النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأصل آخر: أن كل مطلقة لم تلزمها العدة؛ بأن لم تكن مدخولاً بها، فنسب ولدها لا
يثبت من الزوج، إلا إذا علم يقيناً؛ أنه منه، وهو أن تجيء به لأقل من ستة أشهر، وكل مطلقة
[وجبت](١) عليها العدة، فنسب ولدها يثبت من الزوج، إلا إذا علم يقيناً أنه ليس منه، وهو أن
تجيء به لأكثر من سنتين، وإنما كان كذلك؛ لأن الطلاق قبل الدخول يوجب انقطاع النكاح
بجميع علائقه، فكان النكاح من كل وجه زائلاً بيقين، وما زال بيقين لا يثبت إلا بيقين مثله،
فإذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الطلاق، فقد تيقنا أن العلوق وجد في حال
الفراش، وأنه وطئها وهي حامل منه؛ إذ لا يحتمل أن يكون بوطء بعد الطلاق؛ لأن المرأة لا
تلد لأقل من ستة أشهر، فكان من وطء وجد على فراش الزوج، وكون العلوق في فراشه
يوجب ثبوت النسب منه، فإذا جاءت بولد لستة أشهر فصاعداً - لم يستيقن بكونه مولوداً على
الفراش؛ لاحتمال أن يكون بوطء بعد الطلاق، والفراش كان زائلاً بيقين؛ فلا يثبت مع الشك.
وعلى هذا يخرج ما إذا طلق امرأته قبل الدخول بها، فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر مذ
طلقها؛ أنه يلزمه لتيقننا بعلوقه حال قيام النكاح، وإذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه؛
لعدم التيقن بذلك، ويستوي في هذا الحكم ذوات الأقراء، وذوات الأشهر لما قلنا.
وعلى هذا يخرج ما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فتزوج امرأة فطلقت،
فجاءت بولد؛ أنها إن جاءت به لستة أشهر من وقت النكاح - يثبت النسب؛ لأنها إذا جاءت به
لستة أشهر من وقت النكاح - كان لأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق؛ لأن الطلاق يقع عقيب
النكاح؛ لأن الحالف أوقعه كذلك. ألا ترى أنه قال: فهى طالق، والفاء للتعقيب بلا تراخي.
وقال زفر: لا يثبت النسب، وروي أن محمداً كان يقول مثل قوله، ثم رجع.
وجه قول زفر: أن إثبات النسب بعقد إمكان بوطء ولم يوجد؛ إذ ليس بين النكاح
بطنها سبيل؛ فاتركها حتى تضع، فتركها، فوضعت غلاماً قد خرجت ثنيتاه؛ فعرف الرجل الشبه فقال:
=
ابني وربّ الكعبة!؛ فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ؛ لولا معاذ لهلك عمر. وقال الضحاك:
وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سِنّي. ويذكر عن مالك أنه حمل به
في بطن أمه سنتين، وقيل: ثلاث سنين. ويقال: إن محمد بن عجلان مکث في بطن أمه ثلاث سنين،
فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً، فشُقّ بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه. وقال حمّاد بن سلمة: إنما
سمي هَرِم بن حيانَ هَرِماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين وذكر الغَزْنوي أن الضحاك وُلد لسنتين، وقد
طلعت سِنّه فسُمّي ضحَاكاً. عبّاد بن العوّام: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى منكبيه، فمرّ به
طير فقال: كش.
ينظر القرطبي ٩/ ١٨٩ - ١٩٠.
(١) سقط في ط .
بدائع الصنائع ج٤ - م٣١

٤٨٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
والطلاق زمان يسع فيه الوطء، بل كما وجد النكاح وقع الطلاق عقيبه بلا فصل، فلا يتصور
الوطء، فلا يثبت النسب، وإنا نقول؛ يمكن تصوره؛ بأن كان يخالط امرأة، فدخل الرجال عليه
فتزوجها، وهم يسمعون كلامه، وأنزل من ساعته، وإذا تصور الوطء فالنكاح قائم مقام الوطء
المنزل عند تصوره شرعاً؛ لقوله وَله: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ))(١) وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من
(١) ورد الحديث عن جمع من الصحابة منهم عائشة وأبي هريرة وعثمان وابن مسعود وأبي أمامة.
أما حديث عائشة.
فأخرجه البخاري ٣٤٢/٤ كتاب البيوع باب تفسير المشبهات (٢٠٥٣) كتاب الخصومات باب دعوة
الوصي للميت (٢٤٢١).
وأخرجه أيضاً برقم (٢٢١٨، ٢٥٢٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢).
ومسلم ٢/ ١٠٨٠ كتاب الرضاع باب الولد للفراش، وتوقي الشبهات (٣٦/١٤٥٧).
وأبو داود ٦٩٢/١ كتاب الطلاق باب الولد للفراش (٢٢٧٣) والنسائي ٦/ ١٨٠ كتاب الطلاق باب إلحاق
الولد بالفراش.
وابن ماجه ٦٤٦/١ كتاب النكاح. باب الولد للفراش (٢٠٠٤).
والدارمي ١٥٢/٢ كتاب النكاح باب الولد للفراش.
والدارقطني ٢٤١/٤ كتاب الأقضية والأحكام (١٣٣ - ١٣٦).
ومالك في الموطأ ٧٣٩/٢، كتاب الأقضية باب القضاء بإلحاق الولد بأبيه وأحمد في المسند (٣٧/٦،
١٢٩، ٢٠٠، ٢٢٦، ٢٣٧، ٢٤٦ - ٢٤٧).
والبغوي في شرح السنة ١٩٨/٥ كتاب الطلاق/ باب الولد للفراش (٢٣٧١ - بتحقيقنا) والبيهقي في السنن ٧/
٤١٢ والطحاوي (١٠٤/٣) والقضاعي في مسند الشهاب كما في فتح الوهاب للغمادي ١/ ٢٥٠ (٢٠٠).
أما حديث أبي هريرة.
فأخرجه أحمد (٢٣٩/٢، ٢٨٠، ٣٨٦، ٤٠٩، ٤٦٦، ٤٧٥، ٤٩٢) والبخاري ٣٣/١٢ كتاب الفرائض/
باب الولد للفراش (٦٧٥٠) و١٣٠/١٢ کتاب الحدود/باب للعاهر الحجر (٦٨١٨) ومسلم ١٠٨١/٢
كتاب الرضاع/ باب الولد للفراش (١٤٥٨).
والنسائي ٦/ ١٨٠ كتاب الطلاق/ باب إلحاق الولد بالفراش.
والترمذي ٤٦٣/٣ كتاب الرضاع/ باب ما جاء أن الولد للفراش (١١٥٧).
وابن ماجه ٦٤٦/١، ٦٤٧ كتاب النكاح/باب الولد للفراش (٢٠٠٦) والدارمي ١٥٢/٢ كتاب النكاح/
باب الولد للفراش.
والبيهقي ٧/ ٤١٢ كتاب اللعان/باب الولد للفراش والحميدي (١٠٨٥).
والقضائي في مسند الشهاب (٢٨٢، ٢٨٣) وعبد الرزاق في المصنف ٤٤٣/٧ (١٣٨٢١) والخطيب في
التاريخ ٢٩٥/٤.
أما حديث عثمان:
رواه أبو داود ١/ ٦٩٢ كتاب الطلاق/ باب الولد للفراش (٢٢٧٥) حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا مهدي بن
ميمون أبو يحيى ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي
طالب رضي الله عنه عن رباح قال: زوجني أهلي أمة لهم رومية فوقعت عليها فولدت غلاماً أسود مثلي =

٤٨٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
تسميته عبد الله ثم وقعت عليها فولدت غلاماً أسود مثلي فسميته عبيد الله ثم طبن لها غلام لأهلي رومي
=
يقال له يوحنه فراطنها بلسانه فولدت غلاماً كأنه وزغة من الوزغات فقلت لها ما هذا؟ فقالت: هذا ليوحنة
فرفعنا إلى عثمان أحسبه قال بهدي قال: فسألهما فاعترفا فقال لهما: أترضيان أن اقضى بينكما بقضاء
رسول الله وَ﴾؟ إن رسول الله وَ﴿ قضى أن الولد للفراش وأحسبه قال: فجلدها وجلده وكانا مملوكين ..
ورواه الطحاوي (١٠٤/٣) مختصراً.
وذكر نحوه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٦/٥ وفيه أن عثمان دفعهما إلى علي فقضى فيهما بقضاء
رسول الله ور أن الولد للفراش وللعاهر الحجر وجلدهما خمسين خمسين.
وقال الهيثمي رواه أحمد والبزار وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس ونعته رجال أحمد ثقات)) ا. هـ
أمّا حدیث ابن مسعود:
رواه النسائي ٦/ ١٨١ كتاب الطلاق/ باب إلحاق الولد بالفراش وأبو يعلى في مسنده ٨٠/٩ (٥١٤٨).
وابن حبان كما في موارد الظمأن (١٣٣٦) والخطيب في تاريخ بغداد ١١٦/١١.
أما حديث أبي أمامة رواه أحمد ٢٦٧/٥.
وابن ماجه ١/ ٦٤٧ كتاب النكاح/ باب الولد للفراش (٢٠٠٧).
وورد أيضاً من حديث ابن الزبير :
أخرجه النسائي ٦/ ١٨٠ - ١٨١ كتاب الطلاق/ باب إلحاق الولد بالفراش ورواه الطبراني في الأوسط قال
الهيثمي في المجمع ١٨/٥: ((رجاله ثقات)).
- ورواه ابن ماجه ٦٤٦/١ كتاب النكاح/باب الولد للفراش (٢٠٠٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/
١٠٤ والبيهقي في السنن ٧/ ٤٠٢ كتاب اللعان/ باب الولد للفراش.
وأبو يعلى ١/ ١٧٧ (١٩٩) كلهم من طريق ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن عمر ين
الخطاب .
- وحديث علي بن أبي طالب:
قال الهيثمي في المجمع ١٦/٥ :
((رواه أحمد والبزار وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وبقية رجال أحمد ثقات)) ١ هـ وهو في المسند ١/
١٠٤.
وقال البزار كما في كشف الأستار ٢/ ١٩٧ (١٥١٠):
((لا نعلمه عن علي إلا بهذا الإسناد وأحسب الحجاج أخطأ فيه، إنما رواه الحسن بن عبد الله بن أبي
يعقوب في إسناد له عن الحسن بن سعد عن رباح عن عثمان)).
- وحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ◌َّالغر قضى بالولد للفراش:
رواه البزار كما في كشف الأستار ١٩٧/٢، ١٩٨ (١٥١١) حدثنا محمد بن عبد الرحيم ثنا يعقوب بن
محمد، ثنا عبد العزيز بن عمران. عن أبيه عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه به.
قال البزار: لا نعلمه عن سعد إلا بهذا الإسناد.
قال الهيثمي في المجمع ١٦/٥ :
«فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك)) ! هـ.
=

٤٨٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وقت النكاح لا يثبت النسب؛ لأنا علمنا يقيناً أنه لوطء وجد قبل النكاح، ثم إذا جاءت به لستة
أشهر من وقت النكاح، حتى يثبت النسب - يجب على الزوج مهر كامل؛ كذا ذكر في ظاهر
الرواية؛ لأنها صارت في حكم المدخول بها .
وذكر أبو يوسف في ((الأمالي)) أن القياس أن يجب عليه مهر ونصف مهر، نصف مهر
بالطلاق قبل الدخول، ومهر كامل بالدخول.
ووجهه أن يجعل الطلاق واقعاً كما تزوج، فيجب نصف مهر؛ لوجود الطلاق قبل
الدخول، ثم يجعل واجباً (١) بعد الدخول؛ بناء على أن عنده أن الطلاق غير واقع؛ لأنه يرى
- وحديث ابن عمر: رواه البزار (١٥١٢ كشف الأستار) وفي سنان بن الحارث.
=
۔ وحديث معاوية :
قال الهيثمي في المجمع ١٦/٥: ((فيه سنان بن الحارث ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات)).
أخرجه أبو يعلى ٣٨٢/١٣ - ٤٨٤ (٧٣٨٩)
قال الهيثمي ١٧/٥: ((رواه أبو يعلى وإسناده منقطع ورجاله ثقات)).
وذكره الحافظ في المطالب العالية ٦٨/٢ - ٦٩ (١٦٧٥) وعزاه لأبي يعلى.
- وحديث الحسن رواه أحمد ٢/ ٤٩٢ حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن الحسن قال بلغني أن
رسول الله ◌َّير قضى أن الولد لصاحب القراش وللعاهر الحجر)) قال الهيثمي في المجمع ١٦/٥ :
(رواه أحمد مرسلاً ورجاله رجال الصحيح)).
وحديث ابن عباس.
رواه الدار قطني ١٤٢/٢ كتاب زكاة الفطر (١٨) والطبراني ١٨٣/١١ (١١٤٣٤) من طريق داود بن شبيب
ثنا يحيى بن عباد السعدي عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس أن النبي ◌َّ قال، فذكر قال الهيثمي
١٧/٥ :
((فيه يحيى بن عباد السعدي وهو ضعيف وقال داود بن شبيب وكان من خيار الناس وبقية رجاله ثقات)).
- وحديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم.
رواه الطبراني في الكبير ١٩١/٥ (٥٠٥٧).
قال الهيثمي ١٨/٥ ((رواه الطبراني وفيه موسى بن عثمان الحضري وهو ضعيف)).
ـ وحديث عبادة بن الصامت.
قال الهيثمي في المجمع ١٨/٥: ((رواه الطبراني وأحمد في حديث طويل وإسناده منقطع)).
وحديث أبي مسعود: رواه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي في المجمع ١٨/٥ ((وفيه من لا يعرف))
ا .هـ.
- وحديث واثلة بن الأسقع.
رواه الطبراني في الكبير ٨٣/٢٢ (٢٠١).
قال الهيثمي في المجمع ١٨/٥: ((وفيه جناح مولى الوليد وهو ضعيف)).
- وحديث أبي وائل رواه الطبراني كما في المجمع ١٨/٥: ((وقال مرسل ورجاله ثقات)).
(١) في أ: واطئاً.

٤٨٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أن تعليق النكاح(١) بالملك لا يصلح(٢) كما هو مذهب الشافعي، فيجب المهر بهذا الوطء
ويثبت النسب؛ لأن المسألة مجتهد فيها، فلا يكون فعله زناً، إلا أن أبا حنيفة استحسن،
وقال: لا يجب إلا مهر واحد؛ لأنها كالمدخول بها من طريق الحكم فيتأكد المهر، وإن طلقها
بعد الدخول بها، فجاءت بولد - فجملة الكلام في المعتدة أن يقال: المعتدة لا يخلو؛ إما أن
كانت معتدة عن طلاق أو غيره من أسباب الفرقة، وإما أن كانت معتدة من وفاة، وكل واحدة
منهما لا يخلو من أن تكون من ذوات الأقراء، أو من ذوات الأشهر، كانت أقرت بانقضاء
العدة أو لم تقر، فإن كانت معتدة عن طلاق - فالطلاق لا يخلو؛ إما أن يكون بائناً، وإما أن
يكون رجعياً، فإن كان بائناً وهي من ذوات الأقراء، ولم تكن أقرت بانقضاء العدة فجاءت
بولد؛ فإن جاءت به إلى سنتين عند الطلاق(٣) - لزمه؛ لأنه لا يحتمل أن يكون العلوق من وطء
حادث بعد الطلاق، ويحتمل أن يكون من وطء وجد في حال قيام النكاح، وكانت حاملا وقت
الطلاق؛ لأن الولد يبقى في البطن إلى / سنتين بالاتفاق.
١١١ ب
وهذا أظهر الاحتمالين؛ إذ الظاهر من حال المسلمة ألا تتزوج في العدة، وحمل أمور
المسلمين على الصلاح واسداد واجب ما أمكن؛ فيحمل عليه، أو نقول: النكاح كان قائماً
بيقين، والفراش كان ثابتاً بيقين لقيام النكاح، والثابت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله، فإذا كان
احتمال العلوق على الفراش قائماً - لم نستيقن بانقضاء العدة، وزوال النكاح من كل وجه، فلم
نستيقن بزوال الفراش؛ فلا نحكم بالزوال بالشك.
وإن جاءت به لأكثر من سنتين - لم يلزمه إن أنكره؛ لأنا تيقنا أنه ليس منه؛ لأن الولد لا
يبقى في البطن أكثر من سنتين، فلا يثبت نسبه منه ما لم يدع، فإذا ادعى ثبت النسب منه،
وهل يشترط تصديقها فيه روايتان:
واختلف في انقضاء عدتها: قال أبو حنيفة ومحمد: يحكم بانقضائها قبل الولادة بستة
أشهر، وترد ما أخذت من نفقته هذه المدة، وقال أبو يوسف: انقضاء عدتها بوضع الحمل ولا
ترد شيئاً من النفقة.
وجه قوله: أنه يحتمل أنه وطئها أجنبي بشبهة، ويحتمل أن الزوج وطئها بشبهة؛ فلا ترد
النفقة بالشك .
ولهما: أن الولد لا بد وأن يكون من وطء حادث بعد الطلاق؛ لأن الولد لا يبقى في
البطن أكثر من سنتين، فلا يجوز أن يحمل على أن الزوج وطئها؛ لأنه حرام، ولا على أن
(١) في أ: الطلاق.
(٣) في أ: منذ طلقها.
(٢) في أ: لا يصح.

٤٨٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أجنبياً وطئها بشبهة؛ لأن ذلك حرام أيضاً، وظاهر حال المسلم التحرج عن الحرام، فتعين
الحمل على وطء حلال، وهو الوطء في نكاح صحيح، فيحمل على أن عدتها قد انقضت
وتزوجت، وأقل مدة الحمل ستة أشهر؛ فوجب رد نفقة ستة أشهر؛ لأنه تبين أنها لم تكن
عليه، وقد خرج الجواب عما ذكره أبو يوسف، على أنا إن حملنا على أن أجنبياً وطئها بشبهة -
تسقط النفقة عن زوجها؛ لأنهم قالوا في المنكوحة إذا تزوجت فحملت من غير زوجها: إنه لا
نفقة لها عليه. وإن كانت أقرت بانقضاء العدة؛ وذلك في مدة تنقضي في مثلها العدة، ثم
جاءت بولد في سنتين، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من يوم أقرت - لزمه أيضاً. وإن
جاءت بولد لستة أشهر فصاعداً من وقت الإقرار - لم يلزمه؛ لأن الأصل أن المعتدة مصدقة في
الإخبار عن انقضاء عدتها؛ إذ الشرع انتمنها على ذلك، فتصدق ما لم يظهر غلطها أو كذبها
بيقين، فإذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار - ظهر غلطها أو كذبها؛ لأنه تبين
أنها كانت معتدة وقت الإقرار؛ إذ المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر، فإقرارها بانقضاء العدة
وهي معتدة يكون غلطاً أو يكون كذباً؛ إذ هو إخبار عن الخبر لا على ما هو به، وهذا حد
الكذب فالحق إقرارها بالعدم.
وإذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر - لم يظهر كذبها؛ لاحتمال أنها تزوجت بعد إقرارها
بانقضاء العدة، فجاءت منه بولد، فلم يكن ولد زنا، لكن ليس له نسب معروف، فلزم
تصديقها في إخبارها بانقضاء عدتها على الأصل، فلم يكن (١) الولد من الزوج، وهذا الذي
ذكرنا مذهبنا، وقال الشافعي: إذا أقرت، ثم جاءت بولد لتمام للستة أشهر - يثبت نسبه ما لم
تتزوج.
وجه قوله أن إقرارها بانقضاء عدتها يتضمن إبطال حق الصبي، وهو تضييع نسبه؛ لأن
النسب يثبت حقاً للصبي فلا يقبل.
ولنا ما ذكرنا أن الشرع انتمنها في الإخبار بانقضاء عدتها، حيث نهاها عن كتمان ما في
رحمها، والنهي عن الكتمان أمر بالإظهار، وأنه (٢) أمر بالقبول؛ وقوله يتضمن إبطال حق
الصبي في النسب - ممنوع؛ فإن إبطال الحق بعد ثبوته يكون، والنسب لههنا غير ثابت؛ لما
ذكرنا في الطلاق البائن .
وإن جاءت به لأكثر من سنتين - لزم الزوج أيضاً، وصار مراجعاً لها، وإنما كان كذلك؛
لأن العلوق حصل من وطء بعد الطلاق، ويمكن حمله على الوطء الحلال وهو وطء الزوج؛
(١) في أ: فلم يلزم الزوج.
(٢) في أ: والأمر به

1
٤٨٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
لأن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء، فيملك وطأها ما لم تقر بانقضاء العدة، فوجب حمله
عليه، ومتى حمل عليه صار مراجعاً بالوطء فيثبت النسب، وإن طال الزمان؛ لجواز أن تكون
ممتدة الطهر، فوطئها في آخر الطهر فعلقت، فصار مراجعاً، فإن قيل: هلا حمل عليه فيما إذا
جاءت به لأقل من سنتين؛ ليصير مراجعاً لها - فالجواب أن هناك لا يمكن الحمل عليه؛ لأنه
لو حمل عليه للزم إثبات الرجعة بالشك؛ لأن الأمر محتمل يحتمل أن يكون العلوق من وطء
بعد الطلاق فيكون رجعة، ويحتمل أن يكون من وطء قبله، فلا يكون رجعة، فلا تثبت الرجعة
مع الشك.
أما لهُهنا فلا يحتمل أن يكون العلوق من وطء قبل الطلاق؛ لأن الولد/ لا يبقى في ١١١٢
البطن أكثر من سنتين؛ فتعين أن يكون من وطء بعد الطلاق، وأمكن حمله على الوطء
الحلال، فيحمل عليه؛ فيصير مراجعاً بالوطء فافترقا، وإن كانت أقرت بانقضاء العدة في مدة
تنقضي في مثلها العدة؛ فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر مذ أقرت - لزمه، وإن جاءت به لستة
أشهر أو أكثر من وقت الإقرار - لا يلزمه؛ لما ذكرنا في الطلاق البائن.
هذا إذا كانت المعتدة من طلاق من ذوات الأقراء، فأما إذا كانت من ذوات الأشهر؛ فإن
كانت آيسة، فجاءت بولد، فإن كانت لم تقر بانقضاء العدة - فحكمها حكم ذوات الأقراء وقد
ذكرناه، سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً، فإنها إذا جاءت بولد إلى سنتين من وقت الطلاق -
يثبت نسبه من الزوج؛ لأنها لما ولدت علم أنها ليست بآيسة، بل هي من ذوات الأقراء، وإن
كانت أقرت بانقضاء عدتها، فإن كانت أقرت به مفسراً بثلاثة أشهر فكذلك؛ لأنه لما تبين أنها
لم تكن آيسة - تبين أن عدتها لم تكن بالأشهر؛ فلم يصح إقرارها بانقضاء عدتها بالأشهر
فالتحق إقرارها بالعدم، فجعل كأنها لم تقر أصلاً.
وإن كانت أقرت به مطلقاً في مدة تصلح لثلاثة أقراء، فإن ولدت لأقل من ستة أشهر منذ
أقرت - يثبت النسب، وإلا فلا؛ لأنه لما بطل اليأس بعذر حمل إقرارها على الأقراء بالانقضاء
بالأشهر؛ لبطلان الاعتداد بالأشهر، فيحمل على الأقراء بالانقضاء بالأقراء؛ حملاً لكلام العاقلة
المسلمة على الصحة عند الإمكان، وإن كانت صغيرة، فجاءت بولد - فالأمر لا يخلو من ثلاثة
أوجه: إما أن كانت أقرت بانقضاء العدة بعد مضي ثلاثة أشهر، وإما أن كانت لم تقر، ولكنها
أقرت أنها حامل في مدة العدة، وهي الثلاثة الأشهر، وإما أن سكتت، وكل وجه على
وجھین:
إما أن كان الطلاق بائناً، وإما أن كان رجعياً، فإن كانت أقرت بانقضاء العدة عند مضي
ثلاثة أشهر، ثم جاءت بولد، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر مذ أقرت - ثبت النسب، وإن
جاءت به لستة أشهر أو أكثر - لا يثبت؛ لأن إقرار الصغيرة بانقضاء عدتها مقبول في الظاهر؛

٤٨٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
لأنها أعرف بعدتها من غيرها؛ ولهذا لو أقرت بالبلوغ يقبل إقرارها، غير أنها لما جاءت به
لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار - فقد ظهر كذبها في إقرارها؛ لأنه تبين أنها كانت معتدة
وقت الإقرار، فألحق إقرارها بالعدم.
وإذا جاءت به لستة أشهر فصاعداً - لم يظهر كذبها في إقرارها؛ لجواز أنها تزوجت بعد
انقضاء عدتها، وهذا الولد منه، والطلاق البائن والرجعي في هذا الوجه سواء، وإن لم تكن
أقرت بانقضاء العدة ولكنها أقرت بالحمل في مدة العدة، فإن كان الطلاق بائناً يثبت النسب إلى
سنتين من وقت الطلاق، وإن كان رجعياً يثبت إلى سبعة وعشرين شهراً؛ لأنها لما أقرت
بالحمل في مدة العدة - فقد حكمنا ببلوغها، فصار حكمها حكم البالغة، فإذا جاءت بولد يثبت
النسب إلى سنتين من وقت الطلاق.
وإن كان الطلاق بائناً؛ لما مر أنه يحكم بالعلوق قبل الطلاق، فإذا جاءت به لأكثر من
سنتين - لا يثبت؛ لأنه يحمل على علوق حادث بعد الطلاق.
وإن كان الطلاق رجعياً يثبت النسب إلى سنتين وثلاثة أشهر؛ لأنه ظهر أن العلوق كان
في العدة وعدتها ثلاثة أشهر، والمعتدة من طلاق رجعي إذا علقت في العدة - يصير الزوج
مراجعاً لها .
وإن جاءت به لأكثر من سبعة وعشرين شهراً - لا يثبت النسب؛ لأنه تبين أن العلوق كان
بعد مضي الثلاثة الأشهر؛ ولأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين؛ فلا يصير مراجعاً لها.
وإن لم يقر بشيء: اختلف فيه قال أبو حنيفة ومحمد: سكوتها كإقرارها بانقضاء العدة؛
أنها إن جاءت لأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق - يثبت النسب، وإن جاءت به لستة أشهر
أو أكثر - لا يثبت، سواء كان الطلاق بائناً أو رجعياً. وقال أبو يوسف: سكوتها کإقرارها
بالحمل، أو دعوى الحمل أنه إن كان الطلاق بائناً يثبت النسب إلى سنتين، وإن كان رجعياً
يثبت إلى سبعة وعشرين شهراً.
وجه قوله: إن المراهقة يحتمل أن تكون عدتها بوضع الحمل؛ لاحتمال أنها حبلت ولم
تعلم بذلك، فما لم تقر بانقضاء عدتها لا يحكم بالانقضاء كالمتوفى عنها زوجها، ولهما أن
عدة الصغيرة ذات جهة واحدة، وهي ثلاثة أشهر على اعتبار الأصل؛ إذ الأصل فيها عدم
البلوغ، فكان انقضاؤها بانقضاء ثلاثة أشهر (١)، كإقرارها بانقضاء عدتها.
ولو أقرت بانقضاء عدتها كان الجواب ما ذكرنا؛ كذا هذا. بخلاف المتوفى عنها زوجها؛
(١) في أ: فصار معنى ثلاثة أشهر.

٤٨٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أنه لا يحكم بانقضاء عدتها بمضي الشهور؛ لأن عدتها ذات جهتين: يحتمل أن تكون
بالشهور، ويحتمل أن تكون بوضع الحمل، فما لم تقر بانقضاء العدة لا يحكم بأحد الأمرین،
هذا الذي ذكرنا حكم المعتدة عن طلاق، وكل جواب عرفته في / المعتدة عن طلاق - فهو ١١٢ب
الجواب في المعتدة من غير طلاق من أسباب الفرقة.
وأما المتوفى عنها زوجها وهي مدخول بها، فإن كانت من ذوات الأقراء، فجاءت بولد؛
فإن جاءت به ما بينها وبين سنتين، ولم تكن أقرت بانقضاء العدة - يثبت نسب ولدها من الزوج
عند أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: إذا لم تدع الحمل في مدة العدة، ثم جاءت به لعشرة أشهر
وعشرة أيام - لا يثبت النسب.
وجه قوله: إن عدة المتوفى عنها زوجها هي(١) الأشهر عند عدم الحمل، والأصل عدم
الحمل، فإذا مضت أربعة أشهر وعشر يحكم بانقضاء عدتها، فصار كأنها أقرت بانقضاء العدة،
ثم جاءت بولد بعد ذلك، وهناك لو جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الإقرار - يثبت
النسب، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً - لا يثبت؛ كذا هذا؛ ولهذا كان الحكم في الصغيرة
ما وصفنا؛ كذا في الكبيرة.
ولنا ما ذكرنا أن عدة المتوفى عنها زوجها ذات جهتين؛ لجواز أن تكون حاملاً، ولا
يعلم ذلك؛ فلا تنقضي عدتها بالأشهر، فما لم تقر بانقضاء عدتها لا يحكم بالانقضاء كالمعتدة
من الطلاق، وإن جاءت به لأكثر من سنتين لا يثبت؛ لما مر في عدة الطلاق، بخلاف
الصغيرة، فإن عدتها ذات جهة واحدة؛ لأن الأصل فيها عدم الحبل؛ لأن المحل لا
يحتمل(٢)، وإنما يصير محلاً بالبلوغ، وفيه شك فيبقى حكم الأصل.
فأما عدة الكبيرة فذات جهتين؛ لما قررنا من الاحتمال والتردد، فلا يحكم بالانقضاء
بالأشهر مع الاحتمال؛ وإن أقرت بانقضاء عدتها، ثم أتت بولد، فإن أتت به لأقل من ستة
أشهر مذ أقرت - يثبت النسب، وإن جاءت به لتمام ستة أشهر - فهو على الاختلاف الذي
ذكرناه في عدة الطلاق؛ أنه لا يثبت النسب عندنا.
وعند الشافعي يثبت ما لم تتزوج، وإن كانت من ذوات الأشهر، فإن كانت آيسة أو
صغيرة - فحكمها في الفوات ما هو حكمها في الطلاق وقد ذكرناه، هذا الذي ذكرناه كله في
عدة الطلاق، وغيره من الفراق، وعدة الوفاة إذا جاءت المعتدة بولد قبل التزوج بزوج آخر،
فأما إذا تزوجت بزوج آخر، ثم جاءت بولد - فالأمر لا يخلو من أربعة أوجه:
(١) في أ: تعتبر.
(٢) في أ: يحتمله.

٤٩٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
إما أن جاءت به لأقل من سنتين مذ طلقها الأول أو مات، ولأقل من ستة أشهر منذ
تزوجها الثاني. وإما أن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات، ولستة أشهر
فصاعداً منذ تزوجها الثاني. وإما أن جاءت به لأقل من سنتين منذ طلقها الأول أو مات، ولستة
أشهر فصاعداً منذ تزوجها الثاني. وأما أن جاءت به لأكثر (١) من سنتين منذ طلقها الأول أو
مات، ولأقل من ستة أشهر مذ تزوجها الثاني - فالولد للأول؛ لأنه لا يحتمل أن يكون من
الثاني؛ إذ المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر، ويحتمل أن يكون من الأول؛ لأن الولد يبقى في
بطن أمه إلى سنتين، وفي الحمل عليه حمل أمرها على الصلاح، وإنه واجب ما أمكن.
وإن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات، ولستة أشهر فصاعداً منذ
تزوجها الثاني - فهو للثاني؛ لأنه لا يحتمل أن يكون من الأول؛ إذ الظاهر من حال العاقلة
المسلمة ألا تتزوج وهي معتدة الغير، فصح نكاح الثاني؛ فكان مولوداً على فراش صحيح؛
فیثبت نسبه منه .
إن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات، ولأقل من ستة أشهر منذ
تزوجها الثاني - لم يكن للأول ولا الثاني؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، والمرأة
لا تلد لأقل من ستة أشهر، وهل يجوز نكاح الثاني في قول أبي حنيفة ومحمد جائز، وعند أبي
يوسف فاسد؛ لأنه إذا لم يثبت النسب من الأول ولا من الثاني - كان هذا الحمل من الزنا،
فيكون بمنزلة رجل تزوج امرأة وهي حامل من الزنا؛ وذلك على هذا الاختلاف على قول أبي
حنيفة ومحمد جاز نكاحها، ولكن لا يقربها حتى تضع.
وعلى قول أبي يوسف: لا يجوز النكاح ما لم تضع حملها، هذا إذا لم يعلم وقت التزوج أنها
تزوجت في عدتها، فإن علم ذلك وقع النكاح الثاني فاسداً، فجاءت بولد؛ فإن النسب يثبت من
الأول إن أمكن إثباته منه؛ بأن جاءت به لأقل من سنتين منذ طلقها الأول أو مات عنها، ولستة أشهر
فصاعداً منذ تزوجها الثاني؛ لأن النكاح الثاني فاسد؛ ومهما أمكن إحالة النسب إلى الفراش
١١٣أ الصحيح - كان أولى، وإن لم يمكن إثباته منه، وأمكن إثباته/ من الثاني - فالنسب يثبت من الثاني؛
بأن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات، ولستة أشهر فصاعداً منذ تزوجها الثاني؛
لأن النكاح الثاني وإن كان فاسداً، لكن لما تعذر إثبات النسب من النكاح الصحيح - فإثباته من
النكاح الفاسد أولى من الحمل على الزنا، والله الموفق.
وإذا نعى إلى المرأة زوجها، فاعتدت وتزوجت وولدت، ثم جاء زوجها الأول - فهي
امرأته؛ لأنها كانت منكوحته، ولم يعترض على النكاح شيء من أسباب الفرقة، فبقيت على
النكاح السابق، ولكن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من الثاني.
(١) في أ: فأما إن جاءت به الأقل.

٤٩١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما الولد فقد اختلف فيه: قال أبو حنيفة: هو للأول، وقال أبو يوسف: إن كانت ولدته
لأقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني - فهو للأول؛ وإن كانت ولدته لستة أشهر، أو أكثر -
فهو للثاني .
وقال محمد: إن كانت ولدته لسنتين من حين وطئها الثاني فهو للأول، وإن كانت ولدته
لأكثر من سنتين فهو للثاني.
وجه قول محمد: إنها إذا كانت ولدته لسنتين من حين وطئها الثاني - أمكن حمله على
الفراش الصحيح؛ لأن الولد يبقى (١) في البطن إلى سنتين فيحمل عليه، وإذا كانت ولدته إلى
سنتين فيحمل عليه، وإذا كانت ولدته لأكثر من سنتين - لم يمكن حمله على الفراش
الصحيح، لأن الولد لا بيقى في البطن أكثر من سنتين فيحمل على الفراش الفاسد ضرورة.
وجه قول أبي يوسف أنها إذا ولدت لأقل من ستة أشهر من حين وطنها للثاني تيقنا أنه
ليس من الثاني. لأن المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر، وأمكن حمله على الفراش، فيحمل
عليه، وأما إذا ولدت لستة أشهر أو أكثر - فالظاهر أنه من الثاني.
وجه قول أبي حنيفة: أن الفراش الصحيح للأول، فيكون الولد للأول؛ لقول النبي وَلّى:
(الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ))(٢)، ومطلق الفراش ينصرف إلى الصحيح، والله الموفق للصواب.
وأما الثاني، وهو بيان ما يثبت به نسب ولد المعتدة، أي: يظهر به - فجملة الكلام فيه:
أن المرأة إذا ادعت أنها ولدت هذا الولد لستة أشهر؛ فإن صدقها الزوج فقد ثبت ولادتها،
سواء كانت منكوحة أو معتدة، وإن كذبها تثبت ولادتها بشهادة امرأة واحدة ثقة عند أصحابنا،
ويثبت نسبه منه حتى لو نفاه يلاعن، وقال الشافعي: لا يثبت إلا بشهادة أربع نسوة ثقات.
وجه قوله أن هذا نوع شهادة، فلا بد من اعتبار العدد فيه كسائر أنواع الشهادت، فيقام
كل اثنتين منهن مقام رجل، فإذا كن أربعاً يقمن مقام رجلين؛ فيكمل العدد.
ولنا ما روي أَنَّ رَسُولَ الله أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ فِي الْوِلاَدَةِ، فدل على جواز شهادتها في
الولادة من غير اعتبار العدد، ولأن الأصل فيما يقبل فيه قول النساء بانفرادهن أنه لا يشترط فيه
العدد منهن على هذا أصول الشرع؛ كما في رواية الإخبار، والإخبار عن طهار الماء ونجاسته،
وعن الوكالة، وغير ذلك من الديانات والمعاملات، وقد خرج الجواب عما ذكره المخالف أن
العدد شرط؛ لأن العدد إنما يشترط بما لا يقبل فيه قول (٣) النساء بانفرادهن، ولههنا يقبل، فلا
يشترط العدد فيهن، ولو نفى الولد يلاعن؛ لأنه يثبت نسب الولد بالنكاح لا بشهادة القابلة،
وإنما الثابت بشهادتها الولادة [فقط](٤)، وتعين، أي: الذي ولدته هذا؛ لجواز أنها ولدت ميتاً
(١) في أ: لا يبقى.
(٣) في أ: شهادة.
(٢) ينظر الحديث السابق.
(٤) سقط في ط.

٤٩٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أو حياً، ثم مات، فإذا نفى الولد فقد صار قاذفاً لأمه بالزنا، وقذف الزوجة بالزنا يوجب
اللعان، وكذلك إذا قال لأمته إن كان في بطنك ولد فهو، مني فشهدت امرأة على الولادة
[تثبت الولادة] (١) تصير الجارية أم ولد؛ لأن النسب يثبت بفراش الملك عند الدعوة، وقوله:
إن كان في بطنك ولد فهو مني - دعوى النسب والحاجة بعد ذلك إلى الولادة، وتعين الولد،
وذلك يثبت بشهادة القابلة، وإذا ثبت النسب صارت الجارية أم ولد له ضرورة؛ لأن أمومية
الولد من ضرورات ثبوت النسب.
ولو قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: ولدت، وأنكر الزوج الولادة، فشهدت
قابلة على الولادة - يثبت النسب بالإجماع، وإن لم يكن الزوج أقر بالحبل، ولا كان الحبل
ظاهراً - فهل يقع الطلاق؟ قال أبو حنيفة: لا يقع ما لم يشهد على الولادة رجلان، أو رجل
وامرأتان. وقال أبو يوسف ومحمد: يقع بشهادة القابلة إذا كانت عدلة.
وجه قولهما: أن الولادة قد تثبت بشهادة القابلة بالإجماع؛ ولهذا ثبت النسب، ومن
ضرورة ثبوت الولادة وقوع الطلاق؛ لأنه معلق بها.
ولأبي حنيفة أن شهادة القابلة حجة ضرورية؛ لأنها شهادة فرد، ثم هو أنثى فيظهر فيما
فيه الضرورة، وفيما هو من ضرورات تلك الضرورة، والضرورة في الولادة، فيظهر فيها فتثبت
الولادة، ووقوع الطلاق ليس من ضرورات الولادة؛ لتصور الولادة بدون الطلاق في الجملة؛
١١٣ ب فلا ضرورة إلى إثبات الولادة في / حق وقوع الطلاق، فلا يثبت في حقه، والنسب ما ثبت
بالشهادة، وإنما يثبت بالفراش لقيام النكاح، وإنما الثابت بالشهادة الولادة، وتعين الولد،
ووقوع الطلاق ليس من ضرورات الولادة، ولا من ضرورات ثبوت النسب أيضاً، فلم يكن من
ضرورة الولادة، وثبوت النسب وقوع الطلاق، وإن كان الزوج قد أقر بالحبل، أو كان الحبل
ظاهراً - يقع الطلاق بمجرد قولها، وإن لم تشهد القابلة في قول أبي حنيفة، وعندهما لا يقع
إلا بشهادة القابلة، ولا خلاف في أن النسب لا يثبت بدون شهادة القابلة.
وجه قولهما أن المرأة تدعي وقوع الطلاق، والأصل أن المدعي لا يعطي [أحداً] شيئاً
بمجرد الدعوى؛ لأن دعوى المدعي عارضها إنكار المنكر، وقد قال ربٍَّ: «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ
بِدَعْوَاهُمْ ... ))(٢) الحديث، إلا فيما لا يوقف عليه من جهة غيره، فيجعل القول فيه قوله
(١) سقط في ط.
(٢) في ط: أمية.
(٣) أخرجه البخاري (٢١٣/٨) كتاب التفسير: باب ((إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا
خلاق لهم)) حديث (٤٥٥٢) ومسلم (١٣٣٦/٣) كتاب الأقضية: باب اليمين على المدعى عليه حديث
(١٧١١/١) وأبو داود (٤٠/٤) كتاب الأقضية: باب في اليمين على المدعى عليه حديث (٣٦١٩) =

٤٩٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
للضرورة كما في الحيض. والولادة أمر يمكن الوقوف عليه من جهة غيرها، فلا يقبل قولها
والترمذي (٦٢٦/٣) كتاب الأحكام: باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه
=
حديث (١٣٤٢) والنسائي (٢٤٨/٨) كتاب آداب القضاة: باب عظة الحاكم على اليمين، وابن ماجه (٢/
٧٧٨) كتاب الأحكام: باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه حديث (٢٣٢١) والبيهقي (٥٪
٣٣٢) كتاب البيوع: باب اختلاف المتباعين، والبغوي في ((شرح السنة)»(٥/ ٣٣٩- بتحقيقنا) كلهم من
طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّر: لو يعطي الناس بدعواهم لادعى الناس دماء
رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه .. لفظ مسلم.
تنبيه: ذكر هذا الحديث الإمام النووي في ((الأذكار)) (ص - ٤٤٧) بلفظ: لو يعطي الناس بدعواهم لادعى
رجال أموال قوم ودعاءهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وقال: هو حسن بهذا اللفظ وبعضه في الصحيحين.
قلت: أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (٢٥٢/١٠) كتاب الدعوى والبينات باب البينة على المدعي.
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وعمر بن الخطاب وعمران بن حصين وزيد بن ثابت.
- حديث عبد الله بن عمرو.
أخرجه الترمذي (٦٢٦/٣) كتاب الأحكام: باب البينة على المدعي حديث (١٣٤١) من طريق محمد بن
عبيد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّ قال في خطبته: البينة على المدعي
واليمين على المدعى عليه.
قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال ومحمد بن عبيد الله العرزمي يضعف في الحديث من قبل
حفظه ضعفه ابن المبارك وغيره أ . هـ.
ولكنه توبع تابعه الحجاج بن أرطأة.
أخرجه الدارقطني (٢١٨/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٥٣) والبيهقي (٢٥٦/١٠) كتاب الدعوى
والبينات: باب المتداعيان يتداعيان شيئاً.
- حديث أبي هريرة.
أخرجه الدارقطني (٤/ ٢١٧ - ٢١٧) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٥١) من طريق مسلم بن خالد
الزنجي عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله وَّظاهر قال: البينة على من ادعى واليمين على
من أنكر إلا في القسامة ومسلم بن خالد الزنجي ضعيف.
۔ حدیث عمر.
أخرجه الدارقطني (٢٢١٨/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٥٤) من طريق أبي حنيفة عن حماد عن
إبراهيم عن شريح عن عمر عن النبي ◌َّر قال: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
۔ حدیث عمران بن حصین.
أخرجه الدارقطني (٢١٩/٤) كتاب الأقضية والأحكام حديث (٥٦) عنه قال: أمر رسول الله ربيّر بشاهدين
على المدعي واليمين على المدعى عليه.
- حديث زيد بن ثابت.
أخرجه الدارقطني (٢١٩/٤) حديث (٥٧) والبيهقي (٢٥٣/١٠) بلفظ: إذا لم يكن للطالب بينة فعلى
المطلوب اليمين.

٤٩٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فيه؛ ولهذا لم يثبت النسب بقولها بدون شهادة القابلة؛ كذا وقوع الطلاق؛ لأنها تدعي وهو
ينكر، والقول قول المنكر حتى يقيم للمدعي حجته.
وجه قول أبي حنيفة؛ أنه قد ثبت الحبل، وهو كون الولد في البطن بإقرار الزوج
بالحبل، أو يكون الحبل ظاهراً، وأنه يفضي إلى الولادة لا محالة؛ لأن الحمل يوضع لا
محالة، فكانت الولادة أمراً كائناً لا محالة، فيقبل فيه قولها؛ كما في دم الحيض، حتى لو قال
لامرأته: إذا حضت فأنت طالق، فقالت حضت - يقع الطلاق؛ كذا ههنا، إلا أنه لم يقبل قولها
في حق إثبات النسب بدون شهادة القابلة؛ لأنها متهمة في تعيين الولد، فلا تصدق على التعيين
في حق ثبات النسب، ولا تهمة (١) في التعيين في حتى وقوع الطلاق، فتصدق فيه من غير
شهادة القابلة .
ونظيره ما إذا قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق، وامرأتي الأخرى فلانة معك،
فقالت: حضت، وكذبها الزوج - تطلق هي ولا تطلق ضرتها، ويثبت حيضها في حقها، ولا
يثبت في حق ضرتها إلا بتصديق الزوج؛ لكونها متهمة في حق ضرتها، وانتفاء التهمة في حق
نفسها؛ كذا ههنا، والله أعلم.
وإن كانت معتدة من طلاق بائن، أو من وفاة، فجاءت بولد إلى سنتين، فأنكر الزوج
الولادة، أو ورثته بعد وفاته، وادعت هي؛ فإن لم يكن الزوج أقر بالحبل، ولا كان الحبل
ظاهراً - لا يثبت النسب إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين على الولادة في قول أبي حنيفة،
وعندهما يثبت بشهادة القابلة.
وجه قولهما: أن النكاح بعد الطلاق البائن والوفاة - باق في حق الفراش، فلا حاجة إلى
ما يثبت به النسب؛ كما في حال قيام النكاح، وإنما الحاجة إلى الولادة تعيين الولد، وذلك
يثبت بشهادة القابلة؛ كما في حال قيام النكاح، ولأبي حنيفة أن الفراش لا يبقى بعد الولادة،
لانقطاع النكاح بجميع علائقه بانقضاء العدة بالولادة، وتسير أجنبية، فكان القضاء بثبوت
الولادة بشهادة القابلة قضاء بثبوت النسب لولد الأجنبية بشهادة النساء، ولا يجوز ذلك، ولا
يثبت إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وإن كان الزوج قد أقر بالحبل، أو كان الحبل
ظاهراً - فالقول قولها في الولادة، وإن لم تشهد لها قابلة في قول أبي حنيفة، وعندهما لا تثبت
الولادة بدون شهادة القابلة، والكلام في الطرفين على النحو الذي ذكرنا.
وإن كانت معتدة من طلاق رجعي - فكذلك ذكره في كتاب الدعوى، وسوى بين
(١) في أ: لأنها متهمة.

٤٩٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الرجعي والبائن؛ لأنها بعد انقضاء العدة أجنبية في الفصلين جميعاً، فلا تصدق على الولادة إلا
بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين عند أبي حنيفة، إذا لم يكن الزوج مقرًّا بالحبل، ولا كان
الحبل ظاهراً، وإن كان قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهراً - فهو على الاختلاف الذي ذكرنا.
ولو مات الزوج، وأتت امرأته بولد بعد وفاته ما بينها وبين سنتين، ولم يشهد على
الولادة أحد، لا القابلة ولا غيرها، ولكن صدقها الورثة في أنها ولدته - ذكر في ((الجامع
الصغير)) أنه يثبت نسبه بقولهم.
وذكر في كتاب الدعوى أن نسب الولد يثبت إن كان ورثته ابنين، أو ابنا وبنتين،
واختلاف العبارتين يرجع إلى أن ثبوت نسبه بتصديقهم من طريق الشهادة، أو من طريق
الإقرار، فما ذكر في كتاب الدعوى يدل على أنه من طريق الشهادة، حيث شرط أن يكون
الورثة ابنين، أو ابناً وبنتين، وما ذكر في ((الجامع)) يدل على أنه من طريق الإقرار؛ لأنه قال:
فصدقها الورثة، والشهادة لا تسمى تصديقاً في العرف.
وكذا الحاجة/ إلى الشهادة عند المنازعة ولا منازع ههنا، ومن هذا إنشاء الاختلاف بين ١١٤أ
مشايخنا فاعتبر بعضهم التصديق منه شهادة وبعضهم إقراراً، فمن اعتبره شهادة قال: لا يثبت
نسبه، إلا إذا كانت الورثة رجلين، أو رجلاً وامرأتين، ويشترط لفظ الشهادة ومجلس الحكم،
وإذا صدقها البعض وجحد البعض؛ فإن صدقها رجلان منهم، أو رجل وامرأتان - يشارك الولد
المقرين منهم والمنكرين جميعاً منهم في الميراث؛ لأن الشهادة حجة مطلقة، فكانت حجة
على الكل، فيظهر نسبه في حقهم الكل، ومن اعتبره اقراراً قال: يثبت نسبه إذا صدقها جميع
الورثة سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، ولا يراعي لفظ الشهادة ومجلس الحكم، فإذا صدقها بعض
الورثة، وجحد الباقون - يثبت نسبه في حقهم، ويشاركهم في نصيبهم من الميراث، ولا يثبت
في حق غيرهم؛ لأن إقرارهم حجة في حقهم لا في حق غيرهم. ومن هذا أيضاً إنشاء الخلاف
فيما إذا كان الوارث واحداً، فصدقها في الولادة، فقال الكرخي: إن نسبه يثبت بإقراره في
قولهم جميعاً .
وذكر الطحاوي فيه الاختلاف فقال: لا يثبت نسبه في قول أبي حنيفة ومحمد، وفي قول
أبي يوسف: يثبت؛ كأنهما اعتبرا قوله شهادة، وشهادة الفرد لا تقبل. واعتبره أبو يوسف
إقراراً، وإقرار الفرد مقبول، هذا إذا صدقها الورثة أو بعضهم، فأما إذا لم يصدقها أحد منهم
فهو على الاختلاف والتفصيل الذي ذكرنا: أن الزوج إذا لم يكن أقر بالحمل(١)، ولا كان
الحمل ظاهراً - لا يثبت نسبه إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين على الولادة عند أبي
(١) في أ: مقراً بالحبل.

٤٩٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
حنيفة، وعندهما: لا يثبت نسبه بشهادة القابلة، وإذا كان الزوج أقر بالحبل، أو كان الحبل
ظاهراً - تثبت الولادة بمجرد قولها: ولدت عند أبي حنيفة، وعندهما: لا تثبت من غير شهادة
القابلة، وقد مر الكلام في ذلك كله فيما تقدم، والله تعالى الموفق.
رجل قال لغلام: هذا ابني، ثم مات، فجاءت أم الغلام فقالت: أنا امرأته - لا شك أن
الغلام يرثه، لأنه ثبت نسبه منه بإقراره، وهل ترثه هذه أم لا، ذكر في ((النوادر)) أنها ترثه
استحساناً، والقياس ألا يكون لها الميراث.
وجه القياس أنه يحتمل أن تكون أم الغلام حرة، ويحتمل أن تكون أمة، ولو كانت حرة
فيحتمل أن تكون هذه المرأة؛ يحتمل أن تكون غيرها، ولو كانت هذه المرأة، فيحتمل أن
يكون وطئها بنكاح صحيح، ويحتمل بنكاح فاسد، أو بشبهة نكاح؛ فيقع الشك في الإرث فلا
ترث بالشك.
وجه الاستحسان أن سبب الاستحقاق للإرث في حقها يثبت بإقراره بنسب الولد، وهو
النكاح الصحيح؛ لأن المسألة مفروضة في امرأة معروفة بالحرية وبأمومة هذا الولد، فإذا أقر
بنسب الولد أنه منه، والنسب لا يثبت إلا بالفراش، والأصل في الفراش هو النكاح الصحيح،
فكان دعوى نسب الولد إقراراً منه أنه من النكاح الصحيح، فإذا صدقها يثبت النكاح ظاهراً
فترثه؛ لأن العمل بالظاهر واجب. فأما إذا لم تكن معروفة بذلك، وأنكرت الورثة كونها حرة
أو أماً له - فلا ميراث لها؛ لأن الأمر يبقى محتملاً، فلا ترث بالشك والاحتمال، والله الموفق.
ومما يتصل بحال قيام العدة عن طلاق من الإحكام؛ منها الإرث عند الموت، وجملة
الكلام فيه أن المعتدة لا تخلو: إما أن كانت من طلاق رجعي، وإما أن كانت من طلاق بائن
أو ثلاث، والحال لا يخلو؛ إما أن كانت حال الصحة، وإما أن كانت حال المرض، فإن كانت
العدة من طلاق رجعي فمات أحد الزوجين قبل انقضاء العدة ورثه الآخر بلا خلاف؛ سواء كان
الطلاق في حال المرض أو في حال الصحة؛ لأن الطلاق الرجعي منه لا يزيل النكاح، فكانت
الزوجية بعد الطلاق قبل انقضاء العدة قائمة من كل وجه، والنكاح القائم من كل وجه سبب
لاستحقاق الإرث من الجانبين؛ كما لو مات أحدهما قبل الطلاق؛ سواء كان الطلاق بغير
رضاها أو برضاها، فإن ما رضيت به ليس بسبب لبطلان النكاح، حتى يكون رضا ببطلان حقها
في الميراث، وسواء كانت المرأة حرة مسلمة وقت الطلاق أو مملوكة أو كتابية، ثم أعتقت،
أو أسلمت في العدة؛ لأن النكاح بعد الطلاق قائم من كل وجه، ما دامت العدة قائمة، وأنه
سبب لاستحقاق الإرث، وإن كانت من طلاق بائن أو ثلاث، فإن كان ذلك في حال الصحة،
فمات أحدهما لم يرثه صاحبه، سواء كان الطلاق برضاها أو بغير رضاها، وإن كان في حال
المرض، إن كان برضاها لا ترث بالإجماع، وإن كان بغير رضاها فإنها ترث من زوجها عندنا.

٤٩٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وعند الشافعي: لا ترث / ومعرفة هذه المسألة مبنية على معرفة سبب استحقاق الإرث ١١٤ب
وشرط الاستحقاق ووقته.
أما السبب فنقول: لا خلاف أن سبب استحقاق الإرث في حقها النكاح؛ فإن الله - عز
وجلّ - أدار الإرث فيما بين الزوجين على الزوجية بقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿وَلَّكُمْ نِصْفُ مَا
تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ... ﴾، إلى آخر ما ذكر سبحانه من ميراث الزوجين؛ ولأن سبب الإرث في
الشرع ثلاثة لا رابع لها: القرابة، والولاء، والزوجية
وأختلف في الوقت الذي يصير النكاح سبباً لاستحقاق الإرث، وعند الشافعي هو وقت
الموت، فإن كان النكاح قائماً وقت الموت ثبت الإرث، وإلا فلا.
واختلف مشايخنا قال بعضهم: هو وقت مرض الموت، والنكاح كان قائماً من كل وجه
من أول مرض الموت، ولا يحتاج إلى إبقائه من وجه إلى وقت الموت ليصير سبباً، وتفسير
الاستحقاق عندهم هو: ثبوت الملك من كل وجه للوارث من وقت المرض عند وجود
شرائطه (١) بطريق الظهور.
ومن وجه وقت الموت مقصوراً عليه، وهو طريق الاستناد، وهما طريقتا مشايخنا
المتقدمين، وقال بعضهم: وهو طريق المتأخرين منهم أن النكاح القائم وقت مرض الموت
سبب لاستحقاق الإرث، وهو ثبوت حق الإرث من غير ثبوت الملك للوارث أصلاً، لا من
کل وجه ولا من وجه.
وجه قول الشافعي: أن الإرث لا يثبت إلا عند الموت؛ لأن المال قبل الموت ملك
المورث، بدليل نفاذ تصرفاته، فلا بد من وجود السبب عند الموت، ولا يثبت ههنا إلا
النكاح، وقد زال بالإبانة والثلاث؛ فلا يثبت الإرث؛ ولهذا لا يثبت بعد انقضاء العدة، ولا
يرث الزوج منها بلا خلاف، ولو كان النكاح قائماً في حق الإرث لورث؛ لأن الزوجية لا تقوم
بأحد الطرفين؛ فدل أنها زائلة.
ولنا: إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - والمعقول: أما الإجماع فإنه روي عن
ابن سيرين أنه قال: كانوا يقولون ولا يختلفون: من فر من كتاب الله تعالى رد إليه، أي: من
طلق امرأته ثلاثاً في مرضه؛ فإنها ترثه ما دامت في العدة، وهذا منه حكاية عن إجماع الصحابة
- رضي الله تعالى عنهم - ومثله لا يكذب.
وكذا روي: توريث امرأة الفار عن جماعة من الصحابة من غير نكير؛ مثل عمر،
(١) سقط في ط .
بدائع الصنائع ج٤ - م٣٢

٤٩٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وعثمان، وعلي، وعائشة، وأبي بن كعب - رضي الله تعالى عنهم - فإنه روي عن إبراهيم
النخعى؛ أنه قال: جاء عروة البارقي إلى شريح بخمس خصال من عند عمر - رضي الله تعالى
عنه - منهن: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأْتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ثَلاَثاً - وَرِثَتْ مِنْهُ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا.
وروي عن الشعبي؛ أنه قال: ((إِنَّ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَيْنٍ كَانَتْ تَحْتَ عُثْمَانَ
- رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - فَلَمَّا اخْتَضَرَ (١) طَلَّقَهَا، وَقَذَ كَانَ أَرْسَلَ إِلَّيْهَا بشرَىَ (٢)، فَلَمَّا فُعِلَ أَتَتْ
عَلِيًّا - رضي الله تعالى عنه - فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيُّ - رضي الله تعالى عنه - تَرَكَهَا حَتَّى
إِذَا(٣) أَشْرَفَّ عَلَى المَوْتِ طَلَّقَهَا؟ فَوَرَّثَهَا .
وروي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تُمَاضِرَ الْكَلْبِيَّةَ فِي مَرَضِهِ أَخِرَ تَطْلِيقَاتِهَا
الثَّلاَثِ، وَكَانَتْ تَخْتَهُ أُمْ كُلْثَومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ أُخْتُ عُثْمَانٍ بِنْ عَفَّانِ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ - رَضِيَ الله
تَعَالَى عَنْهُ -، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: مَأْ أَنَّهِمُهُ وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَكُوَنَ سُنَّةً.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قال: إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ
ثَلاَثَاً وَهُوَ مَرِيضٌ تَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَةِ، وروي عن أبي بن كعب: تَرِثُهُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فإن
قيل: إن ابن الزبير مخالف، فإنه روي عنه أنه قال في قصة تماضر: وَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانِ
- رضي الله تعالى عنه - وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُوَرَّتُهَا، فكيف ينعقد الإجماع مع مخالفته - فالجواب
أن الخلاف لا يثبت بقوله هذا؛ لأنه محتمل. يحتمل أن يكون معنى قوله: لو كنت أنا لما
ورثتها، أي: عندي أنها لا ترث.
ويحتمل أن يكون معناه، أي: ظهر له من الاجتهاد، والصواب ما لو كنت مكانه لكان لا
يظهر لي، فكان تصويباً له في اجتهاده، وإن الحق في اجتهاده، فلا يثبت الاختلاف مع الاحتمال،
بل حمله على الوجه الذي فيه تحقيق الموافقة أولى، ويحتمل أنها كانت سألت الطلاق، فرأى
عثمان - رضي الله تعالى عنه - توريثها مع سؤالها الطلاق، فيرجع قوله: لو كنت أنا لما ورثتها، إلى
سؤالها الطلاق، فلما ورثها عثمان - رضي الله تعالى عنه - مع مسألتها الطلاق؛ فعند عدم السؤال
أولى، على أنه روي أن ابن الزبير - رضي الله تعالى عنه - إنما قال ذلك في ولايته، وقد كان انعقد
١١٥أ الإجماع قبله منهم / على التوريث، فخلافه بعد وقوع الاتفاق منهم لا يقدح في الإجماع؛ لأن
انقراض العصر ليس بشرط لصحة الإجماع(٤)، على ما عرف في أصول الفقه.
(٢) في أ: يشتري ثمنها.
(١) في أ: حضر.
(٣) في أ: أو.
(٤) اختلف العلماء في انقراض عصر المجمعين على حكم أي موتهم عليه: هل هو شرط في انعقاد
اجماعهم، وكونه حجة أولاً. فالمحققون من الشافعية والحنفية على أنه لا يشترط مطلقاً فإذا اتفقوا ولو
لحظة كان حجة في الحال، فيمتنع رجوع أحد من المجمعين على ذلك الحكم عنه؛ كما يمتنع مخالفة
من حدث من المجتهدين بعد انعقاده.
=

٤٩٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وقال أحمد، وأبو الحسن الأشعري، وابن فورك: يشترط مطلقاً وقيل: إنه شرط في إجماع الصحابة
=
فقط، واختار الآمدي اشتراطه في السكوتي دون غيره وقال إمام الحرمين: إن كان مستنده قياساً اشترط
وإلا فلا، كذا ذكره في ((المختصر))، والصحيح عنه، أنه لا يعتبر الانقراض البتة، بل يفرق بين المستند
إلى قاطع، فلا يشترط فيه تمادي الزمن، وينهض حجة في الحال، والمستند إلى ظني، فيشترط فيه تمادي
الزمن، حتى لو خر على المجتمعين سقف عقب الاتفاق أو عمهم الهلاك بوجه من الوجوه، فلا يكون
إجماعاً مع وجود الانقراض. وعلى اشتراط الانقراض لا يكون حجة في الحال، فيجوز الرجوع، ويعتبر
المجتهد اللاحق عند الأكثر: وعند الأقل فائدة الاشتراط هي التمكن من الرجوع دون اعتبار اللاحق،
فعلى الأول أهل الإجماع هم السابقون واللاحقون جميعاً، لكن إنما يشترط انقراض السابقين فقط، وعلى
الثاني هم السابقون فقط فالشرط انقراضهم. استدل المحققون بدليلين الأول أنه لو كان انقراض العصر
شرطاً لاوجته الأدلة الدالة على حجية الإجماع والتالي باطل، وبيان اللزوم أنه لا بد للاشتراط من دليل
والفرض أن لا دليل غير الأدلة الدالة على الحجية، وبيان بطلان التالي أن الأدلة مطلقة تتناول ما انقرض
عصره وما لا ينقرض والأصل عدم التقييد. الثاني: أنه لو شرط انقراض العصر، لما تحقق إجماع والتالي
باطل .
بيان اللزوم أنه لو توقف الإجماع على الانقراض ووجد مجتهد - وجب دخوله، ثم يجب انقراضه فيوجد
آخر، فيجب دخوله قبل انقراض الأول، وهكذا يتتابع المجتهدون في الانقراض واحداً بعد واحد؛ استدل
وهذه عادته إذا كان الدليل ضعيفاً، ولكن هذا الدليل قوي، وما أجيب به عنه فسندفعه. الجواب الأول
عنه أن تتابع المجتهدين، ولحوق بعضهم بعضاً ليس بواجب، بل غايته أن يكون جائزاً فلا يلزم حينئذ أن
لا يتحقق الإجماع؛ فإن الجواز لا يستلزم الوقوع بالفعل. ودفعه أن المراد لو شرط الانقراض لزم عدم
تحقق الإجماع في زمان تحققهم فيه مسلم بيننا وبينكم، وهو زمان الصحابة والتابعين وحينئذ فلا يمنع
التتابع واللحوق؛ لأنه معلوم الوقوع في ذلك الزمان.
الجواب الثاني عن الدليل أن اللاحقين إما أن يقال؛ لهم مدخل في الإجماع، أو يقال: لا مدخل لهم،
فإن قلنا: لهم مدخل، فلا نريد انقراض المجمعين مطلقاً بل انقراض المجمعين الأولين وإن قلنا: لا
مدخل لهم فالأمر ظاهر؛ لأن المجمعين هم الأولون، فالشرط انقراض عصرهم، وحاصل دفعه؛ كما
يؤخذ من شارح المسلم أن الانقراض لو كان شرطاً لكان لاحتمال قيام دليل على خلاف ما اجمعوا عليه،
وهذا الاحتمال قائم في كل من له دخل في الإجماع، فالمجتهد اللاحق إن كان الإجماع بدون رأيه غير
معتبر، فلا بد من انقراض عصره؛ لقيام هذا الاحتمال، وإن لم يكن له دخل في الإجماع، بل تم
الإجماع بدونه؛ فذلك باطل لأنا إذا شرطنا الانقراض فقبله لا حجية؛ فجاز مخالفة اللاحق بالرأي،
ويكون قوله معتبراً فوقت الحجية، وهو وقت الانقراض لم يوجد قول كل الأمة، فانتفى الإجماع، فقد تم
الدليل، واندفع الجواب الثاني بشقيه؛ كما اندفع الجواب الأول.
قال الشارطون: أولاً لو لم يشترط الانقراض للزم منع المجتهد عن الرجوع عن مذهبه عند ظهور موجب
الرجوع، خبراً كان الموجب أو غيره، واللازم باطل؛ لأنه يستلزم عدم العمل بالخبر الصحيح بعد الاطلاع
عليه، إذا كان الموجب خبراً، والحجر على المجتهد في الرجوع عن اجتهاده بعد تغيره إذا كان الموجب
غيره، وكلاهما باطل.
والجواب أولاً أنه منقوض بما بعد الانقراض، فدليلكم بعينه جار فيه، وثانياً: لا نسلم بطلان التالي على =

٥٠٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما المعقول: فهو أن سبب استحقاق الإرث وجد مع شرائط الاستحقاق، فيستحق
الإرث؛ كما إذا طلقها طلاقاً رجعياً، ولا كلام في سبب الاستحقاق وشرائطه، وإنما الكلام في
وقت الاستحقاق، فنقول: وقت الاستحقاق هو مرض الموت. أما على التفسير الأول والثاني:
وهو ثبوت الملك من كل وجه، أو من وجه فالدليل عليه النص وإجماع الصحابة - رضي الله
تعالى عنهم - ودلالة الإجماع والمعقول.
أما النص: فما روي عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((إنَّ الله تَعَالَىْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِئُلُثِ
أَمْوَالِكُمْ فِي أَخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً عَلَى أَعْمَالِكُم)»(١) أي تصدق باستيفاء ملككم عليكم في ثلث
الإطلاق، بل عند عدم الإجماع، وأما معه؛ فيجب منعه عن الرجوع تقديماً للقاطع، وهو الإجماع على ما
=
ليس بقاطع، ألا ترى أن علياً لما خطب على منبر الكوفة، وقال: اجتمع رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر ألا تباع
أمهات الأولاد وأما الآن فأرى بيعهن، قال له عبيدة: رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك فاطرق علي
- رضي الله عنه - ثم قال: اقضوا ما أنتم قاضون، فأنا أكره أن أخالف أصحابي فقد ظهر من هذا أن الرجوع غير
صحيح عند وقوع الإجماع مرة، وإلا لما أنكر عبيدة على أمير المؤمنين علي، وتوقف علي عن الرجوع؛ كذا
قالوا، وفيه خفاء، وإلا فأين هذا الإجماع الذي رجع عنه علي، وقول عبيدة لا يدل عليه؛ لأن الجماعة تقع
على ما فوق الاثنين، وأما رجوع علي؛ فلعله لرجوع رأيه إلى ما كان أو لم يرجع، لكن أمرهم بالثبات على ما
كانوا عليه؛ كراهية أن ينتقلوا عن رأي مجتهد التزموه على أنفسهم فالحق أن مقصود من روي هذه الحادثة في
هذا السياق هو الاستناد، أي: الاستئناس.
وقيل: أن تكون سند المنع بطلان التالي، والقدر الثابت فيها كاف، لأنه لما أنكر الرجوع عن موافقة البعض أو
الأكثر؛ لكونهم في طبقة عُليا فأي استبعاد في حرمة مخالفة الإجماع والرجوع بعدها هـ من شارع المسلم بتصرف.
وقالوا ثانياً: لو لم يعتبر قول الراجع من المجمعين بعد انعقاد الإجماع، لأن الأول اتفاق الأمة لا يجوز
خرقه - لوجب عدم اعتبار قول من مات من المخالفين، لأن الباقي كل الأمة فيكون اتفاقهم حجة لكن
التالي باطل فإنكم تقولون باعتباره فلا جماع.
والجواب: أنا تمنع بطلان اللازم، ويلتزم عدم اعتبار قول من مات؛ لأن قول الميت كالميت، فلا يعتبر
وقد تمنع الملازمة، وعليه الأكثر؛ لأن قوله: حي بدليله فهو كبقائه حين الانعقاد، فلم يحصل اتفاق
الكل، وأما فيما نحن فيه فقد وجد اتفاق الكل ولو لمحة وهو كاف في تحقق الإجماع.
ينظر: البرهان ٦٩٦/١ المحصول ٢٠٦/١/٢ الإحكام للآمدي ٢٣١/١ المستصفى ١٩٢/١ المنخول
٣١٧ المعتمد ٥٠٢/٢ التبصرة (٣٧٥) شرح العضد ٣٨/٢ شرح الكوكب المنير ٢٤٦/٢ المعتمر ٢/
١٥٠٢ إرشاد الفحول ٨٥، فصول البدائع ٢٦٩/٢، كشف الأسرار ٢٤٣/٣ أصول السرخسي ٣١٥/١
تيسير التحرير ٢٣٠/٣ فواتح الرحموت ٢٢٤/٢ التقرير والتجير ٨٦/٣.
(١) أخرجه ابن ماجه (٩٠٤/٢) كتاب الوصايا: باب الوصية بالثلث حديث (٢٧٠٩) والبيهقي (٢٦٩/٦)
كتاب الوصايا: باب الوصية بالثلث، والخطيب في تاريخ بغداد)) (٣٤٩/١) كلهم من طريق طلحة بن
عمرو المكي عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: إن الله تصدق عليكم عند
وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم.
والحديث ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (٩١/٣) وعزاه أيضاً للبزار.
=