النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
واحدة رجعية، وهذا مذهبه في الأمر باليد أيضاً، وقد اختلفت الصحابة - رضي الله تعالى عنهم
- فيمن خير امرأته فاختارت زوجها، أو اختارت نفسها: قال بعضهم: إن اختارت زوجها لا
يقع شيء، وهو قول عمر، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت - رضي الله
تعالى عنهم ..
وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنها إذا اختارت زوجها يقع تطليقة رجعية،
والترجيح لقول الأولين؛ لما رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: خَيْرَنَا رَسُولُ
الله ◌ٌَّ فَاخْتَرْنَاهُ، فلم يعد ذلك طلاقاً(١).
وعن مسروق عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ الرَّجُلِ يُخَيِّرُ امْرَاتَهُ يَكُونُ
طَلاَقاً؟ فَقَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ فَكَانَ طَلاَقاً(٢) ولأن التخيير إثبات الخيار في الفراق
والبقاء على النكاح، واختيارها زوجها دليل الإعراض عن ترك النكاح، والإعراض عن ترك
النكاح استبقاء النكاح، فكيف يكون طلاقاً؟!، ولو اختارت نفسها، قال بعضهم: هي واحدة
بائنة، وهو إحدى الروايتين عن علي، وقال بعضهم: هي واحدة رجعية.
وقال زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - ((إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ ثَلاَثٌ))، والترجيح
لقول من يقول: يقع بائناً لا رجعياً ولا ثلاثاً، أما وقوع البائن؛ فلأن الزوج خيرها بين أن تختار
نفسها لنفسها، وبين أن تختار نفسها لزوجها، فإذا اختارت نفسها لنفسها لو كان الواقع رجعياً
لم يكن اختيارها نفسها لنفسها بل لزوجها؛ إذ لزوجها أن يراجعها شاءت أو أبت.
وأما عدم وقوع الثلاث، وإن وجدت نية الثلاث في التخيير؛ فلما ذكرنا أن القياس ألا
يقع بالاختيار شيء؛ لأنه ليس من ألفاظ الطلاق، وإنما جعل طلاقاً بالشرع ضرورة صحة
(١) أخرجه البخاري (٩/ ٣٦٧) كتاب الطلاق: باب من خير أزواجه حديث (٥٢٦٢، ٥٢٦٣) ومسلم (٢/
١١٠٤) كتاب الطلاق: باب بيان أن تخيير أمرأته لا يكون طلاقاً (١٤٧٧/٢٧) وأبو داود (٢ / ٦٥٣-
٦٥٤) كتاب الطلاق: باب في الخيار حديث (٢٢٠٣) والترمذي (٣٢٤/٢) كتاب الطلاق واللعان: باب
ما جاء في الخيار حديث (١١٨٩) والنسائي (١٦١/٦) كتاب الطلاق: باب في المخيرة تختار زوجها وابن
ماجه (٦٦١/١) كتاب الطلاق: باب الرجل يخير امرأته حديث (٢٠٥٢).
والدارمي (١٦٢/٢) كتاب الطلاق: باب في الخيار وأحمد (٢٣٩/٦) والطيالسي (١/ ٣١٤ - منحة) رقم
(١٦١١) والحميدي (١١٥/١) رقم (٢٣٤) وابن الجارود (٧٤٠) وأبو يعلى (٧/ ٣٣٧) رقم (٤٣٧٢)
وابن حبان ( ٤٢٥٣ - الإحسان) والبيهقي (٣٤٥/٧) والبغوي في ((شرح السنة (٥/ ١٥٩ - بتحقيقنا) من
طريق مسروق عن عائشة به .
وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) ينظر الحديث السابق.

٢٦٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
التخيير، وحق الضرورة يصير مقضياً بالواحدة البائنة، وإن كان التفويضُ مقروناً بذكر الطلاق؛
بأن قال لها: اختاري الطلاق، فقالت: اخترت الطلاق؛ فهي واحدة رجعية؛ لأنه لما صرح
بالطلاق فقد خيرها بين نفسها بتطليقة رجعية وبين رد التطليقة؛ كما في قوله: أمرك بيدك، فإن
ذكر الثلاث في التخيير؛ بأن قال لها: اختاري ثلاثاً، فقالت: اخترت - يقع الثلاث؛ لأن
التنصيص على الثلاث دليل إرادة اختيار الطلاق؛ لأنه هو الذي يتعدد فقولها: اخترت ينصرف
إليه؛ فيقع الثلاث، ولو كرر التخيير بأن قال لها: اختاري اختاري، ونوى بكل واحدة منهما
الطلاق، فقالت: اخترت - يقع ثنتان؛ لأن كل واحدة منهما تخيير تام بنفسه؛ لوجود ركنه
وشرطه وهو النية، والثاني لا يصلح تفسيراً للأول؛ لأن الشيء لا يفسر بنفسه، ولا يصلح
جواباً أيضاً ولا علة ولا حكماً للأول؛ فيكون كلاماً مبتدأ، والتكرار دليل إرادة الطلاق،
فقولها: اخترت يكون جواباً لهما جميعاً، والواقع بكل واحد منهما طلاق بائن؛ فيقع تطليقتان
بائنتان، وكذلك إذا ذكر الثاني بحرف الصلة؛ بأن قال لها: اختاري واختاري، أو قال: اختاري
فاختاري؛ لأن الواو والفاء من حروف العطف، إلا أن الفاء قد تذكر في موضع العلة، وقد
تذكر في موضع الحكم؛ كما يقال؛ أبشر فقد أتاك الغوث، ويقال: قد أتاك الغوث فأبشر،
لكن لههنا لا تصلح علة ولا حكماً، فتكون للعطف، والمعطوف غير المعطوف عليه هو
الأصل.
٧٦ب
ولو قال لها: اختاري اختاري اختاري/ أو قال: اختاري واختاري واختاري، أو قال:
اختاري فاختاري فاختاري، فقالت: اخترت - فهي ثلاث لما قلنا.
ولو قال لها: اختاري اختاري اختاري، فقال: اخترت الأولى، أو الوسطى أو الأخيرة -
فهو ثلاث في قول أبي حنيفة، وعندهما: يقع واحدة.
وجه وقولهما: أنها ما أوقعت إلا واحدة؛ فلا يقع إلا واحدة؛ لأن الوقوع باختيارها،
ولم يوجد منها إلا اختيار واحدة؛ فلا تقع به الزيادة على الواحدة كما لو قال لها: اختاري
ثلاثاً، فقالت: اخترت واحدة.
ولأبي حنيفة أن الزوج ملكها الثلاث جملة، والثلاث جملة ليس فيها أولى ولا وسطى
ولا أخيرة، فقولها اخترت: الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة - يكون لغواً؛ فيبطل تعيينها،
ويبقى قوله: اخترت، وأنه يصلح جواب الكل.
وعلى هذا الخلاف إذا قال لها: اختاري واختاري واختاري، أو قال لها: اختاري
فاختاري فاختاري، فقالت: اخترت الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة.
ولو قال لها: اختاري اختاري اختاري أو ذكر التخييرين بحرف الواو، أو بحرف الفاء،

٢٦٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
فقالت: قد اخترت اختيارة - فهو ثلاث في قولهم جميعاً؛ لأن معناه اخترت الكل مرة فيقع
الثلاث، وإن لم يوجد ذكر النفس من الجانبين جميعاً؛ لما ذكرنا أن التكرار من الزوج دليل
إرادة اختيار الطلاق، وكذا إذا قالت: اخترت الاختيارة، أو قالت: اخترت مرة أو بمرة، أو
دفعة أو بدفعة، أو بواحدة ۔ فهو ثلاث لما قلنا.
ولو قالت: قد طلقت نفسي واحدة، أو اخترت نفسي بتطليقة - فهي واحدة بائنة؛ لما
ذكرنا في الأمر بالید.
ولو قال لها: اختاري اختاري اختاري بألف درهم، فقالت: اخترت الأولى، أو
الوسطى، أو الأخيرة - فهو ثلاث وعليها ألف درهم في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف
ومحمد: لا يقع إلا واحدة، غير أنها إن اختارت نفسها بالأخيرة كانت تطليقة واحدة وعليها
ألف درهم، وإن اختارت نفسها بالأولى أو بالوسطى - كانت واحدة ولا شيء عليها.
والأصل عند أبي حنيفة أن تعيين الأولى أو الوسطى أو الأخيرة - لغو؛ لأنه ملكها الثلاث
جملة، والثلاث المملكة جملة ليس لها أولى ولا وسطى ولا أخيرة؛ فكان التعيين لههنا لغواً،
فبطل التعيين وبقي قولها: اخترت.
ولو قالت: اخترت طلقت ثلاثاً وعليها الألف؛ كذا هذا. والأصل عندهما أن اختيار
الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة - صحيح، ولا يقع إلا واحدة غير أنهما يقولان: لا يلزمها
الألف إلا إذا اختارت الأخيرة؛ لأن كل واحد من التخييرات تخيير على حدة؛ لأنه كلام تام
بنفسه، ولم يذكر معه حرف الجمع، فيجعل الكل كلاماً واحداً، فبقي كل واحد منهما تخييراً
تاماً بنفسه، فيعطي لكل واحد منهما حكم نفسه، والبدل لم يذكر إلا في التخيير الأخير؛ فلا
يجب إلا باختيار الأخيرة. ولو ذكر حرف الواو أو حرف الفاء، فقال: اختاري واختاري
واختاري بألف درهم، أو قال: اختاري فاختاري فاختاري بألف درهم، فقالت: اخترت
الأولى، أو الوسطى، أو الأخيرة - فعند أبي حنيفة لا يختلف الجواب، فتطلق ثلاثاً وعليها
ألف درهم لما ذكرنا، وعندهما: لا يقع الطلاق في هذه الصورة؛ لأنه لما جمع بين التخييرات
الثلاث بحرف الجمع جعل الكل كلاماً واحداً، وقد أمرها أن تحرم نفسها عليه بألف درهم،
فلا تملك التحريم بأقل من ذلك؛ كما إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً بألف درهم، فطلقت
نفسها واحدة؛ أنه لا يقع شيء لما قلنا؛ كذا هذا، والله أعلم بالصواب.
فَضلْ في قوله: أنت طالق إن شئت
وأما قوله: أنت طالق إن شئت، فهو مثل قوله: اختاري في جميع ما وصفنا؛ لأن كل
واحد منهما تمليك الطلاق، إلا أن الطلاق لههنا رجعى، وهناك بائن؛ لأن المفوض ههنا صريح

٢٦٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وهناك كناية، وكذا إذا قال لها: أنت طالق إن أحببت، أو رضيت، أو هويت، أو أردت؛ لأنه
علق الطلاق بفعل من أفعال القلب؛ فكان مثل قوله: إن شئت، وكذا إذا قال لها: أنت طالق
حيث شئت، أو أين شئت، أو أينما شئت، أو حيثما شئت؛ فهو مثل قوله: إن شئت؛ لأن حيث
وأين اسم مكان، وما وصلة فيهما، ولا تعلق للطلاق بالمكان؛ فيلغو ذكرهما لعدم الفائدة،
ويبقى ذكر المشيئة، فصار كأنه قال لها: أنت طالق إن شئت، وكذا إذا قال لها: أنت طالق كم
١٧٧ شئت أو ما شئت، غير أن لها أن تطلق نفسها في المجلس ما شاءت واحدة أو ثنتين أو ثلاثاً/ لأن
كلمة كم للقدر، وقدر الطلاق هو العدد، والعدد هو الواقع، وكذا كلمة ((ما)) في مثل هذا
الموضع تذكر لبيان القدر، يقال: كل من طعامي ما شئت، أي: القدر الذي شئت.
ولو قال لها: أنت طالق إذا شئت، أو إذا ما شئت، أو متى شئت، أو متى ما شئت -
فلها أن تطلق نفسها في أي وقت شاءت في المجلس(١) أو بعد القيام عنه لما مر، وليس لها أن
تطلق نفسها إلا واحدة؛ لأنه ليس في هذه الألفاظ ما يدل على التكرار على ما مر، بخلاف
قوله: أنت طالق كلما شئت، فإن لها أن تطلق نفسها مرة بعد أخرى، حتى تطلق نفسها ثلاثاً؛
لأن المعلق بالمشيئة وإن كان واحداً، وهو الثابت مقتضى قوله: أنت طالق وهو الطلاق، لكنه
علقه(٢) بالمشيئة بكلمة (كلما) وأنها تقتضي تكرار الأفعال، فيتكرر المعلق بتكرر الشرط، وإذا
وقع الثلاث عند المشيئات [المذكورة](٣) المتكررة - يبطل التعليق عند أصحابنا الثلاثة خلافاً
لزفر، حتى لو تزوجت بزوج آخر، ثم عادت إلى الزوج الأول، فطلقت نفسها - لا يقع شيء،
وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثاً في كلمة واحدة لما ذكرنا فيما تقدم؛ ولأن المعلق بكل مشيئة،
والمفوض إليها تطليقة واحدة، وهي البائنة مقتضى قوله: أنت طالق؛ فلا تملك الثلاث.
ولو قال: أنت طالق كيف شئت - طلقت للحال تطليقة واحدة بقوله: أنت طالق في قول
أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: لا يقع عليها شيء ما لم تشأ، والحاصل أن عند أبي
حنيفة في قوله: أنت طالق كيف شئت لا يتعلق أصل الطلاق بالمشيئة، بل المعلق بالمشيئة
صفة الواقع، وتتقيد مشيئتها بالمجلس، وعندهما تتعلق بالأصل، والوصف بالمشيئة، وتتقيد
مشيئتها بالمجلس.
وجه قولهما: أن الكيفية من باب الصفة، وقد علق الوصف بالمشيئة، وتعليق الوصف
بالمشيئة تعليق الأصل بالمشيئة؛ لاستحالة وجود الصفة بدون الموصوف، وإذا تعلق أصل
الطلاق بالمشيئة لا ينزل ما لم توجد المشيئة.
(١) في ط :... في المجلس أو بعده وبعد القيام عنه.
(٢) في ط: علق المشيئة.
(٣) سقط من ط .

٢٦٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولأبي حنيفة: أن الزوج بقوله: أنت طالق كيف شئت أوقع أصل الطلاق للحال، وفوض
تكييف الواقع إلى مشيئتها؛ لأن الكيفية للموجود لا للمعدوم؛ إذ المعدوم لا يحتمل الكيفية،
فلا بد من وجود أصل الطلاق لتتخير هي في الكيفية؛ ولهذا قال بعض المحققين في تعليل
المسألة لأبي حنيفة أن الزوج كيف المعدوم، والمعدوم لا يكيف؛ فلا بد من الوجود، ومن
ضرورة الوجود الوقوع، ثم إذا شاءت في مجلسها، فإن لم ينو الزوج البينونة ولا الثلاث،
فشاءت واحدة بائنة أو ثلاثاً - كان ما شاءت؛ لأن الزوج فوض الكيفية إليها، فإن نوى الزوج
البينونة أو الثلاث، فإذا وافقت مشيئتها نية الزوج؛ بأن قالت في مجلسها: شئت واحدة بائنة أو
ثلاثاً، وقال الزوج: ذلك نويت - فهي واحدة بائنة أو ثلاث؛ لأن الزوج لو لم تكن منه نية،
فقالت: شئت واحدة بائنة أو ثلاثاً - كان الواقع ما شاءت، فإذا وافقت مشيئتها نية الزوج أولى،
وإن خالفت مشيئتها نية الزوج؛ بأن قالت: شئت ثلاثاً، وقال الزوج: نويت واحدة لا يقع بهذه
المشيئة شيء آخر في قول أبي حنيفة سوى تلك الواحدة الواقعة بقوله: أنت طالق، إلا إذا
قالت: شئت واحدة ثانية (١)، فتصير تلك الطلقة ثانية لما قلنا، وعندهما: يقع واحدة بمشيئتها؛
بناء على أن المذهب عند أبي حنيفة؛ أنه إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة، فطلقت نفسها ثلاثاً
- لا يقع شيء، وعندهما: يقع واحدة، وسنذكر أصل المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
ولو قالت: شئت واحدة، وقال الزوج: نويت الثلاث - لا يقع بهذه المشيئة شيء في
قولهم جميعاً؛ لأن المذهب عندهم؛ أنه إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت، فطلقت
نفسها واحدة ــ لا يقع شيء؛ لما ذكرنا في الفصل الذي يليه، إلا أن عند أبي حنيفة قد وقعت
طلقة واحدة بقوله: أنت طالق حال وجوده، وإن لم تشأ المرأة شيئاً، حتى قامت من مجلسها
ولا نِيَّة للزوج، أو نوى واحدة - فهي واحدة يملك الرجعة في قول أبي حنيفة؛ لأنها أقل وهي
متيقن بها، وعندهما: لا يقع شيء وإن شاءت؛ لخروج الأمر عن يدها.
ولو قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت إن كان كذا؛ فإن علقت بشيء موجود
نحو ما إذا قالت: إن كان هذا ليلاً أو نهاراً، وإن كان هذا أبي أو أمي أو زوجي ونحو ذلك -
يقع الطلاق؛ لأن هذا تعليق بشرط كائن، والتعليق بشرط كائن تنجيز، وإن علقت بشيء غير
موجود، فقالت: شئت إن شاء فلان - يخرج الأمر من / يدها؛ حتى لا يقع شيء وإن شاء ٧٧ب
فلان؛ لأنه فوض إليها التنجيز وهي أبت (٢) بالتعليق، والتنجيز غير التعليق؛ لأن التنجيز
تطليق، والتعليق يمين؛ فلم تأت بما فوض إليها وأعرضت عنه لاشتغالها بغيره؛ فيبطل
التفويض.
(١) في أ: بائنة .
(٢) في أ: أتت.

٢٦٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ولو قال لها: أنت طالق إن شاء فلان يتقيد بمجلس علم فلان؛ فإن شاء في مجلس علمه
وقع الطلاق، وكذلك إذا كان غائباً، وبلغه الخبر يقتصر على مجلس علمه؛ لأن هذا تمليك
الطلاق فيتقيد بالمجلس، بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق إن دخل فلان الدار، أنه يقع
الطلاق إذا وجد الشرط في أي وقت وجد ولا يتقيد بالمجلس؛ لأن ذلك تعليق الطلاق
بالشرط، والتعليق لا يتقيد بالمجلس؛ لأن معناه إيقاع الطلاق في زمان ما بعد الشرط، فيقف
الوقوع على وقت وجود الشرط، ففي أي وقت وجد يقع، والله - عز وجل - أعلم.
فضل في قوله: طلقي نفسك
وأما قوله: طلقي نفسك فهو تمليك عندنا، سواء قيده بالمشيئة أو لا، ويقتصر على
المجلس؛ كقوله: أنت طالق إن شئت، وعند الشافعي: هو توكيل ولا يقتصر على المجلس،
قيده بالمشيئة أو لم يقيده.
وأجمعوا على أن قوله لأجنبي: طلق امرأتي توكيل، ولا يتقيد بالمجلس وهو فصل
التوكيل، فإن قيده بالمشيئة بأن قال له: طلق امرأتي إن شئت، فهذا تمليك عند أصحابنا
الثلاثة، وعند زفر: هو توكيل، فوقع الخلاف في موضعين.
أما الكلام مع الشافعي فوجه قوله أنه لو أضاف الأمر بالتطليق إلى الأجنبي، ولم يقيده
بالمشيئة - كان توكيلاً بالإجماع، فكذا إذا أضافه إلى المرأة ولم يقيده بالمشيئة؛ لأنه لم يختلف
إلا الشخص، والصيغة لا تختلف باختلاف الشخص، وكذا إذا قيد بالمشيئة؛ لأن التقييد
بالمشيئة، والسكوت عنه بمنزلة واحدة؛ لأنها تطلق نفسها بمشيئتها واختيارها؛ إذ هي غير
مضطرة في ذلك، فكان ذكر المشيئة لغواً، فكان ملحقاً بالعدم، فيبقى قوله: طلقي نفسك وأنه
توكيل لما ذكرنا، فلا يتقيد بالمجلس؛ كما في الأجنبي.
ولنا البيان أن قوله: لامرأته: طلقي نفسك تمليك - وجوه ثلاثة:
أحدها: أن المتصرف عن ملك هو الذي يتصرف برأيه وتدبيره واختياره، والمرأة بهذه
الصفة؛ فكانت متصرفة عن ملك، فكان تفويض التطليق إليها تمليكاً بخلاف الأجنبي؛ لأن ثمة
الرأي والتدبير للزوج والاختيار له، فكان إضافة الأمر إليه توكيلاً لا تمليكاً.
والثاني: أن المتصرف عن ملك هو الذي يتصرف لنفسه، والمتصرف عن توكيل هو
الذي يتصرف لغيره، والمرأة عاملة لنفسها؛ لأنها بالتطليق ترفع قيد الغير عن نفسها، فكانت
متصرفة عن ملك، فأما الأجنبي فإنه عامل لغيره لا لنفسه؛ لأن منفعة عمله عائدة إلى غيره،
فكان متصرفاً عن توكيل وأمر لا عن ملك.

٢٦٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
والثالث: أن قوله لامرأته: طلقي نفسك لا يمكن أن يجعل توكيلاً؛ لأن الإنسان لا
يصلح أن يكون وكيلاً في حق نفسه، فلم يمكن أن تجعل وكيلة في حق تطليق نفسها، ويمكن
أن تجعل مالكة للطلاق بتمليك الزوج، فتعين حمله على التمليك بخلاف الأجنبي؛ لأنه
بالتطليق يتصرف في حق الغير، والإنسان يصلح وكيلاً في حق غيره، والله الموفق.
وأما الكلام مع زفر: فوجه قوله: إنه لو أطلق الكلام لكان توكيلاً، فكذا إذا قيده
بالمشيئة؛ لما مر أن التقييد فيه والإطلاق على السواء؛ لأنه إذا طلق طلق عن مشيئة ولا
محالة؛ لكونه مختاراً في التطليق غير مضطر فيه.
ولنا: وجه الفرق بين المطلق والمقيد، وهو أن الأجنبي في المطلق، فيتصرف برأي
الغير وتدبيره ومشيئته، فكان توكيلاً لا تمليكاً، وأما في المقيد فإنما يتصرف عن رأي نفسه،
وتدبير نفسه ومشيئته، وهذا معنى المالكية، وهو التصرف عن مشيئته، وهذا فرق واضح بحمد
الله تعالى.
وأما قوله: التقييد بالمشيئة وعدمه سواء؛ لأنه متى [ما](١) طلق طلق عن مشيئة فممنوع
أنهما سواء، وأنه متى طلق طلق عن مشيئة، فإن المشيئة تذكر ويراد بها اختيار الفعل وتركه،
وهو المعنى الذي ينفي الغلبة والاضطرار، وهو المعنى بقولنا: المعاصي بمشيئة الله تعالى، فإن
الله تعالى يتولى تخليق أفعال العباد، والله تعالى غير مغلوب ولا مضطر في فعله - وهو
التخليق، بل هو مختار، وتذكر ويراد بها اختيار الإيثار، يقال: إن شئت فعلت كذا، وإن شئت
لم أفعل، أي: إن شئت آثرت الفعل [على الترك] (٢) وإن شئت آثرت الترك على الفعل، وهو
المعنى من قولنا: المكره ليس بمختار، والمراد من المشيئة المذكورة لههنا هو اختيار الإيثار،
لا اختيار/ الفعل وتركه؛ لأنا لو حملناه عليه للغا كلامه، ولو حملناه على اختيار الإيثار لم ٧٨أ
يلغ، وصيانة كلام العاقل عن اللغو واجب عند الإمكان، واختيار الإيثار في التمليك لا في
التوكيل؛ لما ذكرنا أن الوكيل يعمل عن رأي الموكل وتدبيره، وإنما يستعير منه العبارة فقط،
فكان الإيثار من الموكل لا من الوكيل.
وأما المملك: فإنما يعمل برأي نفسه وتدبيره، وإيثاره، لا بالمملك؛ فكان التقييد
بالمشيئة مفيداً، والأصل أن التوكيل لغة هو الإنابة، والتفويض هو التسليم بالكلبة؛ لذلك سمى
مشايخنا الأول توكيلاً، والثاني تفويضاً، وإذا ثبت أن المقيد بالمشيئة تمليك، والمطلق توكيل،
والتمليك يقتصر على المجلس؛ لما ذكرنا أن المملك إنما يملك بشرط الجواب في المجلس؛
(١) سقط في ط .
(٢) سقط في ط .

٢٦٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
لأنه إنما يملك بالخطاب، وكل مخلوق خاطب غيره يطلب جواب خطابه في المجلس، فلا
يملك نهيه عنه لما مر، ثم التوكيل لا يقتصر على المجلس؛ لأن الوكيل لا يمكنه القيام بما
وكل بتحصيله في المجلس ظاهراً وغالباً؛ لأن التوكيل في الغالب يكون بشيء لا يحضره
الموكل، ويفعل في حال غيبته؛ لأنه إذا كان حاضراً يستغني بعبارة نفسه عن استعارة عبارة
غيره.
فلو تقيد التوكيل بالمجلس لخلا عن العاقبة الحميدة؛ فيكون سفهاً، ويملك نهيه عنه؛
لأنه وكيله فيملك عزله، ولو أراد بقوله: طلقي نفسك ثلاثاً، فقد صار الثلاث بيدها؛ لأن
معنى قوله: إياها طلقي نفسك، أي: حصلي طلاقاً، والمصدر يحتمل الخصوص والعموم؛
لأنه اسم جنس، فإذا نوى به الثلاث فقد نوى ما يحتمله كلامه؛ فصحت نيته، ولو أراد به
الثنتين لا يصح؛ لأن لفظ المصدر لفظ وحدان، والاثنان عدد لا توحد فيه أصلاً على ما بينا
فيما تقدم، وإن لم يكن له نية تنصرف إلى الواحد؛ لأنه متيقن به، ولأن الأمر المطلق بالفعل
في الشاهد يصرف إلى ما هو المقصود من ذلك الفعل في المتعارف.
ألا ترى أن من قال لغلامه: اسق هذه الأرض، وكانت الأرض لا تصلح للزراعة إلا
بثلاث مرات - صار مأموراً به، وإن كانت تصلح بالسقي مرة واحدة صار مأموراً به، ومن قال
لغلامه: اضرب هذا الذي استخف بي - ينصرف إلى ضرب يقع به التأديب عادة، ويحصل به
المقصود وهو الانزجار، ومن أصابت ثوبه نجاسة فقال لجاريته: اغسليه - لا تصير مؤتمرة إلا
بغسل محصل(١) للمقصود وهو طهارة الثوب، دل أن الأمر المطلق في الشاهد ينصرف إلى ما
هو المقصود من الفعل في المتعارف والعرف، والمقصود في قوله لامرأته: طلقي نفسك
مختلف، فقد يقصد به الطلاق المبطل للملك، وقد يقصد به الطلاق المبطل لحل المحلية سداً
لباب التدارك، فأي ذلك نوى انصرف إليه، ثم إذا صحت نية الثلاث، فإن طلقت نفسها ثلاثاً
أو اثنتين أو واحدة وقع؛ لأن الزوج ملكها الثلاث، ومالك الثلاث له أن يوقع الثلاث أو
الاثنتين أو الواحدة كالزوج سواء، بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق إن شئت، أو أردت أو
رضيت، أو إذا شئت أو متى شئت أو متى ما شئت أو أين شئت أو حيث شئت، ونحو ذلك،
ونوى الثلاث؛ أنه لا يصح؛ لما مر أن قوله: أنت طالق صفة للمرأة، وإنما يثبت الطلاق
اقتضاء ضرورة صحة التسمية بكونها طالقاً، ولا ضرورة في قبول نية الثلاث؛ فلا يثبت في
حقه .
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فطلقت نفسها واحدة - فهي واحدة في قولهم جميعاً؛
(١) في أ: يحصل.

٢٦٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
لأن الزوج ملكها الثلاث، ومالك الثلاث إذا أوقع واحدة تقع كالزوج؛ وهذا لأنه لما ملكها
الثلاث فقد ملكها الواحدة؛ لأنها بعض الثلاث، وبعض المملوك يكون مملوكاً.
ولو قال لها: طلقي نفسك واحدة، فطلقت نفسها ثلاثاً - لم يقع شيء في قول أبي
حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يقع واحدة.
وجه قولهما: أنها أتت بما فوض الزوج إليها، وزادت على القدر المفوض، فيقع القدر
المفوض وتلغو الزيادة؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك واحدة، فقالت: طلقت نفسي واحدة
واحدة واحدة؛ أنه يقع واحدة، وتلغو الزيادة؛ كذا هذا.
وكذا لو قال: لها طلقي نفسك، فقالت: أبنت نفسي - تقع واحدة رجعية، وتلغو صفة
البينونة لما قلنا؛ كذا هذا.
ولأبي حنيفة وجوه من الفقه :
أحدها: أنه لو وقعت الواحدة؛ إما أن تقع بطريق الأصالة مقصوداً أو ضمناً، أو ضرورة
وقوع الثلاث، لا سبيل إلى الأول؛ لأنه لم يوجد إيقاع الواحدة بطريق الأصالة؛ لانعدام لفظ
الواحدة ووجود لفظ آخر، وكذا لم يوجد وقت وقوع الواحدة بطريق الأصالة؛ لأن ذلك عند
قولها/ [طلقت](١) نفسي، وسكوتها عليه، ووقت وقوعها مع الثلاث عند قولها: ثلاثاً، ولا ٧٨ب
وجه للثاني؛ لأنها لم تملك الثلاث؛ إذ الزوج لم يملكها الثلاث، فلا تملك إيقاع الثلاث؛ فلا
يقع الثلاث، فلا تقع الواحدة ضمناً لوقوع الثلاث، فتعذر القول بالوقوع أصلاً، بخلاف ما إذا
قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فطلقت نفسها واحدة؛ لأن هناك ملكها الثلاث، فملكت إيقاع
الثلاث، ومالك إيقاع الثلاث يملك إيقاع الواحدة؛ لأن بعض المملوك مملوك، ولههنا بخلافه
لما بينا.
وبخلاف ما إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة، فقالت: طلقت نفسي واحدة واحدة
واحدة. لأن ثم أوقعت الواحدة بطريق الأصالة؛ لوجود لفظ الواحدة وقت وقوعها بطريق
الأصالة، فوقعت واحدة بطريق الأصالة، ثم اشتغلت بغيرها، وهو غير مملوك لها؛ فلغا.
وبخلاف ما إذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: قد أبنت نفسي؛ لأن هناك أوقعت ما
فوض إليها بطريق الأصالة؛ لأن الإبانة من ألفاظ الطَّلاق لغة على ما يذكر، إلا أنها زادت على
القدر المفوض صفة البينونة؛ فلغت، وبقي أصل الطلاق.
(١) سقط في أ.

٢٧٠
كِتَابُ الطَّلاَقِ
والثاني: أن المرأة بقولها: طلقت نفسي ثلاثاً، أعرضت عما فوض الزوج إليها؛ فيبطل
التفويض، ويخرج الأمر من يدها؛ كما إذا اشتغلت بأمر آخر، أو قامت عن مجلسها. ودلالة
أنها أعرضت عما فوض إليها؛ أنه فوض إليها الواحدة وهي أتت بالثلاث، والواحدة من الثلاث
إن لم تكن غير الثلاث؛ ولأن الثلاث غير الواحدة ذاتاً؛ لأن الواحدة منها، والشيء لا يكون
غير نفسه، لكنها غير الواحدة لفظاً وحكماً ووقتاً(١).
أما اللفظ: فإن لفظ الواحدة غير لفظ الثلاث، وكذا حكمها غير حكم الثلاث، وأما
الوقت: فإن وقت وقوع الواحدة غير وقت وقوع الثلاث؛ لأن الواحدة تقع عند قولها: طلقت
نفسي، والثلاث تقع عند قولها: ثلاثاً؛ لما ذكرنا فيما تقدم أن العدد (٢) وهو الواقع على معنى
أنه متى اقترن بذكر الطَّلاق ذكر عَدَدٍ لا يقع الطلاق قبل ذكر العدد، ويقف أول الكلام على
آخره، فصارت المرأة باشتغالها بذكر الثلاث لفظاً معرضة عن الواحدة لفظاً وحكماً، ووقت
وقوع الطلاق لصيرورتها مشتغلة بغير ما ملكت تاركة للمملوك، والاشتغال بغير المملوك دليل
الإعراض عما ملكت، والإعراض عن ما ملكت يوجب بطلان التمليك، وخروج الأمر عن
يدها، بخلاف ما إذا قال لها طلقى نفسك ثلاثاً، فطلقت نفسها واحدة؛ لأن هناك ما أعرضت
عما فوض إليها؛ لأنه فوض إليها الثلاث، وتفويض الثلاث تفويض الواحدة؛ لأن التفويض
تمليك، وتمليك الثلاث تمليك الواحدة؛ لأنها من أجزاء الثلاث، وجزء المملوك مملوك؛ فلم
تصر باشتغالها بالواحدة مشتغلة بغير ما ملكت، ولا تاركة للمملوك، فأما تمليك الجزء فلا
يكون تمليك الكل؛ فافترقا.
والثالث: أن الزوج لم يملكها إلا الواحدة المنفردة وما أتت [بالواحد المنفردة، فلم
تأت](٣) بما ملكها الزوج فلا يقع شيء؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك فأعتقت عبده، ولا شك
أن الزوج لم يملكها إلا الواحدة المنفردة؛ لأنه نص على التوحد، والتوحد ينبىء عن التفرد في
اللغة، فكان المفوض إليها طلقة واحدة منفردة عن غيرها، وهي وإن أتت بالواحدة بإتيانها
بالثلاث، فما أتت بالواحدة المنفردة؛ لأنها أتت بثلاث مجتمعة. والثلاث المجتمعة لا يوجد
فيها واحدة منفردة؛ لما فيه من الاستحالة لتضاد بين الاجتماع والافتراق، فلم تأت بما فوض
إليها؛ فلا يقع شيء، بخلاف ما إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فطلقت نفسها واحدة؛ لأن
هناك أتت بما فوض إليها لكنها زادت على القدر المفوض؛ لأنه فوض إليها الثلاث مطلقاً عن
صفة الاجتماع والافتراق.
(١) في أ: وقت الوقوع.
(٢) في أ: المتعدد.
(٣) بدل ما بين المعكوفين في ط :... بها فلم تأت.

٢٧١
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ألا ترى أنها لو طلقت نفسها ثلاثاً متفرقة وقعت؛ كما لو طلقت نفسها ثلاثاً مجتمعة،
ولو كان المفوض إليها الثلاث المجتمعة - لما ملكت إيقاع الثلاث المتفرقة، فإذا صارت
الثلاث مطلقاً مملوكة لها، مجتمعة كانت أو منفردة، صارت كل واحدة من الطلقات الثلاث
مملوكة لا، منفردة كانت أو مجتمعة، فإذا طلقت نفسها واحدة فقد أتت بالمملوك ضرورة،
وهو الجواب عما إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة، فقالت: طلقت نفسي واحدة واحدة
واحدة؛ أنه يقع واحدة؛ لأنها أتت بالمفوض وزيادة، فيقع القدر المفوض وتلغو الزيادة، ولههنا
ما أتت بالمفوض إليها أصلاً ورأساً فهو الفرق، ولا يلزم ما إذا قال لها: طلقي نفسك،
فقالت/ أبنت نفسي؛ لأن هناك أيضاً أتت بالمفوض إليها وزيادة؛ لأن الزوج فوض إليها أصل ١٧٩
الطلاق، وهي أتت بالأصل والوصف؛ لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق على ما نذكر؛ فلغا
الوصف، وهو وصف البينونة، وبقي الأصل وهو صريح الطلاق؛ فتقع واحدة رجعية.
وذكر القدوري عن أبي يوسف في هذه المسألة أن قياس قول أبي حنيفة ألا يقع شيء،
وعلى هذا الخلاف الذي ذكرنا ما إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة إن شئت، فطلقت نفسها
ثلاثاً .
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت، فطلقت نفسها واحدة أو ثنتين - لا يقع شيء
في قولهم جميعاً؛ لأنه ملكها الثلاث بشرط مشيئتها الثلاث، فإذا شاءت ما دون الثلاث لم
تملك الثلاث؛ لوجود بعض شرط الملك، والحكم المعلق بشرط لا يثبت عند وجود بعض
الشرط .
ولو قال لها: طلقي نفسك من ثلاث ما شئت - فلها أن تطلق نفسها واحدة وثنتين،
وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثاً في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: تطلق نفسها ثلاثاً
إن شاءت.
وجه قولهما: إن كلمة ((من)) في مثل هذا الموضع تذكر لبيان الجنس، فإن من قال
لغيره: كل من هذا الرغيف ما شئت - كان له أن يأكل كل الرغيف.
ولأبي حنيفة أن كلمة ((ما)) كلمة عامة، وكلمة ((من)) للتبعيض حقيقة، فلا بد من اعتبار
المعنيين جميعاً، وذلك في أن يصير المفوض إليها من الثلاث بعض له عموم، وذلك اثنان؛
فتملك ما فوض إليها وهو الثنتان، وفي مسألة الرغيف صرفت كلمة ((من)) عن حقيقتها إلى
الجنس بدلالة الحال، وهو أن الأصل في الطعام هو السماح دون الشح، خصوصاً في حق من
قدم إليه .
ولو قال لها: طلقي نفسك إن شئت، فقالت: شئت - لا يقع الطلاق، ولو قال لها: أنت

٢٧٢
كِتَابُ الطَّلاَقِ
طالق إن شئت يقع؛ لأن في الفصل الأول أمرها بالتطليق، فما لم تطلق لا يقع الطلاق،
ومشيئة التطليق لا تكون تطليقاً، وفي الفصل الثاني علق طلاقها بمشيئتها وقد شاءت، ولو قال
لها: طلقي نفسك، فقالت: أبنت نفسي - طلقت واحدة تملك الرجعة، وإن قالت: قد اخترت
نفسي لم تطلق، ووجه الفرق أن قولها: ((أبنت)) من ألفاظ الطلاق؛ لأن الإبانة قطع الوصلة
لغة، والطلاق رفع القيد لغة، إلا أن عمل صريح الطلاق يتأخر شرعاً في المدخول بها إلى ما
بعد انقضاء العدة، فكان بين اللفظين موافقة من حيث الأصل، فإذا قالت: أبنت نفسي فقد أتت
بالأصل، وزادت صفة البينونة؛ فتلغو الصفة ويبقى الأصل، بخلاف قولها: اخترت؛ لأن
الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق لغة؛ بدليل أنه لو قال لامرأته: اخترتك أو قال: اخترت نفسي
- لا يقع الطلاق.
وكذا إذا قالت المرأة: طلقت نفسي، أو أبنت نفسي - وقف على إجازة الزوج. ولو
قالت: اخترت نفسي لا يقف على إجازة بل يبطل، إلا أنه جعل من ألفاظ الطلاق شرعاً بالنص
وإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - عند خروجه جواباً للتخيير، وما في معناه وهو الأمر
باليد؛ فلا يكون جواباً في غيره؛ فيلغو .
وحكى القدوري قول أبي يوسف، فقال: قال أبو يوسف - رحمه الله: إذا قال لها: طلقي
نفسك، فقالت: أبنت نفسي - لا يقع شيء على قياس قول أبي حنيفة، ووقع عندهما تطليقة
رجعية، كأنها قالت: أبنت نفسي بتطليقة، ولم يذكر خلاف أبي حنيفة في ((الجامع الصغير)).
ووجه الفرق أن بين هذه المسألة، وبين قوله: طلقي نفسك واحدة على نحو ما بينا، ولو
قال لها: طلقي نفسك تطليقة رجعية، فطلقت نفسها بائناً(١)، أو قال لها: طلقي نفسك تطليقة
بائنة، فطلقت رجعية - يقع ما أمر به الزوج لا ما أتت به؛ لأنها إنما تملك تطليق نفسها بتمليك
الزوج لها، فتملك ما ملكها الزوج، وما أتت به موافق لما ملكها الزوج من حيث الأصل؛ لأن
كل واحد منهما من ألفاظ الطلاق، وإنما خالفه من حيث الوصف، فإذا وقع الأصل استتبع
الوصف المملك، فيقع ما فوض إليها، والله الموفق للصواب.
فضل في الرسالة إلى الغائبة
وأما الرسالة: نهى أن يبعث الزوج طلاق امرأته الغائبة على يد إنسان، فيذهب الرسول
إليها، ويبلغها الرسالة على وجهها - فيقع عليها الطلاق؛ لأن الرسول ينقل كلام المرسل، فكان
كلامه ككلامه، والله الموفق.
(١) في أ: واحدة بائنة.

٢٧٣
كِتَابُ الطَّلاَقِ
ومنها: عدم الشك من الزوج في الطلاق، وهو شرط الحكم بوقوع الطلاق، حتى لو شك
فيه لا يحكم بوقوعه، حتى لا يجب عليه أن يعتزل امرأته؛ لأن النكاح كان ثابتاً بيقين، ووقع
الشك في زواله بالطلاق، فلا يحكم بزواله بالشك كحياة المفقود؛ أنها لما كانت ثابتة، ووقع / ٧٩ب
الشك في زوالها - لا يحكم بزوالها بالشك حتى لا يورث ماله، ولا يرث هو أيضاً من أقاربه.
والأصل في نفي اتباع الشك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]،
وقوله - عليه الصلاة والسلام - لَمَّا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ: ((لاَ
يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدُ رِيحً))(١)، اعتبر اليقين وألغى الشك، ثم شك الزوج لا
يخلو؛ إما أن وقع في أصل التطليق؛ أطلقها أم لا، وإما أن وقع في عدد الطلاق وقدره أنه
طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، أو صفة الطلاق أنه طلقها رجعية أو بائنة، فإن وقع في أصل
الطلاق لا يحكم بوقوعه لما قلنا، وإن وقع في القدر يحكم بالأقل؛ لأنه متيقن به وفي الزيادة
شك، وإن وقع في وصفه يحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين؛ فكانت متيقناً بها .
فضلً
[فيما يرجع إلى المرأة في الطلاق]
وأما الذي يرجع إلى المرأة فمنها الملك، أو علقة من علائقه؛ فلا يصح الطلاق إلا في
الملك، أو في علقة من علائق الملك، وهي عدة الطلاق أو مضافاً إلى الملك، وجملة الكلام
فيه أن الطلاق لا يخلو؛ إما أن يكون تنجيزاً، وإما أن يكون تعليقاً بشرط، وإما أن يكون إضافة
إلى وقت .
أما التنجيز في غير الملك والعدة فباطل؛ بأن قال لامرأة أجنبية: أنت طالق، أو طلقتك؛
لأنه إبطال الحل ورفع القيد، ولا حل ولا قيد في الأجنبية؛ فلا يتصور إبطاله ورفعه، وقد قال
النبي ◌َّ: (لاَ طَلاَقَ قَبْلَ النِّكَاحِ))(٢)، وإن كانت منكوحة الغير وقف على إجازته عندنا خلافاً
(١) تقدم في الطهارة.
(٢) أخرجه أبو داود (٦٤٠/٢) كتاب الطلاق: باب في الطلاق قبل النكاح حديث (٢١٩٠) والترمذي (٢/
٣٢٦) كتاب الطلاق واللعان: باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح حديث (١١٩٢) وابن ماجه (١ / ٦٦٠)
كتاب الطلاق: باب لا طلاق قبل النكاح حديث (١٠٤٧) والطيالسي (١/ ٣١٤ - منحة) وابن الجارود رقم
(٧٤٣) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١ / ٢٨٠ - ٢٨١) والبيهقي (٣١٨/٧) كتاب الخلع والطلاق باب
الطلاق قبل النكاح، من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال الترمذي: حديث حسن
صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.
وقال في ((العلل الكبير)) (ص - ١٧٣) رقم (٣٠٢): سألت محمداً عن هذا الحديث فقلت: أي حديث في
هذا الباب أصح.
فقال: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أ .هـ.
بدائع الصنائع ج٤ - م١٨
=

٢٧٤
كِتَابُ الطَّلاَقِ
= وفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم علي ومعاذ وجابر وابن عباس وعائشة والمسور بن مخرمة وابن
عمر وأبو ثعلبة الخشني.
- حديث علي.
أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤) كتاب الوصايا: باب ما جاء متى ينقطع اليتم حديث (٢٨٧٣)
والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢٠٨/١) والطبراني في ((الصغير)) (٩٦/١) من طريق أحمد بن صالح ثنا
يحيى بن محمد ثنا عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم عن أبيه عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش
أنه سمع شيوخاً من بني عمرو بن عوف ومن خاله عبد الله بن أبي أحمد قال علي بن أبي طالب:
حفظت لكم من رسول الله وَّلو ستاً: لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتاق إلا من بعد ملك ... إلى آخر
الحدیث .
قال الطبراني: وقال أحمد بن صالح: عبد اللّه بن أبي أحمد من كبار تابعي المدينة قد لقي عمر بن
الخطاب وهو أكبر من سعيد بن المسيب.
۔ حدیث معاذ.
أخرجه الحاكم (٤١٩/٢) والبيهقي (٣١٨/٧) من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاووس عن
معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وَالر: ((لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك.
وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه بين طاوس ومعاذ.
قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص - ٢٠١): طاوس بن كيسان.
قال ابن المديني: لم يسمع من معاذ بن جبل شيئاً وقال يحيى بن معين: لا أراه سمع من عائشة وقال أبو
زرعة: لم يسمع من عثمان شيئاً وقد أدرك زمنه وطاوس عن عمر وعن علي وعن معاذ مرسل رضي الله
عنهم أ .هـ.
والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٣٣٧/٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلا
أن طاوساً لم يلق معاذ بن جبل تنبيه: صحح هذا الحديث الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي وهو وهم
للانقطاع المعروف بين طاووس ومعاذ.
۔ حدیث جابر.
أخرجه ابن أبي شيبة (١٦/٥) والطيالسي (١/ ٣١٤ - منحة) والحاكم (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠) والبيهقي (٧/
٣١٩_٣٢٠) كتاب الخلع والطلاق: باب الطلاق قبل النكاح من طرق عن جابر وصححه الحاكم.
۔ حديث ابن عباس.
أخرجه الحاكم (٤١٩/٢) من طريق أيوب بن سليمان عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عطاء بن أبي
رباح عن ابن عباس أن رسول الله وَلّر قال: لا طلاق لمن لا يملك وصححه الحاكم.
وأخرجه أيضاً من طريق طاووس عن ابن عباس موقوفاً وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٩٢/٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
وقال السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٩٢/٥): وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه
قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل يقول: إن تزوجت فلانة وهي طالق قال: ليس بشيء إنما
الطلاق لمن يملك.
=

٢٧٥
كِتَابُ الطَّلاَقِ
للشافعي، والمسألة تأتي في ((كتاب البيوع))(١).
وأخرجه أيضاً ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه كما في ((الدر
=
المنثور)» (٣٦٢/٥).
- حديث عائشة .
أخرجه ابن أبي شيبة (١٦/٥) والدارقطني (١٦٥/٤) كتاب الطلاق حديث (٤٥، ٤٦) والحاكم (٤١٩/٢)
عنها مرفوعاً بلفظ: لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتاق إلا بعد ملك.
- حديث المسور بن مخرمة .
أخرجه ابن ماجه (٦٦٠/١) كتاب الطلاق: باب لا طلاق قبل النكاح حديث (٢٠٤٨) والسهمي في
(«تاريخ جرجان (ص - ٢٥٧) من طريق علي بن الحسين بن واقد ثنا هشام بن سعد عن الزهري عن عروة
عن المسور بن مخرمة عن النبي وَّر قال: لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك.
قال البوصيري في ((الزوائد» (١٣٢/٢): هذا إسناد حسن علي بن الحسين وهشام بن سعد مختلف
فيهما. أ.هـ وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٩٣/٥) وعزاه إلى ابن ماجه وابن مردويه.
- حديث ابن عمر.
أخرجه الحاكم (٤١٩/٢) والطبراني في ((الصغير)) (١ /١٠٨) من طريق محمد بن يحيى القطيعي ثنا عاصم بن
هلال البارقي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَالر: لا طلاق إلا بعد نكاح.
وصححه الحاكم.
- حديث أبي ثعلبة الخشني.
أخرجه الدارقطني (٤ / ٣٥-٣٦) كتاب الطلاق حديث (٦٧) من طريق علي بن قرين ثنا بقية بن الوليد
عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال لي عم لي اعمل لي عملاً حتى
أزوجك ابنتي فقلت: إن تزوجنيها فهي طالق ثلاثاً ثم بدا لي أن أتزوجها فأتيت النبي ◌َّ فسألته فقال لي:
تزوجها فإنه لا طلاق إلا بعد نكاح فتزوجها فولدت لي سعداً وسعيداً.
قال أبو الطيب آبادي في ((التعليق المغني)) (٣٦/٤): قال صاحب التنقيح وهذا باطل علي بن قرين كذبه
يحيى بن معين وغيره وقال ابن عدي: يسرق الحديث أ . هـ وقال الذهبي: قال يحيى: كذاب خبيث وقال
أبو حاتم: متروك الحديث.
(١) مذهب الشافعية يقع الطلاق ناجزاً بمجرد اللفظ؛ كأنت طالق، ومطلقاً عند وجود المعلق عليه، والتعليق
لغة، مطلق الربط، وعُرفاً ربط الجزاء بالشرط، والشرط، ما لا يوجد المشروط بدونه، ولا يلزم أن يوجد
عنده. والمراد هنا الشرط اللغوي مثل، إن دخلت، من قول القائل، إن دخلت الدار فأنت طالق مثلاً؛
فإن أهل اللسان وضع هذا التركيب، ليدل على أن ما دخلت عليه ((إن)) هو الشرط، والآخر المعلق هو
الجزاء. وللتعليق شروط تقدمت في الاستثناء، إلا أن عدم الاستفراق ليس بشرط فيه. فلا بد أن يتلفظ
بالشرط بلسانه حيث يسمع نفسه، ولا يشترط سماع غيره، وأن ينوي التعليق قبل الفراغ من اليمين، فلو
عنّ له بعد الفراغ منه فلغو كما تقدم في الاستثناء؛ وأن يتصل الشرط بالطلاق. وهو جائز في الطلاق
كالعتق، واستأنسوا له بخبر ﴿الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شُرُوطِهِم﴾ - رواه أبو داود بإسناد حسن. وفيه ثمانية مباحث.
أدوات التعليق كثيرة منها؛ إن، وإذا، ومتى، ومتى ما، وأي وقت وأي حين، وكلما، وأي زمان. ولها
ثلاثة أحوال.
=

٢٧٦
كِتَابُ الطَّلاَقِ
الحالة الأولى: أن تستعمل في الإثبات غير المشيئة، ولا يقترن بها عوض، وحينئذ لا تكون مستعملة إلا
=
في تعليق الطلاق بوجود الشَّرط، من غير أن يراعي فيه الغور، وتكون على التراخي. فإذا وجد الشرط
وقع الطلاق، إذا كان قبل موت أحدهما ولو بلحظة. فإذا قال لزوجته، إن دخلت الدار فأنت طالق، أو
إذا دخلت الدار، أو أي وقت دخلت الدار، أو كلما دخلت الدار فأنت طالق، كانت هذه الألفاظ كلها
على التراخي، لتعليقها بوجود الشرط، وهو لا يختصُّ بزمان دون غيره، فمتى وجد الشرط قريباً أو بعيداً
تعلق به الحكم ووقع به الطلاق مرة واحدة، وتنحل بها اليمين، ولا يؤثر دخولها مرة ثانية؛ لدلالتهن على
مجرد صُدُورِ الفعلِ الذي في خيرهن ولو مع تعيين بالأبد، كأن خرجت أبداً إلا بإذني فأنت طالق؛ لأن
معناه أي وقت خرجت فأنت طالق . - وذلك في غير كلما، فلا تنحل بها اليمين بدخولها مرة أو مرتين؛
لأنها تقتضي التكرار وضعاً واستعمالاً. هذا كله إذا كان قبل الموت، فلو لم تدخل حتى مات الزوج، ثم
دخلت لم تطلق، وإن كان الشرط موجوداً، لأن الطَّلاق لا يقعُ بعد موت الزوج، فصار الشرعُ رافعاً
لحكم الشرط بالموت.
الحالة الثانية: أن يقترن بها العوض، أو تستعمل في التعليق بمشيئة زوجته مخاطباً لها. فينقسم حكمها
إلى قسمين :
أحدهما: ما يكون على الفور، وذلك في لفظتين: إن. وإذا. فإذا قال: إن أعطيتني ألف درهم، أو إن
ضمنت لي ألف درهم، أو إذا أعطيتني ألفا، أو إذا شئت، أو إن شئت - فأنت طالق، روعي في وقوع
الطلاق بما ذكر أن يكون على الفور. وإنما كانت كذلك؛ لأن ((إن))، و((إذا)) من حروف الصفات، فإذا
اقترن بها العوض أو المشيئة صار الحكم له وصار من صفاته، ومن شأنه ما ذكر أن يكون على الضرر .
لتضمن المعارضات تمليك المال، فيجب أن يتصل الإيجاب بالقبول - ولتضمن المشيئة تمليك الطلاق
على الأصح فيعتبر الفور.
ثانيهما: ما يكون على التراخي وهو الباقي من أدوات التعليق، فإذا قال متى أعطيتني ألف درهم فأنت
طالق، أو متى ما أعطيتني، أو أي وقت أعطيتني، وكذا الباقي كان الحكم في هذه كلها على التراخي،
ففي أي وقت أعطته الألف من عاجل أو آجل طلقت؛ لأنها أسماء صريحة في الوقت، وصار حكمها
بقوته أغلب من حكم العوض، فصارت على التراخي؛ لتساوي الأوقات فيها، وصارت كالقياس الذي إن
قوي على تخصيص العموم، وبيان المجمل ضعف عن مقايلة النص وتغير حكمه.
الحالة الثالثة: أن تستعمل في تعليق الطَّلاَقِ بنفي فعل فتنقسم قسمين أيضاً.
القسم الأول: يكون على الفور قطعاً، وإن كانت عند الإثبات للتراخي، وهو ما عدا ((إن))، وإذا من أدوات
التعليق، كمتى، ومتى ما، وأي وقت وأي حين، وأي زمان. فإذا قال متى لم تدخل الدار فأنت طالق، طلقت
بمضي زمن يمكنها الدخول فيه ولم تدخل. وإنما اختلف حكمها بدخول أدات النفي، لأنها إذا تجردت عنها
صار الطلاق مشروطاً بوجود الصفة في أي زمان وجدت، فصار الحكم على التراخي. وإذا دخل عليها أداة
النفي، صار الطلاق مشروطاً بعدم الصفة، وهي معدومة في أول زمان المكنه؛ فلذلك صارت على الفور.
القسم الثاني: وهما لفظتان فقط، إن، وإذا. وفي اقتضائهما الفور وعدم خلاف نقل عن الشافعي من
طريقين: الطريقة الأولى: قاطعة بأن ((إذا)) للفور و((إن)) للتراخي، فلو قال لزوجته: إذا لم تدخلي الدار
فأنت طالق، ومضت مدة يمكنها الدخول، ولم تدخل طلقت، وحصل ذلك على الفور. وإن قال: إن لم =

٢٧٧
كِتَابُ الطَّلاَقِ
تدخلي الدار فأنت طالق، لم يحنث إلاَّ عند اليأس من الدخول، كأن ماتت قبل دخولها، فيحكم بوقوع الطلاق
=
قبيل الموت بزمن لا يمكن فيه الدخول. وخرج بالموت ما لو أبانها بعد تمكنها من الدخول، واستمرت إلى
الموت ولم تدخل، فلا يقع قبل البينونة لانحلال اليمين بدخولها قبل موتها إن وجد. وهذا ما اعتمده الرملي،
والزيادي وأكثر المشايخ، خلافاً للأسنوي، حيث قال ((الصواب وقوعه قبل البينونة))، ومحل اعتبار اليأس ما لم
يقل: أردت إن لم تدخلي الآن أو اليوم، فإن أراده تعلق الحكم بالوقت المنويّ، قريباً كان أو بعيداً. هذا هو
المنصوص عليه في صورتي إن، وإذا، فلا وجه لتسوية أبي عليّ بن أبا هريرة بينهما لمخالفة النص، وظهور
الفرق بينهما من ثلاثة أوجه. الأول: فرق أبا حامد المروزي، أن ((إذا)» موضوع للبقية والتحقيق، وإن موضوع
للشك والتوهم؛ لأن يحسن أن يقال: إذا جاء يوم الجمعة جئتك، ولا يحسن أن يقال: إن جاء يوم الجمعة
جئتك؛ لأن مجيء يوم الجمعة يقين، وليس بمشكوك فيه، ويحسن أن يقال: إن حصل المطر يوم الجمعة
أقمت، ولا يحسن أن يقال: إذا حصل المطر يوم الجمعة أقمت؛ لأن حصول المطر فيه شكَّ وليس بيقين؛
ولذا قال الله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ لأن تكورها يقين، فلما كانت ((إذا)) مستعملاً في اليقين والتحقيق،
فإذا حضر زمان المكنه استقر حكمه، فصارت على الفور. ولما كانت إن مستعملاً للشك والتوهم لم يستقر
حكمه إلا بالفوات فصارت على التراخي. الثاني: فرق أبا القاسم الداركي أن إذا ظرف زمان كمتى في التناول
للأوقات، وإن حرف شرط لا إشغار له بالزمان، فإذا قيل متى ألقاك صح أن تقول: إذا شئت ومتى شئت، ولا
يصح أن يقول: إن شئت. فإذا قيل: إن لم تدخلي الدار فمعناه إن فاتك دخولها، وفواته بالموت، وقوله: إذا
لم تدخلي الدار فأنت طالق، معناه: أي وقت فاتك الدخول فيه، فيقع الطلاقُ بمضي زمن يمكن فيه الدخول
ولم تدخل، الثالث: فرق أبا الحسن الفرضي أن إذا اسم، فكان أقوى عملاً؛ فلذلك كان على الفور. وإن
حرف، فكان أضعف عملاً فلذلك كانت على التراخي. الطريقة الثانية: حاكية لكل منهما قولين، بتخريج قول
من كل منهما إلى الأخرى. الأول: أن الطلاق إنما يقع فيها عند اليأس من الفعل، لا بمضي زمن يمكن فيه
الفعل ولم يفعل؛ كما في طريق الإثبات، لا يختص التعليقُ بالزمان الأول؛ وبهذا قال أبو حنيفة، حيث سوّى
بين إن وإذا في أنهما على التراخي. الثاني: يقع في كل منهما بمضي زمن يمكن فيه الفعل ولم يفعل؛ لأنه أول
وقت حصل فيه عدمُ الفعلِ المعّق به، والطلاق يقع بأول حصول الصفة. وألحقوا بإذا غيرها من أخواتها فيما
ذكر نحو متى، وأي وقت لم تدخلي الدار فأنت طالقٍ، فتطلق بمعنى زمن يمكن فيه الدخول، ولم تأت به على
الراجح، وقد نظم بعضهم ضابطاً لهن الأدوات على الطريق المشهورة فقال:
أدوات التعليق في النفي للفور سوى إن وفى الثبوت رَءوها
للتراخي إلا إذا إن مع المال وشئت وكلما كرّرُوها
وقد سأل بعضهم ابن الوَزدي - رحمه الله - بقوله:
أدوات التعليق تخفى علينا هل لكم ضابط لكشف غطاها
فأجابه بقوله :
كلما للتكرار وهي ومهما إن إذا أي مَن متى معناها
للتراخي مع الثبوت إذا لم يك معها إن شئت أو إعطاها
أو ضمان والكل في جانب النفس للفور، إلا إن فذا في سواها
ينظر: نص كلام شيخنا: بدوي علي محمد في فتح الخلاق في أحكام الطلاق.

٢٧٨
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وأما التعليق بشرط فنوعان: تعليق في الملك، وتعليق بالملك، والتعليق في الملك
نوعان: حقيقي وحكمي. أما الحقيقي فنحو أن يقول لامرأته: إن دخلت هذه الدار فأنت
طالق، أو إن كلمت فلاناً، أو إن قدم فلان، ونحو ذلك؛ وإنه صحيح بلا خلاف؛ لأن الملك
موجود في الحال، فالظاهر بقاؤه إلى وقت وجود الشرط، فكان الجزاء غالب الوجود عند
وجود الشرط، فيحصل ما هو المقصود من اليمين، وهو التقوى على الامتناع من تحصيل
الشرط فصحت اليمين، ثم إذا وجد الشرط والمرأة في ملكه أو في العدة - يقع الطلاق، وإلا
فلا يقع الطلاق، ولكن تنحل اليمين لا إلى جزاء، حتى إنه لو قال لامرأته: إن دخلت هذه
الدار فأنت طالق، فدخلت الدار وهي في ملكه - طلقت، وكذا إذا أبانها قبل دخول الدار،
فدخلت الدار وهي في العدة عندنا؛ لأن المبانة يلحقها صريح الطلاق عندنا، وإن أبانها قبل
دخول الدار، وانقضت عدتها، ثم دخلت الدار - لا يقع الطلاق؛ لعدم الملك والعدة؛ ولكن
تبطل اليمين، حتى لو تزوجها ثانياً، ودخلت الدار - لا يقع شيء؛ لأن المعلق بالشرط يصير
عند الشرط كالمنجز، والتنجيز في غير الملك والعدة - باطل.
فإن قيل: أليس أن الصحيح إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم جن،
فدخلت الدار؛ أنه يقع طلاقه، ولو نجز في تلك الحالة لا يقع، فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أن التطليق كلامه السابق عند الشرط، فتعتبر الأهلية وقت وجوده وقد وجدت.
والثاني: أنا إنما اعتبرناه تنجيزاً حكماً وتقديراً، والمجنون من أهل أن يقع الطلاق على
امرأته بطريق الحكم، فإن العنين إذا أجل، فمضت المدة وقد جن - يفرق القاضي بينهما،
ويكون ذلك طلاقاً، فاطرد الكلام بحمد الله تعالى.
ولو أبانها قبل دخول الدار، ولم تدخل الدار حتى تزوجها، ثم دخلت - يقع الطلاق؛
لأن اليمين لم تبطل بالإبانة؛ لأنه يتصور عود الملك، فما قامت الجزاء على وجه لا يتصور
عوده. ولو قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثلاثاً، فطلقها واحدة أو ثنتين قبل
دخول الدار، فتزوجت بزوج آخر ودخل بها، ثم عادت إلى الزوج الأول، فدخلت - طلقت
ثلاثاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد هي طالق ما بقي من الطلقات الثلاث
شيء.
وأصل هذه المسألة أن من طلق امرأته واحدة أو اثنتين، ثم تزوجت بزوج آخر ودخل
بها، وعادت إلى الأول؛ أنها تعود بثلاث تطليقات في قولهما. وفي قول محمد: تعود بما
بقي، وهو قول زفر.
ولقب المسألة أن الزواج الثاني هل يهدم الطلقة والطلقتين، عندهما: يهدم، وعند

٢٧٩
كِتَابُ الطَّلاَقِ
محمد: لا يهدم والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - روي عن علي،
وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهم - مثل
مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف.
وروي عن عمر، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين مثل مذهب محمد وزفر، واحتجا
بقوله - سبحانه وتعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ
بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، حرم المطلقة الثلاث مطلقاً، من غير فصل بين ما إذا
تخللت إصابة الزوج الثاني الثلاث، وبين ما إذا لم يتخللها وهذه مطلقة الثلاث حقيقة؛ لأن
هذه طلقة قد سبقها طلقتان حقيقة، والطلقة الثالثة هي الطلقة التي سبقها طلقتان فدخلت تحت
النص؛ ولأن الزوج الثاني جعل في الشرع منهياً للحرمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَّهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ
مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وحتى كلمة غاية، وغاية الحرمة لا تتصور قبل
وجود الحرمة، والحرمة لم تثبت قبل الطلقات الثلاث، فلم يكن الزوج الثاني منهياً للحرمة؛
فيلحق بالعدم.
ولأبي حنيفة، وأبي يوسف: النصوص والمعقول: أما النصوص: فالعموماتُ الواردة في
باب النكاحِ؛ من نحو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله - عز
وجل: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
وقول النبي ◌ََّ: ((تَزَوَّجُوا وَلاَ تُطَلِّقُوا، فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَهْتَزُّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمُنِ))(١)، فهذه
النصوص وأمثالها تقتضي جواز النكاح، من غير فصل بين أن تكون المرأة مطلقة أو لا، وبين
أن تكون مطلقة ثلاثاً تخللها إصابة الزوج الثاني. أو لا، إلا أن المطلقة الثلاث التي لم يتخللها
إصابة الزوج الثاني خصت عن النصوص؛ فبقي ما وراءها تحتها.
وأما المعقول فمن وجهين: أحدهما: أن النكاح مندوب إليه ومسنون وعقد ومصلحة؛
لتضمنه مصالح الدين والدنيا؛ فلا يجوز أن يمنع عنه؛ لأنه يؤدي إلى التناقض؛ لأن قطع
المصلحة مفسدة، والشريعة منزهة عن التناقض، إلا أنه قد يخرج من أن يكون مصلحة بمخالفة
الأخلاق، ومباينة الطباع، أو غير ذلك من المعاني، ويقع اليأس عن استيفاء المصالح من هذه
المرأة، فشرع الطلاق لاستيفاء المصالح المطلوبة من النكاح من زوجة أخرى، إلا أن خروج
النكاح من أن يكون مصلحة لا يعرف إلا بالتأمل والتجربة؛ ولهذا فوض الطلاق إلى الزوج
لاختصاصه بكمال الرأي والعقل ليتأمل .
(١) تقدم تخريجه .

٢٨٠
كِتَابُ الطَّلاقِ
فإذا طلقها ثلاثاً على ظن المخالفة، ثم مال قلبه إليها، حتى تزوجها بعد إصابة الزوج
الثاني، الذي هو في غاية النفار في طباع الفحل، ونهاية المنع ــ دل أن طريق الموافقة بينهما
قائم، وأنه أخطأ في التجربة، وقصر في التأمل؛ فبقي النكاح مصلحة لقيام الموافقة بينهما؛ فلا
يجوز القول بحرمته؛ كما في ابتداء النكاح، بل أولى؛ لأن ثمة لم يوجد إلا دليل أصل
الموافقة، ولههنا وجد دليل كمال الموافقة، وهو الميل إليها مع وجود ما هو النهاية في النفرة.
ثم لما حل نكاحها في الابتداء لتحقيق المقاصد، فبعد إصابة الزوج الثاني أولى، وهذا
المعنى لا يوجب التفرقة بين إصابة الزوج الثاني بعد الطلقات الثلاث وبين ما قبلها، فورود
الشرع بجواز النكاح ثمة يكون وروداً لههنا دلالة، والثاني أن الحل بعد إصابة الزوج الثاني
وطلاقه إياها، وانقضاء عدتها - حل جديد، والحل الجديد لا يزول إلا بثلاث طلقات؛ كما في
ابتداء النكاح .
والدليل على أن هذا حل جديد؛ أن الحل الأول قد زال حقيقة؛ لأنه عرض لا يتصور
بقاؤه إلا أنه إذا لم يتخلل بين الحلين حرمة يجعل كالدائم بتجدد أمثاله، فيكون كشيء واحد؛
فكان زائلاً حقيقة وتقديراً، فكان الثاني حلاً جديداً، والحل الجديد لا يزول إلا بثلاث
تطليقات؛ كما في ابتداء النكاح.
وأما في قوله - تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] فنقول: هذه الآية الكريمة تتناول طلقة
ثالثة مسبوقة بطلقتين بلا فصل؛ لأن الفاء للتعقيب بلا فصل، وإصابة الزوج الثاني ههنا حاصلة
فلا يتناولها، أو تحمل الآية على ما إذا لم يدخل بها الزوج الثاني، حتى طلقها وتزوجها الأول
وطلقها واحدة؛ توفيقاً بين الدلائل.
وأما قوله بأن الشرع جعل إصابة الزوج الثاني غاية للحرمة، فنقول: كون الإصابة غاية
للحرمة يقتضي انتهاء الحرمة عند عدم الإصابة، وقد بينا أنه يثبت حل جديد بعد الإصابة، ولو
قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، فطلقها ثلاثاً قبل الدخول، وتزوجت بزوج
ودخل بها، ثم عادت إلى الأول، فدخلت الدار - لا يقع عليها شيء عند علمائنا الثلاثة، وعند
زفر: يقع عليها ثلاث تطليقات وجه قوله: إن المعلق طلقات مطلقة لا مقيدة بالحل القائم؛
لأن الحالف أطلق وما قيد، والحل القائم إن بطل بالتنجيز فقد وجد حل آخر؛ فكان التعليق
باقياً، وقد وجد الملك عند وجود الشرط فينزل المعلق؛ كما إذا قال لامرأته: إن دخلت هذه
الدار فأنت عليّ كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثاً قبل الدخول - يبقى تعليق الظهار بالدخول، حتى لو
تزوجت بزوج آخر، ثم عادت إلى الزوج الأول، فدخلت الدار - يصير مظاهراً لما ذكرنا؛ كذا
هذا .
ولنا أن المعلق طلقات الحل القائم الحال، وقد بطل على وجه لا يتصور عوده؛ فلا