النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأخرج الشيخان الحديث من طريق آخر. وهو أن عمر ابن عبد الله الأرقم دخل على سبيعة هذه، فسألها
=
عن حديثها فأخبرته، أنها كانت تحت سعد بن خوله من بني عامر ابن لؤي، وكان ممن شهد بدراً، فتوفى
عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها. فلما تعلت من نفاسها تجملت
للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل ابن بعكك فقال: مالي أراك متجملة لعلك ترجبن النكاح، والله ما أنت
بناكحة حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت: فلما قال لي ذلك جمعت ثيابي حين أمسيت، فأتيت
النبي - 9 - فسألته عن ذلك. فأفتاني أني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي.
وفي قولها: أفتاني أني قد حللت رد لمذهب القائلين من السلف لا يحل العقد عليها إلا بعد أن تطهر من
نفاسها أخذاً من قولها، فلما تعلت قال لها: أنكحي من شئت. فرتبوا حل النكاح على التعلي الذي هو
الطهر. فيظن توقفه على الطهر؛ ولذا يتقيد به. لكن قولها: أفتاني أني قد حللت صريح في ثبوت حل
العقد عليها بالوضع وإن لم تطهر كالحائض مثلاً والصائمة، غاية الأمر لا يجوز لزوجها وطؤها حتى تطهر
من نفاسها بدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوْهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فإذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوْهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله إنَّ الله
يُحِبُّ التّوَّابِيْنَ وَيُحِبُ المُتَطِهْرِيْنَ﴾ .
وحاصل الرد أنها إذا لم تكن تحت زوج، ولا معتدة، ولا حبلى بثابت النسب - خلت عن الموانع؛
فيصح العقد عليها، ولكن لا يجوز وطؤها حتى تطهر لما تلونا، ثم يشترط في وجوب هذه العدة أن
يكون الحمل ناشئاً عن النكاح، سواء أكان صحيحاً أم فاسداً؛ لأن الوطء في النكاح الفاسد يستلزم العدة.
وكذلك الحمل الناشئ عن الوطء بشبهة .
أما الحمل من الزنا فلا عدة منه؛ لأن الزنى لا يوجب العدة. حتى إذا تزوج امرأة وهي حامل من الزنا
- جاز ذلك، لكن لا يحل له أن يطأها ما لم تضع حملها، كيلا يكون ساقياً ماءه زرع غيره، وقد قال
النبيِ نَّ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِه).
قال الكمال بن الهمام قول صاحبَ («الهداية»: وإن كانت حاملاً فعدتها وضع حملها أطلقه؛ ليتناول
الحمل الثابت النسب وغيره. فلو طلق كبير زوجته بعد الدخول بها فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من
وقت العقد؛ بأن تزوجها حاملاً من زنا، ولا يعلم ذلك؛ فإنها تعتد بوضعه عند أبي حنيفة ومحمد
- رضي الله عنهما. وفي رواية عن أبي يوسف: تعتد بالحيض، ولا اعتبار بوضع الحمل أصلاً، وعلى
هذا الخلاف ما لو مات عنها، والمسألة بحالها. فالطرفان قالا: تعتد بوضع الحمل. وأبو يوسف تعتد
بعدة الوفاة، وهو قول زفر والشافعي. ووجههم في ذلك أنه لما تيقنا أن هذا الحمل من زنا لم نقدر
انقضاء العدة بوضعه؛ إذ اعتبار العدة بالوضع لأجل حرمة الماء وصيانته، ولا حرمة لماء الزاني.
ولأبي حنيفة ومحمد عموم قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ ... ) الآية، فإنها عامة في كل حامل،
من غير تفصيل بين أن يكون الحمل من الزوج أو من غيره. على أن هذه الآية قاضية على آية التربص؛
لنزولها بعدها، وإفادتها للعموم يستلزم انقضاء عدتها بوضع حملها.
قال في ((الدر)) ما حاصله يفيد ذلك: إن عدة الحامل مطلقاً، ولو كانت أمة أو كتابية أو من زنا بأن تزوج
حبلى من زنا ومات عنها أو طلقها؛ فإنها تعتد بوضع حملها.
قال ابن عابدين معلقاً: قوله: بأن تزوج حبلى من زنا يفيد أن العدة ليست من أجل الزنا، لما هو معلوم
من أن الحامل من الزنا لا عدة عليها. وإنما العدة لموت الزوج أو طلاقه، والذي يدلنا على أن الحمل
من زنا ولاتها لأقل من ستة أشهر من حين العقد.

٤٢٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ومما ذكرنا يعلم أن عدة الحامل مطلقاً ولو من زنا وضع حملها ووجود الحمل عند الفرقة مطلقاً أو
الموت شرط في وجوبها.
ويشترط لانقضاء هذه العدة، أن يكون الحمل الذي وضعته قد استبان خلقه، أو بعض خلقه، حتى لو
اسقطت سقطاً قد استبان بعض خلقه - انقضت به العدة؛ إذ مستبين البعض كمستبين الكل في الحكم،
فإن لم يستبن خلقه لم تنقض به العدة؛ لأن الحمل اسم النطفة متغيرة، ولا يعرف تغيرها إلا باستبانة بعض
خلقه. فكان كما لو أسقطت علقة أو مضغة لم تنقض به العدة؛ لأنها لم تتغير، فلم يصدق عليها اسم
الحمل؛ فصار كالدم المتجمد.
قال الشافعي - رضي الله عنه -: إن الحكم في السقط الذي لم يستبن أصلاً يوضع في ماء ساخن، فإن
ذاب فيه فهو دم لا تنقض به العدة، وإن لم يذب فهو ولد؛ جاز انقضاء العدة به، وفيه نظر وجهه أن هذا
من باب الطب وليس للفقه دخل فيه، فضلاً عن ظهور فساده؛ لاحتمال أن يكون الساقط قطعة من لحمها
أو كبدها انفصلت منها وهما لا ينحلان بالماء الساخن؛ كما لا ينحل الولد. فلا يعلم أنه ولد بيقين.
وفي قول آخر له: إنه يعرض على النساء اللائي يعرفن كالقابلات وغيرهن. ونقول: هذا ليس بشيء
أيضاً؛ لأنهن لم يشهدن تخلق الولد في الرحم ليقسن عليه هذا فيعرفته.
وكما قلنا لا تنقض عدتها إلا باستبانة خلق الموضوع من الحمل أو بعض خلقه. نقول: لا تنقض عدتها
إلا بوضع جميع ما في بطنها، ولا يشترط أن ينزل جملة، بل لو نزل متفرقاً في أشهر انقضت عدتها
بآخره؛ كما لا يخفى من كون الحمل يطلق على جميع ما في البطن، حتى لو ولدت ولداً وفي بطنها آخر
- لا تنقض عدتها إلا بوضع ذلك الآخر.
ولو مات الجنين في بطنها، ثم حملت بآخر، وطلقت من زوجها، ثم وضعت الحمل الثاني دون الأول
- لا تنقض عدتها، بل يتوقف انقضاؤها على وضع الآخر، أو أن تبلغ سن الإیاس.
وهذا مذهب الجمهور خلافاً للحسن البصري؛ فإنه قال بانقضاء عدتها بوضع أحد الولدين؛ مستدلاً بقول
الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ يَضَعْنَ حَمْلُهُنَّ﴾، فإنه تعالى قال: حملهن، ولم يقل:
أحمالهن.
قلنا: هذا مردود؛ لورود القراءة في بعض الروايات أن يضعن أحمالهن؛ ولأن الله تعالى علق انقضاء العدة
بوضع الحمل لا بالولادة، حيث قال: إن يضعن حملهن ولم يقل: يلدن؛ ولأن الحمل كما قلنا اسم
لجميع ما في البطن، فوضع أحد الولدين وضع لبعض حملها؛ فلا تنقضي به العدة؛ ولأن وضع الحمل
تنقضي به العدة لأجل براءة الرحم بسبب الوضع، وما دام في بطنها حمل آخر لم تحصل البراءة.
الحكمة في مشروعية العدة بوضع الحمل
سبحانك ربي ما أعظم شأنك وأبلغ قدرتك. تعطفت علينا فمنحتنا نعماً جليلة مفيدة، نسألك التوفيق
لشكرها والقيام بحقها. ومن أجل تلك النعم ما أوجبته على الحامل، مطلقة كانت أو متوفى عنها زوجها،
من التربص والانتظار إلى أن تضع حملها، إذ أنها إذا أقدمت على الزواج عقب طلاقها أو وفاة زوجها
وهي حامل - يكون الثاني ساقياً ماءه زرع غيره. وهذا لا يجوز؛ لكونه سبباً موجباً لوقوع العداوة
والبغضاء التي تبعث في نفس المطلق روح الحمية، فيقع التخاصم بينهما، ويتفاقم الخطب، ويؤدي إلى
ما لا تحمد عقباه: وقد قال رسول الله - وَاجٍ : ((لاَ يَحلِّ لاِمْرِءٍ يَؤْمِنُ بالله وَالْيَومِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ
غَيْره)) .
=

٤٢٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] أي: انقضاء أجلهن أن يضعن
حملهن، وإذا كان انقضاء أجلهن بوضع حملهن - كان أجلهن؛ لأن أجلهن مدة حملهن، وهذه
العدة إنما تجب لئلا، يصير الزوج بها ساقيا ماءه زرع غيره، وشرط وجوبها أن يكون الحمل
من النكاح، صحيحاً كان أو فاسداً لأن الوطء في النكاح الفاسد يوجب العدة، ولا تجب على
الحامل بالزنا؛ لأن الزنا لا يوجب العدة، إلا أنه إذا تزوج امرأة، وهي حامل من الزنا - جاز
النكاح عند أبي حنيفة ومحمد لكن لا يجوز له أن يطأها ما لم تضع؛ لئلا يصير ساقياً ماءه زرع
غيره.
فصل في مقادير العدة وما تنقضي به
وأما بيان مقادير العدة، وما تنقضي به، فأما عدة الأقراء، فإن كانت المرأة حرة فعدتها
ثلاث قروء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وسواء وجبت بالفرقة
في النكاح الصحيح، أو بالفرقة في النكاح الفاسد، أو بالوطء عن شبهة النكاح، لما ذكرنا أن
النكاح الفاسد بعد الدخول يجعل منعقداً في حق وجوب العدة، ويلحق به فيه، وشبه النكاح
وقال: ((لاَ تُوْطَأْ حَامِلُ حَتَّى تَضَعِ، وَلاَ غَيْرِ ذَاتِ حَملٍ حَتَّى تَحِضْنَ)) (عدة أم الولد إذا مات عنها مولاها
=
أو أعتقها) إذا اعتق المولى أم ولده أو مات عنها؛ فلا يخلو إما أن تكون حاملاً أو حائلاً؛ فإن كانت
حاملاً فعدتها وضع حملها للعموم في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ ... ﴾ (الآية) وإن كانت حائلاً
فعِدتها ثلاثة قروء إن كانت من ذوات الإقراء. وإن كانت آية فعدتها ثلاثة أشهر؛ لعموم قوله تعالى:
﴿وَالَّلاَئِي يَئِسْنَ مِنَ المُحِيْضِ ... ﴾ (الآية).
وقال مالك، والشافعي: عدتها حيضة واحدة، روي ذلك عن عائشة، وابن عمر؛ ولأن عدتها بالحيض
وجبت بسبب زوال ملك اليمين فأشبهت الاستبراء بحيضة.
ولنا ما روي أن عمرو بن العاص أمر أم الولد إذا اعتقت أن تعتد بثلاث حيض، وقد كتب إلى عمر
بذلك؛ فرد عليه بأستحسان رأيه؛ ولأن العدة وجبت من أجل زوال الفراش؛ فشابهت عدة النكاح.
وفراسن أم الولد وإن كان أضعف من فراسن المنكوحة إلا أنهما يشتركان في أصل الفراسن فألحقنا القاصر
بالكامل للاحتياط؛ ولأن هذه عدة وجبت على حرة، فلا يكتفي فيها بحيضة؛ ولأن مذهبنا هو مذهب
عمر، وعلي، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة؛ وكفى بهم قدوة.
على أن قياس المخالفين لنا على الاستبراء لا يصح. لأن سبب الاستبراء استحداث الملك وسبب العدة
زوال الفراسن، ولا مناسبة بين السببين حتى يكتفي في عدة أم الولد إذا لم تكن منكوحة ولا معتدة لزوج؛
فإذا كانت كذلك فلا عدة عليها بموت المولى أو إعتاقه؛ لأنه لا فراسن لها من المولى، إذا الشرط في
وجوب العدة من المولى أن لا تحرم عليه بسبب من الأسباب. ونكاح الغير وعدته من الأسباب الموجبة
لتحريم أم الولد عليه.
ينظر نص كلام شيخنا عبد العظيم وهي في العدة.

٤٢٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ملحقة بالحقيقة فيما يحتاط فيه، والنص الوارد في المطلقة يكون وارداً فيها دلالة، / وكذلك أم
الولد إذا اعتقت بإعتاق المولى، أو بموته؛ فإنها تعتد بثلاثة قروء عندنا، وعند الشافعي: تعتد
بحيضة واحدة.
وجه قوله: أن هذه العدة لم تجب بزوال ملك النكاح؛ لعدم النكاح، وإنما وجب بزوال
مالك اليمين، فكان وجوبها بطريق الاستبراء، فيكتفي بحيضة واحدة؛ كما في استبراء سائر
المملوكات.
ولنا ما روي عن عمر، وغيره من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم .؛ أنهم قالوا عِدَّةُ أُمّ
الْوَلَدِ ثَلاَثُ حَيضٍ، وهذا نص فيه، وبه تبين أن الواجب عدة، وليس باستبراء، إلا أنهم سموه
عدة، والعدة لا تقدر بحيضة واحدة، والدليل على أنها عدة أنه يجب على الحرة، والحرة لا
يلزمها الاستبراء، وإذا كان عدة لا يجوز تقديرها بحيضة واحدة كسائر العدد، ولأن هذه العدة
تجب بزوال الفراش، لأن أم الولد لها فراش، إلا أن فراشها قبل العتق غير مستحكم، بل هو
ضعيف؛ لاحتماله النقل إلى غيره، فإذا اعتقت فقد استحكم، فالتحق بالفراش الثابت بالنكاح،
١٠١٠ ب والعدة التي تجب بزوال الفراش الثابت بالنكاح، وهو النكاح الفاسد مقدرة بثلاثة قروء/ ولهذا
استوى في الواجب عليها الموت والعتق؛ كما في النكاح الفاسد وعدة المستحاضة وغيرها
سواء، وهي ثلاثة أقراء؛ لعموم النص، وإن كانت أمة فقرءان عند عامة العلماء، وقال نفاة
القياس: ثلاثة قروء كعدة الحرة، احتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَّبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
ثَلاَثَةً قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] من غير تخصيص الحرة.
ولنا الحديث المشهور، وهو ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - عن
رسول الله وَّ أنه قال: ((طَلاَقُ الأَمَةِ ثِنْتَانٍ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانٍ))، وقال عمر - رضي الله تعالى
عنه - ((عِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ، وَلَوِ اسْتَطَعْتُ لَّجَعَلْتُهَا [ حَيْضَةً وَنِصْفاً]))(١) وبه تبين أن الإماء
مخصوصات من عموم الكتاب الكريم، وتخصيص الكتاب بالخبر المشهور جائز بالإجماع،
ولأن العدة حق من حقوق النكاح مقدر فيؤثر الرق في تنصيفه؛ كالقسم كان ينبغي أن يتنصف
فتعتد حيضة ونصف؛ (٢) كما أشار إليه عمر - رضي الله تعالى عنه - إلا أنه لا يمكن؛ لأن
الحيضة الواحدة لا تتجزأ فتكاملت ضرورة، وسواء كان زوجها حرًّا أو عبداً بلا خلاف، لأن
العدة تعتبر بالنساء بالإجماع، ويستوي في مقدار هذه العدة المسلمة، والكتابيةَ الحرة؛ كالحرة
والأمة كالأمة؛ لأن الدلائل لا توجب الفصل.
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: حيضة واحدة ونصف حيضة.
(٢) في أ: بحيضة ونصف.

٤٢٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ثم اختلف أهل العلم(١) فيما تنقضي به هذه العدة؛ أنه الحيض أم الأطهار. / قال أصحابنا
رحمهم الله الحيض، وقال الشافعي: الأطهار، وفائدة الاختلاف أن من طلق امرأته في حالة
الطهر- لا يحتسب بذلك الطهر من العدة عندنا، حتى لا تنقضي عدتها ما لم تحض ثلاث
حيض بعده، وعنده يحتسب بذلك الطهر من العدة، فتنقضي عدتها بانقضاء ذلك الطهر الذي
طلقها فيه، وبطهر آخر بعده، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، روي
عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي موسى
الأشعري، وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وعبد الله بن قيس - رضي الله تعالى عنهم -، أنهم
قالوا: ((الزَّوْجُ أَحَقُّ بِمُرَاجَعَتِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيضَةِ الثَّالِثَةِ كما هو مذهبنا.
وعن زيد بن ثابت، وحديقة، وعبد الله بن عمر، وعائشة - رضي الله تعالى عنهم - مثل
قوله، وحاصل الاختلاف راجع إلى أن القرء المذكور في قوله سبحانه: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ما هو؟
الحيض أم الطهر، فعندنا: الحيض، وعنده الطهر، ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القرء من
الأسماء المشتركة بذكر، ويراد به الحيض ويذكر، ويراد به الطهر على طريق الاشتراك، فيكون
حقيقة لكل واحد منهما؛ كما في سائر الأسماء المشتركة من اسم العين وغير ذلك. أما
استعماله في الحيض؛ فلقول النبي ◌ََّ (الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا))(٢)، أي: أيام
حيضها؛ إذ أيام الحيض هي التي تدع الصلاة فيها لا أيام الطهر.
وأما في الطهر؛ فلما روينا أن رسول الله وَ ل قال لعبد الله بن عمر - رضي الله تعالى
عنهما - ((إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الظُّهْرَ(٣) اسْتِقْبَالاَ، فَتُطَلِّقُهَا لِكُلِّ قُرْءٍ تَظْلِقَةٌ))(٤) أي: طهر.
وإذا كان الاسم حقيقة لكل واحد منهما على سبيل الاشتراك، فيقع الكلام في الترجيح،
احتج الشافعي بقوله: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقد فسر النبي ◌ََّ العدة الطهر في ذلك
الحديث، حيث قال: ((فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ الله أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءَ))(٥)، فدل أن العدة بالطهر لا
بالحيض، ولأنه أدخل الهاء في الثلاثة بقوله - عز وجلّ -: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وإنما تدخل الهاء
في جمع المذكر لا في جمع المؤنث، يقال: ثلاثة رجال وثلاث نسوة، والحيض مؤنث،
والطهر مذكر، فدل أن المراد منها الأطهار، ولأنكم لو حملتم القرء المذكور، على الحيض،
للزمكم المناقضة، لأنكم قلتم في المطلقة ((إذا كانت أيامها دون العشرة، فانقطع دمها)» إنه لا
تنقضي عدتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، فقد جعلتم العدة بالطهر وهذا تناقض.
(١) في أ: القبلة.
(٣) في أ: العدة.
(٥) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم في الطهارة.
(٤) تقدم في أوائل كتاب الطلاق.

٤٢٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولنا الكتاب والسنة والمعقول، أما الكتاب الكريم فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أمر الله تعالى بالاعتداد بثلاث قروء، ولو حمل القرء على
الطهر - لكان الاعتداد بطهرين وبعض الثالث؛ لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من
الأقراء عنده، والثلاثة اسم لعدد مخصوص، والاسم الموضوع لعدد لا يقع على ما دونه،
فيكون ترك العمل بالكتاب، ولو حملناه على الحيض يكون الاعتداد بثلاث حيض كوامل؛ لأن
١١٠٢ ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة عندنا، فيكون محملاً بالكتاب، / فكان الحمل على ما
قلنا أولى ولا يلزم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أنه ذكر الأشهر، والمراد
منه شهران، وبعض الثالث، فكذا القروء جائز أن يراد بها القرءان وبعض الثلث؛ لأن الأشهر
اسم جمع لا اسم عدد، واسم الجمع جاز أن يذكر، ويراد به بعض ما ينتظمه مجازاً، ولا
يجوز أن يذكر الاسم الموضوع لعدد محصور(١)، ويراد به ما دونه لا حقيقة ولا مجازا.
ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: رأيت ثلاثة رجال، ويراد به رجلان، وجاز أن يقال:
رأيت رجالا ويراد به رجلان، مع ما أن هذا إن كان في حد الجواز، فلا شك أنه بطريق
المجاز، ولا يجوز العدول عن الحقيقة من غير دليل؛ إذا الحقيقة هي الأصل في حق الأحكام
للعمل بها.
وإن كان في حق الاعتقاد يجب التوقف؛ لمعارضة المجاز الحقيقة في الاستعمال، وفي
باب الحج قام دليل المجاز.
وقوله - عز وجل -: ﴿وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ
أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، جعل - سبحانه وتعالى - الأشهر بدلاً عن الأقراء عند اليأس عن الحيض،
والمبدل هو الذي يشترط عدمه؛ لجواز إقامة البدل مقامه، فدل أن المبدل هو الحيض، فكان
هو المراد من القرء المذكور في الآية، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءٌ فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً
طيباً﴾ [المائدة: ٦]، لما شرط عدم الماء عند ذكر البدل وهو التيمم، دل أن التيمم بدل عن
الماء، فكان المراد منه الغسل المذكور في آية الوضوء، وهو الغسل بالماء؛ كذا ههنا.
وأما السنة فما روي عن رسول الله وَ ليم أنه قال: ((طَلاَقُ الأَمَةِ ثِنْتَانٍ وَعِدَّتُهَا
حَيْضَتَانِ))(٢)، ومعلوم أنه لا تفاوت بين الحرة والأمة في العدة فيما يقع به الانقضاء؛ إذ الرق
أثره في تنقيص العدة التي تكون في حق الحرة، لا في تغيير أصل العدة، فدل أن أصل ما
تنقضي به العدة هو الحيض.
(١) في أ: مخصوص.
(٢) تقدم تخريجه.

٤٢٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما المعقول: فهو أن هذه العدة وجبت للتعرف عن براءة الرحم، والعلم ببراءة الرحم
يحصل بالحيض لا بالطهر، فكان الاعتداد بالحيض لا بالطهر.
وأما الآية الكريمة فالمراد من العدة المذكورة فيها عدة الطلاق، والنبي وَّ جَعَلَ الطُّهْرَ
عِدَّةَ الطَّلاَقِ ألا ترى أنه قال: ﴿فَتِلْكَ الْعِدَّةِ التي أَمَرَ الله تَعَالَىْ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ﴾ والكلام في
العدة عن الطلاق أنها ما هي، وليس في الآية بيانها.
وأما قوله: أدخل الهاء في الثلاثة فنعم، لكن هذا لا يدل على أن المراد هو الطهر من
القُرُوء؛ لأن اللغة لا تمنع من تسمية شيء واحد باسم التذكير والتأنيث، كالبر، والحنطة،
فيقال: هذا البر، وهذه الحنطة، وإن كانت البر والحنطة شيئاً واحداً، فكذا القرء، والحيض
أسماء الدم المعتاد، وأحد الاسمين مذكر وهو القرء، فيقال: ثلاثة قروء، والآخر مؤنث وهو
الحيض، فيقال: ثلاث حيض، ودعوى التناقض ممنوعة، فإن في ذلك الصورة الحيض باق،
وإن كان الدم منقطعاً؛ لأن انقطاع الدم لا ينافي الحيض بالإجماع؛ لأن الدم لا يدر في جميع
الأوقات، بل في وقت دون وقت، واحتمال الدرور في وقت الحيض قائم، فإذا لم يجعل ذلك
الطهر عدة - لا يلزمنا التناقض والله الموفق.
وأما الممتد طهرها، وهي امرأة كانت تحيض، ثم ارتفع حيضها من غير حمل ولا يأس،
فانقضاء عدتها في الطلاق، وسائر وجوه الفرق بالحيض، لأنها من ذوات الأقراء، إلا أنه ارتفع
حيضها مدة (١) العارض، فلا تنقضي عدتها حتى تحيض ثلاث حيض، أو حتى تدخل في حد
الإباس، فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر، وهو مذهب علي، وعثمان، وزيد بن ثابت
- رضي الله تعالى عنهم ..
وروي عن عمر، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم - أَنَّهَا تَمْكُثُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ لَمْ
تَحِضْ اعْتَدَّتْ ثَلاثَةَ أَشْهُرِ بَعْدَ ذَلكَ، وهو قولُ مالك.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّئِي يَبِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةً
أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤].
نقل الله العدة عند الارتياب إلى الأشهر، والتي ارتفع حيضها فهي مرتابة، فيجب أن
تکون عدتها بالشهور.
والجواب: أنه ليس المراد من الارتياب المذكور، وهو الارتياب في اليأس، بل المراد منه
ارتياب المخاطبين في عدة الآيسة قبل نزول الآية؛ كذا روي عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه -
(١) سقط في ط.

٤٢٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أن الله تعالى لما بين لهم عدة ذات القروء وعدة الحامل، شكوا في الآية فلم يدروا ما عدتها، فأنزل
الله تعالى هذه الآية، وفي الآية ما يدل عليه؛ فإنه قال: ﴿وَاللَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾
[الطلاق: ٤]، ولا يأس مع الارتياب؛ إذ الارتياب يكون وقت(١) رجاء الحيض، والرجاء ضد اليأس.
وكذا قال سبحانه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، ولو كان المراد منه الارتياب في الإياس لكان من حق الكلام أن
١٠٢ ب يقول (إن ازتبن) فدل/ أنه سبحانه وتعالى أراد به ماذكرنا، والله - عز وجل - أعلم.
وأما عدة الأشهر: فالكلام فيها في موضعين أيضاً، في بيان مقدارها، وما تنقضي به، وفي
بيان كيفية ما يعتبر به الانقضاء. أما الأول: فما وجب بدلاً عن الحيض، وهو عدة الآيسة،
والصغيرة، والبالغة التي لم تر الحيض أصلاً فثلاثة أشهر إن كانت حرة لقوله تعالى: ﴿وَاللَّئِي
يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرِ وَاللَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]،
ولأن الأشهر في حق هؤلاء تدل على الأقراء، والأصل مقدر بالثلاث كذا البدل، سواء وجبت
الفرقة بطلاق أو بغير طلاق في النكاح الصحيح؛ لعموم النص، أو وجبت بالفرقة في النكاح
الفاسد، أو بالوطء عن شبهة، لما ذكرنا في عدة الأقراء، وكذا إذا وجبت على أم الولد بالعتق،
أو بموت المولى عندنا خلافاً للشافعي.
وإن كانت أمة فشهر ونصف؛ لأن حكم البدل حكم الأصل، وقد تنصف المبدل، فيتنصف
البدل؛ ولأن الرق متنصف، والتكامل في عدة الأقراء ثبت لضرورة عدم التجزئ، والشهر متجزئ،
فبقي الحكم فيه على الأصل، ولهذا تتنصف عدتها في الوفاة، وسواء كان زوجها حرًّا أو عبداً؛ لما
ذكرنا أن المعتبر في العدة جانب النساء، وسواء كانت قنة أو مدبرة، أو أم ولد أو مكاتبة، أو
مستسعاة عند أبي حنيفة، لما ذكرنا في مدة الأقراء.
وكذا إذا وجبت على أم الولد بالعتق، أو بموت المولى عندنا خلافاً للشافعي، وما وجب
أصلاً بنفسه، وهو عدة المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشر وقيل: ((إنما قدرت هذه العدة بهذه
المدة إن كانت حرة؛ لقوله - عز وجلّ : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وقيل: إنما قدرت هذه العدة بهذه المدة؛ لأن الولد يكون في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم
أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم ينفخ في الروح في العشر، فأمرت بتربص هذه المدة،
ليستبين الحبل إن كان بها حبل، وإن كان أمة فشهران وخمسة أيام لما بينا بالإجماع، سواء كانت قنة
أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة أو مستسعاة عند أبي حنيفة، المسلمة والكتابية سواء كان في مقدار
هاتين العدتين الحرة كالحرة والأمة كالأمة، لأن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بينهما
وانقضاء هذه العدة بانقضاء هذه المدة في الحرة والأمة .
(١) في أ: مع.
-

,
٤٢٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما الثاني: وهو بيان كيفية ما يعتبر به انقضاء هذه العدة، فجملة الكلام فيه أن سبب
وجوب هذه العدة من الوفاة والطلاق، ونحو ذلك، إذا اتفق في عدة الشهر اعتبرت الأشهر
بالأهلة، وإن نقصت عن العدد في قول أصحابنا جميعاً؛ لأن الله تعالى أمر بالعدة بالأشهر
بقوله - عز وجلّ -: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرِ﴾ [الطلاق: ٤]، وقوله - عز وجلّ -: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ
وَعَشْراً﴾، فلزم اعتبار الأشهر، والشهر قد يكون ثلاثين يوماً، وقد يكون تسعة وعشرين يوماً؛
بدليل ما روي عن النبي ◌َّرِ أنه قال: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَأَشَارَ بِأَصَابِعَ يَدَيْهِ كُلُّهَا )»،
ثم قال: (( الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَحَبَسَ إِنْهَامَهُ فِي الْمَسْرَّةِ الثَّالِثَةِ)) (١) .
وإن كانت الفرقة في بعض الشهر اختلفوا فيه، قال أبو حنيفة: يعتبر بالأيام فتعتد من
الطلاق وأخواته تسعين يوماً، ومن الوفاة مائة وثلاثين يوماً، وكذلك قال في صوم الشهرين
المتتابعين إذا ابتدأ الصوم في نصف الشهر، وقال محمد: تعتد بقية الشهر بالأيام، وباقي
الشهور بالأهلة، ويكمل الشهر الأول من الشهر الأخير بالأيام، وعن أبي يوسف روايتان: في
رواية مثل قول أبي حنيفة، وفي رواية مثل قول محمد، وهو قوله الأخير.
وجه قولهما: أن المأمور به هو الاعتداد بالأشهر(٢)، والأشهر اسم الأهلة، فكان الأصل
في الاعتداد هو الأهلة، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ للنَّاسِ وَالحَجْ﴾
[البقرة: ١٨٩]، جعل الهلال لمعرفة المواقيت، وإنما يعدل إلى الأيام عند تعذر اعتبار الأهلة،
وقد تعذر اعتبار الهلال في الشهر الأول، فعدلنا عنه إلى الأيام، ولا تعذر في بقية الأشهر،
فلزم اعتبارها بالأهلة؛ ولهذا اعتبرنا كذلك في باب الإجارة إذا وقعت في بعض الشهر؛ كذا
ههنا .
ولأبي حنيفة: أن العدة يراعي فيها الاحتياط، فلو اعتبرناها في الأيام لزادت على
الشهور، ولو اعتبرناها بالأهلة لنقصت عن الأيام، فكان إيجب الزيادة أولى احتياطاً بخلاف
الإجارة؛ لأنها تمليك المنفعة، والمنافع توجد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث الزمان، فيصير
كل جزء منها كالمعقود عليه عقداً مبتدأ، فيصير عند استهلال الشهر، كأنه ابتدأ العقد، فيكون
بالأهلة، بخلاف العدة، فإن كل جزء منها ليس كعدة مبتدأة.
وأما الإيلاء في بعض الشهر (٣/: فقد ذكرنا الاختلاف بين أبي يوسف وزفر في كيفية ١٠٣أ
اعتبار الشهر فيه: أن علي قول أبي يوسف يعتبر بالأيام فيكمل مائة وعشرين يوماً، ولا ينظر
(١) تقدم تخريجه في كتاب الصيام.
(٢) في ط: بالشهر.
(٣) في أ: رأس.

٤٣٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
إلى نقصان الشهر ولا إلى تمامه، وعند زفر يعتبر بالأهلة وجه قوله: أن مدة الإيلاء كمدة
العدة؛ لأن كل واحد منهما يتعلق به البينونة.
ولأبي يوسف أن اعتبار الأيام في مدة الإيلاء يوجب تأخير الفرقة، واعتبار الأشهر يوجب
التعجيل، فوقع الشك في وقوع الطلاق، فلا يقع بالشك كمن علق طلاق امرأته بمدة في
المستقبل، وشك في المدة بخلاف العدة؛ لأن الطلاق هناك واقع بيقين وحكمه متأجل، فإذا
وقع الشك في التأجيل لا يتأجل بالشك والله أعلم.
وأما عدة الحبل: فمقدارها بقية مدة الحمل، قلت أو كثرت، حتى لو ولدت بعد وجوب
العدة بيوم أو أقل أو أكثر - انقضت به العدة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوَلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ
يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] من غير فصل، وذكر في الأصل أنها لو ولدت والميت على
سريره - انقضت به العدة على ما جاءت به السنة، هكذا ذكر، والسنة ((المذكورة هي ما روى
عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في المتوفى عنها زوجها: ((إِذَا وَلَّدَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى
سَرِيرِهِ جَازَ لَّهَا أنْ تَتَزَوَّجَ))، وشرط انقضاء هذه العدة أن يكون ما وضعت(١) قد استبان خلقه أو
بعض خلقه، فإن لم يستبن رأساً، بأن أسقطت علقة أو مضغة - لم تنقض العدة، لأنه إذا
استبان خلقه أو بعض خلقه - فهو ولد، فقد وجد وضع الحمل، فتنقضي به العدة، وإذا لم
يستبن لم يعلم كونه ولداً، بل يحتمل أن يكون، ويحتمل ألا يكون، فيقع الشك في وضع
الحمل؛ فلا تنقضي العدة بالشك.
وقال الشافعي في أحد قوليه: النساء، وهذا ليس بشيء؛ لأنهن لم يشاهدن انخلاق الولد
في الرحم ليقسن هذا عليه فيعرفن، وقال في قول آخر: يجعل في الماء الحار، ثم ينظر إن
انحل فليس بولد، وإن لم ينحل فهو ولد، وهذا أيضاً فاسد، لأن يحتمل أنه قطعة من كبدها أو
لحمها انفصلت منها، وأنها لا تنحل بالماء الحار؛ كما لا ينحل الولد، فلا يعلم به أنه ولد،
ولو ظهر أكثر الولد لم يذكر هذا في ظاهر الرواية.
وقد قالوا في المطلقة طلاقاً رجعياً إنه إذا ظهر منها أكثر ولدها، أنها تبين، فعلى هذا يجب
أن تنقضي به العدة أيضاً بظهور أكثر الولد، ويجوز أن يفرق بينهما فيقام الأكثر مقام الكل في
انقطاع الرجعة احتياطاً، ولا يقام في انقضاء العدة، حتى لا تحل للأزواج احتياطاً أيضاً، ثم
انقضاء عدة الحمل بوضع الحلم إذا كانت معتدة عن طلاق، أو غيره من أسباب الفرقة بلا
خلاف، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وكذلك
إذا كانت متوفى عنها زوجها عند عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم ..
(١) في أ: ولدت.

٤٣١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وروي عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة
- رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا: عدتها بوضع ما في بطنها، وإن كان زوجها على السرير،
وقال علي - رضي الله تعالى عنه - وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس - رضي الله تعالى
عنهما -: ((أَنَّ الحَامِلَ إِذَا تُوُفَِّ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَعِدَّتُهَا أَبْعَدُ الأجَلَيْنِ: وَضْعُ الحَمْلِ، أَوْ مُضِيُّ
أَزْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، أَيُّهُمَا كَانَ أَخيراً تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ)).
وجه هذا القول: أن الاعتداد بوضع الحمل إنما ذكر في الطلاق لا في الوفاة بقوله
تعالى: ﴿وَأَوَلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؛ لأنه معطوف على قوله - عز وجلّ -:
﴿وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ الحَيْضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلَائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
[الطلاق: ٤]، وذلك بناء على قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، فكان
المراد من قوله: ﴿وَاللَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: المطلقات ولأن في الاعتداد بأبعد الأجلين جمعا بين
الآيتين بالقدر الممكن؛ لأن فيه عملاً بآية عدة الحبل، إن كان أجل تلك العدة أبعد، وعملاً
بآية عدة الوفاة إن كان أجلها أبعد، فكان عملاً بهما جميعاً بقدر الإمكان، وفيما قلتم عمل
بإحداهما، وترك العمل بالأخرى أصلاً؛ فكان ما قلنا أولى.
ولعامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - قوله تعالى: ﴿وَأُوَلاَتُ
الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، من غير فصل بين المطلقة والمتوفى عنها
زوجها، وقوله هذا بناء على قوله: ﴿وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ الحَيْضِ مِنْ نِسَائِكم﴾ ممنوع بل هو
ابتداء خطاب، وفي الآية الكريمة ما يدل عليه، فإنه قال: ﴿إِنْ أرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾
[الطلاق: ٤] ومعلوم أنه لا يقع الارتياب فيمن يحتمل القرء؛ وذلك لأن الأشهر في الآيات إنما/ ١٠٣ب
أقيمت مقام الأقراء في ذرات الحيض، وإذا كانت الحامل ممن تحيض لم يجز أن يقع لهم
شك في عدتها؛ ليسألوا عن عدتها، وإذا كانت الحامل ممن تحيض لم يجزأن يقع لهم شك
في عدتها؛ ليسألوا عن عدتها، وإذا كان كذلك ثبت أنه خطاب مبتدأ، وإذا كان خطاباً مبتدأ
تناول العدد كلها .
وقوله: الاعتداد بأبعد الأجلين عمل الآيتين بقدر الإمكان، فيقال: إنما يعمل بهما إذا لم
يثبت نسخ إحداهما بالتقدم والتأخر، أو لم يكن إحداهما أولى بالعمل بها، وقد قيل: إن آية
وضع الحمل آخرهما نزولاً بما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه قال:
مَنْ شَاءَ بَاهِلتُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَزَلَ بَعْدَ
قَوْلِهِ: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة ٢٣٤].
فأما نسخ الأشهر بوضع الحمل إذا كان بين نزول الآيتين زمان يصلح للنسخ، فينسخ
الخاص المتقدم بالعام المتأخر؛ كما هو مذهب مشايخنا بالعراق، ولا يبنى العام على الخاص،

٤٣٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أو يعمل بالنص العام بعمومه، ويتوقف في حق الاعتقاد في التخريج على التناسخ
والتخصيص(١)؛ كما هو مذهب مشايخنا بسمرقند، ولا يبنى العام على الخاص على ما عرف
في أصول الفقه.
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ حِينَ نُزُولٍ قَوْلِهِ:
﴿وَأُوَلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أَنَّهَا فِي الْمُطَلَّقَةِ أَمْ فِي المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ فيهما جميعا)). وقد روت أمُّ سَلَمَةَ - رضي الله تعالى عنها - أن سُبَيْعَةَ بِنْت
الحَارِثِ (الأَسْلَمِيَّةَ) (٢) وضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِبضْعَ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَأمَرَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهَ بِأَنْ
تَتَزَوَّجَ))(٣).
وروي أيضاً عن أبي السنابل بن بَعْكَكِ أن سُبَيِعَةَ بِنْتَ الحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةَ وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةٍ
زَوْجِهَا بِضْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ وَ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ)).
وروي أنها لَمَّا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا، وَسَأَلَتْ أبا السَّنَابِلِ بْنَ بَعْكَكِ: هَلْ
يَجُوزُ لِهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ فَقَالَ لَهَا: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَلَّهِ: فَقَالَ:
كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ، ابْتَغِي الأَزْوَاجَ)» (٤) وهذا حديث صحيح، وقد روي من طرق صحيحة، لا
مساغ لأحد في العدول عنها، ولأن المقصود من العدة من ذوات الأقراء العلم ببراءة الرحم،
ووضع الحمل في الدلالة على البراءة فوق مضى المدة، فكان انقضاء العدة به أولى من
الانقضاء بالمدة، وسواء كانت المرأة حرة أو مملوكة، فئة أو مدبرة، أو مكاتبة أو أم ولد، أو
مستسعاة، مسلمة أو كتابية، لعموم النص.
وقال أبو يوسف كذلك، إلا في امرأة الصغير في عدة الوفاة، بأن مات الصغير عن امرأته
وهي حامل، فإن عدتها أربعة أشهر وعشر عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة ومحمد: عدتها
أن تضع حملها .
وجه قوله: أن هذا الحمل ليس منه بيقين، بدليل أنه لا يثبت نسبه منه، فكان من الزنا،
فلا تنقضي به العدة كالحمل من الزنا، وكالحمل الحادث بعد موته ولهما عموم قوله تعالى:
﴿وَأْوُلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في أ.
(٣) أخرجه البخاري (٤٩٠٩) ومسلم (١٤٨٥/٥٧) والترمذي (١١٩٤) والنسائي (٣٥١١) وفي ((التفسير))
(٦٢٦) من حديث أم سلمة.
(٤) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٦/ ٣٦٠) وعزاه لعبد بن حميد.

٤٣٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وقوله: الحمل من الزنا لا تنقضي به العدة، وهذا حمل من الزنا، فيكون مخصوصاً من
العموم، فنقول: الحمل من الزنا قد تنقضي به العدة على قياس قولهما؛ ألا ترى أنه إذا تزوج
امرأة حاملاً من الزنى جاز نكاحها عندهما، ولو تزوجها ثم طلقها، فوضعت حملها تنقضي
عدتها عندهما بوضع الحمل(١)، وإن كان الحمل من الزنا، ولأن وجوب العدة للعلم بحصول
فراغ الرحم، والولادة دليل فراغ الرحم بيقين، والشهر لا يدل على الفراغ بيقين، فكان إيجاب
ما دل على الفراغ بيقين أولى، ولا أثر للنسب في هذا الباب، وإنما الأثر لما بينا في الجملة.
فإن مات وهي حائل، ثم حملت بعد موته قيل انقضاء العدة فعدتها بالشهور أربعة أشهر وعشر
بالإجماع لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْن بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةً
أَشْهُرٍ وَعَشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولأن الحمل إذا لم يكن موجوداً وقت الموت - وجبت العدة
بالأشهر، فلا تتغير بالحمل الحادث، وإذا كان موجوداً وقت الموت - وجبت عدة الحمل،
فكان انقضاؤها بوضع الحمل، ولا يثبت نسب الولد في الوجهين جميعاً، لأن الولد لا يحصل
عادة إلا من الماء، والصبي لا ماء له حقيقة. ويستحيل وجوده عادة؛ فيستحيل تقديره.
وقال أبو يوسف ومحمد في زوجة الكبير، تأتي بولد بعد موته لأكثر من سنتين، وقد تزوجت
بعد مضي أربعة أشهر وعشر: إن النكاح جائز؛ لأن إقدامها على النكاح في هذه الحالة إقرار منها
بانقضاء العدة؛ لتحرز المسلمة عن النكاح في العدة، ولم يرد على إقرارها ما يبطله؛ ألا ترى أنها لو
جاءت بعد التزويج بولد لستة أشهر فصاعداً - كان النكاح جائراً / لما بينا؛ فهنا أولى.
١١٠٤
وإذا كانت المعتدة حاملاً، فولدت ولدين - انقضت عدتها بالأخير منهما عند عامة
العلماء .
وقال الحسن البصري: إذا وضعت أحد الولدين انقضت عدتها. واحتج بقوله - سبحانه
وتعالى -: ﴿وَأُوَلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ولم يقل: أحمالهن، فإذا
وضعت إحداهما فقد وضعت حملها، إلا أن ما قاله لا يستقيم لوجهين :
أحدهما: أنه قرىء في بعض الروايات: ((أن يضعن أحمالهن)).
والثاني: أنه علق انقاض العدة بوضع الحمل لا بالولادة؛ حيث قال سبحانه وتعالى:
﴿يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولم يقل: ((يلدن؛ والحمل اسم لجميع ما في بطنها، وضع أحد الوالدين
وضع بعض حملها لا وضع حملها، فلا تنقضي به العدة؛ ولأن وضع الحمل إنما تنقضي به
العدة لبراءة الرحم بوضعه، وما دام في بطنها ولد لا تحصل البراءة به، فلا تنقضي العدة والله
أعلم.
(١) زاد في أ: كذا ههنا جاز أن تنقض عدتها بوضع الحمل.
بدائع الصنائع ج٤ - م٢٨

٤٣٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فضلً فيما يعرف به انقضاء العدة
وأما بيان ما يعرف به انقضاء العدة، فما يعرف به انقضاء العدة نوعان: قول وفعل.
أما القول فهو إخبار المعتدة بانقضاء العدة في مدة يحتمل الانقضاء في مثلها، فلا بد من
بيان أقل المدة التي تصدق فيها المعتدة في إقرارها بانقضاء عدتها .
وجملة الكلام فيه: أن المعتدة إن كانت من ذوات الأشهر؛ فإنها لا تصدق في أقل من
ثلاثة أشهر في عدة الطلاق إن كانت حرة، ومن شهر ونصف إن كانت أمة وفي عدة الوفاة لا
تصدق في أقل من أربعة أشهر وعشر إن كانت حرة، ومن شهرين وخمسة أيام إن كانت أمة،
ولا خلاف في هذه الجملة.
وإن كانت من ذوات الأقراء؛ فإن كانت معتدة عن وفاة، فكذلك لا تصدق في أقل مما
ذكرنا في الحرة والأمة .
وإن كانت معتدة عن طلاق، فإن أخبرت بانقضاء عدتها في مدة تنقضي في مثلها العدة -
يقبل قولها، وإن أخبرت في مدة لا تنقضي في مثلها العدة - لا يقبل قولها، إلا إذا فسرت
ذلك؛ بأن قالت: أسقطت سقطاً مستبين الخلق، أو بعضه فيقبل قولها، وإنما كان كذلك؛
لأنها أمينة في إخبارها عن انقضاء عدتها، فإن الله تعالى انتمنها في ذلك بقوله - عز وجل:
﴿وَلاَ يَحِلّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قيل في التفسير: إنه الحيض
والحبل، والقول قول الأمين مع اليمين؛ كالمودع إذا قال: رددت الوديعة أو هلكت، فإذا
أخبرت بالانقضاء في مدة تنقضي في مثلها - يقبل قولها، ولا يقبل إذا كانت المدة مما لا
تنقضي في مثلها العدة؛ لأن قول الأمين إنما يقبل فيما لا يكذبه الظاهر، والظاهر لههنا يكذبها،
فلا يقبل قولها، إلا إذا فسرت فقال: أسقطت سقطاً مستبين الخلق، أو بعض الخلق مع يمينها
- فيقبل قولها مع هذا التفسير [مع يمينها](١) لأن الظاهر لا يكذبها مع التفسير.
ثم اختلف في أقل ما تصدق فيه المعتدة بالأقراء.
قال أبو حنيفة - رحمه الله - أقل ما تصدق فيه الحرة(٢) ستون يوماً.
وقال أبو يوسف ومحمد: تسعة وثلاثون يوماً؛ واختلفت الرواية في تخريج قول أبي
حنيفة، فتخريجه في رواية محمد؛ أنه يبدأ بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض خمسة أيام،
ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض خمسة أيام، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: فيه المعتدة.

٤٣٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
خمسة أيام؛ فتلك ستون يوماً، وتخريجه على رواية الحسن؛ أنه يبدأ بالحيض عشرة أيام، ثم
بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض عشرة أيام ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، بالحيض عشرة
أيام؛ فذلك ستون يوماً، فاختلف التخريج مع اتفاق الحكم، وتخريج قول أبي يوسف
ومحمد؛ أنه يبدأ بالحيض ثلاثة أيام، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض ثلاثة أيام، ثم
بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض ثلاثة أيام؛ فذلك تسعة وثلاثون يوماً.
وجه قولهما: أن المرأة أمينة في هذا الباب، والأمين يصدق ما أمكن، وأمكن تصديقها
لههنا؛ بأن يحكم بالطلاق في آخر الطهر، فيبدأ بالعدة من الحيض فيعتبر - أقله وذلك ثلاثة، ثم
أقل الطهر وهو خمسة عشر يوماً، ثم أقل الحيض، ثم أقل الطهر، ثم أقل الحيض؛ فتكون
الجملة تسعة وثلاثين يوماً.
وجه قول أبي حنيفة على تخريج محمد: أن المرأة وإن كانت أمينة في الأقراء بانقضاء
العدة، لكن الأمين إنما يصدق فيما لا يخالفه الظاهر، فأما فيما يخالفه الظاهر؛ فلا يقبل قوله،
كالوصي إذا قال: انفقت على اليتيم في يوم واحد ألف دينار، وما قالاه خلاف الظاهر؛ لأن
الظاهر أن من أراد الطلاق؛ فإنما يوقعه في أول الطهر، وكذا حيض ثلاثة أيام نادر، وحيض
عشرة أيام نادر أيضاً، فيؤخذ بالوسط وهو خمسة. واعتبار هذا التخريج يوجب أن أقل ما
تصدق فيه ستون يوماً وأما الوجه على تخريج رواية الحسن، فهو أن يحكم بالطلاق في آخر/ ١٠٤ب
الطهر؛ لأن الإيقاع في أول الطهر.
وإن كان سنة، لكن الظاهر هو الإيقاع في آخر الطهر؛ لأنه يجرب نفسه في أول الطهر،
هل يمكنه الصبر عنها ثم يطلق، فكان الظاهر هو الإيقاع في آخر الطهر لا أنه يعتبر مدة الحيض
عشرة أيام، وإن كانت أكثر المدة لأنا قد اعتبرنا في الطهر أقله، فلو نقصنا (١) من العشرة في
الحيض - للزم النقص في العدة، فيفوت حق الزوج من كل وجه، فيحكم بأكثر الحيض، وأقل
الطهر رعاية اعتبار؛ هذا التخريج أيضاً يوجب ما ذكرنا، وهو أن يكون أقل ما تصدق فيه
ستون. وأما الأمة: فعند أبي حنيفة: أقل ما تصدق فيه على رواية محمد عنه أربعون يوماً،
وهو أن يقدر؛ كأنه طلقها في أول الطهر، فيبدأ بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض خمسة
أيام، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض خمسة أيام؛ فذلك أربعون يوماً.
وأما على رواية الحسن فأقل ما تصدق فيه خمسة وثلاثون يوماً؛ لأنه يجعل كأن الطلاق
وقع في آخر الطهر، فيبدأ بالحيض عشرة، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم بالحيض عشرة،
فذلك خمسة وثلاثون يوماً، فاختلف حكم روايتيهما في الأمة، واتفق في الحرة.
(١) في أ: نقضت.

٤٣٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما على قول أبي يوسف ومحمد، فأقل ما تصدق فيه إحدى وعشرون يوماً؛ لأنهما
يقدران الطلاق في آخر الطهر، ويبتدئان بالحيض ثلاثة أيام، ثم بالطهر خمسة عشر يوماً، ثم
بالحيض ثلاثة؛ فذلك أحد وعشرون يوماً، والله الموفق.
وأما المعتدة إذا كانت نفساء؛ بأن ولدت امرأته، وطلقها عقيب الولادة، ثم قالت:
انقضت عدتي.
قال أبو حنيفة في رواية محمد عنه: لا تصدق الحرة في أقل من خمسة وثمانين يوماً؛
لأنه يثبت النفاس خمسة وعشرين؛ لأنه لو ثبت أقل من ذلك لاحتاج إلى أن يثبت بعده خمسة
عشر يوماً طهراً، ثم يحكم بالدم فيبطل الطهر؛ لأن من أصله أن الرمين في الأربعين لا يفصل
بينهما طهر وإن كثر، لو رأت في أول النفاس ساعة دماً، وفي آخرها ساعة - كان(١) الكل نفاساً
عندنا(٢)، فجعل النفاس خمسة وعشرين يوماً، حتى يثبت بعده طهر خمسة عشر، فيقع الدم
بعد الأربعين، فإذا كان كذلك كان بعد الأربعين خمسة حيضاً وخمسة عشر طهراً، وخمسة
حيضاً وخمسة عشر طهراً، وخمسة حيضاً؛ فذلك خمسة وثمانون يوماً.
وأما على رواية الحسن عنه، فلا تصدق في أقل من مائة يوم؛ لأنه يثبت بعد الأربعين
عشرة حيضاً وخمسة عشر طهراً، وعشرة حيضاً وخمسة عشر طهراً وعشرة حيضاً فذلك مائة.
وقال أبو يوسف: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوماً؛ لأنه يثبت أحد عشر يوماً
نفاساً؛ لأن العادة أن أقل النفاس يزيد على أكثر الحيض، ثم يثبت خمسة عشر يوماً طهراً
وثلاثة حيضاً، وخمسة عشر طهراً، وثلاثة حيضاً وخمسة عشر طهراً، وثلاثة حيضاً؛ فذلك
خمسة وستون يوماً.
وقال محمد: لا تصدق في أقل من أربعة وخمسين وساعة؛ لأن أقل النفاس ما وجد من
الدم، فيحكم بنفاس ساعة، وبعده خمسة عشر يوماً طهراً، وثلاثة حيضاً، وخمسة عشر يوماً
طهراً وثلاثة حيضاً، وخمسة عشر طهراً وثلاثة حيضاً؛ فذلك إربعة وخمسون وساعة، وإن
كانت أمة فعلى رواية محمد عن أبي حنيفة: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوماً؛ لأنه
يثبت بعد الأربعين خمسة حيضاً وخمسة عشر طهراً، وخمسة حيضاً؛ فذلك خمسة وستون.
وعلى رواية الحسن عنه: لا تصدق في أقل من خمسة وسبعين؛ لأنه يثبت بعد الأربعين
عشرة حيضاً وخمسة عشر طهراً، وعشرة حيضاً؛ فذلك خمسة وسبعون. وقال أبو يوسف: لا
تصدق في أقل من سبعة وأربعين؛ لأنه يثبت أحد عشر يوماً نفاساً، وخمسة عشر طهراً وثلاثة
حيضاً، وخمسة عشر طهراً وثلاثة حيضاً؛ فذلك سبعة وأربعون يوماً.
(١) في أ: لكان.
(٢) في أ: عنده.

٤٣٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وقال محمد: لا تصدق في أقل من ستة وثلاثين يوماً وساعة؛ لأنه يثبت ساعة نفاساً
وخمسة عشر طهراً وثلاثة، حيضاً وخمسة عشر طهراً وثلاثة حيضاً؛ فذلك ستة وثلاثون يوماً
وساعة. والله أعلم.
وأما الفعل: فنحو أن تتزوج بزوج آخر، بعدما مضت مدة - تنقضي في مثلها العدة، حتى
لو قالت: لم تنقض عدتي - لم تصدق، لا في حق الزوج الأول ولا في حق الزوج الثاني،
ونكاح الزوج الثاني جائز؛ لأن إقدامها على التزوج بعد مضي مدة يحتمل الانقضاء في مثلها
دليل الانقضاء، والله الموفق.
فَضْلْ في انتقال العدة
وأما بيان انتقال العدة وتغيرها، إما انتقال العدة فضربان :
أحدهما: انتقالها من الأشهر إلى الأقراء./
والثاني: انتقالها من الأقراء إلى الأشهر.
١١٠٥
أما الأول: فنحو الصغيرة اعتدت ببعض الأشهر، ثم رأت الدم تنتقل عدتها من الأشهر
إلى الأقراء، لأن الأشهر في حق الصغيرة بدل عن الأقراء، وقد تثبت القدرة على المبدل؛
والقدرة على المبدل قبل حصول المقصود بالبدل - يبطل حكم البدل؛ كالقدرة على الوضوء في
حق المتيمم ونحو ذلك، فيبطل حكم الأشهر، فانتقلت عدتها إلى الحيض، وكذا الآيسة إذا
اعتدت ببعض الأشهر، ثم رأت الدم تنتقل عدتها إلى الحيض؛ كذا ذكر الكرخي.
وذكر القدوري أن ما ذكره أبو الحسن ظاهر الرواية التي لم يقدروا للإياس تقديراً، بل
هو غالب على ظنها أنها آيسة؛ لأنها لما رأت الدم دل على أنها لم تكن آيسة، وأنها أخطأت
في الظن، فلا يعتد بالأشهر في حقها؛ لما ذكرنا أنها بدل، فلا يعتبر مع وجود الأصل.
وأما على الرواية التي وقتوا للإياس وقتاً، إذا بلغت ذلك الوقت، ثم رأيت بعده الدم -
لم يكن ذلك الدم حيضاً؛ كالدم الذي تراه الصغيرة التي لا يحيض مثلها، وكذا ذكره الجصاص
أن ذلك في التي ظنت أنها آيسة، فأما الآيسة: فما ترى من الدم لا يكون حيضاً؛ ألا ترى أن
وجود الحيض منها كان معجزة نبي من الأنبياء - عليه الصلاة والسلام - فلا يجوز أن يأخذ إلا
على وجه المعجزة؛ كذا علل الجصاص.
وأما الثاني: وهو انتقال العدة من الأقراء إلى الأشهر/ ؛ فنحو ذات القرء اعتدت بحيضة
أو حيضتين، ثم أيست تنتقل عدتها من الحيض إلى الأشهر، فتستقبل العدة بالأشهر؛ لأنها لما
آيست فقد صارت عدتها بالأشهر؛ لقوله - عز وجل: ﴿وَالَّلائي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ

٤٣٨
◌ِتَابُ الطَّلاَقِ
إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرِ﴾ [الطلاق: ٤]، والأشهر يدل عن الحيض، فلو لم تستقبل ثبتت
على الأول - لصار الشيء الواحد أصلاً وبدلاً، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: أليس أن من شرع في الصلاة بالوضوء، ثم سبقه الحدث، فلم يجد ماء؛ له أن
يتيمم ويبني على صلاته، وهذا جمع بين البدل والمبدل في صلاة واحدة، فهلا جاز ذلك في
العدة - فالجواب أن الممتنع كون الشيء الواحد بدلاً وأصلاً، ولههنا كذلك؛ لأن العدة شيء
واحد، وفصل الصلاة ليس من هذا القبيل؛ لأن ذلك جمع بين البدل والمبدل في شيء واحد،
وذلك غير ممتنع؛ فإن الإنسان قد يصلي بعض صلاته قائماً بركوع وسجود، وبعضها بالإيماء،
ويكون جمعاً بين البدل المبدل في صلاة واحدة، ومن هذا القبيل: إذا طلق امرأته ثم مات،
فإن كان الطلاق رجعياً انتقلت عدتها إلى عدة الوفاة، سواء طلقها في حالة المرض أو الصحة،
وانهدمت عدة الطلاق، وعليها أن تستأنف عدة الوفاة في قولهم جميعاً؛ لأنها زوجته بعد
الطلاق؛ إذ الطلاق الرجعي لا يوجب زوال الزوجية، وموت الزوج يوجب على زوجته عدة
الوفاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ
وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، كما لو مات قبل الطلاق، وإن كان بائناً أو ثلاثاً، فإن لم ترث؛ بأنّ
طلقها في حالة الصحة لا تنتقل عدتها، لأن الله - تعالى - أوجب عدة الوفاة على الزوجات
بقوله - عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَّبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، [ ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾](١)، وقد زالت الزوجية بالإبانة والثلاث، فتعذر إيجاب عدة الوفاة؛
فبقيت عدة الطلاق على حالها، وإن ورثت بأن طلقها في حالة المرض، ثم مات قبل أن
تنقضي العدة، فورثت - اعتدت بأربعة أشهر [وعشر] (٢) فيها ثلاث حيض، حتى أنها لو لم تر
في مدة الأربعة أشهر والعشر ثلاث حيض - تستكمل بعد ذلك، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وكذلك كل معتدة ورثت؛ كذا ذكر الكرخي، وعنى بذلك امرأة المرتد؛ بأن ارتد زوجها
بعدما دخل بها، ووجبت عليها العدة، ثم مات أو قتل وورثته.
وذكر القدوري في امرأة المرتد روايتين عن أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: ليس عليها إلا
ثلاث حيض.
وجه قوله ما ذكرنا أن الشرع إنما أوجب عدة الوفاة على الزوجات، وقد بطلت الزوجية
بالطلاق البائن، إلا أنا بقيناها في حق الإرث خاصة لتهمة الفرار، فمن(٣) ادعى بقاءها في حق
وجوب عدة الوفاة - فعليه الدليل.
(١) سقط في ط.
(٣) في أ: فمتى.
(٢) سقط في أ.

٤٣٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
[وجه قولهما] (١) إن النكاح لما بقي في حق الإرث؛ فلأن يبقى في حق وجوب العدة
أولى؛ لأن العدة يحتاط في إيجابها، فكان قيام النكاح من وجه كافياً لوجوب العدة احتياطاً،
فيجب عليها الاعتداد أربعة أشهر وعشراً فيها ثلاث حيض، ولو حملت المعتدة في عدتها،
ذكر الكرخي: أن من حملت في عدتها - فالعدة أن تضع/ حملها. ولم يفصل بين المعتدة عن ١٠٥ ب
طلاق أو وفاة، وقد فصل محمد - رحمه الله - بينهما؛ فإنه قال فيمن مات عن امرأته، وهو
صغير أو كبير، حملت بعد موته: فعدتها الشهور، فهذا نص على أن عدة المتوفى عنها زوجها
لا تنتقل بوجود الحمل من الأشهر إلى وضع الحمل، قال: وإن كانت في عدة الطلاق،
فحبلت بعد الطلاق، وعلم بذلك - فعدتها أن تضع حملها .
وجه ما ذكره الكرخي: أن وضع الحمل أصل العدد؛ لأن العدة وضعت لاستبراء
الرحم، ولا شيء أدل على براءة الرحم من وضع الحمل، فيجب أن يسقط معه ما سواه كما
تسقط الشهور مع الحيض.
والصحيح ما ذكره محمد : - رحمه الله - أن عدة المتوفى عنها زوجها لا تتغير بوجود
الحمل بعد الوفاة، ولا تنتقل من الأشهر إلى وضع الحمل، بخلاف عدة الطلاق، وجه الفرق
بين العدتين: أن عدة الوفاة [ما وجبت](٢) لاستبراء الرحم؛ بدليل أنها تنادي بالأشهر مع وجود
الحيض، وكذا تجب قبل الدخول، وإنما وجبت لإظهار التأسف على فوت نعمة النكاح، وكان
الأصل في هذه العدة هو الأشهر، إلا إذا كانت حاملاً وقت الوفاة، فيتعلق بوضع الحمل، فإذا
كانت حاملاً بقيت على حكم الأصل، فلا تتغير بوجود الحمل، فلا تنتقل، بخلاف عدة
الطلاق، فإن المقصود منها الاستبراء ووضع الحمل أصل في الاستبراء، فإذا قدرت عليه سقط
ما سواه، أو يحمل ما ذكره الكرخي على الخصوص، وهي التي حبلت في عدة الطلاق، وذكر
العام على إرادة الخاص متعارف.
وقال محمد - رحمه الله - في عدة الطلاق؛ إنها إذا حبلت، فإن لم يعلم ((أنها حبلت بعد
الطلاق، ثم جاءت بولد لأكثر من سنتين فقد حكمنا بانقضاء عدتها بعد الوضع لستة أشهر؛
حملاً لأمرها على الصلاح؛ إذ الظاهر من حال المسلمة ألا تتزوج في عدتها، فيحكم بانقضاء
عدتها قبل التزوج، والله الموفق.
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: ولها.
(٢) في ط: إنما وجبت.

٤٤٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فضلً في تغيير العدة
وأما تغيير العدة؛ فنحو الأمة إذا طلقت ثم أعتقت، فإن كان الطلاق رجعياً تتغير عدتها
إلى عدة الحرائر؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، فهذه حرة وجبت عليها العدة، وهي
زوجته؛ فتعتد عدة الحرائر؛ كما إذا عتقها المولى ثم طلقها الزوج، وإن كانت بائناً لا تتغير
عندنا، وعند الشافعي تتغير فيهما جميعاً.
وجه قوله أن الأصل في العدة هو الكمال، وإنما النقصان بعارض الرق؛ فإذا أعتقت فقد
زال العارض، وأمكن تكميلها فتكمل.
ولنا: أن الطلاق أوجب عليها عدة الإماءِ؛ لأنه صادفها وهي أمة، والإعتاق وجد وهي
مبانة، فلا يتغير الواجب بعد البينونة؛ كعدة الوفاة، بخلاف الطلاق الرجعي؛ لأنه لا يوجب زوال
الملك، فوجد الإعتاق وهي زوجته، فوجبت عليها العدة وهي حرة، فتعتد عدة الحرائر / ؛ وهذا
بخلاف الإيلاء؛ بأن كانت الزوجة مملوكة وقت الإيلاء، ثم أعتقت أنه [تنقلب عدتها إلى عدة](١)
الحرائر، وإن كان الإيلاء طلاقاً بائناً، وقد سوى بينه وبين الرجعي في هذا الحكم، وإنما كان
كذلك؛ لأن البينونة في الإيلاء لا تثبت للحال، وإنما تثبت بعد انقضاء المدة فكانت الزوجية
قائمة للحال، فأشبه الطلاق الرجعي؛ بأن طلقها الزوج رجعياً، ثم أعتقها المولى، وهنا تنقلب
عدتها عدة الحرائر، فكذا مدتها لههنا، بخلاف الطلاق البائن؛ فإنه يوجب زوال الملك للحال،
وقد وجبت عدة الإماء بالطلاق، فلا تتغير بعد البينونة بالعتق، والله الموفق.
وأما المطلقة [الرجعية](٢) إذا راجعها الزوج، ثم طلقها قبل الدخول بها - قال أصحابنا
عليها عدة مستأنفة، وقال الشافعي في أحد قوليه؛ إنها تكمل العدة.
وجه قوله: إنها تعتد عن الطلاق الأول لا عن الطلاق الثاني؛ لأن الثاني طلاق قبل
الدخول فلا يوجب العدة.
ولنا: أن الطلاق الثاني طلاق بعد الدخول؛ لأن الرجعة ليست إنشاء النكاح، بل هي
فسخ الطلاق، ومنعه عن العمل بثبوت البينونة بانقضاء العدة، فكانت مطلقة بالطلاق الثاني بعد
الدخول، فقد خل تحت قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]،
ولو زوج أم ولده، ثم مات عنها وهي تحت زوج، أو في عدة من زوج - فلا عدة عليها بموت
(١) في أ: انتقلت مدتها إلى مدة.
(٢) في أ: طلاقاً رجعياً.