النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب النفقة
منزله بغير إذنه، وامتناعها من الانتقال معه إلى مسكن مثلها، أو من السفر معه، وإحرامها بحج منذور في
ذمتها أو بحج منذور معين في وقته، أو بحج تطوع، وصومها نذراً، أو قضاء مع اتِّسَاعِ وقته بدون إذنه،
أو نذراً معيناً في وقته، أو تطوّعاً، امتنعت فيه من الفطر عند طلبه، وحبسها إياه ظلماً.
والمالكية ذكروا: الخروج عن محل طاعة الزوج الحاضر ظلماً، بلا إذن، وهي في عصمته، إن كان خفية
المكان مجهول، سواء أقدر على ردّهَا، أم لا، وكذا إن كان جهراً، أو خفية لمكانٍ معلومٍ، ولم يقدر على
منعها ابتداء، ولا على ردّها، وتطوعها بالحج بدون إذنه.
وأما منعها الزوج من الاستمتاع - ففيه روايتان المشهورة منها: أنه نشوزٌ.
هذا بيان الاختلاف في الأوجه التي يحصل بها النشوز إجمالاً .
وأما حكم النشوز، من حيث إنه يسقط نفقة الزوجة، أو لا يسقطها، فقد اختلفوا فيه على مذهبين:
أولهما: أنه يسقط النفقة، وهو مذهب جمهور الفقهاءِ من الأئمة الأربعة، وغيرهم، كشريح، والشعبي،
والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والحسن، والزهري، والأوزاعي، وأبي ثور.
ومن هؤلاء من يستثني الحامل بناء على أن النفقة للحمل، كالمالكية، وأحمد - في أرجح الروايتين،
وسيأتي في نفقة المعتدة الخلاف في أن النفقة للحمل، أو الحامل.
ثانيهما: أنه لا يسقطها، وإليه ذهب الحكم بن عتيبة، وأبو محمد علي بن حزم الظاهريِّ، وإليك أدلة
القولین.
أ - استدلَّ القائلون: بأن النشوز يسقط النفقة بدليلين:
(١) الإجماع، حكاه ابن حجر في ((التحفة)) والرملي في ((النهاية)) وابن الهمام في ((فتح القدير)).
وأنت خبير بأنه قد خالف في ذلك الحكم بن عتيبة، حكاه ابن المنذر عنه، كما في ((مغني الحنابلة)) حيث
قال: ((ولا أعلم أحداً خالف هؤلاء؛ يعني: عامَّة أهل العلم إلا الحكم))! هـ. وحكاه أيضاً ابن حزم في
((المحلى)): حيث قال ((ومن طريق شعبة، سألت الحكم بن عتيبة عن امرأة خرجت من بيت زوجها
غاضبة، هل لها نفقة؟ قال: نعم))١ هـ. قال ابن حزم: ((ولا يُحفظ منع الناشز من النفقة عن أحد من
الصَّحابةِ، وإنما هو شيء رُوي عن النخعي، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والحسن. والزهري))
١ هـ.
فالإجماع لا يصحُ إلا أن يريدوا به إجماع الأكثر، وهو لا يكون حجةً على ما رجحه الأصوليُّون.
(٣) - إن النفقة عوض عن التمكين، أو الاحتباس المؤدّي إلى المقصود من الجماع، أو دواعيه، فإذا منع
ذلك بالنُّشوز - منعت النفقة أقول: هذا استدلالٌ من قبيل الاقتراني يمكن صوغه هكذا: ((النفقة عوض عن
التمكين، أو الاحتباس ... الخ وكل ما كان كذلك يسقط بسقوط ما ذكر)).
أما الصُّغرى - فربما يستدلَّ عليها بما قال ابن قدامة في ((المغني)): من أن الزوجة يجوزُ لها منع زوجها من
التمكين، إذا منعها النفقة.
ولا شك أن منعها إياه من التمكين يصدقُ عليه أنه قطع لاستمرار التمكين الحكمي، الذي يدلُّ عليه
العرض ونحوه. ويصدق عليه أنه قطع للاحتباس المؤدّي إلى المقصود من الجماع، أو دواعيه، فلا بدَّ أن
تكونَ النفقةُ عوضاً عن أحدهما.
لكن القائلون بعدم إسقاطِ النّشوز للنفقة لا يسلمون جواز منع المرأة التمكين، إذا منعها زوجها النفقة، بل
صرح ابن حزم:

١٤٢
كتاب النفقة
بحرمة ذلك عليها: ولهذا رأيت أن أسْتَدِلَّ عليها بما يأتي: لا شَكَّ أن الزوجة كانت أجنبية، فلم تكن لها
=
نفقة، ثم تزوجت؛ فوجبت لها النفقةُ، ثم إذا أَبينت وانتهت عدتها - لم يكن لها نفقة، وهذا دليل على أن
النفقة عوض عن الزوجية، أو عن صفة مصاحبةٍ لها، إذ لو كانت منحة بلا مقابل - لما اختلفت باختلاف
هذه الأحوال وإذا نظرنا إلى الزوجية، والصَّفَاتِ التي تصاحبها، كالاحتباس، والتمكين، والاستمتاع .
وجدنا أن الزوجية لا تصلُح معوضاً للنفقة، إذ المهر عوض عنها وأيضاً لو كانت معوضاً لوجبت
للصغيرة، ولو في بيت أهلها، مع أنها لا تجبُ، وإلا لأنفق النبي ◌َّه على عَائِشَةَ قبل الزفاف.
والاحتباس على إطلاقه لا يصلح أيضاً، لما تقرر من عدم الإنفاق على عائشة قبل الدُّخول.
والاستمتاع لا يصلُح، وإلا لما وجب الإنفاق عند سفر الرجل، أو زهده في الاستمتاع، فبقي التمكين
بالعرض ونحوه، بحيث يؤدّي إلى المقصود، والاحتباس المؤدي إلى المقصود.
فالنفقة إما أن تكونَ عوضاً عن هذا، أو ذاك. وهذا يكفي في المقام، وإن كان الراجح أنها عوض عن الثاني.
وأما الكبرى - فظاهرة، إذ لا شك أن كل عوض يسقط بسقوط معوضة، وبما ذكر اندفع قول ابن حزم:
((وما نعلم لهم حجة، إلا أنهم قالوا: النفقة بإزاء الجماع، فإذا منعت الجماع منعت النفقة.
وهذه حجة أفقر إلى ما يصححها مما راموا تصحيحها بهَ، وقد كَذَبوا في ذلك. ما النفقة والكسوةُ إلا بإزاء
الزوجية، فإذا وجدت الزوجية - فالنفقة، والكسوة واجبتان، والعجب كلّه استحلالهم ظلم الناشز في منع
حقّها، من أجل ظلمها للزوج في منع حقّه، وهذا هو الظلم بعينه. والباطل صراحاً. والعجب كله أن
الحنيفيين لا يجيزون لمن ظلمه إنسانٌ، فأخذ له مالاً؛ فقدر على الانتصاف من مال يجده لظالمه - أن
ينتصف، ورأوا منع الناشز النفقة، والكسوة، ولا يدري لماذا، وقد تناقضوا في حجتهم المذكورة، فرأوا
النفقة للمريضة التي لا يمكن وطؤها، فتركوا قولهم: ((إن النفقة بإزاء الجماع)) اهـ.
وقد اشتمل کلامه على عدة دعاوی:
منها: أنه قال: إن النفقة بإزاء الزوجية، وقد علمت أن الزوجية لا تصلح معوضاً.
ومنها: أنهم استحلُوا الظلم في مقابلة - الظُلم، وهو مبنيّ على زعمه أن منع النفقة - ظلمٌ. والواقع أنه
منع، مقابل لمنع ما هو عوض عنه.
ومنها: تناقض القائلين بسقوط النفقة بالنشوز، حيث أوجبوا النفقة للمريضة التي لا يمكن وطؤها، فتركوا
قولهم: إن ((النفقة بإزاء الجماع .. )) وقد عملت أنهم إنَّما قالوا: ((إن النفقة بإزاء التمكين، أو الاحتباس
المؤدّي إلى المقصود - من الجماع، أو دواعيه)) والمريضة إن امتنع جماعها - لم يمتنع دواعيه، بخلاف
الناشزة .
ب - واستدلَّ من قال بعدم إسقاط النشوز للنفقة بإطلاق النصوص، وقد ذكر ابن حزم من ذلك ما يأتي:
١ - قوله وَ﴾: ((وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولم يستثن الناشز.
٣ - ما ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ((أنه كتب إلى أمراء الأجناد: أن انظروا من طالت
غيبته - أن يبعثوا نفقة، أو يرجعوا، أو يفارقوا، فإن فارق - فعليه نفقةُ ما فارق من يوم غاب)) ١ هـ ولم
يخص ناشزاً من غيرها.
قال ابن حزم: وما نعلم لعمرَ في هذا مخالفاً من الصحابة - رضي الله عنهم ..
وقد يقوم بالمرأة وصف مفوت للاستمتاع لا خروج فيه عن طاعة الزوج، فلا يعدّ نشوزاً، لكنه قد يلحق
بالنشوز، فيسقط النفقة عند القائلين بإسقاط النشوز إياها.
=

١٤٣
كتاب النفقة
وفي كتب المذاهب الأربعة أمثلة لذلك، قد يختلف الفقهاء في بعض تفاصيلها، وهاك نموذجاً من ذلك
=
بلا موازنة، ولا ترجيح، لا تفرغ لما هو أهم:
أ - السفر: لا شك أن سفر المرأة بغير إذن زوجها يعتبر من النشوز المسقط للنفقة، إلا أن الشافعية
والحنابلة يشترطون في إسقاطه النفقة ألا يصحبها زوجها، متمكناً من التمتع بها.
والمالكية يشترطون أن يكون زوجها حاضراً، وألا يقدر على منعها ابتداءً، ولا على ردّها بعد الخروج،
وألا تكون مطلقة .
وأما سفرها بإذن زوجها - فظاهر مذهب المالكية: أنه لا يسقط نفقتها مطلقاً، وهو أحد قولين للشافعي،
وأحد احتمالين عند الحنابلة. وذهب الشافعي في أظهر القولين، والحنابلة في أرجح الاحتمالين إلى أنه
إن كان لغير حاجة الزوج، ولم يصحبها فيه، متمكناً من التمتع بها - أسقط نفقتها، وإلا فلا. واستثنى
الحنابلة ما لو كان السفر للحج الواجب، أو العمرة الواجبة؛ فإنه لا يسقط النفقة عندهم، إن أحرمت
بذلك في الوقت الواجب في الميقات.
والحنفية: لم أر لهم كلاماً في سفر الزوجة، لحاجة زوجها، بدون أن يصحبها، لكنهم تكلّموا في سفرها
مع زوجها، لحج، أو عمرة، أو تجارة، وفي سفرها بدونه، لحج، فقالوا: لو سافرت معه لحج، أو
عمرة، أو تجارة فلها النفقة، لبقاء الاحتباس، لكن إن كان قد خرج معها، لأجلها - لم يجب عليه إلا
نفقة الحضر، وإن كان هو الذي أخرجها معه - وجب عليه نفقة السفر والكراء، ولو سافرت بدونه لحج،
ولو فرضاً، ولو مع محرم - فلا نفقة لها، لفوات الاحتباس.
وعن أبي يوسف أنها لو سافرت مع محرم، لحج الفرض، بعد انتقالها إلى منزل الزوج - لم تسقط
نفقتها، لحصول التسليم بالانتقال، فلا يضر فواته بعذر، لكن إنما يلزمه على هذا نفقة الحضر فقط.
ب - الحبس
(ذهب الشافعية والحنفية والحنابلة) إلى أن الزوجة إن حبست، ولو ظلماً - سقطت نفقتها، لفوات
الاحتباس من جهتها .
واستثنى الحنفية ما لو حبسها الزوج بدين له، لأنه المفوت للاستمتاع، وما لو قدر على الوصول إليها في
الحبس، لأنه لا تفویت.
واستثنى الشافعية ما لو حبسها الزوج بدين له، وهي معسرة، لأنه المفوت للاستمتاع.
وذهب المالكية إلى أنها إن حبست بدين - لم تسقط نفقتها، إلا إذا كانت مماطلة، لتفويتها التمتع بلا
عذر.
هذا حكم حبس الزوجة. أما حبس الزوج - فإنه لا يسقط النفقة في المذاهب الأربعة، لأن فوت
الاحتباس إنما هو لمعنى من جهته .
لكن استثنى الحنابلة ما لو حبسة الزوجة؛ ظلماً؛ بأن كان معسراً؛ لأن الفوات حينئذ بظلمها.
واستثنى الشافعية ما لو حبسة، ولو بحق، لأن الفوات بسببها.
ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، التحفة ٣٢٥/٨ والنهاية ٢٥٥/٥، المبسوط ١٨٦/٥، فتح
القدير ٣٢٥/٣ المحلى ١٠/ ٩٢.

١٤٤
كتاب النفقة
النكاح أن تمنع نفسها من الزوج بغير حق خارجة من منزله؛ بأن خرجت بغير إذنه، وغابت
أوسافرت. فأما إذا كانت في منزله، ومنعت نفسها في رواية - فلها النفقة؛ لأنها محبوسة
لحقه منتفع بها ظاهراً وغالباً؛ فكان معنى التسليم حاصلاً، والنشوز في العدة أن تخرج من
بيت العدة مراغمة لزوجها، أو تخرج لمعنى من قبلها، وقد روي أن فاطمة بنت قيس كانت
تبذو على أحمائها، فَتَقَلَهَا النَّبِيُّ وَّهَ إِلَى بَيْتِ ابْنٍ أُمّ مَكْثُومٍ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً وَلاَ
سُكْنَى(١)؛ لأن الإخراج كان بمعنى من قبلها، فصارت كأنها خرجت بنفسها، مراغمة
لزوجها .
وأما الثاني: وهو الشرط الذي يخص نفقة العدة، فهو ألا يكون وجوب العدة بفرقة
حاصلة من قبلها بسبب محظور استحساناً، والقياس أنه ليس بشرط، وقد مر وجه القياس
والاستحسان فيما تقدم، وكل امرأة لها النفقة فلها الكسوة؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ
لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بَالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وغير ذلك من النصوص التي ذكرناها فيما تقدم؛
ولأن سبب وجوبهما لا يختلف، وكذا شرط الوجوب ويجبان على الموسر والمعسر؛ لأن
دليل الوجوب لا يفصل، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وكل امرأة لها النفقة لها السكنى؛ لقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ
وِجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وقرأ ابن مسعود - رضي الله عنه - (أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا
عليهن من وجدكم)، ولأنهما استويا في سبب الوجوب وشرطه، وهو ما ذكرنا، فيستويان في
الوجوب، ويستوي في وجوبهما أصل الوجوب الموسر والمعسر؛ لأن دلائل الوجوب لا
توجب الفصل، وإنما يختلفان في مقدار الواجب منهما، وسنبينه إن شاء الله - تعالى - في
موضعه .
ولو أراد الزوج أن يسكنها مع ضرتها، أو مع أحمائها؛ كأم الزوج وأخته وبنته من غيرها
وأقاربه، فأبت ذلك - عليه أن يسكنها في منزل مفرد؛ لأنهن ربما يؤذينها ويضررن بها في
المساكنة، وإباؤها دليل الأذى والضرر؛ ولأنه يحتاج إلى أن يجامعها، ويعاشرها في أي وقت
يتفق، ولا يمكنه ذلك إذا كان معهما ثالثٌ، حتى لو كان في الدار بيوت، ففرغ لها بيتاً،
وجعل لبيتها غلقاً على حدة - قالوا: إنها ليس لها أن تطالبه ببيت آخر.
ولو كانت في منزل الزوج، وليس معها أحد يساكنها، فشكت إلى القاضي أن الزوج
يضربها ويؤذيها - سأل القاضي جيرانها فإن أخبروا بما قالت، وهم قوم صالحون - فالقاضي
١٤١أ يؤدبه، / ويأمره بأن يحسن إليها، ويأمر جيرانه أن يتفحصوا عنها. وإن لم يكن الجيران قوماً
(١) تقدم تخريجه في كتاب النكاح.

١٤٥
كتاب النفقة
صالحين - أمره القاضي أن يحولها إلى جيران صالحين، فإن أخبروا القاضي بخلاف ما قالت -
أقرها هناك، ولم يحولها، وللزوج أن يمنع أباها وأمها وولدها من غيره، ومحارمها من
الدخول عليها؛ لأن المنزل منزله، فكان له أن يمنع من شاء، وليس له أن يمنعهم من النظر
إليها، وكلامها خارج المنزل؛ لأن ذلك ليس بحق له، إلا أن يكون في ذلك فتنة؛ بأن يخاف
عليها الفساد - فله أن يمنعهم من ذلك أيضاً.
فضل في مقدار الواجب
وأما بيان مقدار الواجب منها فالكلام في هذا الفصل في موضعين :
أحدهما: في بيان ما تقدر به هذا النفقة.
والثاني: في بيان ما تقدر به.
أما الأول: فقد اختلف العلماء فيه. قال أصحابنا: هذه النفقة غير مقدرة بنفسها بل
بكفايتها. وقال الشافعي: مقدرة بنفسها، على الموسر مدان، وعلى المتوسط مد ونصف،
وعلى المعسر(١) مد، واحتج بظاهر قوله - تعالى -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]؛
(١) اختلف الأئمة فيما يجب للزوجة من النفقة بمعنى الطعام، أهو مقدر، أم تابع لكفايتها؟
فذهب الجمهور؛ ومنهم أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي في قول إلى أنه لا يتقدر بقدر معين،
وإنما يكون بحسب كفاية الزوجة.
وذهب الشافعي في المشهور عنه إلى أنه مقدر يختلف قدره باختلاف حال الزوج؛ فعلى الموسر مُدَّانٍ،
وعلى المعسر مُدِّ، وعلى المتوسط مدَّ ونِصْفٌ كل يوم، من غالب قوت محل الزوجة، سواء أكان حَبّاً؛
كالقمح، والشعير، أم غيره؛ كالأقط واللبن.
هذا إذا لم تأكل عنده؛ فإن أكلت كفايتها عنده على العادة ففيه وجهان للشافعية؛ أصحهما: سقوط نفقتها
بذلك، ما لم تكن أمة لم يأذن لها سيدها، أو محجوراً عليها، لم يأذن لها وليها.
وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: هو مقدر لا يختلف قدره. وهو رطلان من الخبز في حق الموسر
والمعسر، لكن تختلف صفته وجودته؛ باختلاف اليسار والإعسار.
هذه ثلاثةٌ مذاهب في تقدير الطعام، وإليك أدلة كل مذهب:
(١) استدلَّ الجمهورُ الذاهبون إلى عدم التقدير؛ بالكتاب، والسنة، والمعقولة.
أما الكتاب - فقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ .
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أوجب الرزق، والكسوة على المولود له، وهو الزوج، ولم يقدر في الآية
شيئاً معيناً، لا كيْلاً، ولا وزناً، ولا نوعاً من الطعام، بل أحال ذلك على المعروف، وهو ما تعارفه
النَّاسُ، وليس فيما تعارفوه تقدير.
وأما السنة - فمنها :
قوله رَّ في خطبة حجة الوداع: ((وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ».
بدائع الصنائع ج٥ - م١٠
=

١٤٦
كتاب النفقة
ب - وقوله وَّه - لهند: ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ، وَوَلَدَكِ بالمَعْروف)).
=
وقد سبق الكلام في هذين الحديثين ولا شك أن المعروف. هو ما تعارفه النَّاسُ، لا التقدير . .
ومما يؤيد ذلك أن النبي ◌َ﴿ جعل نفقة المرأة مثل نفقة الخادم، وسؤَّى بينهما في ردّهما إلى المعروف،
فقال في الزوجات: ((وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعْرُوفِ))، وقال في الخادم ((لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ
وَكِسْوَتُهُ بِالمَعْرُوفِ».
ولا ريب أن نفقة الخادم غيرُ مقدرة، ولم يقل أحد بتقديرها؛ فكذلك نفقة الزوجة.
وأما المعقول - فهو: أنها وجبت بكونها محبوسة بحق الزوج، ممنوعة من الكسب لحقه، فكان وجوبها
بطريق الكفاية؛ كنفقة القاضي، ونحوه.
(٣) واستدلَّ أصحابُ الشافعي، القائلون بالتقدير بالأمداد بدلیلین:
أحدهما: يدلُّ على أصل التفات بحسب حال الزوج، وهو قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ
قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا أَنَهُ الله﴾.
وسبق الاستدلالُ به على ذلك في المبحث السَّادسِ.
وثانيهما: يدل على التقدير بالأمداد وتعيين الجنس بغالب فوق محل الزوجة، وهو قياسُ طعام الزوجة
على الكفارة، بجامع أن كلاً منهما مال يجب بالشرع، ويستقر في الذمة وأكثر ما وجب في الكفارات:
لكل مسكين مُدَّانٍ، مثل: كفارة الحلق، ونحوه في النسك. وأقل ما وجب فيها: لكل مسكين مد في
كفارة اليمين، ونحوه؛ فلزم الموسر من الأزواج الأكثر، والمعسر الأقل، والمتوسط ما بينهما.
ويرد على هذا القياس أوجه من الاعتراضات.
أ - أن هذا قياس في التقديرات، وهو لا يصحُّ، إذ التقديرات لا يعقل لها معنى.
ويجاب: بأن هذا الاعتراض جَارٍ على رأي من يمنع القياس في التقديرات، وليس بسديد؛ لأنه قد يعقل
له معنى، كما هنا، ومحل بسط ذلك كتب الأصول.
لكن سيأتي البحثُ في المعنى الذي ذكر هنا.
ب - إن المقيس عليه - وهو طعامُ الكفَّارةِ - بخالفُ المقيس من أوجه:
الأول: أنه لا يختلفُ باليسار، والإعسار.
والثاني: أنه حقُّ الله تعالى، ولذا لا يسقط بالإسقاط.
والثالث: أنه لا يجوزُ إخراج العوض عنه، ولذا لو أخرج القيمة لم تجزئه.
وقد يجاب: بأن المخالفة من هذه الأوجه لا تقدح، فإن العلة المشتركة بينهما، هي: أن كلاً منهما مالٌ
يجب بالشرع، ويستقر في الذمة، وهذه العلة، لم تمسَ بسُوءٍ.
وفي ذلك نظر فإن من تأمل - وجد أن هذه الفروق يمكن أن يؤخذ منها ما يصلح علة للتقدير في طعام
الكفارة، بأن يقال: العلة في التقدير فيه: أنه طعام أوجبه الشارع عبادة محضة، وحقًّا خالصاً له، فأشبه
الزكاة، وهي مقدرة. وهذه العلةُ غيرُ مشتركة، فإن نفقةٌ الزوجة حق لآدمي، فأشبه نفقة المملوك،
والقريب، وهما على الكفاية.
جـ - إن العلة التي ذكرت في القياس منقوضة، فإنها موجودة في الكسوة، إذ هي: مال يجب بالشّزع،
ويستقر في الذمة، والذي قررتموه فيها: أنها على الكفاية.
د - إن هذا القياسَ معارض بالاستدلال الآتي. وهو: أن التقدير بالحبّ يؤدي إلى أمر باطل، لأن أكثر =

١٤٧
كتاب النفقة
..
الناس يطعم أهله الخبز، فإن جعلتم هذا معاوضه - كان رِباً ظاهراً، وإن لم تجعلوه معاوضه - فالحبُّ
=
ثابتٌ لها في ذمته، فلها أن تطالبه به في حياته، وتأخذ من تركته بعد وفاته، مع إنفاقه عليها كل يوم
حاجتها من الخبز، والشريعة الكاملة المشتملة على العدل - تأبى ذلك، كما يأباه العقلُ والعرفُ. ويجاب
عن ذلك: بأن مَنْ أكلت عند زوجها معه، أو وحدها على العادة، أو أضافها إنسان؛ لأجله سقطت
نفقتها، لأطباق السلف والخلف عليه، فلا يلزم شَيْءٌ من هَذَيْنِ المحظورين.
وأنت خبير بأن للشافعية في هذه الصُّورة وَجْهَيْنِ :
أصحهما: هذا؛ فعلى مقابله - لا يتأتى الجواب.
ثم الوجهان إنما هما في غير الأمة التي لم يأذن لها سيدُها في الأكل والمحجور عليها التي لم يأذن لها
وليها فيه. أما هَاتَانِ - فأكلهما لا يسقط النفقة اتفاقاً بين الشيخين.
فعلى هذا، يبقى الاعتراضُ فيهما، ولعل هذا هو الذي دعا البلقيني إلى الإفتاء بالسقوط فيهما أيضاً، لكن خالفه
الرملي، وابن حجر، وأجابا: بأن جريان الناس على هذا غايته أنه كالوقائع الفعلية، وهي تسقط بالاحتمالات.
وحاصل هذا الجواب أن جريانَ النَّاسِ على الاكتفاء بالأكل من غير تفصيل بين حرةٍ وأمة، ومحجورة
وغيرها، إنما هو من باب وقائع الأحوال، فعمومها يسقط باحتمال التخصيص بغير هاتين، لأن قبضهما
غير معتبر، فإذا أقبضهما الزوج بغير إذن - كان متبرعاً، فلا تسقط عنه النفقة.
هـ ـ إنه قياس في مقابلة النص، وذلك أن نَفَقَّةَ الزوجة أوجبها الشارع بالمعروف، وجعلها على سَبِيلٍ
الكفاية، كما تقدم، وكل منهما ينافي التقدير المذكور.
ويجابُ بأنه لا تنافي: فإن ما قدرناه من المد، وما فوقه هو المعروفُ المستقر في العقولِ، مع أن المد
يكتفي به الزهيد، وينتفع به الرغيب، فما فوقه أولى، فصح فيما أوجبناه أنه كاف بالمعروف وفيه نظر: إذ
المعروفُ يختلف جنساً وقدراً، ولا يتقدر إلا بالاجتهاد، وفَي كُلِّ زمانٍ ومكانٍ.
هذا، وقد أيَّد الشافعية قياسهم المذكور بأمور:
أحدها: أن الشارع اعتبر جنسَ طعام الكفارة بنفقة الأهل، فقال: في كفارة اليمين: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا
عَقَّدتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مُّسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ﴾.
وهذا الاعتبار يدلُّ على المشابهة بينهما؛ فصح قياس ما لم يعلم تقديره، وهو طعامُ الأهل على ما علم
تقديره، وهو طعام الكفارة.
ويرد عليه: منع التقدير، وتعيين الحب في كفّارة اليمين، إذ لم يرد في الكتاب والسنة تعيينٌ فيها، ولا
تقدير بِمُدِّ، ولا رطل، وقد ذهب إلى عدم التقدير فها مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية وعلى تسليم
التقدير والتعيين فيها؛ يقال إنها اختصت به، لكونها عبادةً محضةً، وهذا الاختصاص لا ينافي شبهها
بالنفقة في الجنس؛ فمن أطعم زوجته كفايتها من خبز القمح، وأطعم المسكين مُدًّا من حَبِّ القمح .
يقال: إنه أطعمه مما يطعم أهله.
ثانيها: إن طعام الزوجة تستحقُّه في أيام مرضها، وشبعها، ولو كان بحسب الكفاية يسقط في الأيام
المذكورة، فإذا بطل اعتبار الكفاية حسن تقريبها من الكفّارة.
ويرد عليه: أنها بحسب الكفاية بالمعروفِ؛ أي: ما تعارف الناس أنه كان، وإن كانت في الواقع مستغنية،
ولذا أقررتم في الكسوة أنها بالكفاية، ومع هذا لا تسقط باكتسائها من مالها.
=

١٤٨
كتاب النفقة
ثالثها: أن الطعام المذكور في مقابلة التمتع، وشرف القوامة عليهن؛ فوجب تقديره، كما يقدر كُلِّ ذي
=
مقابل.
ويرد عليه: أن كون المقابلة تقتضي التقدير غير مسلّم، فنفقة الزوجة في مقابلة الاحتباس؛ كنفقة القاضي،
والوالي، وغيرهما، ولا تقدير في شيء مما يُقَابِلُ الاحتباسَ.
رابعها: أنه لو فتح للنّساء باب الكفاية - لوقع التنازع، لا إلى غاية، فتعيَّن التقدير.
ويرد عليه: أن اللزوم غير مسلم، فإن اجتهاد القضاة يوقف التنازع عند حده، وإلا ما كانت نفقةُ القريب
والمملوك على الكفاية .
(٣) ويستدلُّ للقاضي الحنبلي على وجوبٍ رطلين من الخبز بالقياس على كفارة اليمين، لأنها عند الحنابلة
كذلك، وقد جعلها الشّارع معتبرة بطعام الأهل؛ فوجب تساويهما. ويستدلَّ له على عدم التفاوت في
القدر، بأن الموسر والمعسر سواء، فيما تقوم به البنية، ويستدل له على التفاوت في الجودة بآية: ﴿لِينْفِقْ
ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾.
ويرد على القياس: أن حكم المقيس عليه غير مسلم؛ فإن الشارع لم يقدر طعام كفّارة اليمين، ولو سلم -
لم يجب التماثل في القدر، بل يكفر التماثل في الجنس.
ويمكن أن يورد عليه كثير مما أورد على دليلِ المذهبِ السَّابق.
ومن تأمل في المذاهب السَّابقة وأدلتها، ومناقشاتها - لا يسعه إلا أن يجزم بأن نفقة الزوجة ليست مقدرة
بقدر مخصوص، ولا معيناً فيها جنس مخصوص، بل هي بحسب كفاية الزوجة بالمعروف؛ كما هو
مقتضى ظواهر الأدلة، وهو المحقق للعدالة، فإن التقدير بالأمداد، قد يكون فيه إجحاف بامرأة المعسر
التي لا يكفيها المدُّ. وإحجاف بالموسر الذي يكفي زوجته أقل من مُذَيْنٍ.
ولم يحفظ عن أحد من الصحابة قَطْ تقدير النفقة لا بمدِّ، ولا برطل، بل المحفوظُ عنهم، والذي اتَّصل
به العمل في كل عصر ومصر؛ أنهم كانوا ينفقون على أهليهم الخبز والإدام من غير تقدير.
وصح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُوهَ أَهْلِيكُمْ﴾: الخبز، والزيت.
وعن عمر بن الخطاب: الخبز والسمن، والخبز والتمر.
ومثل هذا مرويٍّ عن علي، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك - رضوان الله عليهم -.
ففسر الصحابة إطعام الأهل بالخبز مع غيره من الأدم.
والله ورسوله ذكرا الإنفاق مطلقاً من غير تحديد، ولا تقدير، ولا تقييد؛ فوجب ردُّهُ إلى العُرف، لو لم
يرده النبي ◌َّر فكيف وهو الذي ردَّ ذلك إلى العُرف، وأرشد أمته إليه؟.
ومن المعلوم أن أهل العرف، إنما يتعارفون بينهم في الإنفاق على أهليهم الخبز، والإدام دون الحب.
والنبي ◌َّه وأصحابه، إنما كانوا ينفقون على أزواجهم كذلك، دون تمليك الحب وتقديره.
وإلى هذا ذهب جمهورُ الأئمةِ، ومنهم: الشافعي في قول، واختاره أصحابُ الحديث من الشَّافعية؛ كابن
خزيمة، وابن المنذر، واختاره من الشافعية أيضاً أبو الفضل بن عبدان. وقال الروياني في ((الحلية)): هو
القیاسُ، وقال الزركشي: هو القويّ في الدلیل وقال النووي في «شرح مسلم» ۔ عند شرح حديث هند -:
((هذا الحديث يردّ على أصحابنا))، وقال الأذرعي: لا أعرف لإمامنا سلفاً في التقدير، ولولا الأدب -
لقلت: إنها بالمعروف؛ تأسّياً واتباعاً.
=

١٤٩
كتاب النفقة
أي: قدر سعته، فدل أنها مقدرة، ولأنه إطعام واجب، فيجب أن يكون مقدراً؛ كالإطعام في
الكفارات؛ ولأنها وجبت بدلاً؛ لأنها تجب بمقابلة الملك عندي، ومقابلة الحبس عندكم؛
فكانت مقدرة كالثمن في البيع، والمهر في النكاح.
ولنا قوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مطلقاً
عن التقدير، فمن قدر فقد خالف النص؛ ولأنه أوجبها باسم الرزق، ورزق الإنسان كفايته في
العرف والعادة؛ كرزق القاضي والمضارب.
وَرُوَيَ أنَّ هِنْدَ امْرَأَةً أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: يَا رَسُولِ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ، وَأَنَّهُ لاَ
يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدَي، فَقَالَ وَّ: ((خُذِي مِنْ مَالٍ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ
بِالْمَعْرُوفِ)). نص - عليه أفضل الصلاة والسلام - على الكفاية، فدل على أن نفقة الزوجة مقدرة
بالكفاية، ولأنها وجبت بكونها محبوسة بحق الزوج، ممنوعة عن الكسب لحقه، فكان وجوبها
بطريق الكفاية؛ كنفقة القاضي والمضارب.
وأما الآية: فهي حجة عليه؛ لأن فيها أمر الذي عنده السعة بالإنفاق على قدر السعة
مطلقاً على التقدير بالوزن، فكان التقدير به تقييد المطلق؛ فلا يجوز إلا بدليل، وقوله: إنه
إطعام واجب يبطل بنفقة الأقارب؛ فإنه إطعام واجب، وهي غير مقدرة بنفسها بل بالكفاية،
والتقدير بالوزن في الكفارات ليس لكونها نفقة واجبة؛ بل لكونها عبادة محضة لوجوبها على
وجه الصدقة كالزكاة، فكانت مقدرة بنفسها كالزكاة، ووجوب هذه النفقة ليس على وجه
الصدقة، بل على وجه الكفاية، فتتقدر بكفايتها كنفقة الأقارب.
وأما قوله: إنها وجبت بدلاً - ممنوع، ولسنا نقول: إنها تجب بمقابلة الحبس، بل تجب
جزاء على الحبس، ولا يجوز أن تكون واجبة بمقابلة ملك النكاح لما ذكرنا، وإذا كان وجوبها
على سبيل الكفاية، فيجب على الزوج من النفقة قدر ما يكفيها من الطعام والإدام والدهن؛ لأن
الخبز لا يؤكل عادة إلا مأدوماً، والدهن لا بد منه للنساء، ولا تقدر نفقتها بالدراهم والدنانير
على أي سعر كانت؛ لأن فيه إضراراً بأحد الزوجين؛ إذ السعر قد يغلو وقد يرخص، بل تقدر
لها على حسب اختلاف الأسعار غلاء ورخصاً رعاية للجانبين، ويجب عليه من الكسوة في كل
سنة مرتين: صيفية، وشتوية؛ لأنها كما تحتاج إلى الطعام والشراب تحتاج إلى اللباس؛ لستر
= وقال الحافظ في ((الفتح)): ((الراجحُ من حيث الدليل: أن الواجبَ الكفايةُ)) اهـ.
وَلي بهؤلاء أسوة، وقد رجَّح الشافعيةُ مذهبَ الشَّافعي القديم في مسائل كثيرة؛ فلتكن هذه منها.
ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، مغني المحتاج ٤٢٦/٣ التحفة ٣٠٢/٨، زاد المعاد ٣٣٩/٢،
النهاية ٦/ ٢٤٢.

١٥٠
كتاب النفقة
العورة، ولدفع الحر والبرد، ويختلف ذلك باليسار والإعسار، والشتاء والصيف، على ما نذكر
إن شاء الله - تعالى -.
وذكر في كتاب النكاح أن المعسر يفرض عليه خمسة دراهم في الشهر، والموسر عشرة،
وذلك محمول على اعتبار قرار السعر في الوقت، ولو جاء الزوج بطعام يحتاج إلى الطبخ
والخبز، فأبت المرأة الطبخ والخبز، يعني بأن تطبخ وتخبز؛ لما روي أن رسولِ الله وٌَّ قَسَمَ
الأَعْمَالَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَجَعَلَ أَعْمَالَ الْخَارِجِ عَلَى عَلِيِّ وَأَعْمَالَ الدَّاخِلِ
عَلَى فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ولكنها لا تجبر على ذلك إن أبتَ، ويؤمر الزوج أن يأتي لها
بالطعام مهيئاً، ولو استأجرها للطبخ والخبز - لم يجز، ولا يجوز لها أخذ الأجرة على ذلك؛
لأنها لو أخذت الأجرة لأخذتها على عمل واجب عليها في الفتوى، فكان في معنى الرشوة؛
فلا يحل لها الأخذ.
وذكر الفقيه أبو الليث أن هذا إذا كان بها علة لا تقدر على الطبخ والخبز، أو كانت من
بنات الأشراف، فأما إذا كانت تقدر على ذلك، وهي ممن تخدم بنفسها - تجبر على ذلك، وإن
١٤١ ب كان لها خادم يجب لخادمها أيضاً النفقة والكسوة إذا كانت متفرغة لشغلها/ ولخدمتها، لا شغل
لها غيرها؛ لأن أمور البيت لا تقوم بها وحدها، فتحتاج إلى خادم، ولا يجب عليه لأكثر من
خادم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يجب لخادمين، ولا يجب أكثر من
ذلك، وروي عنه رواية أخرى: أن المرأة إذا كانت يجل مقدارها عن خدمة خادم واحد،
وتحتاج إلى أكثر من ذلك - يجب لأكثر من ذلك بالمعروفِ، وبه أخذ الطحاوي.
وجه ظاهر قول أبي يوسف: أن خدمة امرأة لا تقوم بخادم واحد، بل تقع الحاجة إلى
خادمين يكون أحدهما معيناً للآخر(١).
(١) قال ابنُ حزم الظاهري في ((المُحَلَّى)): ((وَلَيسَ عَلَى الزَّوجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمِ لِزَوْجَتِهِ. ولو أنه ابن
الخليفة، وهي بنت خليفة، إنما عليه أن يقوم لها بمن يأتيها بالطعام، والماء، مهياً، ممكناً للأكل، غدوة
وعشية، وبمن يكفيها جميع العمل من الكنس، والفرش، وعليه أن يأتيها بكسوتها كذلك؛ لأن هذه صفة
الرزق والكسوة» .
وقد خالف ابن حزم في ذلك فقهاء المذاهب الأربعة، فإنهم أوجبوا على الزوج لزوجته خادماً في الجملة
على ما يأتي:
أ - ذَهَبَ الشافعية إلى وجوب الخادم في صورتين:
الأولى: أن تكون الزوجة ذات قدر، وذلك بأن تكون حرَّة مع جريان عادة البلد؛ بأن مثلها، لا يليق بها
إلا أن تخدم في بيت أبيها، وإن لم تخدم بالفعل؛ لبخل أبيها، أو طرقَ إعساره، أو نحو ذلك.
وفي هذه الصور: لا يجب أكثر من خادم واحد؛ لأنه يكفي لخدمتها.
الثانية: أن تحتاج للخدمة، لمرض أو زمانة، ولو كان شأنها أن تخدم نفسها، ولو كانت أمة.
=

١٥١
كتاب النفقة
وفي هذه الصورة يجب ما تدعو الحاجة إليه.
=
وشرط الخادم في الخدمة الباطنة، حل النظر من الجانبين.، كأن يكون امرأة، أو محرماً، أو مملوكاً، أو
صبيًّا، غير مراهق.
ثم إن أخدمها بحرة، أو أمة بأجرة، فليس عليه سواها، وإن أخدمها بأمته أنفق عليها، كما ينفق على سائر
مماليكه، وإن أخدمها بمن صحبها للخدمة، لزمه مؤنته اللائقة به، طعاماً، وكسوة، وفراشاً، وغيره، ما
عدا آلة التنظيف، لأن اللائق به أن يكون أشعث، لئلا تمتد إليه الأعين، إلا أن كثر وسخه، أو تأذى
بالقمل، فيجب حينئذ أن يرفه بما يزيله من نحو مشط ودهن، ثم إن الواجب له من غير الكسوة يكون أقل
من واجب الزوجة في النوع، ومن الكسوة يكون أقل في الجنس والنوع ويجب من القوت مُدَّ وثلث على
الموسر، لأنه ثلثاً ما يجب للزوجة، ومدّ على المتوسط؛ لما ذكر. ومدّ أيضاً على المعسر، لأنه لا تقع
الكفاية بما دونه، ويجب من الأدم ما يناسب القوت.
ب - مذهب الحنابلة قريب من مذهب الشافعية فيما ذكر، إلا في أمرين: أحدهما: أنهم لم يقولوا بتعدد
الخادم.
ثانيهما: أنه أو أنفق على الخادم - فالواجب له مثل نفقة زوجة المعسر. ومعلوم أنه لا تقدير عندهم.
جـ ـ ذهب المالكية إلى وجوب الإخدام في صورتين:
إحداهما: أن يكون الزوج ذا سَعةٍ، والزوجة ذات قدرٍ، وليس شأنها الخدمة .
ثانيهما: أن يكون الزوج ذا سِعَةٍ، وذا قدر؛ بحيث تُزري خدْمَةُ زوجته إياه.
قالوا: ولو احتاجت الزوجة لأكثر من خادم واحد في الصورتين - لزمه ذلك على المشهور؛ خلافاً لابن
القاسم، حيث قال: ((لاَ يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ خَادِم)»: قالوا: ويحصل الإخدام بنفسه، أو بمملوكته أو كراء خادم
لها، أو الإنفاق على خادمها، ولم أر فيما راجعته في كتبهم ماذا يُنفَق على الخادم؟
د - قال الحنفية: إذا كان الزوج موسراً، وكان للزوجة مملوك ملكاً تامًّا، وكان يخدمها، وكان واحداً -
فعلى الزوج نفقته؛ فإن كان الزوج معسراً، لم يجب عليه نفقة الخادم عند الشيخين، خلافاً لمحمد، وإن
كان موسراً، ولم يكن لها مملوك - لم يجب على الزوج كِرَاء من يخدمها، لكن يلزم أن يشتري لها ما
تحتاجه من السوق، ويلزمه أيضاً أن يأتيها بمن يكفيها الطبخ ونحوه، إذا كانت ممن لا تخدم أولاً تقدر.
وإن كان لها مملوك، لكن لا تملكه ملكاً تامًّا بأن كان مكاتبة، أو تملكه ملكاً تامًّا، ولكن لم يخدمها - لم
تجب على الزوج نَفَقَّتُهُ، وإن كان متعدداً - لم تجب إلاَّ نفقة واحد عند أبي حنيفة، ومحمد، لكن إذا
احتاجت لأكثر من واحد؛ لأجل أولاده - فعليه نفقة الجميع نفاقاً.
وروى صاحب (الإملاء)) عن أبي يوسف أن المرأة إذا كانت ممن يجل مقدارها عن خدمة خادم واحد .
انفق علی ما لا بد لها منه، من الخدم، ورویت عنه روايات أخرى.
ثم الواجب للخادم هو ما يكفيه بالمعروف، ولكن لا تبلغ نفقته نفقتها، لأنه تبع لها.
أ - استدل ابن حزم على منع الإخدام بقوله: ((لم يأتِ نصٌّ - قط - بإيجاب نفقة خادمها عليه؛ فهو ظلم
وجور)) ا ه. وفيه نظر.
٣ - واستدل الجمهور على وجوب الإخدام، ونفقة الخادم في الجملة بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ
بِالمَعْرُوفِ﴾ ومن العشرة بالمعروف: أن يقيم لها الزوج من يخدمها إذا كان ذلك معهوداً.
=

١٥٢
كتاب النفقة
وجه قولهما: إن الزوج لو قام بخدمتها بنفسه - لا يلزمه نفقة خادم أصلاً، وخادم واحد
يقوم مقامه؛ فلا يلزمه غيره؛ لأنه إذا قام مقامه صار كأنه خدم بنفسه؛ ولأن الخادم الواحد لا
بد منه، والزيادة على ذلك ليس له حد معلوم يقدر به، فلا يكون اعتبار الخادمين أولى من
[اعتبار](١) الثلاثة والأربعة، فيقدر بالأقل وهو الواحد.
هذا إذا كان الزوج موسراً، فأما إذا كان معسراً، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه
ليس عليه نفقة خادم، وإن كان لها خادم، وقال محمد: إن كان لها خادم - فعليه نفقته، وإلا
فلا .
وجه قول محمد: أنه لما كان لها خادم علم أنها لا ترضى بالخدمة بنفسها، فكان على
الزوج نفقة خادمها، وإن لم يكن لها خادم دل أنها راضية بالخدمة بنفسها؛ فلا يجبر على اتخاذ
خادم لم يكن.
(٢)
وجه رواية الحسن: أن الواجب على الزوج المعسر من النفقة أدنى الكفاية وقد تكتفي
المرأة بخدمة نفسها، فلا يلزمه نفقة الخادم، وإن كان لها خادم، وأما الثاني، وهو بيان من
يقدر به هذه النفقة: فقد اختلف فيه أيضاً، ذكر الكرخي: أن قدر النفقة والكسوة يعتبر بحال
الزوج في يساره وإعساره لا بحالها، وهو قول الشافعي أيضاً.
وذكر الخصاف: أنه يعتبر بحالها جميعاً، حتى لو كانا موسرين فعليه نفقة اليسار، وإن
كانا معسرين فعليه نفقة الإعسار، وكذلك إذا كان الزوج معسراً، أو المرأة موسرة، ولا خلاف
في هذه الجملة، فأما إذا كان الزوج موسراً، والمرأة معسرة - فعليه نفقة اليسار؛ على ما ذكره
الكرخي .
وعلى قول الخصاف: عليه أدنى من نفقة الموسرات، وأوسع من نفقة المعسرين، حتى
لو كان الزوج مفرطاً في اليسار يأكل خبز الحواري، ولحم الحمل والدجاج، والمرأة مفرطة في
الفقر تأكل في بيتها خبز الشعير - لا يجب عليه أن يطعمها ما يأكله، ولا يطعمها ما كانت تأكل
أقول: هذا دليل أوضح من أن يشك فيه، أو يتنازع، فإن القرآن ردَّ الحكم في هذه الصورة إلى العرف؛
=
فلم يحتج إلى نصِّ خاصٍّ، وحينئذ يستفتي العرف، فإن قال: إن الزوجة ذات القدر، أو المريضة تُخدَمُ
في بيت زوجها بالنفقة، أو الأجرة بخادم، أو أكثر، كان هذا عملاً بالقرآن، وكان إنكاره من الشذوذ
بمكان .
ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، التحفة ٣١٢/٨ النهاية ٢٤٧/٦، كشاف القناع ٢٩٩/٣.
(١) سقط من ط .
(٢) في ط: تكفي.

١٥٣
كتاب النفقة
فى بيت أهلها أيضاً، ولكن يطعمها خبز الحنطة ولحم الشاة، وكذلك الكسوة على هذا
الاعتبار.
وجه قول الخصاف: أن في اعتبار حالتها في تقدير النفقة والكسوة نظراً من الجانبين،
فكان أولى من اعتبار حال أحدهما، والصحيح ما ذكره الكرخي؛ لقوله - تعالى -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِنْ سِعَتَهَ وَمِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا أَتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّ مَا أَتَاهَا﴾
[الطلاق: ٧]، وهذا نص في الباب.
وإذا عرف هذا فنقول: إذا كان الزوج معسراً ينفق عليها أدنى ما يكفيها من الطعام والإدام
والدهن بالمعروف، ومن الكسوة أدنى ما يكفيها من الصيفية والشتوية، وإن كان متوسطاً ينفق
عليها أوسع من ذلك بالمعروف، ومن الكسوة أرفع من ذلك بالمعروف، وإن كان غنياً ينفق
عليها أوسع من ذلك كله بالمعروف، ومن الكسوة أرفع من ذلك كله بالمعروف، وإنما كانت
النفقة، والكسوة بالمعروف؛ لأن دفع الضرر عن الزوجين واجب، وذلك في إيجاب الوسط
من الكفاية، وهو تفسير المعروف، فيكفيها من الكسوة في الصيف قميص، وخمار، وملحفة
وسراويل أيضاً في عرف ديارنا على قدر حالة من الخشن واللين، والوسط والخشن إذا كان من
الفقراء، واللين إذا كان من الأغنياء، والوسط إذا كان من الأوساط، وذلك كله من القطن أو
الكتان على حسب عادات البلدان، إلا الخمار فإنه يفرض على الغني خمار حرير، وفي الشتاء
يزاد على ذلك حشو (١) وفروة، بحسب اختلاف البلاد وفي الحر والبرد.
وأما نفقة الخادم: فقد قيل: إن الزوج الموسر يلزمه نفقة الخادم كما يلزم المعسر نفقة
امرأته، وهو أدنى الكفاية، وكذا الكسوة.
ولو اختلفا فقالت المرأة: إنه موسر، وعليه نفقة الموسرين، وقال الزوج: إني معسر
وعليّ نفقة المعسرين، والقاضي لا يعلم بحاله - ذكر في كتاب النكاح: أن القول قول الزوج
مع يمينه، وكذا ذكر القاضي والخصاف.
وذكر محمد في الزيادات: أن القول قول المرأة مع يمينها، وأصل هذا أنه متى وقع
الاختلاف بين الطالب/ وبين المطلوب في يسار المطلوب وإعساره في سائر الديون - فالمشايخ ١١٤٢
اختلفوا فيه: منهم من جعل القول قول المطلوب مطلقاً ومنهم من جعل القول قول الطالب
مطلقاً، ومنهم من حكم فيه رأي المطلوب، ومحمد فصل بين الأمرين، فجعل القول قول
الطالب في البعض، وقول المطلوب في البعض، وذكر في الفصل أصلاً يوجب أن يكون القول
(١) في ط: حشويا.

١٥٤
كتاب النفقة
في النفقة قول المرأة، وكذا فصل الخصاف، لكنه ذكر أصلاً يقتضي أن يكون القول في النفقة
قول الزوج، وبيان الأصلين، وذكر الحجج يأتي في كتاب الحبس إن شاء الله - تعالى -.
فإن أقامت المرأة البينة على يساره - قبلت بينتها، وإن أقاما جميعاً البينة فالبينة بينتها؛
لأنها مثبتة، وبينة الزوج لا تثبت شيئاً، ولو فرض القاضي لها نفقة شهر وهو معسر، ثم أيسر
قبل تمام الشهر - يزيدها في الفرض؛ لأن النفقة تختلف باختلاف اليسار والإعسار، وكذلك لو
فرض لها فريضة للوقت، والسعر رخيص، ثم غلا، فلم يكفها ما فرض لها؛ فإنه يزيدها في
الفرض؛ لأن الواجب كفاية الوقت، وذلك يختلف باختلاف السعر، ولو فرض لها نفقة شهر،
فدفعها الزوج إليها، ثم ضاعت قبل تمام الشهر - فليس عليه نفقة أخرى حتى يمضي الشهر،
وكذا إذا كساها الزوج، فضاعت الكسوة قبل تمام المدة - فلا كسوة لها عليه حتى تمضي المدة
التي أخذت لها الكسوة، بخلاف نفقة الأقارب، فإن هناك يجبر على نفقة أخرى، وكسوة
أخرى لتمام المدة التي أخذ لها الكسوة إذا حلف أنها ضاعت.
ووجه الفرق أن تلك النفقة تجب للحاجة؛ ألا ترى أنها لا تجب إلا للمحتاج، وقد
تحققت الحاجة إلى نفقة أخرى وكسوة أخرى، ووجوب هذه النفقة ليس معلولاً بالحاجة،
بدليل أنها تجب للموسرة إلا أن لها شبهاً بالأعواض، وقد جعلت عوضاً عن الاحتباس في
جميع الشهر؛ فلا يلزمه عوض آخر في هذه المدة، ولو فرض القاضي لها نفقة أو كسوة،
فمضى الوقت الذي أخذت له، وقد بقيت تلك النفقة أو الكسوة؛ بأن أكلت من مال آخر، أو
لبست ثوباً آخر - فلها عليه نفقة أخرى وكسوة أخرى، بخلاف نفقة الأقارب.
والفرق ما ذكرنا أن نفقة الأقارب تجب بعلة الحاجة صلة محضة، ولا حاجة عند بقاء
النفقة والكسوة، ونفقة الزوجات لا تجب لمكان الحاجة، وإنما تجب جزاء على الاحتباس،
ليكن لها شبهة العوضية عن الاحتباس، وقد جعلت عوضاً في هذه المدة وهي محتبسة بعد
مضي هذه المدة بحبس آخر؛ فلا بد لها من عوض آخر، ولو نفذت نفقتها قبل مضي المدة
التي لها أخذت، أو تخرق الثوب ــ فلا نفقة لها على الزوج، ولا كسوة حتى تمضي المدة،
بخلاف نفقة الأقارب وكسوتهم، والفرق نحو ما ذكرنا والله أعلم.
فصل في كيفية الوجوب
وأما بيان كيفية وجوب هذه النفقة فقد اختلف العلماء في كيفية وجوبها، قال أصحابنا:
إنها تجب على وجه لا يصير ديناً في ذمة الزوج إلا بقضاء القاضي، أو بتراضي الزوجين، فإن
لم يوجد أحد هذين تسقط بمضي الزمان، وقال الشافعي: إنها تصير ديناً في الذمة من غير
قضاء القاضي ولا رضاه، ولا تسقط بمضي الزمان، فيقع الكلام في هذا الفصل في مواضع:

١٥٥
كتاب النفقة
في بيان أن الفرض من القاضي أو التراضي، هل هو شرط صيرورته هذه النفقة ديناً في ذمة
الزوج أم لا، وفي بيان شرط جواز فرضها من القاضي على الزوج إذا كان شرطاً، وفي بيان
حكم صيرورتها ديناً في ذمة الزوج.
أما الأول: فهو على الاختلاف الذي ذكرنا (١)، احتج الشافعي بقوله - عزَّ وجلَّ -:
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] و(على) كلمة إيجاب، فقد أخبر
- سبحانه وتعالى - عن وجوب النفقة، والكسوة مطلقاً عن الزَّمانِ.
(١) إذا وجبت نفقة الزوجة؛ لوجود سببها، وشرطها، وانتفاء موانعها ولم يؤدها الزوج بعذر، أو غيره - نفى
صيرورتها ديناً ثابتاً، وعدمه خلاف بين العلماء على مذهبين:
الأول: أنها تصير ديناً ثابتاً لا يسقط بمضي الزمان مطلقاً، كسائر الديون المستقرة في الذمة، وهذا مذهب
الحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وإسحاق، وابن المنذر.
الثاني: أنها لا تصير ديناً إلا في بعض الصور، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابة، وأحمد في إحدى
الروایتین.
لكنهم اختلفوا في الصور المستثناة على قولين:
١ - فالإمام أحمد - في إحدى الروايتين - يقول: لا تصير ديناً إلا بفرض القاضي.
٢ - والحنفية يقولون: لا تصير ديناً إلا في صور ثلاث.
أ - أن يمضي عليها ما دون الشهر، فلا تسقط حينئذ، لأن الزمن اليسير مما لا يمكن الاحتراز عنه، إذ لو
سقط بمضي زمن يسير - لما تمكنت من الأخذ أصلاً.
ب - أن تكون النفقة مفروضة بقضاء القاضي، أو يتراضيا عليها، وفي هذه الحالة تتقوى نوعاً ما، فتصير
ديناً في ذمة الزوج، إلا أنها دين ضعيف، فيسقط بالنشوز، أو بموت أحدهما، أو طلاقها، على خلاف
بينهم في الطلاق الرجعي وغيره.
جـ ـ أن يفرضها القاضي، أو يتراضيا عليها، ويأمرها القاضي، أو الزوج بالاستدانة، وفي هذه الحالة تكون
النفقة ديناً صحيحاً في ذمة الزوج لا يسقط إلا بالأداء، أو الإبراء، لأن الاستدانة بأمر من له ولاية تامة،
كالاستدانة بنفسه، فلا تسقط بموت أحدهما، ومثل الموت الطلاق في عدم السقوط.
فالمذاهب في المسألة ثلاثة؛ كما ترى وإليك أدلة كل منها:
١ - استدل القائلون بصيرورتها ديناً ثابتاً مطلقاً بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول:
أ - أما الكتاب - فقوله تعالى: ﴿وَعَلَىَ المولُودِ له رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمغْرُوفِ﴾ .
وجه الدلالة: أن كلمة ((على)) للإيجاب، فقد أخبر - سبحانه وتعالى - عن وجوب الرزق والكسوة مطلقاً
عن الزمان.
وأورد على ذلك أن في الآية وجوب النفقة؛ لإبقاءها واجبة، لأنها لم تتعرض للوقت.
أقول: إن هذا فيه من الوهن والضعف ما لا يخفى، فإن النفقة وجبت على الزوج حقًّا للزوجة في مقابلة
احتباسها، والحقوق التي تجب في مقابلة شيء متى وجد مقابلها - لا تبرأ منها الذمم، إلا بآدائها، أو
الإبراء منها؛ فما دام الزوج لم يؤد النفقة لزوجته، ولم تبرئه هي منها - فذمته مشغولة بها.
ب - وأما السنة - فقوله وَلَّ: ((ولهنَّ عَلَيْكُمْ رِزقهنَّ وَكِسْوَتهنَ وَكِسْوَتهنَّ بالمعْرُوفِ)).

١٥٦
كتاب النفقة
ويقال في وجه دلالة، وفي مناقشة: ما قيل في الآية، والجواب الجواب.
=
جـ - وأما الإجماع - فبيانه:
أنه صح أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، أمرهم
أن ينفقوا، أو يطلقوا، فإن طلقوا - بعثوا بنفقة ما مضي، قال ابن المنذر: ((لم يخالف عمرَ في ذلك من
الصحابة مخالف)). ثم قال: هذه نفقة وجبت بالكتاب، والسنة، والإجماع ولا يزول ما وجب بهذه
الحجج إلا بمثلها)».
وأورد عليه ابن القيم في ((زاد المعاد)): ((أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر الأزواج - إذا طلقوا -
أن يبعثوا نفقة ما مضى، ولم يأمرهم إذا قدموا أن يفرضوا نفقة ما مضى، ولا يعرف ذلك عن صحابي
ألبتة ولا يلزم من الإلزام بالنفقة الماضية إذا دفع الطلاق الإلزام بها، إذا عاد الزوج إلى النفقة، والإقامة،
واستقبل الزوجة بكل ما تحتاج إليه، فاعتبار أحدهما بالآخر غير صحيح)) اهـ.
وأنت خبير بأنه لو صح هذا - لكان المسقط للنفقة عود الزوج إليها لا مضي الزمان، وهو غير صحيح؛ إذ
لا دليل عليه، ولم يقل به أحد قبله ولا شك أن النفقة إن قيل: إنها مواساة - سقطت بمضي الزمان، من
غير فرق بين مطلق وعائد. وإن قيل: إنها معاوضة - لم تسقط من غير فرق بينهما؛ فإذا أخدنا بقول عمر
في وجوب بعث نفقة ما مضي عند الطلاق - وجب أن نعتبر بها نفقة من عاد إلى الإنفاق من غير فرق.
لكن لقائل أن يقول: إن عدم الخلاف إنما يكون إجماعاً، لو ثبت أن كل المجتهدين في زمان عمر اطلعوا
على كتابه، ولم يقولوا بخلافه.
فالظاهر: أنه مذهب صحابي، وأنه يصلح مُقَوّياً، لا دليلاً يرأسه.
د - وأما المعقول - فقالوا: إن نفقة الزوجة مال يجب على سبيل البدل في عقد معاوضة، فلا تسقط بمضي
الزمان؛ كالثمن والأجرة والمهر.
وأورد عليه أن النفقة وجبت على طريق الصلة، وحكم الواجب على طريق الصلة أنه يسقط بمضي
الزمان؛ كنفقة الأقارب.
ويمكن دفع ذلك بأنها عوض عن الاحتباس، لا صلة، بخلاف نفقة الأقارب، ومما يدل على ذلك أن
نفقة القريب لا تجب إلا على الموسر، ولا تجب للمستغني، بخلاف نفقة الزوجة، فإنها تجب على
الموسر والمعسر، وتجب لها، وإن كانت مستغنية، ولذا أوجب الصحابة للزوجة نفقة ما مضي، كما ورد
في كتاب عمر، حيث لم يخالفه أحد من الصحابة، ولا يعرف عن صحابي منهم قط أنه أوجب للقريب
نفقة ما مضى.
٣ - واستدل الحنفية على أن نفقة الزوجة تسقط بمضي شهر فأكثر ما لم يكن قد حكم بها حاكم، أو
تصالح الزوجان على مقدار فيها بالمنقول والمعقول.
أ - أما المنقول - فهو ما ثبت أن هنداً شَكَتْ إلى رسول الله وَ لّر: ((أن أبا سفيانَ لا يُعطيها كفايتها، فأباح
لها أن تأخُذَ في المستقبل قدرَ الكفاية، ولم يجوّزْ لها الأخذ عمّا مضى من قدر الكفاية)).
وأورد عليه: أنها لم تدع به، ولا طالبته، وإنما استفتته، هل تأخذ في المستقبل بقدر كفايتها؟ فأفتاها.
وأما المعقول - فهو أن النفقة صلة من وجه، وعوض من وجه، فمن حيث إنها لاحتباسها، لاستيفاء حقه
من الاستمتاع، وقضاء الشهوة، وإصلاح أمر المعيشة، والاستئناس، هي عوض.
ومن هذا الوجه وجبت على المكاتب.
=

١٥٧
كتاب النفقة
ومن حيث إنها لإقامة حق الشرع، وأمور مشتركة، كإعفاف كل الآخر وتحصينه من المفاسد، وحفظ
=
النسب، وتحصيل الولد؛ ليقيم التكاليف الشرعية، هي صلة كرزق القاضي، والمفتي؛ فلا تملك إلا
بالقبض، فلاعتبار أنها عوض - قلنا: تثبت إذا قضى بها؛ لأن القاضي له ولاية الإلزام، وكذا إذا اصطلحا
عليها، لأن ولاية الزوج على نفسه أعلى من ولاية القاضي عليه .. ولاعتبار أنها صلة قلنا: تسقط إذا
مضت مدة من غير قضاء، ولا اصطلاح؛ عملاً بالدليلين بقدر الإمكان.
وكان مقتضى هذا ألا تصير ديناً أصلاً، بل كلما مضى زمان - سقطت نفقته. لكن قلنا: إنها لا تسقط قبل
مضي شهر، لأن ما دون الشهر زمن يسير، لا يمكن الاحتراز عنه، إذ لو سقطت فيه - لما تمكنت من
الأخذ أصلاً.
ويرد عليه؛ أنا لا نسلم أنها صلة أصلاً، بل هي عوض عن الاحتباس.
وأما الأمور المشتركة، وإقامة حق الشرع - فإنها من لوازم الاحتباس، بل من لوازم النكاح؛ فلا يصح
اعتبارها في النفقة، وإلا لصح في كل عوض أن يكون عوضاً من وجه، وصلة من وجه، فثمن الكتاب
المشترى مثلاً يصح أن يكون عوضاً من جهة ملكه، وصلةً من جهة انتفاع البائع به في مصالح دنياه ودينه.
ثم إن التفصيل الذي ذهبوا إليه لا دليل عليه؛ فمن أين لهم أن فرض القاضي، والمصالحة بدون استدانة
يجعلانها ديناً ضعيفاً، يسقط بالنشوز، والموت، والطلاق؟! وما وجه سقوطها بكل من هذه الثلاثة؟.
ويقال لهم: إن كان القاضي يعتقد سقوطها بمضي الزمان؛ كالحنفي - ففرضه إلزام بما لا يعتقد لزومه،
فهو كعدمه. وإن كان يعتقد عدم سقوطها، كالشافعي - ففرضه حكم رافع للخلاف فيه تصير ديناً قويًّا، لا
يسقط أصلاً، وقد قلتم بسقوطه في بعض الصور.
وإن كان يعتقد سقوطها ما لم تفرض - لم يصح، لأنه إذا فرض ما فرضه الله - تعالى - لم يفد استقرارها،
لأنه إنما فرضها بلا استقرار على ما تقولون، وإذا فرض ما لم يفرضه الله - سبحانه - كان إيجاباً لما لم
يجب شرعاً؛ فلا عبرة به.
ويقال في فرض الزوج على نفسه: إن كان يعتقد السقوط - كان التزاماً بغير صيغة نذر، فلا ينعقد، وإن كان
يعتقد اللزوم - كان تحصيلاً للحاصل، وإن كان يعتقد السقوط، ما لم يفرض - لم يصح؛ كما في القاضي؛
فكان ينبغي لمن ذهب إلى السقوط على ما فيه ألا يعتبر فرض القاضي، أو الزوج من غير استدانة .
٣ - استدل لأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ وهي: سقوطها بمضي الزمان ما لم يفرضها القاضي بالمنقول
والمعقول :
أ - أما المنقول - فهو شكوى هند، وتقدمت في كلام الحنفية مع ما رود عليه.
ب - وأما المعقول - فهو أن نفقة الزوجة؛ كنفقة القريب والمملوك، في إيجابها يوماً بيوم، وكونها على
طريق الكفاية، وكونها بالمعروف فكما أن نفقة القريب والمملوك وجبت، مواساة الإحياء نفس من هو في
ملكه، أو من بينه وبينه رحم وقرابة، كذلك نفقة الزوجة وجبت؛ مواساة الإحياء نفس من هو في حبه،
وكلما مضى يوم، استغنت عن نفقته - فلا وجه لإلزام الزوج بها، وأيّ معروف في إلزام نفقة ما مضى،
وحبسه على ذلك، وهو منشأ العداوة والبغضاء بين الزوجين، وهو ضد ما جعله الله بينهما من المودة
والرحمة .
أضف إلى ذلك ما فيه من تعريض الزوجة لقضاء أوطارها من الدخول والخروج، وعشرة الأخدان، كما
هو واقع، وفي ذلك من النساء المنتشر ما لا يعلمه إلا الله.
=

١٥٨
كتاب النفقة
وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لِيُتْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمِنْ قُدَرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مَمَّا أَتَاهُ اللَّهُ﴾
[الطلاق: ٧]، أمر - تعالى - بالإنفاق مطلقاً عن الوقت؛ ولأن النفقة قد وجبت، والأصل أن ما
وجب على إنسان لا يسقط إلا بالإيصال والإبراء كسائر الواجبات؛ ولأنها وجبت عوضاً
لوجوبها بمقابلة المتعة، فبقيت في الذمة من غير قضاء كالمهر.
والدليل عليه أن الزوج يجبر على تسليم النفقة ويحبس عليها، والصلة لا تحتمل الحبس
والجبر .
ولنا أن هذه النفقة تجري مجرى الصلة، وإن كانت تشبه الأعواض، لكنها ليست بعوض
حقيقة؛ لأنها لو كانت عوضاً حقيقة؛ فإما إن كانت عوضاً عن نفس المتعة وهي الاستمتاع،
وإما إن كانت عوضاً عن ملك المتعة وهي الاختصاص بها، لا سبيل إلى الأول؛ لأن الزوج
١٤٢ ب ملك/ متعتها بالعقد، فكان هو بالاستمتاع متصرفاً في ملك نفسه باستيفاء منافع مملوكة له،
ومن تصرف في ملك نفسه لا يلزمه عوض لغيره، ولا وجه للثاني؛ لأن ملك المتعة قد قوبل
بعوض مرة؛ فلا يقابل بعوض آخر، فخلت النفقة عن معوض، فلا يكون عوضاً حقيقة بل
كانت صلة؛ ولذلك سماها الله - تعالى - رزقاً بقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بَالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والرزق: اسم الصلة، كرزق القاضي، والصلات لا تملك
بأنفسها، بل بقرينة تنضم إليها وهي القبض؛ كما في الهبة، أو قضاء القاضي؛ لأن القاضي له
لكن إذا فرضها القاضي - تأكدت بفرضه، فصارت ديناً، كنفقة القريب.
=
ويرد عليه: أن مشابهتها لنفقة القريب في إيجابها يوماً بيوم بالمعروف على الكفاية لا يجعلها للمواساة،
وإلا لما وجبت على المعسر، ولما وجبت على المكاتب، ولما وجبت للمستغنية، فهي عوض عن
الاحتباس، فاستغناؤها عن نفقة كل يوم بمضيه لا يسقطها، كما لم يسقط الاستغناء في أول اليوم
وجوبها .
وادعاء أن إلزام نفقة ما مضى ليس معروفاً فيه نظر، بل هو معروف، يدل عليه الكتاب والسنة، وفعل
الصحابة .
وادعاء أنه منشأ العداوة فيه نظر كذلك؛ فمنشأ العداوة إنما هو تقصير الزوج حتى تراكم عليه الدين.
وكون الحبس يترتب عليه فساد الزوجة لا يمنعه، لأنه لا يحبس سوى الممتنع من الدفع مع اليسار فمنشأ
الفساد حقيقة، إنما هو الامتناع.
هذا، وكون الفرض يؤكدها، فيجعلها ديناً فيه نظر والذي يظهر من النظر في المذاهب المذكورة وأدلتها،
وما ورد عليها من المناقشات: أن نفقة الزوجة متى وجبت، ولم يؤدها الزوج - صارت ديناً عليه، بدون
حاجة إلى فرض، أو تراضٍ، أو استدانة، ولا يسقط إلا بالأداء، أو الإبراء.
ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، مغني المحتاج ٤٤٢/٤، التحفة ٣٣٥/٨، فتح القدير ٣/
٣٣٢، زاد المعاد ٣٤٥/٢.

١٥٩
كتاب النفقة
ولاية الإلزام في الجملة أو التراضي؛ لأن ولاية الإنسان على نفسه أقوى من ولاية القاضي عليه
بخلاف المهر؛ لأنه أوجب بمقابلة ملك المتعة، فكان عوضاً مطلقاً، فلا يسقط بمضي الزمان
كسائر الديون المطلقة، ولا حجة له في الآيتين؛ لأن فيهما وجوب النفقة لا بقاؤها واجبة؛
لأنهما لا يتعرضان للوقت، فلو ثبت البقاء إنما يثبت باستجاب الحال، وأنه لا يصلح لإلزام
الخصم .
وأما قوله: إن الأصل فيما وجب على إنسان لا يسقط إلاَّ بالإيصال، أو الإبراء(١)
فتقول: هذا حكم الواجب مطلقاً، لا حكم الواجب على طريق الصلة، بل حكمه أنه يسقط
بمضي الزمان؛ كنفقة الأقارب وأجرة المسكن، وقد خرج الجواب عن قوله: إنها وجبت
عوضاً.
وأما الجبر والحبس: فالصلة تحتمل ذلك في الجملة؛ فإنه يجبر على نفقة الأقارب
ويحبس بها، وإن كانت صلة، وكذا من أوصى بأن يوهب عبده من فلان بعد موته، فمات
الموصي، فامتنع الوارث من تنفيذ الهبة في العبد - يجبر عليه ويحبس بأنه وإن كانت الهبة
صلة، فدل أن الجبر والحبس لا ينفيان معنى الصلة.
وعلى هذا يخرج ما إذا استدانت على الزوج قبل الفرض أو التراضي، فاتفقت أنها لا
ترجع بذلك على الزوج، بل تكون متطوعة في الإنفاق، سواء كان الزوج غائباً أو حاضراً؛
لأنها لم تصر ديناً في ذمة الزوج؛ لعدم شرط صيرورتها ديناً في ذمته، فكانت الاستدانة إلزام
الدين للزوج بغير أمره، وأمر من له ولاية الأمر؛ فلم يصح، وكذا إذا أنفقت من مال نفسها لما
قلنا .
وكذا لو أبرأت زوجها من النفقة قبل فرض القاضي، والتراضي لا يصح الإبراء؛ لأنه
إبراء عما ليس بواجب، والإبراء إسقاط، وإسقاط ما ليس بواجب ممتنع، وكذا لو صالحت
زوجها على نفقة، وذلك لا يكفيها، ثم طلبت من القاضي ما يكفيها؛ فإن القاضي يفرض لها
ما يكفيها؛ لأنها حطت ما ليس بواجب، والحط قبل الوجوب باطل كالإبراء، والله أعلم.
وأما الثاني؛ فلوجوب الفرض على القاضي، وجوازه منه شرطان:
أحدهما: طلب المرأة الفرض منه؛ لأنه إنما يفرض النفقة على الزوج حقاً لها فلا بد من
الطلب من صاحب الحق.
والثاني: حضرة الزوج، حتى لو كان الزوج غائباً فطلبت المرأة من القاضي أن يفرض لها
(١) في أ: بالقضاء.

١٦٠
كتاب النفقة
عليه نفقة لم يفرض، وإن كان القاضي عالماً بالزوجية، وهذا قول أبي حنيفة الآخر، وهو قول
شريح، وقد كان أبو حنيفة أو لا يقول: وهو قول إبراهيم النخعي أن هذا ليس بشرط، ويفرض
القاضي النفقة على الغائب، وحجة هذا القول ما روينا عن رسول الله وَلي أنه قال لهند امرأة
أبي سفيان: ((خُذَي مِنْ مَالٍ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بَالْمَعْرُوفِ))، وذلك من النبي ◌َّ كان
فرضاً للنفقة على أبي سفيان وكان غائباً، وحجة القول الأخير أن الفرض من القاضي على
الغائب قضاء عليه، وقد صح من أصلنا أن القضاء على الغائب لا يجوز، إلا أن يكون عنه
خصم حاضر ولم یوجد.
وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن رسول الله وَّه إنما قال لهند على سبيل الفتوى، لا
على طريق القضاء؛ بدليل أنه لم يقدر لها ما تأخذه من مال أبي سفيان، وفرض النفقة من
القاضي تقديرها، فإذا لم تقدر لم تكن فرضاً فلم تكن قضاء، تحقيقه أن من يجوّز القضاء على
الغائب فإنما يجوزه إذا كان غائباً غيبة سفر، فأما إذا كان في المصر؛ فإنه لا يجوز بالإجماع؛
لأنه لا يعد غائباً، وأبو سفيان لم يكن مسافراً، فدل أن ذلك كان إعانة لا قضاء، فإن لم يكن
القاضي عالماً بالزوجية، فسألت القاضي أن يسمع بينهما بالزوجية ويفرض على الغائب.
وقال أبو يوسف: لا يسمعها ولا يفرض.
وقال زفر: يسمع ويفرض لها وتستدين عليه، فإذا حضِر الزوج وأنكر، يأمرها بإعادة
١٤٣أ البينة في وجهه، فإن فعلت نفذ/ الفرض وصحت الاستدانة، وإن لم يفعل لم ينفذ ولم يصح.
وجه قول زفر أن القاضي إنما يسمع هذه البينة لا لإثبات النكاح على الغائب ليقال إن
الغيبة تمنع من ذلك، بل ليتوصل بها إلى الفرض، ويجوز سماع البينة في حق حكم دون
حكم؛ كشهادة رجلٍ وامرأتين على السرقة، وإنها تقبل في حق المال ولا تقبل في حق
القطع(١)؛ كذا ههنا تقبل هذه البينة في حق صحة الفرض، لا في إثبات النكاح، فإذا حضر
وأنكر استعاد منها البينة، فإن أعادت نفذ الفرض وصحت الاستدانة عليه، وإلاَّ فلا.
والصحيح قول أبي يوسف؛ لأن البينة على أصل أصحابنا لا تسمع إلاَّ على خصم
حاضر ولا خصم، فلا تسمع، وما ذكره زفر أن بينتها تقبل في حق صحة الفرض غير سديد؛
لأن صحة الفرض مبنية على ثبوت الزوجية، فإذا لم يكن إلى إثبات الزوجية بالبينة سبيلٌ لعدم
الخصم، لم يصح فلا سبيل إلى القبول في حق صحة الفرض ضرورة.
هذه إذا كان الزوج غائباً، ولم يكن له مال حاضر، فأما إذا كان له مال حاضر فإن كان
(١) في أ: السرقة.