استويا في القرابة المحرمة للقطع والعم وهو الوارث، فيرجع بکونه وارثاً. وكذلك لو كان له عم وخال لما قلنا، ولو كان له عمة وخالة أو خال، فالنفقة عليهما أثلاثاً، ثلثاها على العمةِ، والثلثُ على الخالِ أو الخالةِ، ولو كان له خال وابن عم، فالنفقةُ على الخال لا على ابن العم؛ لأنهما ما استويا في سبب الوجوب وهو الرحم المحرم للقطع؛ إذ الخال هو ذو الرحم المحرم، واستحقاق الميراث للترجيح، والترجيح يكون بعد الاستواء في رکن العلة، ولم يوجد. ١٧٩ كتاب النفقة ولو كان له عمة وخالة وابن عم، فعلى الخالة الثلثُ، وعلى العمة الثلثان، لاستوائهما في سبب استحقاقِ الإرثِ، فتكون النفقةُ بينهما على قدر الميراث، ولا شيء على ابن العم؛ لانعدام سبب الاستحقاق في حقه، وهو القرابة المحرمة القطع/ . ١٤٦ ب ولو كان له ثلاث أخوات متفرقات وابن عم، فالنفقةُ على الأخوات على خمسة أسهم، ثلاثةُ أسهم على الأخت لأب وأم، وسهمٌ على الأخت لأم، وسهم على الأخت لأب؛ على قدر الميراث، ولا يعتد بابن العم في النفقة لانعدام سبب الاستحقاق في حقه، فيلحق بالعدم؛ كأنه ليس له إلا الأخوات وميراثه لهن على خمسة أسهم؛ كذا النفقة عليهن، ولو كان له ثلاثة أخوة متفرقين فالنفقة على الأخ للأب والأم وعلى الأخ للأم على قدر الميراث أسداساً، لأن الأخ لا يرث معهما فيلحق بالعدم. ولو كان له عم وعمة وخالة، فالنفقة على العم؛ لأن العم مساوٍ لهما في سبب الاستحقاق وهو الرحم المحرم، وفضلهما بكونه وارثاً؛ إذ الميراث له لا لهما، فكانت النفقة عليه لا عليهما وإن كان العم معسراً، فالنفقة عليهما؛ لأنه يجعل كالميت. والأصلُ في هذا أن كُلَّ من كان يجوز جميع الميراث وهو معسر يُجعل كالميت، وإذا جعل كالميت، كانتِ النفقةُ على الباقين على قدر مواريثهم، وكلُّ من كان يجوز بعض الميراث لا يجعل كالميت، فكانتِ النفقةُ على قدر مواريث من يرث معه. بيانُ هذا الأصل: رجلٌ معسر عاجزً عن الكسب، وله ابن معسر عاجزٌ عن الكسب أو هو صغير، وله ثلاثة أخوة متفرقين، فنفقة الأب على أخيه لأبيه وأمه، وعلى أخيه لأمه أسداساً، سدس النفقة على الأخ لأم، وخمسة أسداسها على الأخ لأب وأم، ونفقة الولد على الأخ لأب وأم خاصة؛ لأن الأب يحوزُ جميعَ الميراث؛ فيجعل كالميت، فتكون نفقة الأب على الأخوين على قدر ميراثهما منه وميراثهما من الأب، هذا فأما الابن فوارثه العم لأب وأم، لا العم لأب ولا العم لأم، فكانت نفقته على عمه لأبٍ وأم. ولو كان للرجل ثلاثُ أخوات متفرقات كانت نفقته عليهن أخماساً، ثلاثة أخماسها على الأخت لأب وأم، وخمسٌ على الأخت لأبٍ، وخمس على الأخت لأمّ؛ على قدر مواريثهن، ونفقة الابن على عمته لأب وأم؛ لأنها هي الوارثة منه لا غير. ولو كان مكان الابن بنت، والمسألة بحالها، فنفقة الأب في الأخوة المتفرقين على أخيه لأبيه وأمه، وفي الأخوات المتفرقات؛ على أخته لأبيه وأمه؛ لأن البنت لا تجوز جميع الميراث، فلا حاجة إلى أن تجعل كالميتة، فكان الوارث معها الأخ لأب والأم لا غير، والأخت لأب وأم لا غير، لأن الأخ والأخت لأم لا يرثان مع الولدِ والأخ للأب لا يرث مع الأخ لأب وأم، والأخت لأب لا ترث مع البنت والأخت لأب وأم؛ لأن الأخوات مع البنات عصبة، وفي العصبات تقدم الأقرب فالأقرب، فكانت النفقة عليهما. ١٨٠ كتاب النفقة وكذلك نفقة البنت على العم لأب وأم، أو على العمة لأب وأم؛ لأنهما وارثاها بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك لا يمكن إيجاب (١) النفقة على الأخوة والأخوات إلاَّ بجعل الابن كالميت؛ لأنه يحوز جميع الميراث، فمست الحاجة إلى أن يجعل ميتاً حُكماً، ولو كان الابن ميتاً، كان ميراث الأب للأخ لأب وأم، للأخ لأم أسداساً، وللأخوات أخماساً، فكذا النفقة، وعلى هذا الأصل مسائل. فصل في شرائط وجوب هذه النفقة وأما شرائط وجوب هذه النفقة فأنواع، بعضُها يرجع إلى المنفق عليه خاصَّة، وبعضُها يرجع إلى المنفق خاصَّةً، وبعضُها يرجع إليهما، وبعضُها يرجع إلى غيرهما، أما الذي يرجعُ إلى المنفقِ عليه خاصة فأنواعٌ ثلاثةٌ : أحدها: إعساره، فلا تجبُ لموسر عَلَىْ غيره نفقةٌ في قَرابةِ الولاد وغيرها من الرحم المحرم (٢)؛ لأن وجوبها معلولٌ بحاجة المنفق عليه، فلا تجب لغير المحتاج؛ ولأنه إذا كان (١) في ط: الإيجاب للنفقة. (٢) اتفق الفقهاء على أنه يشترط في وجوب إنفاق الشخص على قريبه أن يكون القريب محتاجاً إلى النفقة؛ بأن يكون معسراً بالمال، عاجزاً عن الكسب. لكن لهم في بعض تفاصيل هذا الشرط اختلاف، وإليك أقوال أهل المذاهب الأربعة فيه. أ - فالشافعية قالوا: يشترط أن يكون من تجب نفقته محتاجاً، فإن كان موسراً، لم يستحق، لأنها تجب على سبيل المواساة، والموسر مستغن عن المواساة، وإن كان موسراً عاجزاً عن الكسب، للصغر، أو المرض، أو الجنون، أو الزمانة، أو لكونه لا يحسنه، أو لكونه لا يليق به، أو لاشتغاله بطلب علم شرعي، بحيث ترجى منه النجابة وحيث نفقته؛ لأن الأول عاجز عن كفاية نفسه، والثاني في معناه وإن كان قادراً على الكسب، لكن لم يكتسب، فإن كان من الوالدين - ففيه قولان. أظهرهما: أنه يستحق النفقة، لأنه محتاج؛ فاستحق النفقة على ولده، ولا يكلف كسباً، لعظم حرمة الأصل، ولأن فرعه مأمور بمصاحبته بالمعروف، وليس منها تكليفه الكسب مع كبر السن. والقول الثاني - لا يستحق؛ لأن القوة كاليسار، ولهذا سوى - رسول الله وَيقول بينهما في تحريم الزكاة؛ فقال: ((لاَ تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لِغنِيِّ، وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٌّ)). ومحل القولين: إذا لم يشتغل بمال الولد ومصالحه. وإلا وجبت نفقته جزماً. وإن كان من المولودين، ففيه طريقان: من أصحابنا قال: فيه قولان کالوالدين. ومنهم من قال: لا يستحق قولاً واحداً وهو المذهب: لأن حرمة الوالد أكد فاستحق بها مع القوة، وحرمة الولد أضعف، فلم يستحق بها مع القوة. والحنابلة قالوا: يشترط فيمن تجب له النفقة أن يكون فقيراً، لا مال له، ولا كسب يستغني به عن إنفاق غيره؛ فإن كان موسراً، أو له كسب يكفيه، فلا نفقة له وإن لم يكف وجب إكمالها له، وتجب نفقة من لا =