النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كِتَابُ الطَّلاَقِ فحديث ابن عمر. = أخرجه أحمد (٦/٢، ٤٨، ١٢٦) والدارمي (١٨٥/٢) كتاب النذور والأيمان - باب في الاستثناء في اليمين. وأبو داود (٣/ ٥٧٥ - ٥٧٦) كتاب الأيمان والنذور - باب الاستثناء في اليمين حديث (٣٢٦١. ٣٢٦٢) والترمذي (٣/ ٤٣- ٤٤) كتاب النذور والأيمان - باب في الاستثناء في اليمين - حديث (١٥٧٠) والنسائي (٢٥/٧): كتاب الأيمان والنذور - باب الاستثناء وابن ماجه (١/ ٦٨٠) كتاب الكفارات - باب الاستثناء في اليمين حديث (٢١٠٥، ٢١٠٦) وابن الجارود في المنتقي ص (٣١٠) باب ما جاء في الأيمان - حديث (٩٢٨) والحميدي (٦٩٠) والبيهقي (٤٦/١٠) كتاب الأيمان - باب الاستثناء في اليمين وابن حبان ( ١١٨٣- موارد) وابن جميع في معجمه (ص - ٨٦) رقم (٣٠) كلهم من حديث أيوب وهو السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَالر: ((من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه)) لفظ الترمذي. وفي رواية لابن ماجه ((من حلف واستثنى فلن يحنث)) ولفظ أكثرهم ((من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى)). وقال الترمذي حديث حسن وقد رواه عبيد الله بن عمر وغير عن نافع عن ابن عمر موقوفاً. وهكذا روى سالم عن ابن عمر موقوفاً ولا نعلم أصلاً رفعه غير أيوب السختياني. وقال إسماعيل بن عليه كان أيوب أحياناً يرفعه وأحياناً لا يرفعه والحديث صححه ابن حبان أيضاً. ولم ينفرد أيوب برفعه بل تابعه كثير بن فرقد وحسان بن عطية وأيوب بن موسى وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر فأما رواية كثير بن فرقد. فأخرجها النسائي (٢٥/٧) كتاب الأيمان والنذور - باب الاستثناء والحاكم (٣٠٣/٤) كتاب الأيمان والنذور - باب يمينك على ما يصدقك به صاحبك من رواية عمرو بن الحارث عن كثير بن فرقد أن نافعاً حدثهم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَّة ((من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى)). وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه هكذا ووافقه الذهبي وأما رواية حسان بن عطية فأخرجها أبو نعيم (٧٩/٦) والخطيب (٨٨/٥) من رواية عمرو بن هاشم قال: سمعت الأوزاعي يحدث عن حسان بن عطية عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّلقر: ((من حلف على يمين فاستثنى ثم أتى ما حلف فلا کفارة علیه)) . قال أبو نعيم: غريب من حديث الأوزاعي وحسان تفرد به عمرو بن هاشم البيروتي. وفيه نظر فقد تابعه هقل بن زياد ذكره الدارقطني في ((العلل)) كما في ((نصب الراية)) (٣٠١/٣). وأما رواية أيوب بن موسى فأخرجها، والبيهقي (٤٦/١٠) كتاب الأيمان - باب الاستثناء في اليمين. من طريق ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّ بلفظ «فله ثنیاہ)» . وقال البيهقي: كذا وجدته وهو في الأول من فوائد أبي عمرو بن حمدان أيوب بن موسى، وكذلك روي عن ابن وهب عن سفيان عن أيوب بن موسى. وأما رواية موسى بن عقبة فأخرجها البيهقي (٤٧/١٠) كتاب الأيمان باب صلة الاستثناء باليمين من طريق الأوزاعي عن داود بن عطاء رجل من أهل المدينة قال: حدثني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله و لو كان يقول: ((من حلف على يمين فقال في أثر يمينه إن شاء الله ثم حنث فيما حلف فيه فإن كفارة يمينه إن شاء الله)) . ٣٤٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ قال: ((مَنْ اسْتَثْتَى فَلَهُ ثُتَّاهُ)) (١) ولأن تعليق الطلاق بمشيئة الله تعالى تعليق بما لا يعلم وجوده؛ لأنا لا ندري أنه شاء وقوع هذا الطلاق، أو لم يشأ، على معنى أن وقوع هذا الطلاق هل دخل تحت مشيئة الله تعالى أو لم يدخل، فإن دخل وقع وإن لم يدخل - لا يقع؛ لأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يقع بالشك، وبه تبين أن هذا ليس تعليقاً بأمر كائن؛ ولأن دخول الوقوع تحت مشيئة الله تعالى غير معلوم، وهذا هو تفسير تعليق الطلاق بمشيئة الله - عز وجلّ -، ومن الناس من فرق بين الطلاق والعتاق، فقال: لا يقع الطلاق ويقع العتاق، وزعم بأنه لم توجد المشيئة في الطلاق، ووجدت في العتاق؛ لأن الطلاق مكروه الشرع، والعتق مندوب إليه؛ وهذا هو مذهب المعتزلة أن إرادة الله تعالى تتعلق بالقرب والطاعات لا بالمكان والمعاصي، وإن الله تعالى أراد كل خير وصلاح من العبد، ثم العبد قد لا يفعله لسوء اختياره، وبطلان مذهبهم يعرف في مسائل الكلام، ثم أنهم ناقضوا حيث قالوا، فيمن حلف فقال: لأصومن غداً إن شاء الله تعالى، أو قال: لأصلين ركعتين، أو لأقضين دين فلان، فمضى الغد ولم يفعل شيئاً من ذلك: إنه لا يحنث، ولو شاء الله تعالى كل خير لحنث؛ لأن هذه الأفعال خيرات، وقد شاءها عندهم. وكذلك لو قال: أنت طالق لو شاء الله تعالى؛ أو قال: أن لو يشاء الله تعالى لما قلنا، وكذا لو قال: إلا أن يشاء الله؛ لأن معناه إلا أن يشاء الله ألا يقع، وذلك غير معلوم، وكذا لو قال: ما شاء تعالى، لأن معناه الذي شاءه الله تعالى. ولو قال: أنت طالق إن لم يشأ الله تعالى يكون المستثنى، كقوله: إن شاء الله تعالى؛ لأن هذا في الحقيقة تعليق بعدم دخول الوقوع تحت مشيئة الله تعالى، وذلك غير معلوم. ولو قال: أنت طالق وإن شاء الله، أو قال: فإن شاء الله تعالى - لم يكن استثناء عند أبي يوسف؛ لأنه حال بين الطلاق وبين الاستثناء حرف هو حشو، فيصير فاصلاً بمنزلة السكنة؛ فيمنع التعليق بالشرط؛ فيقع في الحال. ولو قال: أنت طالق ثلاثاً وثلاثاً إن شاء الله تعالى - لا يصح الاستثناء، ويقع الثلاث في قول أبي حنيفة . وأما رواية عبيد الله بن عمر. فقال أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١٠٥/٢) ثنا أبو محمد بن حيان ثنا = محمد بن يحيى ثنا العباس ابن يزيد ثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّلو ((من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث أما حديث جابر. أخرجه الخطيب (٣٩٤/٦) في التاريخ من رواية إبراهيم بن هراسة عن عمر بن موسى عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن رسول الله وَلّ قال: ((من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى)). (١) ينظر الحديث السابق. ٣٤٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقال أبو يوسف ومحمد: الاستثناء جائز، وعلى هذا الخلاف إذا قال: أنت طالق ثلاثاً وواحدة، إن شاء الله تعالى. وجه قولهما: أن في الاستثناء الموصول يقف أول الكلام على آخره، فكان قوله: ثلاثاً وثلاثاً كلاماً واحداً، فيعمل فيه الاستثناء؛ كما لو قال: أنت طالق ستاً إن شاء الله تعالى، ولأنه جمع بين الجملتين بحرف الجمع وهو حرف الواو، فصار كما لو ذكرهما بلفظ واحد، فقال: أنت طالق ستاً إن شاء الله تعالى. ولأبي حنيفة: أن العدد الثاني وقع لغواً؛ لأنه لا يتعلق به حكم؛ إذ لا مزيد للطلاق على الثلاث، فصار فاصلاً، فمنع صحة الاستثناء؛ كما لو سكت، بخلاف ما لو قال: أنت طالق ستاً؛ لأنه ذكر الكل جملة واحدة، فلا يمكن فصل البعض عن البعض. ولو قال: أنت طالق واحدة وثلاثاً إن شاء الله تعالى - جاز الاستثناء في قولهم جميعاً؛ لأن الكلام الثاني ههنا ليس بلغو؛ لأنه جملة يتعلق بها حكم، فلم يصر فاصلاً بخلاف الفصل الأول، ولو جمع بين جملتين بحرف الواو، ثم قال في آخرهما: إن شاء الله تعالى؛ بأن قال: امرأته طالق وعبده حر إن شاء الله تعالى - انصرف الاستثناء إلى الجملتين جميعاً، حتى لا يقع الطلاق والعتاق بالاتفاق، وكذا إذا ذكر الشرط في آخر الجملتين، بأن قال: إن دخلت الدار أو إن كلمت فلاناً. ولو قال: لزيد علي ألف درهم، ولعمرو علي ألف درهم إلا خمسمائة - انصرف الاستثناء إلى الجملة الأخيرة عند عامة العلماء، وقال بعضهم: ينصرف إلى جميع ما تقدم من الجمل؛ وبه أخذ الشافعي، وعلى هذا الأصل بنوا مسألة المحدود في المقذف إذا تاب وشهد، لأن قوله: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ منصرف إلى ما يليه عندنا وعندهم إلى جميع ما تقدم. وجه قول هؤلاء: أن واو العطف إذا دخل بين الكلامين يجعلهما كلاماً واحداً؛ كما في قول القائل: جاءني زيد وعمر ومعناه جاءاني، وكما إذا قال: امرأته طالق وعبده حر إن شاء الله تعالى، أو قال: إن دخلت الدار؛ أنه يتعلق الأمران جميعاً بالشرط، وإن كان كل واحد منهما جملة تامة، لكن لما دخل بينهما واو العطف جعل كلاماً واحداً، وتعلقا جميعاً بالشرط؛ كذا هذا؛ ولهذا إذا كان المعطوف ناقصاً شارك الأول في حكمه، وجعل الكل كلاماً واحداً؛ بأن قال لامرأته: أنت طالق وفلانة، حتى يقع الطلاق عليهما؛ كذا هذا. ولنا أن الأصل في الاستثناء أن ينصرف إلى ما يليه؛ لأن أقرب إليه ومتصل به؛ ولأنه ليس بكلام مفيد نفسه، مستقل بذاته، فلا بد من ربطه بغيره؛ ليصير مفيداً، وهذه الضرورة تندفع بالصرف إلى ما يليه، فانصرف إلى غيره من الجمل المتقدمة بدخول حرف العطف بين ٣٤٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ الجملتين، فيجعلهما كلاماً واحداً، وجملة واحدة، وإنما يجعل كلاماً واحداً، والجملتان جملة واحدة بواو العطف، إذا كانت إحدى الجملتين ناقصة، بحيث لو فصلت عن الجملة الأخرى لا تكون مفيدة، فأما إذا كانت كاملة بحيث لو فصلت عن الأخرى كانت مفيدة؛ فلا يجعلان كلاماً واحداً؛ لأن الجعل للعطف الموجب للشركة، والشركة ثابتة بدون حرف الواو، فكان الوصل والإشراك بحرف الواو وعدمه سواء؛ ولأن جعل الكلامين كلاماً واحداً خلاف الحقيقة، فلا يصار إليه إلا لضرورة، وهي أن تكون إحدى الجملتين ناقصة إما صورة أو معنى؛ كما في قول القائل: جاءني زيد وعمرو؛ فإن الجملة الثانية ناقصة؛ لأنها متبدأ لا خبر له، فجعلت كاملة بالإشراك بحرف الواو؛ كما في قول الرجل لامرأتيه: زينب طالق وعمرة لما قلنا، أو تكون ناقصة معنى في حق حصول غرض المتكلم؛ كما في قوله: امرأته طالق وعبده حر إن شاء الله تعالى، أو إن دخلت الدار، فإن هناك إحدى الجملتين ناقصة في حق حصول غرض الحالف؛ لأن غرضه أن يجعلهما جميعاً جزاء واحداً للشرط. وإن كان كل واحد في نفسه يصلح جزاء تاماً، وهذا الغرض لا يحصل إلا بالإشراك والوصل، فيكون أحدهما بعض الجزاء، فكانت جملة ناقصة في المعنى، وهو تحصيل غرضه، فيجعل كأنه ناقص في أصل الإفادة، ومثل هذه الضرورة لم توجد ههنا فبقيت كل جملة منفردة بحکمها . وإن كانت معطوفة بحرف الواو؛ كما لو قال: جاءني زيد وذهب عمرو، فإن هذا عطف جملة على جملة بحرف الواو، ولم تثبت الشركة بينهما في الخير لما قلنا؛ كذا هذا. ولو أدخل الاستثناء على جملتين، كل واحدة منهما يمين؛ بأن قال: امرأتي طالق إن دخلت الدار وعبدي حر إن كلمت فلاناً إن شاء الله تعالى - انصرف الاستثناء إلى ما يليه في قول أبي يوسف، ولا يقع الطلاق ولا العتاق. وجه قول محمد على نحو ما ذكرنا أن الكلام معطوف بعضه على بعض بحرف العطف؛ لأنه عطف إحدى الجملتين على الأخرى بحرف الواو، فيجعلهما كلاماً واحداً؛ كما في التنجيز؛ بأن يقول امرأته طالق وعهده حر إن شاء الله تعالى، وأي فرق بين التنجيز والتعليق. وحجة أبي يوسف على نحو ما ذكرنا أن الأصل في الاستثناء أن ينصرف لما يليه لما بينا، وإنصرافه إلى غيره؛ لتتم الجملة الناقصة صورة ومعنى، أو معنى على ما ذكرنا. وههنا كل واحدة من الجملتين تامة صورة ومعنى، أما الصورة فظاهر، وأما المعنى؛ فلأنه لما علق كل جزاء بشرط على حدة - علم أن غرضه ليس جعلهما جميعاً جزاء واحداً، فكان كل واحد منهما جملة واحدة، فكان كل واحد منهما من الطلاق والعتاق جزاء تاماً صورة ومعنى . ٣٤٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قدم الاستثناء فقال: إن شاء الله تعالى فأنت طالق - فهو استثناء صحيح؛ لأنه وصل الطلاق بالاستثناء بحرف الوصل، وهو ألفاء، فيصح التعليق بمشيئة الله تعالى؛ كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، وكذا لو قال: إن شاء الله تعالى وأنت طالق؛ لأن الواو للجمع فتصير الجملة كلاماً واحداً. ولو قال: إن شاء الله تعالى أنت طالق - جاز الاستثناء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يقع الطلاق، وقال محمد: هو استثناء منقطع، والطلاق واقع في القضاء، ويدين فيما بينه وبين الله - عز وجلّ -؛ أنه أراد به الاستثناء. وجه قول محمد: أن الجزاء إذا كان متأخراً عن الشرط لا بد من ذكر حرف الاتصال، وهو حرف الفاء، ليتصل الجزاء بالشرط، وإذا لم يوجد لم يتصل؛ فكان قوله: إن شاء الله تعالى استثناء منقطعاً؛ فلم يصح ويقع الطلاق؛ وكما إذا قال: إن دخلت الدار فإنت طالق؛ فإنه لا يتعلق، لعدم حرف التعليق وهو حرف الفاء، فيبقى تنجيزاً فيقع الطلاق؛ كذا هذا. ولهما أن الفاء يضمر فى كلامه تصحيحاً للاستثناء، والإضمار في مثل هذا الكلام جائز؛ قال الشاعر: مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَانِ الله يَشْكُرُهَا وَالشَّرُّ بِالشَّرْ عِنْدَ الله مِثْلاَنٍ(١) أي: فالله يشكرها، أو يجعل الكلام التقديم والتأخير تصحيحاً للاستثناء؛ كأنه قال: أنت طالق إن شاء الله تعالى، والتقديم والتأخير في الكلام جائز أيضاً في اللغة، وهذان الوجهان يصحان لتصحيح الاستثناء فيما بينه وبين الله تعالى لا في القضاء؛ لأن كل واحد منهما خلاف الظاهر؛ فلا يصدقه القاضي. ألا ترى أنه إذا قال: إن دخلت الدار أنت طالق - لا يتعلق وإن أمكن تصحيح التعليق بأحد هذين الطريقين، لكن لما كان خلاف الظاهر لم يتعلق، ولا يصدق أنه أراد به التعليق في القضاء، وإنما يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لا غير؛ كذا هذا. (١) البيت لكعب بن مالك في ديوانه ص ٢٨٨؛ وشرح أبيات سيبويه ١٠٩/٢؛ وله أو لعبد الرحمن بن حسان في خزانة الأدب ٤٩/٩، ٥٢؛ وشرح شواهد المغني ١٧٨/١؛ ولعبد الرحمن بن حسان في خزانة الأدب ٢/ ٣٦٥؛ ولسان العرب ٤٧/١١ (بجل)؛ والمقتضب ٧٢/٢؛ ومغني اللبيب ٥٦/١؛ والمقاصد النحويَّة ٤٣٣/٤؛ ونوادر أبي زيد ص ٣١؛ ولحسان بن ثابت في الدرر ٨١/٥؛ والكتاب ٣/ ٦٥، وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ١١٤؛ وأوضح المسالك ٢١٠/٤؛ وخزانة الأدب ٩/ ٤٠، ٧٧، ٣٥٧/١١؛ والخصائص ٢٨١/٢؛ وسرّ صناعة الإعراب ٢٦٤/١، ٢٦٥؛ وشرح شواهد المغني ٢٨٦/١؛ وشرح المفصل ٢/٩، ٣؛ والكتاب ١١٤/٣؛ والمحتسب ١٩٣/١؛ والمقرب ٢٧٦/١؛ والمنصف ١١٨/٣؛ وهمع الهوامع ٦٠/٢. ٣٤٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ ووجه الفرق بين المسألتين أن الحاجة إلى ذلك حرف الفاء في التعليق بسائر الشروط، إذا كان الجزاء متأخراً عن الشرط في الملك؛ ليتصل الجزاء بالشرط؛ فيوجد عند وجود الشرط؛ لأنه شرط يمكن الوقوف عليه، والعلم به على تقدير وجوده، فلا بد من وصل الجزاء بالشرط بحرف الوصل، بخلاف التعليق بمشيئة الله تعالى ووقوع هذا الطلاق - مما لا سبيل لنا إلى الوقوف عليه رأساً، حتى تقع الحاجة إلى وصل الجزاء به؛ ليوجد عند وجوده، فكان تعطيلاً في علمنا؛ فلا حاجة إلى ذكر حرف الوصل قبل هذا الشرط. والدليل على التفرقة بين الشرطين؛ أنه إذا قال: إن شاء الله تعالى وأنت طالق - يصح الاستثناء، ولو قال: إن دخلت الدار وأنت طالق - لا يصح التعليق، ويقع الطلاق للحال، ولو قال: عنيت به التعليق - لا يصدق قضاء، ولا ديانة؛ لما ذكرنا؛ كذا هذا. هذا كله إذا علق الطلاق بمشيئة الله، فأما إذا علق الطلاق بمشيئة غير الله، فإن علق بمشيئة من يوقف على مشيئته من العباد؛ بأن قال: إن شاء زيد - فالطلاق موقوف على مشيئته في المجلس الذي يعلم فيه بالتعليق؛ لأن هذا النوع من التعليق تمليك لما نذكر، فيتقيد بالمجلس كسائر التمليكات. وإن علقه بمشيئة من لا يوقف على مشيئته؛ نحو أن يقول: إن شاء جبريل، أو الملائكة، أو الجن، أو الشياطين - فهو بمنزلة التعليق بمشيئة الله تعالى؛ لأنه لا يوقف على مشيئة هؤلاء؛ كما لا يوقف على مشيئة الله عز وجل، فصار كأنه قال: إن شاء الله تعالى؛ ولو جمع بين مشيئة الله تعالى وبين مشيئة العباد، فقال: إن شاء الله تعالى وشاء زيد فشاء زيد لم يقع الطلاق؛ لأنه علقه بشرطين لا يعلم وجود أحدهما؛ والمعلق بشرطين لا ينزل وجود أحدهما كما لو قال: إن شاء زيد وعمر، فشاء أحدهما. والله الموفق. ومنها ألا يكون انتهاء الغاية، فإن كان لا يقع، وهذا قول أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف ومحمد: هذا ليس بشرط ويقع، وإن جعل انتهاء الغاية، وهل يشترط ألا يكون ابتداء الغاية: قال أصحابنا الثلاثة: لا يشترط، وقال زفر: يشترط، والأصل في هذا أن عند زفر الغايتان لا يدخلان، ثم ينظر إن بقي بينهما شيء وقع وإلا فلا، وعند أبي يوسف ومحمد الغايتان تدخلان. وعند أبي حنيفة الأولى تدخل لا الثانية. وبيان هذه الجملة إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة إلى اثنتين أو ما بين واحدة إلى اثنتين - فهي واحدة عند أبي حنيفة؛ وعندهما: هي اثنتان، وعند زفر: لا يقع شيء، ولو قال: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث، أو ما بين واحدة إلى ثلاث - فهي اثنتان في قول أبي حنيفة، وعندهما: هي ثلاث، وعند زفر: هي واحدة. ٣٤٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ وجه قول زفر أن كلمة (من) لابتداء الغاية، وكلمة (إلى) لانتهاء الغاية، يقال: سرت من البصرة إلى الكوفة، أي: البصرة كانت ابتداء غاية المسير، والكوفة كانت انتهاء غاية المسير، والغاية لا تدخل تحت ما ضربت له الغاية؛ كما في البيع؛ إذا قال: بعت منك من هذا الحائط إلى هذا الحائط - فالحائطان لا يدخلان في البيع، فكان هذا منه إيقاع ما ضربت له الغاية لا الغاية، فيقع ما ضربت له الغاية لا الغاية، وكذا إذا قال: بعتك ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط - لا يدخل الحائطان في البيع؛ كذا ههنا؛ ولهذا لم تدخل إحدى الغايتين عند أبي حنيفة؛ كذا الأخرى. ولهما أن ما جعل غاية لا بد من وجوده؛ إذ المعدوم لا يصلح غاية، ومن ضرورة وجوده وقوعه؛ ولهذا دخلت الغاية الأولى، فكذا الثانية، بخلاف البيع، فإن الغاية هناك كانت موجودة قبل البيع، فلم يكن وجودها بالبيع؛ ليكون من ضرورة وجودها بالبيع دخولها فيه فلم تدخل، وأبو حنيفة بنى الأمر في ذلك على العرف والعادة، فإن الرجل يقول في العرف والعادة: لفلان عليّ من مائة درهم إلى ألف، ويريد به دخول الغاية الأولى لا الثانية، وكذا يقال: سن فلان من تسعين إلى مائة، ويراه به دخول الغاية الأولى لا الثانية، وكذا إذا قيل: ما بين تسعين إلى مائة، وقيل: إن الأصمعي ألزم زفر هذا الفصل على باب الرشيد، فقال له: كم سنك؟ فقال: من سبعين إلى ثمانين، وكان سنه أقل من ثمانين فتحير زفر؛ ولأن انتهاء الغاية قد تدخل تحت ما ضربت له الغاية، وقد لا تدخل. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِّمُوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والليل لم يدخل تحت الأمر بالصوم فيه، فوقع الشك في دخول الغاية الثانية في كلامه، فلا يدخل مع الشك، فإن نوى واحدة في قوله: من واحدة إلى ثلاث؛ كما قال زفر - دين فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه نوى ما يحتمله كلامه، ولا يدين في القضاء؛ لأن خلاف الظاهر، وقياس ظاهر أصلهما في قوله: أنت طالق من واحدة إلى اثنتين؛ أنه يقع الثلاث؛ لأن الغايتين يدخلان عندهما، إلا أنه يحتمل أنه جعل تلك الواحدة داخلة في الثنتين؛ ويحتمل أنه جعلها غير الثنتين، فلا تقع الزيادة على الثنتين بالشك. وروي عن أبي يوسف: أنه قال في رجل قال لامرأته: أنت طالق اثنتين إلى اثنتين؛ أنه يقع ثنتان؛ لأنه يحتمل أن يكون جعل الابتداء هو الغاية؛ كأنه قال: أنت طالق من اثنتين إليهما، وكذا روي عن أبي يوسف؛ أنه قال: إذا قال: أنت طالق ما بين واحدة وثلاث - فهي واحدة؛ لأنه ما جعل الثلاث غاية، وإنما أوقع ما بين العددين وهو واحدة؛ فتقع واحدة. وإن قال: أنت طالق ما بين واحدة إلى أُخرى، أو من واحدة إلى واحدة - فهي واحدة، أما على أصل أبي حنيفة؛ فلأن الغاية الأولى تدخل ولا تدخل الثانية؛ فتقع واحدة، وأما على أصلهما فالغايتان وإن كانتا يدخلان جميعاً، لكن يحتمل أن يكون المراد من قوله: من واحدة ٣٤٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ إلى واحدة، أي: منها وإليها، فلا يقع أكثر من واحدة، وأما على أصل زفر: فالغايتان لا يدخلان، ولم يبق بينهما شيء، والله - عز وجل - أعلم. ومنها ألا يكون مضروباً فيه، فإن كان لا يقع ويقع المضروب، وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: هذا ليس بشرط، ويقع المضروب وللضروب فيه، وبيان ذلك فيمن قال لامرأته: أنت طالق واحدة في اثنتين، أو قال: واحدة في ثلاث، أو اثنتين في اثنتين، وجملة الجواب فيه؛ أنه إن نوى به للظرف والوعاء لا يقع إلا المضروب؛ لأن الطلاق لا يصلح ظرفاً، وإن نوى (مع) يقع المضروب والمضروب فيه، بقدر ما يصح وقوعه بلا خلاف. وإن نوى به الضرب والحساب، ولم تكن له نية - يقع المضروب لا المضروب فيه عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يقع المضروب والمضروب فيه بقدر ما يصح وقوعه. وجه قوله: أن الواحد في اثنين اثنان على طريق الضرب والحساب، والواحد في الثلاثة ثلاثة، والاثنان في الاثنين أربعة، وهذا يقتضي وقوع المضروب والمضروب فيه؛ كما لو جمع بينهما بلفظ واحد، فقال: أنت طالق اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، إلا أن العدد المجتمع له عبارتان: إحداهما الاثنان والثلاثة والأربعة، والأخرى واحد في اثنين، وواحد في ثلاثة، واثنان في اثنین . ولنا وجوه ثلاثة : أحدها: أن الضرب إنما يتقدر فيما له مساحة، فأما ما لا مساحة له فلا يتقدر فيه الضرب؛ لأن تقدير ضرب الاثنين في الاثنين خطان يضم إليهما خطان آخران، فمن هذا الوجه يقال: الاثنان في الاثنين أربعة، والطلاق لا يحتمل المساحة، فإذا نوى في عدد الطلاق الضرب، فقد أراد محالاً فبطلت نيته. والثاني: أن الشيء لا يتعدد بالضرب، وإنما يتكرر أجزاؤه، فواحد في اثنين واحد له جزآن، واثنان في اثنين، اثنان له أربعة أجزاء، وطلاق له جزء، وطلاق له جزآن، وثلاثة، وأربعة، وأكثر من ذلك - سواء. والثالث: أنه جعل المضروب فيه ظرفاً للمضروب، والطلاق لا يصلح ظرفاً؛ إذ ظرف الشيء هو المحتوى عليه، ولا يتصور احتواء الطلاق على شيء؛ لأن الاحتواء من خواص الأجسام، فلا يصلح ظرفاً للمضروب؛ فلا يقع؛ ولهذا لو قال لامرأته: أنت طالق في دخولك الدار، أو قال لها: أنت طالق في حيضتك لا يقع للحال؛ لأنه جعل الدخول والحيض ظرفاً، وأنهما لا يصلحان ظرفاً؛ لاستحالة تحقق معنى الظرف فيهما، إلا أن ثمة يتعلق الطلاق بالدخول والحيض، ويجعل (في) بمعنى (مع) لمناسبة؛ لأن (مع) كلمة مقارنة، والمظروف ٣٤٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ يقارن الظرف؛ فصار كأنه قال: أنت طالق مع دخول الدار، أو مع حيضك، ولههنا لو أراد (في) مع في قوله: في اثنين، أو في ثلاث - يقع الثلاث، وكذا لو أراد بكلمة في حرف الواو للجمع، والظرف يجامع المظروف من جميع الجهات، فيجوز استعماله كله، والظرف على إرادة المقارنة، أو الاجتماع من جهة واحدة، والله تعالى الموفق. فضل فيما يرجع إلى الوقت وأما الذي يرجع إلى الوقت - فهو مضى مدة الإيلاء (١)، وهو شرط وقوع الطلاق (١) الإيلاء لغة: بالمد: الحلف، وهو: مصدر. يقال: آلى بمدة بعد الهمزة، يؤلي إيلاءً، وتألئ وأتلى، والأليّة، بوزن فعيلة: اليمين وجمعها ألايا: بوزن خطايا، قال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت فيه الأليَّة برَّت والألوة بسكون اللام، وتثليث الهمزة: اليمين أيضاً. أنظر: الصحاح: ٢٢٧/٦، المغرب: ٢٨، لسان العرب: ١١٧/١ المصباح المنير: ٣٥/١. واصطلاحاً : عرفه الحنفية هو: عبارة عن اليمين على ترك وطء المنكوحة أربعة أشهراً وأكثر. وعرفه الشافعية بأنه: هو حلف زوج يصبح طلاقه ليمتنعن من وطئها مطلقاً أو فوق أربعة أشهر. لأن المرأة يعظم ضررها إذا زاد على ذلك لأنها تصبر عن الزوج أربعة أشهر وبعد ذلك يفنى صبرها أو يقلّ. روى البيهقي عن عمر أنه خرج مرة في الليل في شوارع المدينة فسمع امرأة تقول: وأرّقني أن لا خليل ألاعبه تطاول هذا الليل وأسود جانبه لحرك من هذا السرير جوانبه فوالله لولا الله تخشى عواقبه وأخشى لبعلي أن تنال مراتبه مخافة ربي والحياء يصدّني فقال عمر لابنته حفصة كم أكثر ما تصبر المرأة عن الزوج؟ وروي أنه سأل النساء فقلن له تصبر شهرين وفي الثالث يقل صبرها وفي آخر الرابع يفقد صبرها. فكتب إلى أمراء الأجناد أن لا تحبسوا رجلاً عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، وقولها من هذا السرير أرادت نفسها لأنها فراش الرجل فهي كالسرير الذي يجلس عليه. وعرفه المالكية بأنه: حلف الزوج المسلم المكلف الممكن وطوءه بما يدل على ترك وطء زوجته غير الموضع أكثر من أربعة أشهر أو شهرين للعبد تصريحاً أو احتمالاً قيد أو أطلق وإن تعليقاً. وعرفه الحنابلة بأنه: حلف الزوج - القادر على الوطء - بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته من قبلها مدة زائدة على أربعة أشهر. انظر: تبين الحقائق، شرح كنز الدقائق: ٢٦١/٢، مغني المحتاج: ٣٤٣/٣، الشرح الصغير: ٢٧٨/٢، ٢٧٩، المطلع: ٣٤٣ تحفة المحتاج: ١٨٨/٨، شرح المحلى على المنهاج: ٢٣. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿للَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّضُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية وإنما عدي فيها بمن وهو إنما يعدي بعلى، لأنه ضمن معنى البعد كأنه قال للذين يؤلون مبعدين أنفسهم من نسائهم وهو حرام للإيذاء. ٣٥٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ بالإيلاء، حتى لا يقع الطلاق قبل مضي المدة؛ لأن الإيلاء في حق أحد الحكمين وهو البر - طلاق معلق، بشرط ترك الفيء في مدة الإيلاء(١) لقوله - عز وجل: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]. وروي عن ابن عباس، وعدة (٢) من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أنَّ عَزْمَ الطَّلاَقِ تَرْكُ الْفَيْءِ إِلَيْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فقد جعل ترك الفيء أربعة أشهر شرط وقوع الطلاق في الإيلاء، والكلام في الإيلاء يقع في مواضع، في تفسير الإيلاء لغة وشرعاً، وفي بيان ركن الإيلاء، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان حكم الإيلاء، وفي بيان ما يبطل به الإيلاء. أما تفسيره: فالإيلاء في اللغة عبارة عن اليمين يقال: آلى: أي حلف؛ ولهذا سميت اليمين آلية، وجمعها: ألايًا؛ قال الشاعر: [بحر الطويل] قَلِيلُ الأَلاَيَا حَافِظْ لِيَمِينِهِ وَإِنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتٍ(٣) وفي حرف عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - لِلَّذِينَ يُقْسِمُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ، والقسم واليمين من الأسماء المترادفة، وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، أي: ولا يحلف، وفي الشريعة عبارة عن اليمين على ترك الجماع بشرائط مخصوصة، نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وأما . ركنه: فهو اللفظ الدال على منع النفس عن الجماع في الفرج، مؤكداً باليمين بالله تعالى، أو بصفاته، أو باليمين بالشرط والجزاء، حتى لو امتنع من جماعها، أو هجرها سنة أو أكثر من ذلك - لم يكن مولياً، ما لم يأت بلفظ يدل عليه؛ لأن الإيلاء يمين لما ذكرنا، واليمين تصرف قولي، فلا بد من القول، ولو أتى بلفظ يدل على نفي الجماع فيما دون الفرج - لم يكن ذلك إيلاء في حق حكم البر؛ لأن حكم البر إنما يثبت لصيرورته ظالماً يترك الجماع في الفرج؛ لأن حقها فيه، ولو ذكر لفظاً يدل على منع نفسه عن الجماع في الفرج، ولم (٤) يؤكده باليمين - لم يكن إيلاء؛ لأن الظلم بالمنع، والمنع لا يتأكد إلا باليمين، وقال الشافعي في القديم: لا يكون مولياً إلا بالحلف بالله تعالى، فظاهر الآية الكريمة يدفع هذا القول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فالإيلاء في اللغة عبارة عن اليمين، واسم اليمين يقع على اليمين بالله تعالى، ويقع على اليمين بالشرط والجزاء؛ لتحقق معنى اليمين وهو القوة. (١) في أ: المدة. (٢) في أ: وغيره. (٣) البيت لكثير عزة في ديوانه ص (٣٢٥) ولسان العرب (ألا) ومجمل اللغة (٢٠٣/١)، وتاج العروس (ألو). (٤) في ط: بطريق. ٣٥١ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو حلف بغير الله - عز وجل - وبغير الشرط والجزاء - لا يكون مولياً، حتى لا تبين بمضي المدة من غير فيء، ولا كفارة عليه إن قربها/ ؛ لأنه ليس بيمين؛ لانعدام معنى اليمين ١٨٥ وهو القوة . وقال النبي ◌َّرَ: ((لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلاَ بِالطَّوَاغِيتِ، فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ حَالِفاً فَلْيخْلِفْ بِالله أَوْ لِيَذَزْ))(١) . وروي: ((مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أَشْرَكَ))، أما الألفاظ الدالة على منع النفس عن الجماع - فأنواع بعضها صريح، وبعضها يجري مجرى الصريح، وبعضها كناية: أما الصريح؛ فلفظ المجامعة؛ بأن حلف ألا يجامعها. وأما الذي يجري مجرى الصريح - فلفظ القربان، والوطء، والمباضعة، والافتضاض فى البكر؛ بأن يحلف أن لا يقربها، أو لا يطأها، أو لا يباضعها، أو لا يفتضها وهي بكر؛ لأن القربان المضاف إلى المرأة يراد به الجماع في العرف؛ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وكذا الوطء المضاف إليها غلب استعماله في الجماع. قال النبي وَّر في سبايا أوطاس: ((أَلاَ لاَ تُوطَأ الْحُبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ وَلاَ الْحِبَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ))(٢)، والمباضعة مفاعلة من البضع، وهو الجماع، أو الفرج. والافتضاض في العرف عبارة عن جماع البكر، وهو كسر العذرة مأخوذ من الفض وهو الكسر، وكذا إذا حلف لا يغتسل منها؛ لأن الاغتسال منها لا يكون إلا بالجماع، فأما الجماع في غير الفرج فالاغتسال لا يكون منها، وإنما يكون من الإنزال؛ ألا ترى أنه ما لم ينزل لا يجب الغسل، وفي الجماع في الفرج لا يقف وجوب الاغتسال على وجود الإنزال. ولو قال: لم أعن به الجماع - لا يدين في القضاء؛ لكونه خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن اللفظ يحتمله في الجملة، وأما الكناية: فنحو لفظة الإتيان والإصابة؛ بأن حلف لا يأتيها، أو لا يصيب منها يريد الجماع؛ لأنهما من كنايات الجماع، لأنهما يستعملان في الجماع، وفي غيره استعمالاً على السواء، فلا بد من النية، وكذا لفظة الغشيان؛ بأن حلف لا يغشاها؛ لأن الغشيان يستعمل في الجماع، قال الله تعالى: ﴿فَلَّمَّا تَغْشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، أي: جامعها، ويستعمل في المجيء، وفي الستر والتغطية، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، قيل: يأتيهم، وقيل؛ يسترهم ويغطيهم، فلا بد من النية. (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. ٣٥٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ وكذا إذا حلف لا يمس جلده جلدها، وقال: لم أعن به الجماع - يصدق؛ لأنه يحتمل الجماع، ويحتمل المس المطلق، فيحنث بغير الجماع، والإيلاء ما وقف الحنث فيه على الجماع؛ ولأنه يمكنه جماعها بغير ممارسة الجلد، بأن يلف ذكره بحريرة، فيجامعها. وكذا إذا حلف لا يمسها لما قلنا، وكذا إذا حلف لا يضاجعها، أو لا يقرب فراشها، وقال: لم أعن به الجماع - فهو مصدق في القضاء؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الجماع، ويستعمل في غيره استعمالاً واحداً؛ ولأنه يمكنه جماعها من غير مضاجعة، ولا قرب فراش. ولو حلف لا يجتمع رأسي ورأسك، فإن عنى به الجماع - فهو مول، لأنه يحتمل الجماع، وإن لم يعن به الجماع - لم يكن مولياً، ولا يجتمعان على فراش ولا مرفقة؛ لئلا يلزمه الكفارة، وله جماعها من غير اجتماع على الفراش، ولا شيء يجمع رأسهما (١) عليه. ولو حلف لا يجمع رأسي ورأسك وسادة، أو لا يأويني وإياك بيت، أو لا أبيت معك في فراش، فإن عنى به الجماع فهو مول؛ لأنه يحتمل الجماع؛ فتصح نيته، وكيفما جامعها فهو حانث، وإن لم يعن به الجماع؛ فليس بمول، ولا يأوي معها في بيت، ولا يبيت معها في فراش، ولا يجتمعان على وسادة؛ لئلا تلزمه الكفارة، ويطؤها على الأرض والبوادي. ولو حلف لأسوءنك، أو لأغيظنك ـ لا يكون مولياً، إلا إذا عنى به ترك الجماع؛ لأن المساءة قد تكون بترك الجماع، وقد تكون بغيره، وكذا الغيظ؛ فلا بد من النية. وأما اليمين بالله تعالى، وبصفاته: فهي الحلف باسم من أسماء الله تعالى، أو بصفة من صفاته، بلفظ لا يستعمل في غير الصفة، أو يستعمل في الصفة وفي غيرها، لكن على وجه لا يغلب استعماله في غير الصفة، وموضع معرفة هذه الجملة كتاب الإيمان، ثم الإيلاء إذا كان بالله تعالى فالمولى لا يخلو؛ إما أن أطلق الإيلاء، وإما أن علقه بشرط، وإما أن أضافه إلى وقت، وإما أن وقته إلى غاية، فإن أطلق؛ بأن قال لامرأته: والله لا أقربك ــ كان مولياً للحال. والأصل فيه أن من منع نفسه عن قربان زوجته بما يصلح أن يكون مانعاً، وبما يحلف به عادة - يصير مولياً، أو يقال: من لا يمكنه قربان زوجته في المدة، من غير شيء يلزمه بسبب اليمين - فهو مول وقد وجد لههنا؛ لأن ذكر اسم الله تعالى يصلح مانعاً تحرزاً عن الهتك، وهو مما يحلف به عادة وعرفاً، وكذا لا يمكنه قربان زوجته في المدة، من غير شيء يلزمه، وهو الكفارة؛ فيصير مولياً، وكذا إذا قال لامرأتين له: والله لا أقربكما، ولههنا ثلاثة فصول: أحدها: أن يقول لامرأتيه: والله/ لا أقربكما، أو يقول لنسائه الأربع: والله لا أقربكن، وهما فصل واحد. ٨٥ب (١) في ط: رأسها. ٣٥٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ والثاني: أن يقول: والله لا أقرب إحداكما أو إحداكن. والثالث: أن يقول: والله لا أقرب واحدة منكما أو واحدة منكن. أما الأول: إذا قال لامرأتين له: والله لا أقربكما - صار مولياً منهما للحال، حتى لو مضت أربعة أشهر، ولم يقربهما فيها - بانتا جميعاً ويبطل، وكذا إذا قال لنسائه الأربع: والله لا أقربكن - صار مولياً منهن للحال، حتى لو لم يقربهن حتى مضت أربعة أشهر بن جميعاً، وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وهو استحسان، والقياس ألا لا يصير مولياً في الأول [ما لم يطأ](١) واحدة منهما؛ فيصير مولياً من الأخرى، وفي الثاني [ما لم يطأ واحدة؛ فيصير مولياً من الأُخرى، وفي الثالث] (٢) ما لم يطأ الثالثة منهن، فيصير مولياً من الرابعة وهو قول زفر. وجه القياس أن المولى من لا يمكنه قربان امرأته، من غير حنث يلزمه، ولههنا يمكنه في الصورة الأولى قربان إحداهما، من غير حنث يلزمه؛ لأنه لا يحنث بوطء إحداهما؛ إذ جعل شرط الحنث قربانهما، من غير شيء يلزمه، ولم يوجد، وفي الصورة الثانية (٣) يمكنه قربان الثلاث منهن، من غير حنث يلزمه. ألا ترى أنه لا يحنث بوطء الثلاث منهن، فلم يوجد حد المولى، فلا يكون مولياً، وإذا وطىء الثلاث منهن؛ فلا يمكنه وطء الباقية (٤) إلا يحنث يلزمه، فوجد حد الإيلاء؛ فيصير مولیاً. وجه الاستحسان أن المولى من لا يمكنه وطء امرأته في المدة، من غير شيء يلزمه بسبب اليمين، ولههنا لا يمكنه وطؤها في المدة، من غير شيء يلزمه بسبب اليمين؛ لأنه لو وطىء إحداهما أو الثلاث منهن - لزمه تعيين الأخرى للإيلاء، وهذا شيء يلزمه بسبب اليمين، وقد وجد حد الإيلاء؛ فيكون مولياً، ولو قرب إحداهما لا كفارة عليه؛ لعدم شرط الحنث وهو قربانهما، ولكن يبطل إيلاؤه منها؛ لأن ذلك يقف على القربان، وقد وجد، والإيلاء في حق الباقية على حاله؛ لانعدام المبطل في حقهما وهو القربان. ولو قربهما جميعاً بطل إيلاؤهما، وعليه كفارة اليمين؛ لوجود المبطل لهما، والموجب للكفارة وهو قربانهما. ولو ماتت إحداهما بل مضي أربعة أشهر - بطل إيلاؤها، ولا تجب الكفارة، وإن وطىء الأُخرى بعد ذلك بالإجماع؛ لأن شرط وجوب الكفارة قربانهما ولم يوجد، ولو طلق إحداهما لا يبطل الإيلاء. (١) في أ: حتى يطأ. (٣) في أ: الثالثة. (٢) سقط في أ. (٤) في أ: الثانية . بدائع الصنائع ج٤ - م٢٣ ٣٥٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ وأما الثاني: وهو ما إذا قال: والله لا أقرب إحداكما؛ فإنه يصير مولياً من إحداهما، حتى لو وطىء إحداهما - لزمته الكفارة وبطل الإيلاء؛ لوجود شرط الحنث، وهو قربان إحداهما؛ ولو ماتت إحداهما، أو طلق إحداهما (١) ثلاثاً، أو بانت بلا عدة - تعينت الباقية للإيلاء؛ لزوال المزاحمة، ولو لم يقرب إحداهما حتى مضت المدة بانت إحداهما(٢) بغير عينها، وله خيار أن يوقع الطلاق على أيتهما شاء؛ لأن الإيلاء في حق حكم البر تعليق الطلاق شرعاً، بشرط ترك القربان في المدة، فيصير كأنه قال: إن لم أقرب إحداكما (٣) أربعة أشهر، فإحداكما طالق بائن، ولو نص على ذلك، فمضت المدة، ولم يقرب إحداهما - طلقت إحداهما غير عين، وله الخيار يوقع على أيتهما شاء؛ كذا هذا. ولو أراد أن يعين الإيلاء في إحداهما قبل مضي أربعة أشهر - لا يملك [ذلك]، حتى لو عين إحداهما، ثم مضت أربعة أشهر - لم يقع الطلاق على المعينة، بل يقع على إحداهما بغير عينها، وبخير في ذلك؛ لأن اليمين تعلقت بغير المعينة، فالتعيين يكون تغيير اليمين فلا يملك ذلك؛ لأن تغيير اليمين إبطالها من وجه، واليمين عقد لازم لا يحتمل الطلاق، فلا يحتمل التغيير؛ ولأن الإيلاء في حق البر تعليق الطلاق، بشرط عدم القربان في المدة، ومتى علق الطلاق المبهم بشرط، ثم أراد تغيير التعليق قبل وجود الشرط - لا يقدر على ذلك؛ كما إذا قال لامرأتيه: إذا جاء غد، فإحداكما طالق، ثم أراد أن يعين إحداهما قبل مجيء الغد - لا يملك ذلك؛ كذا هذا. فإذا مضت المدة، وبانت إحداهما بغير عينها - فله الخيار في تعيين أيتهما شاء للطلاق؛ لأن الطلاق إذا وقع في المجهولة يتخير الزوج في التعيين - فله أن يوقع الطلاق على إحداهما، فلو لم يوقع الطلاق على واحدة منهما، حتى مضت أربعة أشهر أُخرى - وقعت تطليقة أُخرى، وبانت كل واحدة منهما بتطليقة في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف؛ أنه لا يقع الطلاق على الأُخرى. وجه رواية أبي يوسف؛ أنه آلى من إحداهما لا من كل واحدة منهما، فلا يتناول الإيلاء إلا إحداهما. ١٨٦ وجه ظاهر الرواية أن اليمين باقية؛ لعدم الحنث، فكان تعليق طلاق إحداهما/ بمضي المدة من غير في باقياً، فإذا مضت أربعة أشهر، ووقع الطلاق على إحداهما، فقد زالت مزاحمتهما، واليمين باقية؛ فتعينت الأخرى؛ لبقاء اليمين في حقها، وتعليق طلاقها؛ كما لو زالت المزاحمة بعد مضي المدة قبل اختيار الزوج بالموت؛ بأن ماتت(٤) إحداهما أليس أنه (١) في أ: إحديهما. (٣) في أ: إحديكما. (٢) في أ: إحديهما. (٤) في أ: بانت. ٣٥٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ تتعين الأُخرى؛ كذا لهُهنا، وهل يتكرر الطلاق على المولى منها بالإيلاء السابق بتكرار المدة؟ لا نص في هذه المسألة. واختلف المشايخ فيه، وترجيح بعض الأقاويل فيه على البعض - يعرف في ((الجامع الكبير)). وكذلك لو عين للطلاق في إحداهما بعد مضي أربعة أشهر، ثم مضت أربعة أشهر أُخرى - بانت الأُخرى بتطليقة على جواب ظاهر الرواية . وأما الثالث: وهو ما إذا قال: والله لا أقرب واحدة منكما؛ فإنه يصير مولياً منهما جميعاً، حتى لو مضت مدة أربعة أشهر، ولم يقربهما فيها - بانتا جميعاً؛ كذا ذكر المسألة في ((الجامع))، من غير خلاف، وهكذا ذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) [ولم يذكر الخلاف](١)، وذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) فقال: على قول أبي حنيفة وأبي يوسف يكون مولياً منهما استحساناً، وعلى قول محمد: يكون مولياً من إحداهما وهو القياس. وجه القياس أن قوله: واحدة منكما - لا يعبر به عنهما، بل عن إحداهما، فصار كقوله: والله لا أقرب إحداكما، والدليل عليه أنه إذا قرب إحداهما يحنث، وتلزمه الكفارة؛ فدل أن اليمين تناولت إحداهما لا غير. ووجه الاستحسان، وهو الفرق بين المسألتين: أن قوله: إحداكما معرفة؛ لأنه مضاف إلى الكناية، والكنايات معارف، بل أعرف المعارف، والمضاف إلى المعرفة معرفة، والمعرفة تختص(٢) في النفي؛ كما تختص(٣) في الإثبات. وقوله: واحدة منكما نكرة؛ لأنها نكرة بنفسها، ولم يوجد ما يوجب صيرورتها معرفة، وهو اللام أو الإضافة، فبقيت نكرة، وأنها في محل النفي فتعم، والدليل على التفرقة بينهما أنه يستقيم إدخال كلمة الإحاطة والاشتمال، وهي كلمة ((كل)) على واحدة منكما، ولا يستقيم إدخالها على إحداكما، حتى يصح أن يقال: والله لا أقرب كل واحدة منكما، ولا يصح أن يقال: والله لا أقرب كل إحداكما، فدل أن قوله: واحدة منكما يصلح لهما. وقوله: إحداكما لا يصلح لهما، إلا أنه إذا قال: والله لا أقرب واحدة منكما، فقرب إحداهما - يبطل إيلاؤهما جميعاً، وتلزمه الكفارة؛ لوجود شرط الحنث، وهو قربان واحدة منهما، بخلاف ما إذا قال: والله لا أقربكما، فقرب واحدة منهما؛ أنه يبطل إيلاؤهما، ولا يبطل إيلاء الباقية، حتى لا تجب عليه الكفارة. أما بطلان إيلاء التي قربها؛ فلوجود شرط البطلان، وهو القربان ولم يوجد القربان في الباقية؛ فلا يبطل إيلاؤهما، وأما عدم وجوب الكفارة؛ فلعدم شرط الوجوب وهو قربانهما جميعاً. (١) سقط في ط. (٣) في أ: تخص. (٢) في أ: تخص. ٣٥٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال لامرأته وأمته: والله لا أقربكما - لا يكون مولياً من امرأته ما لم يقرب الأمة، فإذا قرب الأمة صار مولياً من امرأته؛ لأن المولى من لا يمكنه فربان امرأته في المدة، من غير شيء يلزمه، وقبل أن يقرب الأمة يمكنه قربان امرأته، من غير حنث يلزمه؛ لأنه علق الحنث بقربانهما، فلا يثبت بقربان إحداهما، فإذا قرب الأمة، فقد صار بحال لا يمكنه قربان زوجته، من غير حنث يلزمه؛ فصار مولياً. ولو قال: والله لا أقرب إحداكما - لم يكن مولياً في حق البر؛ لما ذكرنا أن قوله: إحداكما معرفة، لكونه مضافاً إلى المعرفة، والمعرفة تخص ولا تعم، سواء كان في محل الإثبات، أو في محل النفي، فلا يتناول إلا إحداهما، والإيلاء في حق البر تعليق الطلاق، بشرط ترك القربان في المدة، فصار كأنه قال: إن لم أقرب إحداكما في المدة فإحداكما طالق. ولو قال ذلك لا يقع الطلاق، إلا إذا عنى امرأته، وما عنى لههنا، فلا يمكنه جعله إيلاء في حق البر، ولو قرب إحداهما تجب الكفارة؛ لأنه بقى يميناً فى حق الحنث، وقد وجد شرط الحنث، فتجب الكفارة؛ كما لو قال لأجنبية: والله لا أقربك، ثم قربها - حنث، ولا يكون ذلك إيلاء في حق البر؛ كذا هذا. ولو قال: والله لا أقرب واحدة منكما - كان مولياً من امرأته؛ لما ذكرنا أن الواحدة نكرة مذكورة في محل النفي، فتعم عموم الأفراد؛ كما لو قال: لا أكلم واحداً من رجال حلب، إلا أنه لو قرب إحداهما حنث؛ لما ذكرنا أن شرط حنثه قربان واحدة منهما لا قربانهما وقد وجد، ولو كان له امرأتان حرة وأمة، فقال: والله لا أقربكما صار مولياً منهما جميعاً؛ لأن كل واحدة ٨٦ب منهما محل الإيلاء، فإذا مضى شهران ولم يقربهما بانت الأمة؛ لمضي مدتها من غير قربان/ ، وإذا مضى شهران آخران بانت الحرة أيضاً؛ لتمام مدتها من غير فيء. ولو قال: والله لا أقرب إحداكما - يكون مولياً من إحداهما بغير عينها؛ لان كل واحدة منهما محل الإيلاء، وقد أضاف الإيلاء إلى إحداهما بغير عينها، فيصير مولياً من إحداهما غير عين، ولو أراد أن يعين إحداهما قبل مضي الشهرين - ليس له ذلك؛ لما بينا فيما تقدم. وإذا مضى شهران، ولم يقربهما - بانت الأمة، لا لأنها عينت(١) للإيلاء، بل لسبق مدتها، واستوثقت مدة الإيلاء على الحرة، فإذا مضت أربعة أشهر ولم يقربها - بانت الحرة؛ لأن اليمين باقية إذا لم يوجد الحنث، فكان تعليق الطلاق على إحداهما باقياً، فإذا مضى شهران - وقع الطلاق على الأمة، فقد زالت مزاحمتها، واليمين باقية، فتعينت الحرة لبقاء الإيلاء في حقها، وتعليق طلاقها بمضي المدة، وإنما استوثقت مدة الإيلاء على الحرة؛ لأن ابتداء المدة انعقدت لإحداهما، وقد تعينت الأمة للسبق، فيبتدأ الإيلاء على الحرة من وقت بينونة الأمة. (١) في أ: تعينت. ٣٥٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ بخلاف ما إذا قال لها: والله لا أقربكما؛ لأن هناك انعقدت المدة لهما، فإذا مضى شهران فقد تمت مدة الأمة، فتتم مدة الحرة بشهرين آخرين، ولو ماتت الأمة قبل(١) مضي الشهرين - تعينت الحرة للإيلاء من وقت اليمين، حتى إذا مضت أربعة أشهر من وقت اليمين - تبين لزوال المزاحمة بموت الأمة. ولو قال: والله لا أقرب واحدة منكما يكون مولياً منهما جميعاً، حتى لو مضى شهران تبين الأمة، ثم إذا مضى شهران آخران تبين الحرة؛ كما فى قوله: والله لا أقربكما، إلا أن ههنا إذا قرب إحداهما - حنث، وبطل الإيلا؛ لما ذكرنا فيما قبل. وإن علقه بشرط يتعلق به. بأن قال: إن دخلت هذه الدار، وإن كلمت فلاناً - فوالله لا أقربك، وكذا إذا أضافه إلى الوقت؛ بأن قال: إذا جاء غد، فوالله لا أقربك، أو قال: إذا جاء رأس شهر كذا، فوالله لا أقربك، وإذا وجد الشرط أو الوقت؛ فيصير مولياً، ويعتبر ابتداء المدة من وقت وجود الشرط والوقت، لأن الإيلاء يمين، واليمين تحتمل التعليق بالشرط، والإضافة إلى الوقت كسائر الأيمان، وإن وقته إلى غاية ينظر إن كان المجعول غاية لا يتصور وجوده في مدة الإيلاء - يكون مولياً؛ كما إذا قال وهو في شعبان: والله لا أقربك حتى أصوم المحرم؛ لأنه منع نفسه عن قربانها بما يصلح مانعاً؛ لأنه لا يمكنه قربانها إلا بحنث يلزمه، وهو الكفارة. ألا ترى أنه لا يتصور وجود الغاية وهو صوم المحرم في المدة، وكذلك يعد مانعاً في العرف؛ لأنه [لا](٢) يحلف به عادة. وكذا لو قال: والله لا أقربك، إلا في مكان كذا، وبينه وبين ذلك المكان أربعة أشهر فصاعداً - يكون مولياً، لأنه لا يمكنه قربانها من غير حنث يلزمه، وإن كان أقل من ذلك لم يكن مولياً؛ لإمكان القربان من غير شيء يلزمه . وكذا لو قال: والله لا أقربك حتى تفطمي صبيك، وبينها وبين الفطام أربعة أشهر فصاعداً - يكون مولياً؛ وإن كان أقل من ذلك - لم يكن مولياً لما قلنا. ولو قال: والله لا أقربك حتى تخرج الدابة من الأرض، أو حتى يخرج الدجال، أو حتى تطلع الشمس من مغربها - فالقياس ألا يكون مولياً؛ لتصور وجود الغاية في المدة ساعة فساعة، فيمكنه قربانها في المدة من غير شيء يلزمه، فلا يكون مولياً. وفي الاستحسان يكون مولياً؛ لأن حدوث(٣) هذه الأشياء لها (٤) علامات يتأخر عنها بأكثر من مدة الإيلاء على ما نطق به الأخبار، فلا توجد هذه الغاية في زماننا في مدة أربعة أشهر عادة، فلم تكن الغاية متصورة (١) في أ: على. (٣) في أ: خروج. (٢) سقط في ط. (٤) في أ: له. ٣٥٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ الوجود عادة، فلا يمكنه قربانها من غير حنث يلزمه عادة؛ فيكون مولياً؛ ولأن هذا اللفظ يذكر على إرادة التأبيد في العرف، فصار كأنه قال: والله لا أقربك أبداً. وكذا إذا قال: والله لا أقربك حتى تقوم الساعة - كان مولياً، وإن كان يمكن في العقل قيام الساعة ساعة فساعة، لكن قامت دلائل الكتاب العزيز، والسنن المشهورة على أنها لا تقوم إلا بعد تقدم أشراطها العظام؛ كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، ونحو ذلك، ولم يوجد شيء من ذلك في زماننا، فلم تكن الغاية قبلها [متصورة؛ لوجود](١) عادة على أن مثل هذه الغاية تذكر، ويراد بها التأبيد(٢) في العرف والعادة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَدْخَلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. أي: لا يدخلونها أصلاً ورأساً؛ وكما يقال: لا أفعل كذا، حتى يبيض القار ويشيب الغراب، ونحو ذلك؛ فإنه يصير كأنه قال: والله لا أقربك [أبداً، وإن كان ما جعل غاية يتصور وجودها في ١٨٧ المدة، فإن كان مما لا يتصور بقاء النكاح مع وجوده؛ بأن قال: والله/ لا أقربك](٣) حتى تموتي، أو حتى أموت، أو حتى تقتلي، أو حتى أقتل، أو حتى أقبلك، أو حتى تقبليني - كان مولياً. وإن كان يتصور وجود هذه الأشياء في المدة، لكن لا يتصور بقاء النكاح بعد وجودها، فيصير حاصل هذا الكلام؛ كأنه قال: والله لا أقربك ما دمت زوجك، أو ما دمت زوجتي، أو ما دمت حياً، أو ما دمت حية، ولو قال ذلك - كان مولياً؛ إذ لو لم يكن مولياً لما تصور انعقاد الإيلاء؛ لأن هذا التقدير ثابت في كل الإيلاء. ولو قال لامرأته وهي أمة الغير: والله لا أقربك حتى أملكك، أو أملك شقصاً منك - يكون مولياً؛ لأن النكاح لا يبقى يعد ملكها أو شقصاً منها، فصار كأنه قال: والله لا أقربك ما دمت زوجك، أو ما دمت زوجتي. ولو قال: والله لا أقربك حتى اشتريك ــ لا يكون مولياً؛ لأن النكاح لا يرتفع بمطلق الشراء؛ لجواز أن يشتريها لغيره، فلا يملكها فلا يرتفع النكاح؛ وكذا إذا قال: حتى أشتريك لنفسي؛ لأنه قد يشتريها شراء فاسداً، فلا يرتفع النكاح فلا يملكها؛ لأنه لا يملكها قبل (٤) القبض (4). ولو قال: حتى أشتريك لنفسي، وأقبضك ــ كان مولياً، لأن الملك في الشراء الفاسد يثبت بالقبض، فيرتفع النكاح؛ فيصير تقديره: والله لا أقربك ما دمت في نكاحي، وإن كان مما (١) في أ: يكن القيام قبلها متصور الوجود. (٢) في أ: التأكيد. (٤) في أ: التصرف. (٣) سقط في ط. ٣٥٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ يتصور بقاء النكاح مع وجوده، فإن كان مما لو حلف به لكان مولياً - يصير مولياً، إذا جعله غاية، وإلا فلا، هذا أصل أبي حنيفة ومحمد، وأصل أبي يوسف؛ أنه إن أمكنه قربانها في المدة من غير حنث يلزمه لم يكن مولياً. وعلى هذا يخرج ما إذا قال: والله لا أقربك حتى أعتق عبدي فلاناً، أو حتى أطلق امرأتي فلانة، أو حتى أصوم شهراً؛ أنه يصير مولياً في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يكون مولياً، لأبي يوسف: أنه يتصور وجود هذه الغايات قبل مضي أربعة أشهر، فيمكنه قربانها من غير حنث يلزمه بسبب اليمين، فلا يكون مولياً؛ كما إذا قال: والله لا أقربك حتى أدخل الدار، أو حتى أكلم فلاناً. ولهما: أنه منع نفسه عن قربان زوجته بما يصلح أن يكون مانعاً، وبما يحلف به في العرف والعادة، وهو عتق عبده، وطلاق امرأته، وصوم الشهر؛ ولهذا لو حلف بهذه الأشياء لكان مولياً، فكذا إذا جعلها غاية، وكذا لا يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه بسبب اليمين، إما وجوب الكفارة، أو عتق العبد، أو طلاق المرأة (١) أو صوم الشهر؛ فيصير في التقدير، كأنه قال: إن قربتك فعبدي حر، أو على كفارة يمين، ولو قال ذلك لكان مولياً؛ كذا هذا، بخلاف الدخول والكلام. ولو قال: [والله](٢) لو قال: لا أقربك حتى أقتل عبدي، [أو حتى أضرب عبدي](٣) أو حتى أشتم عبدي، أو حتى أشتم فلاناً، أو أضرب فلاناً، وما أشبه ذلك - لم يكن مولياً؛ لأنه لم يحلف بهذه الأشياء عرفاً وعادة؛ ولهذا لو حلف بشيء من ذلك - لم يكن مولياً، فكذا إذا جعله غاية للإيلاء. وكذا إذا قال: إن قربتك فعلي قتل عبدي، أو ضرب عبدي، أو شتم عبدي، أو قتل فلان، أو ضرب فلان، أو شتم فلان - لم يكن مولياً؛ كما لو قال: فعلي أن أدخل الدار، أو أكلم فلاناً لما قلنا، والله الموفق. وأما اليمين بالشرط والجزاء؛ فنحو قوله: إن قربتك فامرأتي الأخرى طالق، أو قال: هذه طالق، أو قال: فعبدي هذا حر، أو فأنت علي كظهر أمي، أو قال: فعلي عتق رقبة، أو فعلي: حجة أو عمرة أو المشي إلى بيت الله، أو فعلي هدى، أو صدقة أو صوم أو اعتكاف؛ لأن الإيلاء يمين، واليمين في اللغة عبارة عن القوة، والحالف يتقوى بهذه الأشياء على لامتناع من قربان امرأته في المدة؛ لأن كل واحد منهما يصلح مانعاً من القربان في المدة؛ لأنه (١) في أ: امرأته. (٢) سقط في ط. (٣) سقط في ط. ٣٦٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ يثقل على الطبع، ويشق عليه؛ فكان في معنى اليمين بالله - عز وجل؛ لحصول ما وضع له اليمين، وهو التقوى على الامتناع من مباشرة الشرط، وكذا يعد مانعاً في العرف والعادة، فإن الناس تعارفوا الحلف بهذه الأشياء، وكذا لبعضها مدخل في الكفارة، وهو العتق والصدقة، وهي الإطعام والصوم والهدى والاعتكاف - لا يصح بدون الصوم والحج والعمرة، وإن لم يكن لهما مدخل في الكفارة - فلهما تعلق بالمال؛ فإنه لا يتوصل إليهما إلا بمال غالباً، فأشبه العتق والصدقة؛ لتعلقهما بالمال. وذكر القدوري في شرح ((مختصر الكرخي)) خلاف أبي يوسف في قوله: إن قربتك فعبدي حر: أن على قول أبي يوسف لا يكون مولياً، ولم يذكر القاضي الخلاف في شرحه ((مختصر الطحاوي)). وجه قول أبي يوسف: أن المولى من لا يمكنه قربان امرأته في المدة، إلا يحنث يلزمه، ٨٧ ب ولههنا يمكنه القربان من غير/ شيء يلزمه؛ بأن يبيع العبد قبل أن يقربها ثم يقربها، فلا يلزمه شيء؛ فلا يكون مولياً . وجه قولهما: أنه منع نفسه من قربانها بما يصلح مانعاً، ويعد مانعاً في العرف والعادة؛ فكان مولياً . وأما قوله يمكنه أن يبيع العبد قبل القربان - فلا يلزمه شيء بالقربان، فيكون الملك قائماً للحال، والظاهر بقاؤه، والبيع موهوم؛ فكان الحنث عند القربان لازماً على اعتبار الحال ظاهراً وغالباً. ولو قال: إن قربتك فكل مملوك أملكه فيما يستقبل حرّاً، وقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق - فهو مول في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يكون مولياً. وجه قول أبي يوسف: أنه علق اليمين بالقربان، وعند وجود القربان لا يلزمه شيء، وإنما يلزمه بعد التمليك والتزوج، والجزاء المانع عن القربان ما يلزم عند القربان؛ ولأنه يقدر على أن يمتنع عن التملك والتزوج؛ فلا يلزمه شيء، فلا يكون مولياً. وجه قولهما: أنه جعل القربان شرط انعقاد اليمين، وكون القربان شرط انعقاد اليمين يصلح مانعاً له عن القربان؛ لأنه إذا قربها انعقدت اليمين، واليمين إذا انعقدت يحتاج إلى منع النفس عن تحصيل الشرط، خوفاً عن نزول الجزاء، وبه تبين أنه لا يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه وقت القربان، وهو انعقاد اليمين التي يلزم عند انحلالها حكم الحنث؛ فيصير مولياً.