النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أنها لو سكنت ساعة، ثم قالت: انقضت عدتي - يكون القول قول الزوج، ولا خلاف أيضاً في
أنها إذا بدأت، فقالت: انقضت عدتي، فقال الزوج مجيباً لها موصولاً بكلامها: راجعتك -
یکون القول قولها.
وجه قولهما أن قول الزوج: راجعتك وقع رجعة صحيحة لقيام العدة من حيث الظاهر،
فكان القول قول المرأة: انقضت عدتي إخباراً عن انقضاء العدة، ولا عدة لبطلانها بالرجعة،
فلا يسمع؛ كما لو سكتت ساعة، ثم قالت: انقضت عدتي، ولأن قولها: انقضت عدتي إن
كان إخباراً عن انقضاء العدة في زمان متقدم على قول الزوج - لا يقبل منها بالإجماع؛ كما لو
أسندت الخبر عن الانقضاء إليه نصاً؛ بأن قالت: كانت عدتي قد انقضت قبل رجعتك؛ لأنها(١)
متهمة في التأخير في الإخبار، وإن كان ذلك إخباراً عن انقضاء العدة في زمان مقارن لقول
الزوج - فهذا نادر؛ فلا يقبل قولها.
ولأبي حنيفة: أن المرأة أمينة في إخبارها(٢) عن انقضاء العدة، فإن الشرع انتمنها في هذا
الباب، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤمِنَّ بِالله
وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قيل في التفسير: إنه الحيض والحبل نهاهن - سبحانه وتعالى - عن
الكتمان، والنهي عن الكتمان أمر بالإظهار؛ إذ النهي عن الشيء أمر بضده، والأمر بالإظهار
أمر بالقبول؛ لتظهر فائدة الإظهار، فلزم قبول قولها وخبرها بانقضاء العدة. ومن ضرورة قبول
الإخبار بانقضاء العدة حلها للأزواج، ثم إن كانت عدتها انقضت قبل قول الزوج: راجعتك،
فقوله: راجعتك يقع بعد انقضاء عدتها؛ فلا يصح، وإن كانت انقضت حال قوله: راجعتك،
فيقع حال قوله: راجعتك حال انقضاء العدة، وكما لا تصح الرجعة بعد انقضاء العدة - لا تصح
حال انقضائها(٣)؛ لأن العدة حال انقضائها منقضية، فكان ذلك رجعة لمنقضية العدة؛ فلا
تصح. فإن قيل: يحتمل أنها انقضت حال إخبارها عن الانقضاء، وإخبارها متأخر عن قوله:
راجعتك، فكان انقضاء العدة متأخراً عنه ضرورة، فتصح الرجعة - فالجواب إذا احتمل ما قلنا،
واحتمل ما قلتم - وقع الشك في صحة الرجعة.
والأصل أن ما لم يكن ثابتاً إذا وقع الشك في ثبوته - لا يثبت مع الشك والاحتمال،
خصوصاً فيما يحتاط فيه، ولا سيما إذا كان جهة الفساد آكد، ولههنا جهة الفساد آكد (٤)؛ لأنها
تصح من وجه، وتفسد من وجهين؛ فالأولى ألا يصح، والله - عز وجل - الموفق.
ثم عند أبي حنيفة: تستحلف، وإذا نكلت يقضي بالرجعة، وهذا يشكل على أصله؛ لأن
(١) في أ: لكونها.
(٢) في أ: الأخبار.
(٣) في أ: انقضاء العدة.
(٤) في أ: أكثر.
بدائع الصنائع ج٤ - م٢٦

٤٠٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الاستحلاف للنكول، والنكول بدل عنده (١)، والرجعة لا تحتمل البدل، لكن الاستحلاف قد
يكون للنكول ليقضي به، وقد يكون لا للنكول؛ بل لنفي التهمة بالحلف.
ألا ترى أنه يستحلف عنده فيما لا يقضي بالنكول أصلاً؛ كما في دعوى القصاص في
النفس نفياً للتهمة، والمرأة، وإن كانت أمينة، لكن الأمين قد يستحلف لنفي التهمة بالحلف،
فإذا نكلت فقد تحققت التهمة، فلم يبق قولها حجة، فبقيت الرجعة على حالها حكماً
الاستصحاب الحال؛ لعدم دليل الزوال؛ لأنه جعل نكولها بدلاً، مع ما أنه يمكن تحقيق معنى
البدل لهُهنا؛ لما ذكرنا أنها بالنكول صارت متهمة، فخرج قولها من أن يكون حجة للتهمة،
فتبقى العدة وأثرها في المنع من الأزواج والسكون في منزل الزوج فقط، ثم يقضي بالرجعة
حكماً لاستصحاب الحال؛ لأنها بإخبارها بانقضاء عدتها حلت للأزواج، وإذا نكلت فقد بدلت
الامتناع من الأزواج والسكون في منزل الزوج، وهذا معنى (٢) يحتمل البدل.
ومنها عدم شرط الخيار، حتى لو شرط الخيار في الرجعة - لم يصح؛ لأنها استبقاء
١٩٨ النكاح، فلا يحتمل شرط الخيار؛ كما لا يحتمل(٣)/ الإنشاء.
ومنها: أن يكون أحد نوعي ركن الرجعة، وهو القول منه لا منها، حتى لو قالت
للزوج: راجعتك - لم يصح؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]،
أي: أحق برجعتهن منهن.
ولو كانت لها ولاية الرجعة - لم يكن الزوج أحق بالرجعة منها، فظاهر النص يقتضي ألا
يكون لها ولاية الرجعة أصلاً، إلا أن جواز الرجعة بالفعل منها عرفناه بدليل آخر وهو ما بينا،
وأما رضا المرأة فليس بشرط لجواز الرجعة، وكذا المهر لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ
بِرَدِّهِنَّ﴾، مطلقاً عن شرط الرضا والمهر، ولأنه لو شرط الرضا والمهر لم يكن الزوج أحق
برجعتها منها؛ لأنه لا يملك بدون رضاها والمهر، فيؤدي إلى الخلف في خبر الله - عز وجل -؛
وهذا لا يجوز، ولأن الرجعة شرعت لإمكان التدارك عند الندم، فلو شرط رضاها لا يمكنه
التدارك؛ لأنها عسى لا ترضى، وعسى لا يجد الزوج المهر، وكذا كون الزوج طائعاً وجاداً
وعامداً ليس بشرط لجواز الرجعة، فتصح الرجعة مع الإكراه والهزل، واللعب (٤) والخطأ؛ لأن
الرجعة استبقاء النكاح، وأنه دون الإنشاء، ولم تشترط هذه الأشياء للإنشاء؛ فلئلا لا تشترط
للاستبقاء أولى، وقد روي في بعض الروايات: ((ثَلاَثْ جِدُهُنَّ جِدٍّ وَهَزْلُهُنَّ جِدُّ: النّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ
وَالطَّلاَقُ)).
(١) في أ: عنه.
(٣) في أ: يحتمله.
(٢) في أ: المعنى.
(٤) في أ: العبث.

٤٠٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فضل في حكم الطلاق البائن
وأما حكم الطلاق البائن: فالطلاق البائن نوعان:
أحدهما: الطلقات [الثلاث](١).
والثاني: الطلقة الواحدة البائنة، والثنتان البائنتان، ويختلف حكم كل واحد من النوعين.
وجملة الكلام فيه أن الزوجين [لا يخلو](٢) إما أن كانا حرين، وإما أن كانا مملوكين، وإما أن
كان أحدهما حرّاً والآخر مملوكاً، فإن كانا حرين فالحكم الأصلي لما دون الثلاث من الواحدة
البائنة، والثنتين البائنتين هو نقصان عدد الطلاق، وزوال الملك أيضاً، حتى لا يحل له وطؤها
إلا بنكاح جديد، ولا يصح ظهاره وإيلاؤه، ولا يجري اللعان بينهما ولا يجري التوارث، ولا
يحرم حرمة غليظة، حتى يجوز له نكاحها، من غير أن تتزوج بزوج آخر؛ لأن ما دون
الثلاثة(٣)، وإن كان بائناً فإنه يوجب زوال الملك لا زوال حل المحلية.
وأما الطلقات الثلاث: فحكمها الأصلي هو زوال الملك، وزوال حل المحلية أيضاً،
حتى لا يجوز(٤) له نكاحها قبل التزوج بزوج آخر؛ لقول - عز وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ
مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وسواء طلقها ثلاثاً متفرقاً(٥)، أو جملة واحدة؛
لأن أهل التأويل اختلفوا في مواضع التطليقة الثالثة من كتاب الله. قال بعضهم: هو قوله
تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، بعد قوله:
﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقالوا: الإمساك بالمعروف هو الرجعة، والتسريح بالإحسان هو أن يتركها حتى تنقضي
عدتها .
قال بعضهم: هو قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فالتسريح هو الطلقة
الثالثة، وعلى ذلك جاء الخبر، وكل ذلك جائز محتمل، غير أنه إن كان التسريح هو تركها
حتى تنقضي عدتها - كان تقدير قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ﴾، أي: طلقها
تطليقة ثالثة .
وإن كان المراد من التسريح التطليقة الثالثة - كان تقدير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، أي:
طلقها طلاقاً ثلاثاً، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، وإنما تنتهي الحرمة، وتحل
(١) سقط في ط.
(٣) في أ: الثلاث.
(٥) في أ: متفرقة.
(٢) سقط في ط.
(٤) في أ: يحل.

٤٠٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الزوج الأول بشرائط؛ منها النكاح، وهو أن تنكح زوجاً غيره؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ
زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، نفى الحل وحد(١) النفي إلى غاية التزوج بزوج آخر، والحكم
الممدود إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية؛ فلا تنتهي الحرمة قبل التزوج، فلا تحل للزوج
الأول(٢) قبله ضرورة. وعلى هذا يخرج ما إذا وطئها إنسان بالزنا أو بشبهة؛ أنها لا تحل
لزوجها [الأول](٣) لعدم النكاح.
وكذا إذا وطئها المولى بملك اليمين؛ بأن حرمت أمته المنكوحة على زوجها حرمة
غليظة، وانقضت عدتها، فوطئها المولى لا تحل لزوجها؛ لأن الله تعالى نفى الحل إلى غاية
النكاح(٤)، فلا ينتهي النفي قبل وجود النكاح، ولم يوجد.
وكذا روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في هذه المسألة ((ليس بزوج))،
يعني: المولى.
وقد وروي أن عُثْمَانَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ عَلِيٍّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا -
فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ عُثْمَانُ وَزَيْدٌ وَقَالاَ: (هُوَ زَوْجٌ))، فَقَامَ عَلِيٍّ مُغْضَباً كَارِهَاً لِمَا قَالاَ. وَقَدْ رُوِيَ
أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ بِزَوْج، وكذا إن اشتراها الزوج قبل أن تنكح زوجاً غيره - لم تحل له بملك
اليمين. وكذا إذا أعتقت لما قلنا.
فضلْ
[فيما لو كان النكاح الثاني صحيحاً]
٩٨ب
ومنها/ أن يكون النكاح الثاني صحيحاً، حتى لو تزوجت رجلاً نكاحاً فاسداً ودخل بها
لا تحل للأول؛ لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة، ومطلق النكاح ينصرف إلى ما هو نكاح
حقيقة.
ولو كان النكاح الثاني مختلفاً في فساده، ودخل بها - لا تحل للأول عند من يقول
بفساده لما قلنا، فإن تزوجت بزوج آخر، ومن نيتها التحليل، فإن لم يشرطا(٥) ذلك بالقول،
وإنما نويا، ودخل بها على هذه النية - حلت للأول في قولهم جميعاً؛ لأن مجرد النية في
المعاملات غير معتبر، فوقع النكاح صحيحاً لاستجماع شرائط الصحة فتحل للأول؛ كما لو
نويا التوقيت وسائر المعاني المفسدة.
(١) في أ: ومد.
(٣) سقط في ط.
(٥) في أ: يشترط.
(٢) في أ: التزوج للأول.
(٤) سقط في ط.

٤٠٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وإن شرط الإحلال بالقول، وأنه يتزوجها لذلك، وكان الشرط منها (١) فهو نكاح صحيح
عند أبي حنيفة وزفر، وتحل للأول، ويكره للثاني والأول.
وقال أبو يوسف: النكاح الثاني فاسد وإن وطئها لم تحل للأول. وقال محمد: الثاني
صحيح، ولا تحل للأول.
وجه قول أبي يوسف: إن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت، وشرط
التوقيت في النكاح يفسده، والنكاح الفاسد لا يقع به التحليل، ولمحمد أن النكاح عقد مؤبد،
فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره(٢) الله تعالى لغرض الحل، فيبطل الشرط، ويبقى النكاح
صحيحاً، لكن لا يحصل به الغرض؛ كمن قتل مورثه أنه يحرم الميراث لماقلنا؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة أن عمومات النكاح تقتضي الجواز، من غير فصل بين ما إذا شرط فيه
الإحلال أو لا، فكان النكاح بهذا الشرط نكاحاً صحيحاً، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿حَتَّی تَنْكِحَ
زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فتنتهي الحرمة عند وجوده، إلا أنه كره النكاح بهذا الشرط لغيره، وهو
أنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهو السكن والتوالد والتعفف، لأن ذاك يقف على البقاء،
والدوام على النكاح، وهذا - والله أعلم - معنى إلحاق اللعن بالمحلل في قوله {وَّ﴾ ((لَعَنَ الله
الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (٣).
(١) في ط: منها.
(٢) في أ: أجله.
(٣) أما نكاح المحلل ففيه عن جماعة من الصحابة وهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وعقبة بن عامر
وجابر بن عبد الله وأبو هريرة وابن عباس.
- حديث علي.
أخرجه أحمد (٨٧/١، ١٠٧، ١٢١، ١٣٣، ١٥٠، ١٥٨) وأبو داود (٥٦٢/٢) كتاب النكاح: باب في
التحليل حديث (٢٠٧٦) والترمذي (٤٢٧/٣) كتاب النكاح: باب المحل والمحلل له حديث (١١١٩)
وابن ماجه (٦٢٢/١) كتاب النكاح: باب المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٥) وأبو يعلى (١/ ٣٢٣-
٣٢٤) رقم (٤٠٢) والبيهقي (٢٠٨/٧) كتاب النكاح: باب في نكاح المحلل، كلهم من طريق عامر
الشعبي عن الحارث عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَّطاهر: لعن الله المحلل والمحلل له.
- حديث ابن مسعود.
أخرجه أحمد (٤٤٨/١) والترمذي (٣/ ٤٢٨ -٤٢٩) كتاب النكاح: باب المحل والمحلل له حديث
(١١٢٠) والنسائي (١٤٩/٦) كتاب النكاح: باب إحلال المطلقة ثلاثاً والدارمي (١٥٨/٢) كتاب النكاح:
باب في النهي عن التحليل والبيهقي (٢٠٨/٧) كتاب النكاح: باب ما جاء في نكاح المحلل من طرق عن
سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله ◌َّو المحلل
والمحلل له قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه أحمد (١/ ٤٥٠-٤٥١) وأبو يعلى (٤٦٨/٨) رقم (٥٠٥٤) والبغوي في ((شرح النية)) (٥/ ٧٨ - بتحقيقنا)
من طريق عبد الكريم الجزري عن أبي واصل عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ويلعن المحل والمحلل له . =

٤٠٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما إلحاق اللعن بالزوج الأول، وهو المحلل له، فيحتمل أن يكون لوجهين:
- حديث عقبة بن عامر.
=
أخرجه ابن ماجه (٦٢٣/١) كتاب النكاح: باب المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٦) والدارقطني (٣/
٢٥١) كتاب النكاح حديث (٢٨) والحاكم (١٩٩/٢) والبيهقي (٢٠٨/٧) كتاب النكاح: باب نكاح
المحلل وابن الجوزي في: العلل المتناهية)) (٦٤٦/٢) من طريق الليث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن
عامر قال: قال رسول الله يقول: ألا أخبركم بالتيس المستعار وهو المحل والمحلل له لعن الله المحلل
والمحلل له.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال: وقد ذكر أبو صالح كاتب الليث عن ليث
سماعه من مشرح.
ثم ساقه من طريقه عن الليث قال: سمعت مشرح به ثم قال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
وقد أعلى أبو زرعة هذا الحديث بعدم سماع الليث من مشرح فقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٤١١/١)
رقم (١٢٣٢): سمعت أبا زرعة وذكر حديثاً رواه أبو صالح كاتب الليث وعثمان بن صالح قالا: حدثنا
الليث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَو ألا أخبركم بالتيس المستعان قالوا
بلى قال: المحل والمحلل له، فلعن الله المحلل والمحلل له. ((قال أبو زرعة وذكرت هذا الحديث
ليحيى بن عبد الله بن بكير وأخبرته برواية عبد الله بن صالح وعثمان بن صالح فأنكر ذلك إنكاراً شديداً
وقال: لم يسمع الليث من مشرح شيئاً ولا روي عنه شيئاً وإنما حدثني الليث بن سعد بهذا الحديث عن
سليمان بن عبد الرحمن أن رسول الله وَّ ر ... قال أبو زرعة: الصواب عندي حديث يحيى يعني بن
عبد الله بن بکیر أ هـ.
وقد أعل الإمام البخاري هذا الحديث بنفس العلة وهي عدم سماع الليث من مشرح بن هاعان.
فقال الترمذي في ((العلل الكبير)) (ص - ١٦١ - ١٦٢) رقم (٢٧٤): سألت محمداً - يعني البخاري - عن
حديث عبد الله بن صالح حدثني الليث بن سعد عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر ... فذكره.
فقال: عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا ما أرى الليث سمعه من مشرح بن هاعان لأن حيوة
روى عن بكر بن عمرو عن مشرح. أهـ.
ويرد هذا كله تصريح الليث بمساعة من مشرح عند ابن ماجه، فقال الليث: قال لي أبو مصعب مشرح بن
هاعان وعند الحاكم: من طريق أبو صالح عن الليث قال: سمعت مشرح وعند البيهقي أيضاً.
لترتفع بذلك مظنة الانقطاع بين الليث ومشرح. والحديث ذكره البوصيري في الزوائد (١٠٢/٢) وقال:
هذا إسناد مختلف فيه من أجل أبي مصعب أ .هـ
وأبو مصعب هو مشرح بن ماعان.
قال الحافظ في «التعريب)) (٢٥٠/٢): مقبول. يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث.
- حديث أبي هريرة.
أخرجه أحمد (٣٢٣/٢) وابن الجارود (٦٨٤) والبزار (٢ / ١٦٧ - كشف) رقم (١٤٤٢) وابن أبي حاتم في
((العلل)) (٤١٣/١) رقم (١٢٣٧) والبيهقي (٢٠٨/٧) من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي عن عثمان بن
محمد عن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّو لعن الله المحلل والمحلل له.
وذكره الحافظ في ((التلخيص)» (٣/ ١٧٠) وزاد نسبته إلى إسحاق بن راهويه والترمذي في العلل وقال:
وحسنه البخاري.
=

٤٠٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أحدهما: أنه سبب لمباشرة الزوج الثاني، هذا النكاح لقصد الفراق والطلاق دون الإبقاء،
وتحقيق ما وضع له، والمسبب شريك المباشر في الإثم والثواب في التسبب للمعصية والطاعة.
والثاني: أنه باشر ما يفضي إلى الذي تنفر منه الطباع السليمة وتكرهه من عودها إليه
[بعد](١) مضاجعة غيره إياها، واستمتاعه بها، وهو الطلقات الثلاث؛ إذ لولاها لما وقع فيه،
فكان إلحاقه اللعن به لأجل الطلقات [الثلاث](٢) والله - عز وجل - أعلم.
وأما قول أبي يوسف: إن التوقيت في النكاح يفسد النكاح - فنقول: المفسد له هو
التوقيت نصاً؛ ألا ترى أن كل نكاح مؤقت؛ فإنه يتوقت بالطلاق، وبالموت، وغير ذلك، ولم
يوجد التوقيت نصاً فلا يفسد، وقول محمد: إنه استعجال ما أجله الله تعالى - ممنوع، فإن
استعجال ما أجله الله تعالى لا يتصور؛ لأن الله تعالى إذا ضرب لأمر أجلاً لا يتقدم ولا يتأخر،
فإذا طلقها الزوج الثاني تبين أن الله تعالى أحل هذا النكاح إليه؛ ولهذا قلنا: إن المقتول ميت
بأجله خلافاً للمعتزلة ومنها الدخول من الزوج الثاني، فلا تحل لزوجها الأول بالنكاح الثاني،
حتى يدخل بها. وهذا قول عامة العلماء.
وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٧٠): رواه أحمد والبزار وفيه عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين
وابن حبان وقال ابن المديني: له عن أبي هريرة مناكير. أهـ.
وهنا لم يروه عن أبي هريرة ولكن رواه عن المقبري عن أبي هريرة.
۔ حدیث جابر.
أخرجه الترمذي (٤٢٧/٣) كتاب النكاح: باب المحل والمحلل له حديث (١١١٩) ومن طريقه ابن
الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٦٤٧/٢) من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر به.
وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقائم فإن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل العلم منهم
أحمد بن حنبل. أ هـ
وقال ابن الجوزي: قال أحمد: مجالد ليس بشيء وقال يحيى لا يحتج بحديثه.
وقال ابن الجوزي أيضاً: وقد روى هذا المعنى من طريق صحاح عن ابن مسعود وغيره.
حديث ابن عباس.
أخرجه ابن ماجه (٦٢٢/١) كتاب النكاح: باب المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٤) حدثنا محمد بن
بشار ثنا أبو عامر عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: لعن
رسول الله ◌َير المحلل والمحلل له. قال البوصيري في ((الزوائد)) (١٠٢/٢): هذا إسناد ضعيف لضعف
زمعه بن صالح.
رواه أبو يعلى في مسنده حدثنا أبو هشام حدثنا أبو عامر حدثنا زمعة فذكره بزيادة في آخره.
وقال ابن حجر في ((التلخيص)) (١٧٠/٣): وفي إسناده زمعة بن صالح وهو ضعيف.
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.

٤٠٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وقال سعيد بن المسيب: تحل بنفس العقد، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهِا فَلاَ تَحِلُ لَهُ
مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والنكاح هو العقد، وإن كان يستعمل في العقد
والوطء جميعاً عند الإطلاق لكنه يصرف إلى العقد عند وجود القرينة وقد وجدت، لأنه أضاف
النكاح إلى المرأة بقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] والعقد يوجد منها كما
يوجد من الرجل. فأما الجماع فإنه يقوم بالرجل وحده، والمرأة محله، فانصرف إلى العقد بهذه
القرينة، فإذا وجد العقد تنتهي الحرمة بظاهر النص. ولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ
بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمراد من النكاح الجماع؛ لأن النكاح في اللغة هو
الضم حقيقة، وحقيقة الضم في الجماع، وإنما العقد سبب داعي إليه، فكان حقيقة للجماع مجازاً
للعقد، مع ما أنا لو حملناه على العقد لكان تكراراً؛ لأن معنى العقد يفيده ذكر الزوج، فكان
الحمل على الجماع أولى.
بقي قوله: إنه أضاف النكاح إليها، والجماع مما تصح إضافته إلى الزوجين لوجود معنى
الاجتماع منهما حقيقة، فأما الوطء، ففعل الرجل حقيقة، لكن إضافة النكاح إليها من حيث هو
١٩٩ ضم وجمع، لا من حيث هو وطء، ثم إن كان المراد من النكاح في الآية هو العقد/ ،
فالجماع يضمر فيه، عرفنا ذلك بالحديث المشهور، وضرب من المعقول.
أما الحديث؛ فما روينا عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ
ثَلاَثاً، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ وََّ وَقَالَتْ: إِنَّ رِفَاعَةً طَلَّقَنِي وَبَتَّ
طَلَاَقِي، فَتَزَوَّجَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الزُّبَيَّرِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ(١) إِلاَّ مِثْلُ هُذْبَةِ (٢) الثَّوْبِ، فَقَالَ رَسُولُ
اللهَ وَّ: ((أَتْرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِيَ إِلَىْ رِفَاعَةً؟ لا، حَتَّى تَذُوقِيَ [مِنْ](٣) عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ [مِنْ] (٤)
عُسَيْلَتِكِ))(٥) .
(١) في أ: عنده.
(٣) سقط في أ.
(٢) في أ: كهدبه.
(٤) سقط في أ.
(٥) أخرجه مالك (٥٣١/٢) كتاب النكاح: باب نكاح المحلل وما أشبه حديث (١٧) من طريق المسور بن
رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير أن رفاعة بن سموال طلق امرأته ....
ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في ((الأم)) (٢٤٨/٥) باب نكاح المطلقة ثلاثاً وابن حبان (١٣٢٣ -
موارد) والبيهقي (٧/ ٣٧٥) كتاب الرجعة: باب نكاح المطلقة ثلاثاً.
قال السيوطي في ((تنوير الحوالك)) (٦/٢) قال ابن عبد البر: كذا لأكثر الرواة مرسل ووصله ابن وهب عن
مالك فقال عن أبيه وابن وهب من أجل من روي عن مالك هذا الشأن واثبتهم فيه وتابعه أيضاً ابن القاسم
وعلي بن زياد وإبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي كلهم عن مالك وقالوا فيه: عن أبيه
وهو صاحب القصة. أ .هـ
ومن طريق ابن وهب أخرجه ابن الجارود (٦٨٢) والبيهقي (٣٧٥/٧) كتاب الرجعة: باب نكاح المطلقة
ثلاثاً .
=

٤٠٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأخرجه البزار (٢ / ١٩٤ - كشف) رقم (١٥٠٤) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ثنا مالك بن
=
أنس عن المسور بن رفاعة عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير عن أبيه.
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣٤٣/٤): رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات وقد رواه مالك في
الموطأ مرسلاً وهو هنا متصل أ . هـ
وقد ورد هذا الحديث موصولاً من حديث عائشة.
أخرجه أحمد (٢٢٦/٦) والبخاري (٢٤٩/٥) كتاب الشهادات: باب شهادة المختبئ حديث (٢٦٣٩)
ومسلم (٢/ ١٠٥٥ - ١٠٥٦) كتاب النكاح: باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح
زوجاً غيره حديث (١٤٣٣/١١١) والترمذي (٢٩٣/٢) كتاب النكاح: باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثاً
حديث (١١١٨) والنسائي (١٤٨/٦) كتاب الطلاق: باب إحلال المطلقة ثلاثاً، وابن ماجه (١ / ٦٢١ -
٦٢٢) كتاب النكاح: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثاً حديث (١٩٣٢).
والدارمي (١٦١/٢) كتاب الطلاق: باب ما يحل المرأة لزوجها الذي طلقها ... والشافعي (٢/ ٣٤ - ٣٥)
كتاب الطلاق حديث (١١٠) والحميدي (١١١/١) رقم (٢٢٦) وعبد الرزاق (٦/ ٣٤٦ - ٣٤٧) رقم
(١١١٣١) والطيالسي (١/ ٣١٤ - ٣١٥) رقم (١٦١٢، ١٦١٣) وسعيد بن منصور (٢/ ٧٣ - ٧٤) رقم
(١٩٨٥) وأبو يعلى (٣٩٧/٧) رقم (٤٤٢٣) وابن حبان (٤١٩٩- الإحسان) والبيهقي (٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤)
والبغوي في ((شرح السنة)) (٥/ ١٦٩ - بتحقيقنا) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قال: جاءت امرأة
رفاعة القرظي إلى النبي ◌َّله فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن
الزبير وإنما معه مثل هدية الثوب فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق
عسیلتك)).
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وللحديث طرق أخرى عن عائشة.
فأخرجه البخاري (٢٨٤/٩) كتاب الطلاق: باب من قال لامرأته أنت عليَّ حرام حديث (٥٢٦٥) ومسلم
(٢/ ١٠٥٧) كتاب النكاح: باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره حديث (١١٤/
١٤٣٣) وأحمد (٢٢٩/٦) والدارمي (١٦٢/٢) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.
وأخرجه مسلم (٢/ ١٠٥٧) كتاب النكاح: باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره
حديث (١٤٣٣/١١٥) وأحمد (١٩٣/٦) وأبو يعلى (٨/ ٣٧٣- ٣٧٤) رقم (٤٩٦٤) من طريق القاسم بن
محمد عن عائشة.
وأخرجه أبو داود (٧٠٥/١) كتاب الطلاق: باب في المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجاً غيره
حديث (٢٣٠٩) وأحمد (٦ /٤٢) من طريق الأسود عن عائشة.
وأخرجه البخاري (٢٩٣/١٠) من طريق عبد الوهاب عن أيوب عن عكرمة ((أنَّ رفاعة طلَّقَ امرأته،
فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القُرَظي، قالت عائشة: وعليها خِمارٌ أخضر، فشكَتْ إليها، وأرَتها خُضرة
بجلدها. فلما جاء رسول الله ﴿ - والنساء يَنصرُ بعضهن بعضاً - قالت عائشة: ما رأيتُ مثلَ ما يلقى
المؤمِنات لَجِلدُها أشدُّ خُضرةً من ثَوبها. قال وسمعَ أنها قد أتَتْ رسولَ الله ◌ََّ، فجاء ومعه ابنانٍ له من
غيرها، قالت: والله مالي إليه من ذَنب، إلا أنَّ ما معهُ ليسَ بأغنى عني من هذه - وأخذَت هدبةً من
ثوبها - فقال: كذَبَت والله يا رسول الله، إني لأنفضُها نفضَ الأديم، ولكنها ناشزٌ تريد رِفاعة، فقال =

٤١٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وعن ابن عمر، وأنس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي ◌َّل هذا الحديث، ولم يذكرا
قصة امرأة رفاعة، وهو ما روي عنهما؛ أن رسول الله وَّرَ سُئِلَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْرِ عَنْ رَجُلِ طَلَّقَ
امْرَأَتَهُ ثَلاَثاً، فَتَزَوَّجَهَا غَيْرَهُ، فَأَغْلَقَ الْبَابَ وَأَزْخَى السُّتْرَ وَكَشَفَ الْخِمَارَ ثُمَّ فَارَقَهَا، فَقَالَ
النَّبِيِّ نَّهِ: ((لاَ تَحِلُّ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَةَ الآخَرِ))(١).
وأما المعقول فهو أن الحرمة الغليظة إنما تثبت عقوبة للزوج الأول بما أقدم على الطلاق
الثلاث الذي هو مكروه شرعاً؛ زجراً ومنعاً له [عن](٢) ذلك، لكن إذا تفكر في حرمتها عليه
رسول الله وَ﴿: فإن كان ذلك لم تَحلّي له أو تصلحي له حتى يَذوقَ من عُسَيلتِك. قال وأبصرَ معهُ ابنين
=
له فقال: بَنوكَ هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعُمين ما تزعمين؟ فوالله لهم أشبه به من الغُراب
بالغراب)).
وفي الباب عن ابن عمر وعبيد الله بن عباس وأنس بن مالك والفضل بن عباس.
۔ حديث ابن عمر
أخرجه أحمد (٨٥/٢) والنسائي (٦/ ١٤٨ - ١٤٩) كتاب النكاح: باب إحلال المطلقة ثلاثاً وابن ماجه
(٦٢٢/١) كتاب النكاح: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثاً فتتزوج فيطلقها - (١٩٣٣) من طريق محمد بن
جعفر حدثنا شعبة عن علقمة بن مرشد سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله بن عمر عن
سعيد بن المسيب عن ابن عمر به.
أخرجه أحمد (٢/ ٦٢) والنسائي (١٤٩/٦) والبيهقي (٣٧٥/٧) من طريق سفيان عن علقمة بن مرشد عن
رَزين بن سليمان عن ابن عمر قال النسائي: هذا أولى بالصواب.
وأخرجه أبو يعلى (٨/ ٣٧٤) رقم (٤٠٦٦) من طريق يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٤٣/٤): رواه الطبراني وأبو يعلى ورجال ابن يعلى رجال الصحيح.
حدیث عبيد الله بن عباس.
أخرجه أحمد (٢١٤/١) والنسائي (١٤٨/٦) كتاب الطلاق: باب إحلال المطلقة ثلاثاً عنه (أن الغميصاء أو
الرميصاء أتت النبي * تشتك زوجها أنه لا يصل إليها فلم يلبث أن جاء زوجها فقال: يا رسول الله هي
كاذبة وهو يصل إليها ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول. فقال رسول الله وَلقر: ليس ذلك حتى تذوقي
عسيلته وأخرجه أبو يعلى (١٢ / ٨٥ ٨٦) رقم (٦٧١٨) عن عبيد الله بن عباس والفضل بن عباس به.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٤٣/٤) رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
حديث أنس بن مالك.
أخرجه أحمد (٢٨٤/٣) والبزار (٢/ ١٩٥ - كشف) رقم (١٥٠٥) وأبو يعلى (٢٠٧/٧) رقم (٤١٩٩) عنه
أن رسول الله و لو سأل عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت زوجاً فمات عنها قبل أن يدخل بها هل
یتزوجها الأول قال لا حتی یذوق عسیلتها.
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٤٣/٤) وقال: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجاله
رجال الصحيح خلا محمد بن دينار الطاحي وقد وثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان وفيه كلام لا يضر.
حديث الفضل بن عباس انظر حديث عبيد الله بن العباس.
(١) ينظر الحديث السابق.
(٢) سقط في أ.

٤١١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
إلا بزوج آخر الذي تنفر منه الطباع السليمة وتكرهه - الزجر عن ذلك، ومعلوم أن العقد بنفسه
لا تنفر عنه الطباع ولا تكرهه؛ إذ لا يشتد على المرأة مجرد النكاح ما لم يتصل به الجماع،
فكان الدخول شرطاً فيه؛ ليكون زجراً له، ومنعاً عن ارتكابه، فكان الجماع مضمراً في الآية
الكريمة؛ كأنه قال عز وجل: حتى تنكح زوجاً غيره ويجامعها. والله أعلم.
وأما الإنزال فليس بشرط للإحلال؛ لأن الله تعالى جعل الجماع غاية الحرمة، والجماع
في الفرج هو التقاء الختانين، فإذا وجد فقد انتهت الحرمة، وسواء كان الزوج الثاني بالغاً، أو
صبياً يجامع فجامعها، أو مجنوناً فجامعها؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾
[البقرة: ٢٣٠]، من غير فصل بين زوج وزوج، ولأن وطء الصبي والمجنون يتعلق به أحكام
النكاح من المهر والتحريم؛ كوطء البالغ العاقل، وكذلك الصغيرة التي يجامع مثلها إذا طلقها
زوجها ثلاثاً، ودخل بها الزوج الثاني - حلت للأول؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ
تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾؛ ولأن وطأها يتعلق به أحكام الوطء من المهر
والتحريم، فصار كوطء البالغة، وسواء كان الزوج الثاني حرّاً، أو عبداً قناً أو مدبراً، أو مكاتباً
بعد أن تزوج بإذن مولاه، ودخل بها؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]،
مطلقاً من غير فصل؛ ولأن أحكام النكاح تتعلق بوطء هؤلاء؛ كما تتعلق بوطء الحر.
وكذا إذا كان مشلولاً ينتشر له، ويجامع؛ لوجود الجماع في النكاح الصحيح، وإنما
الفائت هو الإنزال، وذا ليس بشرط كالفحل إذا جامع ولم ينزل.
وأما المجبوب فإنه لا يحلها للأول؛ لأنه لا يتحقق منه الجماع، وإنما يوجد منه السحق
والملاصقة، والتحليل يتعلق بالجماع، وأنه اسم لالتقاء الختانين ولم يوجد؛ فلا تحل للأول،
وإن حملت امرأة المجبوب وولدت، هل تحل للأول قال أبو يوسف: حلت للأول، وكانت
محصنة، وقال زفر: لا تحل للأول ولا تكون محصنة، وهو قول الحسن.
وجه قول زفر ظاهر؛ لأن ثبوت النسب ليس بوطء حقيقة، بل يقام مقام الوطء حكماً،
والتحليل يتعلق(١) حقيقة لا حكماً؛ كالخلوة فإنها لا تفيد الحل وإن أقيم مقام الوطء حكماً؛
كذا هذا؛ ولأن النسب يثبت من صاحب الفراش مع كون المرأة زانية حقيقة؛ لكونه مولوداً
على الفراش، والتحليل لا يقع بالزنا.
ولأبي يوسف أن النسب ثابت منه، وثبوت النسب حكم الوطء في الأصل، فصار
كالدخول، سواء وطئها الزوج الثاني في حيض أو نفاس، أو صوم أو إحرام؛ لوجود الدخول
(١) في أ: متعلق بالوطئ.

٤١٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
في النكاح الصحيح، ولو كانت كتابية تحت مسلم طلقها ثلاثاً، فنكحت كتابياً نكاحاً يقران عليه
لو أسلما ودخل بها؛ فإنها تحل للزوج الأول، لوجود الدخول في النكاح الصحيح في حقهم؛
لأنهم يقرون عليه بعد الإسلام، فصار كنكاح المسلمين، وسواء كانت المرأة مطلقة من زوج
واحد، أو من زوجين، أو أكثر من ذلك - فالزوج الواحد إذا دخل بها تحل للزوجين، أو أكثر
من ذلك؛ بأن طلق الرجل امرأته ثلاثاً، فتزوجت بزوج آخر، فطلقها الثاني قبل أن يدخل بها
ثلاثاً، ثم تزوجت زوجاً ثالثاً، ودخل بها - حلت للأولين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ
لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، جعل الزوج الثاني منهياً للحرمة، من غير
٩٩ب فصل بين ما إذا حرمت على زوج/ واحد أو أكثر، ثم وطء الزوج الثاني هل يهدم ما كان في
ملك الزوج الأول من الطلاق، لا خلاف في أنه يهدم الثلاث، وهل يهدم ما دون الثلاث.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يهدم.
وقال محمد: لا يهدم، وبه أخذ الشافعي، وقد ذكرنا الحجج والشبه فيما تقدم، وإذا
طلق الرجل امرأته ثلاثاً، فغابت عنه مدة، ثم أتته، فقالت: إني تزوجت زوجاً غيرك، ودخل
بي وطلقني، وانقضت عدتي - قال محمد - رحمه الله -: لا بأس أن يتزوجها، ويصدقها إذا
كانت ثقة عنده، أو وقع في قلبه أنها صادقة؛ لأن هذا من باب الديانة، وخبر العدل في باب
الديانة مقبول، رجلاً كان أو امرأة كما في الإخبار عن طهارة الماء ونجاسته، وكما في رواية
الإخبار عن رسول الله وَّر فإن تزوجها ولم تخبره بشيء، لما وقع قالت لم أتزوج زوجاً
غيرك، أو قالت: تزوجت ولم يدخل بي، أو قالت: قد خلا بي وجامعني فيما دون الفرج
وكذبها الأول، وقال: قد دخل بك الثاني - لم يذكر هذا في ظاهر الرواية.
وذكر الحسن بن زياد أن القول قول المرأة في ذلك كله؛ لأن هذا المعنى(١) لا يعلم إلا
من جهتها، فكان القول قولها؛ كما في الخبر عن الحيض والحبل، وفيه إشكال، وهو أنه إنما
يجعل(٢) القول قولها إذا لم يسبق منها ما يكذبها، وقد سبق منها ما يكذبها في قولها، وهو
إقدامها على النكاح من الزوج الأول؛ لأن شيئاً من ذلك لا يجوز إلا بعد التزويج بزوج آخر،
والدخول بها، فكان فعلها مناقضاً لقولها؛ فلا يقبل، وإن كان الزوج هو الذي قال لها: لم
تتزوجي، أو قال: لم يدخل بك الثاني، وقالت المرأة: قد دخل بي قال الحسن - القول قول
المرأة؛ وهذا صحيح لما ذكرنا أن هذا إنما يعلم من جهتها، ولم يوجد منها دليل التناقض،
فكان القول قولها. قال: ويفسد النكاح بقول الزوج، ولها نصف المسمى إن كان لم يدخل
بها، والكل إن كان قد دخل بها؛ لأن الزوج معترف بالحرمة.
(١) في أ: الأمر.
(٢) في أ: يكون.

٤١٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وقوله: فيما يرجع إلى الحرمة مقبول؛ لأنه يملك إنشاء الحرمة(١)، فكان اعترافه بفساد
النكاح بمنزلة إنشاء الفرقة، فيقبل قوله فيه، ولا يقبل في إسقاط حقها من المهر، والله - عز
وجل أعلم.
وإن كان الزوجان مملوكين، فحكم الواحدة البائنة لا يختلف، وأما حكم الثنتين
فحكمهما في المملوكين ما هو حكم الثلاث في الحرين بلا خلاف؛ لقوله وَّ: ((طَلاَقُ الأَمَة
ثِنْتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ))(٢)، وقوله ◌ََّ ((يُطَلَّقُ الْعَبْدُ ثِنْتَيْنِ))(٣).
وإن كان أحدهما حراً والآخر مملوكاً فيعتبر فيه جانب النساء عندنا، وعند الشافعي
جانب الرجال؛ بناء على أن اعتبار الطلاق بهن [لا بهم](٤) عندنا، وعنده بهم لا بهن،
والمسألة قد تقدمت والله - عز وجل - أعلم.
(١) في أ: التحريم.
(٢) أخرجه أبو داود ١/ ٦٦٥ في الطلاق، باب في سنة طلاق العبد (٢١٨٩) والترمذي ٤٨٨/٣ في الطلاق،
باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان (١١٨٢) وابن ماجه ١/ ٦٧٢ في الطلاق، باب في طلاق الأمة
وعددها (٢٠٨٠) والدارقطني ٣٩/٤٠٠، والحاكم ٢٠٥/٢ والبيهقي ٣٦٩/٧ عن أبي عاصم ابن جريج
عن مظاهر عن القاسم بن محمد عن عائشة قال رسول الله وال* طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان.
قال أبو عاصم: تلقيت مظاهراً فحدثني عن القاسم عن عائشة عن النبي ور مثله إلا أنه قال: وعدتها
بحیضتان .
قال أبو داود: وهو حديث مجهول.
وقال الترمذي. حديث عائشة حديث غريب لا نعرف مرفوعاً إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر،
لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث.
وقال البيهقي بإسناده عن ابن حماد يقول: قال البخاري: مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة، ضعفه
أبو عاصم.
ويشهد له حديث ابن عمر أخرجه ابن ماجه (٢٠٧٩) والدارقطني ٢٣٨/٤ والبيهقي ٣٦٩/٧ عن عمر بن
شبيب المسمى عن عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر قال رسول الله مير طلاق الأمة اثنتان،
وعدتها حيضتان وقال البيهقي الدارقطني: تفرد به عمر بن شبيب السلمي هكذا مرفوعاً، وكان ضعيفاً
والصحيح ما رواه سالم ونافع عن ابن عمر موقوفاً.
وأخرجه مالك ٢/ ٥٧٤ في الطلاق. باب ما جاء في طلاق العبد (٥٠) ومن طريقه أخرجه البيهقي ٧/
٣٦٩ عن نافع عن ابن عمر موقوفاً.
وأخرجه الدارقطني ٣٨/٤ عن سالم ونافع عن ابن عمر موقوفاً.
وقال الدارقطني. وهذا هو الصواب وحديث عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن النبي ◌َّل منكر
غیر ثابت من وجھین.
أحدهما: أن عطية ضعيف. وسالم ونافع أثبت منه وأصح رواية.
الوجه الآخر: أن عمر بن شبيب ضعيف الحديث، لا يخبر بروايته.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) سقط في ط .

٤١٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فَضلْ فيما يتعلق بتوابع الطلاق
هذا الذي ذكرنا بيان الحكم الأصلي للطلاق، وأما الذي هو من التوابع - فنوعان: نوع
يعم الطلاق المعين والمبهم، ونوع يخص المبهم، أما الذي يعم المعين والمبهم - فوجوب
العدة على بعض المطلقات دون بعض، وهي المطلقة المدخول بها، والكلام في العدة في
مواضع: في تفسير العدة في عرف الشرع، وبيان وقت وجوبها، وفي بيان أنواع العدد، وسبب
وجوب كل نوع وماله وجب وشرط وجوبه؛ وفي بيان مقادير العدة، وفي بيان انتقال العدة
وتغيرها، وفي بيان أحكام العدة، وفي بيان ما يعرف به انقضاء العدة وما يتصل بها.
أما تفسير العدة، وبيان وقت وجوبها - فالعدة في عرف الشرع اسم لآجل ضرب لانقضاء
ما بقي من آثار النكاح، وهذا عندنا وعند الشافعي هي اسم لفعل التربص، وعلى هذا ينبني
العدتان إذا وجبتا أنهما يتداخلان، سواء كانتا من جنس واحد، أو من جنسين، وصورة الجنس
الواحد المطلقة إذا تزوجت في عدتها، فوطئها الزوج، ثم تتاركا حتى وجبت عليها عدة
أُخرى؛ فإن العدتين يتداخلان عندنا، وصورة الجنسين المختلفين المتوفى عنها زوجها إذا
وطئت بشبهة تداخلت أيضاً، وتعتد بما رأته من الحيض في الأشهر من عدة الوطء عندنا.
وقال الشافعي: تمضي في العدة الأولى، فإذا انقضت استأنفت الأُخرى، احتج بقوله
تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَزْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله تعالى:
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: في التربص، ومعلوم أن الزوج إنما يملك
الرجعة في العدة، فدل أن العدة تربص، سمى الله تعالى العدة تربصاً وهو اسم للفعل وهو
[فعل](١) الكف، والفعلان وإن كانا من جنس/ واحد لا يتأديان بأحدهما؛ كالكف في باب
الصوم وغير ذلك.
١١٠٠
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النَّكَاحَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، سمى
الله تعالى العدة أجلاً، والأجل اسم لزمان مقدر مضروب لانقضاء أمر؛ كآجال الديون،
وغيرها، سميت العدة أجلاً؛ لكونه وقتاً مضروباً لانقضاء ما بقي من آثار النكاح، والآجال إذا
اجتمعت تنقضي بمدة واحدة؛ كالآجال في باب الديون، والدليل على أنها اسم للأجل لا
للفعل؛ أنها تنقضي من غير فعل التربص؛ بأن لم تجتنب عن محظورات العدة حتى انقضت
المدة. ولو كانت فعلاً لما تصور انقضاؤها مع ضدها وهو الترك.
(١) سقط في ط .

٤١٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما الآيات: فالتربص هو التثبت والانتظار، قال تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى حِينٍ﴾
[المؤمنون: ٢٥]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]، وقال سبحانه:
﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢].
والانتظار يكون في الآجال، والمعتدة تنتظر انقضاء المدة المضروبة. وبه تبين أن التربص
ليس هو فعل الكف؛ على أنا إن سلمنا أنه كف، لكنه ليس بركن في الباب، بل هو تابع؛
بدليل أنه تنقضي العدة بدونه على ما بينا، وكذا تنقضي بدون العلم به، ولو كان ركناً لما تصور
الانقضاء بدونه، وبدون العلم به، وعلى هذا يبني وقت وجوب العدة: إنها تجب من وقت
وجود سبب الوجوب من الطلاق، والوفاة، وغير ذلك، حتى لو بلغ المرأة طلاق زوجها أو
موته - فعليها العدة من يوم مطلق، أو مات عند عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله تعالى
عنهم -.
وحكي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: من يوم يأتيها الخبر.
وجه البناء على هذا الأصل أن الفعل لما كان ركناً عنده، فإيجاب الفعل على من لا علم
له به، ولا سبب إلى الوصول إلى العلم به - ممتنع، فلا يمكن إيجابه إلا من وقت بلوغ الخبر؛
لأنه وقت حصول العلم به، ولما كان الركن هو الأجل عندنا، وهو مضي الزمان - لا يقف
وجوبه على العلم به؛ كمضي سائر الأزمنة، ثم قد بينا إنه لا يقف على فعلها أصلاً وهو
الكف، فإنها لو علمت فلم تكف ولم تجتنب ما تجتنبه المعتدة، حتى انقضت المدة - انقضت
عدتها، وإذا لم يقف على فعلها؛ فلأن لا يقف على علمها به أولى، وما روي عن علي -
رضي الله تعالى عنه - محمول على أنها لم تعلم وقت الموت، فأمرها بالأخذ باليقين؛ وبه
نقول.
وقد روي عنه - رضي الله تعالى عنه - في العدة: إنها من يوم(١) الطلاق مثل قول العامة،
فإما أن يحمل على الرجوع، أو على ما قلنا.
وأما بيان أنواع العدد فالعدد في الشرع أنواع ثلاثة: عدة الأقراء، وعدة الأشهر، وعدة
الحبل.
أما عدة الأقراء؛ فلوجوبها أسباب؛ منها الفرقة في النكاح الصحيح، سواء كانت بطلاق
أو بغير طلاق، وإنما تجب هذه العدة لاستبراء الرحم، وتعرف براءتها عن الشغل بالولد؛ لأنها
لو لم تجب، ويحتمل أنها حملت من الزوج الأول، فتتزوج بزوج آخر، وهي حامل من
(١) في أ: وقت.

٤١٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الأول، فيطأها الثاني فيصير ساقياً ماء زرع غيره، وقد نهى رسول الله وَّلّر عن ذلك بقوله وَله :
(مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ))(١).
وكذا إذا جاءت بولد يشتبه النسب، فلا يحصل المقصود، ويضيع الولد أيضاً؛ لعدم
المربي، والنكاح سببه، فكان تسبباً إلى هلاك الولد، وهذا لا يجوز فوجبت العدة؛ ليعلم بها
فراغ الرحم وشغلها (٢)، فلا يؤدي إلى هذه العواقب الوخيمة، وشرط وجوبها الدخول، أو ما
يجري مجرى الدخول، وهو الخلوة الصحيحة في النكاح الصحيح دون الفاسد، فلا يجب
بدون الدخول والخلوة الصحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةِ تَعْتَدُونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]؛ ولأن وجوبها
بطريق استبراء الرحم على ما بينا والحاجة إلى الاستبراء بعد الدخول لا قبله، إلا أن الخلوة
الصحيحة في النكاح الصحيح أقيمت مقام الدخول(٣) في وجوب العدة [لأنها أقيمت مقامه في
تأكد المهر الذي هو خالص حق العبد، فلأن يقام مقامه في وجوب العدة] (٤) التي فيها حق الله
تعالى [أولى](٥)؛ لأن حق الله تعالى يحتاط في إيجابه، ولأن التسليم بالواجب بالنكاح قد
حصل بالخلوة الصحيحة، فتجب به العدة؛ كما تجب بالدخول، بخلاف الخلوة في النكاح
الفاسد؛ لأن الخلوة الصحيحة إنما أقيمت مقام الدخول في وجوب العدة، مع أنها ليست
بدخول حقيقة؛ لكونها سبباً مفضياً إليه، فأقيمت مقامه احتياطاً؛ إقامة للسبب مقام المسبب فيما
يحتاط فيه.
والخلوة في النكاح الفاسد لا تفضي إلى / الدخول؛ لوجود المانع، وهو فساد النكاح،
وحرمة الوطء، فلم توجد الخلوة الحقيقية؛ إذ هي لا تتحقق إلا بعد انتفاء المواقع، أو وجدت
بصفة الفساد، فلا تقوم مقام الدخول، وكذا التسليم الواجب بالعقد لم يوجد؛ لأن النكاح
الفساد لا يوجب التسليم؛ فلا تجب العدة.
١٠٠ ب
وأما الخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح: فقد ذكرنا تفصيل الكلام فيها في كتاب
النكاح، وسواء كانت المطلقة حرة أو أمة، قنة أو مدبرة، أو مكاتبة أو مستسعاة، لا يختلف
أصل الحكم باختلاف الرق والحرية؛ لأن ما وجب له لا يختلف باختلافهما، وإنما يختلف في
القدر لما تبين، والكلام في القدر يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وسواء كانت مسلمة، أو
كتابية تحت مسلم، الحرة كالحرة، والأمة كالأمة؛ لأن العدة تجب لحق الله ولحق الزوج، قال
(١) تقدم تخريجه.
(٣) في أ: النكاح.
(٥) سقط في ط.
(٢) في أ: وشغله.
(٤) سقط في ط .

٤١٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والكتابية مخاطبة بحقوق العباد،
فتجب عليها العدة، وتجبر عليها لأجل حق الزوج والولد؛ لأنها من أهل إيفاء حقوق العباد.
وإن كانت تحت ذمي فلا عدة عليها في الفرقة، ولا في الموت في قول أبي حنيفة إذا كان ذلك
كذلك في دينهم، حتى لو تزوجت في الحال - جاز، وعند أبي يوسف ومحمد: عليها العدة.
وذكر الكرخي في ((جامعة)) في الذمية تحت ذمي، إذا مات عنها أو طلقها، فتزوجت في
الحال - جاز، إلا أن تكون حاملاً فلا يجوز نكاحها. وجه قولهما: أن الذمية من أهل دار
الإسلام؛ ألا ترى أن أهل الذمة يجري عليهم سائر أحكام الإسلام؛ كذا هذا الحكم، رلأبي
حنيفة، أنه لو وجبت عليها العدة؛ إما أن تجب بحق الله تعالى، أو بحق الزوج، ولا سبيل إلى
إيجابها بحق الزوج؛ لأن الزوج لا يعتقد حقًّا لنفسه، ولا وجه إلى إيجابها بحق الله تعالى؛
لأن العدة فيها معنى القربة، وهي غير مخاطبة بالقربات، إلا أنها إذا كانت حاملاً تمنع من
التزويج؛ لأن وطء الزوج الثاني يوجب اشتباه النسب، وحفظ النسب حق الولد، فلا يملك
إيطال حقه، فكان على الحاكم استيفاء حقه بالمنع من التزويج، ولا عدة على المهاجرة في
قول أبي حنيفة، وعندهما: عليها العدة، والمسألة مرت في كتاب النكاح.
فإن جاء الزوج مسلماً، وتركها في دار الحرب - فلا عدة عليها في قولهم جميعاً؛ لأن
على أصل أبي حنيفة الكافرة تلزمها العدة لحق المسلم، واختلاف الدارين يمنع ثبوت الحق
لأحدهما على الآخر، وعلى أصلهما وجوب العدة على الكافرة لجريان حكمنا على أهل
الذمة؛ ولا يجري حكمنا على الحربية، ولا عدة على الزانية، حاملاً كانت أو غير حامل؛ لأن
الزنا لا يتعلق به ثبوت النسب، ومنها الفرقة في النكاح الفاسد بتفريق القاضي أو بالمتاركة،
وشرطها الدخول؛ لأن النكاح الفاسد يجعل منعقداً عند الحاجة، وهي عند استيفاء المنافع،
وقد مست الحاجة إلى الانعقاد لوجوب العدة، وصيانة الماء عن الضياع بثبوت النسب، ويجب
هذه العدة على الحرة والأمة، والمسلمة والكتابية، لأن الموجب لا يوجب الفصل، ويستوي
فيها الفرقة والموت، لأن وجوب هذه العدة على وجه الاستبراء، وقد مست الحاجة في
الاستبراء لوجود الوطء .
فأما عدة الوفاة، فإنما تجب لمعنى آخر، وهو إظهار الحزن على ما فاتها من نعمة
النكاح، على ما نذكر إن شاء الله تعالى، والنكاح الفاسد ليس بنكاح على الحقيقة، فلم يكن
نعمة ثم يعتبر الوجوب في الفرقة من وقت الفرقة، وفي الموت من وقت الموت عند أصحابنا
الثلاثة، وعند زفر من آخر وطء وطئها، والمسألة مرت في كتاب النكاح.
ومنها: الوطء عن شبهة النكاح؛ بأن زفت إليه غير امرأته، فوطئها؛ لأن الشبهة تقام مقام
الحقيقة في موضع الاحتياط، وإيجاب العدة من باب الاحتياط.
بدائع الصنائع ج٤ - ٢٧٣

٤١٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ومنها: عتق أم الولد، ومنها موت مولاها؛ بأن أعتقها سيدها، أو مات عنها، وسبب
وجوب هذه العدة هو زوال الفراش، وهذا عندنا، وعند الشافعي: لا عدة عليها، وإنما عليها
الاستبراء بحيضة واحدة، وسبب وجوبها عنده هو زوال ملك اليمين، ونذكر المسألة في بيان
مقادير العدد إن شاء الله تعالى.
فصل في عدة الأشهر
وأما عدة الأشهر فنوعان: نوع يجب بدلاً عن الحيض، ونوع يجب أصلاً بنفسه، أما
الذي يجب بدلاً عن الحيض فهو عدة الصغيرة، والآيسة، والمرأة التي لم تحض رأساً في
الطلاق، وسبب وجوبها هو الطلاق، وهو سبب وجوب عدة الأقراء، وأنها تجب قضاء لحق
النكاح الذي استوفى فيه المقصود وشرط وجوبها شيئان.
(أحدهما): أحد الأشياء الثلاث: الصغر، أو الكبر، أو فقد الحيض أصلاً مع عدم
الصغر والكبر.
١١٠
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّلَائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ
ثَلاثَةُ أَشْهُرِ وَالََّائِي لَمْ يَحِضْنَ.
(والثاني): الدخول أو ما هو في معناه، وهو الخلوة الصحيحة في النكاحِ الصحيح،
لعموم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ
فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] من غير تخصيص، إلا أن الخلوة الصحيحة
في النكاح الصحيح ألحقت بالدخول في حق وجوب العدة، لما ذكرنا أنها ألحقت به في حق
تأكيد كل المهر؛ ففي وجوب العدة أولى احتياطاً، وتجب هذه العدة على الحرة والأمة،
وأصل الوجوب أن ما وجبت له لا يختلف، وهو ما بينا، وإنما يختلفان في مقدار الواجب،
على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
وكذا يستوي فيها المسلمة والكتابية لعموم النص، وكذا المعنى الذي له وجبت لا يوجب
الفصل، وأما الذي يجب أصلاً بنفسه، فهو عدة الوفاة وسبب وجوبها الوفاة، قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]،
وأنها تجب لإظهار الحزن بفوت نعمة النكاح؛ إذ النكاح كان نعمة عظيمة في حقها، فإن الزوج
كان سبب صيانتها وعفافها، وإيفائها بالنفقة والكسوة والمسكن؛ فوجبت عليها العدة، إظهاراً
للحزن بفوت النعمة وتعريفاً لقدرها.
لو شرط وجوبها النكاح الصحيح فقط فتجب هذه العدة على المتوفى عنها زوجها، سواء
كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها، وسواء كانت ممن تحيض أو ممن لا تحيض، لعموم

٤١٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
قوله - عز وجل -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَزْبَعَةً أَشْهُرٍ
وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] ولما ذكرنا أنها تجب إظهاراً للحزن بفوت نعمة النكاح وقد وجد، وإنما
شرطنا النكاح الصحيح؛ لأن الله تعالى أوجبها على الأزواج، ولا يصير زوجاً حقيقة إلا
بالنكاح الصحيح، وسواء كانت مسلمة، أو كتابية تحت مسلم؛ لعموم النص، ولوجود المعنى
الذي وجبت له، وسواء كانت حرة أو أمة، أو مدبرة أو مكاتبة، أو مستسعاة لا يختلف أصل
الحكم؛ لأن ما وجبت له لا يختلف، وإنما يختلف القدر؛ لما نذكر.
فصل في عدة الحامل
وأما عدة الحبل(١): فهي مدة الحمل، وسبب وجوبها للفرقة أو الوفاة، والأصل فيه قوله
(١) عدة الحامل مدة حملها سواء طالت هذه المدة أم قصرت، حتى لو وضعت بعد وجوب العدة عليها بساعة
انقضت عدتها؛ لما روي أن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال ((لو وضعت وزوجها على سريره لانقضت
عدتها ويحل لها التزوج)).
ووجوب هذه العدة على الحامل لا فرق فيه بين أن تكون حرة أو أمة، مسلمة أو كتابية، لعموم النص
وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
ثم إن وجوبها إما أن يكون عند وفاة أو غيرها من أسباب الفرق؛ كالمطلقة، والمتروكة في النكاح
الفاسد، أو الوطء بشبهة .
فإن كان وجوبها عن غير وفاة ـ فالحكم عليها بوجوب التربص، حتى تنقضي عدتها بوضع الحمل اتفاقاً.
وإن كان عن وفاة فكذلك تتربص إلى أن تضع حملها وهذا مذهبنا، وعليه جمهور العلماء، وكثير من
الصحابة الأجلاء.
وقال علي - كرم الله وجهه - وهو أحد القولين لابن عباس رضي الله عنه أن عدة الحامل المتوفى عنها
زوجها ابعد الأجلين مدة عدة الوفاة أو وضع الحمل، فلو وضعت ولم يمضي على وفاة زوجها أربعة
أشهر وعشر؛ فإنها تنتظر حتى تمضي هذه المدة، وكذا لو مضت ولم تضع؛ فإنها لا تخرج من عدتها
حتى تضع حملها .
ووجهتهم في ذلك تعارض النصوص، وهو قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ الأَخْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَغْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾ وآية: ﴿وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُوْنَ أَزْوَاجاً بَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ فإن كلا من
الآيتين يوجب العدة؛ إذ الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وَأَوْلاَتُ الأَحْمَالِ﴾ عامة تشمل المطلقة والمتوفى
عنها زوجها؛ لأنها جمع مضاف، والجمع المضاف من صيغ العموم فيعم هنا، والآية الثانية وهي قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية، عامة في كل من توفى عنها زوجها، سواء أكانت حاملاً أم حائلاً؛
لعموم الموصول في قوله: ﴿وَالَّذِيْنَ يُتَوَفِّوْنَ﴾ ثم لم يعرف تاريخ نزول أولهما، فيجمع بينهما احتياطاً
لأجل دفع التعارض وإعمالاً للآيتين بالقدر الممكن؛ إذ فيه عملاً بآية عدة الحمل إن كان أجل تلك العدة
أبعد. وعملاً بآية عدة الوفاة إذا كان أجلها أبعد.
ولأن في الأخذ بآية وضع الحمل فقط يكون إعمالاً لواحدة منهما دون الأخرى، ومن الواضح أن الجمع
بينهما خير من إعمال إحداهما، وإهدار الأخرى؛ فينبغي العمل بالدليلين احتياطاً بأن تكون العدة أبعد =

٤٢٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الأجلين على أن الظاهر أن العدة بوضع الحمل خاصته بمن طلقن، وليس شاملاً للمتوفى عنها زوجها؛
=
بدليل عطف: ﴿وَأَوْلاَتُ الأَحْمَالِ ... ) الآية، على قولع تعالى: ﴿وَالَّلاتِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيْضِ﴾ المسوقِ
لبيان العدة التي في قوله - عز وجل - في أول سورة: ﴿يَأيُّهَا النَّبِيِّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءِ فَطَلْقُوْهُنَّ لَعِدَّتِهِنَّ﴾.
فاستلزم سياق الآيات أن يكون الحداد بقوله تعالى ﴿وَأَوْلاَتُ الأَحْمَالِ﴾ خصوص المطلقات، والسياق
دليل الظهور.
قلنا: لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ﴾ معطوف على قوله - سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّلاتي
يَئِسْنَ﴾، بل نقول: إن ذلك ابتداء خطاب من الله تعالى مطلق شامل للحامل المطلقة، والمتوفيٍ عنها
زوجها، بدليل ما روي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه -، أنه قال: قلت: يا رسول الله وٍَّ ﴿وَأَوْلاَتُ
الأَحْمَالِ﴾ الآية هي المطلقة ثلاثاً أم المتوفى عنها زوجها فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((هِيَ المُطَلِّقَةُ
ثَلاَثاً وَالمُتَوَفِى عَنْهَا زَوْجُهَا)). ويؤيده أنه ليس في الآية الكريمة ما يدل على العطف؛ لأنه قال تعالى:
﴿إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، ومن المعلوم عدم وقوع الارتياب فيمن يحتمل العَدد منها. والحامل إذ
كانت ممن تحيض ـ لم يجز أن يقع منهم ارتياب في عدتها حتى يسألوا عنها، فتعين أن يكون كلاماً
مبتدأ، فيتناول العِدَة كلها وأما قولهم: ينبغي الحكم بإيجاب الاعتداد بأبعد الأجلين؛ ليحصل الجمع بين
الدليلين فهو غير مسلم؛ لأن الجمع بينهما مطلوب ما لم تكن إحداهما متقدمة على الأخرى، وقد ثبت
أن آية الوضع متأخرة عن آية التربص؛ فتكون ناسخة لها، ويشهد لذلك ما أخرجه البخاري عن ابن
مسعود - رضي الله عنه - أنه قال في شأن المتوفى عنها زوجها: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها
الرخصة. لقد نزلت سورة النساء القصرى يريد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ِ الآية، بعد الآية التي في
الطولى يريد بها: ﴿وَالَّذِيْنَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُوْنَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ .
ولنا على صحة ما قلناه من أن عدة الحامل مطلقاً وضع حملها العموم في قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ
الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؛ إذ هي متناولة لكل حامل، من غير فرق بين أن تكون مفارقة بغير
موت أو متوفى عنها.
ولما روي عند ابن ماجه أن أم كلثوم بنت عقبة قالت لزوجها الزبير بن العوام وهي حامل: طيب نفس
بتطليقة، فطلقها تطليقة، ثم خرج للصلاة. فرجع وقد وضعت فقال: ما لها خدعتني خدعها الله، ثم أتى
النبي ◌َّ - فقال: سبق الكتاب أجله أخطبها إلى نفسها.
ولما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه قال: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى
نزلت بعد الأربعة أشهر وعشر فتكون ناسخة لها. والمباهلة لغة الملاعنةَ كانوا إذا اختلفوا في أمر اجتمعوا
وقالوا بهلة الله على الظالم منا، وفي رواية من شاء لاعنته. وفي أخرى من شاء حالفته.
أيضاً ما رواه الشيخان وغيرهما عن سليمان بن يسار أن عبد الله بن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن
اختلفوا في المرأة تنفس بعد زوجها بليال. فقال أبو سلمة إذا وضعت ما في بطنها فقد حلت لقوله تعالى
﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ والآية،: وقال ابن عباس آخر الأجلين تعتد والآية إنما هي في الطلاق. فقال
أبو هريرة وكان حاضراً لخلافهما أنا مع ابن أخي أبي سلمة، فأرسلوا كُرَيباً مولى ابن عباس إلى أم سلمة
زوج النبي ◌َّير يسألها عن ذلك. فأخبرهم أنها قالت ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليال فذكرت
ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: ((قَدْ حَلَلْت فَانْكِحِي مَنْ شِئْتٍ)): وفي رواية أنهم أرسلوه إلى
عائشة رضي الله عنها فقالت بمثل ذلك ولم تعين مقدار الليالي.
=