النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كِتَابُ الطَّلاَقِ وأما قوله: إن الله تعالى ذكر الفيء بعد الأربعة أشهر - فنعم، لكن هذا لا يوجب أن يكون الفيء بعد مضيها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، ذكر تعالى الإمساك بمعروف بعد بلوغ الأجل، وأنه لا يوجب الإمساك بعد مضي الأجل وهو العدة، بل يوجب الإمساك وهو الرجعة في العدة والبينونة بعد انقضائها؛ كذا ههنا. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، فقد قال قوم من أهل التأويل: إن المراد من قوله: ﴿سَمِيعٌ﴾ في هذا الموضع، أي: سميع بإيلائه، والإيلاء مما ينطق به، ويقال: فيكون مسموعاً، وقوله تعالى: ﴿عَلِيمْ﴾ ينصرف إلى العزم، أي: عليم بعزمه الطلاق، وهو ترك الفيء، ودليل صحة هذا التأويل؛ أنه تعالى ذكر قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عقيب أمرين : أحدهما: يحتمل السماع وهو الإيلاء، والآخر: لا يحتمل وهو عزم الطلاق، فينصرف(١) كل لفظ إلى ما يليق به؛ ليفيد فائدته، وهي كقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، عقيب ذكر الليل والنهار بقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهِارَ مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧]، أنه صرف إلى كل ما يليق به ليفيد فائدته، وهو السكون إلى الليل، وابتغاء الفضل إلى النهار؛ كذا لههنا، ولأنه تعالى ذكر أنه سميع عليم، وكل مسموع معلوم وليس كل معلوم مسموعاً؛ لأن السماع لا يكون إلا للصوت، فلو كان الطلاق في الإيلاء بالقول - لكان مسموعاً، والإيلاء مسموع أيضاً، فوقعت الكفاية بذكر السميع، فلا يتعلق بذكر العليم فائدة مبتدأة؛ ولو كان الأمر على ما قلنا: أن الطلاق يقع عند مضي المدة من غير قول يسمع - لانصرف (٢) ذكر العليم إليه؛ لأن ذلك ليس بمسموع، حتى يغني ذكر السميع عن ذكر العليم، فيتعلق بذكر العليم فائدة جديدة، فكان ما قلناه أولى، مع ما أنا لا نعلم أن سماع الطلاق يقف على ذكر الطلاق بحروفه؛ ألا ترى أن كنايات الطلاق طلاق وهي مسموعة، وإن لم يكن الطلاق مسموعاً مذكوراً بحروفه، وكذا طلاق الأخرس فلم يكن من ضرورة كون الإيلاء طلاقاً - التلفظ بلفظ الطلاق، فلا يقف سماع صوت الطلاق عليه. وقوله: لفظ الإيلاء لا يدل على الطلاق - ممنوع، بل يدل عليه شرعاً، فإن للشرع جعل الإيلاء طلاقاً معلقاً لشرط البر، فيصير الزوج بالإصرار على موجب هذه اليمين معلقاً طلاقاً بائناً، بترك القربان أربعة أشهر؛ كأنه قال: إذا مضت أربعة أشهر، ولم أقربك فيها، فأنت طالق (١) في أ: فيصرف. (٢) في أ: يصرف. ٣٨٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ بائن. عرفنا ذلك بإشارة النص وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمْ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، سمي ترك الفيء في المدة عزم الطلاق، وأخبر - سبحانه وتعالى - أنه سميع للإيلاء، فدل أن الإيلاء السابق يصير طلاقاً عند مضي المدة من غير فيء، وبما ذكرنا من المعنى المعقول. وأما صفته: فقد قال أصحابنا: إن الواقع بعد مضي المدة من غير فيء - طلاق بائن. وقال الشافعي: إذا خير بعد انقضاء العدة، فاختار الطلاق - فهي واحدة رجعية؛ بناء على أصله ١٩٣ أن الطلاق بعد مضي المدة يقع بإيقاع مبتدإ، وهو صريح الطلاق فيكون/ رجعياً. ولنا إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فإنه روي عن عثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة؛ ولأن الطلاق إنما يقع عند مضي المدة؛ دفعاً للظلم فلا يندفع الظلم عنها إلا بالبائن، لتتخلص عنه، فتتمكن من استيفاء حقها من زوج آخر، ولا يتخلص إلا بالبائن؛ ولأن القول بوقوع الطلاق الرجعي يؤدي إلى العبث؛ لأن الزوج إذا أبى الفيء والتطليق - يقدم إلى الحاكم ليطلق عليه الحاكم عنده، ثم إذا طلق عليه (١) الحاكم يراجعها(٢) الزوج، فيخرج فعل الحاكم مخرج العبث؛ وهذا لا يجوز. وأما قدره: وهو قدر الواقع من الطلاق في الإيلاء، فالأصل أن الطلاق في الإيلاء يتبع المدة لا اليمين، فيتحد باتحاد المدة، ويتعدد بتعددها في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يتبع اليمين، فيتعدد بتعدد اليمين، ويتحد باتحادها، ولا خلاف في أن المعتبر في حق حكم الحنث هو اليمين، فينظر إلى اليمين في الاتحاد والتعدد، لا إلى المدة. وجه قول زفر: أن وقوع الطلاق ولزوم الكفارة حكم الإيلاء، والإيلاء يمين، فيدور الحكم مع اليمين، فيتحد باتحادها، ويتعدد بتعددها؛ لأن الحكم يتكرر بتكرر السبب، ويتحد باتحاده. ولنا أن الإيلاء إنما اعتبر طلاقاً من الزوج؛ لمنعه حقها في الجماع في المدة منعاً مؤكداً باليمين؛ إذ به يصير ظالماً، والمنع يتحد باتحاد المدة، فيتحد الظلم فيتحد الطلاق، ويتعدد بتعددها، فيتعدد الظلم فيتعدد الطلاق. فأما الكفارة؛ فإنه تجب لهتك حرمة اسم الله - عز وجل -، وآلهتك يتعدد بتعدد الاسم ويتحد باتحاده. وعلى هذا الأصل مسائل: إذا قال لامرأته مرة واحدة: والله لا أقربك، فلم يقربها، حتى مضت المدة - بانت بتطليقة واحدة، وإن قربها لزمه كفارة واحدة؛ لاتحاد المدة واليمين جميعاً. (١) في أ: عليها. (٢) في أ: راجعها. ٣٨٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال لها في مجلس واحد: والله لا أقربك، والله لا أقربك، والله لا أقربك، فإن عنى به التكرار - فهو إيلاء واحد في حق حكم الحنث والبر جميعاً، حتى لو مضت أربعة أشهر، ولم يقربها - بانت بتطليقة واحدة، ولو قربها فى المدة لا يلزمه إلا كفارة واحدة، لأن مثل هذا يذكر للتكرار في العرف والعادة، فإذا نوى به تكرار الأول فقد نوى ما يحتمله كلامه فيصدق فيه، وإن لم تكن له نية فهو إيلاء واحد في حق حكم البر في قول أصحابنا الثلاثة، وثلاث في حق حكم الحنث بالإجماع، حتى لو مضت أربعة أشهر، ولم يقربها - بانت بتطليقة واحدة في قول أصحابنا الثلاثة، ولو قربها في المدة فعليه ثلاث كفارات بالإجماع، وعند زفر هو ثلاث إيلات في حق حكم الحنث والبر جميعاً؛ وينعقد كل إيلاء من حين وجوده، فإذا مضت أربعة أشهر ولم يفىء إليها - بانت بتطليقة، ثم إذا مضت ساعة - بانت بتطليقة أخرى، ثم إذا مضت ساعة أُخرى بانت بتطليقة واحدة أُخرى، وإن قربها في المدة - فعليه ثلاث كفارات. وأصل هذه المسألة أن من قال لامرأته: إذا جاء غد، فوالله لا أقربك؛ قاله ثلاثاً، فجاء غد - يصير مولياً في حق حكم البر إيلاء واحداً عندنا، وعنده يصير مولياً ثلاث إيلاآت في حق حكم الحنث، وإن أراد به التغليظ والتشديد، فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ أنه إيلاء واحد في حق حكم البر استحساناً، وعند محمد وزفر: هو ثلاث في حق البر والحنث جميعاً، وهو القياس، أما زفر فقد مر على أصله أن الحكم لليمين لا للمدة؛ لأن اليمين هي السبب الموجب للحكم، وقد تعددت، فيتعدد السبب بتعدد الحكم. وأما وجه القياس لمحمد: أن المدة قد اختلفت؛ لأن كل واحدة من هذه الأيمان وجدت في زمان، فكانت مدة كل واحدة منهما غير مدة الأُخرى، فصار كما لو آلى منها ثلاث مرات في ثلاث مجالس. وجه الاستحسان أن المدد وإن تعددت حقيقة فهي متعدة(١) حكماً، لتعذر ضبط الوقت الذي بين اليمينين عند مضي أربعة أشهر، فصارت مدة الأيمان كلها مدة واحدة حكماً، والثابت حكماً ملحق بالثابت حقيقة. ولو قال: إذا جاء غد فوالله لا أقربك، وإذا جاء بعد غد، فوالله لا أقربك - يصير مولياً إيلاءين في حق [حكم](٢) الحنث والبر جميعاً [ثم](٣)، إذا جاء غد يصير مولياً، وإذا جاء بعد غد يصير مولياً إيلاء آخر، وكذلك إذا آلى منها في مجلس، ثم آلى منها في مجلس آخر؛ بأن قال: والله لا أقربك فمكث يوماً، ثم قال: والله لا أقربك يصير مولياً إيلاءين، أحدهما في (١) في ط: متعددة. (٣) سقط في ط. (٢) سقط في ط. ٣٨٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ الحال، والآخر في الغد في حق الحنث والبر جميعاً، لأن المدد قد تعددت حقيقة وحكماً؛ ٩٣ ب لاختلاف ابتداء كل مدة وانتهائها، وإمكان ضبط الوقت الذي/ بين اليمينين. ولو قال: كلما دخلت هذه الدار، فوالله لا أقربك، أو قال: والله إن دخلت هذه الدار، فوالله لا أقربك، أو قال: والله لا أقربك كلما دخلت هذه الدار - يصير مولياً إيلاءين في حق البر وإيلاء واحداً في حق الحنث، فإذا دخل الدار دخلتين ينعقد الإيلاء الأول عند الدخلة الأولى، والثاني عند الدخلة الثانية، حتى لو مضت أربعة أشهر من وقت الدخلة الأولى بانت بتطليقة، وإذا تمت أربعة أشهر من وقت الدخلة الثانية - بانت بتطليقة أخرى، ولو قربها بعد الدخلتين لا يلزمه إلا كفارة واحدة؛ لتعدد المدة واتحاد اليمين في حكم الحنث. والأصل فيه: أن اليمين بالله تعالى متى علقت بشرط متكرر لا يتكرر انعقادها بتكرر الشرط، واليمين بما هو شرط وجزاء، إذا علقت بشرط متكرر تتكرر بتكرار الشرط. وقوله: والله لا أقربك يمين بالله تعالى في حق الحنث، ويمين بالطلاق في حق البر، ودليل هذا الأصل وبيان فروعه يعرف في ((الجامع الكبير))، وكذلك إذا قال: كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين، فوالله لا أقربك، أو قال: كلما كلمت واحداً من هذين الرجلين، فوالله لا أقربك فدخل إحداهما، أو كلم أحدهما صار مولياً، وإذا دخل مرة أُخرى، أو كلمه أُخرى - صار مولياً إيلاء آخر في حق حكم البر، وهو إيلاء واحد في حق حكم الحنث، والله تعالى أعلم. فضل فيما يبطل به الإيلاء وأما بيان ما يبطل به الإيلاء فما يبطل به الإيلاء نوعان: نوع يبطل به أصلاً في حق الحكمين جميعاً، وهو البر والحنث، ونوع يبطل به في حق أحد الحكمين، وهو حكم البر، ويبقى في حق الحكم الآخر وهو حكم الحنث. أما الذي يبطل به الإيلاء في حق الحكمين جميعاً - فشيء واحد. وهو الفيء بالجماع في الفرج في المدة؛ لأنه يحنث به، واليمين لا يبقى بعد الحنث؛ لأنه حنث اليمين نقضها، والشيء لا يبقى مع وجود ما ينقضه. وأما ما يبطل به في حق حكم البر دون الحنث ـ فشيئان: أحدهما: الفيء بالقول عند استجماع شرائطه، التي وصفناها، فيبطل به الإيلاء في حق حكم البر، حتى لا تبين بمضي المدة؛ لما ذكرنا أن ترك الفيء في المدة شرط وقوع الطلاق بعد مضيها؛ إذ هو عزيمة الطلاق، وأنها شرط بالنص، لكنه يبقى في حق حكم الحنث، حتى لو فاء إليها بالقول في المدة، ثم قدر على الجماع بعد المدة، فجامعها - تلزمه للكفارة؛ لأن وجوب الكفارة معلق بالحنث، والحنث هو فعل المحلوف عليه، والمحلوف عليه هو الجماع في الفرج، فلا يحصل الحنث بدونه. ٣٨٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ والثاني: الطلقات الثلاث، حتى لو وقع عليها ثلاث تطليقات بالإيلاء، أو طلقها ثلاثاً عقيب الإيلاء، فتزوجت، ثم عادت إليه، فمضت أربعة أشهر لم يطأها فيها - لا يقع عليها شيء عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا يبطل بها الإيلاء، ويقع عليها الطلاق بالإيلاء أبداً؛ بناء على أن استيفاء طلاق الملك القائم للحال يبطل اليمين عندنا. وعنده لا يبطلها، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم. ولو آلى منها، ولم يفىء إليها، حتى مضت أربعة أشهر، فبانت منه بتطليقة، وانقضت عدتها، فتزوجت بزوج آخر، ثم عادت إلى الأول - عاد حكم الإيلاء بالإجماع، لكن عند أبي حنيفة وأبي يوسف: بثلاث تطليقات، وعند محمد: بما بقي؛ بناء على أن الزوج الثاني يهدم الطلقة والطلقتين عندهما، وعنده لا يهدم، والمسألة قد مرت، ولا يبطل بالإبانة، حتى لو [آلى منها](١)، ثم أبانها قبل مضي المدة، ثم تزوجها، فمضت المدة من غير فيء - تبين بتطليقة أُخرى بالإيلاء السابق، ولو أبانها ولم يتزوجها حتى مضت المدة، وهي في العدة يقع عليها تطليقة أُخرى عندنا، وعند زفر: لا يقع. وقد مرت المسألة، وهل يبطل بمضي المدة من غير فيء، فإن كان الإيلاء مطلقاً أو مؤبداً؛ بأن قال: والله لا أقربك [أبداً](٢)، أو قال: والله لا أقربك ولم يذكر الوقت، فمضت أربعة أشهرٍ من غير فيء، حتى بانت بتطليقة - لا يبطل الإيلاء، حتى لو تزوجها، فمضت أربعة أشهر أخرى منذ تزوج - يقع عليها تطليقة أُخرى؛ لأن اليمين عقدت مطلقة أو مؤبدة، والعارض ليس إلا البينونة [وأثرها في](٣) زوال الملك، وزوال الملك لا يوجب بطلان اليمين بالطلاق؛ لما عرف أن اليمين إذا انعقدت تبقى لاحتمال الفائدة، واحتمال الفائدة ثابت لاحتمال التزوج، فيبقى اليمين، إلا أنه لا بد من الملك لانعقاد المدة الثانية، فإذا تزوجها عاد الملك، فعاد حقها في الجماع، فإذا مضت المدة الثانية من غير فيء إليها، فقد منعها حقها فقد ظلمها، فيقع تطليقة أخرى؛ جزاء على ظلمه. وكذا إذا تزوجها بعدما بانت بتطليقة ثانية، ومضت أربعة أشهر أُخرى منذ تزوجها تبين بثالثة لما قلنا/ فإن تزوجت بزوج آخر ثم تزوجها الأول فمضت أربعة أشهر لم يقربها فيها لا ١٩٤ يقع عليها شيء عند أصحابنا الثلاثة خلافاً لزفر، ولو آلى منها مطلقاً أو أبداً فمضت أربعة أشهر ولم يفىء إليها حتى بانت ثم لم يتزوجها حتى مضت أربعة أشهر أخرى وهي في العدة لا يقع عليها تطليقة أُخرى لأن اليمين قد بطلت بل هي باقية لما بينا(٤) إلا أنها مبانة لا تستحق الوطء (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: أبانها . (٢) سقط في ط . (٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: وأنه ينافي. (٤) في أ: قلنا. بدائع الصنائع ج٤ - م٢٥ ٣٨٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ على الزوج فلا يصير الزوج بالامتناع عن قربانها في المدة ظالماً ووقوع الطلاق كان لهذا المعنى ولم يوجد فلا يقع لكن تبقى اليمين، حتى لو تزوجها ومضت المدة من غير في يقع. والأصل أن المدة المنعقدة لا تبطل بالبينونة، وإن كانت لا تنعقد على المبانة على طريق الاستئناف، ولو قربها قبل أن يتزوجها فعليه الكفارة؛ لأن اليمين باقية، وقد وجد شرط الحنث فیحنٹ ولو كان الإيلاء مؤقتاً إلى وقت معلوم أربعة أشهر أو أكثر، فمضت المدة من غير فيء حتى وقع الطلاق - لا يبقى الإيلاء، وينتهي، حتى لو قربها لا كفارة عليه، ولو لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر - لا يقع عليها شيء؛ لأن المؤقت إلى وقت ينتهي عند وجود الوقت. ولو حلف على قربان امرأته بعتق عبد له، ثم باعه - سقط الإيلاء؛ لأنه صار بحال لا يلزمه شيء بقربانها، ثم إذا دخل في ملكه بوجه من الوجوه قبل القربان عاد حكم الإيلاء، حتى لو تركها أربعة أشهر لم يقربها فيها تبين، لأن الجزاء لا تتقيد بالملك القائم للحال، كمن قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه ثم اشتراه، فدخل الدار؛ أنه يعتق. ولو دخل في ملكه بعد القربان لا يعود الإيلاء؛ لبطلانه بالقربان، وكذا إذا مات العبد بطل الإيلاء؛ لأن الجزاء صار بحال لا يتصور وجوده؛ فبطلت اليمين. ولو قال: إن قربتك فعبديّ هذان حران، فمات أحدهما، أو باع أحدهما - لا يبطل الإيلاء؛ لأنه يلزمه بالقربان عتق، ولو ماتا جميعاً بطل الإيلاء، وكذا لو باعهما جميعاً معاً، أو على التعاقب، ولو باعهما ثم دخل أحدهما في ملكه بوجه من الوجوه قبل القربان - عاد الإيلاء فيه. ثم إذا دخل الآخر في ملكه عاد الإيلاء فيه من وقت دخول الأول؛ لأن العائد عين الأول. ولو قال لامرأته: أنت طالق قبل أن أقربك بشهر، فقربها قبل تمام الشهر من وقت اليمين - بطلت اليمين، ولو لم يقربها حتى مضى شهر - يصير مولياً؛ لأن معنى هذا الكلام إذا مضى شهر لم يقربها فيه - لصار مولياً؛ لما ذكرنا أن قوله: أنت طالق إن قربتك إيلاء؛ ألا ترى أنه لا يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه وهو الطلاق، وهذا حد المولى، فإذا صار مولياً، فإن قربها بعد ذلك وقع الطلاق؛ لأنه علق الطلاق بالقربان، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت بتطليقة؛ لأن هذا حكم الإيلاء في حق البر. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً قبل أن أقربك، ولم يقل: بشهر - لا يصير مولياً، ويقع الطلاق من ساعته؛ لأنه أوقع الطلاق في وقت هو قبل القربان، وكما فرغ من كلامه فقد وجد هذا الوقت فيقع. ولو قال: قبل أن أقربك يصير مولياً؛ لأن قبل الشيء اسم لزمان متقدم عليه مطلقاً، وكما فرغ من هذه المقالة، فقد وجد زمان متقدم عليه متصل به، فما لم يوجد القربان لا يعرف هذا ٣٨٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ الزمان، فكان هذا تعليق الطلاق بالقربان؛ كأنه قال: إن قربتك فأنت طالق، فإن قربها وقع الطلاق بعد القربان بلا فصل، فإن تركها حتى مضت أربعة أشهرَ بانت بالإيلاء؛ كما لو نص على التعليق بالقربان، والله الموفق فضلْ في حكم الطلاق وأما بيان حكم الطلاق: فحكم الطلاق يختلف باختلاف الطلاق من الرجعي والبائن، ويتعلق بكل واحد منهما أحكام: بعضها أصل، وبعضها من التوابع. أما الطلاق الرجعي: فالحكم الأصلي له هو نقصان العدد، فأما زوال الملك، وحل الوطء - فليس بحكم أصلي له لازم، حتى لا يثبت للحال، وإنما يثبت في الثاني بعد انقضاء العدة، فإن طلقها ولم يراجعها، بل تركها حتى انقضت عدتها - بانت وهذا عندنا، وعند الشافعي: زوال حل الوطء، من أحكامه الأصلية حتى لا يحل له وطؤها قبل الرجعة؛ وإليه مال أبو عبد الله البصري. وأما زوال الملك: فقد اختلف فيه أصحابنا، قال بعضهم: الملك يزول في حق حل الوطء لا غير. وقال بعضهم: لا يزول أصلاً، وإنما يحرم وطؤها مع قيام الملك من كل وجه؛ كالوطء في حالة الحيض والنفاس. وجه قوله: إن الطلاق واقع للحال، فلا بد وأن يكون له أثر ناجز، وهو زوال حل الوطء وزوال/ الملك في حق الحل، وقد ظهر أثر الزوال في الأحكام حتى لا يحل له المسافرة بها ٩٤ب والخلوة، ويزول قسمها. والإقراء قبل الرجعة محسوبة من العدة؛ ولهذا سمى الله تعالى الرجعة ردًّا في كتابه الكريم بقوله - عز وجلّ -: ﴿وَبُعَولَتُهُنَّ﴾، أي أزواجهن ﴿أَحَقُّ بِرَدْهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والرد في اللغة عبارة عن إعادة الغائب، فيدل على زوال الملك من وجه. ولنا قوله تعالى: ﴿وَبُعَولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدْهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أي: أزواجهن، قوله تعالى هن كناية عن المطلقات، سماه الله تعالى زوجها بعد الطلاق، ولا يكون زوجاً إلا بعد قيام الزوجية فدل أن الزوجية قائمة بعد الطلاق، والله - سبحانه وتعالى - أحل للرجل وطء زوجته بقوله - عز وجلّ -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] وقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله - عز وجلّ -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُو إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، ونحو ذلك من النصوص، والدليل على قيام الملك من كل وجه أنه يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ويجري اللعان بينهما ويتوارثان - وهذه أحكام الملك المطلق - وكذا يملك مراجعتها بغير رضاها، ولو كان ملك النكاح زائلاً من وجه - لكانت الرجعة إنشاء النكاح على الحرة من غير رضاها من وجه؛ وهذا لا يجوز. ٣٨٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ وأما قوله: الطلاق واقع في الحال فمسلم، لكن التصرف الشرعي قد يظهر أثره للحال، وقد يتراخى عنه كالبيع بشرط الخيار، وكالتصرف الحسي وهو الرامي، وغير(١) ذلك - فجاز أن يظهر أثر هذا الطلاق بعد انقضاء العدة، وهو زوال الملك وحرمة الوطء، على أن له أثراً ناجزاً، وهو نقصان عدد الطلاق، ونقصان حل المحلية، وغير ذلك على ما عرف في الخلافيات . أما المسافرة بها: فقد قال زفر من أصحابنا: إنه يحلُّ له المسافرة بها قبل الرجعة، وأما على قول أصحابنا الثلاثة، فإنما لا تحل لا لزوال الملك، بل لكونها معقدة، وقد قال الله تعالى في المعتدات: ﴿وَلاَ يُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيْنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، نهى الرجال عن الإخراج، والنساء عن الخروج، فيسقط الزوج العدة بالرجعة لنزول الحرمة ثم يسافر. وأما الخلوة: فإن كان من قصده الرجعة لا يكره، وإن لم يكن من قصده المراجعة - يكره، لكن لا لزوال النكاح (٢) وارتفاع الحل، بل للإضرار بها؛ إذا لم يكن من قصده استيفاء النكاح بالرجعة، فمتى خلا بها فربما يقع بينهما المساس عن شهوة، فيصير مراجعاً لها، ثم يطلقها ثانياً، فيؤدي إلى تطويل العدة عليها، فتضرر بذلك، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وكذلك القسم، لأنه لو ثبت القسم لخلا بها، فيؤدي إلى ما ذكرنا إذا لم يكن من قصده أن يراجعها، حتى لو كان من قصده أن يراجعها لكان لها القسم وله الخلوة بها، وإنما احتسبنا الأقراء من العدة؛ لانعقاد الطلاق سبباً لزوال الملك، والحل للحال على وجه يتم عليه عقد انقضاء العدة، وهو الجواب عن قوله: إن الله تعالى سمى الرجعة ردًّا؛ لأنه يجوز إطلاق اسم الرد عند انعقاد سبب زوال الملك بدون الزوال كما في البيع، بشرط خيار المتعاقدين(٣) أنه يطلق اسم الرد عند اختيار الفسخ. وإن لم يزل الملك عن البائع، ولم يثبت للمشتري؛ لانعقاد سبب الزوال بدون الزوال، ويكون الرد فسخاً للسبب، ومنعاً له عن العمل في إثبات الزوال؛ كذا ههنا. ويستحب لها أن تتشوف وتتزين؛ لأن الزوجية قائمة من كل وجه. ويستحب لها ذلك لعل زوجها يراجعها، وعلى هذا يبني حق الرجعة أنه ثابت للزوج بالإجماع، سواء كان الطلاق واحداً أو اثنين، أما عندنا فلقيام الملك من كل وجه. وأما عنده فلقيامه فيما وراء حل الوطء. (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: الزنى ونحو. (٢) زاد في أ: من وجه. (٣) في أ: العاقدين. ٣٨٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ ثم الكلام في الرجعة في مواضع: في بيان شرعية الرجعة(١)، وفي بيان ماهيتها، وفي بيان ركنها، وفي بيان شرائط جواز الركن. أما الأول: فالرجعة مشروعة، عرفت شرعيتها بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول. أما الكتاب العزيز: فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدْهِنَّ﴾، أي: رجعتهن، وقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوَفٍ أَوْ فارِقُوهُونَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩] والإمساك بالمعروف هو الرجعة . وأما السنة: فما روينا عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لعمر - رضي الله تعالى عنه -: ((مُرِ ابْنَكَ يُرَاجِعْهَا ... )) (٢) الحديث . (١) الرّحبة قال في ((المصباح)) بالفتح بمعنى الرجوع، وفلان بالرّجعة، أي بالعود إلى الدنيا. وأما الرجعة بعد الطّلاق، ورجعة الكتاب فبالفتح والكسر، وبعضهم يقتصر في رجعة الطلاق على الفتح، وهو أفصح. قال ابن فَارِسٍ: والرّجعة مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر، وهو تمليك الرجعة على زوجته، وطلاق رجعي بالوجهين أيضاً. اهـ. وفيه رجعت المرأة إلى أهلها، بموت زوجها أو طلاق، فهي راجع. ومنهم من يفرق فيقول: المطلّقة مردودة، والمتوفى عنها راجع. قال صاحب ((المختار)): ((رجع الشّيء بنفسه من باب جلس)) ورجعه غيره من باب ((قطع))، وقوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ لَقَوْلَ أي يَتَلاَوَمُونَ. والرُّجْعَى: الرجوع، وكذا المرجع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلى ربكم مَرْجِعُكُمْ﴾ وهو شاء؛ لأن المصادر من فعَل إنما تكون بالفتح. ورَجعة بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، والراجع المرأة يموت زوجها، فترجع إلى أهلها. وأما المُطَلَّقَةُ: فهي المَرْدُوُدَةُ. والرَّجْعُ: المطر؛ قال تعالى: ﴿وَالْمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. وقيل: معناه النفع . والمراجعة المعادة؛ يقال: راجعه الكلام، وراجع امرأته، فهي لغة: المَرَّةُ من الرُّجوع. واصطلاحاً: عرفها الحنفيةُ بأنها: استدامة المِلْكِ القائم في العدة، برد الزوجة إلى زوجها، وإعادتها إلى حالتها الأولى. عرفها الشَّافعية بأنها: رَدُّ المرأة إلى النكاح من طلاق غير بَائِنِ في العدة، على وجه مخصوص. عرفها المالكيةُ بأنها: عَوْدُ الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد. عرفها الحنابلةُ بأنها: إِعَادَةُ المطلقة غير بائن، إلى ما كانت عليه بغير عقد. انظر: الاختيار ١٠٠، اللباب ٥٦، الإقناع ١٧٥/٢، حاشية الدسوقي ٤١٥/٢، كشاف القناع ٣٤١/٥. (٢) في أ: مره ليراجعها وتقدم تخريجه. ٣٩٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ وروي أن رسولَ اللهَ وَّ لَمَّا طَلَّقَ حَفْصَةَ - رضي الله تعالى عنها - جَاءَهُ جِبْرِيلُ وََّ فَقَالَ ١٩٥ لَهُ: ((رَاجِعْ حَفْصَةً/؛ إِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ فَرَاجَعَهَا))(١) وكذا روي؛ أنه تَ طَلَّقَ سَوْدَةً بِنْتَ زَمْعَةً - رضي الله تعالى عنها - ثُمَّ رَاجَعَهَا، (٢) وعليه الإجماع. وأما المعقول، فلأن الحاجة تمس إلى الرجعة، لأن الإنسان قد يطلق امرأته، ثم يندم على ذلك، على ما أشار إليه الرب - سبحانه وتعالى جل جلاله - بقوله: ﴿لاَ تَذْرِي لَعَلَّ الله يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق: ١]، فيحتاج إلى التدارك، فلو لم تثبت الرجعة لا يُمكنه التدارك، لما عسى لا توافقه المرأة في تحديد النكاح، ولا يمكنه الصبر عنها، فيقع في الزنا والله أعلم (١) روي هذا الحديث عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم وهم عمر وأنس وابن عمر وغيرهما أما حديث عمر: أن النبي وَلقر طلق حفصة وراجعها أخرجه أبو داود ٦٩٥/١ كتاب الطلاق/باب في المراجعة (٢٢٨٣) والنسائي ٦/ ٢١٣ كتاب الطلاق/ باب الرجعة، وابن ماجه ١/ ٦٥٠ كتاب الطلاق/باب حدثنا سويد بن سعيد (٢٠١٦). والدارمي ١٦١،١٦٠/٢ كتاب الطلاق/ باب في الرجعة. والبيهقي ٧/ ٣٢١- ٣٢٢ كتاب الخلع والطلاق/ باب إباحة الطلاق. وابن حبان ١٠/ ١٠٠ (٤٢٧٥) والحاكم ٢/ ١٩٧. وابن سعد (٥٨/٨) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن صالح بن صالح عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن صهير عن ابن عباس عن عمر به . وقال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي وقال الألباني في الإرواء (٧) ١٥٧). (وهو كما قالا)). وحديث أنس: أخرجه الدارمي ١٦١/٢ كتاب الطلاق/ باب الرجعة وابن سعد (٥٨/٨) والحاكم ١٩٧/٢ والبيهقي ٣٦٨/٧ كتاب الرجعة . من طريق هيثم أبا حميد عن أنس قال: (لما طلق النبي ◌َّ حفصة أمر أن يراجعها فراجعها)) وقال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي وأخرجه الحاكم (١٥/٤) من طريق الحسن بن أبي جعفر حدثنا ثابت عن أنس برأتم فيه . قال الألباني في الإرواء ١٥٨/٧: ((لكن الحسن هذا ضعيف)). وحديث عبد الله بن عمر: أخرجه ابن حبان ١٠١/١٠ (٤٢٧٦) عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله ◌َّر طلقك؟! إنه قد كان طلقك ثم راجعك من أجلي فأيم الله لأن كان طلقك، لا كلمتك كلمة أبداً)). (٢) تقدم تخريجه. ٣٩١ كِتَابُ الطَّلاَقِ فضلٌ في بيان ماهية الرجعة (١) وأما بيان ماهية الرجعة فالرجعة عندنا استدامة الملك القائم ومنعه من الزوال، وفسخ السبب المنعقد لزوال الملك. وعند الشافعي(٢): هي استدامة من وجه، وإنشاء من وجه؛ بناء على أن الملك عنده قائم من وجه، زائل من وجه، وهو عندنا: قائم من كل وجه، وعلى هذا ينبني أن الشهادة ليست بشرط لجواز الرجعة عندنا، وعنده شرط. وجه البناء: أن الشهادة شرط ابتداء العقد وإنشائه، لا شرط البقاء، والرجعة استيفاء العقد عندنا، فلا يشترط له الشهادة، وعنده هي استيفاء من وجه وإنشاء من وجه، فيشترط لها الشهادة من حيث هي إنشاء، لا من حيث هي استيفاء؛ فصح البناء. ثم الكلام فيه على وجه الابتداء. احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذُوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فظاهر الأمر وجوب العمل، فيقتضي وجوب الشهادة (٣). ولنا نصوص الرجعة من الكتاب والسنة مطلقة عن شرط الإشهاد، إلا أنه يستحب الإشهاد عليها؛ إذ لو لم يشهد لا يأمن من أن، تنقضي العدة، فلا تصدقه المرأة في الرجعة، ويكون القول قولها بعد انقضاء العدة، فندب إلى الإشهاد لهذا، وعلى هذا يحمل الأمرِ(٤) في الآية الكريمة، وفي الآية ما يدل عليه، لأنه - سبحانه وتعالى - قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجْلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] جمع بين الفرقة والرجعة، أمر سبحانه بالإشهاد بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . ومعلوم أن الإشهاد، على الفرقة ليس بواجب، بل هو مستحب، كذا على الرجعة، أو تحمل على هذا، توفيقاً بين النصوص بقدر الإمكان، وكذا لا مهر في الرجعة، ولا يشترط فيها رضا المرأة؛ لأنها من شرائط ابتداء العقد لا من شرط البقاء، وكذا إعلامها بالرجعة ليس بشرط، حتى لو لم يعلمها بالرجعة - جازت؛ لأن الرجعة حقه على الخلوص؛ لكونه تصرفاً في ملكه بالاستيفاء والاستدامة، فلا يشترط فيه إعلام الغير؛ كالإجازة في الخيار، لكنه مندوب إليه ومستحب؛ لأنه إذا راجعها ولم يعلمها بالرجعة، فمن الجائز أنها تتزوج عند مضي ثلاث حيث؛ ظناً منها أن عدتها قد انقضت فكان ترك الإعلام فيه تسبباً إلى عقد حرام عسى فاستحب له أن يعلمها . (١) سقط في ط. (٣) في أ: الإشهاد. (٢) في أ: وقال الشافعي. (٤) بدل ما بين المعكوفين في ط: تحمل. ٣٩٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو راجعها، ولم يعلمها حتى انقضت مدة عدتها، وتزوجت بزوج آخر، ثم جاء زوجها الأول - فهي امرأته، سواء كان دخل بها الثاني أو لم يدخل، ويفرق بينها وبين الثاني، لأن الرجعة قد صحت بدون علمها، فتزوجها الثاني وهي امرأة الأول؛ فلم يصح، وعلى هذا تبنى الرجعة بالفعل؛ بأن جامعها أنها جائزة عندنا. وعند الشافعي: لا يجوز الرجعة إلا بالقول. ووجه البناء على هذا الأصل أن الرجعة عند إنشاء النكاح من وجه، وإنشاء النكاح من كل وجه لا يجوز إلا بالقول، فكذا إنشاؤه من وجه، وعندنا هي استدامة النكاح من كل وجه، فلا تختص بالقول، ويبني أيضاً على حل الوطء وحرمته . وجه البناء أن الوطء لما كان حلالاً عندنا، فإذا وطئها فلو لم يجعل الوطء دلالة الرجعة، وربما لا يراجعها بالقول، بل يتركها حتى تنقضي عدتها فتزول الملك عند انقضاء العدة بالطلاق السابق؛ لأنه لا فعل منه إلا ذلك، فيزول الملك مستنداً إلى وقت وجود الطلاق، فتبين أن الملك كان زائلاً من وقت الطلاق من وجه، فيظهر أن الوطء كان حراماً، فجعل الإقدام على الوطء دلالة الرجعة، صيانة له عن الحرام، وعنده لما كان الوطء حرام لا يقدم عليه، فلا ضرورة إلى جعله دلالة الرجعة. ثم ابتداء الدليل في المسألة قوله تعالى: ﴿وَيُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] سمى الرجعة ردًّا والرد لا يختص بالقول؛ كرد المغصوب، ورد الوديعة . قال النبي وَرَ: ((عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ))(١) وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقوله - عز وجلّ -: ﴿فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩] سمى الرجعة إمساكاً، والإمساك حقيقة يكون بالفعل، وكذا إن جامعته وهو نائم أو مجنون، لأن ذلك حلال لها عندنا، فلو لم يجعل رجعة لصارت مرتكبة للحرام، على تقدير انقضاء العدة، من غير رجعة ٩٥ ب من/ الزوج، فجعل ذلك منها رجعة شرعاً: ضرورة التحرز عن الحرام؛ ولأن جماعها كجماعه لها في باب التحریم، فكذا في باب الرجعة. وكذلك إذا لمسها لشهوة، أو نظر إلى فرجها عن شهوة - فهو مراجع لما قلنا، وإن لمس (١) أخرجه أبو داود (٢٩٦/٣) كتاب البيوع: باب في تضمين العارية حديث (٣٥٦١) والترمذي (٥٥٧/٣) كتاب البيوع: باب ما جاء في أن العارية مؤداة حديث (١٢٦٦) وابن ماجه (٨٠٢/٢) كتاب الصدقات: باب العارية حديث (٢٤٠٠) والدارمي (٢٦٢/٢) وأحمد (٨/٥، ١٢، ١٣) وابن أبي شيبة (١٤٦/٦) والطبراني في ((الكبير)) (٦٨٦٢) والحاكم (٤٧/٢) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (١٠٢٤) والبيهقي (٦/ ٩٠) كلهم من طريق الحسن عن سمرة. وقال الترمذي: حسن صحيح. ٣٩٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ أو نظر لغير شهوة لم يكن رجعة؛ لأن ذلك حلال في الجملة؛ ألا ترى أن القابلة والطبيب ينظران إلى الفرج، ويمس الطبيب عند الحاجة إليه بغير شهوة؛ فلا ضرورة إلى جعله رجعة. وكذلك إذا نظر إلى الفرج بغير شهوة(١)؛ لأن ذلك أيضاً مباح في الجملة؛ ويكره التقبيل واللمس لغير شهوة إذا لم يرد به المراجعة، وكذا يكره أن يراها متجردة لغير شهوة؛ كذا قال أبو يوسف؛ لأنه لا يأمن من أن يشتهي، فيصير مراجعاً من غير إشهاد؛ وذلك مكروه؛ وكذا لا يأمن من الإضرار بها؛ لجواز أن يشتهي، فيصير به مراجعاً، وهو لا يريد إمساكها، فيطلقها، فتطول العدة عليها فتتضرر به، والله تعالى نهى عن ذلك بقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وكذا قال أبو يوسف: إن الأحسن إذا دخل عليها أن يتنحنح، ويسمعها خفق نعليه ليس من أجل أنها حرام، ولكن لا يأمن من أن يرى الفرج بشهوة، فيكون رجعة بغير إشهاد، وهذه عبارة أبي يوسف رحمه الله. ولو نظر إلى دبرها موضع خروج الغائط بشهوة - لم يكن ذلك رجعة؛ كذا ذكر في الزيادات، وهو قول محمد رحمه الله الأخير، وكان يقول أولاً: إنه يكون رجعة ثم رجع، حكى إبراهيم بن رستم رجوعه، وهو قياس قول أبي حنيفة؛ لأن ذلك السبيل لا يجري مجرى الفرج. ألا ترى أن الوطء فيه لا يوجب الحد عنده، فكان النظر إليه كالنظر إلى سائر البدن، ولأن النظر إلى الفرج بشهوة إنما كان رجعة؛ لكون الوطء حلالاً، تقريراً للحل صيانة عن الحرام، والنظر إلى هذا المحل عن شهوة مما لا يحتمل الحل بحال؛ كما أن الفعل فيه لا يحتمل الحل بحال، فلا يصلح دليلاً عن الرجعة(٢). ولو نظرت إلى فرجه بشهوة، قال أبو يوسف: قياس قول أبي حنيفة أن يكون رجعة، وهذا قبيح، (٣) ولا يكون رجعة، وكذا قال أبو يوسف، والصحيح قياس قول أبي حنيفة؛ لما ذكرنا فيما إذا جامعته وهو نائم أو مجنون؛ ولأن النظر حلال لها كالوطء، فيجعل رجعة؛ تقريراً للحل، وصيانة عن الحرمة؛ ولأن النظرين يستويان في التحريم. ألا ترى أن نظرها إلى فرجه؛ كنظره إلى فرجها في التحريم، فكذا في الرجعة، ولو لمسته لشهوة مختلسة أو كان نائماً، أو اعترف الزوج؛ أنه كان بشهوة - فهو رجعة في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف ليس برجعة، فأبو حنيفة (٤) سوى بينها وبين الجارية المشتراة (١) في ط :... إلى غير الفرج الشهوة. (٢) زاد في أ: وهذا فسخ. (٤) في أ: فأبو يوسف. (٣) سقط في أ. ٣٩٤ كِتَابُ الطلاقِ بشرط الخيار للمشتري إذا لمست المشتري بشهوة(١)؛ أنه یبطل خياره، ومحمد فرق بينهما، فقال: ههنا يكون رجعة، وهناك لا يكون إجازة للبيع. وعن أبي يوسف في الجارية روايتان: في رواية فرق فقال: ثمة يكون إجازة للبيع، وههنا لا يكون رجعة، وفي رواية سوى بينهما، فقال: فعلها لا يكون رجعة ههنا، ولا فعل الأمة يكون إجازة ثمة، فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق بين المسألتين. ووجه الفرق له على الرواية الأخرى: أن بطلان الخيار لا يقف على فعل المشتري، بل قد يبطل بغير فعله، كما إذا تعيبت في يده بآفة سماوية. فأما الرجعة فلا يجوز أن تثبت إلا [باختيار](٢) الزوج، حتى قال أبو يوسف: إنها إذا لمسته، فتركها وهو يقدر على منعها - كان ذلك رجعة؛ لأنه لما مكنها من اللمس فقد حصل ذلك باختياره، فصار كأنه لمسها، وكذلك قال أبو يوسف: إذا ابتدأت اللمس وهو مطاوع لها؛ أنه يكون رجعة لما قلنا. ووجه الفرق لمحمد أن إسقاط الخيار إدخال الشيء في ملك المشتري، والأمة لا تملك ذلك، وليست الرجعة إدخال المرأة على ملك الزوج؛ لأنها على ملكه، فلو جعلناه مراجعاً بفعلها لم تملك ما لم يكن ملكاً له، فصحت الرجعة، ولأبي حنيفة على نحو ما ذكرنا، (٣) وهو أن اللمس حلال من الجانبين عندنا، فلزم تعذر الحل فيه، وصيانته عن الحرمة، وذلك يجعله رجعة على ما سبق بيانه؛ كما قال في الجارية: إن اللمس منها لو لم يجعل إجازة للبيع، وربما يفسخ البيع، فيتبين أن اللمس حصل في ملك الغير من وجه، وما ذكره أبو يوسف: أن الرجعة لا تعتبر بغير اختيار الزوج بشكل بما إذا جامعته، وهو نائم؛ أنه تثبت الرجعة من غير اختيار(٤) الزوج. وما ذكر محمد أن إسقاط الخيار إدخال المبيع في ملك المشتري، ممنوع(٥) بل المبيع يدخل في ملكه(٦) بالسبب السابق عند سقوط الخيار، على أن هذا فرقاً بين المسألتين فيما وراء المعنى المؤثر، والفرق بين المسألتين فيما وراء المعنى المؤثر لا يقدح في الجمع بينهما في المعنى المؤثر. ١٩٦ قال محمد: ولو صدقها الورثة بعد موته؛ أنها لمسته بشهوة - لكان ذلك / رجعة؛ لأن الورثة قاموا مقامه، فكأنه صدقها قبل موته. (١) سقط في ط. (٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: بغير. (٣) في أ: بينا. (٤) في أ: اختيار رضا. (٥) في ط: ليس ممنوع. (٦) في أ: ملك المشتري. ٣٩٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ قال: ولو شهد الشهود أنها، قبلته لشهوة - لم تقبل شهادتهم؛ لأن الشهوة معنى في القلب لا يقف عليه الشهود، فلا تقبل عهادتهم فيه. وإن شهدوا على الجماع قبلت؛ لأن الجماع معنى يوقف عليه ويشاهد، ولا يحتاج فيه إلى شرط الشهوة، فتقبل في الشهادة. والله أعلم. فصل في ركن الرجعة (١) وأما ركن الرجعة: فهو قول أو فعل يدل على الرجعة. أما القول؛ فنحو أن يقول لها: راجعتك، أو رددتك، أو رجعتك، أو أعدتك، أو راجعت امرأتي، أو راجعتها أو رددتها أو أعدتها، ونحو ذلك؛ لأن الرجعة رد وإعادة إلى الحالة الأولى، ولو قال لها: نكحتك، أو تزوجتك - كان رجعة في ظاهر الرواية . وروي عن أبي حنيفة؛ أنه لا يكون رجعة. وجه هذه الرواية أن النكاح بعد الطلاق الرجعي، قائم من كل وجه، فكان قوله: نكحتك إثبات الثابت، وأنه محال؛ فلم يكن مشروعاً فكان ملحقاً بالعدم شرعاً، فلم يكن رجعة، بخلاف قوله: راجعتك لأن ذلك ليس بإثبات النكاح، بل هو استيفاء(٢) النكاح الثابت، وأنه محل للاستيفاء(٣) لأنه انعقد سبب زواله، والرجعة فسخ السبب، ومنع له عن العمل فيصح. وجه ظاهر الرواية: أن النكاح وإن كان ثابتاً حقيقة، لكن المحل لا يحتمل الإثبات، فيجعل مجازاً عن استيفاء(٤) الثابت؛ لما بينهما من المشابهة، تصحيحاً لتصرفه بقدر الإمكان، وقد قيل في أحد تأويلي قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: أزواجهن أحق بنكاحهن في العدة من غيرهم من الرجال، والنكاح المضاف إلى المطلقة طلاقاً رجعياً، فدل على ثبوت الرجعة بالنكاح. وأما الفعل الدال على الرجعة، فهو أن يجامعها، أو يمس شيئاً من أعضائها لشهوة، أو ينظر إلى فرجها عن شهوة، أو يوجد شيء من ذلك ههنا على ما بينا ووجه دلالة هذه الأفعال على الرجعة ما ذكرنا فيما تقدم، وهذا عندنا، فأما عند الشافعي فلا تثبت الرجعة إلا بالقول؛ بناء على أصل ما ذكرناه، والله - عز وجلّ - أعلم. (١) سقط في أ. (٣) في أ: محتمل الاستبقاء. (٤) في أ: استبقاء. (٢) في أ: استبقاء. . ٣٩٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ فصل في شرائط جواز الرجعة وأما شرائط جواز الرجعة، فمنها قيام العدة فلا تصح الرجعة بعد انقضاء العدة؛ لأن الرجعة استدامة الملك، والملك يزول بعد انقضاء العدة، فلا تتصور الاستدامة؛ إذ الاستدامة للقائم؛ لصيانته عن الزوال لا للمزيل (١)؛ كما في البيع بشرط الخيار للبائع إذا مضت مدة الخيار، أنه لا يملك استيفاء(٢) الملك في المبيع بزوال ملكه بمضي المدة؛ كذا هذا. ولو طهرت عن(٣) الحيضة الثالثة ثم راجعها، فهذا على وجهين: إن كانت أيامها في الحيض عشراً - لا تصح الرجعة، وتحل للأزواج بمجرد انقطاع العدة(٤)، لأن انقضاءها(٥) بانقضاء الحيضة الثالثة؛ وقد انقضت بيقين؛ لانقطاع دم الحيض بيقين؛ إذ لا مزيد للحيض على عشرة؛ (٦) ألا ترى أنها إذا رأت أكثر من عشرة - لم يكن الزائد على العشرة حيضاً، فتيقناً بانقضاء العدة، ولا رجعة بعد انقضاء العدة. وإن كانت أيامها دون العشرة، فإن كانت تجد ماء فلم تغتسل، ولا تيممت وصلت به، ولا مضى عليها وقت كامل من أوقات أدنى الصلوات إليها - لا تنقطع الرجعة، ولا تحل للأزواج، وهذا عندنا. وقال الشافعي: لا أعرف بعد الإقراء معنى معتبرا في انقضاء العدة؛ وهذا خلاف الكتاب العزيز، والسنة، وإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم .. أما الكتاب فقوله - عز وجلّ -: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: يغتسلن. وأما السنة: فما روي عن النبي وَّ، أنه قال: ((الزَّوْجُ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا دَامَتْ فِي مُغْتَسَلِهَا)) وروي: ((ما لَمْ يَغْتَسِلْ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ)) وأما إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -؛ فإنه روي علقمة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه -؛ أنه قال: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بن الخطاب - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - فَجَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: زَوْجَتِي طَلَّقْتُهَا وَرَاجَعْتُهَا، فَقَالَتْ: مَا يَمْنَعُنِي مَا صَنَعَ أَنْ أَقُولَ ومَا كَانَ: إِنَّهُ طَلَّقَنِي وَتَرَكَنِي حَتَّى حِضْتُ الْحَيْضَةَ الثَّالِثَة، وَانْقَطَعَ الدَّمُ، وَعَلَقْتُ بَابِي وَوَضَعْتُ غُسْلِي وَخَلَعْتُ ثِيَابِي، فَطَرَقَ الْبَابَ فَقَالَ: قَدْ رَاجَعْتُكِ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ -: قُلْ فِيها يَا ابْنَ أُمَّ عَبْدٍ، فَقُلْتُ: أَرَىْ أَنَّ الرَّجْعَةَ قَدْ صَحَّتْ مَا لَمْ تَحِلَّ لَها الصَّلاَةُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا لَمْ أَرَهُ صَوَاباً. وروي عن مكحول أن أبا بكر وعمر وعلياً وابن مسعود وأبا الدرداء وعبادة بن الصامت، (١) في أ: الزائل. (٣) في أ: من. (٥) في أ: تيقناً. (٢) في أ: استدامة. (٤). في أ: الدم. (٦) في أ: العشرة. ٣٩٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ وعبد الله بن قيس الأشعري - رضي الله تعالى عنهم - كانوا يقولون في الرَّجُلِ / يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ٩٦ب تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ: إِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، تَرِثُهُ وَيَرِثُهَا مَا دَامَتْ فِي العِدَّةِ، فاتفقت الصحابة يقولون، - رضي الله تعالى عنهم - على اعتبار الغسل، فكان قوله مخالفاً للحديث وإجماع الصحابة، فلا يعتد به؛ ولأن أيامها إذا كانت أقل من عشرة - لم تستيقن بانقطاع دم الحيض؛ لاحتمال المعاودة في أيام الحيض؛ إذ الدم لا يدر دراً واحداً، ولكنه يدر مرة وينقطع أخرى، فكان احتمال العودة قائماً، والعائد يكون دم حيض(١) إلى العشرة، فلم يوجد انقطاع دم الحيض بيقين فلا يثبت الطهر بيقين، فتبقى العدة؛ لأنها كانت ثابتة بيقين، والثابت بيقين لا يزول بالشك؛ كمن استيقن بالحدث وشك في الطهارة، بخلاف ما إذا كانت أيامها عشراً؛ لأنه هناك لا يحتمل عود دم الحيض بعد العشرة؛ إذ العشرة أكثر الحيض فتيقنا بانقطاع دم الحيض، فيزول الحيض ضرورة، ويثبت الطهر، وههنا بخلافه على ما بينا. والشافعي بنى قوله في هذا على أصله: أن العدة تنقضي بالأطهار لا بالحيض، فإذا طعنت في أول الحيضة الثالثة، فقد انقضت العدة من غير حاجة(٢) إلى شيء آخر، ويستدل على بطلان هذا الأصل في موضعه إن شاء الله تعالى، فيبطل الفرع ضرورة. وإذا اغتسلت انقطعت الرجعة؛ لأنه ثبت لها حكم من أحكام الظاهرات وهو إباحة أداء الصلاة؛ إلا لا يباح أداؤها للحائض، فتقرر الانقطاع(٣) بقرينة الاغتسال، فتنقطع الرجعة. وكذا إذا لم تغتسل، لكن مضى عليها وقت الصلاة - تنقطع الرجعة؛ لأنه لما مضى عليها وقت الصلاة صارت الصلاة دين في ذمتها، وهذا من أحكام الطاهرات؛ إذ لا تجب الصلاة على الحائض، فلا تصير ديناً عليها، فاستحكم الانقطاع بهذه القرينة، فانقطعت الرجعة . وكذلك إذا لم تجد الماء؛ بأن كانت مسافرة فتيممت وصلت، لأن صحة الصلاة حكم من أحكام الطاهرات؛ إذ لا صحة لها مع قيام الحيض، فقد يضاف إلى الانقطاع حكم من أحكام الطاهرات، فاستحكم الانقطاع، فتنقطع الرجعة، فأما إذا تيممت، ولم تصل - فهل تنقطع الرجعة؟ اختلف فيه أصحابنا. قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تنقطع، وقال محمد: تنقطع . وجه قوله: إنها لها تيممت فقد ثبت لها حكم من أحكام الظاهرات، وهو إباحة الصلاة، فلا یبقی الحیض ضرورة؛ کما لو اغتسلت أو تیممت وصلت به. (١) في أ: الحيض. (٣) في أ: الاغتسال. (٢) في أ: الجاجة. ٣٩٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ وجه قولهما على نحو ما ذكرنا أن أيامها إذا كانت دون العشرة لم تستيقن بانقضاء عدتها بنفس انقطاع الدم من غير قرينة تنضم إليه؛ لاحتمال أن يعاودها الدم في العشرة، فتبين أنها حائض، والحيض كان ثابتاً بيقين، فلا يحكم بزواله إلا عند وجود الطهر بيقين ولم يوجد، وبقرينة التيمم لا تصير في حكم الطاهرات بيقين؛ لأنه ليس بطهور حقيقة، وإنما جعل طهوراً شرعاً عند عدم الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣]. والدليل عليه أنها لو رأت الماء قبل الشروع في الصلاة، أو بعدما شرعت فيها قبل الفراغ منها - بطل تيممها، فكان التبمم طهارة مطلقة شرعاً، لكن حال عدم الماء، واحتمال وجود الماء في كل ساعة قائم، فكان احتمال عدم الطهورية ثابتاً، فلم توجد الطهارة الحاصلة بيقين، فتبقى نجاسة الحيض، إلا أنه أبيح لها أداء الصلاة به لعدم الماء في الحالين(١) من حيث الظاهر مع احتمال الوجود، فإذا لم تجد الماء وصلت به، وفرغت من الصلاة، فقد استحكم العدم فاستحكمت الطهارة الحاصلة بالتيمم، فلا يبقى الحيض. فأما قبل ذلك فاحتمال عدم الطهارة ثابت، لاحتمال عدم(٢) وجود الماء، فلا يكون طهارة شرعاً بيقين، بل مع الاحتمال، فيبقى حكم الحيض الثابت بيقين، بخلاف الاغتسال؛ لأنه طهارة بيقين؛ لكون الماء طهوراً مطلقاً. فإذا ثبتت الطهارة بيقين انتفى الحيض ضرورة؛ لأنه ضدها، بخلاف التيمم على ما بيناه، وبخلاف ما إذا مضى عليها وقت صلاة (٣) كامل من أوقات الصلاة؛ لأن الصلاة صارت ديناً في ذمتها بنفس الاغتسال بيقين، فقد ثبت في حقها حكم من أحكام الطاهرات بيقين، فلا يبقى الحيض بيقين، فتنقضي العدة بيقين. ولو اغتسلت بسؤر الحمار انقطعت الرجعة بنفس الاغتسال بالإجماع، ولكنها لا تحل للأزواج؛ لأن سؤر الحمار مشكوك فيه، إما في طهوريته أو في طهارته على اختلافهم في ذلك. - فإن كان ذلك ظاهراً أو ظهوراً - انقطعت الرجعة، وتحل للأزواج؛ لإنقضاء العدة؛ لتقرر الانقطاع بالاغتسال. وإن لم يكن أو كان طاهراً غير طهور - لا تنقطع الرجعة، ولا تحل للأزواج، فإذا وقع/ الشك لزم الاحتياط في ذلك كله؛ وذلك فيما قلنا، وهو أن تنقطع الرجعة، ولا تحل للأزواج أخذاً بالثقة في الحكمين، احترازاً عن الحرمة في البابين، ولا تصلي بذلك الغسل ما لم تتيمم. ١٩٧ (١) في أ: الحال. (٣) سقط في ط. (٢) سقط في ط. ٣٩٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو اغتسلت المعتدة، وبقي من بدنها شيء لم يصبه الماء - فالباقي لا يخلو؛ إما أن كان عضواً كاملاً، وإما أن كان أقل من عضو، فإن كان عضواً كاملاً فله الرجعة، وإن كان أقل من عضو فلا رجعة له، ثم اختلف أبو يوسف ومحمد، فقال أبو يوسف قوله: لا رجعة له في الأقل. هذا استحسان، وللقياس أن يكون له فيه الرجعة، فمحمد قاس المتروك إذا كان عضواً على ترك المضمضة والاستنشاق. وقال رحمه الله: هناك تنقطع الرجعة، والقياس عليه أن تنقطع هنا أيضاً، إلا أنهم استحسنوا وقالوا: لا تنقطع الرجعة؛ لأن العضو الكامل مجمع على وجوب غسله، وهو مما لا يتغافل عنه عادة، فلا تنقطع(١) الرجعة، كما لو كان المتروك زائداً على عضو، بخلاف المضمضة والاستنشاق؛ لأن ذلك غير مجمع على [وجوب غسله بل](٢) وجوبه مجتهد فيه، وأبو يوسف رحمه الله يقول: المتروك وإن قل، فحكم الحدث باق. ألا ترى أنه لا تباح الصلاة(٣) معه وإن قل، ومع بقاء الحدث لا تثبت الطهارة، وهذا يوجب التسوية بين القليل والكثير، إلا أنهم استحسنوا في القليل، وهو ما دون العضو، فقالوا: إنه تنقطع الرجعة فيه، لأن هذا القدر مما يتغافل عنه عادة، ويحتمل أيضاً أنه أصابه الماء، ثم جف فيحكم بانقطاع الرجعة فيه، ويبقى الأمر في العضو التام على أصل القياس. واختلفت الرواية عن أبي يوسف في المضمضة والاستنشاق، روي عنه أنه تنقطع الرجعة، وروي عنه أيضاً أنه لا تنقطع الرجعة، وقال محمد: تبين من زوجها، ولكنها لا تحل للأزواج. وجه قوله: وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف في انقطاع الرجعة؛ أن وجوب المضمضة والاستنشاق مختلف فيه، وموضع الاجتهاد موضع تعارض الأدلة، فلا يخلو عن الشك والشبهة، والرجعة يسلك بها مسلك الاحتياط؛ فلا يجوز بقاؤها بالشك، فينقطع، ولا يجوز إثبات حل(٤) التزوج بالشك أيضاً لذلك - لم يجزه محمد رحمه الله وجه الرواية الأخرى لأبي يوسف: أن الحدث قد بقي في عضو كامل فتبقى الرجعة، هذا إذا كانت المطلقة مسلمة، فأما إذا كانت كتابية فقد قالوا: إن الرجعة تنقطع عنها بنفس انقطاع الدم، لأنها غير مخاطبة بالغسل، ولا يلزمها فرض الغسل فصارت(٥) كالمسلمة إذا اغتسلت والله الموفق. ومنها عدم التطليق بشرط، والإضافة إلى وقت في المستقبل، حتى لو قال الزوج بعد الطلاق: إن دخلت الدار فقد راجعتك، أو راجعتك أن دخلت الدار، أو إن كلمت زيداً (٦)، أو (١) في ط: فنقطع. (٣) سقط في ط . (٥) سقط في ط. (٢) سقط في ط. (٤) في ط: حال. (٦) في أ: فلان. ٤٠٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ إذا جاء غد فقد راجعتك [أو قال: راجعتك](١) غداً أو رأس شهر كذا ــ لم تصح الرجعة في قولهم جميعاً؛ لأن الرجعة استيفاء ملك النكاح فلا يحتمل التعليق بشرط، والإضافة إلى وقت في المستقبل؛ كما لا يحتملها إنشاء الملك؛ ولأن الرجعة تتضمن انفساخ الطلاق في انعقاده سبباً لزوال الملك، ومنعه عن عمله فى ذلك، فإذا علقها بشرط، أو أضافها إلى وقت في المستقبل، فقد استبقى الطلاق إلى غاية، واستبقاء الطلاق إلى غاية يكون تأييداً له؛ إذ هو لا يحتمل التوقيت، كما إذا قال لامرأته: أنت طالق يوماً أو شهراً أو سنة؛ أنه لا يصح التوقيت ويتأبد الطلاق؛ فلا تصح الرجعة. هذا إذا أنشأ الرجعة . فأما إذا أخبر عن الرجعة (٢) في الزمن(٣) الماضي؛ بأن قال: كنت راجعتك أمس، فإن صدقته المرأة فقد ثبتت الرجعة، سواء قال ذلك في العدة، أو بعد انقضاء العدة، بعد أن كانت المرأة في العدة أمس، وإن كذبته، فإن قال ذلك في العدة - فالقول قوله؛ لأن أخبر عما يملك إنشاءه في الحال؛ لأن الزوج يملك الرجعة في الحال، ومن أخبر عن أمر يملك إنشاءه في الحال يصدق فيه؛ إذ لو لم يصدق ينشئه للحال، فلا يفيد التكذيب، فصار كالوكيل قبل العزل، إذا قال: بعته أمس. وإن قال بعد انقضاء العدة - فالقول قولها، لأنه أخبر عما لا يملك إنشاءه في الحال؛ لأنه لا يملك الرجعة بعد انقضاء العدة، فصار كالوكيل بعد العزل إذا قال: [كنت](٤) قد بعت وكذبه الموكل، ولا يمين عليها في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد تستحلف، وهذه ٩٧ ب من المسائل المعدودة(6) التي لا يجري فيها الاستحلاف عند أبي حنيفة، نذكرها/ في كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى، فإن أقام الزوج بينة قبلت بينته، وتثبت الرجعة؛ لأن الشهادة قامت على الرجعة في العدة فتسمع، ولو كانت المطلقة أمة الغير، فقال زوجها (٦) بعد انقضاء العدة: كنت راجعتك، وكذبته الأمة وصدقه المولى - فالقول قولها عند أبي حنيفة، ولا تثبت الرجعة، وعندهما القول قول الزوج والمولى، وتثبت الرجعة؛ لأنها ملك المولى. ولأبي حنيفة أن انقضاء عدتها إخبار منها عن [خال](٧) حيضها؛ وذلك إليها لا إلى المولى كالحرة، فإن قال الزوج لها: قد راجعتك، فقالت مجيبة له: قد انقضت عدتي - فالقول قولها عند أبي حنيفة مع يمينها، وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الزوج. وأجمعوا على (١) سقط في ط. (٣) في أ: الزمان. (٥) في أ: المعروفة. (٧) سقط في ط . (٢) في أ: بالرجعة. (٤) سقط في ط . (٦) في أ: الزوج.