النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب النفقة وتجب في العدة من نكاح صحيح(١)؛ لوجود سبب الوجوب، وهو استحقاق الحبس للزوج عليها بسبب النكاح؛ لأن النكاح قائم من وجه فتستحق النفقة كما كانت تستحقها قبل الفرقة بل أولى؛ لأن حق الحبس بعد الفرقة تأكد بحق الشرع، وتأكد السبب يوجب تأكد الحكم، فلما وجبت قبل الفرقة فبعدها أولى، سواء كانت العدة عن فرقة بطلاق، أو عن فرقة بغير طلاق، وسواء كانت الفرقة بغير طلاق من قبل الزوج أو من قبل المرأة، إلا إذا كانت من قبلها بسبب محظور استحساناً . وشرح هذه الجملة أن الفرقة إذا كانت من قبل الزوج بطلاق - فلها النفقة والسكنى / ، ١٣٧ب سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً، وسواء كانت حاملاً(٢) أو حائلاً، بعد أن كانت مدخولاً بها عندنا؛ لقيام حق حبس النكاح. (١) أجمع العلماء على وجوب نفقة الرجعية، طعاماً، وَإِدَاماً، وكسوة، وسُكْنَى وغيرها، لأنها زوجة بدليل: أنها يلحقها طلاقه، وظهاره، وإيلاؤه، وأنها باقية في سلطته وحبسه، وله عليها حق الرجعة؛ كما قَالَ تعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ولا فرق بينها وبين الزوجة التي في العصر، إلا امتناع التمتع، وهو امتناع حاصل من قبل الزوج، يمكنه قطعه متى شاء بالرجعة، فلا يضر، كما لو سافر، وَقَدْ جَاءً في بعض روايات حديث فَاطِمةُ بِنْت قَيسِ الآتي: ((إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ» رواه النِّسَائي. بإسناد صحيح فإن قيلَ: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوْا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يفيد بمفهومه أن المطلقة غير الحامل لا نَفَقَةً لها، سواء أكانت بائناً أم رجعية. أجيب: بأن الأدلة السابقة - ومنها الإجماع - خصصت هذا المفهوم بغير الرجعية عند من يقول بالمفهوم. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد. (٢) تجب للبائن الحامل السكنى، والنفقة، ما دامت العِدَّةُ باتفاق أهل العلم، ما عدا ابن حزم وحده فيما رأيت. وقد حَكَى ابن رشد الحفيد في ((بداية المجتهد» وابن قدامة في ((المُغَنِي)) إجماع أهل العلم على ذلك، وكأنهما لم يعتبرا مخالفة ابن حزم، وإليك أدلة الفريقين : ١ - استدل ابن حزم بأن البائن أجنبية، والعدة شيء ألزمها الله إياها، لا مدخل للزوج في إسقاطه، ولا الزيادة فيه، ولم يرد في الكتاب، ولا السنة ما يوجب لها شيئاً، حاملاً كانت، أو حائلاً، وسيأتي في أول الجمهور مناقشة، والرد عليه، وفي ذلك غناء عن ذكرها هنا. ٣ - واستدل الجمهور بالكتاب والسنة والقياس. أ - أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَثْتُمْ مِنْ وِجْدِكُمْ ولاَ تُضَارُّوهِنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوْا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلُهُنَّ﴾ . وجه الدلالة: أنّ الله - عز وجل - أمر بإسكان المطلقات، سواء أكن حوائل، أم حوامل، وخصّ الحوامل بالإنفاق عليهن، فوجب للحامل كل من النفقة والسُّكْنَى. وأورد عليه: أن الآية في الرجعيات، يرشد إلى ذلك أمران: أحدهما: دلالة السياق، فإن سورة الطلاق، قد ذكر الله تعالى فيها أختاماً متلازمة. أحدها: أن الأزواج لا يخرجونهن من بيوتهن والثاني: أنهن لا يخرجن من بيوت أزواجهن. = ١٢٢ كتاب النفقة الثالث: أن لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل، أو تسريحهن بإحسان. الرابع: إشهاد ذوي = عدل على الإمساك، وهو الرجعة. وقد أشار سبحانه إلى حكمة عدم الإخراج والخروج بقوله تعالى: ﴿لاً تَذْرِي لَعَلَّ الله يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْراً﴾ والأمر الذي يرجى إحداثه هو المراجعة، كَمَا قال الشعبي، والضحاك، وعطاء، وقتادة، والحسن، وفاطمة بنت قيس، فهذه الأحكام كلها في الرجعيات، وقد جاء بعد ذلك: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ فالضمائر في الآية للرجعيات أيضاً. أجيب: بأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ينتظم الرجعيات والبائن؛ لأنه يتناول الطلقة الثالثة، كما يتناول الأولى، فيجب حمل الضمائر، والأحكام في الآيات كلها على العموم. إِلا ما قام الدليل على تخصيصه بالرجعيات، وذلك كقوله تعالى: ﴿لاَ تَذْرِي لَعَلَّ الله يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنْ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفْ أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وقيام الدليل على التخصيص في حكم لا يعود على سائر الأحكام بالتخصيص، وبهذا يبقى قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ الآية عامًّا في جميع المطلقات، ولا يلزم تشتيت الضمائر؛ إذ مرجعها جميعاً ((النساء)) في أول السورة، ولذلك نظائر كثيرة في الكلام. ثانيهما: دلالة السبر والتقسيم، وذلك أن الضمائر في الآية إما أن يراد بها المطلقات عموماً، أو البوائن خاصة، أو الرجعيات خاصة. أما الأول -: فلا يجوز، لأن الآية - بناء عليه - تدل على أن الرجعية لا نفقة لها، إلا إن كانت حاملاً، وهو باطل بالإجماع. وتدل أيضاً على أن البائن يجب إسكانها، إذا كانت حائلاً، وهذا يخالف حديث فاطمة بنت قيس الآتي، حيث لم يجعل لها رسول الله وَّرَ سُكْنَى، ولا نفقة، فيلزم أن يكون حكم الرسول فسخاً، ولا نسخ إلا بيقين. وأما الثاني: فلا يجوز، لأنه تخصيص للقرآن بلا دليل، ولأنه يلزم عليه مخالفة الحديث المذكور، فتعين الثالث، وهو: أن المراد بالضمائر الرجعيات، فأفادت الآية أن لهن السُكْنَى، والنفقة، إن كن حوامل، والسكنى، إن كن حوائل، وسكتت عن النفقة للحوائل، وهي مستفادة من دليل آخر، وهو أن الرجعية زوجة ترث مطلقها، ويرثها بلا خلاف. ويجاب باختيار أن الآية في المطلقات عموماً، ولا يلزم منه إلا نفقة للرجعية، إلا إن كان حاملاً، لأن هذا من قبيل مفهوم الشرط، والمفهوم إذا عورض بدليل أقوى منه ألغاه، أو خصصه، وهاهنا قد عورض بالإجماع على وجوب نفقة الرجعية، لأنها محتبسة بحق مطلقها، ويتوارثان، ويلحقها طلاقه. ومخالفة منطوقها لحديث فاطمة بنت قيس لا تضر، فمنهم من طعن فيه، وأوجب للبائن الحائل النفقة والسُّكْنَى، كالحنفية، ومنهم من أثبته وخصه بما لو كان هناك عذر، كالشَّافِعيَّةِ، فيكون مخصصاً لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ ... ) الآية بالرجعيات، وبالبائن الحائل عند عدم العذر، ومنهم من أثبته، وجعله عامًّا لكل بائن حائل؛ كالحنابلة؛ فيكون مخصصاً لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ بالرجعيات. والتخصيص لا يجب فيه اليقين، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى. ب - وأما السُّنَّةُ فما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: قال: أرسل مَزْوَانْ قبيصة بن زؤيب إلى فاطمة فسألها، فأخبرته: أنها كانت عند أبي حفصة بن المغيرة، وكان النبي ◌َّ﴿ أَمَّرَ الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - على بعض اليمن، فَخَرِجَ معَهُ زَوْجَها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها، وأمَر عياش بن أبي ربيعة، والحارث بن هاشم أن ينفقا عليها، فقالا : = ١٢٣ كتاب النفقة ٠٠ ((والله مَا لَهَا نَفَقَةُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً)، فأتتِ النبي - وََّ - فقال: ((لاَ نَفَقَةً لَكِ إِلاَّ أَنْ تَكُونِي حَامِلاً» = واستأذنته في الانتقال، فأذن لها فقالت: أين أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ: عِنْدَ ابن أَمَّ مَكْتوم، وَكَانَ أَعْمَى، تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ، وَلاَ يُبْصِرُهَا، فلم نزل هناك حتى مضت عدتها، فأنكحها النبي وَّ أسامة، فرجع قبيصة إلى مروان، فأخبره بذلك، فقال مَرْوَان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا)) الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها ذلك: بيني وبينكم كتاب الله قَالَ الله تعالى: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعدَّتِهِنَّ﴾ من قال: ﴿لَعَلَّ الله يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ فأي أمر يحدث بعد الثلاث)»؟. ورواه مسلم بمعناه. وموضع الدلالة: أن النبي بَّر قال لفاطمة بنت قيس - وكانت مطلقة ثلاثاً - ((لاَ نَفَقةً لَكِ إِلاَّ أَنْ تَكُويِنَ حامِلاً)) فَدَلَّ على وجوب النفقة للبائن الحامل. وحيث وجبت النفقة تجب السكنی، لأنها إن وجبت للحمل؛ فهي نفقة قريب، والقريب تجب له السُّكنى، وإن وجبت للحامل من أجل الحمل - فهي كالزوجة، والزوجة تجب لها السُكْنَى. وأورد ابن حزم على هذا الحديث - بعد أن أورده مختصراً - أن هذه اللفظة ((إلا أن تكوني حاملاً)) لم تأتٍ إلا من هذا الطريق - وهو طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - ولم يذكرها ممن روى هذا الخبر عن فاطمة غير قبيصة، وعلة هذا الخبر أنه منقطع، لم يسمعه عبيد الله بن عبد الله، لا من قبيصة، ولا من مَرْوَانَ، فلا ندري ممن سمعه؟ ولا حجة في منقطع، ولو اتصل ـ لسارعنا إلى القول له)) ١ هـ. ويمكن أن يجاب: بأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كان معاصراً لمروان وقبيصة، ولم يذكر أحد أنه مُدَلِّسٌ، ومن المعلوم أن الراوي الثقة الذي لا تدليس عنه إذا روى خبراً حادثاً في عصره - يجب حمله على السماع، ولا يجب أن يقول: سمعت، أو حدثني، أو قال لي، ولذا لم يذكر النووي في (شرح مسلم)) نقداً لهذا الحديث مع أنه التزم أن يذكر كل نقد وارد على أحاديث مسلم. جـ ـ وأما المعقول - فأولاً: إن البائن الحامل محبوسة، لاشتغال رحمها بماء مطلقها، فوجبت لها المؤنة، كالزوجة المحبوسة للاستمتاع. وإنما كان كان الحبس للاشتغال كالحبس بالاستمتاع، لأن النسل مقصود بالتّكّاح كالاستمتاع، بل إن الاستمتاع ما قصد إلا للتوصل إليه. وثانياً: أن الحمل ولده، فليزمه الإنفاق عليه وإسكانه، ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها، وإسكانها، فوجب لها ذلك، كما وجبت أجرة الرضاع لو أرضعت. اختلف الموجبون لنفقة البائن الحامل في أن النفقة حق لها، أو للحمل على قولين: أحدهما: أن النفقة للحامل، وإليه ذهب الحنفية والشافعي في ((الجديد)) وأحمد في رواية. وثانيهما: أنها للحمل، وإليه ذهب المالكية، وأحمد في أظهر الروايتين، والشافعي في القديم. وجه القول: بأنها للحمل، أنها تجب بوجوده، وتسقط بانفصاله، وتجب بوجوده، وتسقط بعدمه عند غير الحنفية. ولك أن تقول: أولاً: إن السقوط بانفصاله ليس لأن النفقة له، وإنما هو لانقضاء العدة، والسقوط بعدمه غير متفق عليه، إذ ينازع فيه الحنفية، إلا أن يستدل على السقوط بعدمه بآية: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فإن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أَوُلاَتِ حَمْلٍ﴾ فيه تعليق الحكم، وهو النفقة بشرط، وهو الحمل؛ فيفيد عدم النفقة عند عدم الحمل، ما لم يعارض ذلك بدليل مساوٍ، أو أقوى. ثانياً: إن هذا الدوران إنما يفيد أن كونهن حاملات علة في النفقة، ولا يلزم أن يكون الحمل هو المقصود بها، فيجوز أن تكون النفقة حقًّا للحامل؛ لأجل الحمل. == ١٢٤ كتاب النفقة وعند الشافعي إن كانت مطلقة طلاقاً رجعياً أو بائناً هي حامل؛ فكذلك. فأما المبتوتة إذا كانت حاملاً فلها السكنى، ولا نفقة لها لزوال النكاح بالإبانة، وكان ينبغي ألا يكون لها السكنى، إلا أنه ترك القياس في السكنى بالنص، وعند ابن أبي ليلى: لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى لها، والمسألة ذكرت في كتاب الطلاق، وفي بيان أحكام العدة، وسواء كان الطلاق ببدل أو بغير بدل، وهو الخلع والطلاق على مال لما قلنا. ولو خالعها على أن يبرأ من النفقة والسكنى - يبرأ من النفقة ولا يبرأ من السكنى، لكنه يبرأ عن مؤنة السكنى؛ لأن النفقة حقها على الخلوص، وكذا مؤنة السكنى فتملك الإبراء عن حقها، فأما السكنى: ففيها حق الله - عزَّ وجلَّ - فلا تملك المعتدة إسقاطه، ولو أبرأته عن النفقة من غير خلع (١) - لا يصح الإبراء؛ لأن الإبراء إسقاط الواجب، فيستدعي تقدم الوجوب، ووجه القول بأنها للحامل: أنها لو كانت للحمل - لوجبت في ماله، إن كان له مال، ورثه، أو أوصى له = به، مع أنها لا تجب فيه، ولوجبت على السيد، لا المطلق، إن كانت الحامل أمَةً، أو كان المطلق عبداً، مع أنها تجب على المطلق، ولسقطت بالإعسار، وبمضي الزمان، مع أنها لا تسقط عند من لا يسقط نفقة الزوجة بهما، وهذه خمسة أوجه. وتدفع هذه الأوجه بالتزام أنها تجب في مال الحمل، إن كان له مال وأنها تجب على السيد، وأنها تسقط بالإعسار، ويمضي الزمان بلا استدانة بإذن القاضي، وقد صرح الحنابلة بذلك في كتبهم. ووجه سادس: وهو أنها لو كانت للحمل - لتعددت بتعدده. ويمكن دفعه: بأن العبرة بالحاجة، وحاجة الحمل المتعدد لا تزيد عن حاجة الحمل الواحد؛ إذ الأم هي التي تتناول النفقة . ووجه سابع: هو أنها لو كانت له - لتضاعفت نفقة الزوجة الحامل، بأن تعطي نفقة لنفسها، وثانية للحمل . ويمكن دفعه بأن نفقة الغريب تسقط بالاستغناء، والحمل هنا مستغن بنفقة أمه . وثامن: وهو أنها لو كانت له لتقدرت بكفايته، لكنها تتقدر بكفايتها عند غير الشافعية، بالإمداد عند الشافعية . ويمكن دفعه: بأنها إنما قدرت بكفايتها، لأنه لا وسيلة لكفايته إلا ذلك، إذ كل الإضرار التي تحصل لها تعود عليه، وتقديرها عند الشافعية حكم مذهبي مبني على كونها للحامل، وماذا يضر لو قالوا في هذه الحالة بكفايتها، بناء على أنها للحمل. قد يجاب: بأنه كان ممكناً أن تقدر بكفايته، وهي الفرق بين كفاية الحامل والحائل، إن كان هناك فرق، لأن الحامل إما أن تحتاج إلى غذاء أكثر من الحائل، أولاً، فإن لم تحتج ـ كان إذاً مستغنياً، ولا نفقة للولد مع الاستغناء، وإن احتاجت - لم يجب الزائد. أما الأصل - فهو واجب على من يجب عليه النفقة عليها . ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، المحلى لابن حزم ٢٩١/١٠ إلى آخر الوضوح، المهذب ٢/ ١٧٦، الخرشي والعدوي ١٩٤/٤، كشاف القناع ٣٠٢/٣. (١) في ط: قطع. ١٢٥ كتاب النفقة والنفقة تجب شيئاً فشيئاً على حسب مرور الزمان، فكان الإبراء إسقاطاً قبل الوجوب فلم يصح، بخلاف ما إذا اختلعت نفسها على نفقتها؛ لما ذكرناه في [كتاب](١) الخلع، ولأنها جعلت الإبراء عن النفقة عوضاً عن نفسها في العقد، ولا يصح ذلك إلا بعد سابقة الوجوب، فيثبت الوجوب مقتضى الخلع باصطلاحهما، كما لو اصطلحا على النفقة أنها تجب وتصير ديناً في الذمة؛ كذا هذا. وكذلك الفرقة بغير طلاق إذا كانت من قبله - فلها النفقة والسكنى، سواء كانت بسبب مباح كخيار البلوغ، أو بسبب محظور كالردة، ووطء أمها أو ابنتها أو تقبيلهما بشهوة، بعد أن يكون بعد الدخول بها لقيام السبب، وهو حق الحبس للزوج عليها بسبب النكاح، وإذا كانت من قبل المرأة، فإن كانت بسبب مباح؛ كخيار الإدراك، وخيار العنين (٢)، وخيار عدم الكفاءة - فكذلك لها النفقة والسكنى، وإن كانت بسبب محظور بأن ارتدت أو طاوعت ابن زوجها أو أباه أو لمسته بشهوة فلا نفقة لها استحساناً، ولها السكنى وإن مستكرهة [فلا](٣)، والقياس أن يكون لها النفقة والسكنی في ذلك کله. وجه القياس: أن حق الحبس قائم، وتستحق النفقةِ، كما إذا كانت الفرقة من قبلها بسبب مباح، أو(٤) من قبل الزوج بسبب مباح أو محظور، وللاستحسان وجهان: أحدهما: أن [حق الحبس](٥) قد بطل بردتها؛ ألا ترى أنها تحبس بعد الردة، جبراً لها على الإسلام؛ لثبوت بقاء حق النكاح؛ فلم تجب النفقة، بخلاف ما إذا كانت الفرقة بسبب مباح؛ لأن هناك حبس النكاح قائم فبقيت النفقة، وكذا إذا كانت من قبل الزوج بسبب هو معصية؛ لأنها لا تحبس بردة الزوج، فيبقى حبس النكاح فتبقى العدة، لكن هذا يشكل بما إذا طاوعت ابن زوجها أو قبلته بشهوة؛ أنها لا تستحق النفقة، وإن بقي حبس النكاح ما دامت العدة قائمة، ولا إشكال في الحقيقة؛ لأن هناك عدم الاستحقاق لانعدام شرط الاستحقاق، وهو ألا يكون الفرقة من قبلها خاصة بفعل هو محظور مع قيام السبب، وهو حبس النكاح؛ فاندفع الإشكال بحمد الله - تعالى -. والثاني: أن حبس النكاح إنما أوجب النفقة عليه صلة لها، فإذا وقعت الفرقة بفعلها الذي هو معصية لم تستحق الصلة؛ إذ الجاني لا يستحق الصلة بل يستحق الزجر، وذلك في الحرمان لا في الاستحقاق؛ كمن قتل مورثه بغير حق؛ أنه يحرم الميراث لما قلنا، كذا هذا، (١) سقط في ط. (٢) في ط: العتق. (٣). سقط من ط . (٤) في ط: وكما إذا كانت الفرقة. (٥) في أ: حبس النكاح. ١٢٦ كتاب النفقة بخلاف ما إذا كانت مستكرهة على الوطء؛ لأن فعلها ليس بجناية فلا يوجب حرمان الصلة، وكذا إذا كانت الفرقة بسبب مباح، وبخلاف الزوج؛ لأن النفقة حقها قبل الزوج، فلا يؤثر فعله الذي هو معصية في إسقاط حق الغير، فهو الفرق بين الفصلين، وإنما لم تحرم السكنى بفعلها الذي هو معصية؛ لما قلنا: إن في السكنى حق الله - تعالى -، فلا يحتمل السقوط بفعل العبد، ولو ارتدت في النكاح حتى حرمت النفقة، ثم أسلمت في العدة لا تستحق النفقة، ولو ارتدت في العدة، ثم أسلمت وهي في العدة - تعود النفقة. ووجه الفرق: أن النفقة في الفصل الثاني بَقِيَتْ وَاجِبَةً بَعْدَ الفرقةِ قبل الرِّدَةِ؛ لبقاء سبب الوجوب، وهو حبس النكاح وقت وجوب العدة، ثم امتنع وجوبها من بعد تعارض الردة، فإذا عادت إلى الإسلام فقد زال العارض، فتعود النفقة. وأما في الفصل الأول فالنفقة لم تبق واجبة وقت وجوب العدة؛ لبطلان سبب وجوبها ١٣٨أ بالردة في حق/ حبس النكاح؛ لأن الردة أوجبت بطلان ذلك الحبس، فلا يعود من غير تجديد النكاح، فلا تعود النفقة بدونه. والأصل في هذا أن كل امرأة لم تبطل نفقتها بالفرقة، ثم بطلت في العدة لعارض منها، ثم زال العارض في العدة - تعود نفقتها، وكل من بطلت نفقتها بالفرقة لا تعود النفقة في العدة، وإن زال سبب الفرقة في العدة، بخلاف ما إذا نشزت، ثم عادت أنها تستحق النفقة؛ لأن النشوز لم يوجب بطلان حق الحبس الثابت بالنكاح، وإنما فوت التسليم المستحق بالعقد، فإذا عادت فقد سلمت نفسها فاستحقت النفقة . ولو طاوعت ابن زوجها، أو أباه في العدة، أو لمسته بشهوة؛ فإن كانت معتدة من طلاق وهو رجعي - فلا نفقة لها؛ لأن الفرقة ما وقعت بالطلاق، وإنما وقعت بسبب وجد منها وهو محظور، وإن كان الطلاق بائناً أو كانت معتدة عن فرقة بغير طلاق - فلها النفقة والسكنى؛ بخلاف ما إذا ارتدت في العدة؛ أنه لا نفقة لها إلى أن تعود إلى الإسلام وهي في العدة؛ لأن حبس النكاح يفوت بالردة، ولا يفوت بالمطاوعة والمس. ولو ارتدت في العِدَّة، ولَحِقَتْ بِدَارِ الحَرْبِ، ثُمَّ عَادَتْ وأسْلَمَتْ، أوْ سبيت وأعتقت، أو لم تعتق ـ فلا نفقة لها؛ لأن العدة قَد بطلت باللحاق بدار الحرب؛ لأنَّ الرَدَّةَ مَعَ اللَّحَاقِ بمنزلةِ الموت. ولو طلق امرأته وهي أمة طلاقاً بائناً، وقد كان المولى بوأها مع زوجها بيتاً، حتى وجبت النفقة، ثم أخرجها المولى لخدمته، حتى سقطت النفقة، ثم أراد أن يعيدها إلى الزوج، ويأخذ النفقة - كان له ذلك، وإن لم يكن بوأها المولى بيتاً حتى طلقها الزوج، ثم أراد أن يبوئها مع الزوج في العدة لتجب النفقة؛ فإنها لا تجب. ١٢٧ كتاب النفقة وجه الفرق أن النفقة كانت واجبة فى الفصل الأول؛ لوجوه سبب الوجوب وهو الاحتباس، وشرطه وهو التسليم، إلا أنه لما أخرجها إلى خدمته فقد فوت على الزوج الاحتباس الثابت حقاً له والتسليم؛ فامتنع وجوب النفقة حقاً له، فإذا أعادها إلى الزوج عاد حقه، فيعود حق المولى في النفقة . فأما في الفصل الثاني: فالنفقة ما كانت واجبة في العدة، لانعدام سبب الوجوب، أو شرط الوجوب وهو التسليم، فهو بالبينونة يريد إلزام الزوج النفقة ابتداء في العدة؛ فلا يملك ذلك. والأصل في ذلك: أن كل امرأة كانت لها النفقة يوم الطلاق، ثم صارت إلى حال لا نفقة لها فيها - فلها أن تعود وتأخذ النفقة، وكل امرأة لا نفقة لها يوم الطلاق فليس لها نفقة أبداً إلا الناشزة، وتفسير ذلك، والوجه فيه ما ذكرنا ويستوي في نفقة المعتدة عدة الأقراء وعدة الأشهر، وعدة الحمل؛ لاستواء الكل في سبب الاستحقاق، فينفق عليها ما دامت في العدة. وإن تطاولت المدة لعذر الحبل، أو لعذر آخر، فيكون القول في ذلك قولها؛ لأن ذلك أمر يعرف من قبلها، حتى لو ادعت أنها حامل أنفق عليها إلى سنتين منذ طلاقها؛ لأن الولد يبقى في البطن إلى سنتين، فإن مضت سنتان ولم تضع، فقالت: كنت أتوهم أني حامل، ولم أحض، إلى هذه الغاية، وطلبت النفقة لعذر امتداد الطهر، وقال الزوج: إنك ادعيت الحمل؛ فإنما تجب عليَّ النفقة لعلة الحمل، وأكثر مدة الحمل سنتان وقد مضي ذلك - فلا نفقة عليَّ؛ فإن القاضي لا يلتفت إلى قوله، ويلزمه النفقة إلى أن تنقضي عدتها بالأقراء، وتدخل في عدة الإياس؛ لأن أحد العذرين إن بطل وهو عذر الحمل - فقد بقي الآخر وهو عذر امتداد الطهر؛ إذ الممتد طهرها من ذوات الأقراء، وهي مصدقة في ذلك، فإن لم تحض حتى دخلت في حد الإياس - أنفق عليها ثلاثة أشهر، فإن حاضت في الأشهر الثلاثة، واستقبلت العدة بالحيض - فلها النفقة؛ لأنها معتدة. وكذلك لو كانت صغيرة يجامع مثلها، فطلقها بعدما دخل بها - أنفق عليها ثلاثة أشهر، فإن حاضت في الأشهر الثلاثة، واستقبلت عدة الأقراء أنفق عليها حتى تنقضي عدتها لما قلنا . وإن طالبته امرأته بالنفقة، وقدمته إلى القاضي، فقال الرجل للقاضي: قد كنت طلقتها منذ سنة، أو قد انقضت عدتها في هذه المدة، وجحدت المرأة الطلاق؛ فإن القاضي لا يقبل قول الزوج: إنه طلقها منذ سنة، ولكن يقع الطلاق عليها منذ أقر به عند القاضي؛ لأنه يصدق في حق نفسه لا في إبطال حق الغير، فإن أقام شاهدين على أنه طلقها منذ سنة، والقاضي لا يعرفهما أمره القاضي بالنفقة [عليها](١)، وفرض لها عليه النفقة؛ لأن الفرقة منذ سنة لم تظهر بعد. (١) سقط من ط . : . ١٢٨ كتاب النفقة فإن أقام بينة عادلة، أو أقرت هي أنها قد حاضت ثلاث حيض في هذه السنة - فلا نفقة ١٣٨ ب لها على/ الزوج، وإن كانت أخذت منه شيئاً ترده عليه؛ لظهور ثبوت الفرقة منذ سنة وانقضاء العدة . وإن قالت: لم أحض في هذه السنة - فالقول قولها ولها النفقة؛ لأن القول في انقضاء العدة قولها، فإن قال الزوج: قد أخبرتني أن عدتها قد انقضت - لم يقبل قوله في إبطال نفقتها؛ لأنه غير مصدق عليها في إبطال حقها . ولو طلق امرأته ثلاثاً أو بائناً، فامتدت عدتها إلى سنتين، ثم ولدت لأكثر من سنتين، وقد كان الزوج أعطاها النفقة إلى وقت الولادة، فإنه يحكم بانقضاء عدتها قبل الولادة لستة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد، ويسترد نفقة ستة أشهر قبل الولادة - وعند أبي يوسف لا يسترد شيئاً من النفقة، وكذلك إذا طلق امرأته في حال المرض فامتد مرضه إلى سنتين، وامتدت عدتها إلى سنتين، ثم ولدت المرأة بعد الموت بشهر، وقد كان أعطاها النفقة إلى وقت الوفاة؛ فإنها لا ترث، ويسترد منها نفقة ستة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: ترث، ولا يسترد شيئاً من النفقة، وقد مرت المسألتان في كتاب الطلاق، ولا نفقة في الفرقة قبل الدخول بأي سبب كانت لارتفاع النكاح من كل وجه، فينعدم السبب وهو الحبس الثابت بالنكاح. وأم الولد إذا أعتقها مولاها، ووجبت عليها العدة - لا نفقة لها، وإن كانت محبوسة ممنوعة عن الخروج؛ لأن هذا الحبس لم يثبت بسبب النكاح، وإنما يثبت لتحصين الماء، فأشبهت المعتدة من النكاح الفاسد، ولأن نفقتها قبل العتق إنما وجبت بملك اليمين لا بالاحتباس، وقد زال بالإعتاق، ونفقة الزوجة إنما وجبت بالاحتباس، وأنه قائم. فضل في شرط الوجوب وأما شرط وجوب هذه النفقة: فلوجوبها شرطان : أحدهما: يعم النوعية جميعاً، أعني: نفقة النكاح، ونفقة العدة. والثاني: يخص أحدهما، وهو نفقة العدة. أما الأول فتسليم المرأةُ نفسها إلى الزوج وقت وجوب التسليم، ونعني بالتسليم التخلية، وهي أن تخلى بين نفسها وبين زوجها؛ يرفع المانع من وطئها أو الاستمتاع بها حقيقة، إذا كان المانع من قبلها، أو من قبل غير الزوج، فإن لم يوجد التسليم على هذا التفسير وقت وجوب التسليم - فلا نفقة لها. وعلى هذا تخرج مسائل: إذا تزوج بالغة حرة صحيحة سليمة، ونقلها إلى بيته - فلها ١٢٩ كتاب النفقة النفقة؛ لوجود سبب الوجوب وشرطه، وكذلك إذا لم ينقلها وهي بحيث لا تمنع نفسها وطلبت النفقة ولم يطالبها بالنقلة - فلها النفقة؛ لأنه وجد سبب الوجوب، وهو استحقاق الحبس وشرطه، وهو التسليم على التفسير الذي ذكرنا، فالزوج؛ بترك النقلة ترك حق نفسه مع إمكان الاستيفاء؛ فلا يبطل حقها في النفقة؛ فإن طالبها بالنقلة فامتنعت؛ فإن كان امتناعها بحق بأن امتنعت لاستيفاء مهرها العاجل - فلها النفقة؛ لأنه لا يجب عليها التسليم قبل استيفاء العاجل من مهرها، فلم يوجد منها الامتناع من التسليم وقت وجوب التسليم، وعلى هذا قالوا: لو طالبها بالنقلة بعد ما أوفاها المهر إلى دار مغصوبة، فامتنعت - فلها النفقة؛ لأن امتناعها بحق، فلم يجب عليها التسليم، فلم تمتنع من التسليم حال وجوب التسليم. ولو كانت ساكنةٌ منزلها فمنعته من الدخول عليها، لا على سبيل النشوز؛ فإن قالت : حولني إلى منزلك أو أكثر(١) لي منزلاً أنزله، فأني أحتاج إلى منزلي هذا آخذ كراءه - فلها النفقة؛ لأن امتناعها عن التسليم في بيتها؛ لغرض التحويل إلى منزله أو إلى منزل الكراء امتناع بحق، فلم يوجد منها الامتناع من التسليم وقت وجوب التسليم، وإن كان بغير حق بأن كان الزوج قد أوفاها مهرها أو كان مؤجلاً فلا - نفقة لها لانعدام التسليم حال وجوب التسليم، فلم يوجد شرط الوجوب، فلا تجب؛ ولهذا لم تجب النفقة للناشزة وهذه ناشزة. ولو منعت نفسها عن زوجها بعد ما دخل بها برضاها لاستيفاء مهرها - فلها النفقة عند أبي حنيفة؛ لأنه منع بحق عنده، وعندهما: لانفقة لها، لكونه منعاً بغير حق عندهما. ولو منعت نفسها عن زوجها بعدما دخل بها عن كره منها - فلها النفقة؛ لأنها محقة في المنع، وإن كانت صغيرة يجامع مثلها فهي كالبالغة في النفقة؛ لأن المعنى الموجب للنفقة يجمعهما، وإن كانت لا يجامع مثلها - فلا نفقة لها عندنا، وعند الشافعي: لها النفقة؛ بناء على أن سبب الوجوب عنده النكاح، وشرطه عدم النشوز وقد وجد، أو شرط الوجوب عندنا تسليم النفس، ولا يتحقق التسليم في الصغيرة التي لا يجامع مثلها لا منها ولا من غيرها؛ لقيام المانع/ في ١٣٩أ نفسها من الوطء والاستمتاع لعدم قبول المحل لذلك؛ فانعدم شرط الوجوب؛ فلا يجب(٢). (١) الكراء والإجارة بمعنى واحد في الاصطلاح كما هما بمعنى واحد في اللغة أي استأجر لي منزلاً. (٢) إطاقة الزوجة الوطء: شرط قال به جمهور العلماء؛ كأبي حنيفة، والشافعي في أظهر قوليه وأحمد والحسن، والمُزَنِيٌّ، والنَّخَعِيِّ. وإِسْحَاقَ. وأبي ثور. فعلى هذا: لا نفقة للصغيرة التي لا تطيق الوطء، لصغرها. وذهب الشافعي في أحد قوليه. والثوري، والظاهرية إلى وجوب نفقة الصغيرة، ولو في المهد. واختلفت المالكية، فمنهم من اشترط إطاقة الوطء مطلقاً، ومنهم من اشترطها في غير المدخول بها، فمن = بدائع الصنائع ج ٥ - م٩ ١٣٠ كتاب النفقة دخل بها الزوج - تجب عليه نفقتها، وهذا هو الذي استظهره البناني والدسوقي. = وقال أبو يوسف - صاحب أبي حنيفة -: إن كانت الصغيرة تخدم الزوج، وينتفع بخدمتها، فسلمت نفسها إليه، فإن شاء ردها، وإن شاء أمسكها؛ فإن أمسكها - فلها النفقة، وإن ردّها - فلا نفقة لها)) اهـ. واختاره بعض مشايخ الحنفية . استدل القائلون باشتراط إطاقة الزوجة الوطء بأدلة ترجع كلها - بعد التأمل - إلى الدليل الآتي: الصغيرة التي لا تطيق الوطء قام بها مانع من التمكين المؤدي إلى المقصود، فلا تجب لها النفقة، كما لو امتنعت من التمكين باختيارها أو منعه أولياؤها. ويرد عليه أولاً: أن المريضة، والرتقاء، والكبيرة، اللاتي لا يمكن وطؤهن، قام بهن مانع كذلك مع وجوب نفقتهن . ويجاب: بأن هؤلاء، وإن امتنع وطؤهن في الفرج - لم يمتنع مقصود النكاح بالكلية، إذ يمكن جماعهن فيما دون الفرج بالتفخیذ ونحوه. فإن قيل: الصغيرة جدًّا يمكن فيها ذلك. فالجواب: أن كل ما قل يستنكر ذلك في الصغيرة التي لا تطيق الوطء، بخلاف العجوز، والمريضة، ونحوهما، فإن الطباع السليمة شأنها أن تشتهي الكبيرة دون الصغيرة. ويرد عليه - ثانياً -: أن عدم الوجوب في المقيس عليه غير مسلّم، وهذا الإيراد إنما يتأتى ممن يقول: إن الناشزة تجب لها النفقة، كالحكم بن عتيبة، وابن حزم. ولا جواب عليه إلا بالاستدلال على عدم الوجوب للناشز. فإن استدل عليه بالإجماع أورد عليه أنه لا إجماع. وإن استدل عليه: بأنَّ النفقة بإزاء التمكين، أو الاحتباس المؤدي إلى المقصود. أورد عليه: أنه غير مسلم، لمَ لا يجوز أن يكون بإزاء الاحتباس على الزوج مطلقاً؟ فالأوجه- فيما أرى - أن يعدلوا عن هذا القياس إلى الاستدلال الآتي، وإن لم يذكروه دليلاً لهذا الحكم، لو وجب الإنفاق على الصغيرة التي لا تطيق الوطء - لأنفق النبي ◌َّر على عائشة قبل الدخول، لكنه لم ينفق. وبيان الملازمة: أن عدم الإنفاق على عائشة دليل على عدم وجوبه، وعدم وجوبه، إما لعدم تسلمها، وإما لعدم عرض وليها، وإما لامتناعه من التسليم، وإما لصغرها لمانع من إطاقة الوطء. لا جائز أن يكون لعدم تسلمها، وإلا لجاز أن يعقد الإنسان على زوجة صالحة للوطء، ويدعها في بيت أهلها طول دهرها بلا نفقة، ولا لعدم عرض وليها، إذ العرض والسكوت سِيَّان، فإنّ الإقدام على العقد متضمن للرضا بالزفاف فالسكوت بعده مساوٍ للعرض، ولا لامتناع وليها من تسليمها، لأنه لو دفع - لنقل، فلا بُدّ أن يكون لصغرها المانع من إطاقة الوطء، وهذا استدلال قويٌّ. لكن للذاهبين مذهب أبي يوسف أن يقولوا: لا تسلم أنه لصغرها فقط، بل لصغرها فقط، بل لصغرها مع عدم أخذ النبي ◌َّ إياها، للانتفاع بها في الخدمة. ولا جواب إلا ببيان أن الانتفاع بالخدمة لا يلحق بالاستمتاع. (٣) استدل مانعوا اشتراط إطاقة الوطء مطلقاً - وهم القائلون بوجوب الإنفاق على الزوجة الصغيرة، ولو في المهد، ولو في بيت أهلها - بثلاثة أدلة: = ١٣١ كتاب النفقة ١ - أن النصوص التي أوجبت النفقة للزوجة لم تفرق بين صغيرة وكبيرة، فوجب العلم بمقتضاها في سسے الصغيرة، كما وجب في الكبيرة ويرد عليه: أن النصوص على فرض إطلاقها يستثنى منها الصغيرة التي لا تطيق الوطء، لما عرف من عدم إنفاق النبي ◌َّر على عائشة، قبل البناء بها. على أن من تأمل في النصوص لم يجدها مطلقة، وإليك البيان: أما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ فمرجع الضمير فيهع للوالدات، فلا يتناول الصغيرات. وأما قول سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذو سِعَةٍ من سِعَتِهِ﴾ فلم ينص فيه على المنفق عليه؛ فوجب أن يعم كل مستحقٌ للنفقة، ولا تعلم أفراد المستحقين من زوجة وغيرها إلا بدليلٍ أَخَرَ، فلا دلالة فيه على وجوب نفقة الزوجة، كبيرة كانت أو صغيرة. وأما قوله وَّه: ((وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ)) فالضمير فيه راجع إلى النساء اللاتي أخِذْنَ بأمان الله، واستحلت فروجهن بكلمة الله؛ فلا يشمل الصغائر اللاتي لا يطقن الوطء، إذ لا تحل فروجهن، لتأدية الجماع إلى ضررهن. وقد يجاب على هذا الأخير: بأن المراد: استحلال الاستمتاع بالفروج، ولو بالإجماع، وإلا لما وجبت نفقة الرتقاء، والعجوز التي لا تطيق الوطء. وهذا جواب قويّ، لكنه لا ينفع أرباب هذا المذهب، إذ غايته أن يكون النص عامًّا؛ فيخص بإخراج الصغيرة، التي لا تطيق الوطء، بدليل عدم الإنفاق على عائشة. ب - إن الصغيرة التي لا تطيق الوطء، تعذر وطؤها بغير فعلها؛ فلم يمنع نفقها، كالرتقاء، والقرناء، والمريضة، والعجوز. ويرد عليه: أنه قياس مع الفارق، فإن المقيس عليهن لا يقبح من ذوي الطباع السليمة جماعهن فيما دون الفرج؛ فاحتباسهن موصل إلى المقصود، بخلاف الصغيرة التي لا تطيق الوطء. جـ - إن النفقة عرض عن مطلق الاحتباس الناشىء عن عقد الزواج، أو الاحتباس الذي لم يصحبه مانع اختياري من جهة الزوجة، وكل ما كان كذلك يجب للزوجة الصغيرة التي لا تطيق الوطء. ويرد عليه: أن الصغرى مَمْنُوعَةٌ، وسند المنعِ أَنَّ النَّفَقَةَ لو كانت ◌ِوَضاً عن شيء من ذلك - لوجبت للسيدة عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قبل الدخول، فهي إذاً عوض عن الاحتباس المؤدي إلى المقصود. (٣) ذهب اللقاني من المالكية إلى أن الصغيرة التي لا تطيق الوطء لا تجب نفقتها، سواء أدخل بها الزوج، أم لا، وهذا كالمذهب الأول، وقد سبق بيان وجهته .. وصحح صاحب ((التوضيح)) منهم أن المدخول بها تجب نفقتها، وإن لم تطق الوطء، وغير المدخول بها لا تجب نفقتها إلا إذا كانت مطيقة للوطء، وهذا القول، هو الذي استظهروه، لكنهم لم يذكروا له دليلاً، كعادتهم في سَرْدِ الأَحْكَامِ، والسكوت عن الأدلة. ويظهر أن وجهته: أن المدخول بها قد حصل المقصود من نكاحها، وإن كان في الدخول بها ضرر وإيذاء؛ فتجب نفقتها؛ لحصول المعوض، وغير المدخول بها ليست كذلك. وقد يقال: من قبل الذاهبين مذهب أبي يوسف: إن الحكم في المدخول بها مسلّم، وأما غير المدخول بها، فإن تسلمها الزوج، وانتفع بخدمتها - فالذي ينبغي وجوب الإنفاق عليها أيضاً؛ للرضا بالتسليم الناقص على ما يأتي. (٤) استدل لأبي يوسف: حيث يقول، بوجوب نفقة الصغيرة، التي لا تطيق الوطء، إذا تسلمها الزوج، = ١٣٢ كتاب النفقة وهي صالحة للانتفاع بالخدمة، أو الائتناس، وبعدم الوجوب في غير هذه الحالة - بأن الصغيرة التي لا = تطيق الوطء، إن سلّمت نفسها، وكانت ممن ينتفع الزوج بخدمتها، أو يستأنس بها - فإما أن يمسكها، وإما أن يردها، فإن أمسكها - فقد حصل له منها نوع منفعة، وضرب من الاستمتاع، مع رضاه بالتسليم القاصر، فعليه نفقتها، وإِنْ رَدَّهَا - فالتسليم المؤدي إلى المقصود لم يحصل، والتسليم القاصر لم يرض به، فلا نفقة لها، كما لو لم تسلم نفسها، أو سلمت، ولم ينتفع بها. ويرد عليه من قبل القائلين بالوجوب مطلقاً: أن النفقة جزاء الاحتباس، لعدم التفصيل في الأدلة. وجوابه: أن عدم الإنفاق على عائشة - رضي الله عنها - يستلزم أن النفقة جزاء الاحتباس المؤدي المقصود، وذلك لا يكون إلا حيث تطيق الوطء، أو لا تطيقه، ولكن يرضى الزوج بالانتفاع بها في الخدمة . ويرد عليه من قبل المانعين مطلقاً: أن النفقة عوض عن الاحتباس، أو التمكين المؤدي إلى المقصود، ومهما حصل نوع انتفاع، واستمتاع مع الرضا بالتسليم القاصر، لم يحصل المعوِّض عنه، فلا يجب عوضه. والجواب: أن النفقة، وإن كانت عوضاً عن التسليم الكامل، إلا أن التسليم الناقص يدل منه عند الرضا، والرضا بالبدل رضا بعوضه المبدل منه. والذي يظهر لي: أن إطاقة الزوجة الوطء شرط عند عدم انتفاع الزوج بخدمة الزوجة؛ كما ذهب إليه أبو يوسف والعمدة في ذلك ترك الإنفاق على عائشة قبل الدخول؛ فإنه يستنبط منه أن العلة في الإنفاق: الاحتباس المؤدي إلى المقصود ويلحق به الرضا بالاحتباس المؤدي إلى الخدمة . تنبيهان: الأول: اختلفت عبارات الحنفية في الكلام على هذه المسألة، ففي ((المبسوط)): ((ولا نفقة للصغيرة التي لا يجامع مثلها)) وفي ((تنوير الأبصار)): ((فتجب للزوجة على زوجها، ولو صغيرة تطيق الوطء». وفي ((شرحه الدر المختار)).، بعد قوله: ((تطيق الوطء)) ما نصه: ((أو تشتهي للوطء فيما دون الفرج)). وفي ((البداية)): ((إن كانت صغيرة، لا يستمتع بها - فلا نفقة لها)). والمراد من جميع العبارات: أن التي لها النفقة هي التي تطيق الوطء، ولو من واحد ممن يطيق الوطء، ولو بحسب الظاهر. فالمراد بالاستمتاع في عبارة ((البداية»: الوطء، والمراد بالاشتهاء للوطء فيما دون الفرج في عبارة ((الدر): الاشتهاء في الطبع السليم للوطء فيما دون الفرج بالمفاخذة، ونحوها، وذلك لا يكون إلا ممن يطيق الوطء بحسب الظاهر. ومما يتعجب منه ما في بعض شروح الأحوال الشخصية، من أن التي تشتهى للقبلة، أو اللمس مثلاً تجب لها النفقة؛ فإن الرضيعة قد تشتهى للقبلة واللمس، فلا يكون لهذا الشرط معنى حينئذ. الثاني: لم أر فيما راجعته من كتب الشافعية والمالكية تقديراً لسن مطيقة الوطء. وفي ((الإقناع للحنابلة)): ((وهي من يوطأ مثلها)) إ هـ، وفي ((شرحه كشاف القناع)) ما نصه: ((كذا أطلقه المصنف هنا، تبعاً للمزني، وأبي الخطاب، وابن عقيل، والموفق، والشيرازي، وأناط القاضي ذلك بابنة تسع سنين، وتبعه في ((المحرر)) و((الوجيز))، وهو مقتضى نص أحمد في رواية صالح وعبد الله، وسئل = ١٣٣ كتاب النفقة وقال أبو يوسف: إذا كانت الصغيرة تخدم الزوج، وينتفع الزوج بها بالخدمة، فسلمت نفسها إليه؛ فإن شاء ردها وإن شاء أمسكها، فإن أمسكها فلها النفقة، وإن ردها فلا نفقة لها؛ لأنها إذا لم تحتمل الوطء لم يوجد التسليم الذي أوجبه العقد فكان له أن يمتنع عن القبول، فإن أمسكها فلها النفقة؛ لأنه حصل له منها نوع منفعة، وضرب من الاستمتاع، وقد رضي بالتسليم القاصر، وإن ردها فلا نفقة لها حتى يجيء حال يقدر فيها على جماعها؛ لانعدام التسليم الذي أوجبه العقد وعدم رضاء بالتسليم القاصر. وإن كان الزوج صغيراً والمرأة كبيرة - فلها النفقة؛ لوجود التسليم منها على التفسير الذي ذكرنا(١)، وإنما عجز الزوج عن القبض، وأنه ليس بشرط لوجوب النفقة؛ وكذلك لو كان متى تؤخذ من الرجل نفقة الصغيرة؟ فقال: مثلها يوطأ؛ كبنت تسع سنين، ويمكن حمل الإطلاق على = هذا، لقول عائشة: ((إذا بلغت الجارية تسعاً - فهي امرأة)) اهـ. وفي ((الفتح)) من كتب الحنفية: ((اختلف في محتملة الوطء، فقيل: أقلها سبع سنين، وقال العتابي: اختيار مشايخنا تسع سنين . والحق عدم التقدير، فإن احتماله يختلف باختلاف البيئة. ينظر النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد، والنهاية ٢٥٦/٦، الأم للشافعي ٧٨/٥، حاشية الدسوقي ٢/ ٥٧٥. (١) اختلف الفقهاء في اشتراط بلوغ الزوج، أو إطاقته الوطوء، أو عدم اشتراطهما على أربعة أقوال: (أحدها): اشتراط إطاقة الوطء؛ بمعنى: أن لا يكون صغيراً صغراً يمنع معه الوطء. وهو أحد قولي الشافعي، وعليه لا نفقة لزوجة الصغير الذي لا يطيق الوطء. ثانيها: اشتراط بلوغه، وهو قول اللقاني من المالكية، وعليه لا نفقة لزوجة الصغير، وإن أطاق الوطء، أو دخل بالزوجة . ثالثها: اشتراط بلوغه ما لم يدخل بالزوجة، وهو قول صاحب ((التوضيح)) من المالكية، وعليه لا نفقة لزوجة الصغير التي لم يدخل بها، وإن أطاق الوطء، بخلاف التي دخل بها، فإن عليه نفقتها. رابعها: عدم اشتراط بلوغه، ولا إطاقة للوطء، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وابن حزم، وأظهر قولي الشافعي، وعليه تجب نفقة زوجة الصغير، وإن لم يطق الوطء، ما لم يكن هناك مانع آخر. وسأذكر دليل كل من هذه المذاهب، وما يرد عليه من المناقشات وأتبع ذلك بما أختار، فأقول: أ - أما من ذهب إلى اشتراط إطاقة الزوج الوطء بألاً يكون صغيراً صِغَراً مانعاً منه - فقد استدل بأن الصَّغير المذكور لا يتمكن من الاستمتاع؛ لسبب هو معذور فيه؛ فلا تلزمه النفقة، كما لو كانت الزوجة صغيرة، أو ناشزة. ويرد عليه: أن الناشزة والصغيرة، فات الاستمتاع بهما، بمعنى من جهتهما، بخلاف زوجة الصغير، إذا لم تكن ناشرة، ولا صغيرة - فإن فوات الاستمتاع بها إنما هو لمعنى من جهة الزوج. وحاصل هذا الإيراد: أن العلة في وجوب نفقة الزوجة احتباسها المؤدي إلى المقصود، بزوال المانع من جهتها، لا بزوال المانع مطلقاً، وإلا لما وجب إنفاق العنين، والمجبوب، والمريض، والمحبوس، والغائب على زوجاتهم. وهذه العلة موجودة في زوجة الصغير، دون الناشزة والصغيرة، فقياسها عليهما لا يصح. = ١٣٤ كتاب النفقة الزوج مجبوباً، أو عنيناً، أو محبوساً في دين، أو مريضاً لا يقدر على الجماع، أو خارجاً للحج - فلها النفقة لما قلنا. ولو كانت المرأة مريضة قبل النقلة مرضاً يمنع من الجماع فنقلت وهي مريضة فلها النفقة بعد النقلة وقبلها أيضاً، فإذا طلبت النفقة فلم ينقلها الزوج وهي لا تمتنع من النقلة لو طالبها الزوج، وإن كانت تمتنع فلا نفقة لها كالصحيحة. كذا ذكر في ظاهر الرواية. وَرُوَي عَنْ أبي يوسف: أنه لا نفقة لها قبل النقلة، فإذا نقلت وهي مريضة - فله أن ب - وأما من ذهب إلى اشتراط بلوغه - فلعل دليله: أن غير البالغ لا يتمكن من الوطء المقصود من = النكاح، وهو الوطء الذي يمكن معه التناسل؛ فلا تلزمه النفقة، كما لو كانت الزوجة صغيرة لا تطيق الوطء، أو ناشزة. جـ ـ وأما من ذهب إلى اشتراط بلوغه - ما لم يدخل بزوجته - فلعل دليله: أن من دخل بزوجته، وهو صغير - فقد استوفى منفعة البضع، وإن لم يتلذذ؛ فتجب عليه النفقة؛ كما لو كان مريضاً ومن لم يدخل بزوجته، وهو صغير - فإنه لم يستوفِ منفعة البضع، ولم يتمكن من الوطء المقصود، فلا نفقة عليه. ويمكن أن يقال له: سلّمنا الشق الأدلة، وأما الثاني - فلا؛ لأنه وإن لم يستوف منفعة البضع، ولم يتمكن من الوطء المقصود - إلاّ أنه قد سلم له البضع بلا مانع من الانتفاع به من جهة الزوجة، فتجب عليه النفقة، كمن دُعِيَ إلى الدخول فامتنع. د - وأما من ذهب إلى عدم اشتراط شيء من البلوغ، والإطاقة - فدليله - أولاً - عموم النص للصغير، إطاقة الوطء، أو لم يطق، وهو قوله بَّهِ: ((ولهنَّ عليكم رِزقُهُنَّ، وَكِسوَتُهُنَّ بالمغْرُوفِ)) ولم يوجد ما یخصصه بالکبیر. وقد يقال: الخطاب للبالغين، لأنه خطاب تكليف. والجواب: أنه خطاب تكليف للأزواج المكلفين، وأولياء الأزواج غير المكلفين، وهو يتضمن خطاب وضع، بمعنى: جَعْل الاحتباس، بالزواج سبباً في وجوب النفقة، وهذا عامّ للأزواج المكلفين وغيرهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نحْلَةً﴾ إذ من المعلوم أن المهر واجب في مال الأزواج، ولو غير مكلفين وإن كان المخاطب بالدفع أولياءهم. ثانياً: إن زوجة الصغير - ما لم يكن هناك مانع سوى صغره - قد سلّمت نفسها تسليماً صحيحاً؛ فتجب لها النفقة؛ لما لو كان كبيراً فإن قيل: تسليمها غير صحيح؛ لأنه لا يؤدي إلى المقصود، حيث لا يمكن الاستمتاع بها . فالجواب: أن عدم إمكان الاستمتاع لم يأت من قبلها، وإنما أتى من قبله، فلا يمنع صحة تسليمها، كما لو كان غائباً، أو مريضاً. ومن تأمل فيما سبق لم يسعه إلا ترجيح القول بعدم اشتراط شيء من البلوغ، أو الإطاقة، فتجب النفقة على الصغير؛ بمعنى: أن احتباس الزوجة سبب في شغل ذمته، فتؤدي من ماله، والمخاطب بتأديتها وليه، لأنه النائب عنه في أداء الواجبات عليه، كما يؤدِّي أُرُوش جناياته، وقيم متلفاته وزكواته. ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد التحفة ٣٣٠/٨، النهاية ٢٥٦/٦، الأم للشافعي ٧٨/٥. ١٣٥ كتاب النفقة يردها. وجه رواية أبي يوسف: أنه لم يوجد التسليم؛ إذ هو تخلية وتمكين، ولا يتحقق ذلك مع المانع، وهو تَبَوُّءُ المحل، فلا تستحق النفقة؛ كالصغيرة التي لا تحتمل الوطء، وإذا سلمت نفسها وهي مريضة له - أن يردها؛ لأن التسليم الذي أوجبه العقد، وهو التسليم الممكن من الوطء، لما لم يوجد كان له ألا يقبل التسليم الذي لم يوجبه العقد، وهكذا قال أبو يوسف في الصغيرة التي لم يجامع مثلها أن له أن يردها لما قلنا. وجه ظاهر الرواية أن التسليم في حق التمكين من الوطء إن لم يوجد، فقد وجد في حق التمكين من الاستمتاع، وهذا يكفي لوجوب النفقة؛ كما في الحائض، والنفساء، والصائمة صوم رمضان. وإذا امتنعت، فلم يوجد منها التسليم رأساً - فلا تستحق النفقة. وقال أبو يوسف: إذا كانت المريضة تؤنسه، وينتفع بها في غير الجماع، فإن شاء ردها وإن شاء أمسكها، فإن أمسكها فلها النفقة، وإن ردها فلا نفقة لها؛ لما ذكرنا في الصغيرة، وإن نقلت وهي صحيحة، ثم مرضت في بيت الزوج مرضاً لا تستطيع معه الجماع - لم تبطل نفقتها بلا خلاف؛ لأن التسليم المطلق وهو التسليم الممكن من الوطء والاستمتاع قد حصل بالانتقال؛ لأنها كانت صحيحة؛ كذا الانتقال، ثم قصر التسليم لعارض يحتمل الزوال فأشبه الحيض، أو نقول: التسليم المستحق بالعقد في حق المريضة التي لا تحتمل الجماع قبل الانتقال وبعده - وهو التسليم في حق الاستمتاع لا في حق الوطء؛ كما في حق الحائض. وكذا إذا نقلها ثم ذهب عقلها، فصارت معتوهة مغلوبة، أو كبرت فطعنت في السن حتى لا يستطيع زوجها جماعها، أو أصابها بلاء - فلها النفقة لما قلنا، ولو حبست في دين ذكر في ((الجامع الكبير)) أن لا نفقة لها، ولم يفصل بين ما إذا كان الحبس قبل الانتقال أو بعده، وبين ما إذا كانت قادرة على التخلية أو لا؛ لأن حبس النكاح قد بطل بأعراض حبس الدين؛ لأن صاحب الدين أحق بحبسها بالدين، وفات التسليم أيضاً بمعنى من قبلها وهو مطلها؛ فصارت كالناشزة . وذكر الكرخي أنها إذا كانت محبوسة في دين من قبل النقلة، فإن كانت تقدر على أن تخلي بينه وبين نفسها - فلها النفقة، وإن كانت في موضع لا تقدر على التخلية - فلا نفقة لها، وهذا تفسير ما أجمله محمد في ((الجامع))؛ لأنها إذا كانت تقدر على أن توصله إليها - فالظاهر منها عدم المنع لو طالبها الزوج، وهذا تفسير التسليم، فإن لم يطالبها فالتقصير جاء من قبله فلا يسقط حقها، وإن كانت لا تقدر على التخلية - فالتسليم فات بمعنى من قبلها وهو مماطلتها، فلا تستوجب النفقة، ولو حبست بعد النقلة لم تبطل نفقتها لما قلنا في المريضة. وذكر القدوري أن ما ذكره الكرخي في الحبس محمول على ما إذا كانت محبوسة لا تقدر على قضائه، فأما إذا كانت قادرة على القضاء فلم تقض - فلا نفقة لها، وهذا صحيح؛ ١٣٦ كتاب النفقة لأنها إذا لم تقض مع القدرة على القضاء صارت كأنها حبست نفسها، فتصير بمعنى الناشزة، ١٣٩ ب ولو فرض القاضي لها النفقة، ثم أخذها/ رجل كارهة، فهرب بها شهراً، أو غصبها غاصب لم يكن لها نفقة في المدة التي منعها لفوات التسليم لا لمعنى من جهة الزوج. وروي عن أبي يوسف: أن لها النفقة؛ لأن الفوات ما جاء قبلها، والرتقاء(١) والقرناء(٢) لهما النفقة بعد النقلة، وقبلها إذا طلبتا، ولم يظهر منهما الامتناع في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف: أن لهما النفقة بعد الانتقال فأما قبل الانتقال - فلا نفقة لهما. وجه رواية أبي يوسف: أن التسليم الذي أوجبه العقد لم يوجد في حقهما قبل الانتقال وبعده، إلا أنه لما قبلهما مع العلم بالعيب، فقد رضي بالتسليم القاصر؛ كما قال في المريضة، إلا أن ههنا قال: لا يجوز أن يردهما، وقال في الصغيرة التي ينتفع بها في الخدمة، والمريضة التي يستأنس بها: إن له أن يردهما. وجه ظاهر الرواية: أن العقد انعقد في حقهما موجباً تسليم مثلهما، وهو التمكين من الاستمتاع دون الوطء، وهذا النوع من التسليم يكفي لاستحقاق النفقة؛ كتسليم الحائض والنفساء، والمحرمة والصائمة، مع ما أن التسليم المطلق يتصور منهما بواسطة إزالة المانع مع الرتق، والقرن بالعلاج، فيمكن الانتفاع بهما وطئاً. ولو حجت المرأة حجة فريضة، فإن كان ذلك قبل النقلة، فإن حجت بلا محرم ولا زوج - فهي ناشزة، وإن حجت مع محرم لها دون الزوج - فلا نفقة لها في قولهم جميعاً؛ لأنها امتنعت من التسليم بعد وجوب التسليم، فصارت كالناشزة، وإن كانت انتقلت إلى منزل الزوج، ثم حجت مع محرم لها دون الزوج - فقد قال أبو يوسف لها النفقة، وقال محمد: لا نفقة لها . وجه قول محمد أن التسليم قد فات بأمر من قبلها، وهو خروجها؛ فلا تستحق النفقة كالناشزة . ولأبي يوسف أن التسليم المطلق قد حصل بالانتقال إلى منزل الزوج، ثم فات بعارض أداء فرض، وهذا لا يبطل النفقة؛ كما لو انتقلت إلى منزل زوجها، ثم لزمها صوم رمضان، أو نقول: حصل التسليم المطلق بالانتقال، ثم فات لعذر - فلا تسقط النفقة كالمريضة، ثم إذا (١) الرتقاء: التي انْسَدَّ فَرْجُهَا، يقال: امرأة رتقاء بينة الرتق: لا يستطاع جماعها؟ لارتقاق ذلك الموضع منها. النظم المستعذب ٢٢٥/٢. (٢) القُرْنَاءُ والقَرْنُ: العَفَلَةُ الصغيرة في الفرج النظم المستعذب (١٤١/٢). ١٣٧ كتاب النفقة وجبت لها النفقة على أصل أبي يوسف يفرض لها القاضي نفقة الإقامة لا نفقة السفر؛ لأن الزوج لا يلزمه إلا نفقة الحضر، فأما زيادة المؤنة التي تحتاج إليها المرأة في السفر من الكراء، ونحو ذلك - فهي عليها لا عليه؛ لأنها لأداء الفرض والفرض عليها، فكانت تلك المؤنة عليها لا عليه كما لو مرضت في الحضر كانت المداواة عليها لا على الزوج، فإن جاورت بمكة أو أقامت بها بعد أداء الحج إقامة لا تحتاج إليها - سقطت نفقتها؛ لأنها غير معذورة في ذلك، فصارت كالناشزة، فإن طلبت نفقة ثلاثة أشهر قدر الذهاب والمجيء - لم يكن على الزوج ذلك، ولكن يعطيها نفقة شهر واحد، فإذا عادت أخذت ما بقي؛ لأن الواجب عليه لها نفقة الإقامة لا نفقة السفر، ونفقة الإقامة تفرض لها كل شهر فشهر وهذه الجملة لا تتفرع على أصل محمد، هذا إذا لم يخرج الزوج معها إلى الحج، فأما إذا خرج فلها النفقة بلا خلاف لوجوه التسليم المطلق؛ لإمكان الانتفاع بها وطأ استمتاعاً في الطريق؛ فصارت كالمقيمة في منزله. ولو آلى منها، أو ظاهر منها - فلها النفقة؛ لأن حق الحبس قائم، والتسليم موجود، ولتمكنه من وطئها، والاستمتاع بها بغير واسطة في الإيلاء، وبواسطة تقديم الكفارة في الظهار، فوجد سبب وجوب النفقة وشرط وجوبها؛ فتجب. ولو تزوج أخت امرأته أو عمتها أو خالتها، ولم يعلم بذلك حتى دخل بها - فرق بينهما، ووجب عليه أن يعتزلها مدة عدة أختها؛ فلامرأته النفقة؛ لوجود سبب الوجوب وشرطه، وهو التسليم، إلا أنه امتنع الانتفاع بها بعارض يزول، فأشبه الحيض والنفاس، وصوم رمضان، ولا نفقة لأختها، وإن وجبت عليها العدة؛ لأنها معتدة من نكاح فاسد . وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا تزوج حر أو عبد أمة أو قنة أو مدبرة أو أم ولد؛ أنه إن بوأها المولى تجب النفقة، وإلا فلا؛ لأن سبب الوجوب وهو حق الحبس، وشرطه وهو التسليم لا يتحقق بدون التبوئة؛ لأن التبوئة؛ هو أن يخلي المولى بينها وبين زوجها في منزل زوجها لاستخدامها (١)، فإذا كانت مشغولة بخدمة المولى - لم تكن محبوسة عند الزوج ولا مسلمة إليه، ولا يجبر المولى على التبوئة؛ لأن خدمتها حق المولى، فلا يجبر الإنسان على إيفاء حق نفسه لغيره، فإن بوأها المولى، ثم بدا له أن يستخدمها - فله ذلك؛ لما ذكرنا أن خدمتها حق المولى؛ لأن منافع سائر الأعضاء بقيت على ملكه، وإنما أعارها للزوج بالتبوئة، وللمعير أن يسترد عاريته، ولا نفقة على الزوج مدة الاستخدام/ لفوات التسليم فيها من جهة ١٤٠أ المولى، ولو بوأها مولاها بيت الزوج، فكانت تجيء في أوقات إلى مولاها، فتخدمه من غير أن يستخدمها - قالوا: لا تسقط نفقتها؛ لأن الاسترداد إنمَّا يَحْصُلُ بالاستخدام ولم يوجد؛ (١) في ط: لا يستخدمها. ١٣٨ كتاب النفقة ولأن هذا القدر من الخدمة لا يقدح في التسليم؛ كالحرة إذا خرجت إلى منزل أبيها، وإن كانت مكاتبة تزوجت بإذن المولى حتى جاز العقد - فلها النفقة ولا يشترط التبوئة؛ لأن خدمتها ليست حق المولى؛ إذ لا حق للمولى في منافعها. ألا ترى أنه ليس للمولى أن يستخدمها، فكانت في منافعها كالحرة، فيجبر المولى على التسليم، ويجب على الزوج النفقة، والعبد إذا تزوج بإذن المولى حرة أو أمة فهو في وجوب النفقة كالحر؛ لاستوائهما في سبب الوجوب، وهو حق الحبس، وشرطه وهو التسليم، ولهذا استويا في وجوب المهر، إلا أن الفرق بينهما أن النفقة إذا صارت مفروضة على العبد تتعلق برقبته وكسبه - يباع فيها، إلا أن يفديه المولى فيسقط حق الغريم كسائر الديون، ويبدأ بها قبل الغَلَّة لمولاه؛ فإن كان المولى ضرب عليه ضريبة، فإن نفقة امرأته تقدم على ضريبة مولاه؛ لأنها بالفرض صارت ديناً في رقبته حتى يباع بها، فأشبه سائر الديون، بخلاف الغلة؛ فإنها لا تجب للمولى على عبده دين في الحقيقة، فإن مات العبد قبل البيع بطلت النفقة، ولا يؤخذ المولى بشيء؛ لفوات محل التعليق فيبطل التعليق؛ كالعبد المرهون إذا هلك يبطل الدين الذي تعلق به . وكذلك إذا قتل العبد في ظاهر الرواية، وذكر الكرخي أنه إذا قتل كانت النفقة في قيمته . وَجْهُ ما ذَكَرهُ الكِرْخِيُّ أنَّ القيمةَ قَامَتْ مَقَامَ العَبْدِ؛ لأنَّها بَدَلُهُ فتقومُ مقامَهُ كأنه هو؛ كما في سائر الديون. وجه ظاهر الرواية: أن القيمة إنما تقام مقام الرقبة في الديون المطلقة، لا فيما يجري مجرى الصلات، والنفقة تجري مجرى الصلات على أصل أصحابنا؛ لما نذكر إن شاء الله - تعالى -، فتسقط بالموت قبل القبض كسائر الصلات؛ ولهذا لو كان الزوج حراً فقتل خطأ - سقطت عندنا، ولا تقام الدية مقامه، فكذا إذا كان عبداً وكذلك المدبر وأم الولد لما قلنا، غير أن هؤلاء لا يباعون؛ لأن ديونهم تتعلق بأكسابهم لا برقابهم؛ لتعذر استيفائها من رقابهم؛ لأن الاستيفاء بالبيع، ورقابهم لا تحتمل البيع. وأما المكاتب فعندنا يتعلق الدين برقبته وكسبه كالقن؛ لتصور الاستيفاء من رقبته لاحتمال العجز؛ لأنه إذا عجز يعود قنّاً، فيسعى فيها ما دام مكاتباً فإذا قضى بعجزه وصار قناً - يباع فيها، إلا أن يفديه المولى؛ كما في(١) الكتابة. وأما المعتق البعض فهو عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب، إلا أنه لا يتصور فيه العجز، (١) في أ: قبل. ١٣٩ كتاب النفقة والبيع في الدين، فيسعى في نفقتها، وعندهما: هو حر عليه دين، ولا يجب على العبد نفقة ولده، سواء كان من امرأة حرة أو أمة؛ لأنه إن كان من حرة يكون خراً؛ فلا يجب على العبد نفقة الحر، وتكون على الأم نفقته إن كانت غنية، وإن كانت محتاجة فعلى من يرث الولد من القرابة، وإن كان من أمة فيكون عبداً لمولاها؛ فلا يلزم غيره نفقته. وكذلك الحر إذا تزوج أمة فولدت له أولاداً - فنفقة الأولاد على مولى الأمة؛ لأنهم مماليكه، والعبد والحر في ذلك سواء وكذلك المدبرة وأم الولد في هذا كالأمة القنة لما قلنا. وإن كان مولى الأمة في هذه المسائل فقيراً والزوج أب الولد غنياً - لا يؤمر الأب بالنفقة على ولده، بل إما أن يبيعه مولاه أو ينفق عليه إن كان من أمة قنة، وإن كان من مدبرة أو أم ولد ينفق الأب عليه، ثم يرجع على المولى إذا أيسر لتعذر الجبر على البيع ههنا؛ لعدم قبول المحل. فأما إذا كانت مكاتبة فنفقة أولادها لا تجب على زوجها، وإنما تجب على الأم المكاتبة، سواء كان الأب حراً أو عبداً؛ لأن ولد المكاتبة ملك المولى رقبة، وهو حق المكاتبة كسباً، ألا ترى أنها تستعين بإكسابه في رقبتها وعتقها، وإذا كانت إِكسابه حقاً لها كانت نفقته عليها، لأن نفقة الإنسان تتبع كسبه، قال النبي وَله: ((إِنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ(١) مِنْ كَسِْه))(٢)، وإن زوّج ابنته من عبده فلها النفقة على العبد؛ لأن البنت يجب لها على أبيها دين، فيجوز أن يجب على عبد أبيها. وإن زوّج أمته من عبده فنفقتهما جميعاً على المولى لأنهما جميعاً ملك المولى والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. والكتابية في استحقاق النفقة على زوجها المسلم كالمسلمة؛ لاستوائهما في سبب الاستحقاق وشرطه، والذمي في وجوب النفقة عليه لزوجته التي ليست/ من محارمه كالمسلم؛ ١٤٠ب الاستوائهما في سبب الوجوب وشرطه، ولأن ما ذكرنا من دلائل الوجوب لا يوجب الفصل بين المسلم والذمي في النفقة؛ ولقول النبي وَّرَ: ((وَإِذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذُمَّةِ - فِأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَّيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ))(٣)، وعلى المسلم نفقة زوجته، فهكذا على الذمي. (١) في أ: أكل المرء. (٢) أخرجه النسائي (٢٤١/٧) كتاب: البيوع، باب: الحث على الكسب، رقم: (٤٤٥٢) وابن ماجه (٢/ ٧٢٣) كتاب: التجارات باب: الحث على المكاسب، رقم: (٢١٣٧) وأحمد (٣١/٦ -٤٢ - ١٢٧ . ١٩٣)، والبيهقي (٧/ ٤٨٠) كتاب النفقات، باب: نفقة الأبوين، والدارمي (٢٤٧/٢) كتاب: البيوع، باب: الكسب وعمل الرجل بيده. وابن حبان موارد الظمأن (٤٢٤/٣)، رقم: (١٠٩١ ٠ ١٠٩٢) وعبد الرزاق في ((المصنف)) (١٣٣/٩) باب: ما يناله الرجل من مال ابنه وما يجبر عليه من النفقة، رقم: (١٦٦٤٣) ذكره الهندي في ((كنز العمال)) (٨/٤) في فضائل الكسب الحلال رقم (٩٢٢٤). (٣) سيأتي في الجزية. ١٤٠ كتاب النفقة وأما إذا كانت من محارمه: فقد قال أبو حنيفة: أنها إذا طلبت النفقة؛ فإن القاضي يقضي بالنفقة لها، وعند أبي يوسف ومحمد وزفر والشافعي: لا يقضي؛ بناء على أن هذا النكاح فاسد عندهم، وأما عند أبي حنيفة فقد ذكر بعض مشايخنا: أنه صحيح عندهم حتى قال: إنهما يقران عليه، ولا يعترض عليهما قبل أن يترافعا، أو يسلم أحدهما. وذكر الكرخي أن هذا النكاح فاسد بالإجماع، وإنما أوجب أبو حنيفة النفقة مع فساد هذا النكاح؛ لأنهما يقران عليه مع فساده عنده، فإن أبا حنيفة قال: إني أفرض عليه النفقة لكل امرأة أقرت على نكاحها، جائزاً كان النكاح عندي أو باطلاً، ووجهه أنه لما أقره على نكاحها فقد ألحق هذا النكاح بالنكاح الصحيح في حق وجوب النفقة، وقد يلحق النكاح الفاسد بالصحيح في بعض الأحكام من النسب، والعدة، وغير ذلك، ويستوي في استحقاق هذه النفقة المعسرة والموسرة فتستحق الزوجة النفقة على زوجها وإن كانت موسرة لاستوائهما في سبب الاستحقاق وشرطه؛ ولأن هذه النفقة لها شبه بالإعواض، فيستوي فيها الفقير والغني؛ كنفقة القاضي والمضارب، بخلاف نفقة المحارم؛ أنها لا تجب للغني؛ لأنها تجب صلة محضة لمكان الحاجة، فلا تجب عدم الحاجة [ولا نفقة للناشز](١)، وتجب هذه النفقة من غير قضاء القاضي، لكنها لا تصير ديناً في الذمة إلا بقضاء أو رضا، على ما نذكر إن شاء الله - تعالى -، بخلاف نفقة ذوي الأرحام؛ فإنها لا تجب من غير قضاء القاضي، ونفقة الوالدين والمولودين تجب من غير قضاء القاضي، والفرق بين هذه الجملة يذكر في نفقة الأقارب إن شاء الله - تعالى -، ولا نفقة للناشزة لفوات التسليم بمعنى من جهتها وهو النشوز(٢)، والنشوز في (١) سقط في ط . (٢) النشوز: خروجُ المرأةِ عن طاعة زوجها على وجهٍ مخصوصٍ. وقد اختلف الفقهاءُ في تفصيل الأوجه التي يحصل بها: فالشافعية ذكروا: منعها الزوج من التمتع بها من غير عذر، ولو بنحو نظر، أو لمس، وامتناعها من السَّفَرِ معه، ولو لغير نقله عند أمن الطريق والمقصد، وخروجها من مسكنها لغير عُذْرٍ، إن لم يأذن لها، أو تعلم رضاه، وحبسها إياه ظلماً، وابتداءها، أو إتمامها نفلاً مطلقاً من صلاة أو صوم أو اعتكاف بعد منعه إياها. والحنفية ذكروا: خروجها من منزل الزوج، وامتناعها عن دخوله، ومنعها إياه من دخول منزلها، وامتناعها من السّفر معه . وتبدو كلاً من هذه الأربعة بكونه بغير حق. واختلفوا: متى يكون امتناعُها من السفر بحقِّ، ومتى يكون بغير حق؟ فمنهم من قال: إذا كان أقل من مسافة القصر - كان امتناعُها بغير حَقٌّ، وإذا زاد عن ذلك - كان بحقٌّ. ومنهم من فصَّل تفصيلاً آخر، ولا حاجة إلى استقصاء ذلك هنا. ولم يجعلوا من النُّشوز منعها إياه من التمنع مع بقائها معه؛ لأن الظاهر قدرتُه على تحصيلِ مقصودِهِ حينئذٍ، ولو کرها. والحنابلة ذكروا: امتناعها من الاستمتاع، ولو بغير وَطْءٍ، أو من المبيت معه في فراشه، وخروجها من =