النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب اللعان وقال - عليه الصلاة والسلام -: = (أَيُمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ عَلَى قَوْمِ، لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ. وَكُلُّ عَيْنِ زَانِيَةٌ)). جعل الخروج المغري بالزنا زناً، حكماً على المقدمة بحكم النتيجة، وتسميته لإحداهما باسم الأخرى. النظر: وقد ورد في النظر قول النبي مَلّه: (لَتَغُضُّننَّ أَبْصَارَكُمْ وَلَتَحْفَظُنَ فُرُوجَكُمْ أَوْ ليكفنَّ الله وُجُوهَكُمْ)) وقال: ((الْعَيْنان تَزْنِيَانُ وَالرِّجْلانُ تَزْنِيَانُ وَالْفَرْجُ يَزْنِي)) وليس كل نظر محرماً، فالنظر الفجائي، لا شيء فيه إذا حرف الناظر بصره مسرعاً؛ فإن أطال كان آثماً. وكذلك النظر إلى الوجه والكفين لا شيء فيه، ما لم يترتب عليه فتنة؛ فإنه يحرم. الخلوة : كما ورد في الخلوة بوجه خاص أن رسول الله وَالقر قال: (لاَ يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِيٍ مخرِمٍ» . وإذا ورد في بعض الطرق نهى الرجل عن الخلوة بامرأة ابنة مع كونه محرماً؛ فكيف بمن ليس بمحرم؛ كزوج الأخت؛ فلا يحل له الخلوة بأخت امرأته، ولا بعمتها، ولا بخالتها، بل ولا بأم امرأته، وإن كان لا يحل له التزوج بها ما دامت الخلوة تجر إلى الفساد، وتهدم العفاف، ومكارم الأخلاق. الاختلاط: إذا حرمت الخلوة، والنظر - وجبت الحجاب، وحرم السفور، فلا نزاع في حرمة اختلاط النساء بالأجانب من الرجال. قال الإمام علي - كرم الله وجهه -: ((أكفف أبصارهن بالحجاب؛ فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب)). وقالت عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -: ((من شقوتنا أن الله قدمنا عند ذكر الشهوات)). وعن فاطمة الزهراء - رضي الله عنها -: ((أصلح شيء للمرأة ألاَّ ترى رجلاً، ولا يراها رجل)). ولا شك أن الاختلاط من أهم العوامل في فساد الأخلاق، واختلال نظام الأسر، وما ترى ونسمع ونقرأ في الصحف السيئات كل يومٍ من الحوادث التي يندى لها جبين الحر، ويحمر منها وجه الإنسانية، وتخجل منها الفضيلة ليس إلا من اختلاط ربات الحدود بالخدم وسائقي السيارات وغيرهم. تلك الحوادث التي تكفي واحدة منها لإلقام دعاة السفور وأخدان الرذيلة حَجَراً،، لو كانوا يعقلون. وتكفي لزجر الناس عن أن يسمحوا لأجنبي مطلقاً من الدنو من النساء. والحق أقول: لا يمكن أن تقوم للشعوب الإسلامية مدنية، أو يعود لهم مجد إلّ على أساس الدين الحنيف، وخلق السلف الصالح؛ فإن فاتهم هذان الأمران، أو أحدهما - فليثقوا تمام الثقة أنه لا مجد، ولا مدينة، ولا استقلال، ولا حرية، بل ولا نصر، ولا تقدم يلحقهم ما داموا غير متمسكين بتعاليم دينهم، وجعلوها دبر آذانهم، وخلف ظهورهم. وفي هذا المعنى يقول المغفور له أمير الشعراء: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا. ٤٢ كتاب اللعان وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي المْرَأَةِ إِذَا وُطِئَتْ بشبهةٍ ثم قَذَفَهَا زوجُها أنه لا يجب عليه اللعان، ولو قذفها أجنبيٍّ لا يجب عليه الحدُّ؛ لأَنها وطئت وطأَ حراماً فَذَهَبَتْ عِقَّتُهَا، ثم رجع أبو يوسف وقال: يَجِبُ بقذفِها الحدُّ واللعانُ؛ لأنَّ هذا وطء يتعلق به ثبوتُ النسبِ ووجوبُ المهرِ، فكان كالموجود في النكاحِ، فلا يُزيل العفّةً عن الزنا. والجواب: أَن الوطءَ حرامٌ لعدم النكاح، إنما الموجود شبهة النكاح، (فكان ينبغي) أن يجب الحد عليها إلا أنه سقط للشبهة، فلأن يسقط الحد واللعان عنِ القاذفِ لمكان الحقيقة أولى. وَأَمَا الذي يرجع إليهما جميعاً فهو: أن يكونا زوجين حُرَّيْنٍ عاقلين بالغين مسلمين ناطقين غير محدودين في القذف(١) أما اعتبار الزوجية فلأنَّ الله - تبارك وتعالى - خَصَّ اللعان (١) قالت المالكية اللعان يكون في كل زوجين حرّين كانا أو عبدين، مؤمنين أو كافرين، فاسقَين أوعَذْلَين. وبه قال الشافعيّ. ولا لعان بين الرجل وأمته، ولا بينه وبين أمّ ولده. وقيل: لا ينتفي ولد الأمة عنه إلا بيمين واحدة؛ بخلاف اللعان. وقد قيل: إنه إذا نفى ولدَ أَمَّ الولد لاعن. والأول تحصيل مذهب مالك وهو الصواب. وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين؛ وذلك لأن اللعان عنده شهادة، وعندنا وعند الشافعي يمين، فكلّ من صحت يمينه صح قذفه ولعانه. واتفقوا على أنه لا بد أن يكونا مكلّفَيْن. وفي قوله: ((وجد مع امرأته رجلاً)). دليل على أن الملاعنة تجب على كل زوجين؛ لأنه لم يخص رجلاً من رجل ولا امرأة من امرأة، ونزلت آية اللعان على هذا الجواب فقال: ﴿والذين يَزْمون أزواجهم﴾ ولم يخص زوجاً من زوج. وإلى هذا ذهب مالك وأهل المدينة؛ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثَوْر. وأيضاً فإن اللعان يوجب فسخ النكاح فأشبه الطلاق؛ فكل من يجوز طلاقه يجوز لعانه. واللعان أيمان لا شهادات؛ قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿لَشَهَادَتُنا أَحَقُّ مِن شهادتِهما﴾ [المائدة: ١٠٧] أي أيماننا. وقال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لرَسُولُ الله﴾ [المنافقون: ١]. ثم قال تعالى: ﴿اَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةٌ﴾ [المجادلة: ١٦]. وقال عليه السلام: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)). وأما ما احتج به الثوري وأبو حنيفة فهي حجج لا تقوم على ساق؛ منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله وَله: ((أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان وليس بين الحرة والعبد لعان وليسٍ بين المسلم واليهودية لعان وليس بين المسلم والنصرانية لعان)). أخرجه الدَّارَقُطْنِيَ من طرق ضعفها كلَّها. وروي عن الأوزاعي وابن جريج وهما إمامان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قوله، ولم يرفعه إلى النبي وَّةٍ. واحتجوا من جهة النظر أن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله: ﴿ولم يكن لهم شُهَدَاءُ إلاَّ أنْفُسُهُمْ﴾ وجب ألا يلاعن إلا من تجوز شهادته. وأيضاً فلو كانت يميناً ما رُدّدت، والحكمة في ترديدها قيامها في الأعداد مقام الشهود في الزنا. قلنا: هذا يبطل بيمين القَسَامة فإنها تكرر وليست بشهادة إجماعاً والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء. قال ابن العربي: والفَيصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدّعي في الشريعة أن شاهداً يشهد لنفسه بما يوجب حكماً على غيره! هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر. ينظر: تفسير القرطبي (١٢٤/١٢، ١٢٥). ٤٣ كتاب اللعان بالأَزواج بقولِهِ - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ [النور: ٦] وأنه حكم ثبت تَعَبُّداً غير معقول المعنى فيقتصر على مورد التعبد، وإنما ورد التعبدُ به في الأزواج فيقتصر عليهم. وعلى هذا قال أصحابنا: أَنَّ مَنْ تزوج امرأة نكاحاً فاسداً، ثم قذفها، لم يلاعنها لعدم الزوجية، إذ النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة. وقال الشافعيُّ: يلاعنُها إذا كان القذف بنفي الولد، لأن القذف إذا كان بنفي الولد تقع الحاجةُ إلى قطعِ النسبِ، والنسبُ يثبتُ بالنكاحِ الفاسدِ كما يثبتُ بالنكاحِ الصحيحِ، فيشرع اللعان لقطعٍ النسب. والجواب: أنَّ قَطْعَ النسبِ يكونُ بعد الفراغ من اللعان، ولا لعان إلا بعد وجوبه، ولا وجوب لعدم شرطِهِ وهو الزوجيةُ، ولو طَلَّقَ امرأتَهُ طلاقاً بائناً أو ثلاثاً، ثم قذفها بالزنا، لا يجبُ اللعانُ لعدم الزوجية لِبطلانها بالإِبانة والثلاثِ، ولو طلقها طلاقاً رجعياً، ثم قذفها، يجبُ اللعان؛ لأَن الطلاق الرجعي لا يبطلُ الزوجيةَ، ولو قذف امرأته بزناً كان قبل الزوجية، فعليه اللعان عندنا، وعند الشافعيِّ عليه حَدِّ القذفِ، واحتجَّ بآيةِ القذفِ وهي قولهُ - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُخْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةٌ﴾ [النور: ٤]. ولنا: آيَةُ اللعان، وهي قولهُ - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ أَزْوَاجَهْمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله ... ﴾ [النور: ٦] من غيرِ فصلٍ بين ما إذا كان القذفُ بزنا بعد الزوجية أو قبلها. والدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهِ قَذَفَ زَوْجَتَهُ أَنَّ أَضَافَ القذف إِليها وِهِي للحال زوجته إلا أنه قذفها بزنا متقدم، وبهذا لا تخرج من أن تكون زوجتَهُ في الحالِ؛ كما إذا قذف أجنبية بزناً متقدم حتى يلزمه(١) القذفُ؛ كذا ههنا. وأمَّا آيَةُ القذف فهي متقدمةٌ على آيةِ اللعان، فيجب تخريجها على التناسخ، فينسخ الخاصُّ المتأخرُ العامَّ المتقدمَ بقدره عند عامة مشايخنا، وعنده يقضي العامُّ على الخاصِ بطريقٍ التخصيصٍ على ما مَرَّ. ولو قذف امرأتهُ بعدَ موتها لم يلاعن عندنا. وعند الشافعي: يلاعن على قبرها. (١) في أ: يجب. ٤٤ كتاب اللعان واحتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عزَّ وجلَّ - في آيَةِ اللُّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾(١) [النور: ٦] من غير فصلٍ بين حال الحياة والموت. ١٢٦ ب ولنا: قولهُ - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ / الآية [النور: ٦] خصَّ - سبحانه وتعالى - اللعانَ بالأزواج، وقد زالت الزوجية بالموتِ، فلم يوجد قذفٌ للزوجة، فلا يجب اللعان، وبه تبين أن الميتةَ لَم تدخلْ تحتَ الآيةِ؛ لأنَّ الله - تعالى - أوْجَبَ هذه الشهادة بقذف الأزواج بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ [النور: ٦] وبعد الموت لم تبق زوجة له. وأمَّا اعتبارُ الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والنطق وعدم الحد في القذف فالكلامُ في اعتبار هذه الأوصاف شرطاً لوجوبِ اللعان - فرعُ للكلام في معنى اللعان وما يثبته شرعاً، وقد اختلف فيه، قال أصحابنا: أنَّ اللعان شهادةٌ مؤكدة بالأَيْمَانِ مقرونة باللعن وبالغضب، وأنه في جانب الزوج قائمٌ مقامَ حَدِّ القذف، وفي جانبها قائمٌ حدِّ الزنا. وقال الشافعيُّ: اللِّعَانُ أَيْمَانٌ بلفظ الشهادة مقرونةٌ باللعن والغضب، فكلُّ من كان من أهل الشهادة واليمينٍ، كان من أهل اللعان، ومَنْ لا فلا عندنا، وكلُّ من كان من أهل اليمينِ فهو مِنْ أهلِ اللعان عنده، سواء كان من أهل الشهادة أو لم يكن، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ من أهلَ الشهادة [ولاً من أهل](٢) اليمين، لا يكون(٣) من أهل اللعان [بالإجماع](٤) احتجَّ الشافعيُّ بقوله - تعالى - في تفسير اللعان: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله﴾ [النور: ٦] فَسَّرَ الله - تعالى - اللعان بالشهادة بالله، والشهادةُ بالله يمينّ. ألاَ تَرَى أن من قال: أَشْهَدُ بالله، يكون يميناً، إِلاَّ أنه يمينٌ بلفظِ الشهادةِ؛ ولأن اللعان لو كان شهادة لما قرنه بذكر اسم الله - تعالى -؛ لأن الشهادة لا تفتقرُ إلى ذلك، وإنما اليمينُ هي التي تفتقر إليه؛ ولأنه لو كان شهادة لكانت شهادة على النصفِ من شهادَةِ الرجلِ؛ كما في سائر المواضع التي للمرأة فيها شهادةٌ، فينبغي أن تشهد المرأة عشر مرات، فلما لم يَكُن ذلك دَلَّ أنه ليس بشهادة. والدليلُ على أنه يمينٌ ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ الله وَلي (٥) لما فرق بين المتلاعنين وكانت المرأة حبلى فقال لها: ((إِذَا وَلَذْتِ وَلَدَأَ فَلاَ تُرْضِعِيهِ حَتَّى تَأْتِينِي بِهِ) فلما انصرفُوا عنه قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنْ وَلَدَتْهُ أَحْمَرَ مِثْلَ الدبسِ(٦)، فَهُوَ يُشْبِهُ أَبَاهُ الَّذِّ نَفَاهُ، وإِنْ وَلَدَتْهُ أَسْوَدَ أَدْعَجَ جَعداً قَطَطاً، يُشْبِهُ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ)) فلما وضعت وأتتْ به رسولَ الله وَلَه نظر إليه فإذا هو أسود أدعج (١) في ط: ((فشهادة أحدهم)). (٢) سقط من ط. (٣) في ط: كان. (٤) سقط من ط . (٥) في أ: أنه لما. (٦) في أ: الدنس. ٤٥ كتاب اللعان جعدٌ قططْ على ما نَعَتَهُ رسولُ اللهِوَّ فِقال ◌َِّ: ((لَوْلاَ الأَيْمَانُ الَّتِي سَبَقَتْ لَكَانَ لِي فِيهَا رَأْيّ))(١) . وفي بعض الروايات: ((لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ)(٢) فقد سمى ◌ََّ اللَّعَانَ أيماناً لا شهادة، فَدَلَّ أنه يمينٌ لا شهادة. ولنا: قولهُ - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله ... ﴾ [النور: ٦] والاستدلالُ بالآية الكريمة من وجهين: أحدهما أنه - تعالى - سمى الذين يرمون أزواجهم شهداء، لأنه استثناهم من الشهداء بقوله - تعالى -: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] والمستثنى من جنس المستثنى منه . والثاني أنه سمى اللعان شهادة نصّاً بقولِهِ - عزَّ وجلَّ -: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بالله﴾ [النور: ٦] وَالخَامَسةَ أي: الشهادة الخامسة، وقال - تعالى - في جانبها: ﴿وَيَدْرَأَ عَنْهَا العَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ [النور: ٨] والخَامِسة أي: الشهادة الخامسة، إلا أنه - تعالى - سماه شهادة بالله تأكيداً للشهادة باليمين، فقوله: أشهد، يكون شهادة، وقوله: بالله، يكون يميناً، وهذا مذهبُنَا أنه شهاداتٌ مؤكدةٌ بالأَيْمَانِ، وهو أَولَى مما قاله المخالِفُ؛ لأنه عملٌ باللفظين في معنيين، وفيما قاله حمل اللفظين على معنى واحدٍ، فكان ما قلناه أولى. والدليل على أنه شهادة أنَّهُ شَرَطَ فيه لفظ الشهادة وحضرة الحاكم. وأما قولُهُ: لو كان شهادة لَكَانَ في حقِّ المرأة على النصفِ من شهادةِ الرجلِ، فنقول: هو شهادةٌ مؤكدةٌ باليمينٍ، فيراعى فيه معنى الشهادة ومعنى اليمين، وقد راعينا معنى الشهادة فيه باشتراط لفظةِ الشهادة، فيراعى معنى اليمين بالتسوية بين الرجل والمرأة في العددِ؛ عملاً بالشبهين جميعاً، ولا حجة له في هذا الحديث؛ لأنه رُوِي في بعض الروايات: (لَوْلاَ مَا مَضَى مِنَ الشَّهَادَاتِ))، وهذا حجةٌ عليه حيث سماه شهادة، ثم نقول بموجبه أنه يمين، لكن هذا لا ينفي أن يكون شهادة فهو شهادة مؤكدة باليمين، والله - تعالى - الموفق. إذا عرف هذا الأصل تخرج عليه المسائل: أما اعتبار العقل والبلوغ فلأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الشهادة واليمين، فلا يكونان من أهل اللعان بالإِجماع، وأمَّا الحريةُ: فالمملوك ليس من أهلِ الشهادة، فلا يكون من أهل اللعان بالإجماع. (١) تقدم تخريجه من حديث ابن عباس. (٢) تقدم تخريجه. ٤٦ كتاب اللعان وَأمَّا الإِسلامُ: فالكافر ليس من أهل الشَّهادة على المسلم، وإن كان المسلم من أهل ١٢٧ أ الشهادة على الكافر، وإذا كانا كافرين، فالكافر/ - وإن كان من أهل الشهادة على الكافر - فليس من أهل اليمين بالله - تعالى -؛ لأنه ليس من أهل حكمها وهو الكفارة؛ ولهذا لم يصح ظهار الذمي عندنا، واللعان عندنا، شهاداتٌ مؤكدة بالأيْمَانِ، فمن لا يكون من أهل اليمين لا يَكُونُ من أهل اللعان. وَأَمَّا اعتبارُ النطق؛ فلأن الأخرس(١) لا شهادة له؛ لأنه لا يتأتى منه لفظة الشهادة؛ ولأن القذف منه لا يكون إلا بالإشارة، والقذف بالإشارة يكون فى معنى القذف بالكتابة، وأنه لا يوجب اللعان؛ كما لا يوجب الحد؛ لما نذكره في ((الحدود))، إن شاء الله - تعالى -. وأمَّا المحدود في القذفِ فلا شهادة له؛ لأن الله - تعالى - رَدَّ شهادته على التأبيد، ولا يلوم على هذا الأصل قذفُ الفاسق والأعمى، فإنه يوجب اللعان ولا شهادة لهما؛ لأن الفاسق له شهادة في الجملة، ولهما جميعاً أهلية الشهادة. ألاَ تَرَى أن القاضى لو قضى بشهادتهما جاز قضاؤه، ومعلومٌ أنه لا يجوز القضاء بشهادة مِنْ لَيْسَ من أهل الشهادة؛ كالصبي والمجنون والمملوك، إلاّ أنه لا تقبل شهادة الأعمى في سائر المواضيع؛ لأنه لا يميز بين المشهودِ له والمشهود عليه، لا لأنه ليس من أهل الشهادة، ثم هذه الشرائطُ كما هي شرطُ وجوب اللعان فهي شرطُ صحةِ اللعانِ وجوازه حتى لا يجري اللعان بدونها . وعند الشافعي يجري اللعان بين المملوكين والأخرسين والمحدودين في القذف؛ لأن هؤلاء من أهل اليمين، فكانوا من أهل اللعان؛ وكذا بين الكافرين؛ لأنَّ يمين الكافر صحيحة عنده، لأنه(٢) من أهل الإعتاق والكسوة والإطعام، ولهذا قال: يجوز ظهار الذميِّ، وعلى هذا [الأصل)(٣) يخرج قول أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما إذا التعنا عند الحاكم ولم يفرّقْ بينهما حتى عُزِلٍ أو مات، فالحاكم الثاني يستقبل اللعان بينهما، لأن اللعان لما كان شهادة، فالشهود إذا شهدوا عند الحاكم فمات أو عُزل قَبْلَ القضاء بشهادتهم، لم يعقد الحاكم بتلك الشهادة، وعند محمدٍ : لا يستقبل اللعان. (١) واختلف العلماء في ملاعنة الأخرس؛ فقال مالك والشافعيّ: يلاعن؛ لأنه ممن يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه، إذا فُهم ذلك عنه. وقال أبو حنيفة: لا يلاعن؛ لأنه ليس من أهل الشهادة، ولأنه قد ينطق بلسانه فينكر اللعان، فلا يمكننا إقامة الحدّ عليه. ينظر: تفسير القرطبي (١٢٥/١٢). (٢) في ط: لا. (٣) سقط من ط . ٤٧ كتاب اللعان وقولهُ: لا يخرج على هذا الأصل ولكن الوجه له أن اللعان قائمٌ مقامَ الحدَّ، فإذا التعنا فكأنه أقيم الحد، والحدُّ بعد إقامته لا يؤثر فيه العزل والموت. والجواب أن حكم القذف لا يتناهى إلا بالتفريق فيؤثر العزل والموت قبله، ثم ابتداء الدليل لنا في المسألة ما رُوِيَ عن رسول الله وَّرِ أنه قال: ((أَرْبَعَةٌ لاَ لِعَانْ بَيْتَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ، لاَ لِعَانَ بَيْنَ المُسْلِمِ وَالكَافِرَةِ، والعَبْدِ وَالحُرَّةِ، والحُرِّ وَالأَمَةِ، والكَافِرِ وَالمُسْلِمِةِ))(١) وصورته الكافر أسلمت زوجته فقبل أن يُعرض الإِسلامُ على زوجها قذفها بالزنا. ولنا أصلٌ آخر لتخريج المسائل عليه، وهو إنَّ كلَّ قذف لا يوجب الحد لو كان القاذف أجنبياً لا يوجب اللعان إذا كان القاذف زوجاً؛ لأنَّ اللعانَ موجبُ القذف في حقٌ الزوج؛ كما أنَّ الحدَّ موجب القذف في الأجنبي، وقذف واحد ممن ذكرنا لا يوجبُ الحد لو كان أجنبياً، فإذا كان زوجاً لا يوجب اللعان وابتداء ما يحتج به الشافعيُّ عموم آية اللعان إلاَّ من خص بدليل، ولا حجة له [في الآية](٢)؛ لأنَّ الله - تعالى - سمى ﴿الذين يرمون أزواجهم﴾ شهداء في آية اللعان، واستثناهم من الشهداء المذكورين في آية القذف، ولم [يدخل واحدٌ](٣) ممن ذكرنا في المستثنى منهم؛ فكذا في المستثنى؛ لأن الاستثناء استخراج من تلك الجملة وتحصيل منها . (١) أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٧٠) كتاب الطلاق: باب اللعان حديث (٢٠٧١) والدارقطني (١٦٣/٣ - ١٦٤) كتاب الحدود: حديث (٢٤٠) والبيهقي (٣٩٦/٧ - ٣٩٧) كتاب اللعان: باب من يلاعن من الأزواج ومن لا يلاعن، من طريق عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌ّلو قال: أربع من النساء لا ملاعنة بينهن: النصرانية تحت المسلم واليهودية تحت المسلم والحرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر. وقال البوصيري في ((الزوائد» (١٣٦/٢): هذا إسناد ضعيف ابن عطاء اسمه عثمان بن عطاء متفق على تضعيفه ا هـ. لكنه توبع تابعه یزید بن زريع. أخرجه البيهقي (٣٩٦/٧ - ٣٩٧). ويزيد ضعيف جداً. وقال البيهقي: وعطاء الخراساني أيضاً غير قوي. وقد توبع أيضاً تابعه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي. أخرجه الدار قطني (١٦٤/٣) والبيهقي (٣٩٧/٧) وعثمان متروك. وللحديث متابعات أخرى عند الدار قطني والبيهقي وضعفاها. (٢) في ط: فيها. (٣) في أ: يوجد. ٤٨ كتاب اللعان وأما الذي يرجع إلى المقذوف به والمقذوف فيه ونفس القذف فنذكره في ((كتاب الحدود))، إن شاء الله - تعالى -. فصل فيما يظهر به الوجوب عند القاضي وأما بيان ما يظهر به سبب وجوب اللعان، وهو القذف - عند القاضي، فسبب ظهور القذف نوعان. أحدهما: البينةُ؛ إذا خاصمت المرأة فأنكر القذف، والأفضلُ للمرأة أن تترك الخصومة والمطالبة لما فيها من إشاعة الفاحشة؛ وكذا تركها من باب الفضل والإكرام، وقد قال الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فإن لم تترك وخاصمته إلى القاضي يستحسن للقاضي أن يدعوهما إلى الترك، فيقول لها: اتركي واعرضي عن هذا؛ لأنه دعاء إلى ستر الفاحشةِ، وأنه مندوب إليه، فإن تركت وانصرفت ثم بَدًا لها أن تخاصمه، فلها ذلك، وإن تقادم العهد؛ لأن ذلك حَقّها، وَحَقُّ العبد لا يسقط بالتقادُمِ . فإن خاصمته وادعت عليه أنه قذفها بالزنا، فجحد الزوجُ، لا يقبل منها في إثبات القذف إلا بشهادة رجلين عَذْلَيْنِ، ولا تقبل شهادة النساء، ولا الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي؛ كما لا يقبل في إثبات القذف على الأجنبي؛ لأنَّ اللعان قائمٌ مقامَ حد القذف وأسباب ١٢٧ ب الحدود، ولا / يقبل إثباتها شهادة النساء على النساء، ولا الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي، لتمكن زيادة شبهة ليست في غيرها، والحدودُ تُذْرَأُ بالشبهات. والثاني: الإِقرارُ بالقذفِ، وشرطُ ظهورِ القذف بالبينةِ والإِقرارِ هو الخصومة والدعوى؛ لما نذكر ((كتاب الحدود)» إن شاء الله - تعالى -. فصل فيما يسقط اللعان بعد وجوبه وأما بيان ما يسقط اللعان بعد وجوبه، وبيان حكمه إذا سقط أو لم يجب أصلاً فنقول، وبالله التوفيق: كلُّ ما يمنع وجوب اللعان إذا اعترض بعد وجوبه يسقطه(١) كما إذا جُنا (٢) بعد القذف، أو جن أحدُهما، أو ارتدًا، أو ارتدَّ أحدُهما، أو خرسا، أو خرس أحدُهما، أو قذف أحدُهما إنساناً فحُدَّ حَدَّ القذفِ، أو وطئت المرأة وطئاً حراماً، فلا يجبُ عليه الحدُّ؛ وكذا إذا أبانها بعد القذف، فلا حد ولا لعان. (١) في ط يسقط. (٢) في ط: جنى. ٤٩ كتاب اللعان أما عدمُ وجوبِ الحدِّ؛ فلأن القذف أوجب اللعان فلا يوجب الحد، وَأمَّا عدم وجوب اللعان فلزوالِ الزوجية، وقيامُ الزوجية شرطُ جريان اللعان؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - خَصَّ اللعان بالأزواج، ولو طلقها طلاقاً رجعياً لا يسقط اللعان؛ لأن الطلاق الرجعي لا يبطل الزوجية . ولو قال لها: يا زانية أنت طالقٌ ثلاثاً، فلا حَدَّ ولا لعان؛ لأن قوله: يا زانية، أوجب اللعان لا الحد؛ لأنه قذف للزوجة، ولما قال: أنت طالقٌ ثلاثاً، فقد أبطل الزوجية واللعان لا يجري في غير زواج. ولو قال لها: أنت طالقٌ ثلاثاً يا زانية، يجب الحدُّ ولا يجب اللعان؛ لأنه قذفها بعد الإبانة وهي أجنبيةٌ بعد الإِبانةِ، وقَذْفُ الأجنبية يوجب الحدَّ لا اللعان. ولو أكذب الزوج نَفْسَه سَقَطَ اللعان؛ لتعذر الإتيان به؛ إذ مِنَ المحال أن يؤمر أن يشهد بالله إنه لمن الصادقين، وهو يقول: إنه كاذب، ويجب الحدُّ لما نذكر في ((كتاب الحدود)) إن شاء الله - تعالى -. ولو أكذبت المرأة نَفْسَهَا في الإنكار وَصَدَّقَتِ الزوج في القذف، سَقَطَ اللعانُ؛ لما قلنا(١)، ولا حد لما نذكر إن شاء الله - تعالى -، ولو لم ينعقد القذف موجباً للعان أصلاً؛ لفوات شرط من شرائط الوجوب، فهل يجب الحدّ؟ فمشايخنا أصلوا في ذلك أصلاً، فقالوا: إن كان عدم وجوب اللعان أو سقوطه بعد الوجوب لمعنى من جانبها، فلا حد ولا لعان، وإن كان القذف صحيحاً، وإن كان لمعنى من جانبه فإن لم يكن القذف صحيحاً فكذلك، وإن كان صحيحاً يحد. وعلى هذا الأصل خرَّجوا جنس هذه المسائل فقالوا: إذا أكذب نَفْسَهُ يُحَدُّ، لأن سقوط اللعان لمعنى من جانبه، وهو إكذابه نفسه، والقذف صحيحٌ؛ لأنه قذف عاقل بالغ فيجب الحد، ولو أكذبت نَفْسَهَا في الإنكار وصدقت الزوجَ في القذف، فلا حد ولا لعان، وإن كانت على صفة الالتعان؛ لأنَّ سقوطَ اللعان لمعنى من جانبها وهو إكذابها نفسها، ولو كانتِ المرأة على صفة الالتعان والزوج عبدٌ، أو كافرٌ، أو محدودٌ في قذف، فعليه الحدُّ؛ لأَن قذفها قذف صحيح، وإنما سقط اللعان لمعنى من جهته، وهو أنه على صفة لا يصح منه اللعان، ولو كان الزوج صبيّاً أو مجنوناً، فلا حد ولا لعان. وإِن كانت المرأةُ على صفة الالتعان؛ لأن قذف الصبي والمجنون ليس بصحيح، ولو (١) في أ: بيّنا. بدائع الصنائع ج٥ - م٤ ٥٠ كتاب اللعان كان الزوج حرّاً عاقلاً بالغاً مسلماً غير محدودٍ في قذفٍ، والزوجة لا بصفة الالتعان بأنْ كانت كافرةً، أو مملوكةً، أو صبيةً، أو مجنونةً، أو زانيةً، فلا حد على الزوج ولا لعان؛ لأن قذفها لیس بقذف صحیح. ألاَ ترى أن أجنبياً لو قذفها لا يُحَدُّ، ولو كانت المرأة مسلمة حرة عاقلة بالغة عفيفة إلا أنها محدودةٌ في القذف، فلا حد ولا لعان؛ لأنَّ القذفَ وإن كان صحيحاً لكن سقوط اللعان لمعنى من جانبها، وهو أنها ليست من أهل الشهادة، فلا يجب اللعان ولا الحد كما لو صدقته، وإن كان كلُّ واحدٍ من الزوجين محدوداً في قذف، فقذفها، فعليه الحدُّ؛ لأنَّ القذف صحيحٌ، وسقوط اللعان لمعنى في الزوج، ولا يقال إنه سقط لمعنى في المرأة بدليل أن الزوج لو لم يكن محدوداً والمرأة محدودة لا يجب اللعان لاعتبار جانبها، وإن كان السقوط لمعنى من جانبها فينبغي أن لا يجب اللعان ولا الحد، لأنَّا نقولُ: القذفُ الصحيحُ إنما تعتبر فيه صفات المرأة إذا كان الزوج من أهلِ اللعان، فأما إذا لم يكن من أهلِ اللعانِ لا تعتبر وإنما تعتبر صفات الزوج فيعتبر المانع بما فيه، لا بما فيها، فكان سقوط اللعان لمعنى في الزوج بعد صحة القذف فيحد، والله - عزَّ وجلَّ - أعلم. فصل في حكم اللعان وأما حكم اللعان، فالكلام في هذا الفصل في موضعين: أحدهما في بيان حكم اللعان. والثاني في بيان ما يبطل حكمه. أما بيانُ حكم اللعان: فللعان حكمان، أحدهما أصلي، والآخر ليس بأصليّ، أما الحكم الأصلي للعان فنذكر أصل الحكم ووصفه. ١١٢٨ أما الأول فنقول/ اختلف العلماء فيه، قال أصحابنا الثلاثة: هو وجوب التفريق ما داما على حالِ اللعانِ، لا وقوع الفرقة بنفسٍ اللعان من غير تفريق الحاكم، حتى يجوز طلاق الزوج وظهاره وإيلاؤه، ويجري التوارث بينهما قبل التفريق(١). (١) قال مالك وأصحابه: وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنّيْن، فلا يجتمعان أبداً ولا يتوارثان، ولا يحل له مراجعتها أبداً لا قبل زوج ولا بعده؛ وهو قول الليث بن سعد وزُفَر بن الهُذَيل والأوزاعِيّ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما؛ وهو قول الثوري؛ لقول ابن عمر: فرّق رسول الله وَّ بين المتلاعنّين؛ فأضاف الفرقة إليه، ولقوله عليه السلام: ((لا سبيل لك عليها)). وقال الشافعيّ: إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته، = ٥١ كتاب اللعان وقال زُفرُ والشافعيَّ: هو وقوع الفرقة بنفس اللعان، إلاَّ أن عند زُفَرُ لا تقع الفرقة ما لم يَلْتَعِنَا . وعند الشافعيّ: تقع الفرقة بلعان الزوج قبل أن تلتعن المرأة. وجه قول الشافعي: أن الفرقة أمرٌ يختص بالزوج، ألاّ ترى أنه هو المختص بسبب الفرقة فلا يقف وقوعها على فعل المرأة كالطلاق. واحتج زُفَرُ بما رُوِي عن رسولِ اللهِ وَّرَ أنه قال: (المُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَدا)»(١) وفي بقاء النكاح اجتماعهما، وهو خلافُ النصّ. ولنا: ما رَوَى نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً لاعن امرأته في زمنٍ رسولِ الله ◌َّ وانتفَى مِنْ ولدها، ففرق النبيُّ نَّه بينهما، وَالْحَقّ الولد بالمرأة. وعن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - أن النبيَّ وَّ لما لاعن بين عاصم بن عدي وبين امرأته فرق بينهما، وروي أن رسولَ الله وَّه لاعن بين العجلانيّ وبين امرأته، فلما فرغا من اللعان فرق بينهما، ثم قال - عليه الصلاة والسلام -: ((الله يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ(٢)، فَهَلْ التعنت أو لم تلتعن. قال: وأما التعان المرأة فإنما هو لدرء الحدّ عنها لا غير؛ وليس لالتعانها في زوال = الفراش معنىً. ولما كان لعان الزوج ينفي الولد ويسقط الحدّ رُفع الفراش. وكان عثمان الْبَتِّ لا يرى التلاعن ينقص شيئاً من عصمة الزوجين حتى يطلّق. وهذا قول لم يتقدمه إليه أحد من الصحابة؛ على أن البَتي قد استحب للملاعن أن يطلّق بعد اللعان، ولم يستحسنه قبل ذلك؛ فدلّ على أن اللعان عنده قد أحدث حكماً. وبقول عثمان قال جابر بن زيد فيما ذكره الطبري، وحكاه اللّخْمِيّ عن محمد بن أبي صُفْرة. ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة. واحتج أهل هذه المقالة بأنه ليس في كتاب الله تعالى إذا لاعن أو لاعنت يجب وقوع الفرقة، ويقول عُوَيْمِر: كذبتُ عليها إن أمسكتُها؛ فطلّقها ثلاثاً، قال: ولم ينكر النبي ◌َّر ذلك عليه ولم يقل له لم قلت هذا، وأنت لا تحتاج إليه؛ لأن باللعان قد طلقت. والحجة لمالك في المشهور ومن وافقه قولُه عليه السلام: ((لا سبيل لك عليها)). وهذا إعلام منه أن تمام اللعان رفع سبيله عنها وليس تفريقه بينهما باستئناف حكم، وإنما كان تنفيذاً لما أوجب الله تعالى بينهما من المباعدة، وهو معنى اللعان في اللغة. ينظر: تفسير القرطبي (١٢٩/١٢). (١) أخرجه الدارقطني (٢٧٦/٣) رقم (١١٦) والبيهقي (٤٠٩/٧) من حديث ابن عمر وقال البيهقي: إسناده صحيح وله شاهد من حديث سهل بن سعد الساعدي أخرجه البيهقي (٧/ ٤١٠). وأصل الحديث عند أبي داود (٢٧٤/٢) كتاب الطلاق: باب في اللعان حديث (٢٢٥٠) بلفظ مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان وفي الباب عن علي وعمر وابن مسعود. ينظر ((مصنف عبد الرزاق)) (١١٢/٧ - ١١٣) رقم (١٢٤٣٣، ١٢٤٣٤، ١٢٤٣٦). ومصنف ابن أبي شيبة (١٤/ ١٧٣) رقم (١٧٩٨٠). (٢) في أ: كاذب. ٥٢ كتاب اللعان مِنْكُمَا تَائِبٌ؟))(١) قال ذلك ثلاثاً، فأبيا ففرق بينهما. فدلت الأحاديثُ على أن الفرقة لا تقع بلعان الزوج ولا بلعانها، إذ لو وقعت لما احتمل التفريق من رسول الله وَّيجري بعد وقوع الفرقة بينهما بنفس اللعان؛ ولأن ملك النكاح كان ثابتاً قبل اللعان، والأصل أن الملك متى ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالة أو بخروجه من أن يكون منتفعاً به في حقه؛ لعجزه عن الانتفاع به، ولم توجد الإزالة من الزوج، لأن اللعان لا ينبىء عن زوال الملك؛ لأنه شهادة مؤكدة باليمين أو يمين، وكلُّ واحد منهما لا ینبیء عن زوال الملك؛ ولهذا لا يزول بسائر الشهادات والأيْمَان، والقدرة على الامتناع ثابتة فلا تقع الفرقة بنفس اللعان، وقد خرج الجواب عما ذكره الشافعي. ثم قولُ الشافعي مخالفٌ لآية اللعان؛ لأن الله - تعالى - خاطب الأزواج باللعان بقوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ... ﴾ [النور: ٦] إلى آخر ما ذكر، فلو ثبتت الفرقة بلعان الزوج، فالزوجة تلاعنه وهي غير زوجة، وهذا خلاف النص. وأما زفر، فلا حجة له في الحديث؛ لأن المتلاعن متفاعل مع اللعن، وحقيقة المتفاعل المتشاغل بالفعل، فبعد الفراغ منه لا يبقى فاعلاً حقيقة، فلا يبقى ملاعناً حقيقة، فلا يصح التمسك به لإثبات الفرقة عَقِيب اللعان، فلا تثبت الفرقة عَقِيبة؛ وإنما الثابت عَقِيبة وجوبُ التفريق، فإن فرق الزوج بنفسه وإلاّ ينوب القاضي منابه في التفريق، فإذا فرق بعد تمام اللعان وقعت الفرقة، فإن أخطأ القاضي ففرق قبل تمام اللعان، ينظر إن كان كلَّ واحد منهما قَد التعن أكثر اللعان نفذ التفريق، وإن لم يلتعنا أكثر اللعان أو كان أحدهُما لم يلتعن أكثر اللعان، لم ينفذ؛ وإنما كان كذلك لأنَّ تفريق القاضي إذا وقع بعد أكثر اللعان فقد قضى بالاجتهاد في موضع يَسُوغ الاجتهاد فيه، فينفذ قضاؤه كما في سائر المجتهدات، والدليل على أن تفريقه صادف محل الاجتهاد وجوه ثلاثة : أحدهما: أنه عرف أن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام، فأفضى(٢) اجتهاده إلى أن الأكثر يقوم مقام الكل في اللعان. والثاني: أنه اجتهد أن التكرار في اللعان للتأكيد والتغليظ، وهذا المعنى يوجد في الأكثر. والثالث: أنه زعم أنه لما ساغ للشافعي الاقتصار على لعان الزوج إذا قذف المجنونة أو (١) تقدم تخريجه. (٢) في ط: فاقتضى. ٥٣ کتاب اللعان الميتة؛ فلأن يسوغ له الاجتهاد بعد إكمال الزوج لعانه وإتيان المرأة بأكثر اللعان - أولى. فثبت أن قضاء القاضي صادف محلّ الاجتهاد فينفذ. فإن قيل شرط جواز الاجتهاد أن لا يخالف النص، وهذا قد خالف النص من الكتاب والسنة؛ لأن كتابَ الله وَرَدَّ باللعان بعدد مخصوص؛ وكذا النبي ◌َّ لاَعَنَ بين الزوجين على ذلك العدد، وإذا كان العدد منصوصاً عليه، فالاجتهاد إذا خالف النصَّ باطلٌ. فالجوابُ: ممنوع لأن(١) اجتهاد القاضي خالف النص، فإنَّ التنصيصَ على عددٍ لا ينفي جواز الأكثر وإقامته مقام الكلُ، ولا يقتضي الجواز أيضاً، فلم يكن الحكم منصوصاً عليه، بل كان مسكوتاً عنه فكان محل الاجتهاد، وفائدته التنصيص على العدد المذكور والتنبيه على الأصل والأولى، وهذا لا ينفي الجواز. وأما الثاني: فقد اختلف العلماء فيه أيضاً . ١٢٨ ب قال أبو حنيفة ومحمد: الفرقة [الواقعة](٢) في اللعان فرقة بتطليقة بائنة، فيزول ملك النكاح وتثبت حرمة الاجتهاد. والتزوج ما داما على حالة اللعان، فإن أكذب الزوج نفسه فجلد الحد، أو أكذبت المرأة نفسها بأن صدقته، جاز النكاح بينهما ويجتمعان. وقال أبو يوسف وزفر والحسن بن زياد: هي فرقة بغير طلاق وإنما توجب حرمة مؤبدة، كحرمة الرضاع والمصاهرة، واحتجوا بقول النبيِّ وََّ ((المُتَلاَعِنَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ أَبَداً» وهو نصّ في الباب. وكذا رُوِيَ عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - مثل عمر، وعليّ وعبد الله بن مسعود، وغيرهم - رضي الله عنهم - أَنَّهم قالوا: المُتَلاعِنانِ لا يجتمعان أبداً. ولأبي حنيفة ومحمد ما رُوِيَ أَنَّ رسولَ الله ◌ِّ لما لاعن بين عويمر العجلاني وبين امرأته، فقال عويمر: كذبت عليها يَا رَسُولَ الله، إِن أمسكتها، فهي طالق ثلاثاً، وفي بعض الروايات: كذبت عليها إِن لم أفارقها، فهي طالقٌ ثلاثاً، فصار طلاق الزوج عَقِيب اللعان سنة المتلاعنين؛ لأن عويمر طلق زوجته ثلاثاً بعد اللعان عند رسولِ الله ◌َ ليو فأنفذها عليه رسولُ اللهَ وَّرَ فيجب على كلِّ ملاعنٍ أن يُطَلِّق، فإذا امتنع ينوبُ القاضي منابَهُ في التفريق، فيكون طلاقاً كما في العنين؛ ولأن سبب هذه الفرقة قذف الزوج؛ لأنه يوجب اللعان، واللعان يوجب التفريق، والتفريق يوجب الفرقة، فكانتِ الفرقةُ بهذه الوسائط مُضَافَةً إِلى القذف (١) في ط: إن. (٢) سقط من ط . ٥٤ كتاب اللعان السابق، وكلُّ فرقة تكون من الزوج أو يكون فعل الزوج سببها تكون طلاقاً؛ كما في العنين، والخلع، والإِيلاء؛ ونحو ذلك. وهو قول السلف إِن كل فرقة وقعت من قبل الزوج فهي طلاقٌ، من نحو: إِبراهيم، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغيرهم - رضي الله عنهم .. وأما الحديثُ فلا يمكن العمل بحقيقتِهِ؛ لما ذكرنا أنَّ حقيقةَ المتفاعل هو المتشاغل بالفعل؛ وكما فرغا من اللعان ما بقيا متلاعنين حقيقة، فانصرف المرادُ إِلى الحكم، وهو أن يكون حكم اللعان فيهما ثابتاً. فإذا أكذب الزوج نفسه وَحُدَّ حَدَّ القدفِ، بطل حكم اللعان، فلم يبق متلاعناً حقيقةً وحكماً، فجاز اجتماعهما(١). ونظيره قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلْتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذَنْ أَبَداً﴾ [الكهف: ٢٠] أي: ما داموا في ملتهم؛ ألا ترى أنهم إذا لم يفعلوا أفلحوا (٢)؛ فكذا هذا. وأما الحكم الذي ليس بأصلي للعان، فهو وجوب قطع النسب في أحد نوعي القذف، وهو القذف بالولد؛ لما رُوِيَ أَنَّ رسولَ الله ◌َّر لما لاعن بين هلال بن أمية وبين زوجته وفرق بينهما، نفي الوَلَدَ عنه وأَلْحَقَهُ بالمرأة، فصار النفي أحد حكمي اللعان؛ ولأن القذف إذا كان ، بالولد فغرض الزوج أن ينفي ولداً ليس منه في زعمه فوجب النفي تحقيقاً لغرضه، وإذا كان وجوب نفيه أحد حكمي اللعان، فلا يجب قبل وجوده؛ وعلى هذا قلنا إِن القذف إذا لم ينعقد (١) ذهب الجمهور من العلماء أن المتلاعنَيْن لا يتناكحان أبداً، فإن أكذب نفسه جلد الحدّ ولحق به الولد، ولم ترجع إليه أبداً. وعلى هذا السنةُ التي لا شك فيها ولا اختلاف. وذكر ابن المنذر عن عطاء أن الملاعن إذا أكذب نفسه بعد اللعان لم يحدّ، وقال: قد تفرقا بلعنة من الله. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا أكذب نفسه جلد الحدّ ولحق به الولد، وكان خاطباً من الخطاب إن شاء؛ وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير وعبد العزيز بن أبي سلمة، وقالوا: يعود النكاح حلالاً كما لحق به الولد؛ لأنه لا فرق بين شيء من ذلك. وحجة الجماعة قوله عليه السلام: ((لا سبيل لك عليها))؛ ولم يقل إلا أن تكذب نفسك. وروى ابن إسحاق وجماعة عن الزهري قال: فمضت السنة أنهما إذا تلاعنا فُرّق بينهما فلا يجتمعان أبداً ورواه الدَّار قُطْنِيّ، ورواه مرفوعاً من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر - رضي الله عنهما . عن النبي ◌َّر قال: ((المتلاعنان إذا افترقا لا يجتمعان أبداً». وروي عن عليّ وعبد الله قالا: مضت السنة ألا يجتمع المتلاعنان. عن عليّ: أبداً. ينظر: القرطبي (١٢٩/١٢). (٢) في ط: يفلحوا. ٥٥ كتاب اللعان موجباً للعان، أو سقط بعد الوجوب ووجب الحد، أو لم يجب، أو لم يسقط لكنهما لم يتلاعنا بعد - لا ينقطع نسب الولد. وكذا إذا نفي نسب ولد حرة فصدقته، لا ينقطع نسبه؛ لتعذر اللعان لما فيه من التناقض؛ حيث تشهد بالله إِنه لمن الكاذبين، وقد قالت إِنه صادق، وإذا تعذر اللعان تعذر قطع النسب؛ لأنه حكمه، ويكون ابنهما لا يصدقان على نفيه لأن النسبَ قد ثبت، والنسبُ الثابت بالنكاح لا ينقطع إلا باللعان، ولم يوجد، ولا يعتبر تصادقهما على النفي؛ لأن النسب يثبت حقًّا للولد، وفي تصادقهما على النفي إبطالُ حق الولد، وهذا لا يجوز. وعلى هذا يخرج ما إذا كان علوق الولد في حالٍ لا لعان بينما فيها، ثم صارت بحيث يقع بينهما اللعان؛ نحو ما إذا علقت وهي كتابيَّةٌ أو أمةٌ، ثم أعتقت الأمة أو أسلمت الكتابيةُ، فولدت، فنفاه، أنه لا ينقطع نسبه؛ لأنه لا تلاعن بينهما لعدم أهلية اللعان وقت العلوق، وقطع النسب حكم اللعان. ثم لوجود قطع النسب شرائط: منها: التفريق؛ لأن النكاح قبل التفريق قائمٌ، فلا يجب النفي . ومنها: أن يكون القذف بالنفي بحضرةِ الولادةِ أو بَعْدَها بيوم أو بيومين؛ أو نحو ذلك من مدة توجد فيها لتهنئة أو ابتياع آلات الولادة عادة، فإِن نفاه بعد ذلك لا ينتفي، ولم يوقت أبو حنيفة لذلك وقتاً. وَرُوِيَ عَنْ أبي حنيفة أنه وَقَّتَ له(١) سبعة أيام، وأبو يوسف ومحمدٌ وَقَتَاهُ بأكثر النفاس وهو أربعون يوماً، واعتبر الشافعيَّ للفورَ فقال: إِن نفّاه على الفور انتفى، وإِلا لزمه. وجه قوله أن / ترك النفي على الفور إقرار منه دلالة فكان كالإِقرارِ نصًا. وجه قولهما أَنَّ ١١٢٩ النفاس أثرُ الولادةٍ، فيصح نفي الولد ما دام أثر الولادة. ولأبي حنيفة أن هذا أمر يحتاج إلى التأمل، فلا بد له من زمان التأمل، وأنه يختلفُ باختلافِ الأَشخاص والأحوال، فتعذر التوقيت فيه، فَيُحَكِّم فيه العادة من قبول التهنئة، وابتياع آلات الولادة، أو مضي مدة يفعل ذلك فيها عادة، فلا يصح نفيه بعد ذلك؛ وبهذا يبطل اعتبار الفور؛ لأن معنى التأمل والتروي لا يحصل بالفور. وعلى هذا قالوا في الغائب عن امرأته إذا ولدت ولم يعلم بالولادةِ حتى قدم أو بلغه (١) في أ: لذلك. ٥٦ کتاب اللعان الخبرُ وهو غائبٌ، أنه له أن ينفي عند أبي حنيفة في مقدار تهنئة الولد وابتياع آلات الولادة، وعندهما في مقدار مدة النفاس بعد القدوم أو بلوغ الخبر؛ لأن النسب لا يلزم إلا بعد العلم به فصار حال القدوم وبلوغ الخبر؛ كحال الولادة على المذهبين جميعاً. وروي عن أبي يوسف أنه قال: إِن قدم قبل الفصال فله أَنْ ينفيه في مقدار مدة النفاس، وإِن قدم بعد الفصال، فَلَيْسَ له أن ينفيه، ولم يرو هذا التفصيل عن محمد؛ كذا ذكره القدوري . ووجهه: أن الولد قبل الفصال لم ينتقل عن غذائه الأول، فصار كمدة النفاس، وبعد الفصال انتقل عن ذلك الغذاء وخرج عن حال الصغرِ، فلو احتمل النفي بعد ذلك لاحتمل بعدما صار شيخاً، وذلك قبيح. وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أنه إِن بلغه الخبر في مدة النفاس فله أن ينفي إلى تمام مدة النفاسٍ، وَإِن بلغه الخبر بعد أربعين، فقد رُوِيَ عن أبي يوسف أَنْه قال: لَه أَنْ ينفي إِلى تَمام سنتين؛ لأن لما مضى وقت النفاس يعتبر وقت الرضاع ومدته سنتان عندهما، وَلَوْ بَلَغَهُ الخبرُ بعد حَوْلَيْنٍ فنفاه، ذُكر في غير رواية الأصول عن أبي يوسف: أَنَّه لا يقطع النسب ويلاعن. وعن محمد: أنه قال: ينتفي الولد إِذَا نَفَاهُ بَعْدَ بلوغِ الخبرِ إِلى أربعين يوماً. ومنها: أن لا يسبق النفي عن الزوج ما يكون إِقراراً منه بنسب الولد لا نصًّا ولا دلالة، فإِن سبق لا يقطع النسب من الأب؛ لأن النسب بعد الإقرار به لا يحتمل النفي بوجه؛ لأنّه لما أقر به فقد ثبت نسبه، والنسب حقُّ الولد فلا يملك الرجوع عنه بالنفي، فالنصُّ نحو أن يقول: هذا ولدي، أو هذا الولد مني، والدلالة هي: أن يسكت إذا هُنّىء ولا يرد على المهنىء؛ لأن العاقل لا يسكت عند التهنئة بولد ليس منه عادة، فكان السكوت والحالة هذه اعترافاً بنسب الولد، فلا يملك نفيه بعد الاعتراف. وروى ابن رستم عن محمد أنه إذا هُنىء بولدِ الأمة فسكت، لم يكنِ اعترافاً، وإِن سكت في ولد الزوجة كان اعترافاً، ووجه الفرق أن نسب ولد الزوجة قد ثبت بالفراش إِلا أن له غرضية النفي من الزوج، فإِذا سكت عند التهنئة دَلَّ على أنه لا ينفيه، فبطلت الغرضية فتقرر النسب، فأما ولد الأمة فلا يثبت نسبه إلا بالدعوة ولم توجد، فإِن جاءت بولدين في بطن، فأقرَّ بأحدهما ونفى الآخر، فإِن أقر بالأول ونفى الثاني لاعن ولزمه الولدان جميعاً، أَمَّا لزوم الوَلَدَيْنِ فلأن إقراره بالأول إقرارٌ بالثاني، لأَن الحملَ حملٌ واحدٌ، فلا يتصور ثبوت بعض ٥٧ كتاب اللعان نسب الحمل دون بعض، كالولد الواحد (١) أنه لا يتصور ثبوت نسب بعضه دون بعض، فإِذا نفى الثاني فقد رجع عمَّا أَقَرِّ به، والنسب المقر به لا يحتمل الرجوع عنه، فلم يصح نفيه فيثبت نسبهما جميعاً ويلاعن؛ لأن من أقر بنسب ولد ثم نفاه يلاعن، وإن كان لا يقطع نسبه، لأن قطع النسب ليس من لوازم اللعان، بل ينفصل عنه في الجملة. أَلاَ ترى أنه شرع في المقذوفة بغير ولد، ثم إِنما وجب اللعان لأنه لما أقر بالأول فقد وصف امرأته بالعفةِ، ولمَّا نفى الثاني(٢) فقد وصفها بالزنا، ومن قال لامرأته: أنت عفيفةٌ، ثم قال لها: أنت زانيةٌ، يلاعن. وإِن نفى الأَول وأقر بالثاني حُدَّ، ولا لعان، ويلزمانه جميعاً. أَمَّا ثبوتُ نسب الولدين فلأن نفي الأول، وإِن تضمن نفي الثاني، فالإقرار بالثاني يتضمن الإقرار بالأَول، فيصير مكذباً نفسه، ومن وجب عليه اللعان إذا أكذب نفسه يُحَدُّ، وإذا حُدَّ لا يلاعن لأنهما لا يجتمعان، ولأنه لما نفي الأَول فقد قذفها بالزنا، فَلَمَّا أقر بالثاني فقد وصفها بالعفة، ومن قالا لامرأته: أنتِ زانيةٌ، ثم قال لها: أنت عفيفةٌ، يُحَدُّ حَدَّ القذف ولا يلاعن. ومنها: أَنْ يَكُمِنْ الوَلَدُ حَيًّا وقت قطع النسب، وهو وقت التفريق، فإِنْ لَمْ يَكُونْ لا يقطع نسبه من / الأب حتى لو جاءت بولدٍ فمات، ثم نفاه الزوج، يلاعن، ويلزمه الولد، لأن ١٢٩ب النسبَ يتقرر بالموت، فلا يحتمل الانقطاع، ولكنه يلاعن لوجود القذف بنفي الولد وانقطاع النسب ليس من لوازم اللعان. وكذلك إذا جاءت بولدين أحدُهما ميتٌ فنفاهما، يلاعن ويلزمه الولدان؛ لما قلنا؛ وكذلك إذا جاءت بولدٍ فنفاه الزوج، ثم مات الولدُ قَبْلَ اللعان، يلاعن الزوج ويلزمه الولد؛ لما قلنا . وكذا لو جاءت بولدين فنفاهما، ثم ماتا قبل اللعان أو قُتِلا، يلاعن ويلزمه الولدان؛ لأَن النسب بعد الموت لا يحتملُ القطع ويلاعن لما قلنا؛ وكذا لو نفاهما ثم مات أحدُهما قبل اللعان أو فعل لزمه الولدان؛ لأَن نسب الميت منهما لا يحتمل القطع لتقرره بالموت؛ فكذا نسب الحيُّ؛ لأنهما توأمان وَأَمَّا اللعان فقد ذكر الكرخيُّ أنه يلاعن ولم يذكر الخلاف؛ وكذا ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي. وذكر ابْنُ سماعةَ الخلافَ في المسألة، فقال عند أبي يوسف: يَبْطُل اللعان، وعند محمد: لا يبطل. (١) في ط: كالواحد. (٢) في ط: الولد. ٥٨ كتاب اللعان وجه قول محمد: أن اللعان قد وجب بالنفي، فلو بطل إِنما يبطلُ لامتناعٍ قطع النسب، وامتناعه لا يمنع بقاء اللعان؛ لأَن قطعَ النسبِ ليس من لوازم اللعان، ولأبي يوسف أن المقصود من اللعان الواجب بهذا القذف، أعني: القذف بنفي الولد هو نفي الولد، فإِذا تعذّر تحقيق هذا المقصود، لَمْ يَكُنْ في بقاء اللعان فائدة فلا ينفى الولد، وَلَوْ وَلَدَتْ ولداً فنفاه ولاعن الحاكمُ بينهما وفرق، وألزم الولد أمّه، أو لزمها بنفس التفريق، ثم ولدت ولداً أخر من الغِد، لزمه الولدان جميعاً واللعان ماضٍ؛ لأنه قد ثَبَتَ نسبُ الولدِ الثاني؛ إذ لا يمكن قطعه بما وجد من اللعان؛ لأَن حكم اللعان قد بَطَلَ بالفرقة، فيثبت نسب الولد الثاني. وإِن قال الزوج: هما ابناي، لا حد عليه؛ لأَنَه صادقٌ في إقراره بنسب الولدين؛ لكونهما ثابتي النسب منه شرعاً فإن قيل: أَلَيْسَ أنه أكذب نفسه بقوله: هما ابناي؛ لأنه سبق منه نفي الولد، وَمَنْ نَفَى الولد فلوعن، ثم أكذب نفسه فيقام عليه الحد؛ كما إذا جاءت بولد واحدٍ فقال: هذا الولد ليس مني، فلاعن الحاكم بينهما، ثم قال: هو ابني، فالجوابُ: إِن قوله: هما ابناي، يحتملُ الإِكذاب، ويحتمل الإِخبار عن حكم لزمه شرعاً، وهو وثبوت نسب الولدين، فلا يجعل إِكذاباً مع الاحتمال، بل حمله على الإِخبّار أولى؛ لأنه لو جعل إِكذاباً للزمه الحدّ، ولو جعل إِخباراً عَمَّا قلنا لا يلزمه. وقد قال النبيُّ وََّ: (ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ)) وقال: ((ادرؤوا الحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ))، حتى لو قال كذبت في اللعان وفيما قذفتها به من الزنا يُحَدُّ؛ لأنه نصَّ على الإِكذاب، فزال الاحتمالُ، وقد قال مشايخِنا: إن الإقرار بالولد بعد النفي إنما يكون إكذاباً إذا كان المقر بحالٍ لو لم يقر به للوعن به، إذا كان من أهل اللعان، ولههنا لم يوجد؛ لأنه لو لم يقر بهما لم يلاعن بخلافِ الفصلِ الأولِ؛ فإنه لو لم يقر بهما للوعن به، وَعَلَى هَذَا قالوا لو ولدت امرأته ولداً فقال: هو ابني، ثم ولدت آخر فنفاه، ثم أقر به، لا حد عليه؛ لأنه لم يصر مكذباً نفسه بهذا الإقرار، أَلاَ ترى أنه لو لم يقر به لا يلاعن بنفي الولد؛ لثبوت نسب الولدين، ولو قال: ليسا بابني، كانا ابنيه، ولا حد عليه؛ لأنه أعاد القذف الأول وكرره لتقدم القذف منه واللعان، والملاعن إذا كرر القذف لا يجب عليه الحد. ولو طلق امرأته طلاقاً رجعيًّا فجاءت بولدٍ لأقلّ من سنتين بيوم فنفاه، ثم جاءت بولدٍ بعد سنتين بيومٍ فأقرَّ به، فَقَدْ بانت ولا لعان ولا حد في قول أبي حنيفة وَأبي يوسف. وقال محمدٌ: هذه رجعيةٌ، وعلى الزوج الحدُّ، فنذكر أصلَهما وأصله وتخرج المسألة عليه . فمن أصلهما: إن الولد الثاني يتبع الولد الأول؛ لأنها جاءت به في مدة يثبت نسبه فيها، وهكذا هو سابقٌ في الولادة، فكان الثاني تابعاً له، فجعل كأنها جاءت بهما لأقلُ من سنتين، فلا تثبت الرجعة فتبين بالولد الثاني، فتصير أجنبية، فيتعذر اللعان. ٥٩ كتاب اللعان وَمن أصله: أن الولد الأول يتبع الثاني؛ لأَن الثاني حصل من وطء حادث بعد الطلاق بيقين؛ إذ الولد لا يبقى في البطنٍ أكثر من سنتين، والأول يحتمل أنه حصل من وطء حادث أيضاً، وإننا نرد المحتمل إلى المحكم، فجعل الأول تابعاً للثاني، فصار كأنها ولدتهما بعد سنتین . والمطلقة طلاقاً رجعيًّا إِذا جاءت بولدٍ لأكثر من سنتين ثبتت الرجعة؛ لأنه يكون من وطءٍ حادثٍ بعد الطلاق بيقينٍ، فيصير مراجعاً لها بالوطء، فإذا أقر بالثاني بعد نفي الأول فقد أكذب نفسه فيحد، وإِن/ كان الطلاق بائناً والمسألة بحالها يُحَدُّ، ويثبت نسب الولدين عندهما، وعند ١٣٠أ محمدٍ لا حد ولا لعان ولا يثبت نسب الولدين؛ لأن من أصهلما أن الولد الثاني يتبع الأول فتجعل كأنها جاءت بهما لأقل من سنتين، فيثبت نسبهما ولا يجب اللعان؛ لزوال الزوجية؛ ويجب الحد لإكذاب نفسه. ومن أصله: أن الأول يتبع الثاني، وتجعل كأنها جاءت به لأكثر من سنتين والمرأة مبتوتة، والمبتوتة إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين، لا يثبت نسب الولد ولا يحد قاذفها؛ لأن معها علامة الزنا وهو ولدٌ غيرُ ثابتِ النسب، فلم تكن عفيفةً، فلا يجب الحد على قاذفها. ومنها: أَنْ لا يكون نسب الولد محكوماً بثبوته شرعاً؛ كذا ذكر الكرخي. فإن كان لا يقطع نسبه فصورته ما روي عن أبي يوسف أنه قال في رجل جاءت امرأتُهُ بولدٍ، فنفاه، ولم يلاعن حتى قذفها أجنبيٍّ بالولد الذي جاءت به، فضرب القاضي الأجنبي الحدَّ، فَإن نسب الولد يثبت من الزوج ويسقط اللعان؛ لأن القاضي لما حد قاذفها بالولد، فقد حكم بكذبه، والحكم بكذبه حكمٌ بثبوت نسب الولد، والنسب المحكوم بثبوته لا يحتمل النفي باللعان كالنسب المقر به، وإِنما سقط اللعان لأن الحاكم لما حد قاذفها فقد حكم بإحصائها في عين ما قذفت به، ثم إذا قطع النسب من الأب وألحق الولد بالأم، يبقى النسب في حق سائر الأحكام من الشهادة والزكاة والقصاص وغيرها، حتى لا يجوز شهادة أحدهما للآخر وصرف الزكاة إليه، ولا يجب القصاص على الأب بقتله؛ ونحو ذلك من الأحكام؛ إلا أنه لا يجري التوارث بينهما، ولا نفقة على الأب لأن النفي باللعان يثبت شرعاً، بخلاف الأصل بناء على زعمه وظنه مع كونه مولوداً على فراشه، وقد قال النبيُّ وََّ: ((الَوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»(١) فلا يظهر في حق سائر الأحكام. (١) تقدم تخريجه. ٦٠ كتاب اللعان فصل فيما يبطل به حكم اللعان وأما بيان ما يبطل به حكم اللعان، فكلُّ ما يسقط اللعان بعد وجوبه يبطل الحكم بعد وجوده قبل التفريق، وهو ما ذكرنا من جنونهما بعد اللعان قبل التفريق أو جنون أحدهما، أو خرسهما أو خرس أحدهما، أو ردتهما أو ردة أحدهما أو صيرورة أحدهما محدوداً في قذف، أو صيرورة المرأة موطوءة وطئاً حراماً وإكذاب أحدهما نفسه حتى لا يفرق الحاكم بينهما، ويكونان على نكاحهما، والأصل أن بقاءهما على حالِ اللعانِ شرط بقاء حكم اللعان، فإن بقيا على حال اللعان بقي حكم اللعان وإلاَّ فلا، وإنَّما كان كذلك لأن اللعان شهادة، ولا بد من بقاء الشاهدة على صفة الشهادة إلى أن يتصل القضاء بشهادته حتى يجب القضاء بها، وقد زالت صفة الشهادة بهذه العوارض، فلا يجوز للقاضي التفريق، ولو لاعنها بالولد ثم قذفها هو أو غيره لا يجب الحد، ولو لاعنها بغير الولد ثم قذفها هو أو غيره، يجب عليه الحدُّ، والفرق أن اللعان لا يوجب تحقيق الزنا منها، فلا تزول عفتها باللعان، إلا أن في اللعان بالولد قذفها ومعها علامة الزنا، وهو الولد بغير أب، فلم تكن عفيفة؛ فلا يقام الحد على قاذفها، ولم يوجد ذلك في اللعان بغير ولد، فبقيت عفتها، فجيب الحد على قاذفها. ولو أكذب نفسه بعد اللعان بولد أو بغير ولد، ثم قذفها هو أو غيره، يجب الحد؛ لأنَّ اللعان لا يحقق الزنا والولدُ بلا أب مع الإكذاب لا يكون علامة الزنا، فتكون عفتها قائمةً، فيحد قاذفها، والله - عَزَّ وجَلَّ - أعلم.