النص المفهرس

صفحات 61-80

كِتَابُ الرَّضَاعِ(١)
قد ذكرنا في ((كتاب النكاح)) أن المحرمات نكاحاً على التأبيدِ أنواعٌ ثلاثة: محرمات
(١) هو مصدر: ترضِعَ بكسر الضاد يَرْضَع بفتحها من باب تَعِبَ، أو تضَع بفتح الضاد يَرْضِع بكسرها من باب
ضَرَبَ يَضْرِبَ.
قال ((في المصباح)): رضع الصبي رضعاً من باب تعب لُغةُ لأهل ((نجد))، ومرضع من باب ضرب لغة
لأهل ((تهامة)) وأهَل ((مكة)) يتكلّمون بها، وعلى هَذَا فهو مصدر سماعي، لا قياسي؛ لأن المصدر القياسي
من الباب الأول رَضَعاً بفتح الراء والضاد مع القَصْرِ، والمصدر من الباب الثاني رَضْعاً بسكون الضاد.
وقال جَمْعُ: إن المصدر من هذه اللّغة بكسر الضاد، وإنما السكون تخفيف، مثل: الحلف والحلف.
وقال في ((المصباح)) أيضاً: رضع يرضع بفتحتين رضاعاً ورضاعة لغة ثالثة.
وعلى هذه اللغة هو مصدر قياسي، وإذا أريد وَضْف المرأة به يقال: فرضع ومرضعة بإثبات التاء، وحذفها
في آخره.
وقال الفراء: إنْ قصدر حقيقة الوصف بالإرضاع - فمرضع بغير تاء، وإن قصد مجازه يعني أنها محلٌ
الإرضاع باعتبار ما كان، أو سيكون فبالهاء، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تذهل كُلَّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضعَتْ﴾
على هذا النحو.
وقد خالف في ذلك الشيخ الشّرقَاوِيّ حيث عكس المسألة فقال: يقال للمرأة التي لم تباشر الإرضاع،
وهي ذات ولد: مرضع، بحذف التاء، وللتي باشرته: مرضعة بالتاء.
ففعله يجوز فيه فتح الضَّاد وكسرها، ومصدره يجوز فيه إثبات التاء وحذفها، مع فتح الراء وكسرها،
وإبدال ضاده تاءً.
والخُلاَصَةُ من هذا كُلِّه: أن الفعل الماضي من هذه المادة تكسر ضاده وتفتح، والمضارع تفتح ضاده
وتكسر، والمصدر منها تفتح راؤه، وهو الأفصح، وتكسر مع فتح الضاد، ويجوز قَلْبُ ضاده تاءٍ، والتاء
تحذف في آخره، وقد تثبت، فيقال: رضاع ورضاعة ورتاع ورتاعة، بفتح الراء وكسرها في الجميع،
ومعناه لغةً: مَصُ الثدي، وشرب لَبَنِهِ .
انظر: لسان العرب: ١٦٦٠/٣، المصباح المنير: ٣١٢/١، المطلع: ٣٥٠.
واصطلاحاً :
عرفه الحنفيّةُ بأنه: مَصُ لبن آدمية في وقت مخصوص.
وعَرَّفه الشّافعية بأنه: اسْمُ لحصول لبن امْرَأَةٍ، أو ما حصل منه في معدة طفل، أو دماغه.
وعَرَّفه المالكية بأنه: وصول لَبَنِ المرأة، وإن كانت ميتة أو صغيرة لم تطق لجوف رضيع، وإن بِسَعُوطِ أو
حقنة تغذي، أو خلط بغيره، إلا أن يغلب عليه في الحولين، أو بزيادة شهرين، إلا أن يستغني ولو فيهما . =
٦١

٦٢
كتاب الرضاع
بالقرابة، ومحرمات بالصهرية، ومحرمات بالرضاع، وقد بينا المحرمات بالقرابة والصهرية في
((كتاب النكاح))، وهذا الكتاب وضع لبيانِ المحرمات بالرضاع، والكلام في هذا الكتاب يقع في
ثلاثة مواضع :
أحدها: في بيان المحرمات بالرضاع.
والثاني: في بيان صفة الرضاع المحرم.
والثالث: في بيان ما يثبت به الرضاع.
فصل في المحرمات الرضاع
أما الأول فالأصلُ أن كل من يحرم بسبب القرابة من الفرق السبع الذين ذكرهم الله - عَزَّ
وعرفه الحنابلة بأنه: مَصْ لبن مَنْ له دون حَوْلَيْنِ لَبَناً، أو شربه، كالسعوط ثاب من حمل من ثدي امرأة.
=
انظر: تبيين الحقائق: ١٨١/٢، اللباب: ٣١، مغني المحتاج: ٣١٤/٣، الشرح الصغير: ٣٢٧، كشف
القناع: ٤٤٢/٥.
حكمة مشروعية الترحيم الرضاع
حُرِّمَ النكاح بالرضاع لما أشبه اللبن الذي يتغذّى به الرضيع، وتقوم به بِنْيَتُه، وتشيد به أركان المني تمام
الشبه في أن كلاًّ صار جزءاً من الرضيع، كانت الحكمة في تحريم نكاحه هي الحكمة في تحريم النسب،
وهي المحافظة على احترامهن، وعدم إهانتهن، ولا يخفي ما يشتمل عليه النكاح من الذل والإهانة،
ولهذا قال ◌َلهَ: ((النّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمتَهُ)) ولولا أن الله - سبحانه وتعالى - أودع في
المرأة الشهوة، وجعلها في حاجة إلى الرجل شديدة - ما استفرشت أنثى لرجل قط.
وحيث ثبت أن النكاح ذُلْ وإهانة - كان الواجب صَوْنَ ما حرمن عنه، وكيف لا يكون كذلك، وللمرء
علاقات بهن توجب احترامهن، وتحريم إهانتهن؟ فالأمهات على الأبناء أعظم أنواع الإنعام التي لا
يجهلها أحد، وهل يجوز لمن أنعم عليه أن يقابل هذا الإنعام بالإذلال والامتهان؟ وهل جزاء الإحسان إلا
الإحسان؟ على أن الولد جزء من أصله، ولا يليق بالجزء أن يهين كله، ومن ينتمي إلى هذا الكل من
البنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، فإن البنات بضعة من الآباءِ
قال ◌ََّ: (((فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي)) فلا تجوز إهانتهن، لأن إهانة الجزء إهانة للكل، ومنزلة الأخوات كمنزلة
الشخص نفسه، وكيف يهين المرء نفسه وشَرُّ الناس من ظَلّمَ نفسه، والعمات في منزلة الآباء، والخالات
في منزلة الأمهات، وبنات الإخوة والأخوات كالبنات.
وأيضاً من حكمة المشروعية تحريم النكاح بالرضاع المحافظة على الألفة، والوفاق بين الزوجين، حتى لا
يضيع الولد بينهما، ويتخلى عن الفضائل والكمالات، وذلك لأن الشهوة بينهن ضعيفة جدًّا حتى تكاد
تكون معدومة، ولا يخفى أن هذا ينشأ عنه النفور والخلاف، ويبعدهما عن الوفاق والائتلاف، فيكتسب
الولد منهما ذلك، فتفوت الحكمة من النكاح التي هي المودة والرحمة بين الزوجين المقتضيين لحياة
العمران؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ إَنْ جَعَل لَّكُمُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجْعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةٌ
وَرَحْمَةٌ﴾ .

٦٣
كتاب الرضاع
وجَلَّ - في كتابه الكريم نصًّا أو دلالةً على ما ذكرنا في ((كتاب النكاح)) يحرم بسبب الرضاعة(١)،
إلا أن الحرمة في جانب المرضعة متفق عليها، وفي جانب زوج المرضعة مختلف فيها .
(١) المحرمات بالرضاع هن المحرمات بالنسب، وهن ينقسمن إلى قسمين، قسم حرمته على التأبيد، وقسم
حرمته غير مؤبدة، فالمحرم من النساء على التأبيد سبع بالقرابة، وهن: الأم، وهي كل أنثى ولدتك، أو
ولدت من ولدك، ذكراً كان، أو أنثى، فتدخل أم الأب، وأم الأم. والثاني: البنت، وهي كل من ولدتها
أو ولدت من ولدها بوطء حلالٍ في الصورتين، لتخرج بنت الزنا؛ فليست بنتاً، وتدخل بنت ابنك، وبنت
بنتك. الثالثة: الأخت، وهي كل أنثى ولدها أبواك، أو أحدهما، والأولى شقيقة، والثانية غير شقيقة.
والرابعة: العمة: وهي كل أخت ذكر ولدك أو أخت أب من ولدك، ذكراً كان أو أنثى، فتدخل عمة
الأب، وعمة الأم. الخامسة: الخالة وهي كل أخت أنثى ولدتك، أو أخت أمّ من ولدك، ذكراً كان أو
أنثى؛ فتدخل خالة الأب، وخالة الأم.
السادسة: بنت الأخ، شقيقاً كان، أو لأب، أو لأم، وسواءً كانت مباشرة، وهي البنت حقيقة، وهي التي
ولدها، أو مجازاً، وهي التي ولد من ولدها، إن سفلت. السابعة: بنت الأخت، شقيقة كانت، أو لأب،
أو لأم، حقيقةً كانت - وهي التي ولدتها - أو مجازاً، وهي التي ولدت من ولدها، والدليل على
تحريمهن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية.
وأما القسم الثاني الذي حرمته غير مؤبدة - فثلاثة، بسبب الجمع، وهن: أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها
(أما الدليل على تحريم الأولى) - فهو قوله تعالى: (وأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأَخْتَيْنِ) فهذا الدليل صريح في
حرمة النكاح حالة الجمع بينهما؛ إذ التقدير: حرم عليكم جمعكم بين الأختين: ﴿أما الدليل على تحريم
الثانية والثالثة﴾ - فهو ما رواه الترمذي عن النبي وَ لّ قال: ((لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتُها، وَلاَ العَمَّةُ عَلَى
بِتْبِ أَخِيْهَا، وَلاَ المَرأَّةُ عَلَى بنت أخيها ولا المرأة على خَالتُها وَلاَ الخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أَخْتِها، وَلاَ الكُبْرَىُ
عَلَى الصُّغْرَى، وَلاَ الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى)). ولأن في الجمع بينهما في النكاح قطيعة رحم، إذ الغالب
قيام النزاع بين الزوجة وضرتها. فالمحرمات بالرضاع ينقسمن إلى قمسين: قسم حرمته مؤبدة وهن سبع
أيضاً، نظير السبع المحرمات بالنسب، وهن: الأم من الرضاع: وهي كل أنثى أرضعتك، وأمها رضاعاً،
أو نسباً، وكذا أم أبيها، وإن علت، وأم صاحب اللبن نسباً، أو رضاعاً، فجميعهن أمهات للرضيع، إلا
أن الأولى أم بغير واسطة، والباقيات أم بواسطة، وإطلاق الأم عليهن حقيقةً، أو مجازاً خلاف في ذلك
والثانية: البنت من الرضاع، وهي كل أنثى أرضعتها من كنتَ سبباً في إيجاد لبنها بوطءٍ حلال، أو كنت
أباً لمن أرضعَها، أو لصاحب اللبن نسباً، أو رضاعاً، فهي بنت، وإن سفلت. وقولنا: بوطءٍ حلال،
لتدخل الموطوءة بشبهة، إذا أرضعت بلبنها طفلة، ولتخرج الموطوءة بزناً فبنتها فيها خلاف هل تكون بنتاً
له، أم لا؟ فعلى الأول - وهو ضعيف - لا تحل له، وعلى الثاني: تحل، لكن مع الكراهة، وكذا بنت
ابنك، وإن سفل نسباً أو رضاعاً؛ فالجميع بناتك، إلا أن الأولى بنت بغير واسطة، والباقيات بواسطة،
وإطلاق البنت عليهن حقيقةً أو مجازاً فيه الخلاف. الثالثة: الأخت من الرضاع، هي كل أنثى ارتضعت
بلبن أحد أبويك، أو بلبنهما نسباً أو رضاعاً، فتدخل الشقيقة وغيرها، فلو ارتضع طفل من إحدى في
زوجتين لرجل رضعتين، ومن الأخرى ثلاثاً، وكان لذلك الزوج بنت من إحداهما - فهي أخت له من
الأب، ولو ارتضع من امرأة غير متزوجة، وكانت بكراً، ثم تزوجت، فأعقبت بنتاً فهي أخت من الأم،
فجميعهن إخوتك تقدم رضاعهن عنك أو تأخره.
=

٦٤
کتاب الرضاع
أما تفسير الحرمةِ في جانب المرضعة، فهو أن المرضعة تحرم على المرضع؛ لأنها
صارت أُمَّا له بالرضاع، فتحرم عليه، لقوله - عَزَّ وجلَّ -: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾
[النساء: ٢٣] معطوفاً على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فسمى
- سبحانه وتعالى - المرضعَة أمَّ المرضع، وحرمها عليه، وكذا بناتها يحرمن عليه، سواء كن من
صاحب اللبن أو من غير صاحب اللبن؛ من تقدم منهن ومن تأخر، لأنهن أخواته من الرضاعة،
١٣٠ ب وقد قال الله - عزَّ وجلَّ - ﴿وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]/ أثبت الله تعالى الأخوّة بين
بنات المرضعة وبين المرضع، والحرمة بينهما مطلقاً من غير فصل بين أخت وأخت، وكذا
الرابعة: العمة، وهي كل أنثى أخت لمن ارتضعت بلبنه، نسباً، أو رضاعاً، وكذا أخت أبيه، فالأولى عمة
=
بغير واسطة، والثانية عمة بواسطة، وسواء، في ذلك الشقيقة وغيرها، وكذا أخت أبي من ارتضعت
بلبنها .
الخامسة: الخالة من الرضاع، وهي كل أنثى أخت لمن أرضعَتْكَ، أو أخت لأمها، أو أخت لأم صاحب
اللبن، نسباً، أو رضاعاً، وسواء الشقيقة وغيرها، فالجميع خالات.
السادسة: بنت الأخ، وهي كل أنثى بنت أخيك من الرضاع، شقيقاً كان أو غير شقيق، وسواء كانت بنته
نسباً، أو رضاعاً، وإن سفلت.
السابعة: بنت الأخت من الرضاع، وهي كل أنثى بنت لمن ولدها، أو أرضعها أحد أبويك رضاعاً، وكذا
كل أنثى بنت ابن أختك، إلا أن الأولى بغير واسطة، والباقيات بواسطة.
والدليل على تحريم نكاح من ذكر في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ مِنَ
الرَّضَاعَةِ﴾ .
وقسم حرمته غير مؤبدة، وهو ثلاثة أفراد، وسبب التحريم فيها الجمع بين الزوجة وأختها وعمتها، أو
بينها وبين خالتها من الرضاع في الصورتين، ودليل ذلك قوله ومدير: ((لا تنكح المرأة على عمتها ... )) الخ
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأَخْتَيْنِ﴾ دليل على تحريم الجمع بين الأختين من الرضاع، وأربع
يحرمن بالمصاهرة، ويحرمن أيضاً بالرضاع، أولها: زوجة الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، إن عقد
على بنتها، وبنت الزوجة إن دخل أمها، والدليل على تحريم الأولى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ
آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إذ المراد آباءُ النسب، وآباءُ الرضاع.
والدليل على تحريم الثانية قوله تعالى ﴿وَحَلاَئِلِ أَبْنَائِكُمْ الَّذِيْنَ مِنْ أَضْلاَبِكُمْ﴾ والتقييد بالأصلاب ليس
لنفي ولد الرضاع، وإنما لنفي المتبني، يشهد لذلك سبب نزول الآية الواردة في شأن تزوج النبي وَلَد .
زينب بنت جحش، فهي كانت زوجة لزيد المتبني، وما فعل النبي ◌َّر ذلك إلا لأن ينتزع من العرب
العادة المستأصلة في نفوسهم من تحريم النكاح بزوجة المتبني، ودليل تحريم الثالثة قوله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُ
نِسائِكُمْ﴾ إذ المراد: أمهاتهن، نسباً أو رضاعاً، ودليل تحريم الرابعة قوله تعالى: ﴿وَرَبّائِيُكُمْ اللَّتِي فِي
حجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، سواءً كانت بنتاً لها، نسباً، أو رضاعاً. يشهد لكل ذلك
قوله ◌َّهِ: ((يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ))، وإطلاق الآيات المتقدمة، فلا فرق في التحريم فيها
بين النسب والرضاع.
ينظر: أحكام الرضاع لشيخنا محمد العدوي.

٦٥
كتاب الرضاع
بنات بناتها وبنات أبنائها وإن سفلن؛ لأنهن بناتُ أخ المرضع وأخته من الرضاعة، وهن يحرمن
من النسب كذا من الرضاعة.
ولو أرضعت امرأةٌ صغيرين من أولاد الأجانب صَارَا أخوين؛ لكونهما من أولاد
المرضعة، فلا يجوز المناكحة بينهما إذا كان أحدهما أنثى، والأصلُ في ذلك أَن كلَّ اثنينٍ
اجتمعا على ثدي واحدٍ صارا أخوين أو أختين أو أخاً وأختاً من الرضاعة، فلا يجوز لأحدِهما
أَنْ يتزوج بالآخر ولا بولده؛ كما في النسب، وأمهات المرضعة يحرمن على المرضع؛ لأنهن
جداتُهُ من قِبَلِ أمه من الرضاعة، وآباء المرضعة أجداد المرضع من الرضاعة، فيحرم عليهم كما
في النسب، وأخوات المرضعة يحرمن على المرضع؛ لأنهن خالاته من الرضاعة، وأخواتها
أخوال المرضع، فيحرم عليهم كما في النسب، فأما بنات أخوة المرضعة وأخواتها، فلا يحرمن
على المرضع لأنهن بنات أخواله وخالاته في الرضاعة وأنهن لا يحرمن من النسب؛ فكذا من
الرضاعة، وتحرم المرضعة على أبناء المرضع وأبناء أبنائه وإِن سفلوا؛ كما في النسب، هذا
تفسير الحرمة في جانب المرضعة.
والأصلُ في هذه الجملة قولُ النبيِّ وََّ: ((يَخْرُمُ مِنِ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ))(١)
(١) أخرجه مالك (٦٠١/٢) كتاب الرضاع: باب رضاعة الصغير حديث (١) والبخاري (٣٠٠/٥) كتاب
الشهادات: باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض حديث (٢٦٤٤) ومسلم (١٠٦/٢) كتاب
الرضاع: باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة حديث (١٤٤٤/٢) والنسائي (١٠٢/٦ - ١٠٣)
كتاب النكاح: باب لبن الفحل والدارمي (١٥٥/٢ - ١٥٦) كتاب النكاح: باب ما يحرم من الرضاع وعبد
الرزاق (٤٧٦/٧) رقم (١٣٩٥٢) وأحمد(١٧٨/٦) وابن الجارود (٦٨٧) وأبو يعلى (٣٣٨/٧) رقم
(٤٣٧٤) والبيهقي (١٥٩/٧) كتاب النكاح: باب ما يحرم من نكاح القرابة والرضاع .... كلاهما من
طريق عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّر ((يحرم من
الرضاع ما يحرم من الولادة)) وله لفظ آخر مطولاً .
وللحديث طريق آخر عن عائشة.
أخرجه مالك (٢/ ٦٠٧) كتاب الرضاع: باب جامع ما جاء في الرضاعة حديث (١٥) والشافعي (٢/ ١٩ -
٢٠) كتاب النكاح: باب ما جاء في الرضاع حديث (٥٩) وعبد الرزاق (٤٧٧/٧) رقم (١٣٩٥٤) وأحمد
(٤٤/٦، ٥١) وأبو داود (٥٤٥/٢ - ٥٤٦) كتاب النكاح: باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب حديث
(٢٠٥٥) والترمذي (٤٥٣/٣) كتاب الرضاع: باب ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب حديث
(١١٤٧) وابن ماجه (٦٢٣/١) كتاب النكاح: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب حديث (١٩٣٧)
والنسائي (٩٩/٦) والدارمي (١٥٦/٢) كتاب النكاح: باب ما يحرم من الرضاع وسعيد بن منصور (١/
٢٧٣) رقم (٩٥٣) وابن حبان (٤٢٠٩ - الإحسان) ومحمد بن نصر المروزي في ((السنة)) (ص - ٨٦) رقم
(٣٠٤) والبيهقي (١٥٩/٧) كتاب النكاح: باب ما يحرم من نكاح القرابة والرضاع والخطيب في ((تاريخ
بغداد)» (٦/ ٣٣٣) من طرق عن عروة عن عائشة مرفوعاً بلفظ يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
بدائع الصنائع ج٥ - ٥٣

٦٦
كتاب الرضاع
فيجب العمل بعمومه إلا ما خص(١) بدلیل.
وأما الحرمة في جانب زوج المرضعة التي نزل لها منه لبنّ، فثبتت عند عامة العلماء
وعامة الصحابة - رضي الله عنهم ..
وَرُوِيَ عَنْ رافع بن خُدَيْج - رضي الله عنه - أنه قال: ((لاَ تَثْبُتُ)) وهو قولُ: سعيد بن
المسيب، وعطاء بن يسار، وبشر المريسي، ومالك، وهي المسألة الملقبة عند الفقهاء بـ((لبن
الفحل)) أنه هل يُحَرِّمُ أو لا، وتفسيرُ تحريم ((لبن الفحل)) أن المُرْضَعَةَ تحرم على زوج المُرْضَعَةِ
لأنها بنته من الرضاع، وكذا على أبنائه الذين من غير المرضعة؛ لأنهم أخواتها لأب من
الرضاعة؛ وكذا على ابناء ابنائه وأبناء بناته من غير المرضعة؛ لأنهم ابناء إخوة المرضعة
وأخواتها لأب من الرضاعة.
وعلى هذا إذا كان لرجل امرأتان فحملتا منه، وأرضعت كُلُّ واحدة منهما صغيراً أجنبياً،
فقد صارا أخوين لأب من الرضاعة، فإن كان أحدهما أنثى، فلا يجوز النكاح بينهما؛ لأن
الزوجَ أخوها لأبيها من الرضاعة، وإن كانا انثين لا يجوز لرجلٍ أن يجمع بينهما؛ لأنهما أحتان
لأب من الرضاعة، وتحرم على آباء زوج المرضعة؛ لأنهم أجدادها من قِبَلِ الأب من
الرضاعة؛ وكذا على إخوته لأنهم أعمامها من الرضاعة، وأخواته عمات المرضع فيحرمن
عليه، وأمَّا أولاد إخوته وأخواته، فلا تحرم المناكحة بينهم؛ لأنهم أولاد الأعمام والعمات،
ويجوز النكاح بينهم في النسب فيجوز في الرضاع.
هذا تفسيرُ لَينِ الفحلِ: احتج مَنْ قال إنه لا يُحَرِّم بأن الله - عزَّ وجلَّ - بين الحرمة في
جانب المرضعة، ولم يبين في جانب الزوج بقوله - تعالى -: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾
[ النساء: ٢٣] ولو كانت الحرمةُ ثابتةً في جانبه لبينها كما بين في النسب بقوله - عزَّ وجلَّ -
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ولأن المُحَرِّمُ هو الإرضاع، وأنه وجد منها لا
منه، فصارت بنتاً لها لا له.
(١) قد جعل الفقهاء قوله وَطاهر: ((يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)) قاعدة، واستثنى بعضهم من هذه
القاعدة مسائل كثيرة :
منها: مرضعة الأخ، والأخت، فإنها لا تحرم بالرضاع، وتحرم إن كانت من النسب، لأنها أم، أو زوجة
أب.
ومنها: مرضعة النافلة ((ولد الولد)) ولو كانت من النسب ـ لحرمت؛ لأنها بنت، أو زوجة ابن، وغير ذلك
من المسائل.
والجمهور على عدم الاستثناء، لأنهن إنما حرمن في النسب، لمعنى آخر لم يوجد فيهن في الرضاع.

٦٧
كتاب الرضاع
والدليلُ عليه أنه لو نزل للزوج لبنْ، فارتضعت منه صغيرة، لم تحرم عليه، فإذا لم تثبت
الحرمة بلبنه، فكيف تثبت بلبن غيره.
ولنا الحديثُ المشهورُ، وهو قولُ النبيِّ ◌َِّ: ((يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)).
وَرُوِيَ أن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: جَاءَ عَمي من الرَّضاعةِ فاستأذن عليَّ، فأبيت
أن آذن له حتى اسْتَأذِنَ(١) رسولَ اللهِ نَّ فسألته عن ذلك، فقال ◌ََّ: ((إنمَّا هُوَ عَمُّكِ، فأُذْنِي
لَهُ» فقلتُ: يا رسولَ الله إنما أرضعتني المرأةُ، ولم يرضعني الرجلُ، فقال رسولُ اللهِ وَلقال: ((إِنَّهُ
عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ))(٢) قالت عائشةُ - رضي الله عنها - وكان ذلك بعد أن ضُرب علينا
(١) في أ: أسأل.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٨/٩) كتاب النكاح - باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء في الرضاع -
حديث (٥٢٣٩) ومسلم (٢/ ١٠٧٠) كتاب الرضاع - باب ما يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة.
حديث (١٤٤٥/٧) ومالك (٦٠١/٢) كتاب الرضاع - باب رضاعة الصغير - حديث (٢) وأحمد (٣٨/٦)
والدارمي (١٥٦/٢) كتاب النكاح - باب ما يحرم من الرضاع، وأبو داود (٢/ ٥٤٧) كتاب النكاح - باب
في لبن الفحل - حديث (٢٠٥٧) والترمذي (٤٥٣/٣ - ٤٥٤) كتاب الرضاع، باب ما جاء في لبن الفحل -
حديث (١١٤٨) والنسائي (١٠٣/٦) كتاب النكاح - باب لبن الفحل. وابن ماجه (٦٢٧/١) كتاب النكاح
- باب لبن الفحل - حديث (١٩٤٩) وابن الجارود ص (٢٣٢) كتاب النكاح - حديث (٦٩٢) والحميدي
(١١٣/١) رقم (٢٣٠) وعبد الرزاق (٤٧٢/٧) رقم (١٣٩٣٨) وسعيد بن منصور (٢٧٣/١) رقم (٩٥١)
وأبو يعلى (٤٧٥/٧) رقم (٤٥٠١) وابن حبان (٤٢٠٦، ٤٢٠٧ - الإحسان) والطبراني في ((المعجم
الصغير» (٨٨/١ -٨٩) والدارقطني (١٧٧/٤ - ١٧٨) والبيهقي (٧/ ٤٥٢) كتاب الرضاع: باب يحرم من
الرضاع ما يحرم من الولادة وأن لبن الفحل يحرم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاء
عمي بعد ما ضرب الحجاب يستأذن علي فلم آذن له فجاء النبي وَلّ فسألته فقال: ائذني له فإنه عمك
قلت: إن ما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل قال: تربت يمينك ائذني له فإنه عمك.
وأخرجه مالك (٦٠١/٢ - ٦٠٢) كتاب الرضاع: باب رضاعة الصغير حديث (٣) والبخاري (٣٩٢/٨)
كتاب التفسير: باب إن تبدوا شيئاً أو تخفوه ... حديث (٤٧٩٦) ومسلم (٢/ ١٠٧٠) كتاب الرضاع:
باب ما يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة حديث (١٤٤٥/٦) والنسائي (١٠٣/٦) كتاب النكاح:
باب لبن الفحل وابن ماجه (٦٢٧/١) كتاب النكاح: باب لبن الفحل حديث (١٩٤٨) والحميدي (١/
١١٣) رقم (٢٢٩) وعبد الرزاق (٤٧٢/٧) رقم (١٣٩٣٧) وسعيد بن منصور (٢٧٣/١) رقم (٩٥١)
وابن الجارود (٦٩٢) والدار قطني (١٧٨/٤) والبيهقي (٤٥٢/٧) كتاب الرضاع: باب يحرم من الرضاع ما
يحرم من الولادة كلهم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة به وأخرجه مسلم (٢/ ١٠٧١) كتاب
الرضاع: باب ما يحرم من الرضاعة وما يحرم من الولادة حديث (١٤٤٥/٨) والنسائي (١٠٣/٦) كتاب
النكاح: باب لبن الفحل وعبد الرزاق (٤٧٣/٧) رقم (١٣٩٣٩) من طريق عطاء بن أبي رباح عن
عروة بن الزبير عن عائشة .
وأخرجه مسلم (١٠٧١/٢) كتاب الرضاع: باب ما يحرم من الرضاعة وما يحرم من الولادة حديث =

٦٨
كتاب الرضاع
الحجابُ، أي: بعد أمر الله - عزَّ وجلَّ - النساءَ بالحجاب عن الأجانب، وقيل كان الداخل
عليها أفلحُ أخا أبي القعيس، وكانت امرأة أبي القعيس أرضعتها .
وعن عمرة أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرتها أن رسولَ الله وَ لٍّ كان عندها وأنها
سمعت صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ في بيتٍ حفصة.
قالت عائشة: فقلتُ يا رسولَ الله، هذا رجلٌ يستأذنُ في بَيْتِكَ، فقال: ((أَرَاهُ فُلاَنَاً لِعِمِّ،
حفصةَ مِنَ الرضاعة)) فقلت: يا رَسُولَ الله، لو كان فلاناً حَيّاً - لعمي من الرضاعة - أكان يَدْخُلُ
عليَّ، فقال: (نَعَمْ، إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الولاَدَة))(١).
وعن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال: لا تَنْكِخْ مَنْ أرضعته امرأة أبيك ولا امرأة أخيك
ولا امرأة ابنك(٢).
١١٣١
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -/ أنه سُئل عن رجلٍ له امرأتان، أو جاريةٌ وامرأةٌ،
فأرضعتْ هذه غلاماً وهذه جاريةً، هل يصلُحُ للغلام أن يتزوَّجَ الجاريةِ؟ فقال - رضي الله
عنه -: لاَ، اللّقاحُ وَاحِدٌ(٣). بين الحكم وأشار إلى المعنى، وهو اتحاد اللّقاح؛ ولأن المحرم
هو اللَّبن، وسبب اللَّبن هو ماء الرجل والمرأة جميعاً، فيجب أن يكون الرضاع منهما جميعاً؛
كما كان الولد لهما جميعاً (٤).
(١٤٤٥/٩) والنسائي (١٠٤/٦) كتاب النكاح: باب لبن الفحل والبيهقي (٤٥٢/٧) كتاب الرضاع: باب
=
يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة من طريق عراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة.
وأخرجه النسائي (١٠٣/٦) كتاب النكاح: باب لبن الفحل من طريق وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة.
ومن الطرق السابقة يتبين أنه رواه عن عروة جماعة وهم هشام بن عروة والزهري وعطاء بن أبي رباح
وعراك بن مالك ووهب بن كيسان.
وللحديث طريق آخر عن عائشة.
أخرجه (٣٠٨/١ - منحة) رقم (١٥٧٠) من طريق عباد بن منصور عن القاسم عن عائشة به.
(١) تقدم تخريجه وينظر حديث يحرم من الرضاعة.
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧/ ٤٥٣) كتاب الرضاع: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة.
(٣) أخرجه مالك (٦٠٢/٢ - ٦٠٣) كتاب الرضاع باب رضاعة الصغير حديث (٥) ومن طريقه الترمذي (٣/
٤٤٥) كتاب الرضاع: باب لبن الفحل حديث (١١٤٩) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٥٣/٧) كتاب
الرضاع: باب يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة.
(٤) قلت اللبن تابع: لنسبة الولد الذي كان من أجله اللبن، سواء كان الولد من نكاح، أو ملك يمين، أو وطء
شبهة، وقد اصطلح الفقهاء على تسمية الرجل الذي تسبَّب في الولد المنسوب إليه فحلاً، أما من لم
ينسب إليه الولد، كالزاني - فلا يسمى فحلاً، ولا يصير أباً للرضيع؛ لأن ولد النسب قد نفي عنه، فأولى
أن ينفي عنه ولد الرضاع، وتصير المرضعة أمه، فتثبت أمومة بدون أبوه، فعلم من هذا أن اللبن كما =

٦٩
کتاب الرضاع
ينسب للمرأة، فيحرم عليها الرضيع، كذلك ينسب لمن كان اللبن بسببه، فيحرم عليه أيضاً. قال الشافعي
=
- رضي الله تعالى عنه -: ((اللبن للرجل والمرأة، كما أن الولد لهما، والمرتضع لذلك اللبن ولدهما)).
الصحيح أن الحرمة كما تتعلق بالمرضعة وأصولها وفروعها وحواشيها، تتعلق أيضاً بالفحل، وتنتشر منه
إلى من ذكر، وإلى هذا ذهب إمامناً الشافعي - رضي الله تعالى عنه - وهو قول الأكثر، وبه قال من
الصحابة سيدنا علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وسيدنا ابن عباس، وسيدتنا عائشة - رضي الله تعالى
عنهم - ومن التابعين عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومن الفقهاء سيدنا أبو حنيفة، ومالك، وأحمد،
والليث بن سعد، والأوزاعي، وإسحاق - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ..
وقيل: إن الحرمة لا تتعلق بالفحل، ولا تنتشر منه إلى من تقدم، فيجوز أن ينكح المرتضعة بلبن، ولولده
من غير المرضعة؛ وبه قال من الصحابة سيدنا عبد الله بن عمر، وابن الزبير، ونقله المازري عن سيدتنا
عائشة، وسيدنا رافع بن خريج، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد
الرحمن، ومن الفقهاء النخعي، وربيعة، وابن أبي عبد الرحمن، وحماد بن سليمان، وداود بن علي
- رضي الله تعالى عنهم أجمعين ..
واستدل إمامنا الشافعي - رضي الله تعالى عنه - ومن وافقه بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى:
﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وجه الدلالة أن الله - سبحانه وتعالى - بعد أن بين
ما يحرم بالنسب ذكر ما يحرم بالرضاع بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتَكُمْ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتَكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ولم
يبين ما ذكره في النسب اكتفاء بعدهن في النسب، فنبه بذكر الأم على البنت، وبذكر الأخت على الباقي.
ومن الباقي العمة، ولا شك أن انتماءها للرضيع، إنما هو من جهة صاحب اللبن. وقيل في وجه الدلالة
أيضاً: إن الآية عامة، فتتناول الأخوات التي ذكرن فيها الأخوات من الأب والأم والأخوات من الأب
فقط، والسنة قد بينت المراد من هذا العموم، ولا شك أن انتساب الأخت للأب إنما هو بطريق ذي
اللبن، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذُلِكُمْ﴾ عامًا مراداً به الخصوص.
وأما السنة: فما رواه مسلم قال: ((أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة أن عائشة
- رضي الله عنها - زوج النبي ◌ّلو أخبرتها أن النبي ◌َّير كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في
بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك، فقال رسول الله وَليقول: أراه
فلاناً لعم حفصة من الرضاع، فقلت: يا رسول الله لو كان فلان - لعمها من الرضاع - حيًّا يدخل عليَّ،
فقال رسول الله وَله: ((نَعَمْ، إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلاَدَةُ)).
وأيضاً ما رواه هشام بن عروة، عن أبيها عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل علي أفلح أخو أبي
القعيس بعد ما نزلت آية الحجاب، فاستترت منه، فقال: تستترين مني وأنا عمك؟ فقالت: من أين؟ قال
أرضعتك امرأة أخي، فقالت: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل. فدخل عليَّ رسول الله وَّ
وحدثته، فقال: ((إِنَّ عَمُّكِ فَلْيَلِجُ عَلَيْكِ)) وفي رواية ((تَرِبَتْ يَدَاكِ)) أَوْ ((يَمِينُكِ)).
فهذان الحديثان يدلان على أن عمَّ المرضعة محرم لها، ليس واجباً عليها أن تحتجب عنه، ويجوز خلوته
بها، ونظره إليها والعمومة إنما ثبتت من طريق صاحب اللبن. قال الشافعي: ((وفي نفس السنة أنه يحرم
من الرضاع ما يحرم من الولادة)) وغير ذلك من الأحاديث الصريحة في تحريم ذي اللبن.
واستدل المخالفون بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ الَّلاتِي أَرْضَعْتَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ حيث ذكر
الأمهات والأخوات دون العمات، حتى يقال: إن تحريم الفحل جاء من تحريم العمة: وأيضاً الرضاعة =

٧٠
كتاب الرضاع
التي علمت من الآية إنما هي رضاعة الأم، إذ لا يتصور من الفحل الإرضاع: وقال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ
=
مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فقد ثبت أن ما رواء من ذكر حلال، ومنه العمة، والأخت لأب، ولو ثبت التحريم بالسنة
- لكانت ناسخة للقرآن.
وأجيب بما علمنا من أن السنة بينت المراد بالعام، وخصصته، والتخصيص ليس بنسخ. وقد ادعوا في
ذلك الإجماع، وهو ما روي أن عبد الله بن الزبير خطب زينب بنت أبي سلمة من أمها، أم سلمة لأخيه
حمزة بن الزبير، فقالت: كيف أزوجها له، وهو أخوها من الرضاعة؟: فقال عبد الله بن الزبير: ذلك لو
أرضعتها الكلبية، وذلك أن عبد الله بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر، وحمزة بن الزبير أمه الكلبية،
وكانت أسماء قد أرضعت زينب بنت أبي سلمة، فصارت زينب أختاً لعبد الله من أبيه وأمه، وأختاً لحمزة
من أبيه، دون أمه؛ فجعلها عبد الله أختاً لنفسه، ولم يجعلها أختاً لأخيه حمزة، ولا جعل اللبن للزبير،
فسألوا، وذلك في أيام الحيرة، فأباحوها له، وقالوا: لبن الفحل لا يحرم، فزوجت به، وكانت عنده إلى
أن مات؛ فصار إجماعاً.
وفي رواية أخرى: أخرج الشافعي، عن زينب بنت أم سلمة أنها قالت: ((كان الزبير يدخل عليَّ، وأنا
امتشط، أرى أنه أبي، وأن ولده إخوتي، لأن امرأته أسماء أرضعتني، فلما كان بعد الحيرة أرسل إليّ
عبد الله بن الزبير، يخطب ابنتي أم كلثوم على أخيه حمزة بن الزبير، وكان للكلبية، فقلت: وهل تحل
له؟ فقال: إنه ليس لك بأخ، إنما إخوتك من ولدت أسماء، دون من ولد الزبير من غيرها. قال:
فأرسلت، وسألت، والصحابة متوافرون، وأمهات المؤمنين، فقالوا: إن الرضاع لا يحرم شيئاً من قبل
الرجل)).
واستدلوا أيضاً بقولهم: لو كان اللبن لهما - لكانت أجرة الرضاع بينهما، لكن التالي باطل، لاختصاص
المرضعة بها، فبطل ما أدى إليه، فثبت أن اللبن للمرضعة دون الفحل.
والجواب عن هذه الشبه: أما عن الآية - فقد علم أن السنة الصحيحة مبينة للعموم فيها: وأما عن
الإجماع . فأجيب بمنع ثبوته، لمخالفة سيدنا علي، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -. سلمنا ثبوته،
ولكنه إجماع سكوتي، وهو لا يكفي في المسائل الاجتهادية، ومن أفتى بالحل غير معلوم؛ فلعلهم لم
تبلغهم السنة الصحيحة، ولم تكن الصحابة متوافرين بالمدينة، بل كان معظمهم وأكابرهم في الشام
والعراق ومصر. وأما عم سيدتنا عائشة - رضي الله تعالى عنها - بخلاف روايتها، فلعلها عدلت عنه، إذ
روي أنها كانت تفتي بأن لبن الفحل يحرم.
وأما الجواب عن قولهم: إن اللبن للمرضعة لا للفحل، لأخذها أجرة الرضاع - فنقول: إن أصحاب
الشافعي - رضي الله عنهم - قد اختلفوا في الأجرة التي تأخذها المرضعة، فقيل: إنها للحضانة، والرضاع
تبع، وعلى هذا؛ فيسقط الاستدلال: وقيل: الأجرة للإرضاع، لا للبن، لجهالته، وقيل: إنها ثمن اللبن،
ولكن المرضعة أحق بها، وإن اشتركا فيه، لأنها هي المباشرة للإرضاع.
ونظير هذا ما لو اشتركا في حفر بئر؛ فاستقى أحدهما؛ فإنه أحق بما أخذه من الماء؛ لمباشرته. وبالجملة
فالسنة صريحة في أن لبن الفحل يحرم؛ فهي أحق بالاتباع، ولا نظر لمخالفة من لم تبلغه، ولو تركت
السنة، لمخالفة البعض - لترك كثير من الحج. والله تعالى أعلم.
ينظر: الرضاع لشيخنا قاسم محمد العبدي.

٧١
كتاب الرضاع
وأما قولهم إن الله - تعالى - بين الحرمة في جانب المرضعةِ، لا في جانب زَوْجِهَا،
فنقول إنْ لم يبينها نصاً فقد بينها دلالةً، وهذا لأنَّ البيانَ من الله - تعالى - بطريقين: بيانُ
إحاطةٍ، وبيانُ كفايةٍ، فبيَّن في النسبِ بيانَ إحاطةٍ، وبيَّن في الرضاع بيان كفاية؛ تسليطاً
للمجتهدين على الاجتهادِ، والاستدلالُ بالمنصوص عليه على غيره، وهو أنَّ الحرمة في جانب
المرضعة لمكان اللبن وسبب حصول اللبن ونزوله هو ماؤهما جميعاً، فكان الرضاع منهما
جميعاً، وهذا لأن اللبن إنما يوجب الحرمة لأجل الجزئية والبعضية؛ لأنه ينبت اللحم وينشر
العظم؛ على ما نطق به الحديث، ولما كان سببُ حصول اللبن ونزوله ماءهما جميعاً،
وبارتضاع اللبن تثبت الجزئية بواسطة نبات اللحم، يقام سبب الجزئية مقامَ حقيقةِ الجزئية في
باب الحرمات احتياطاً، والسبب يُقام مقامَ المسببِ خصوصاً في باب الحرمات أيضاً.
ألا ترى أن المرأة تحرم على جدِّها كما تحرم على أبيها، وإن لم يكن تحريمها على
جدِّها منصوصاً عليه في الكتاب العزيز، لكن لما كان مبيناً بيان كفاية؛ وهو أن البنت وإن
حدثت من ماء الأب حقيقةً دونَ ماءِ الجدِّ، لكن الجد سبب ماء الأب - أقيم السبب مقام
المسبب في حق الحرمة احتياطاً؛ كذا ههنا.
والدليل عليه أنه لما لم يذكر البنات من الرضاعة نصًّا لم يذكر بنات الأخوة والأخوات
من الرضاعة نصًّا؛ وإنما ذكر الأخوات ثم ذكر لبنات الإخوة والأخوات دلالة حتى حرمن
بالإجماع؛ كذا ههنا، على أنه إن لم يبين بوحي متلو فقد بَيَّنَ بوحيٍّ غير متلو على لسانِ
رسولِ الله بقوله: ((يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)) وقد خرج الجواب عن قولهم: إن
الإرضاع وجد منها؛ لما ذكرنا أنه وجد منهما لأن سبب حصول اللبن ماؤهما جميعاً، فكان
الإرضاع منهما جميعاً.
وأما الزوجُ إذا نزل له لبنْ فارتضعتْ به صغيرةٌ فذاك لا يسمى رضاعاً عرفاً وعادةً،
ومعنى الرضاع أيضاً لا يحصل به، وهو اكتفاء الصغير به في الغذاء؛ لأنه لا يغنيه من جوع
فصار كلبن الشاة، والله - عزَّ وجلّ - أعلم.
ثم إنما ثبتت الحرمة من جانب الزوج إذا كان لها زوج، فأمَّا إذا لم يكن لها زوجٌ بأن
ولدت من الزنا فنزل لها لبنّ فأرضعت به صبياً فالرضاع يكون منها خاصَّةً، لا من الزاني؛ لأن
نسبه يثبت منها لا من الزاني.
والأصلُ أن كل مَنْ يثبت منه النسب يثبت منه الرضاع، ومن لا يثبت من النسب لا يثبت
منه الرضاع؛ وكذا البكر إذا نزل لها لبنّ، وهي لم تتزوج قِطّ، فالرضاع يكون منها
خاصَّةً، والله الموفق.

٧٢
كتاب الرضاع
وكذا كلُّ من يحرم بسبب المصاهرة من الفرق الأربع(١) الذين وصفناهم في (كتاب
النكاح)) يحرم بسبب الرضاع؛ فيحرم على الرجل أم زوجته وبنتها من زوج آخر من الرضاع؛
كما في النسب؛ إلا أن الأم تحرم بنفس العقد على البنت إذا كان صحيحاً، والبنت لا تحرم إلاَّ
بالدخول بالأم كما في النسب؛ وكذا جدات زوجته من أبيها وأمّها، وإن علون، أو بنات بناتها
وبنات أبنائها وإن سفلن؛ من الرضاع كما في النسب؛ وكذا تحرم حليلة ابن الرضاع وابن ابن
الرضاع وإن سفل - على أب الرضاع وأب أبيه، وإن علا؛ كما في النسب، وتحرم منكوحة
أب الرضاع وأب أبيه، وإن علا ـ على ابن الرضاع وابن ابنه وإن سفل كما في النسب؛ وكذا
يحرم بالوطء أم الموطوءة وبنتها من الرضاع على الواطىء.
وكذا جداتها وبنات بناتها؛ كما في النسب، وتحرم الموطوءة على أب الواطىء وابنه من
الرضاع.
وكذا على أجداده وإن علوا، وعلى أبناء أبنائه وإن سفلوا؛ كما في النسب، سواء كان
الوطء حلالاً؛ بأن كان بملك اليمين أو الوطءِ بنكاح فاسدٍ أو شبهة نكاح، أو كان بزنا عندنا،
وعند الشافعي الزنا لا يوجبُ حرمةَ المصاهرةِ، فلا يوجب حرمة الرضاع، والمسألة قد مَرَّتْ
في ((كتاب النكاح)).
ثم قولُ النبي ◌ََّ: ((يَخْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)» يجري على عمومه إلا في
مسألتين :
إحداهما: أنه لا يجوزُ للرجلِ أن يتزوَّج بأختِ ابنه من النسب لأمه، وهو أن يكون لابنه
أخت لأمه من النسب من زوج آخر كان لها، ويجوز له أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع، وهو
أن يكون لابنه من الرضاع أختٌ من النسب لم ترضعها امرأتُهُ؛ لأن المانعَ من الجواز في
١٣١ ب النسب كون أمّ الأخت موطوءة الزوج؛ لأن أمها/ إذا كانت موطوءة كانت هي بنت الموطوءة
وإنها حرامٌ، وهذا لم يوجد في الرضاع، ولو وجد لا يجوز كما لا يجوز في النسب.
(١) والمحرم بالمصاهرة له أربعة أفراد:
زوجة الأب؛ لقوله تعالى ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
زوجة الابن؛ لقوله تعالى ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِيْنَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ أمّ الزوجة : - وإن لم يدخل بها - لقوله
تعالى ﴿وَأُمْهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ بنت الزوجة: وهي الربيبة إذا دخل بالأم بعقد صحيح أو فاسد، لقوله تعالى
﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ واللَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فإنْ لَمْ يَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ﴾. وقيد الحجور للغالب، فلا مفهوم له.
ينظر: الرضاع لشيخنا قاسم محمد العبدي.

٧٣
كتاب الرضاع
والثانية: أنه لا يجوزُ للرجل أن يتزوَّج أم أخته من النسب لأبيه؛ وهو أن يكون له أختٌ من
أبيه من النسب لا من أمِّه، لا يجوز له أن يتزَّوج أم هذه الأخت، ويجوزُ له أن يتزوَّج أمَّ أخته من
الرضاع، وهو أن يكون له أخت من الرضاعة فيتزوج أمَّها من النسب، لأنَّ المانع في النسب كونُ
المتزوجة موطوءة أبيه، وهذا لم يوجد في الرضاع حتى لو وُجد لا يجوزُ كما في النسب.
ويجوزُ للرجل أن يتزوج أخت أخيه لأبيه من النسب، وصورتُه منكوحة أبيه إذا ولدت ابناً
ولها بنتّ من زوج أَخر، فهي أخت أخيه لأبيه، فيجوز له أن يتزوجها؛ وكذا يجوز للرجل أن
يتزوج أخت أخته من الرضاع، وهذا ظاهر، ويجوز لزوج المرضعة أن يتزوج أم المرضع من
النسب؛ لأن المرضع ابنه، ويجوز للإنسان أن يتزوج أم ابنه من النسب.
وكذا أب المرضع من النسب يجوزُ له أن يتزوج المرضعة؛ لأنها أم ابنه من الرضاع،
فهي كأم ابنه من النسب؛ وكذا يجوز له أن يتزوج بمحارم أبي الصبي من الرضاعة أو النسب؛
كما يجوز له أن يتزوج بأمه، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم.
فصل في صفة الرضاع المحرم
وأما صفة الرضاع المحرم، فالرضاع المحرم ما يكون في حال الصغر، فأما ما يكون في
حال الكبر فلا يحرم عند عامَّة العلماءِ. وعامة الصحابة - رضي الله عنهم -، إلاَّ ما روي عن
عائشة - رضي الله عنها - أنه يحرم في الصغر والكبر جميعاً، واحتَّجتْ بظاهر قوله - تعالى -:
﴿وَأُمَهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] من غير فصل بين حال الصغر
والكبر .
ورُوِيّ أن أبا حذيفة تبنَّى سالماً، وكان يدخلُ على امرأته سهلة بنت سهيل، فلما نزلت
آيةُ الحجابِ أتتْ سهلةُ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ وقالت: يا رَسُولَ الله، قد كُنَّا نرى سالماً ولداً،
وكان يدخلَّ عليَّ، وليس لَنَا إلَّ بيتٌ واحدٌ، فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها رسولُ اللهِ وَت :
(أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ؛ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْكِ))(١) وكان سالم كبيراً، فدَّل أن الرضاع في حال
(١) أخرجه مالك (٦٠٥/٢ - ٦٠٦) كتاب الرضاع - باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر - حديث (١٢)
والبخاري (١٣٢،١٣١/٩) كتاب النكاح - باب الإكفاء في الدين - حديث (٥٠٨٨) ومسلم (١٠٧٦/٢)
كتاب الرضاع - باب رضاعة الكبير - حديث (٢٦، ١٤٥٣/٢٧) وأبو داود (٥٤٩/٢، ٥٥٠، ٥٥١) کتاب
النكاح باب من حرّم به - حديث (٢٠٦١) والشافعي (٢٣،٢٢/٢) كتاب النكاح - الباب الرابع فيما جاء
في الرضاع - حديث (٧٢) أحمد (٣٩/٦) وعبد الرزاق (٤٥٩/٧) والحميدي رقم (٢٧٨) من طرق عن
عائشة. وابن الجارود ص (٢٣١، ٢٣٢) كتاب النكاح - حديث (٦٩٠) والبيهقي (٧ / ٤٥٩ - ٤٦٠) كتاب
الرضاع باب رضاع الكبير.

٧٤
كتاب الرضاع
الصغر والكبر محرمٌ، وقد عملت عائشة - رضي الله عنها - بهذا الحديث بعد وفاة النبي وَّل
حتى رُوِيّ عنها أنها كانت إذا أرادت أن يَدْخُلَ عليها أحدٌ من الرجال أمرت أختها أم كلثوم بنت
أبي بكر - رضي الله عنها -، وبنات أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -
أن يُرْضِعْنَهُ، فدلَّ عَمَلُهَا بالحديث بعد موت النبي ◌َِّ على أنه غيرُ منسوخٍ.
ولنا ما رُوِيّ أن رسولَ اللهِ وَ ◌ّر دخل يوماً على عائشة - رضي الله عنها - فوجد عندها
رجلاً فتغّير وجهُ رسولِ اللهِ وَ﴿ فقال: ((مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟)) فقالت عائشةُ: هذا عَمِّي من
الرِّضاعة، فقال رسولُ اللهِ وَهُ: ((انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِنمَّا الرَّضَاعَةُ مِنَ
المَجَاعَةِ))(١) أشار ◌َّ إلى أن الرضاع في الصغر هو المحرمٌ إذا هو الذي يدفع الجوع، فأما
جوع الكبير لا يندفع بالرضاع.
وَرُوِيَ عنِ النبيِّ وَِّ أنه قال: ((الْرِضَاعُ مَا أَنْبَتَ الَّلْحِمَ وَأَنْشَزِ العَظْمَ) (٢) وذلك هو رضاعُ
الصغير دون الكبير؛ لأن إرضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم.
وَرُوِيَ عنه ◌َّرِ أنه قال: ((الرَّضَاعُ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ)) (٣) ورضاع الصغير هو الذي يفتق
الأمعاء لإرضاع الكبير؛ لأنَّ أمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها إلا اللبن؛ لكونه من ألطف
الأغذية كما وصفه الله - تعالى - في كتابه الكريم بقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لَبَناً خَالِصَاً سَائِغاً
لِلْشَارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] فأمَّا أمْعَاءَ الكبير فمنفتقة لا تحتاج إلى الفتق باللبنٍ، ورُوِيَ عنه ◌َِّ أنه
قال: ((لاَ رِضَاعٍ بَعْدَ فِصَالٍ))(٤).
(١) أخرجه البخاري (١٤٦/٩) كتاب النكاح - باب من قال: لا رضاع بعد حولين حديث (٥١٠٢) ومسلم
(١٠٧٨/٢) كتاب الرضاع - باب إنما الرضاعة من المجاعة - حديث (١٤٥٥/٣٢) وأحمد (٩٤/٦)
والطيالسي (١٤١٢) وسعيد بن منصور (٢٧٦/١) رقم (٩٦٤) والدارمي (١٥٨/٢) كتاب النكاح - باب
في رضاعة الكبير، وأبو داود (٥٤٨/٢) كتاب النكاح - باب في رضاعة الكبير - حديث (٢٠٥٨) والنسائي
(٦/ ١٠٢) كتاب النكاح - باب القدر الذي يحرم من الرضاعة وابن ماجه (٦٢٦/١) كتاب النكاح - باب
لإرضاع بعد فصال حديث (١٩٤٥) وابن الجارود ص (٢٣٢) كتاب النكاح: حديث (٦٩١) والبيهقي
(٧/ ٤٦٠) كتاب الرضاع باب رضاع الكبير والبغوي في شرح السنة (٥/ ٦٥ - بتحقيقنا) والقضاعي في
مسند الشهاب رقم (١١٧٦ - ١١٧٧) من طريق مسروق عن عائشة به.
(٢) أخرجه البيهقي (٧/ ٤٥٥) كتاب الرضاع، من طريق أبي داود وهو في سننه (٢٠٥٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه رقم (١٩٤٦) من طريق ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن
عبد الله بن الزبير.
وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة اهـ قلت: رواية العبادلة عن ابن لهيعة صحيحة كما
ذكر غير واحد وهذه منها فقد رواه ابن وهب عن ابن لهيعة .
(٤) أخرجه أبو داود (١٢٨/٢) كتاب الوصايا: باب ما جاء متى ينقطع اليتم حديث (٢٨٧٣) والطبراني في
((المعجم الصغير)) (٩٦/١) من طريق عبد الله بن أبي أحمد عن علي بن أبي طالب به قال الحافظ في =

٧٥
كتاب الرضاع
وَرُوِيَ أنَّ رَجُلاً مِنْ أهْلِ البادية وَلَدتِ امرأتُهُ ولداً فمات ولدُها، فورم ثدي المرأةِ، فجعل
الرجلُ يمصُّه ويمجُّه، فدخلتَ جرعةٌ منه حلقه، فسأل عنه أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه -
قال: قَدْ حُرِّمَتْ عليك، ثم جاء إلى عبدِ الله بن مسعود - رضي الله عنه - فسأله فقال: هَلْ
سَألْتَ أحداً [قبلي](١)، فقال: نعم، سألتُ أبا موسى الأشعريَّ، فقال: حُرِّمَتْ عليك، فجاء ابنُ
مسعود أبا موسى الأشعري - رضي الله عنهما - فقال له: أمَا عَلِمْتَ أنه إنمَّا يحرم مِنَ الرضاعِ ما
أَثْبَتَ اللَّحْمَ، فقال أبو موسى: لا تسألوني عَنْ شيءٍ ما دام هذا الخبرُ بين أظهركم (٢).
وعن عبد الله بن عمر أن رجلاً جاء إلى عمر - رضي الله عنه - فقال: كانت لي وليدةٌ
أطؤها فعمدتِ امرأتي إليها، فأرضعتها، فدخلتُ عليها، فقالت: دُونَكَ فقد(٣) والله؛
أرضعتُها، فقال عمر - رضي الله عنه -: واقعها فهي جاريتك؛ فإنَّما الرضاعةُ عند الصغر (٤)؛
وبهذا/ تبين أن ليس المراد من الآية الكريمة رضاع الكبير؛ لأن النبي وَ﴿ فسرَ الرضاعَ المحرمَ ١١٣٢
بكونه دافعاً للجوع، منبتاً للحم، منشراً للعظم، فاتقاً للأمعاءِ، وهذا وصف رضاع الصغير لا
الكبير، فصارت الَسنة مبينة لماَ في الكتاب أصلهُ.
وَأمَّا حديثُ سالم، فالجوابُ عن التعلق به من وجهين :
أحدهما يحتمل أنه كان مخصوصاً بذلك يدلُّ عليه ما روي أن سائر أزواج رسول الله وَلِّو
أَبَيْنَ أن يدخل عليهن بالرضاع في حال الكبرِ أحدُ من الرجال، وقلن ما نَرَى الذي أمر به
رسولُ اللهِ وَّر سهلة بنت سهيل إلاَّ رخصة في سالم وحده، فهذا يدل على أن سالماً كان
مخصوصاً بذلك، وما كان من خصوصية بعض الناس لمعنى لا تعقله لا يحتمل القياس، ولا
نترك به الأصل المقرر في الشرع.
التلخيص (١٠١/٢): وقد أعله العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذري وغيرهم، وحسنه النووي
=
متمسكاً بسكوت أبي داود عليه .... اهـ.
وللحدیث طريق آخر.
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد)» (٢٩٩/٥) من طريق إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن علي بن
أبي طالب قال: قال رسول الله ويلر: ((لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام)) وقال الهيثمي في المجمع
(٣٣٧/٤): رواه الطبراني في الصغير ورجاله ثقات.
(١) سقط من ط .
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في ط: مقدور.
(٤) أخرجه مالك (٦٠٦/٢) كتاب الرضاع: باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر، حديث (١٣) ومن طريقه
البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧/ ٤٦١) كتاب الرضاع: باب رضاع الكبير.

٧٦
كتاب الرضاع
والثاني: أنَّ رضاع الكبير كان محرماً، ثم صار منسوخاً بما روينا من الأخبار، وأما عمل
عائشة - رضي الله عنها - فقد روي عنها ما يدلُّ على رجوعها؛ فإنه رُوِيّ عنها أنها قالت: ((لا
يحرمُ مِنَ الرَّضَاعِ إلَّ ما أنبتَ اللَّخمَ والدمَ))(١)، وروي أنها كانت تأمرُ بِنْتَ أخيها عبد
الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهم - أن ترضع الصبيانَ حتى يَدْخُلُوا عليها إذا صاروا
رجالاً، على أن عَمَلَهَا مُعَارضٌ بعمل سائر أزواج النبيِّ وَّ فإنهن كن لا يرين أن يدخل عليهن
بتلك الرضاعة أحدٌ من الرجال، والمعارض لا يكون حجة، وإذا ثَبَتَ أنَّ رضاع الكبير لا يحرم
ورضاع الصغير محرم، فلا بد من بيان الحد الفاصل بين الصغير والكبير في حكم الرضاع؛
وهو بيان مدَّة الرضاع المحرم.
وقد اختلف فيه؛ قال أبو حنيفة: ثلاثون شهراً، ولا يحرم بعد ذلك، سواء فطم أو لم
یفطم .
وقال أبو يوسف ومحمدٌ - رحمهما الله تعالى -: حولان لا يحرم بعد ذلك، فطم أو لم
يفطم، وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال زفر: ثلاثة أحوال.
وقال بعضُهم: خمسة عشرة سنة.
وقال بعضُهم: أربعون سنة .
احتج أبو يوسف ومحمدٌ بقوله: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنٍ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ
أَنْ يُتَمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] جعل الله - تعالى - الحولين الكاملين تمام مدة الرضاع وليس
وراء التمام شيء؛ وبقوله - تعالى -: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] وقوله - عزَّ وجلَّ -:
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحفاق: ١٥] وأقل مدة الحمل ستة أشهر، فبقي مدة الفصال
حولين، وروي عن النبي ◌ِّ أنه قال: ((لاَ رَضَاعٍ بَعْدَ الحَوْلَينِ))(٢) وهذا نصٍّ في الباب.
ولأبي حنيفة قولهُ - تعالى -: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الْلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخِوَاتُكُمْ مِنَ الرِّضَاعَةِ﴾
[النساء: ٢٣] أثبت الحرمة بالرضاع مطلقاً عن التعرض لزمان الإرضاع، إلاَّ أنه قام الدليل على أن
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الدارقطني (١٧٤/٤) كتاب الرضاع حديث (١٠) من طريق الهيثم بن جميل ثنا سفيان عن
عمرو بن دينار عن ابن عباس مرفوعاً .
وقال الدارقطني: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ ١ هـ ورواه موقوفاً.
وقد تكلم عليه الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢١٨/٣ - ٢١٩) كلاماً شافياً فليراجع.

٧٧
كتاب الرضاع
زمان ما بعد الثلاثين شهراً ليس بمراد فيعمل بإطلاقه فيما وراءه، وقوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ أَرَادَ
فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
والاستدلال به من وجھین:
أحدهما: أنه أثبت لهما إرادة الفصال بعد الحولين؛ لأن الفاء للتعقيب، فيقتضي بقاء
الرضاع بعد الحولين؛ ليتحقق الفصال بعدهما.
والثاني: أنه أثبت لهما إرادة الفصال مطلقاً عن الوقت، ولا يكون الفصال إلا عن
الرضاع، فدل على بقاء حكم الرضاع في مطلق الوقت إلى أن يقوم الدليل على التقييد، وقوله
- تعالى -: ﴿وَإِنْ أَرَذْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أثبت لهما إرادة الاسترضاع مطلقاً
عن الوقت، فمن ادعى التقييد بالحولين فعليه الدليل، ولأن الإرضاع إنما يوجب الحرمة؛
لكونه منبتاً للحم منشراً للعظم على ما نطق به الحديث، ومن المحال عادة أن يكون منبتاً للحم
إلى الحولين، ثم لا ينبت بعد الحولين بساعة لطيفة؛ لأن الله - تعالى - ما أجرى العادة بتغير
الغذاء إلا بعد مدة معتبرة؛ ولأن المرأة قد تلد في البرد الشديد والحرِّ الشديد، فإذا تم على
الصبي سنتان، لا يجوز أن تؤمر المرأة بفطامه؛ لأنه يخاف منه الهلاك على الولد؛ إذ لو لم
يعود بغيره من الطعام، فلا بد وأن تؤمر بالرضاع، ومحالٌ أن تؤمر بالرضاع ويحرم عليها
الرضاع في وقت واحد، فدلَّ أن الرضاع بعد الحولين يكون رضاعاً إلاَّ أن أبا حنيفة استحسن
في تقديره مُدَّةً إبقاء حكم الرضاع بعد الحولين بستة أشهر؛ لأنه أقل مدة تغير الولد، فإن الولد
يبقى في بطن أمه ستة أشهر يتغذى بغذائها، ثم ينفصل فيصير أصلاً في الغذاء، وزفر اعتبر بعد
الحولين سنة كاملة، فقال لما ثبت حكم الرضاع في ابتداء السنة الثالثة لما قاله أبو حنيفة يثبت
في بقيتها؛ كالسنة الأولى والثانية.
وأما الآية الأولى، ففيها أن الحولين مدة الرضاع في حَقِّ مَنْ أراد تمام الرضاعة، وهذا لا
ينفي أن يكون الزائد على الحولين مدة الرضاع في حَقِّ من لم يرد أن يتم الرضاعة/، مع ما أن ١٣٢ب
ذكر الشيء بالتمام لا يمنعُ من احتمال الزيادة عليه؛ ألا ترى إلى قوله وَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ،
فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ)» وهذا لا يمنع زيادة الفرض عليه، فإن طواف الزيارة من فروض الحج، على أن
في الآية الكريمة أن الحولين تمام مدة الرضاع، لكنها تمام مدة الرضاع في حق الحرمة، أو في
حق وجوب أجر الرضاع على الأب، فالنصُّ لا يتعرض له.
وعندهما تمام مدة الرضاع في حق - وجوب الأجر على الأب، حتى أن الأم المطلقة إذا
طلبت الأجرَ بعد الحولين - ولا ترضع بلا أجرٍ - لم يجبر الأب على أجر الرضاع فيما زاد على
الحولين، أو تحمل الآية على هذا توفيقاً بين الدلائل؛ لأن دلائل الله - عزَّ وجلَّ - لا تتناقض.
:

٧٨
كتاب الرضاع
وأما الآية الثانية، فالفصال في عامين لا ينفي الفصال في أكثر من عامين؛ كما لا ينفيه
في أقل من عامين عن تراض منهما وتشاور، فكان هذا استدلالاً بالمسكوت كقوله - عزَّ
وجلَّ -: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ... ) الآية [النور: ٣٣] أنه لا يمنع جواز الكتابة إذا لم
یعلم فيهم خيراً.
وأما الآية الثالثة، فيحتمل ما ذكرتم أن المراد من الحمل هو الحمل بالبطن، والفصال
هو الفطام، فيقتضي أن تكون مدة الرضاع سنتين ومدة الحمل ستة أشهر؛ كما روي عن
عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما _ (١)، وتحتمل أن يكون المراد من الحمل الحملُ باليد
والحجر، فيقتضي أن يكون الثلاثون مدة الحمل والفصال جميعاً؛ لأنه يحمل باليد والحجر في
هذه المدة غالباً، لا أن يكون بعض هذه المدة مدة الحمل وبعضها مدة الفصال؛ لأن إضافة
السنتين إلى الوقت لا تقتضي قسمة الوقت عليهما، بل تقتضي أن يكون جميع ذلك الوقت مدة
لكل واحد منهما؛ كقول القائل: صومُك وزكاتك في شهر رمضان، هذا لا يقتضي قسمة الشهر
عليهما، بل يقتضي كون الشهر كله وقتاً لكلّ واحدٍ منهما، فيقتضي أن يكون الثلاثون شهراً مدة
الرضاع؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، فلا يكون حجة مع الاحتمال على أنه إن وقع التعارض
بين الآيات ظاهراً، لكن ما تلونا حاظر، وما تلوتم مبيح والعمل بالحاظر أولى احتياطاً.
وأما الحديث، فالمشهور: ((لاَ رَضَاعِ بَعْدَ فِصَالٍ))، ونحن نقول بموجبه فجائز أن يكون
أصل الحديث هذا، وأن من ذكر الحولين حمله على المعنى عنده، ولو ثبت هذا اللفظ
فيحتمل أن يكون معناه الإرضاع على الأب بعد الحولين، أي: في حق وجوب الأجر عليه
على ما ذكرنا من تأويل الآيةِ، أو يحمل على هذا عملاً بالدلائل كلها، والله الموفق.
ثم الرضاع يحرمُ في المدة على اختلافهم فيها، سواء فطم في المدة أو لم يفطم، هذا
جواب ظاهر الرواية عن أصحابنا، حتى لو فصل الرضيع في مدة الرضاع ثم سقي بعد ذلك في
المدة، كان رضاعاً محرماً ولا يعتبر الفطام؛ وإنما يعتبر الوقت، فيحرم عند أبي حنيفة ما كان
في السنتين ونصف وعندهما ما كان في السنين؛ لأن الرضاع في وقته عرف محرماً في الشرع؛
لما ذكرنا من الدلائل من غير فصل بين ما إذا فطم أو لم يفطم.
(١) قال السيوطي في الدر المنثور ٩١٦.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: إني لصاحب المرأة التي أتى
بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك، فقلت لعمر: لا تظلم. قال: كيف؟ قلت: اقرأ ﴿وحمله
وفصاله ثلاثون شهراً﴾ ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣] كم الحول؟ قال:
سنة. قلت: كم السنة؟ قال: اثنا عشر شهراً. قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان ويؤخر الله من
الحمل ما شاء ويقدم. قال: فاستراح عمر رضي الله عنه إلى قولي.

٧٩
كتاب الرضاع
وَرَوى الحسنُ عَنْ أبي حنيفةً أنه قال: إذا فطم في السنتين حتَّى استغنى بالفطام ثم
ارتضع بعد ذلك في السنتين أو الثلاثين شهراً، لم يكن ذلك رضاعاً؛ لأنه لا رضاع بعد
الفطام، وإن هي فطمته فأكل أكلاً ضعيفاً لا يستغنى به عن الرضاع، ثم عاد فأرضع كما يرضع
أولاً في الثلاثين شهراً، فهو رضاع محرم؛ كما يحرم رضاع الصغير الذي لم يفطم.
ومحتملٌ أن تكون رواية الحسن تفسيراً لظاهر قول أصحابنا، وهو أن الرضاع في المدة
بعد الفطام إنما يكون رضاعاً محرماً إذا لم يَكُنِ الفطام تاماً؛ بأن كان لا يستغني بالطعام عن
الرضاع، فإن استغنى لا يحرم بالإجماع، ويحمل قول النبي وَّر: ((لاَ رَضَاعِ بَعْدَ الفِصَالِ)) على
الفصال المتعارف المعتاد، وهو الفصال التام المغني عن الرضاع(١).
(١) ويمكن تلخيص ذلك فنقول: أن نقول: إن من شرط الرضاع ألا يبلغ الرضيع حولين كاملين يقيناً في
ابتداء الرضعة الخامسة، فلا أثر لرضاع من بلغها، ولو بيسير من الزمن، فإن شك في بلوغه وعدمه -
حرم؛ لأن الشك لا أثر له مع اليقين الذي هو الأصل، وهو بقاء المدة ولو بلغهما في أثناء الرضعة
الخامسة - حرم.
لكفاية ما وجد من هذه الرضعة في الحولين، ويعتبر الحولان بالأهلة؛ فإن انكسر الشهر الأول - تمم
ثلاثين يوماً من الشهر الخامس والعشرين.
والسنة الهلالية، - وهي القمرية - ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً وخمس، وسدس من اليوم، والسنة
الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم، إلاّ جزءاً من ثلاثمائة من اليوم، والفلكيون يعتبرونها
ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً فقط إن كانت بسيطة. وستة وستين إن كانت كبيسة، والسنة العددية ثلاثمائة
وستون يوماً لا تزيد ولا تنقص.
وشرط عدم بلوغ الرضيع حولين كاملين هو مذهب إِمّامنا الشافعي - رضي الله عنه - وهو قول أبي
يوسف، ومحمد - رضي الله تعالى عنهم - أجمعين. وقول الإمام مالك في إحدى روايتين، وبه قال من
الصحابة سيدنا عمر، وابنه، وسيدنا علي وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وأمهات المؤمنين،
سوى سيدتنا عائشة - رضي الله عنهم -، وقال سيدنا مالك - رضي الله عنه - مدته خمسة وعشرون شهراً.
وقال الإمام أبو حنيفة: مدته ثلاثون شهراً، وقال زُفَرُ: مدته ثلاثة أحوال، فهي ستة وثلاثون شهراً، فكل
هؤلاء يشترطون الصغر في الرضاع، غير أنهم قد اختلفوا فيما بينهم في مدته.
وذهب بعض الفقهاء ومنهم الأوزاعي، وداود الظاهري إلى تحريم رضاع الكبير، ونسب هذا أيضاً إلى
الإمام الليث بن سعد، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وقال الجصاص: إنه قول شاذ.
استدل إمامنا الشافعي - رضي الله عنه - ومن وافقه بالكتاب والسنة. وأما الكتاب: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلاَدُهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ فقد جعل الله - تعالى - تمام الرضاع مقدراً بحولين،
وما حدّ في الشرع بغاية - كان حكم ما بعد الغاية مخالفاً له، وحكمه في الشرع هو التحريم في الحولين،
فوجب أن يكون حكم عدم التحريم بعد الحولين.
ونظير هذا القصر، والإقراء في العدة، وأما السنة - فكثيرة: منها: ما رواه الدارقطني، والبيهقي عن
النبي ◌َّرِ قال: ((لاَ رَضَاعَ إلاَّ مَا كَانَ فِي الحَوْلَيْنِ)) المعنى: لا رضاع محرِّم.
ومنها: ما رواه الترمذي وحسّنه ((لاَ رَضَاعَ إلاَّ مَا فَتَقَ الأمْعَاء وَكَانَ قَبْلَ الحَوْلَيْنِ)) فاستفيد من هذين =

٨٠
كتاب الرضاع
الحديثين قصر الرضاع المحرم على ما كان في الحولين؛ فعلم نفي التحريم بعدهما.
ومنها: ما رواه سيدنا جابر - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لاَ رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ وَلاَ يُتْمُّ بَعْدَ
اخْتِلاَم)) رواه أبو داود، والطيالسي في ((مسنده)). وجه دلالة هذا الحديث: أن الفصال ورد في القرآن
مقدراً بحولين قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فوجب الحمل على ما في الآية، دفعاً للمنافاة، ولهذا
أفتى بعض الصحابة بأن أقل مدة الحمل ستة أشهر مستدلاً بهذه الآية، وآيتي ﴿وَحَمْلُه وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ
شَهْراً﴾ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعُنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمِنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرِّضَاعَةَ﴾ .
قال ابن كثير: إن استنباط أن مدة الحمل ستة أشهر من هذه الآيات استنباط قوي صحيح.
روى محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد الله الجهيني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة؛ فولدت
لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان؛ فذكر ذلك له؛ فبعث إليها؛ فلما قامت لتلبس ثيابها بكت
أختها؛ فقالت: ما يبكيك، فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله غيره قط، فيقضي الله في ما يشاء، فلما
أتى بها عثمان أمر برجمها، فبلغ ذلك عليًّا، فأتاه فقال: ما تصنع؟ فقال: ولدت تماماً لستة أشهر، وهل
يكون ذلك؟ فقال له عليّ: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت الله يقول ﴿وَحَمْلُه وَفِصَالُه
ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ وقال ﴿وَفِصَالُه فِي عَامَيْنٍ﴾ فلم نجد قد بقي إلا ستة أشهر؟ !! فقال عثمان: والله ما فطنت
لهذا، عليَّ بالمرأة. قال: فوجدوها قد فرغ منها.
وفهم عبد الله بن عباس ذلك أيضاً من عمر - رضي الله عنه - أنه جيء بامرأة وضعت لستة أشهر، فشاور
في رجمها، فقال ابن عباس: إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم. ثم ذكر هاتين الآيتين.
واستدل أبو حنيفة - رضي الله عنه - بقوله - تعالى -: ﴿وَحَمْلُهْ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ إذ ليس المراد
بالحمل حمل الأحشاء، لأنه يكون في سنتين، بل المراد من الحمل الحمل على الكف، وهو عبارة عن
مدة الرضاع.
ورد بأن هذا خلاف الظاهر من الكتاب، وبمعارض بما قال أجلاء الصحابة - رضي الله عنهم - فقد تقدم
أن الإمام عليًّا - كرم الله وجهه - وسيدنا ابن عباس قالا: المراد بالحمل: حمل البطن من غير نكير.
واستدل زُفَرُ بن الهذيل بالكتاب والسنة، أما الكتاب - فقوله تعالى: ﴿وَأَمَّهَاتُكُمُ اللأَّتِي أَرْضَعْنُكُمْ﴾ والآية
مطلقة ليس فيها تقييد بالحولين.
وأما السنة: فقول النبي ◌َّ: ((الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ)) فإنها سن يعتد فيها بالرضاع - واللبن يسد فيها
جوعته وأجيب بأن الإطلاق الذي في الآية مقيد بما تقدم في الأحاديث الدالة على اعتبار الحولين فقط،
على أنه إذا سلم الإطلاق، فما دليله على التقييد بما يدعيه، وهو ثلاث سنين؟ وأجيب عن الحديث بأن
عمومه مخصوص بما تقدم أيضاً.
وقوله: إنها سن يعتد فيها بالرضاع ... الخ منقوص بالشهر السابع والثلاثين؛ لأن الطفل يتغذى فيه باللبن
أيضاً، ولم يثبت بالرضاع فيه تحريم، وحيث ثبت أن الصغر في الاعتداد بالرضاع، وتحريمه شرط - فلا
فرق بين أن يستغني الرضيع بالطعام عن اللبن، أم لا .
وقال سيدنا مالك - رضي الله عنه -: إنما يثبت التحريم بالرضاع؛ إن لم يستغنِ عن اللبن بالطعام.
ورد بأن التقدير بالحولين يقتضي الاعتداد بالزمن من غير نظر إلى غيره؛ وبأن تعليقه بالحولين علم من
طريق النص، وتقييد الحكم بعدم الاستغناء بالطعام علم من الاجتهاد، وتعليق الحكم بالنص أولى من
تعليقه بالاجتهاد، وأيضاً فإن اعتبار الحولين فُهِمَ من عموم النص والاستغناء بالطعام خاصٌّ والتعميم =