النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
يمنع من ترتيب الثانية والثالثة عليها، وكذلك إذا قال: أنت طالق وطالق وطالق عند عامة
العلماء، وقال مالك: يقع الثلاث.
وجه قوله: أن ((الواو)) للجمع، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع؛ فكان هذا
إيقاع الثلاث جملة واحدة كأنه قال: أنت طالق ثلاثاً.
ولنا أن ((الواو)» للجمع المطلق، والجمع المطلق في الوجود لا يتصور، بل يكون وجوده
على أحد الوضعين عيناً: أما القران وأما الترتيب فإن كان الوقوع بصفة الترتيب لا يقع إلا
الأول وإن كان بصفة القران يقع الثاني والثالث فيقع الشك في وقوع الثاني والثالث فلا يقع
بالشك وإن علق بشرط فأما إن قدم الشرط على الجزاء وأما إن أخره عنه فإن قدمه بأن قال إن
دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق تعلق الكل بالشرط بالإجماع حتى لا يقع شيء قبل
دخول الدار فإذا دخلت الدار قبل الدخول بها لا يقع إلا واحدة في قول أبي حنيفة، وإن
دخلت الدار قبل الدخول بها فيقع الثلاث بالإجماع لكن عند أبي حنيفة على التعاقب،
وعندهما يقع على الجمع.
وعلى هذا الخلاف إذا قال الأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق وطالق وطالق، فتزوجها -
لا يقع إلا واحدة عنده، وعندهما: يقع الثلاث.
ولو قال: إن تزوجتك فأنت طالق، وأنت عليّ كظهر أمي فتزوجها - طلقت، ولم يصر
مظاهراً منها عنده خلافاً لهما، ولو قدم الظُّهَارَ على الطَّلاَق؛ بأن قال: إن تزوجتك، فأنت
عليّ كظهر أمي، وأنت طالق - يقع الطلاق والظهار جميعاً بالإجماع.
وجه قولهما: أنه أوقع الثلاث جملة واحدة، فيقع جملة واحدة؛ كما إذا قال: إن دخلت
الدار فأنت طالق ثلاثاً، ودلالة الوصف: أنه جمع التطليقات الثلاث بحرف الجمع وهو الواو،
والجمع بحرف الجمع؛ كالجمع بلفظ الجمع لغة وشرعاً.
أما اللغة: فإن قول القائل: جاءني زيد وزيد وزيد، وقوله: جاءني الزيدون - سواء، وأما
الشرع: فإن من قال: لفلان عليَّ ألف درهم، ولفلان ــ كان الألف بينهما؛ كما لو قال: لهذين
الرجلين عليّ ألف درهم، وكذا الفضولي إذا زوج رجل امرأة، وفضولي آخر زوج أخت تلك
المرأة من ذلك الرجل، فبلغه النكاحان، فقال: أجزت نكاح هذه وهذه - بطل النكاحان
جميعاً؛ كما لو قال: أجزت نكاحهما، فثبت أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع،
ولو جمع بلفظ الجمع؛ بأن قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثلاثاً - لوقع الثلاث، سواء
دخلتها قبل الدخول بها أو بعد الدخول كذا هذا، ولا يلزم التنجيز؛ فإنه لو ذكر لفظ الجمع
قبل الدخول بها؛ بأن قال: أنت طالق ثلاثاً - يقع الثلاث، ولو ذكر بحرف الجمع لا يقع إلا

٣٠٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
واحدة؛ بأن قال لها: أنت طالق وطالق وطالق؛ لأن العطف والجمع بحرف الجمع؛ كالجمع
بلفظ الجمع إذا صح العطف والجمع في التنجيز - لم يصح؛ لأنه لما قال لها: أنت طالق فقد
بانت بواحدة؛ لعدم العدة فامتنع وقوع الثاني والثالث؛ لانعدام محل الطلاق، بخلاف التعليق
بالشرط؛ لأن التعليق بالشرط قد صح، وصح التكلم بالثاني والثالث؛ لأن ملكه قائم بعد
التعليق، فصح التكلم به، وإذا صح التكلم بحرف الجمع - صار التكلم به كالتكلم بلفظ
الجمع؛ ولهذا وقع الثلاث إذا أخر الشرط؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة أن قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق - إيقاع الثلاث متفرقاً
في زمان ما بعد الشرط، فيقتضي الوقوع متفرقاً؛ كما إذا قال لامرأته قبل الدخول بها: أنت
طالق واحدة بعدها أُخرى، ولا شك أن الإيقاع إن كان متفرقاً يكون الوقوع متفرقاً؛ لأن الوقوع
على حسب الإيقاع؛ لأنه حكمه، والحكم يثبت على وفق العلة.
والدليل عليه أنه أوقع الثلاث في زمان ما بعد الشرط؛ لأن الإيقاع هو كلامه السابق؛ إذ
لا كلام منه سواء، وكلامه متفرق، فإن قوله: طالق كلام تام، ومبتدأ وخبر، وقوله: وطالق
معطوف على الأول تابعاً، فيكون خبر الأول خبراً له؛ كأنه قال: أنت طالق، وأنت طالق،
وأنت طالق، وهذه كلمات متفرقة، فيكون الأول متفرقاً ضرورة؛ فيقتضي الوقوع متفرقاً، وهو
أن يقع الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، فإن لم تكن المرأة مدخولاً بها، فدخول الأول يمنع
وقوع الثاني، والثالث عقيبه؛ لانعدام الملك والعدة؛ ولهذا لم يقع في التنجيز إلا واحدة ليكون
الإيقاع متفرقاً، إلا أن هناك أوقع متفرقاً في الحال في زمان بعد الشرط، ولا يلزم ما إذا قال
لها: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثلاثاً، فدخلتها؛ أنه يقع الثلاث؛ لأن هناك ما أوقع
الثلاث متفرقاً، بل أوقعها جملة واحدة؛ لأن قوله: أنت طالق ثلاثاً موضوع العدد معلوم لغة.
ألا ترى أن في التنجيز كذلك، فكذا في التعليق، ولا يَلْزَمُ ما إذا أخر الشرط؛ لأنهم
وضعوا هذا الكلام عند تأخير الشرط ذكر الإيقاع الثلاث جملة، وإن كان متفرقاً من حيث
الصورة؛ لضرورة دعتهم إلى ذلك، وهي ضرورة تدارك الغلط؛ لأن الطلاق والعتاق مما يجري
على السان غلطاً من غير قصد، فوضعوا الشرط والاستثناء في الكلام؛ لتدارك الغلط، حتى إذا
لم يكن ذلك عن قصد ألحق الرجل به الاستثناء، فيقول: إن شاء الله تعالى، أو يقول: إن
دخلت الدار؛ فصار هذا الكلام عند تأخير الشرط؛ لإيقاع الثلاث جملة وضعاً.
وإن كان من حيث الصورة متفرقاً لحاجتهم إلى تدارك الغلط، وهم أهل اللسان - فلهم
ولاية الوضع، والحاجة إلى تدارك الغلط عند تأخير الشرط، لا عند تقديمه؛ فيجب العمل
بحقيقة الوضع الآخر عند التقديم، ولا يلزم ما إذا قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار فأنت
طالق، ثم قال في اليوم الثاني: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، ثم قال في اليوم الثالث: إن

٣٠٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
دخلت هذه الدار فأنت طالق، ثم دخلت الدار؛ أنه يقع الثلاث، وإن كان الإيقاع متفرقاً؛ لأن
هناك ما أوقع الثلاث متفرقاً في زمان ما بعد الشرط، لأن ذلك الكلام ثلاثة أيمان، كل واحدة
منها جعلت علماً على الانطلاق في زمان واحد بعد الشرط، فكان زمان ما بعد الشرط وهو
دخول الدار وقت الحنث في الأيمان كلها، فيقع جملة ضرورة، حتى لو قال لها: إن دخلت
هذه الدار فأنت طالق، ثم قال في اليوم الثاني: إن دخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق، ثم
قال في اليوم الثالث: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق - لا يقع بكل دخلة إلا طلاق واحد؛ لأن
الموجود ثلاثة أيمان، لكل واحد شرط على حدة، بخلاف مسألتنا؛ فإن الموجود يمين
واحدة، ولها شرط واحد.
وقد جعل الحالف جزاء هذه اليمين إيقاعات متفرقة في زمان ما بعد الشرط، فلا بد من
تفرق الإيقاعات في زمان ما بعد الشرط، فيقع كل جزاء في زمان؛ كما في قوله: إن دخلت
هذه الدار فأنت طالق واحدة بعدها أُخرى، بخلاف ما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق
ونصف؛ لأن هناك ما أوقع متفرقاً، بل مجتمعاً؛ لأن قوله: طالق ونصف اسم واحد بمسمى
واحد .
وإن كان النصف معطوفاً على الواحد؛ كقولنا: أحد وعشرون ونحو ذلك، فكان ذلك
تطليقتين على الجمع؛ ولهذا كان في التخيير كذلك، فكذلك في التعليق، وبخلاف قوله: إن
دخلت الدار فأنت طالق واحدة، لا بل ثنتين؛ لأن ذلك إيقاع الثلاث علة في زمان ما بعد
الشرط؛ لأنه أوقع الواحدة، ثم تدارك الغلط بإقامة الثنتين مقام الواحدة، والرجوع عن الأول،
والرجوع لم يصح؛ لأن تعليق الطلاق لا يحتمل الرجوع عنه، وصح إيقاع التطليقتين، فكان
إيقاع الثلاث بعد الشرط في زمان واحد؛ كأنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، وههنا
بخلافه .
وأما قوله: إنه جمع بين الإيقاعات بحرف الجمع وهو الواو - فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الواو للجمع المطلق من غير التعرض لصفة القران والترتيب، والجمع
المطلق في الوجود لا يتصور؛ لأنه لا يوجد إلا مقيداً بأحد الوصفين، فبعد ذلك حمله على
القران يكون عدولاً عن حقيقة الكلمة، وجعلها مجازاً عن كلمة (مع)، ونحن نحمله على
الترتيب، ونجعله مجازاً عن كلمة (ثم)، فوقع التعارض؛ فسقط الاحتجاج بحرف الواو، مع ما
أن الترجيح معنا من وجهین.
أحدهما: أن الحمل على الترتيب موافق للحقيقة؛ لوجود الإيقاع متفرقاً حقيقة، لا
موجب حرف الواو، والحمل على القران يخالف الحقيقة؛ فكان الحمل على الترتيب أولى.

٣٠٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
والثاني: أن الحمل على الترتيب يمنع من وقوع الثاني والثالث، والحمل على القران
يوجب الوقوع، فلا يثبت الوقوع بالشك على الأصل المعهود إن ما لم يكن ثابتاً، ووقع الشك
في ثبوته لا يثبت بالشك، بخلاف مسألة الفضولي، فإنه كما لا يجوز الجمع بين الأختين على
المقارنة - لا يجوز على الترتيب، فأمكن العمل بحرف الواو فيما يقتضه، وهو الجمع المطلق،
وفي مسألة الإقرار توقف أول الكلام على آخره؛ لضرورة تدارك الغلط والنسيان؛ إذ قد يكون
على إنسان حق لاثنين، فيقر بكل الحق لأحدهما على السهو والغفلة، ثم يتذكر فتدارك بهذه
اللفظة، فوقف أول الكلام على آخره، وصارت الجملة إقراراً واحداً لهما للضرورة؛ كما قلنا
في تأخير الشرط في الطلاق.
ومثل هذه الضرورة في مسألتنا منعدمة، فيجب العمل بالحقيقة. ولو علق بحرف الفاء؛
بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق، فجعل الكرخي والطحاوي حرف الفاء ههنا
كحرف الواو، وأثبتا الخلاف فيه، والفقيه أبو الليث جعله مثل كلمة (بعد)، وعده مجمع عليه،
فقال: إذا كانت غير مدخول بها - لا يقع إلا واحدة بالإجماع.
وهكذا ذكر الشيخ الإمام الأجل الأستاذ علاء الدين - رحمه الله تعالى: وهذا أقرب إلى
الفقه؛ لأن الفاء للترتيب مع التعقيب، ووقوع الأول يمنع من تعقب الثاني والثالث.
ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق - فالأول يتعلق بالشرط، والثاني
يقع للحال، ويلغو الثالث في قول أبي حنيفة؛ كما إذا لم يذكر الواو ولا الفاء؛ بأن قال: إن
دخلت الدار فأنت طالق طالق طالق، فإن تزوج بها ودخلت الدار، ولم تكن دخلت قبل ذلك
الدار - نزل المعلق، وإن كانت مدخولاً بها يتعلق الأول بالشرط، وتقع الثانية والثالثة في
الحال، فإن دخلت الدار وهي في العدة أو دخلتها بعد أن راجعها - نزل المعلق.
وقال أبو يوسف ومحمد: يتعلق الكل بالشرط، حتى لا يقع شيء في الحال، وإذا
دخلت الدار يقع واحدة، وإن كانت مدخولاً بها يقع الثلاث على التعاقب؛ كما إذا قال: إن
دخلت الدار فأنت طالق واحدة وبعدها واحدة وبعدها واحدة؛ وكما قال أبو حنيفة في حرف
الواو .
وجه قولهما: أن عطف البعض على البعض بحرف العطف؛ لأن ((ثم)) حرف عطف
كالواو، فيتعلق الكل بالشرط، ثم الوقوع بعد الشرط يكون على التعاقب بمقتضى حرف ((ثم))،
لأنه للترتيب مع التراخي، فيعتبر أن معنى العطف في التعليق، ومعنى الترتيب في الوقوع على
ما نذكر.
ولأبي حنيفة أن قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق - يمين تامة؛ لوجود الشرط والجزاء،

٣٠٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأنها منعقدة لحصولها في الملك، فلما قال: ثم طالق، فقد تراخى الكلام الثاني عن الأول،
فصار كأنه سكت، ثم قال لها: أنت طالت؛ فيقع في الحال، ولا يتعلق بالشرط، وأبو حنيفة
يعتبر معنى الكلمة، وهو التراخي في نفس الكلام، فكان الفصل بين الكلام الأول والثاني
بالتراخي؛ كالفصل بالسكوت، على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وإن أخر الشرط بأن قال: أنت
طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار، أو قال: أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت الدار - تعلق
الكل بالشرط، فإن وجد الشرط يقع الثلاث بالإجماع؛ لأن أهل اللغة وضعوا هذا الكلام على
تأخير الشرط؛ لإيقاع الثلاث جملة في زمان ما بعد الشرط؛ لحاجتهم إلى تدارك الغلط؛ على
ما بينا فيما تقدم.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، أنت طالق إن دخلت الدار، أنت طالق إن دخلت
الدار، أو قدم الشرط؛ بأن قال: إن دخلت فأنت طالق، قال ذلك ثلاثاً - يتعلق الكل
بالدخول، فما لم تدخل لا يقع شيء، وإذا دخلت الدار دخلة واحدة - يقع الثلاث بالإجماع؛
لما قلنا: إن هذه أيمان ثلاثة لها شرط واحد، كل يمين إيقاع الطلاق الثلاث في زمان واحد،
وهو ما بعد الشرط، فكان إيقاع الثلاث جملة في زمان ما بعد الشرط لا متفرقاً، فإذا وجد
الشرط يقع جملة .
ولو قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار - فالأول يقع للحال، ويلغو الثاني
والثالث في قول أبي حنيفة، وإن كانت مدخولاً بها يقع الأول والثاني للحال، ويتعلق الثالث
بالشرط .
وقال أبو يوسف ومحمد: يتعلق الكل بالشرط، ولا يقع إلا واحدة، وإن كانت مدخولاً
بها يقع الثلاث، سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها، وجعل (ثم) عندهما في هذه
الصورة كالواو والفاء.
وجه قولهما على ظاهر الرواية عنهما أن (ثم) حرف عطف كالواو والفاء، ولها معنى
خاص وهو التراخي، فيجب اعتبار المعنيين جميعاً، فاعتبرنا معنى العطف في تعليق الكل
بالشرط؛ كما في حرف الواو والفاء، واعتبرنا معنى التراخي في الوقوع، وهذا يمنع وقوع
الثانية والثالثة قبل الدخول بها.
وجه قول أبي حنيفة أن كلمة (ثم) موضوعة للتراخي، وقد دخلت على الإيقاع، فيقتضي
تراخي الثاني عن الأول في الإيقاع؛ كأنه قال: أنت طالق وسكت، ثم قال: فطالق وطالق إن
دخلت الدار، فيقع الأول للحال، ويلغو الثاني والثالث، لأنهما حصلا بعد ثبوت البينونة
بالأول؛ فلا يقعان في الحال، ولا يتعلقان بالشرط أيضاً؛ لانعدام الملك وقت التعليق؛ فلم
يصح التعليق، فالحاصل أنهما يعتبران معنى التراخي في الوقوع لا في الإيقاع، وأبو حنيفة
بدائع الصنائع ج٤ - م٢٠

٣٠٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
يعتبر معنى التراخي في الإيقاع؛ لأن الحكم الإيقاع، واعتبار أبي حنيفة أولى؛ لأن كلمة
التراخي دخلت على الإيقاع، والتراخي في الإيقاع يوجب التراخي في الوقوع؛ لأن الحكم
يثبت على وفق العلة، فأما القول بتراخي الوقوع من غير تراخي الإيقاع - فقول بإثبات حكم
العلة على وجه لا تقتضيه العلة؛ وهذا لا يجوز.
وروي عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته: أنت طالق أستغفر الله إن دخلت الدار
موصولاً، أو قال: سبحان الله أو الحمد لله؛ أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى، ويقع في
القضاء في الحال؛ لأن هذا كلام لا تعلق له بالطلاق، فيكون فاصلاً بين الجزاء والشرط،
فيمنع التعليق؛ كما لو سكت بينهما من غير ضرورة السُّعال، فيقع في الحال في القضاء، ولا
يصدق أن أراد به التعليق؛ لأنه خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله - عز وجل؛ لأنه نوى
ما يحتمله كلامه، وكذا إذا تنحنح من غير سعال غشيه أو تساعل؛ لأنه لما تنحنح من غير
ضرورة، أو تساعل فقد قطع كلامه؛ فصار كما لو قطعه بالسكوت.
ولو قال: أنت طالق واحدة وعشرين، أو واحدة وثلاثين، أو واحدة وأربعين، أو قال:
أحد وعشرين أو أحد وثلاثين أو أحد وأربعين - وقعت ثلاثاً في قول أصحابنا الثلاثة. وقال
زفر: لا يقع إلا واحدة.
وجه قوله أنه أوقع الثلاث متفرقاً؛ لأنه عطف عدداً على عدد، فوقوع الأول يمنع وقوع
الثاني؛ كما إذا قال لها: أنت طالق وطالق، أو فطالق.
ولنا أن قوله: أحد وعشرين في الوضع كلام واحد وضع لمسمى واحد؛ ألا ترى أنه لا
يمكن أن يتكلم به إلا على هذا الوجه، فلا يفصل البعض عن البعض؛ كقوله: أنت طالق
ثلاثاً .
وعلى هذا الخلاف إذا قال: أنت طالق اثنتين وعشرين، أو اثنتين وثلاثين، أو اثنتين
وأربعين، أو قال: اثني وعشرين، أو اثني وثلاثين، أو اثني وأربعين؛ أنه ثلاث عندنا، وعند
زفر: اثنتان لما قلنا.
ولو قال: أنت طالق إحدى عشرة يمكن أن يتكلم على غير هذا الوجه؛ بأن يأتي باللفظ
المعتاد، فيقول: إحدى عشرة، أو أحد عشر، فإذا لم يقل يعتبر عطفاً على الواحد، فكان إيقاع
العشرة بعد الواحد؛ فلا يصح؛ كما لو قال: أنت طالق وطالق، أو فطالق، أو ثم طالق، وذكر
الكرخي عن أبي يوسف في إحدى وعشرة؛ أنه ثلاث؛ لأنه يفيد ما يفيده قولنا: أحد عشر؛
فكان مثله .
ولو قال: أنت طالق واحدة ومائة، أو واحدة وألفاً - كان واحدة؛ كذا روى الحسن عن

٣٠٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أبي حنيفة؛ لأنه كان يمكنه أن يتكلم به على غير هذا الوجه، وهو أن يقول: مائة وواحدة،
وألفاً وواحدة؛ لأن هذا هو المعتاد، فإذا قدم الواحدة فقد خالف المعتاد، فلا يمكن أن يجعل
الكل عدداً واحداً، فيجعل عطفاً؛ فيمتنع وقوع ما زاد على الواحدة.
وقال أبو يوسف: إذا قال: واحدة ومائة - تقع ثلاثاً؛ لأن التقديم والتأخير في ذلك
معتاد؛ ألا ترى أنهم يقولون في العادة: مائة واحدة، وواحدة ومائة على السواء، ولو قال:
أنت طالق واحدة ونصفاً - يقع اثنتان في قولهم؛ لأن هذه جملة واحدة.
ألا ترى أنه لا يمكنه أن يتكلم بها إلا على هذا الوجه، فكان هذا اسماً لمسمى واحد،
والطلاق لا يتجزأ، فكان ذكر بعضه ذكراً للكل، فكان هذا إيقاع تطليقتين؛ كأنه قال لها: أنت
طالق ثنتين.
ولو قال: أنت طالق نصفاً وواحدة - يقع عليها ثنتان عند أبي يوسف، وعند محمد:
واحدة، له أن التكلم على هذا الوجه غير معتاد، بل العادة قولهم: واحدة ونصفاً، فإذا عدل
عن المعتاد - لم يمكن أن يجعل الكل عدداً واحداً فيجعل عطفاً، وأبو يوسف يقول:
الاستعمال على هذا الوجه معتاد؛ فإنه يقال: واحدة ونصفاً، وواحدة على السواء، ومنها
الإضافة إلى المرأة في صريح الطلاق، حتى لو أضاف الزوج صريح الطلاق إلى نفسه؛ بأن
قال: أنا منك طالق - لا يقع الطلاق، وإن نوى، وهذا عندنا.
وقال الشافعي: الإضافة إلى المرأة في صريح الطلاق، حتى لو قال: أنا منك بائن، أو
أنا عليك حرام، ونوى الطلاق - يصح.
وجه قوله: أن الزوج أضاف الطلاق إلى محله، فيصح؛ كما إذا قال لها: أنا منك بائن،
أو أنا عليك حرام؛ ودلالة الوصف أن محل الطلاق المقيد؛ لأن التطليق رفع القيد والرجل
مقيد؛ إذ المقيد هو الممنوع، والزوج ممنوع عن التزوج بأختها، وعن التزوج بأربع سواها،
فكان مقيداً؛ فان محلاً لإضافة الكناية المبينة إليه؛ لما أن الإبانة قطع الوصلة، وأنها ثابتة من
جانبه؛ كذا هذا.
ولنا: الكتاب، والسنة، والمعقول: أما الكتاب فقوله - عز وجل -: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
[الطلاق: ١]، أمر - سبحانه وتعالى - بتطليقهن، والأمر بالفعل نهى عن تركه، وتطليق نفسه ترك
لتطليق امرأته حقيقة؛ لأنه أضاف الطلاق إلى نفسه، لا إلى امرأته حقيقة؛ فيكون منهيّاً،
والمنهى غير المشروع، والتصرف الذي ليس بمشروع لا يعتبر شرعاً، وهو تفسير عدم الصحة.
وأما السنة: فما روى أبو داود في ((سننه))، بإسناده عن رسول الله وَّل أنه قال: ((تَزَوَّجُوا

٣٠٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وَلاَ تُطَلِّقُوا، فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَهْتَزُّ لَهُ عَزْشُ الرَّحْمَن))(١) نهى عن التطليق مطلقاً، سواء كان مضافاً
إلى الزوج أو إلى الزوجة، وأكد النهي بقوله: فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن، فظاهر
الحديث يقتضي أن يكون التطليق منهياً، سواء أضيف إلى الزوج أو إليها، ثم جاءت الرخصة
في التطليق المضاف إلى الزوجة في نصوص الكتاب من قوله تعالى: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
[الطلاق - ١-] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُم
النِّسَاءَ﴾ [البقرة ٢٣٦] ونحو ذلك، فبقي التطليق المضاف إلى الزوج على أصل النهي، والمنهى
غير مشروع، والتصرف الشرعي إذا خرج من أن يكون مشروعاً - لا وجود له شرعاً؛ فلا يصح
ضرورة .
وأما المعقول: فهو أن قوله: أنا منك طالق، إما أن يعتبر إخباراً عن كونه طالقاً؛ كما
يقتضيه ظاهر الصيغة، وإما أن يعتبر إنشاء، وهو إثبات الانطلاق، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه
متطلق، وليس عليه قيد النكاح، وإثبات الثابت محال، فتعين الأول وهو أن يكون إخباراً عن
كونه طالقاً، وهو صادق في هذه الأخبار، والدليل على أنه ليس عليه قيد النكاح وجهان.
أحدهما: أن قيد النكاح في جانب المرأة؛ إنما ثبت لضرورة تحقيق ما هو من مقاصد
النكاح، وهو السكن والنسب؛ لأن الخروج والبروز يريب، فلا يطمئن قلبه إليها، وإذا جاءت
بولد لا يثق بكونه منه، وهذه الضرورة منعدمة في جانب الزوج، فلا يثبت عليه قيد النكاح.
والثاني: أن قيد النكاح هو ملك النكاح، وهو الاختصاص الحاجز والزوج مالك؛ لأن
المرأة مملوكة ملك النكاح، والمملوك لا بد له من مالك، ولا ملك لغير الزوج فيها، فعلم أن
الزوج مالكها، فاستحال أن يكون مملوكاً، بخلاف ما إذا أضاف الطلاق إليها .
فإن قال لها: أنت طالق؛ أنه لا يمكن حمل هذه الصيغة على الإخبار؛ لأنه يكون كذباً؛
لكونها غير منطلقة لثبوت قيد النكاح، فيحمل على الإنشاء؛ أنه ممكن؛ لعدم الانطلاق قبله،
بخلاف الكناية المبينة؛ لأن الإبانة قطع الوصلة، وأنها ثابتة في الطرفين، فإذا زالت من أحد
الطرفين تزول من الطرف الآخر ضرورة؛ لاستحالة اتصال شيء بما هو منفصل عنه، والتحريم
إثبات الحرمة، وأنها لا تثبت من أحد الجانبين؛ لاستحالة أن يكون الشخص حلالاً لمن هو
حرام، بخلاف الطلاق؛ لأنه إثبات الانطلاق ورفع القيد، والقيد لم يتبعه إلا من جانب واحد
وأنه قائم.
وأما قوله: الزوج ممنوع عن التزوج بأختها، وأربع سواها - فنعم، لكن ذلك لم يثبت
(١) تقدم تخريجه.

٣٠٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
إلا من جانب واحد وأنه قائم؛ لأن المنع من ذلك؛ لكونه جمعا بين الأختين في النكاح، وهذا
کان ثابتاً قبل النكاح.
ألا ترى لو تزوجهما جميعاً - لم يجز، وسواء كانت الإضافة إلى امرأة معينة، أو مبهمة
عند عامة العلماء، حتى لو قال لامرأتيه: إحداكما طالق، أو قال لأربع نسوة له: إحداكن
طالق، ولم ينو واحد بعينها - صحت الإضافة؛ وقال نفاة القياس: لا تصح إضافة الطلاق إلى
المعينة .
وجه قولهم: لم يصلح محلاً للنكاح، فلا يصلح محلا للطلاق؛ إذ الطلاق يرفع ما ثبت
بالنكاح، وكذا لم يصلح محلاً للبيع والهبة والإجارة وسائر التصرفات؛ فكذا الطلاق.
وأما عمومات الطلاق من الكتاب والسنة؛ من نحو قوله عز وجل: ﴿فَطلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقوله: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُ لَهُ مِنْ
بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقوله: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ
تَمسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وقول النبي ◌َّ: (كُلُّ طَلاَقٍ جَائِزٌ إِلَّ طَلاَقَ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوه))(١) من غير فصل بين طلاق
وطلاق، وبين الطلاق المضاف إلى المعين والمجهول؛ ولأن هذا ليس بتنجيز الطلاق في
الحقيقة، بل هو تعليق من حيث المعنى بشرط البيان لما نذكر، والطلاق مما يحتمل التعليق
بالشرط .
ألا ترى أنه يصح تعليقه بسائر الشروط، فكذا بهذا الشرط، بخلاف النكاح؛ فإنه لا
يحتمل التعليق بالشرط، فلا تكون المجهولة محلاً للنكاح، وكذا الإجارة والبيع، وسائر
التصرفات .
وعلى هذا الوجه لا يكون هذا إيقاع الطلاق في المجهولة؛ لأنه تعليق بشرط البيان، فيقع
الطلاق في المبينة لا في المجهولة، على أنا إن قلنا بالوقوع؛ كما قال بعضهم - فهذه جهالة
يمكن رفعها بالبيان، فالطلاق يحتمل خطر الجهالة.
ألا ترى أنه يحتمل خطر التعليق والإضافة بحقيقة أن البيع يحتمل جريان الجهالة فإنه إذا
باع قفيزاً من صبرة - جاز، وكذا إذا باع أحد شيئين على أن المشتري بالخيار يأخذ أيهما شاء
ويرد الآخر - جاز، فالطلاق أولى؛ لأنه في احتمال الخطر فوق البيع.
(١) تقدم تخريجه.

٣١٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ألا ترى أنه يحتمل خطر التعليق والإضافة، والبيع لا يحتمل ذلك، فلما جاز بيع المجهول
فالطلاق أولى، وسواء كانت الجهالة مقارنة أو طارئة؛ بأن طلق واحدة من نسائه عيناً، ثم نسي
المطلقة حتى لا يحل له وطء واحدة منهن؛ لأن المقارن لما لم يمنع صحة الإضافة، فالطارئ
لئلا يرفع الإضافة الصحيحة أولى؛ لأن المنع أسهل من الرفع، والله عز وجل أعلم.
ومنها الإضافة إلى جميع أجزائها، أو إلى جزء جامع منها أو شائع، وجملة الكلام؛ أنه
لا خلاف أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء جامع منها؛ كالرأس والوجه، والرقبة والفرج؛ أنه يقع
الطلاق؛ لأن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن، يقال: فلان يملك كذا وكذا رأساً من
الرقيق، وكذا وكذا رقبة، وقال الله تعالى: ﴿أَوْ تَخْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] والمراد بها الجملة،
وفي الخبر: ((لَعَنَ الله الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوج))(١) والوجه يذكر ويراد به الذات، قال الله تعالى:
﴿كُلُّ شيءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي: إلا هو، ومن كفل بوجه؛ فلأن يصير كَفِيلاً
بنفسه، فيثبت أن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن، فكان ذكرها ذكراً للبدن؛ كأنه قال:
أنت طالق، وكذا إذا أضاف إلى وجهها؛ لأن قوام النفس بها، ولأن الروح تسمى نفساً،
قال الله تعالى: ﴿اللهَ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ولو
أضاف الطلاق إلى دبرها لا يقع؛ لأن الدبر لا يعبر به عن جميع البدن بخلاف الفرج، ولا
خلاف أيضاً في أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء شائع منها؛ بأن قال: نصفك طالق، أو ثلثك
طالق، أو ربعك طالق، أو جزء منك، أنه يقع الطلاق؛ لأن الجزء الشائع محل النكاح حتى
تصبح إضافة النكاح إليه، فيكون محلاً للطلاق؛ ولأن الإضافة إلى الجزء الشائع يقتضي ثبوت
حكم الطلاق فيه، وأنه شائع في جملة الأجزاء بعذر الاستمتاع بجميع البدن؛ لما في الاستمتاع
به استمتاع بالجزء الحرام، فلم يكن في إبقاء النكاح فائدة فيزول ضرورة.
واختلف فيما إذا أضاف الطلاق إلى الجزء المعين الذي لا يعبر به عن جميع البدن؛ کالید
والرجل والأصبع ونحوها؛ قال أصحابنا: لا يقع الطلاق، وقال زفر: يقع؛ وبه أخذ الشافعي.
وجه قولهما: أن اليد جزء من البدن، فيصح إضافة الطلاق إليها؛ كما لو أضاف إلى
الجزء الشائع منها .
والدليل على أن اليد جزء من البدن: أن البدني عبارة عن جملة أجزاء مركبة منها اليد،
فكانت اليد بعض الجملة المركبة، والإضافة إلى بعض البدن إضافة إلى الكل؛ كما في الجزء
الشائع .
(١) قال القارئ في ((الأسرار المرفوعة)) صـ ١٨٥: لا أصل له.

٣١١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولنا قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أمر الله تعالى بتطليق النساء، والنساء جمع
المرأة، والمرأة اسم لجميع أجزائها، والأمر بتطليق الجملة يكون نهياً عن تطليق جزء منها لا
يعبر به عن جميع البدن؛ لأنه ترك لتطليق جملة البدن، والأمر بالفعل نهى عن تركه، والمنهي
لا يكون مشروعاً، فلا يصح شرعاً؛ ولأن قوله: يدك طالق إضافة الطلاق إلى ما ليس محل
الطلاق، فلا يصح؛ كما لو أضاف الطلاق إلى خمارها، ودلالة الوصف أنه أضاف الطلاق إلى
يدها، ويدها ليست بمحل للطلاق لوجهين.
(أحدهما): أنها ليست بمحل للنكاح، حتى لا تصح إضافة النكاح إليها، فلا تكون محلاً
للطلاق؛ لأن الطلاق رفع ما يثبت بالنكاح؛ ألا ترى أنها لما لم تكن محلاً للإقالة؛ لأنها فسخ
ما ثبت بالبيع؛ كذا هذا.
(والثاني): أن محل الطلاق محل حكم في عرف الفقهاء، وحكم الطلاق زوال قيد
النكاح، وقيد النكاح ثبت في جملة البدن لا في اليد وحدها؛ لأن النكاح أضيف إلى جملة
البدن، ولا يتصور القيد الثابت في جملة البدن في اليد وحدها، فكانت الإضافة إلى اليد
وحدها إضافة إلى ما ليس محل الطلاق؛ فلا يصح، وكذا يقال في الجزء الشائع؛ لأنه لا يثبت
الحكم في البدن بالإضافة إلى الجزء الشائع، بل لمعنى آخر، وهو عدم الفائدة في بقاء النكاح،
على ما مر بيانه، أو يضاف إليه؛ لأنه من ضرورات الإضافة إلى الجزء الشائع؛ كمن قطع حبلاً
مملوكاً له تعلق به قنديل غيره؛ وهاهنا لا ضرورة لو تثبت الحرمة في الجزء المعين مقصوراً
عليه؛ لإمكان الانتفاع بباقي البدن، فكان بقاء النكاح مفيداً، لكن لا قائل به على ما عرف في
الخلافيات .
وأما قوله اليد جزء من البدن: فنقول: إن سلم ذلك، لكنه جزء معين، فلم يكن محلاً
للطلاق، بخلاف الجزء الشائع، فإنه غير معين، وهذا لأن الجزء إذا كان شائعاً فما من جزء
يشار إليه إلا ويحتمل أن يكون هو المضاف إليه الطلاق، فتعذر الاستمتاع بالبدن، فلم يكن في
بقاء النكاح فائدة، بخلاف المعين على ما مر.
ومنها قبول العوض من المرأة في أحد نوعي الخلع، وفي الطلاق على مال إذا لم يكن
هناك قائل آخر سواها، أما الخلع: فجملة الكلام فيه أن الخلع نوعان: خلع بعوض، وخلع
بغير عوض. أما الذي هو بغير عوض؛ فنحو أن قال لامرأته: خالعتك، ولم يذكر العوض،
فإن نوى به الطلاق كان طلاقاً وإلا فلا؛ لأنه من کنايات الطلاق عندنا، ولو نوى ثلاثاً كان
ثلاثاً، وإن نوى اثنتين فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة خلافاً لزفر بمنزلة قوله: أنت بائن،
ونحو ذلك على ما مر.
وأما الثاني: وهو أن يكون مقروناً بالعوض لما ذكرنا؛ بأن قال: خالعتك على كذا،

٣١٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وذكر عوضاً واسم الخلع يقع عليهما، إلا أنه عند الإطلاق ينصرف إلى النوع الثاني في عرف
اللغة والشرع، فيكون حقيقة عرفية وشرعية، حتى لو قال لأجنبي: اخلع امرأتي، خالعها بغير
عوض - لم يصلح، وكذا لو خالعها على ألف درهم فقبلت، ثم قال الزوج: لم أنو به
الطلاق - لا يصدق في القضاء؛ لأن ذكر العوض دليل(١) إرادة الطلاق ظاهر، فلا يصدق في
العدول عن الظاهر، بخلاف ما إذا قال لها خالعتك ولم يذكر العوض ثم قال: ما أردت به
الطلاق؛ أنه يصدق إذا لم يكن هناك دلالة حال تدل على إرادة الطلاق؛ من غضب، أو ذكر
طلاق، على ما ذكرنا في الكنايات؛ لأن هذا اللفظ عند عدم ذكر التعويض يستعمل في الطلاق
وفي غيره، فلا بد من النية لينصرف إلى الطلاق. بخلاف ما إذا ذكر العوض؛ لأنه مع ذكر
العوض لا يستعمل في العرف والشرع إلا للطلاق.
ثم الكلام في هذا النوع يقع في مواضع: في بيان ماهيته، وفي بيان كيفيته، وفي بيان
شرط صحته، وفي بيان شرط وجوب العوض، وفي بيان قدر ما يحل للزوج أخذه منها من
العوض وما لا يحل، وفي بیان حکمه.
أما الأول: فقد اختلف في ماهية الخلع، قال أصحابنا: هو طلاق وهو مروي عن عمر
وعثمان - رضي الله تعالى عنهما - وللشافعي قولان: في قول مثل قولنا وفي قول: ليس
بطلاق، بل هو فسخ، وهو مروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، وفائدة الاختلاف
أنه إذا خالع امرأته، ثم تزوجها تعود إليه بطلاقين عندنا، وعنده بثلاث تطليقات حتى لو طلقها
بعد ذلك تطليقتين - حرمت عليه حرمة غليظة عندنا، وعنده لا تحرم إلا بثلاث.
احتج الشافعي بظاهر قوله عز وجل -: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَان ... ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾
[البقرة: ٢٢٩] ذكر سبحانه الطلاق مرتين، ثم ذكر الخلع بقوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ
بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم ذكر الطلاق أيضاً بقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فلو جعل الخلع طلاقاً .
لازداد عدد الطلاق على الثلاث، وهذا لا يجوز؛ لأن الفرقة في النكاح قد تكون بالطلاق،
وقد تكون بالفسخ؛ كالفرقة بعدم الكفاءة، وخيار العتاقة والردة، وإباء الإسلام، ولفظ الخلع
دليل الفسخ، وفسخ العقد رفعه من الأصل، فلا يكون طلاقاً؛ كما لو قال: طلقتك على ألف
درهم فقبلت.
ولنا أن هذه فرقة بعوض حصلت من جهة الزوج، فيكون طلاقاً، وقوله: الفرقة في
النكاح قد تكون من طريق الفسخ - مسلم، لكن ضرورة لا مقصوداً؛ إذ النكاح لا يحتمل
الفسخ مقصوداً عندنا؛ لأن جوازه(٢) ثبت مع قيام المنافي للجواز، وهو الحرية في الحرة،
وقيام ملك اليمين في الأمة على ما عرف، إلا أن الشرع أسقط اعتبار المنافي، وألحقه بالعدم
(١) في أ: دلالة.
(٢) في أ: وجوده.

٣١٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
لحاجة الناس إليه(١)، وحاجتهم تندفع بالطلاق بعوض وغير عوض، وانفساخه ضرورة، فلا
حاجة إلى الفسخ مقصوداً، فلا يسقط اعتبار المنافي في حق الفسخ مقصوداً.
والانفساخ فيما ذكرنا من المواضع ما ثبت مقصوداً، بل ضرورة (٢)، ولا كلام فيه؛ ولأن
لفظ الخلع / يدل على الطلاق لا على الفسخ؛ لأنه مأخوذ من الخلع وهو النزع، والنزع إخراج ١٨٠
الشيء من الشيء في اللغة، قال الله - عز وجلّ -: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلُ﴾ [الحجر:
٤٧] أي أخرجنا، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ [الشعراء: ٣٣]، أي: أخرجها من جيبه،
فكان معنى قوله: خلعها، أي: أخرجها عن ملك النكاح، وهذا معنى الطلاق البائن، وفسخ
النكاح رفعه من الأصل، وجعله كأن لم يكن رأساً، فلا يتحقق فيه معنى الإخراج، وإثبات
حكم اللفظ (٣) على وجه يدل عليه اللفظ لغة - أولى؛ ولأن فسخ العقد لا يكون إلا بالعوض
الذي وقع عليه العقد؛ كالإقالة في باب المبيع.
والخلع على ما وقع عليه النكاح وعلى غيره - جائز، فلم يكن فسخاً.
وأما الآية: فلا حجة له فيها؛ لأن ذكر الخلع يرجع إلى الطلاقين المذكورين، إلا أنه
ذكرهما بغير عوض، ثم ذكر بعوض، ثم ذكر سبحانه وتعالى الثالثة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ
طَلَّقَهَا﴾، فلم تلزم الزيادة على الثلاثة، بل يجب حمله على هذا؛ لئلا يلزمنا القول بتغيير
المشروع، مع ما أنه قد قيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي: ثلاثاً، وبين حكم
الطلقات(٤) الثلاث بقوله سبحانه: ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]
فلا يلزم من جعل الخلع طلاقاً شرع الطلقة الرابعة، والله - عز وجلّ - أعلم.
وأما بيان كيفية هذا النوع: فنقول: له كيفيتان إحداهما؛ أنه طلاق بائن؛ لأنه من كنايات
الطلاق، وأنها بوائن عندنا؛ ولأنه طلاق بعوض، وقد ملك الزوج العوض بقبولها، فلا بد وأن
تملك هي نفسها تحقيقاً للمعاوضة، ولا تملك نفسها إلا بالبائن، فيكون طلاقاً بائناً، ولأنها
إنما بذلت العوض؛ لتخليص نفسها عن حبالة الزوج، ولا تتخلص(٥) إلا بالبائن؛ لأن الزوج
يراجعها في الطلاق الرجعي، فلا تتخلص ويذهب مالها بغير شيء، وهذا لا يجوز؛ فكان
الواقع بائناً، والثانية أنه من جانب الزوج يمين، وتعليق الطلاق بشرط، وهو قبولها العوض
ومن جانبها معاوضة المال، وهو تمليك المال بعوض، حتى لو ابتدأ الزوج الخلع، فقال:
خالعتك على ألف درهم - لا يملك الزوج الرجوع عنه ولا فسخة، ولا نهى المرأة عن القبول،
(١)= سقط من ط .
(٣) في أ: الشيء.
(٥) في أ: تخلص.
(٢) في أ: ضروري.
(٤) في أ: التطليقات.

٣١٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولا ببطل بقيامه عن المجلس قبل قبولها، ولا يشترط(١) حضور المرأة، بل يتوقف على ما
وراء المجلس، حتى لو كانت غائبة فبلغها - فلها القبول لكن في مجلسها؛ لأنه في جانبها
معاوضة المال(٢) لما نذكر.
وله أن يعلقه بشرط، ويضيفه إلى وقت، نحو أن يقول: إذا قدم زيد فقد خالعتك على
ألف درهم، أو يقول: خالعتك على ألف درهم غداً، أو رأس شهر كذا، والقبول إليها بعد
قدوم زيد، وبعد مجيء الوقت، حتى لو قبلت قبل ذلك - لا يصح؛ لأن التعليق بالشرط
والإضافة إلى الوقت تطليق عند وجود الشرط ذلك - لا يصح؛ لأن التعليق بالشرط والإضافة
إلى الوقت تطليق عند وجود الشرط والوقت، فكان قبولها قبل ذلك هدراً، ولو شرط الخيار
لنفسه؛ بأن قال: خالعتك على ألف درهم، على أني بالخيار ثلاثة أيام - لم يصح الشرط،
ويصح الخلع إذا قبلت.
وإن كان الابتداء من المرأة، بأن قالت: اختلعت نفسي منك بألف درهم - فلها أن ترجع
عنه قبل قبول الزوج، ويبطل بقيامها عن المجلس وبقيامه أيضاً، ولا يقف على ما رواء
المجلس؛ بأن كان الزوج غائباً حتى لو بلغه، وقيل: لم يصح، ولا يتعلق بشرط ولا ينضاف
إلى وقت.
ولو شرط الخيار لها؛ بأن قال: خالعتك على ألف درهم، على أنك بالخيار ثلاثة أيام،
فقبلت - جاز الشرط عند أبي حنيفة، وثبت لها الخيار حتى أنها إذا اختارت في المدة وقع
الطلاق ووجب المال؛ وإن ردت لا يقع الطلاق، ولا يلزمها المال وعند أبي يوسف ومحمد
شرط الخيار باطل، والطلاق واقع والمال لازم، وإنما اختلف الجانبان في كيفية هذا النوع؛
لأنه طلاق عندنا .
ومعلوم أن المرأة لا تملك الطلاق، بل هو ملك الزوج لا ملك المرأة، فإنما يقع بقول
الزوج وهو قوله: خالعتك، فكان ذلك منه تطليقاً، إلا أنه علقه بالشرط، والطلاق يحتمل
التعليق بالشرط، والإضافة إلى الوقت لا تحتمل الرجوع والفسخ، ولا يتقيد بالمجلس، ويقف
على(٣) الغائب عن المجلس، ولا يحتمل شرط الخيار، بل يبطل الشرط ويصح الطلاق.
وأما في جانبها؛ فإنه معاوضة المال؛ لأنه تمليك المال بعوض، وهذا معنى معاوضة
المال، فتراعي فيه أحكام ومعاوضة المال كالبيع ونحوه، وما ذكرنا من أحكامها، إلا أن أبا
يوسف ومحمداً يقولان في مسألة الخيار أن الخيار إنما شرع للفسخ، والخلع لا يحتمل
(١) في ط: بشرط.
(٣) سقط من ط .
(٢) سقط من ط.

٣١٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الفسخ؛ لأن طلاق عندنا، وجواب أبي حنيفة عن هذا أن يحمل(١) الخيار في منع انعقاد العقد
في حق الحكم على أصل أصحابنا، فلم يكن العقد منعقداً في حق الحكم للحال، بل/ هو ٨٠ب
موقوف في علمنا إلى وقت سقوط الخيار؛ فحينئذ يعلم على ما عرف في مسائل البيوع، والله
الموفق.
وأما ركنه فهو الإيجاب والقبول، لأنه عقد على الطلاق بعوض، فلا تقع الفرقة، ولا
يستحق العوض بدون القبول، بخلاف النوع الأول؛ فإنه إذا قال: خالعتك، ولم يذكر العوض
ونوى الطلاق؛ فإنه يقع الطلاق عليها، سواء قبلت أو لم تقبل؛ لأن ذلك طلاق بغیر عوض،
فلا يفتقر إلى القبول، وحضرة السلطان ليست بشرط لجواز الخلع عند عامة العلماء، فيجوز
عند غير السلطان.
وروي عن الحسن البصري وابن سيرين؛ أنه لا يجوز إلا عند السلطان، والصحيح قول
العامة؛ لما روي أن عمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهم - جوزوا الخلع
بدون السلطان، ولأن النكاح جائز عند غير السلطان، فكذا الخلع، ثم الخلع ينعقد بلفظين
يعبر بهما عن الماضي في اللغة، وهل ينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل، وهو الأمر
والاستفهام، فجملة الكلام فيه أن العقد لا يخلو؛ إما أن يكون بلفظة الخلع، وإما أن يكون
بلفظة البيع والشراء، وكل ذلك لا يخلو؛ إما أن يكون بصيغة الأمر، أو بصيغة الاستفهام، فإن
كان بلفظة الخلع على صيغة الأمر يتم، إذا كان البدل معلوماً مذكوراً بلا خلاف، بأن قال لها:
اخلعي نفسك مني بألف درهم، فتقول: خلعت، وإن لم يكن البدل مذكوراً من جهة الزوج؛
بأن قال لها: اخلعي نفسك مني، فقالت: خلعت بألف درهم - لا يتم الخلع حتى يقول
الزوج: خلعت.
والفرق أن الأمر بالخلع ببدل متقوم(٢) توكيل لها، والواحد يتولى الخلع من الجانبين،
وإن كان هذا النوع معاوضة، والواحد لا يتولى عقد المعاوضة من الجانبين كالبيع؛ لأن
الامتناع للتنافي في الحقوق المتعلقة، ولا تنافي هاهنا؛ لأن الحقوق في باب الخلع ترجع إلى
الوكيل؛ ولهذا جاز أن يكون الواحد وكيلاً من الجانبين في باب النكاح.
وفي المسألة الأولى لا يمكن جعل الأمر بالخلع توكيلاً لجهالة البدل، فلم يصح
التوكيل، فلو تم العقد بالواحد لصار الواحد مستزيداً ومستنقصاً؛ وهذا لا يجوز، وإن كان
بصيغة الاستفهام، بأن قال الزوج لها: أخلعت نفسك مني بألف درهم، فقالت: خلعت .
اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: يتم العقد، وقال بعضهم: لا يتم ما لم يقبل الزوج،
(١) في أ: يعمل.
(٢) في أ: معلوم.

٣١٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وبعضهم فصل فقال: إن نوى به التحقيق يتم، وإن نوى به السوم - لا يتم؛ لأن قوله: أخلعت
نفسك مني يحتمل السوم، بل ظاهره السوم؛ لأن معناه: أطلب منك أن تخلعي نفسك مني،
فلا يصرف إلى التحقيق إلا بالنية، فإذا نوى يصير بمعنى التوكيل والأمر، وإن كان بلفظ البيع
والشراء؛ بأن قال الزوج لها: اشتري نفسك مني، فإن ذكر بدلاً معلوماً؛ بأن قال: بألف
درهم، ونحو ذلك فقالت : اشتريت .
اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: يتم العقد، وقال بعضهم: لا يتم، ولا يقع الطلاق
ما لم يقل الزوج: بعت. والأول أصح؛ لأنه إذا ذكر بدلاً معلوماً صح الأمر والتوكيل،
والواحد يصلح وكيلاً من الجانبين في الخلع لما بينا، وكذا إذا قال لها بالفارسية: خويشتن
أزمن نجر بهزاردرم يا بكابين وهرنيه وعدت له واجب شودا أزبس طلاق فقالت: خريدم فهو
على هذا، وإن لم يذكر البدل؛ بأن قال لها: اشتري نفسك مني، فقالت: اشتريت - لا يتم
الخلع ولا يقع الطلاق ما لم يقل الزوج بعت.
وكذلك إذا قال بالفارسية: خويشتن أزمن نجر، فقالت: خريدم، ولم يقل الزوج:
فروختم - لا يتم الخلع ولا تطلق حتى يقول الزوج: فروختم، فرق بين هذا وبين ما إذا قال لها
بلفظة الخلع: اخلعي نفسك مني، ونوى الطلاق، فقالت: خلعت؛ أنها لا تطلق؛ لأن قوله
لها: اخلعي مع نية الطلاق أمر لها بالطلاق بلفظة الخلع، وأنها تملك الطلاق بأمر الزوج،
وتوكيله، فيصح التوكيل والأمر، فيتولى الخلع من الجانبين.
وقوله لها: اشتري نفسك: خويشتن أزمن نجر أمر بالخلع بعوض، والعوض غير مقدر،
فلم يصح الأمر وإن كان بلفظ الاستفهام، بأن قال لها: ابتعت نفسك مني؟ فإن ذكر بدلاً
معلوماً؛ بأن قال: بألف درهم، أو قال: بمهرك ونفقة عدتك، فقالت: ابتعت.
اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: [يتم العقد، وقال بعضهم(١)]: لا يتم ولا يقع
الطلاق ما لم يقل الزوج: بعت، وبه أخذ الفقيه أبو الليث.
وقال أبو بكر الإسكاف: يتم ويقع الطلاق، وقال بعضهم: لا يتم إلا إذا أراد به التحقيق
دون المساومة على ما ذكرنا في لفظ العربية، والفرق بين الاستفهام والأمر على نحو ما بينا أنها
٨١أ بالأمر صارت وكيلة؛ إذ الأمر بالخلع توكيل به إذا كان البدل مقدراً، والواحد/ يصلح وكيلاً
من الجانبين في الخلع، ولم يوجد الأمر ههنا، فلم يوجد التوكيل، فيبقى الشخص الواحد في
عقد المعاوضة مستزيداً ومستنقصاً، وهذا لا يجوز.
(١) سقط من أ.

٣١٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وإن لم يذكر البدل؛ بأن قال لها: ابتعت نفسك مني، فقالت: ابتعت - لا يتم ما لم يقل
الزوج: بعت؛ لأنه لا يتم في الأمر، فلأن لا يتم في الاستفهام أولى، وسواء كان القبول منها،
أو من أجنبي بعد أن كان من أهل القبول؛ لأنها لو قبلت بنفسها يلزمها البدل، من غير أن
تملك بمقابلته شيئاً، بخلاف ما إذا اشترى لإنسان شيئاً على أن البدل عليه؛ أن ذلك لا يجوز؛
لأن هناك الأجنبي ليس في معنى المشتري؛ لأن المشتري يملك بمقابلة البدل شيئاً، والأجنبي
لا؛ فلا يجوز إيجابه على من لا يملك بمقابلته شيئاً، والحاصل أن الأجنبي إذا قال للزوج:
اخلع امرأتك على أني ضامن لك ألفاً، أو قال: على ألف هو علي، أو قال: على ألفي هذه،
أو عبدي هذا، أو على هذه الألف أو على هذا العبد، ففعل - صح الخلع؛ واستحق المال.
ولو قال: على ألف درهم، ولم يزد عليه وقف على قبول المرأة، ولو خلع ابنته وهي
صغيرة على مالها ذكر في الجامع الصغير؛ أنه لا يجوز ولم يبين أنه لا يجوز الخلع رأساً، أو
لا يجب البدل على الصغيرة.
واختلف مشايخنا منهم من قال: معناه أنه لا يجب عليها البدل، فأما الطلاق فواقع،
ومنهم من قال: معناه أنه لا يقع الطلاق، ولا يجب المال عليها.
وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء؛ أنه غير واقع في الخلاف ابتداء؛ أنه لا يقع الطلاق
عند أصحابنا.
وقيل: في المسألة روايتان: والحاصل أنه لا خلاف في أنه لا يجب المال عليها؛ لأن
الخلع في جانبها معاوضة المال بما ليس بمال، والصغيرة تتضرر بها، وتصرف الإضرار لا
يدخل تحت ولاية الولي؛ كالهبة، والصدقة، ونحو ذلك. وإنما الاختلاف في وقوع الطلاق.
وجه القول الأول أن صحة الخلع لا تقف على وجوب العوض، فإن الخلع يصح على
ما لا يصح عوضاً؛ كالميتة، والدم، والخنزير، والخمر، ونحو ذلك؛ فلم يكن من ضرورة
عدم وجوب المال عدم وقوع الطلاق.
وجه القول(١) الثاني: أن الخلع متى وقع على بدل هو مال يتعلق وقوع الطلاق بقبول
يجب به المال، وقبول الأب لا يجب به المال؛ لأنه ليس له ولاية للقبول على الصغيرة لكونه
ضرراً بها، فإن خلعها الأب على ألف على أنه ضامن - فالخلع واقع، والألف عليه؛ لما ذكرنا
أن من شرط صحة الخلع في حق وقوع الطلاق، ووجوب البدل قبول ما يصلح بدلاً ممن هو
أهل القبول، والمرأة والأب والأجنبي في هذا سواء لما بيننا.
(١) سقط من ط .

٣١٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما شرط وجوب العوض، وهو المسمى في عقد الخلع - فله شرطان:
أحدهما: قبول العوض؛ لأن قبول العوض كما هو شرط وقوع الفرقة من جانبه فهو
شرط لزوم العوض من جانبها لما ذكرنا، سواء كان العوض المذكور في الخلع من مهرها الذي
استحقته بعقد النكاح من المسمى ومهر المثل، أو مالاً آخر، وهو المسمى بالجعل، فهذا
الشرط يعم العوضين جمعياً .
والثاني: يخص الجعل؛ لأن ما يصلح عوضاً في النكاح يصلح عوضاً في الخلع من
طريق الأولى، وليس كل ما يصلح عوضاً في الخلع يصلح عوضاً في النكاح؛ لأن باب الخلع
أوسع؛ إذ هو يتحمل جهالة لا يتحملها النكاح على ما نذكر؛ لذلك اختص وجوب المسمى
فيه بشرط لم يشترط في النكاح لوجوب المسمى، وهو تسمية مال متقوم موجود وقت الخلع،
معلوم أو مجهول جهالة قليلة أو كثيرة، وإذا لم تكن متفاحشة، فإن وجد هذا الشرط وجب
الجعل، وإلا فلا یجب.
وهل يجب عليها رد ما استحقته من المسمى، أو مهر المثل بعقد النكاح - ينظر إن كان
المسمى مالاً متقوماً - يجب، وإن كان معدوماً وقت الخلع، أو مجهولاً جهالة متفاحشة؛
كجهالة الجنس، وما يجري مجراها، وإن لم يكن المسمى مالاً متقوماً - فلا شيء عليها أصلاً
وتقع الفرقة، ثم الجعل في الخلع إن كان مما يصح تسميته مهراً في النكاح - فحكمه حكم
المهر، أعني: أن المسمى في النكاح إن كان مما يجبر الزوج على تسليم عينه إلى المرأة ففي
الخلع تجبر المرأة على تسليم عينه إلى الزوج؛ وإن كان مما يتخير الزوج بين تسليم الوسط
منه، وبين تسليم قيمته - ففي الخلع تتخير المرأة كالعبد، والفرس، ونحو ذلك، لأن المسمى
في العقدين جميعاً عوض عن مالك النكاح، إلا أنه في أحدهما عوض عنه ثبوتاً، وفي الآخر
٨١ب سقوطاً فيعتبر أحد العقدين بالآخر في هذا/ الحكم والقيمة فيما يوجب الوسط منه أصل؛ لأن
كونه وسطاً يعرف بها على ما مر في كتاب النكاح.
وبيان هذه الشرائط في مسائل: إذا خلع امرأته على ميتة أو دم أو خمر أو خنزير - وقعت
الفرقة، ولا شيء له على المرأة من الجعل، ولا يرد من مهرها شيئاً، أما وقوع الفرقة؛ فلأن
الخلع بعوض معلق بقبول المرأة ما جعل عوضاً ذكراً وتسمية، سواء كان المسمى مما يصلح
عوضاً أو لا؛ لأنه من جانب الزوج تعليق الطلاق بشرط القبول وقد قبلت، فصار كأنه صرح
بتعليق الطلاق بقبولها العوض المذكور فقبلت، ولو كان كذلك لوقع الطلاق إذا قبلت؛ كذا هذا.
وأما عدم وجوب شيء له على المرأة؛ فلأن الخلع طلاق، والطلاق قد يكون بعوض،
وقد يكون بغير عوض، والميتة والدم ليست بمال في حق أحد فلا تصلح عوضاً، والخمر
والخنزير لا قيمة لهما في حق المسلمين، فلم يصلحا عوضاً في حقهم؛ فلم تصح تسمية شيء

٣١٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
من ذلك، فإذا خلعها عليه فقد رضي بالفرقة بغير عوض [فلا يلزمها شيء؛ ولأن الخلع من
جانب الزوج إسقاط الملك، وإسقاط الملك قد يكون بعوض] (١) وقد يكون بغير عوض
كالإعتاق؛ فإذا ذكر ما لا يصلح عوضاً أصلاً، أو ما لا يصلح عوضاً في حق المسلمين - فقد
رضي بالإسقاط بغير عوض؛ فلا يستحق عليها شيئاً؛ ولأن منافع البضع عند الخروج عن ملك
الزوج غير متقومة؛ لأن المدافع في الأصل ليست بأموال متقومة، إلا أنها جعلت متقومة عند
المقابلة بالمال المتقوم، فعند المقابلة بما ليس بمال متقوم يبقى على الأصل؛ ولأنها إنما
أخذت حكم التقوم في باب النكاح عند الدخول في ملك الزوج احتراماً لها تعظيماً للآدمي؛
لكونها سبباً لحصوله، فجعلت متقومة شرعاً صيانة لها عن الابتذال.
والحاجة إلى الصيانة عند الدخول في الملك، لا عند الخروج عن الملك؛ لأن بالخروج
يزول الابتذال، فلا حاجة إلى التقوم، فبقيت على الأصل، وجعل الفرق بما ذكرنا بين الخلع
على هذه الأشياء وبين النكاح عليها؛ لأن هناك يجب مهر المثل؛ لأن النكاح لم يشرع إلا
بعوض؛ لما ذكرنا في مسائل النكاح، والمذكور لا يصلح عوضاً، فالتحق ذلك بالعدم ووجب
العوض الأصلي وهو مهر المثل، فأما الخلع فالعوض فيه غير لازم، بل هو مشروع بعوض
وبغير عوض؛ فلم يكن من ضرورة صحته لزوم العوض.
وكذا النكاح تمليك البضع بعوض، والخلع إسقاط الملك بعوض وبغير عوض، وكذا
منافع البضع عند الدخول أعطى لها حكم التقوم شرعاً؛ لكونها وسيلة إلى حصول الآدمي
المكرم، والخلع إبطال معنى التوسل؛ فلا يظهر معنى التقوم فيه.
ولو خلعها على شيء أشارت إليه مجهول، فقالت: على ما في بطون غنمي، أو نعمي
من ولد، أو على ما في ضروعها من لبن، أو على ما في بطن جاريتي من ولد، أو على ما في
نخلي أو شجري من ثمر (٢)، فإن كان هناك شيء فهو له عندنا. وقال الشافعي: لا شيء له.
وجه قوله: إن الجنين في البطن واللين في الضرع لا يصلح عوضاً في الخلع؛ لأنه غير
مقدور التسليم؛ ولهذا لم يصلح عوضاً في النكاح؛ وكذا في الخلع.
والدليل عليه أنه لا يجوز بيعه، والأصل عنده أن كل ما لا يجوز بيعه لا يصلح عوضاً
في الخلع .
ولنا الفرق بين الخلع وبين النكاح، وهو أن باب الخلع أوسع من باب النكاح؛ ألا ترى
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: تمر.

٣٢٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
[أنه](١) لو خلعها على عبد له آبق صحت التسمية، ولو تزوجها(٢) عليها لم تصح التسمية،
فتصح إضافته إلى ما هو مال متقوم موجود، كما تصح إضافته إلى العبد الآبق، بل أولى؛ لأن
ذاك له خطر الوجود والعدم وهذا موجود، وبهذا تبين أن القدرة على تسليم البدل ليست بشرط
في الخلع؛ فإنه جائز على العبد الآبق، والقدرة على تسليمه غير ثابتة، بخلاف البيع، فإن
القدرة على تسليم المبيع شرط، وإن لم يكن هناك شيء ردت عليه ما استحقت بعقد النكاح؛
لأنها لما سمت مالاً متقوماً فقد غرته بتسمية المال المتقوم، فصارت ملتزمة تسليم مال متقوم
ضامنة له ذلك، والزوج لم يرض بزوال ملكه إلا بعوض هو مال متقوم، وقد تعذر عليه
الوصول إليه لعدمه، ولا سبيل إلى الرجوع إلى القيمة المذكورة (٣) لجهالتها، ولا إلى قيمة
البضع؛ لما أنه لا قيمة للبضع عند الخروج عن الملك؛ لما ذكرنا، فوجب الرجوع إلى ما قوم
البضع به (٤) على الزوج عند الدخول، وهو ما استحقته المرأة من المسمى أو مهر المثل.
وكذلك إذا قالت: على ما في بيتي من متاع أنه إن كان هناك متاع فهو له، وإن لم يكن
يرجع عليها بالمهر؛ لأنها غرته بتسمية مال متقوم؛ فيلزمها ضمان الغرور، وهو رد المهر
المستحق لما قلنا.
ولو قالت: على ما في بطن غنمي أو ضروعها، أو على ما في نخلي أو شجري، ولم
١٨٢ تزد على/ ذلك؛ فإن كان هناك شيء أخذه؛ لأن التسمية وقعت على مال متقوم موجود، لكنه
مجهول، لكن الجهالة ليست بمتفاحشة، فلا تمنع استحقاق الشيء، ولو لم يكن هناك شيء
فلا شيء له؛ لانعدام تسمية مال متقوم؛ لأنها ذكرت ما في بطنها، وقد يكون في بطنها مال
متقوم، وقد لا يكون، فلم تصر بذكره غارة لزوجها، بل الزوج هو الذي غر نفسه، والرجوع
بحكم الغرور، ولا غرور منها؛ فلا يرجع عليها بشيء.
وإن قالت: اختلعت منك على ما تلد غنمي أو تحلب، أو بثمر نخلي أو شجري، أو
على ما أرثه العام أو أكسبه، أو ما أستغل من عقاري، فقيل الزوج - وقعت الفرقة، وعليها أن
ترد ما استحقت من المهر، وإن ولدت الغنم، وأثمر النخل والشجر. أما وقوع الفرقة: فلما
ذكرنا أن ذلك يقف على قبول ما يصلح عوضاً - صحت تسميته عوضاً.
وأما وجوب رد المستحق؛ فلأنه لا سبيل إلى استحقاق المسمى؛ لكونه معدوماً وقت
الخلع، ويجوز أن يوجد، ويجوز ألا يوجد، واستحقاق المعدوم الذي له خطر الوجود والعدم
(١) سقط من ط .
(٣) في أ: قيمة المذكور.
(٤) سقط من ط .
(٢) في ط: زوجها.