النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
كتاب الرضاع
مع(١) وجود العلة المسقطة لكله وأنه باطلٌ، فصارت الكبيرة متلفة هذا القدر من/ المال على ١٣٥
الزوج؛ إذ الأداء مبني على الوجوب، فيثبت له حق الرجوع عليها، ولهذا المعنى وجب
الضمان على شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا بالإجماع، بخلاف ما إذا لم تتعمد الفساد؛
لأن عند عدم التعمد لا تكون الفرقة مضافة إلى فعل الكبيرة، فلم يوجد منها علة وجوب نصف
المهر على الزوج، فلا يرجع عليها.
وأما مسألة فتح باب الإصطبل والقفص، فكما يلزمهما يلزم محمداً لأن عنده يضمن
الفاتح، وإن اعترض على الفتح فعل اختياري، فقد خرج الجواب عن الباقي فافهم.
ثم تعمد الفساد يثبت بثلاثة أشياء: بعلمها بنكاح الصغيرة، وعلمها بفساد النكاح
بإرضاعها، وعدم الضرورة، وهي ضرورة خوف الهلاك على الصغيرة لو لم ترضعها، والقول
قولها في أنها لم تتعمد الفساد مع يمينها؛ لأن الزوج بدعوى تعمد الفساد يدَّعي عليها الضمان،
وهي تنكر، فكان القولُ قولَها.
وعلى هذا حكم المهر والرجوع في المسائل المتقدمة من الاتفاق والاختلاف، ولو تزوج
كبيرة وصغيرتين فأرضعتهما الكبيرة، فإن فأرضعتهما معاً حُرِّمْنَ عليه؛ لأنهم جميعاً صارتا بنتين
للمرضعة، فصار جامعاً بينهن نكاحاً فحرمن عليه، ولا يجوز له أن يتزوج الكبيرة أبداً، سواء
كان دخل بها أو لم يدخل بها؛ لأنها أم منكوحته، فتحرم بنفس العقد على البنت، ولا يجوز
له أن يجمع بين الصغيرتين نكاحاً أبداً؛ لأنهما صَارَتًا أختين من الرضاع، ويجوز أن يتزوج
بإخدَاهما إن كان لم يدخل بالكبيرة؛ لأنها ربيبته من الرضاع، فلا تحرم بمجرد العقد على الأم
كما في النسب وإن كان قد دخل بها لا يجوز كما في النسب، وإن أرضعتهما على التعاقب
واحدة بعد أخرى، فقد حرمت الكبيرة مع الصغيرة الأولى؛ لأنها لما أرضعت الأولى، صارت
بنتاً لها، فحصل الجمع بين الأم والبنت، فَبَانَتَا منه.
وأما الصغيرة الثانية: فإنما أرضعتها بعد ما بانت الكبيرة، فلم يصر جامعاً، لكنها ربيبته
من الرضاع؛ فإن كان قد دَخَلَ بأمِّها تحرم عليه، وإلا فلا، ولا يجوز نكاح الكبيرة بعد ذلك،
ولا الجمع بين الصغيرتين لما ذكرنا.
ولو تزوج كبيرة وثلاث صبيات، فأرضعتهن على التعاقب واحدة بعد أخرى، حرمن عليه
جميعاً؛ لأنها لما أرضعت الأولى صارت بنتاً لها، فحصل الجمع بين الأم والبنت، فَحُرِّمَتَا
عليه، ولما أرضعت الثانية فقد أرضعتها والكبيرة والصغيرة الأولى مبانتان، فلا يحرم بسبب
(١) في ط: على.
١٠٢
کتاب الرضاع
الجمع لعدم الجمع، ولكن ينظر إن كان قد دخل بالكبيرة تحرم عليه للحال؛ لأنها ربيبته، وقد
دخل بأمها، وإن كان لم يدخل بأمِّها لا تحرم عليه للحال حتى ترضع الثالثة، فإذا ارتضعت
الثالثة حُرِّمْنَا عليه؛ لأنهما صارتا أختين، والحكم في تزوج الكبيرة بعد ذلك والجمع بين
صغيرتين وتزوج إحدى الصغائر ما ذكرنا.
ولو تزوج صغيرتين وكبيرتين فعمدت الكبيرتان إلى إحدى الصغيرتين فأرضعتاها إحداهما
بعد أخرى، ثم أرضعنا الصغيرة الثانية واحدة بعد أخرى، بانتِ الكبيرتان والصغيرة الأولى،
والصغيرة الثانية امرأته؛ لأنهما لما أرضعتا الصغيرة الأولى صارت كُلُّ واحدة من الكبيرتين أم
امرأته، وصارت الصغيرة بنت امرأته، فصار جامعاً بينهن، فحرمن عليه، فلما أرضعتا الثانية
فقد أرضعتاها بعد ثبوت البينونة، فلم يصر جامعاً، فلا تحرم هذه الصغيرة بسبب الجمع،
ولكنها ابنة منكوحة كانت له، فإن كان لم يدخل بها لا تحرم عليه، وإن كان قد دخل بها تحرم
ولا يجوز له نكاح واحدة من الكبيرتين بعد ذلك بحال، والأمر في جواز نكاح الصغيرة الأولى
على التفصيل الذي مَرَّ .
ولو كانت إحدى الكبيرتين أرضعت الصغيرتين واحدةً بعد الأخرى، ثم أرضعت الكبيرة
الأخرى الصغيرتين واحدةً بعد الأخرى، يُنظر إن كانت الكبيرة الأخيرة بدأت بالتي بدأت بها
الكبيرة الأولى، بانت الكبيرتان والصغيرة الأولى، والصغيرة الأخرى امرأته، وإن كانت بدأت
بالتي لم تبدأ بها الأولى، حُرِّمْنَ عليه جميعاً؛ وإنما كان كذلك لأن الكبيرة الأولى لما أرضعت
الصغيرة الأولى فقد صارت بنتها، فحصل الجمع بين الأم والبنت، فحرمنا عليه، فلما أرضعت
الأخرى أرضعتها وهي أجنبيةٌ، فلم يتحقق الجمع، لكن صارت الأخرى ربيبته، فإن كان لم
يدخل بأمها لا تحرم، وإن كان قد دخل بها تحرم، فلما جاءت الكبيرة الأخيرة فأرضعت
الصغيرة الأولى فقد صارت أم منكوحته، فحرمت عليه، فلما أرضعت الصغيرة الأخرى فقد
أرضعتها وهي أجنبيةٌ، فصارت ربيبته، فلا تحرم إذا كان لم يدخل بأمِّها، وإن كان قد دخل
١٣٦أ بأمها/ تحرم، وإذا كانت الكبيرة الأخيرة بدأت بالتي لم تبدأ بها الكبيرة الأولى، فقد صارت
بنتاً لها، فصار جامعها مع أمها، فَحُرِّمَتَا عليه؛ كما حرمت الكبيرة الأولى مع الصغيرة الأولى،
فحرمن جميعاً.
ولو كان تحته صغيرة وكبيرة، فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة بَانَتَا؛ لأنهما صَارَتًا أختين،
وكذا إذا أرضعت أخت الكبيرة الصغيرة؛ لأنها صارت بنت أخت امرأته، والجمع بين المرأة
وبين بنت أختها لا يجوز في الرضاع؛ كما لا يجوز في النسب، ولو أرضعتها عمة الكبيرة أو
خالتها لم تبن؛ لأنها صارت بنت عمة امرأته أو بنت خالتها، ويجوز للإنسان أن يجمع بين
امرأة وبين بنت عمتها أو بنت خالتها في النسب؛ فكذا في الرضاع.
١٠٣
كتاب الرضاع
ولو طلق رجلٌ امرأته ثلاثاً، ثم أرضعت المطلقة قبل انقضاء عدتها امرأة له صغيرة،
بانت الصغيرة؛ لأنها صارت بنتاً له، فحصل الجمع في حال العدة، والجمع في حال قيام
العدة كالجمع في حال قيام النكاح.
ولو زوج ابنه وهو صغير امرأة لها لبن فارتدَّتْ وبانت من الصبي، ثم أسلمت فتزوجها
رجلٌ فحبلت منه، ثم أرضعت بلبنها ذلك الصبي الذي كان زوجها، حرمت على زوجها
الثاني؛ كذا روى بشر بن الوليد عن محمد؛ لأن الصبي صار ابناً لزوجها، فصارت هي
منكوحة ابنه من الرضاع فحرمت عليه.
ولو زَوَّجَ رجلٌ أم ولده مملوكاً له صغيراً، فأرضعته بلبن السيد، حرمت على زوجها
وعلى مولاها؛ لأن الزوج صار ابناً للمولى(١) فصارت هي موطوءة أبيه فتحرم عليه، ولا يجوز
للمولى أن يطأها بملك اليمين؛ لأنها منكوحة ابنه، ولو تزوج صغيرة فطلقها، ثم تزوج كبيرة
لها لبنّ فأرضعتها، حرمت عليه؛ لأنها صارت أم منكوحة كانت له، فتحرم بنكاح البنت، والله
- عزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل فيما يثبت به الرضاع
وأما بيان ما يثبت به الرضاع، أي يظهر به، فالرضاع يظهر بأحد أمرين:
أحدهما الإقرار.
والثاني البينة .
أما الإقرار فهو أن يقول لامرأةٍ تزوجها هي أختي من الرضاع، أو أمي من الرضاع، أو
بنتي من الرضاع ويثبت على ذلك، ويصبر عليه فيفرق بينهما؛ لأنه أقر ببطلان ما يملك إبطاله
للحال فيصدق فيه على نفسه، وإذا صدق لا يحل له وطؤها والاستمتاع بها، فلا يكون في
إبقاء النكاح فائدة، فيفرق بينهما، سواء صدقته أو كذبته، لأن الحرمه ثابتة في زعمه، ثم إن
كان قبل الدخول بها، فلها نصف المهر (٢) إن كذبته؛ لأن الزوج مصدق على نفسه لا عليها
بإبطال حقِّها في المهر، وإن كان بعد الدخول بها، فلها كمال المهر والنفقة والسكنى؛ لأنه غيرُ
مصدق بإبطال حقها، فإن أقر بذلك، ثم قال: أوهمت، أو أخطأت، أو غلطت، أو نسيت،
أو كذبت، فهما على النكاح ولا يفرق بينهما عندنا.
وقال مالك والشافعي: يفرق بينهما، ولا يصدق على الخطأ وغيره.
(١) في ط: لزوجها.
(٢) في أ: الصداق.
١٠٤
كتاب الرضاع
وجه قولهما إنه أقر بسبب الفرقة فلا يملك الرجوع؛ كما لو أقر بالطلاق ثم رجع بأن قال
لامرأته: كنتُ طلقتك ثلاثاً، ثم قال: أو همت، والدليل عليه إنه لو قال لأمته: هذه امرأتي،
أو أمي، أو أختي، أو ابنتي، ثم قال: أو همت، إنه لا يصدق وتعتق؛ كذا ههنا.
ولنا أن الإقرار إخبار، فقوله: هذه أختي، إخبار منه أنها لم تَكُنْ زوجته قَطُ؛ لكونها
محرمة عليه على التأبيد، فإذا قال: أو همت، صار كأنه قال: ما تزوجتها، ثم قال: تزوجتها
وصدقته المرأة، ولو قال ذلك يقرَّان على النكاح؛ كذا هذا بخلاف الطلاق؛ لأن قوله كنت
طلقتك ثلاثاً إقرارٌ منه بإنشاء الطلاق الثلاث من جهته، ولا يتحقق إنشاء الطلاق إلا بعد صحة
النكاح، فإذا أقر ثم رجع عنه لم يصدق وبخلاف قوله لأمته هذه أمي أو ابنتي؛ لأن ذلك لا
يقتضي نفي الملك في الأصل.
ألا ترى أنها لو كانت أمه أو ابنته حقيقة، جاز دخولها في ملكه حتى يقع العتق عليها من
جهته، فتضمن هذا اللفظ منه إنشاء العتق عليها، فإذا قال: أوهمت لا يصدق؛ كما لو قال هذه
حرة، ثم قال أوهمت.
وكذلك إذا أقر الزوج بهذا قبل النكاح، فقال: هذه أختي من الرضاع، أو أمي، أو
ابنتي، وأصَّر على ذلك وداوم عليه، لا يجوز له أن يتزوجها، ولو تزوجها يفرق بينهما، ولو
قال: أو همت، أو غلطت، جاز له أن يتزوجها عندنا لما قلنا، ولو جحد الإقرار فشهد
شاهدان على إقراره فرق بينهما .
وكذلك إذا أقر بالنسب، فقال: هذه أمي من النسب، أو بنتي، أو أختي، وليس لها
١٣٦ ب نسب معروف، وأنها تصلح بنتاً له أو أماً له، فإنه يسأل مرة/ أخرى، فإن أصر على ذلك وثبت
عليه يفرق بينهما؛ لظهور النسب بإقراره مع إصراره عليه، وإن قال: أو همت، أو أخطأت، أو
غلطت بصدق ولا يفرق بينهما عندنا؛ لما قلنا، وإن كان لها نسب معروف، أو لا تصلح أمّاً أو
بنتاً له لا يفرق بينهما، وإن دام على ذلك لأنه كاذب في إقراره بيقين، والله أعلم.
وأما البينة فهي أن يشهد على الرضاع رجلان، أو رجلٌ وامرأتان، ولا يقبل على الرضاع
أقل من ذلك ولا شهادة النساء بانفرادهن، وهذا عندنا.
وقال الشافعي يقبل فيه شهادة أربع نسوة، وجه قوله إن الشهادة على الرضاع شهادة على
عورة، إذ لا يمكن تحمل الشهادة إلاَّ بعد النظر إلى الثدي وأنه عورة، فيقبل فيه شهادة النساء
على الانفراد كالولادة(١).
(١) الشهادة إما على الإقرار به، أو على نفس الرضاع:
١٠٥
كتاب الرضاع
٠٠٠
أما على الإقرار به - فلا يقبل فيها النِّساء؛ لأن الإقرار به مما يطلع عليه الرجال غالباً؛ فلا يثبت إلا بشهادة
=
رجلين، ولا يشترط التعرض لشروطه الفقيه وغيره، سواء في ذلك على المعتمد، وقيل: يشترط في غير
الفقيه التعرض لها. وأما الشهادة على نفس الرضاع: فتثبت برجلين، ويرجل وامرأتين، وبأربع نسوة،
وإنما قبل فيها النساء؛ لاختصاص النساء بالإطلاع عليه غالباً.
وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: لا تُقْبل شهادة النساء فقط؛ لجواز أن يطلع عليه الرجال المحارم؛ فلا
يقبل فيه النساء على الانفراد، كالذي يجوز أن يطلع عليه الرجال الأجانب.
استدل إمامنا الشافعي - رضي الله تعالى عنه - بالقياس على الولادة؛ بجامع أن كلاً من عورات النساء
اللاتي يستترن فيه صيانة، بخلاف الزنا، فإن وإن كان من العورات ويستترن فيه، إلا أن فيه هتكاً
للمحرمات، فلم يقبل فيه إلا الرجال.
وتقل شهادة الرجال، وإن تعمدوا النظر الثدي المرأة وأصروا؛ لأنه من الصغائر؛ فلا تسقط العدالة به؛
حیث غلبت طاعاته على معاصيه.
وقال الماوردي: لا تقبل إلا إذا لم يتعمدوا النظر، وإن تعمدوا النظر لغير الشهادة - فهم فسقة، لا تقبل
شهادتهم، وإن تعمدوه للشهادة - ففي قبول الشهادة لأصحاب الشافعي وجهان:
((أحدهما)): وهو قول أبي سعيد الإصطخري: أنهم مسقة لا تقبل شهادتهم؛ لأنهم تعمدوا النظر إلى عورة
محرمة عليهم.
(ثانيهما)): وهو قول أبي إسحاق المروزي: قبول شهادتهم، لأنهم على العدالة؛ لما في النظر من
الأحكام التي يلزم حفظها في حقوق الله - تعالى - وحقوق الآدميين.
خلاف الفقهاء في بينة الرضاع إذا تمحضت في النساء)).
قد اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال:
الأول: وهو مذهب إمامنا الشافعي - رضي الله تعالى عنه -: أنه لا يقبل منهن أقل من أربع.
الثاني: الاكتفاء بثلاث، وهو قول أبي الحسن البصري، وعثمان الليثي - رحمهما الله.
الثالث: قبول امرأتين، وهو مذهبُ سيِّدنا مالك - رضي الله تعالى عنه ..
الرابع: الاكتفاء بواحدة، وهو قولُ الأوزاعي، وقول الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - بشرط أن تكون
هي المرضعة احتج إمامنا الشافعي - رضي الله تعالى عنه - بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَامْرَأَتَانٍ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلُّ إِحْدَاهُمُا فَتْذَكِّرُ إِحْدَاهُمَا الأَخْرَى﴾ وجه الدلالة: أنه أقام
امرأتين مقام الرجل، ولم يقبل من الرجال أقل من اثنين، فوجب ألا يَقْبَلَ من النساء أقل من أربع.
واستدل من قال بالثلاث بأن الرجل والمرأتين بينة كاملة، وقد اكتفى بالنساء في هذا الموضع، فلو أبدل
الرجل بامرأة - صرن ثَلاَثًاً .
واستدلَّ من اعتبر الاثنين بما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أن امرأة شهدت
عنده بأنها أرضعت رجلاً وامرأة؛ فقال: اطلبوا لي معها أخرى، ولم يفسخ النكاح وبأنهن أقمن في هذا
الموضع مقام الرجال، فاكتفى بعدد الرجال.
واستدل من اكتفى بالواحدة بأن الرسول وفر اكتفى بشهادة القابلة: وبأنه قد اقتصر على النساء؛ للضرورة؛
فاكتفى بالواحدة للضرورة. واستدل أيضاً بما رواه ابن أبي مليكة، عن ابن مريم قال: ((تزوجت امرأة
فجاءت سوداء؛ فقلت: إني أرضعتكما؛ فجئت إلى النبي ◌َّه فقلت: إن سوداء قالت كذا، وهي كاذبة، =
١٠٦
كتاب الرضاع
ولنا ما رَوَىُ محمدٌ عن عكرمة بن خالد المخزومي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال:
لا يُقْبَلَ على الرضاع أقلُّ من شاهدين(١)، وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة، ولم يظهر النكير
من أحد فيكون إجماعاً؛ ولأن هذا بابٌ مما يطلع عليه الرجال، فلا يقبل فيه شهادة النساء على
الانفراد كالمال؛ وإنما قلنا ذلك لأن الرضاع مما يطلع عليه الرجال، أما ثدي الأمة فلأنه يجوز
للأجانب النظر إليه، وأما ثدي الحرة فيجوز لمحارمها النظر إليه، فثبت أن هذه شهادة مما
يطلع عليه الرجال، فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد؛ لأن قبول شهادتهن بانفرادهن في
أصول الشرع للضرورة، وهي ضرورة عدم إطلاع الرجال على المشهود به، فإذا جاز الإطلاع
عليه في الجملة لم تتحقق الضرورة، بخلاف الولادة، فإنه لا يجوز لأحد فيها من الرجال
الإطلاع عليها، فدعت الضرورة إلى القبول.
فإذا شهدت امرأة على الرضاع، فالأفضل للزوج أن يفارقها؛ لما روي عن محمدٍ أنَّ
عقبةَ بن الحارث قال: تَزِوَّجْتُ بنت أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: إني أرضعتكما،
فذكرت ذلك لرسولِ اللهِ وَله، فقال ◌َّرِ: (فَارِقْهَا)) فقلت: إنها امرأةٌ سوداءٌ، وإنها كيت
وکیت، فقال یر: ((کَیْفَ وَقَدْ قِیلَ))(٢).
وفي بعض الروايات، قال عقبة: فذكرتُ ذلك لرسولِ الله وَلير فأعرض، ثم ذكرته
فقال النبي ◌َِّ: ((دَعْهَا لاَ خَيْرَ لَكَ فِيْهَا)).
=
وأجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: أن قول النبيِ وَالّ: ((دَعْهَا لاَ خَيْرَ لَكَ فِيْهَا)) يدل على الاختيار والاستحباب دون الإلزام؛ لقوله:
((لاَ خَيْرَ لَكَ فِيْهَا)) ولو كانت محرمة باتباع شهادتها - لألزمه بالفرقة.
الثاني: أن الشاهدة كانت أمة، ولا تقبل شهادة الأمة باتفاق وأيضاً قد روى الحديث ابن جريج، عن ابن أبي
مليكة أن عقبة بن الحارث أخبره أنه نكح أم يحيى بنت أبي إهاب، فقالت لأمة سوداء: قد أرضعتكما،
قال: فجاءت رسول الله فذكرت له ذلك؛ فأعرض عنها، قال: فجئت فذكرت له، فقال: ((كَيْفَ وَقد زَعَمَتِ
السَّوْدَاءُ أَنَّهَا أَرْضَعَتْكُمَا)) فدل ذلك على أن النهي لم يكن للتحريم، وإنما كان للاحتياط.
ينظر: الرضاع لشيخنا قاسم محمد العبدي.
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٦٣/٧) كتاب الرضاع: باب شهادة النساء في الرضاع.
(٢) أخرجه البخاري (٩/ ١٥٢) كتاب النكاح - باب شهادة المرضعة حديث (٥١٠٤) والطيالسي ص (١٩٠)
حديث (١٣٣٧) وأحمد (٧/٤) والدارمي (١٥٧/٢، ١٥٨) كتاب النكاح: باب شهادة المرأة الواحدة
على الرضاع. وأبو داود (٢٧/٤، ٢٨) كتاب الأقضية - باب الشهادة في الرضاع. حديث (٣٦٠٣)
والترمذي (٤٥٧/٣) كتاب الرضاع - باب ما جاء في شهادة المرأة الواحدة في الرضاع حديث (١١٥١)
والنسائي (١٠٩/٦) كتاب النكاح - باب الشهادة في الرضاع - والبيهقي (٧/ ٤٦٣) كتاب الرضاع - باب
شهادة النساء في الرضاع من حديث عقبة بن الحارث.
١٠٧
کتاب الرضاع
فأعرض، حتى قال في الثالثة أو الرابعةِ: ((فَدَعْهَا إذَنْ))(١) وقوله: ((فَارِقْهَا أو فَدَعْهَا إذَنْ)) ندب
إلى الأفضل والأولى؛ ألا ترى أنه وَلو لم يفرق بينهما، بل أعرض، ولو كان التفريق واجباً
[الفرق و](٢) لما أعرض فدل قولهُ وَّ: ((فَارِقْهَا)) على بقاء النكاح، وروي أن رجلاً تزوج
امرأةً، فجاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما، فسأل الرجل عليّاً - رضي الله عنه - فقال: هي
امرأتُكَ، ليس أحدٌ يحرمها عليك، فإن تَنَزَّهْتَ فهو أفضل، وسأل ابن عباس - رضي الله
عنهما - فقال له مثل ذلك، ولأنه يحتمل أن تكون صادقة في شهادتها، فكان الاحتياطُ هو
المفارقةُ، فإذا فارقها فالأفضل له أن يعطيها نصف المهر، إن كان قبل الدخول بها لاحتمال
صحة النكاح، لاحتمال كذبها في الشهادة، والأفضل لها أن لا تأخذ شيئاً منه؛ لاحتمال فساد
النكاح؛ لاحتمال صدقها في الشهادة، وإن كان بعد الدخول، فالأفضل للزوج أن يعطيها كمال
المهر والنفقة والسكنى؛ لاحتمال جواز النكاح، والأفضل لها أن تأخذ الأقل من مهر مثلها،
ومن المسمى، ولا تأخذ النفقة والسكنى لاحتمال الفساد، وإن لم يطلقها فهو في سعة من
المقام معها؛ لأن النكاح قائمٌ في الحكم؛ وكذا إذا شهدت امرأتان، أو رجل وامرأة، أو
رجلان غير عدلين، أو رجل وامرأتان [وهم](٣) غير عدول؛ لما قلنا.
وإذا شهد رجلان عدلان، أو رجلٌ وامرأتان، وفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول بها،
فلا شيء لها؛ لأنه تبين أن النكاح كان فاسداً، وإن كان بعد الدخول بها، يجبُ لها الأقل من
المسمى ومن مهر المثل، ولا تجب النفقة والسكنى في سائر الأنكحة الفاسدة، والله - عزَّ
وجلَّ - أعلم.
(١) ينظر الحديث السابق.
(٢) سقط من ط .
(٣) سقط من ط .
كِتَابُ النَّفَقَةِ(١)
النفقة أنواع أربعة: نفقة الزوجات، ونفقة الأقارب، ونفقة الرقيق، ونفقة البهائم
والجمادات.
أما نفقة الزوجات: فالكلام فيها يقع في مواضع: في بيان وجوبها، وفي بيان سبب
الوجوب، وفي بيان شرائط الوجوب، وفي بيان مقدار الواجب منها، وفي بيان كيفية وجوبها،
وبيان سبب الوجوب، وفي بيان ما يسقطها بعد وجوبها، وصيرورتها ديناً في الذمة.
(١) قال الجوهري في ((الصحاح): نَّفَقَ البَيْعُ نَفَاقاً، بالفتح؛ أي راج. والنفاق بالكسر فعل المنافق. والنفاق
أيضاً جمع النفقة من الدراهم - ثم قال: ((وقد أنفقت الدراهم من النفقة ! هـ)).
وقال المجد في ((القاموس)): ((النَّفَقَّةُ، ما تُنْفِقُهُ من الدراهم ونحوها)) ثم قال: ((وأَنْفَقَ: افتقر، وماله:
أنفده، کاستنفقه. ا هـ)).
وقال ابن منظور في ((لسان العرب)): ((أنفق المال: صَرَفه)) وفي التنزيل: إذَا قِيلَ لهم: ﴿أنفقوا مما
رزقكم الله﴾ أي: أنفقوا في سبيل الله وأطعموا، وتصدقوا. واستنفّقَهُ: أَذْهَبَةُ. والنّفَقَّةُ: مَا أَنْفِقِ والجمع،
نِفَاقٌ)) - ثم قال: ((وقد أَنْفَقَتُ الدراهم، من النَّفَقَةِ والنَّفَقَةُ: ما أَنْفَقْتُ، واسْتَنْفَقْتَ على العيال، وعلى
نفسك ا ها.
ويستفاد من هذه النصوص، أن النفقة اسم لما تصرفه من الدراهم، أو نحوها على نفسك، أو غيرك.
واصطلاحاً:
عند الشافعية: قال الشرقاوي في حاشيته على شرح التحرير.
النفقة: طعام مقدر لزوجة وخادمها على زوج، ولغيرها من أصل وفرع، ورقيق، وحيوان ما يكفيه.
وعند الحنفية: في تنوير الأبصار مع شرح الدر المختار: هي الطعام والكسوة والسكنى، وعرفاً: هي
الطعام.
عند المالكية: في شرح ((الخرشي على مختصر خليل)): النفقة مطلقاً ما به قوام معتاد حال الآدمي دون
سَرَفٍ.
عند الحنابلة: في (الإقناع والمنتهى)): هي كفاية من يمونه، خبزاً، وأدماً وكسوة، ومسكناً، وتوابعها.
ينظر: الصحاح ٤ /٥٦٠، والمغرب ٣١٩/٢، والقاموس المحيط ٢٩٦/٣ وأنيس الفقهاء ص ١٦٨،
والدرر ١/ ٤١٢.
١٠٨
١٠٩
كتاب النفقة
أما وجوبها(١): فقد دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.
أما الكتاب العزيز: فقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وجْدِكُمْ﴾
[الطلاق: ٦] أي على قدر ما يجده أحدكم من السعة والمقدرة: والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق/؛ ١٣٧أ
لأنها لا تصل إلى النفقة إلا بالخروج والاكتساب، وفي حرف عبد الله بن مسعود - رضي الله
عنه -: ((أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهم من وجدكم))، وهو نص، وقوله - عزَّ
وجلَّ -: ﴿وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتَضِيقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] أي لا تضاروهن في الإنفاق عليهن،
فتضيقوا عليهن النفقة فيخرجن، أو لا تضاروهن في المسكن، فتدخلوا عليهن من غير
استئذان، فتضيقوا عليهن المسكن فيخرجن.
وقوله - عزَّ وجلّ -: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
[الطلاق: ٦] وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾(٢) [البقرة: ٢٣٣]
(١) وجوب نفقة الزوجة على الجملة، مما لا خلاف فيه بين المسلمين، وقد حكي الإجماع عليه غير واحد.
وإنما قلت على الجملة؛ لأن في بعض الصور خلافاً، كالناشزة، والصغيرة، وزوجة المعسر.
ومثل الزوجة المعتدة الرجعية، لم أر خلافاً في وجوب نفقتهما، أما المعتدة البائن، ـ حائلاً أو حاملاً .
ففيها خلاف .
(٢) هذه الجملة الشريفة من الآية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾. ذكرت في كتب الشافعية، والحنفية، والمالكية دليلاً على
وجوب نفقة الزوجة، وقبل بيان دلالتها يحسن بي أن أذكر تمهيداً لذلك؛ فأقول:
إن المولود له هو: الوالد، وإنما عبر عنه بالمولود له، دون الوالد، والأب، للإشعار بأن الأولاد لهم
يُدعون، وإليهم ينسبون، والأمهات أوعية مستودَعة لهم، وللتنبيه على علة وجوب النفقة؛ كأنه يقول: إن
هؤلاء الوالدات، إنما حملن، وولدن لك أيها الرجل؛ فعليك أن تنفق عليهن ما يكفيهن من الطعام
واللباس. والضمير في ((رزْقُهُنَّ)) و((كِسْوَتَهُنَّ)) عائد إلى الوالدات في صدر الآية، وقد اختلف المفسرون
في المراد بالوالدات، فقيل: المطلقات، وقيل: الزوجات، وقيل: ما يعمهما.
وأما من قال: إن المراد بالوالدات: المطلقات - فقد استند إلى أوجه ثلاثة:
الأول: إن الله - تعالى - ذكر هذه الآية عقب آيات الطلاق؛ فكانت من تتمتها .
ويرد عليه: أن هذا التعقيب إنما يقتضي تعلق الحكم المذكور هنا بالمطلقات، لا تخصيصه بهن، إذ يكفي
في المناسبة، أن تكون الآية السابقة في الطلاق، وتكون هذه الآية في حكم يتعلق بالمطلّقات مضموماً
إليهن الزوجات ... على أنه يكفي في المناسبة أن تكون هذه الآية واردة في أحكام شرعية هامة، كطلب
الإرضاع، والنفقة، وعدم المضارَّة، والآيات السابقة واردة في أحكام كذلك، إلا أنها تختص بالطلاق
والمطلقات، ولا يجب أن يكون المحدَّث عنه واحداً.
الثاني: إن إيجاب الرزق، والكسوة للزوجات. إنما هو بالزوجية، لا بالرضاع، فتخصيصه في الآية
بالمرضعات، كما هو ظاهر السياق يقتضي أنهن مطلقات لا زوجات.
ويرد عليه: أنا لا نسلم تخصيصه بالمرضعات، والسياق لا يوجب ذلك، فإن الضمير في قوله: ﴿رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ يرجع إلى الوالدات المأمورات بإرضاع أولادهن، وأمرهن بالإرضاع. لا يقتضي حصوله =
١١٠
كتاب النفقة
((فعلى المولود له رزقهن وكسوتهن)) سواء أأرضعن، أم لا. وإنما يخص المرضعات لو قال: ﴿فَعَلى
=
الْمَوْلُودِ له﴾ فالفاء قد تفيد الترتيب على الرضاع، أو قال: ﴿وَعَلَى المُرْضِع له﴾ فالوصف قد يشعر
بالتعليل، أو قال: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ أُجُورَهُنَّ﴾ فلفظ الأجور يقتضي المقابلة بالرضاع، وليس في الآية
شيء من ذلك.
على أنه لو سلم تخصيص الإيجاب بالمرضعات في الآية - فالحكمة فيه أنَّ الزوجة، قد تشتغل بالرضاع
عن بعض حقوق الزوج، فيتوهم سقوط نفقتها، كالناشزة، فرفع ذلك التوهم بالتنصيص على وجوب
النفقة في هذه الحالة؛ لأن الاشتغال بالرضاع إنا هو اشتغال بمصلحة الزوج؛ كما لو سافرت بإذنه
لحاجة، وهذه الحكمة كافية في التنصيص على حالة الرضاع، وإن لم تعم كل الوالدات ... وأيضاً أجور
الرضاع تابعة للاتفاق عليها بين الآباء والمرضعات، فكيف يعبر عنها: بقوله سبحانه: ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْمَعْرُوْفِ﴾؟! إلا أن يقال: إن من التعبير عن الأجرة بمصرفها، وفيه ما فيه.
الثالث: إن المطلقة، قد تهمل العناية بالولد، وتدع إرضاعه، إمَّا نكاية بالمطلق، وإما رغبةٍ في التزوج
بأخر؛ حيث يحول الولد دون ذلك غالباً؛ ولذا جاء النهيُ عن المضارة عقب ذلك في الآية الكريمة؛
فالأمر بالإرضاع، إنما يناسبها دون الزوجة التي تقوم برعاية طفلها، وإرضاعه من غير حاجة إلى حثّ
عليه .
ويرد عليه: إن إهمال المطلقة العناية بولدها لا يستدعي تخصيص الأمر بها؛ إذ يكفي أمرها في ضمن أمر
الوالدان عموماً.
على أن الزوجة: قد تهمل الولد؛ تكبراً، أو تهمل إكمال مدة الرضاع - عند رغبة الزوج في ذلك -
تكاسلاً، أو تدع ذلك مضارة لزوجها الممسك لها، لنفورها منه، وميلها إلى إغضابه، ليطلقها، فالحاجة
داعية إلى أمرها أيضاً.
على أنه قد يكون الأمر في الآية للآباء بأن لا يعارضوا الوالدات عند رغبتهن في الإرضاع، والمعارضة قد
تحدث من الأزواج، والمطلقين لبعض الأغراض، فالجميع مأمورون بتمكين الوالدات - زوجات
ومطلقات - من إرضاع أولادهن.
وبهذا ظهر: أن الأوجه الثلاثة التي استمسك بها ليس بها استمساك.
أما من قال: إن المراد بالوالدات: الزوجات - فوجهة أن إيجاب الرزق، والكسوة، إنما يناسب الزوجة لا
المطلقة، لأن المطلقة إذا أرضعت - فإنما تستحق الأجرة، لا مجموع الرزق والكسوة.
ويرد عليه: إنا لا نسلم أن إيجاب الرزق، والكسوة لا يناسب المطلقة، اللهم إلا إذا انقضت عدتها .
فحينئذ لا رزق ولا كسوة لها اتفاقاً. فأما المطلقة التي في العدة، فإن كانت رجعية، فهي كالزوجة، وإن
كانت بائناً - ففيها خلاف، فقوله: ((إن المطلقة إذا أرضعت إنما تستحق الأجرة، لا الرزق، والكسوة)). إنْ
أراد به التي انقضت عدتها - فمسلم، ولا يضر، وإن أراد به التي في العدة - لم يصح ... ثم إنه مبني
على فهمه: أن وجوب الرزق، والكسوة في الآية، معلق على الإرضاع: بدلالة السياق وفيه نظر.
وأما من قال: إن المراد ما يعم الزوجة، والمطلقة - فوجهته أن اللفظ عامٌ، ولم يقم دليل على تخصيصه
بأحدهما؛ فوجب تركه على عموم.
ولا إخال من أمعن النظر فيما مضى من المناقشة إلا مختاراً لهذا القول، مرجحاً له على سابقيه.
=
١١١
كتاب النفقة
وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سِعَتِهِ وَمِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيَتْفِقْ مِمَّا أَتَاهُ اللَّهُ﴾
[الطلاق: ٧] وقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذَي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(١) [البقرة: ٢٢٨] قيل: هو
المهر والنفقة.
وأما السنة: فما روي عن رسول الله وَّهِ أنه قال: ((اتّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عَنْدَكُمْ عَوَانٌ،
لاَ يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئاً؛ وإِنَمَا أَخَذْتُمُؤُهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ
حَقْ أَلَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدَاً وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهِنَّ
إذا تمهّد هذا، فوجه دلالتها على وجوب نفقة الزوجات، ومن في حكمها من المطلقات: أنها إخبار
من الله - عز وجل - بأنه يجب على المولود له من زوج، ومطلق رزق الوالدات، وكسوتهن بالمعروف؛
فهي تدل على بعض المدعي، وهو وجوب نفقة الوالدات)) وهذا هو المقصود من الاستدلال بها.
ولههنا اشكالات : - الأول -: أن الوالدات يشملن أزواج المفسرين، والنواشز، والبوائن المعتدات، وفي
وجوب النفقة لهن خلاف بين العلماء، ويشمله أيضاً، البوائن اللاتي لا عدة لهن، واللاتي انقضت
عدتهن، ولا نفقة بالاتفاق، فكيف يتأتى هذا مع دلالة الآية ظاهراً على وجوب نفقة الوالدات عموماً؟!
ويجاب: بأن العموم مخصوص بالأدلة الدالة على إخراج من لا نفقة لهن، وهذا لا يقدح في دلالة الآية؛
لأن العام المخصوص حجة فيما بقي.
الثاني: أن في الآية ترتیب حكم - وهو وجوب الرزق والكسوة على مشتق - وهو المولود له - وذلك دليل
على حلية المشتق منه - وهو الولادة - وإذا كانت الولادة، علة لوجوب الإنفاق على الوالدات - لم تجب
النفقة لغير الوالدات؛ من زوجات ومطلقات؛ لانتفاء علة الوجوب.
(ويجاب): بأن المقصود الأصلي من شرع الزواج، هو التناسل، وما عقد الزوجية، والاحتباس،
والتمكين، إلا وسائل لهذا المقصود، فالعلة الحقيقية لوجوب نفقة الزوجات، إنما هي الولادة، وهذا لا
يمنع وجوبها للوسائل، تنزيلاً لسبب السبب منزلة السبب. وانتفاء العلة، إنما يوجب انتفاء المعلول، لو
لم يقم غيرها مقامها، ولههنا قام عقد الزوجية، أو الاحتباس، أو التمكين، مقام الولادة للأدلة الدالة على
ذلك.
ومن هنا يعلم أن وصف ((المولود له)) ووصف ((الوالدات)) بالنظر للرزق والكسوة. لا مفهوم لهما.
(الثالث): أن الرزق، والكسوة، معلّقان على الرضاع، كما يدل عليه السياق، فهما إذاً جزاء الإرضاع، لا
الزوجية .
(ويجاب): بأنا لا نسلم دلالة السياق على هذا التعليق. وقد مرَّ إيضاحه.
ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد.
(١) وجه الدلالة: إن الآية مسوقة لبيان بعض التشريع الخاص بالزوجات، وجاء في سياقها هذه القاعدة
الجليلة، وليس المراد بالمماثلة فيها، المماثلة في أعيان الحقوق وأشخاصها، وإنما المراد: أن الحقوق
بينهما متبادلة، فما من عمل يجب على المرأة للرجل إلا وعلى الرجل عمل يقابله لها، إن لم يكن مثله
في شخصه، فهو مثله في جنسه.
وقد أحال في معرفة ما لهن، وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهم، ومن المعروف لهن
الإنفاق فهو واجب لهن.
١١٢
كتاب النفقة
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعْ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبَاً غَيْرَ مُبَرَّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ كِسْوَتُهُنَّ وَرِزْتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ(١) ، ثُمّ
قَالَ ثَلاثَاً: أَلاَ هَلْ بَلَغْتُ))(٢)، ويحتمل أن يكون هذا الحديث تفسيراً لما أجمل الحق في قوله: ﴿وَلَهُنَّ
مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ فكان الحديث مبنياً لما في الكتاب أصله.
وَرُوِيَ أنَّ رَجُلاً جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ: مَا حَقُّ المَرْأةِ عَلَىَ الزَّوْجِ؟
فَقَالَ وَهِ: ((يُطْعَمُهَا إِذَا طَعِم، وَيَكْسُوهَا إِذَا كُسِي (٣)، وَأَلاَ يَهْجُرَهَا إِلاَّ فِي الْمَبِيتِ (٤)، وَّلاَ
يَضْرِبْهَا وَلاَ يُقَبِّحَ))(٥)، وقالَ النبي ◌َّ لهند امرأة أبي سفيان: ((خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ
مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُفِ))(٦)، ولو لم تكن النفقة واجبة لم يحتمل أن يأذن لها بالأخذ
(١) وجه الدلالة: أن قوله {وَير: ((وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقَهُنَّ)) صريح في وجوب إطعام النساء وكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف،
وقوله قبل ذلك: ((وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ الخ) يدل على وجوب الإسكان، وما النفقة إلا هذه الأمور، وتوابعها.
(٢) أخرجه البخاري (٤١٨/٦) في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٣١) و(٩/ ١٦٠) في النكاح،
باب المداراة مع النساء (٥١٨٤). وباب الوصاة بالنساء (٥١٨٦) ومسلم (١٠٩٠/٢ - ١ - ١٠٩١) في
الرضاع، باب الوصية بالنساء (١٤٦٨) والترمذي (٤٩٣/٣ - ٤٩٤) في الطلاق، باب ما جاء في مدارة
النساء (١١٨٨) وأحمد (٤٢٨/٢، ٤٤٩، ٤٩٧) والدارمي (١٤٨/٢) في النكاح، باب مداراة الرجل
أهله - من طرق عن أبي هريرة رفعه - واللفظ لمسلم - إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على
طريقة فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت بها تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها)).
وقال الترمذي حسن صحيح وإسناده جيد.
حديث سمرة رواه أحمد (٨/٥) وحديث أبي ذر عن أحمد (١٥٠/٥ - ١٥١)، والدارمي (١٤٧/٢ -
١٤٨) وحديث عائشة رواه أحمد (٢٧٩/٦).
(٣) في أ: اكتسى.
(٤) في أ: البيت.
(٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٤٤) كتاب النكاح باب في حق المرأة على زوجها حديث (٢١٤٢) وابن ماجه (١/
٥٩٣ - ٥٩٤) كتاب النكاح باب حق المرأة حديث (١٨٥٠).
(٦) أخرجه أحمد (٦/ ٥٠) والبخاري (٤٠٥/٤) كتاب البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون
بينهم، الحديث (٢٢١١) ومسلم (١٣٣٨/٣) كتاب الأقضية - باب قضية هند - الحديث (١٧١٤/٧) أبو
داود (٨٠٢/٣) كتاب البيوع، باب الرجل يأخذ حقه من تحت يده - الحديث (٣٥٣٢) والنسائي (٢٤٦/٨)
كتاب آداب القضاء باب قضاء الحاكم على الغائب إذا عرفه. وابن ماجه (٢/ ٧٦٩) كتاب التجارات - باب ما
للمرأة من مال زوجها - الحديث (٢٢٩٣). والدارمي (١٥٩/٢) كتاب النكاح: باب في وجوب نفقة الرجل
على أهله والحميدي (١١٨/١) رقم (٢٤٢) والشافعي في ((مسنده) (٢/ ٦٤) كتاب الطلاق: باب النفقات
حديث (٢١٠، ٢١١) وأبو يعلى (٩٨/٨) رقم (٤٦٣٦) وابن حبان (٤٢٤١ - الإحسان) والطحاوي في
((مشكل الآثار)) (٣٣٨/٢) وابن الجارود (١٠٢٥) وعبد الرزاق (١٢٦/٩ -١٢٧) رقم (١٦٦١٣) وابن سعد
في ((الطبقات الكبرى» (١٨٨/٨) والدار قطني (٢٣٤/٤ - ٢٣٥) كتاب الأقضية والأحكام حديث (١٠٨)
والبيهقي (٤٧٧/٧) كتاب النفقات: باب النفقة على الأولاد من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن
هنداً قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت.
١١٣
كتاب النفقة
من غير إذنه(١).
وأمَّا الإجماعُ؛ فلأنَّ الأمةَ أجمعت عَلى هَذَا.
وأما المعقول(٢): فهو أن المرأة محبوسة بحبس النكاح حقاً للزوج، ممنوعة عن الاكتساب
بحقه، فكان نفع حبسها عائداً إليه، فكانت كفايتها عليه؛ كقوله وَله: ((الَخْرَاجُ بِالضَّمَان)»(٣)،
(١) وجه الدلالة: أن النبي ◌َلتر أمرها على سبيل الإباحة أن تأخذ من مال أبي سفيان - بدون إذنه - ما يكفيها
وولدها بالمعروف - وإباحة ذلك تدل على أن ما يكفيها من الطعام والكسوة حق واجب عليه أما السكنى،
فلا دلالة فيه عليها؛ فهو دال على بعض المدّعي.
(٢) وذكر أيضاً أن النفقة تجب جزاء الاحتباس، ومن كان محبوساً بحق شخص، كانت النفقة عليه، لعدم
تفرغه لحاجة نفسه أصله القاضي والوالي، والعامل في الصدقات، والمقاتلة، والمضارب إذا سافر بمال
المضارب، كذا قال الزيلعي الحنفي في ((شرح الكنز)).
وحاصله: قياس الزوجة على القاضي، ومن ذكر معه بجامع الاحتباس لحق الغير، إذ لا معنى للاحتباس
إلا امتناع الشخص من التفرغ لحاجة نفسه.
هذا، وقد ذكر المرغيناني الحنفي في ((الهداية)) الدليل المار لكنه قال فيه: ((وَكلُّ مَنْ كَانَ مَحْبُوساً بِحَقِّ
مَقْصُودٍ لِغَيْرِهِ، كَانَتْ نَفَقَّتُهُ عَلَيْهِ)) اهـ.
(٣) أخرجه الشافعي (١٤٣/٢ - ١٤٤): كتاب البيوع: باب فيما نهى عنه من البيوع، الحديث (٤٧٩)،
والطيالسي (ص: ٢٠٦)، الحديث (١٤٦٤)، وأحمد (٤٩/٦، ١٦١، ٢٠٨، ٢٣٧)، وأبو داود (٣/
٧٧٧ - ٧٧٩): كتاب البيوع والإجارات باب فيمن اشترى عبداً فاستعمله ثم يجد به عيباً، الحديث
(١٢٨٥)، والنسائي (٢٥٤/٧ - ٢٥٥): كتاب البيوع: باب الخراج بالضمان، وابن ماجه (٧٥٤/٢):
كتاب التجارات، باب الخراج بالضمان، الحديث (٢٢٤٢)، وابن الجارود (ص: ٢١٢ - ٢١٣): أبواب
القضاء في البيوع، الحديث (٦٢٧)، والدارقطني (٥٣/٣): كتاب البيوع: الحديث (٢١٤)، والحاكم
(١٥/٢): كتاب البيوع: باب الخراج بالضمان، والبيهقي (٣٢١/٥): كتاب البيوع: باب المشتري يجد
بما اشتراه عيباً، والعقيلي في ((الضعفاء» (٢٣١/٤)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٢١/٤ - بتحقيقنا)، من
رواية ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف الغفاري عن عروة، عن عائشة، عن النبي ◌َّ به.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وقد توبع مخلد بن خفاف تابع هشام بن عروة.
أخرجه أحمد (٦/ ٨٠، ١١٦)، وأبو داود (٣/ ٧٨٠): كتاب البيوع والإجارات باب فيمن اشترى عبداً
فاستعمله ثم وجد به عيباً، الحديث (٣٥١٠)، وابن ماجه (٧٥٤/٢): كتاب التجارات: باب الخراج
بالضمان، الحديث (٢٢٤٣)، وابن الجارود في المنتقى (ص: ٢١٢): أبواب القضاء في البيوع، الحديث
(٦٢٦)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٢٣١/٤) وأبو يعلى (٨٢/٨ -٨٣) رقم (٤٦١٤)، وابن حبان (١١٢٦ -
موراد)، والدارقطني (٥٣/٣): كتاب البيوع، الحديث (٢١٣)، والحاكم (١٥/٢): كتاب البيوع: باب
الخراج بالضمان، والبغوي في شرح السنة (٤/ ٣٢٠ بتحقيقنا)، من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن
هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: ((أن رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبي ◌َّر، وبه عيب لم يعلم به،
فاستغسله، ثم علم العيب فرده، فخاصمه إلى النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله إنه استغسله منذ زمن فقال
رسول الله ﴿ الخراج بالضمان، وقال بعضهم: ((الغلة بالضمان))، قال الحاكم: (صحيح الإسناد)، =
بدائع الصنائع ج٥ - م٨
١١٤
كتاب النفقة
ولأنها إذا كانت محبوسة بحبسه، ممنوعة عن الخروج الكسب لحقه(١)، فلو لم يكن كفايتها عليه
لهلكت؛ ولهذا جعل القاضي رزق في بيت مال المسلمين لحقهم؛ لأنه محبوس لجهتهم ممنوع
عن الكسب، فجعلت نفقته في مالهم وهو بيت المال؛ كذا ههنا.
فضل في سبب الوجوب
وأما سبب وجوب هذه النفقة: فقد اختلف العلماء فيه، قال أصحابنا: سبب وجوبها
استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها .
وقال الشافعي: السبب هو الزوجية، وهو كونها زوجة له، وربما قالوا: ملك النكاح
للزوج عليها، وربما قالوا: القوامية، واحتج بقوله - تعالى -: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النَّسَاءِ بِمَا
فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، أوجب النفقة عليهم؛
لكونهم قوامين، والقوامية تثبت بالنكاح، فكان سبب وجوب النفقة النكاح؛ لأن الإنفاق على
المملوك من باب إصلاح الملك واستبقائه، فكان سبب وجوبه الملك كنفقة المماليك(٢).
ولنا أن حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح مؤثر في استحقاق النفقة لها عليه
ووافقه الذهبي، ومسلم بن خالد الزنجي فيه ضعف لكنه توبع تابعة خالد بن مهران.
أخرجه الخطيب (٢٩٧/٨ - ٢٩٨)، وتابعه أيضاً عمر بن علي.
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٧٠٢/٥) والبيهقي (٣٢٢/٥).
(١) في ط: بحقه.
(٢) السبب في استحقاق الزوجة النفقة يمت إلى البحث في مبدأ استحقاقها بصلة قوية، فإن القائل: بأن مبدأها
العقد - يجعل سببها العقد، أو ما يترتب عليه من الاحتباس، والقائل: بأن مبدأها التمكين له - أن يجعل
سببها التمكين، بشرط العقد قبله، أو العقد بشرط التمكين بعده، أو مجموعهما ... والقائل: بأن مبدأها
الزفاف له - أن يجعل سببها العقد، بشرط الزفاف، أو الزفاف بشرط العقد، أو مجموعهما ... وإليك
بعض ما نقل في ذلك:
١ - ((في المنهاج وشرحه)) للجلال المحَّلِّي من كتب الشافعية: ((الجديد أنها أي: النفقة تجب يوماً فيوماً
بالتمكين، لا العقد والتقديم تجب بالعقد، وتستقر بالتمكين، فلو امتنعت منه - سقطت)) اهـ.
قال عميرة في ((حاشيته)) عليه: ((جَعْل الثاني قديماً فيه نظر؛ ففي ((مختصر البويطي)) آخر قولي الشافعي:
لها النفقة من يوم عقد النكاح، وهو أحب القولين إليَّ، لأنها ممنوعة عن الرجال بحبه ثم قال عميرة -:
الذي حاول صاحب ((المطلب)) ترجيحه الوجوب بهما؛ إذ لو وجَبَتْ بالتمكين المجرد - لَوَجبت في وطء
الشبهة. والذي نقله المارودي عمن جعل التمكين أصلاً: أنها تجب بالتمكين، والعقد شرط انتهى كلام
عميرة.
وفي (شرحي الخطيب على الغاية والمنهاج)) بعد بيان وجوبها بالتمكين على الجديد ((وهل التمكين سبب،
أو شرط؟ فيه وجهان؛ أوجههما: الثاني)) اهـ.
=
١١٥
كتاب النفقة
..
٢ - وفي كتب الحنفية ((وقال أصحابنا: سبب وجوبها استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها)) اهـ.
=
وخلاصة ذلك: أن من قال بإيجاب النفقة من حين العقد يجعل السبب العقد، أو استحقاق الحبس، ومن
قال بإيجابها من حين التمكين - يجعل التمكين سبباً، والعقد شرطاً، أو بعكس ذلك، ويجعل السبب
مجموعهما ولم ينقل عمن قال بإيجاب النفقة من حين الزفاف بيان السبب، ويمكن فيه احتمالات ثلاثة؛
كالذي قبله، وهاك أبحاثاً يتبين من خلالها الراجح من هذه الاحتمالات.
(١) إذا جرينا على أن مبدأ الاستحقاق هو العقد - فهل السبب هو العقد، أو الاحتباس؟.
إن قلنا: إن العقد أورد على ذلك أمران.
أحدهما: أن العقد أوجب المهر؛ فلو أوجب النفقة أيضاً - لأوجب عوضين؛ فإن كان العوض
مجموعهما؛ فإن وجبت النفقة كلها دفعة في ذمة الزوج، من حين العقد - لزم إيجاب عوض مجهول؛
لأن زمان الزوجين الذي يتبين به مقدار النفقة مجهول وإن وجبت شيئاً فشيئاً - لزم تأخر المعلول عن علة،
إذ العقد يتم بتمام الإيجاب والقبول. وإن كان كل منهما عوضاً - لزم - فضلاً عما ذكر - اجتماع
النقيضين.
وقد يجاب: باختيار أن مجموعهما عوض عن ملك النّكاح، وأن النفقة تجب كلها في ذمة الزوج من حين
العقد، كما حكوه عن القول القديم للشافعي. ومعلوم أنها بقدر زمان الزوجية مع الطاعة، فهي منضبطة
في الواقع، والرضا بها حاصل حين القعد؛ فلا تضر جهالتها ابتداء؛ إذ لا تؤدي إلى غرر، ولا تنازع.
وفي هذا الجواب نظر؛ فإن أدلة الشرع - إنما دلّت على وجوب تسليم النفقة شيئاً فشيئاً، والأصل ألا
يجب في الذمة أكثر مما وجب تسليم؛ فإيجابها كلها دفعة واحدة من حين العقد خلاف الأصل، ولا دليل
عليه.
فالذي ينبغي اختياره في الجواب: أن العقد أوجب عوضين لمعوَّضَين مختلفين: أحدهما: المهر، وهو
عوض عن ملك النكاح. وثانيهما: النفقة، وهي عوض عن الاحتباس، فوجب الأول عند العقد،
لحصول علة التامَّة، وهي العقد الذي أوجب ملك النكاح حالاً. ووجب الثاني شيئاً فشيئاً، لأن علة التَّامَّة
هي العقد، بشرط الاحتباس المؤدي إلى المقصود، وهذا الاحتباس ذو أجزاء، فكلما مضى جزء منه -
كان العقد معه علة في إيجاب جزء من النفقة، مقابل له.
لا يقال: إن العقد انتهى بانتهاء الإيجاب والقبول؛ لأنا نقول: إنه مستمر حكماً، وإلا لم يحل الاستمتاع.
وثانيهما: أن كلاً من الصغيرة والناشزة معقود عليها، فلو كان العقد موجباً للنفقة - لأوجب نفقتهما، كما
أوجب مهرهما.
ويجاب عنه: بأن العقد وإن أوجب المهر مطلقاً - لا يوجب النفقة إلاَّ بشرط إطاقة الوطء، وعدم النشوز.
فما لم يحصل الشرط - لم يحصل الوجوب.
وإن قلنا: إنه الاحتباس - فالمراد: الاحتباس الموصل إلى المقصود، ولا يرد عليه شيء مما سبق، فإنه
لم يوجب المهر؛ فلم يلزم على إيجابة النفقة إيجاب عوضين، وهو أمر زماني، يحصل شيئاً فشيئاً؛ فلا
يوجب النفقة دفعةً واحدةً في ذمة الزوج، بل يوجبها شيئاً فشيئاً على حسبه، فلم يلزم إيجابه مجهولاً، ولا
تأخر المعلول عن علة، وقد شرط فيه توصيله إلى المقصود من النكاح؛ فلم يلزم عليه وجوب الإنفاق
على الصغيرة، والناشزة.
ولعلك تختار القول السببية الاحتباس، وإن كان القول بسببية العقد أمكن تصحيحه، فإن الاحتباس هو =
١١٦
كتاب النفقة
المعوَّض الذي يصاحب النفقة وجوداً وعدماً.
=
(٢) وإذا جرينا على أن مبدأ الاستحقاق هو التمكين - فهل السبب هو العقد، والتمكين شرط أو التمكين
والعقد شرط أو مجموعهما؟
إن قلنا بالأول - أورد عليه: أنه يلزم منه إيجاب جميع النفقة دفعة واحدة، عند حصول التمكين، وإلا لزم
تأخر المعلول عن علة، مع أن أصحاب هذا المذهب يقولون: إنها تجب شيئاً فشيئاً من حين التمكين.
وقد يجاب: بأن التمكين المشروط لإيجاب النفقة أمر زمانيُّ يحدث شيئاً فشيئاً من حين العرض إلى
البينونة، ما عدا أوقات النشوز، وكلما مرَّ زمانٌ منه - كان شرطاً الإيجاب جزء من النفقة، فالعقد مع كل
جزء من أجزاء التمكين علَّة، للجزء المقابل له من النفقة، فلم يلزم تأخر المعلول عن علته.
ويلاحظ هنا: أن المراد العقد: الالتزام الذي يستمر حتى يصاحب التمكين، ثم ينتهيان معاً بالبينونة، وإلا
لم يصلح سبباً.
وإن قلنا بالثاني أو الثالث - أورد عليه نحو ما تقدم، وقد علمت الجواب ... وعلى هذا تستوي الأقوال
الثلاثة، غير أن الأنسب - بناء على أن مبدأها التمكين - هو القول بسببية التمكين، لأنه المعوض الذي
تبتدىء النفقة، وتنقطع، وتعود معه، وتتجزأ، تبعاً له.
(٣) وإذا جرينا على أن مبدأ الاستحقاق هو الزفاف فإن قلنا: إن العقد سبب، والزفاف شرط - أورد عليه
نحو ما تقدم في البحث الثاني.
ويجاب بنحو ما أجيب به هناك؛ بأن يقال: إن الزفاف المشروط لجميع النفقة ليس هو السير من منزل
أهلها إلى منزل زوجها، وإنما هو الحصول في منزل الزوج، وهو أمر زماني، يحدث شيئاً فشيئاً؛ كما
قيل في التمكين.
وإن قلنا: إن الزفاف سبب، والعقد شرط، أو السبب مجموعهما - فالكلام عليه إيراداً وجواباً يعلم مما
سبق .
ولعلك ـ على ضوء ما تقدم - تختار القول بسببية الزفاف، بمعنى: الحصول في منزل الزوج، فإن
المعوض؛ كالتمكين في البحث السابق.
وقبل الفراغ من هذا المبحث أذكر فائدتين:
أحدهما: في مطابقة ما اخترته في السببية لمذهب الشافعي - رضي الله تعالى عنه -.
وثانيتهما: في ثمرة الخلاف في سبب الاستحقاق بعد الاتفاق على مبدئه.
الفائدة الأولى: إن ما اخترته من أن مبدأ وجوب نفقة الزوجة العقد، ومن أن سببها الاحتباس، أو العقد
من غير إيجاب النفقة دفعة واحدة؛ لا يخرج عن مذهب الشافعي.
وذلك أن الشيخين، وغيرهما ذكروا أن للشافعي قولين؛ قديماً وهو الوجوب بالعقد، وجديداً: وهو
الوجوب التمكين. وقد اختاروا القول بالتمكين، واعترضوا على القديم باستلزامه إيجاب العقد لعوضين،
وباستلزامه إيجابه عوضاً مجهولاً .
وقد نقل الرافعي في ((الشرح الكبير)) عن أبي الفرج السرخسي: أنَّ القولين مذكوران في ((الإملاء)). ونقل
عن أبي نصر بن الصباغ. وآخرين: ((أن القديم مأخوذ من تجويزه في القديم ضمان نفقة المدة المستقبلة،
فإن الشافعي لا يجوز ضمان ما لم يجب)».
=
١١٧
كتاب النفقة
لما بينا. فأما الملك فلا أثر له، لأنه قد قوبل بعوض مرة وهو المهر؛ فلا يقابل بعوض آخر؛
إذ العوض الواحد لا يقابل بعوضين، ولا حجة له في الآية؛ لأن فيها إثبات القوامية بسبب
النفقة لا إيجاب النفقة بسبب القوامية، وعلى هذا الأصل يبنى أنه لا نفقة على مسلم في نكاح
فاسد؛ لانعدام سبب الوجوب(١)، وهو حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح؛ لأن
حق الحبس لا يثبت في النكاح الفاسد، وكذا النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة، وكذا فى عدة
وهذا يدل على أن القديم مستنبط، وليس بمنصوص، ووجه الاستنباط: أن تجويزه ضمان نفقة المدة
=
المستقبلة ينبىء بأنها وجبت في الذمة كلها حين العقد، لأنها لو لم تجب ـ لكان ضمانها باطلاً، لأن
الشافعي لا يجوز ضمان ما لم يجب. وفي هذا الاستنباط نظر، كما قال الرافعي؛ فقد نقل عن الشافعي
في ((القديم) جواز ضمان ما لم يجب .. وقال بعض الباحثين: إن جَعْلَ القول بوجوب النفقة بالعقد
قديماً - فيه نظر؛ ففي ((مختصر البويطي)) آخر قولي الشافعي: ((لها النفقة من يوم عقد النكاح)) وهو أحب
القولين إليَّ، لأنها ممنوعة عن الرجال بحبسه)) اهـ.
أقول: يؤخذ من هذا كله أن القول بوجوب النفقة بالعقد، قول قديم، منصوص، أو مستنبط، وهو قول
جديد أيضاً، وهو لا يستلزم إيجاب النفقة كلها في الذمة من حين العقد؛ إذ العقد مستمرٌّ حكماً، ما لم
تحصل البينونة؛ فإن كان المعترضون عليه - باستلزام ذلك مع الجهالة - قد نقلوا هذا اللازم منصوصاً .
فليذكروه، ولم أرَ أحداً ذكره على طول البحث. وإن كانوا استنبطوه من جواز الضمان - فهو استنباط لا
يصح، كما تقدم. وهذا البويطي علل بأنها ممنوعة عن الرجال؛ بحبسه. وهذا التعليل يقتضي الوجوب
شيئاً فشيئاً. وإذا قام الدليل على صحة ذلك، وكان قولاً جديداً للشافعي بل كان آخر قوليه، على ما قاله
البويطي - فنسبته إليه صحيحة.
الفائدة الثانية: القائلون: بأن النفقة تبتدىء من حين التمكين، أو من حين الزفاف، لا ثمرة للخلاف في
السببية عندهم، كما يعلم بالتأمل. وأما القائلون: بأنها تبتدىء من حين العقد - فاختلافهم في السببية ربما
كان له ثمرة، وذلك أن القائل بسببية العقد ربما يقول بوجوب النفقة في ذمة الزوج دفعةً واحدةً من حين
العقد. وهذا هو المفهوم مما نقله الشافعية عن القول القديم للشافعي، ومن قال بسببية الاحتباس - لا
يقول بذلك.
ويترتب على هذا أن الأول يصحح ضمان قدر من نفقة المدة المستقبلة والرهن على قدر منها، والحوالة
به وعليه، لأنها دين ثابت في ذمة الزوج من حين العقد. والثاني ربما يصحح ذلك، وربما لا يصححه
على الخلاف في اشتراط ثبوت الدَّيْنِيّةِ في هذه العقود.
وقد علم مما تقدم أن القول بسببية العقد يمكن معه أن يكون وجوب النفقة متوزَّعاً؛ كالقول بسببية
الاحتباس، وهذا هو الظاهر، وحينئذ لا يكون للخلاف ثمرة.
ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد.
(١) العقد الصحيح لا بد منه في وجوب نفقة الزوجة بلا خلاف - فيما أعلم - وإن كان في مفهوم ذلك تفصيل
في بعض المذاهب.
١ - فالشافعية يرون أولاً: أنه لا نفقة في نكاح فاسدٍ، ولا وطءٍ شبهةٍ، ولا في عدتهما، لكن إن حملت
منه - ففي وجوب نفقتها خلاف، مبنيٌ على الخلاف في البائن الحامل، المعتدة عن النكاح الصحيح؛
أتجب النفقة لها من أجل الحمل؛ أم تجب للحمل نفسه؟
=
١١٨
كتاب النفقة
...
قولان: الراجح منهما: الأول: وسيأتي وجهه في الكلام على البائن وعليه لا تجب للحامل من النكاح
الفاسد، أو وطء الشبهة؛ لعدم سبق العقد الصحيح. وعلى الثاني - وهو قول قديم - تجب للحمل من
النكاح الفاسد، ووطء الشبهة، لأنه منسوب إليه؛ كالحمل من النّكَّاحِ الصَّحيحِ.
ثانياً: إن الموطوءة بشبهة، إن كانت ذات زوج، وحملت، وأوجبنا النفقة على الواطىء، بناءً على أن
النفقة للحمل - فلا نفقة لها على الزوج قطعاً؛ لئلا تجتمع نفقتان ... وإن لم نوجبها على الواطىء؛ بناءً
على أن النفقة للحامل - نفى وجوبها على الزوج وجهان:
أحدهما: تجب؛ لأنها لم تمتنع عن الزوج باختيارها. وأصحهما لا تجب؛ لأن تسببت في الامتناع.
ثالثاً: لو أنفق في النكاح الفاسد لم يرجع بما أنفقه، سواء استمتع بها، أم لا، وسواء أحملت منه، أم لا؛
لأنها محبوسة عنده حبساً يؤدي إلى المقصود، لولا الفساد، وفي ((الروض وشرحه))، ما نصه: لَوْ نَكْحَ
امْرَأَةً نِكَاحاً فاسداً، واستمتع بها وأنفق عليها، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا - فَلَيْس لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَ عليها، بل يجعل
ذلك في مقابلة استمتاعه بها، وإتلاف منافعها، سواء أكانت حاملاً، أم حائلاً. قاله الأصل.
قال الأذرعي: وهذا التوجيه يفهم أنه لو لم يستمتع بها، وكان قد تسلمها - استرد، وليس مراداً ا هـ. كلام
(الروض وشرحه)) ومنه يعلم أن الاستمتاع ليس قيداً؛ فليس هو العلة في عدم الرجوع، بل العلة على ما
في ((التحفة)) و((النهاية)) كونها محبوسة عنده، وهذه العلة لا تكفي، بل لا بد من ضم التأدية إلى
المقصود، إذ لو أنفق على زوجة صغيرة، وهو يظنها تطيقه - كان له الرجوع، كما في القليوبي على
الجلال. وإذا رجع في الزوجة - ففي المنكوحة نكاحاً فاسداً يرجع بالأولى.
ب - والحنابلة يقولون؛ أولاً: لا يجب الإنفاق في النكاح الفاسد، ووطء الشبهة وعدتهما، ما لم تكن
حاملاً؛ ففيها خلاف، مبنيّ على الخلاف في الحائل البائن المعتدة من النكاح الصحيح وفيها روايتان؛
كالقولين للشافعي، لكن الرواية المختارة لديهم هي أن النفقة للحمل، لا للحامل وعليها تجب نفقة
الحمل من النكاح الفاسد، ووطء الشبهة؛ لأنه منسوب إليه.
ثانياً: لو وطئت الزوجة بشبهة، فحملت فإن كانت النفقة للحمل - فنفقتها على الواطىء مطلقاً، وإن كانت
النفقة للحامل - فنفقتها على الواطىء، إن كانت مكرهة، أو نائمة، بخلاف ما لو كانت مطاوعة، وظنته
زوجها.
ثالثاً: لو أنفق الرجل في النكاح الفاسد - لم يرجع، سواء أأنفق قبل فراقها، أم بعده، لأنه إن كان عالماً
بعدم الوجوب - فهو متطوع بالنفقة، وإن لم يكن عالماً - فهو مفرط، فلا يرجع؛ كما لو أنفق على أجنبية
بلا إذنها .
جـ ـ والحنفية ذهبوا أولاً إلى أنه لا نفقة في النكاح الفاسد، ووطء الشبهة وعدتهما، ومذهبهم في البائن
الحامل: أن النفقة لها، لاعتدادها عن النكاح الصحيح، لا للحمل؛ ولذا لم يوجبوا نفقة الحامل في غير
النكاح الصحيح قولاً واحداً.
ثانياً: إلى أن معتدة النكاح الفاسد، أو وطء الشبهة إن كانت مزوجة - فلا نفقة لها على زوجها أيضاً - ففي
(رود المحتار)) ما نصه: ((في الخانية: غَابٍ عَنْهَا زَوْجَها، فَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَدَخَلَ بِهَا، وَفَرِّقٍ بَيْنَهُمَا بَعْدَ عَودٍ
الأَوَّلِ فَلاَ نفَفَقَّةَ لَهَا فِي عِدَّتَهَا، لاَ عَلَى الأَوَّل، وَلاَ عَلَى الثَّانِي)) اهـ.
ثالثاً: إلى أن الرجل إن أنفق في النكاح الفاسد - ففي الرجوع تفصيل يعلم من كلام ابن عابدين، ونصه : =
١١٩
كتاب النفقة
..
في ((الهندية عن الذخيرة)) ((ولو كان النكاح صحيحاً من حيث الظاهر، وفرض لها القاضي النفقة وأخذتها
=
شهراً، ثم ظهر نساء النكاح؛ بأن شهدوا أنها أخته رضاعاً، وفرّق بينهما - رجع عليها بما أخذت)) اهـ.
((ولو أنفق بلا فرض القاضي لم يرجع بشيء)) اهـ. ونحوه في ((الفتح))، وفي ((الهندية)) أيضاً عن
((الخلاصة)) ((وأجمعوا: أن في النكاح بلا شهود تستحق النفقة)) اهـ.
قال الطحاوي: ((ونظر فيه الحموي بأنه من أفراد الفاسد)) اهـ.
قلت: ومثله في ((النهر))، والظاهر: ((أن الصواب لا تستحق بلا النافية، إذ لا احتباس فيه)) انتهى كلام ابن
عابدین .
والمالكية: ذهبوا أولاً: إلى أن الموطوءة بشبهة إذا كانت لا زوج لها؛ فإن حملت من الوطء - فلها عليه
النفقة والسكنى، وإن لم تحمل - فالسكنى عليه، والنفقة عليها.
وإذا كانت ذات زوج، ولم يكن زوجها قد دخل بها؛ فَإِنْ حملت من الواطىء - فسكناها ونفقتها عليه،
وإن لم تحمل - عليه السكنى فقط، وأما النفقة - فهي عليها، لا على الواطىء على الصحيح.
وإن كان زوجها قد دخل بها - فنفقتها وسكناها على زوجها، حملت، أم لا، إلا أن ينفي الزوج حملها
بِلَعِانٍ؛ فلا نفقة لها عليه، ولها السكنى على زوجها، ما لم يلحق الحمل بالواطىء، فإن لحق به - فالنفقة
والسكنى حينئذ عليه، ما لم ينفه أيضاً بلَعانٍ، فإن نفاه - فعليه السكنى، دون النفقة.
ثم يشترط في وجوب النفقة في المسائل التي وجبت فيها، أن يكره الواطىء والموطوءة، جاهلين
بالحرمة، فإن علم الواطىء بالحرمة دونها - فليس عليه النفقة، لأن الولد ليس لاحقاً به، لزناه، لكن عليه
السكنى؛ لاحتباسها بسببه، فإن علمت الحرمة أيضاً - فلا سكنى عليه لها؛ لزناها.
وكل ما قيل في وطء الشبهة. يقال في الوطء في النكاح الفاسد، الذي يدرأ الحد، كمن نكح ذات محرم.
جهلاً .
ثانياً: إلى أن الواطىء في الشبهة، أو النكاح الفاسد إذا كان قد أنفق عليها في الأحوال التي لا تجب عليه
نفقتها فيها بقضاء، أو غيره؛ بناء على الظاهر، ثم تبين له الغلط - فالظاهر أنه يرجع عليها بذلك؛ بناء
على هذا الأصل الذي حكى بعضهم اتفاقهم عليه، وهو من أخذ مالاً من إنسان، يجب له بقضاء أو
غيره، ثم ثَبَتَ أنه لم يكن يجب له شيء - فإنه يرد ما أخذه.
وصفوة القول: أن لههنا مسألتين:
الأولى: أَنَّ النّكَاخ الفاسد، ووطء الشبهة لا نفقة، ولا سكنى في زمنهما، ولا في عدتهما عند الأئمة
الثلاثة - أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد - إلا إن حملت؛ فإنهما يجبان للحمل على رواية راجحة عن
أحمد، وقول مرجوح عن الشافعي ... وأوجب المالكية النفقة، والسكنى على الواطىء بشبهة، أو بنكاح
فاسد يدرأ الحدِ، إن حملت منه، وكانت خلية، أو كانت مزوجة، ولم يدخل بها الزوج، أو دخل بها،
ونفى الولد باللعان، ولحق بالواطىء وأوجبوا عليه السكنى فقط، إن لم تحمل منه، وكانت خلية، أو
كانت مزوجة غير مدخول بها، واتفقوا مع باقي الأئمة الثلاثة على عدم الوجوب في باقي الصور.
ومنشأ الخلاف فيما يظهر لي: أن الموطوءة بشبهة، أو نكاح فاسد هل تُقَاسُ على البائن المعتدة من نكاح
صحيح بقسميها، فيجب لها على الواطىء السكنى، إن لم تحمل، لاحتباسها بسبب في زمن الوطء
وعدته، والسكنى مع النفقة، إن حملت حملاً منسوباً إليه للتوصل إلى الإنفاق على الحمل وإسكانه، لأنه
ولده، أو لا تقاس عليها، لأن البائن إن كانت حائلاً - فوجوب السكنى لها؛ لاحتباسها احتباساً ناشئاً عن =
١٢٠
كتاب النفقة
منه إن ثبت حق الحبس؛ لأنه لم يثبت بسبب النكاح لانعدامه، وإنما يثبت لتحصين الماء،
ولأن حال العدة لا يكون أقوى من حال النكاح، فلما لم تجب في النكاح؛ فلأن لا تجب في
العدة أولى.
أمر مقصود شرعاً، وهو: النكاح، وإن كانت حاملاً - فوجوب النفقة لها؛ لاشتغالها بصيانة مائه المشبه
=
باشتغالها باستمتاعه المقصود شرعاً، بخلاف الموطوءة: بشبهة، أو نكاح فاسد، فإنها إن كان حائلاً .
فاحتباسها ناشىء عن أمر غير مقصود شرعاً، وهو الوطء غلطاً وإن كانت حاملاً - فاشتغالها بصيانة مائه
إنما يشبه اشتغالها باستمتاعه الذي ليس مقصوداً شرعاً؛ فلا سكنى لها، ولا نفقة؟
قال بالقياس - في حالتي الحمل وعد - المالكية، ونفاه في الحالين الحنفية، والشافعي في قول راجح،
وأحمد في رواية مرجوجه.
وقال به في حال الحمل فقط أحمد في رواية راجحة، والشافعي في قول مرجوح والذي يظهر لي: أنه لا
تجب لموطوء الشبهة، أو النكاح الفاسد زمان الوطء، أو عدته نفقة، ولا سكنى، سواء أكانت حاملاً، أم
حائلاً، ولا يقال: إن الحمل ولده، فعليه نفقته، لأنا نقول: إن نفقة القريب إنما تجب إذا كان محتاجاً،
وهذا الحمل ليس بمحتاج، فإن أمه لا بُدَّ أن ينفق عليها من يجب إنفاقه عليها بدون الحمل، وبنفقتها
يستغني الحمل، ولا يقال: إن سُكْنَاهَا تجب، لاحتباسها لصيانة الماء، لأنا نقول: إنه احتباس لصيانة ماء
غير مقصود، فلا يلحق بالاحتباس، لصيانة الماء المقصود.
المسألة الثانية: أنه لو أنفق الإنسان في زمن النّكَاح الْفَاسِد، أو وطء الشبهة - ففيه ثلاثة أراء.
أحدها: أنه لا رجوع، وإليه ذهب الشافعية، الحنابلة.
وثانيها: أنه يرجع، وهو ظاهر مذهب المالكية.
ثالثها: أنه إن انفق بفرض القاضي يرجع، وإلا فلا، وهو مذهب الحنفية.
وقد وجه الشافعية عدم الرجوع بحصول الاحتباس.
ووجهه الحنابلة بالتبرع؛ إن كان عالماً بعدم الوجوب، والتفريط، لمن لم يكن عالماً.
ووجه المالكية الرجوع: بأن من أخذ مالاً من إنسان يجب له بقضاء، أو غيره، ثم ثبت أنه لم يكن يجب
له شي، أنه يرد ما أخذه.
ويأخذ من كلام بعض الحنفية توجيه التفصيل بأنه متبرع عند الدفع، بدون قضاء، فلا يسترد، بخلاف
الدفع بالقضاء.
والذي يظهر لي: أن من دفع بلا قضاء، وهو معتقد عدم الوجوب لا رجوع له، وكذا من دفع، بناء على
القضاء، وهو معتقد عدم الوجوب، ونوى التبرع، لأن كلا منهما متبرع، ولعل هذين خارجان عن محل
النزاع، وإن لم أر من صرح به. ومن دفع بلا قضاء، وهو معتقد الوجوب، أو دفع بناء على القضاء، ولم
ينو التبرع؛ فليس متبرعاً - فله الرجوع.
وتعليل عدم الرجوع بالحبس، أو التفريط غير ظاهر، فإن الحبس إذا لم يصلح موجباً للنفقة ابتداء - فكيف
يصلح موجباً لها بعد الدفع؟! والتفريط لا يقلب غير الواجب واجباً.
ينظر: النفقات لشيخنا محمد سالم أحمد والمهذب ١٧١/٢، فتح القدير ٣٢٢/٢، حاشية العدوي على
الخرشي ٤/ ١٦٢.