النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ كِتَابُ الطَّلاَقِ الأولى: قاطعة بوجوبها. = والثانية: حاكية لقولين. الأظهر: تجب. والثاني: لا تجب، ومن أصحابنا من خرج الحرة والأمة في وجوب الكفارة عند فقد الإرادة على ثلاثة أوجه: أحدها: تجب في الحرة والأمة. ثانيها: لا تجب في الحرة ولا في الأمة. ثالثها: تجب في الأمة، ولا تجب في الحرة؛ لأن التحريم في الأمة أصل، وفي الحرة فرع، ولا ينعقد به في الأحوال كلها يمين عندنا. وقال أبو حنيفة: إنه يكون إيلاء يؤجل فيه أربعة أشهر، فإن وطىء، فعليه كفارة يمين، وإن لم يطأ حتى مضت أربعة أشهر وطلقت طلقة بائنة، ويقول: إنه لو حرّم طعامه أو ماله على نفسه، كان يميناً يلزم به كفارة يمين، ولا يلزم عندنا شيء وبتحريم طعامه، أو ماله؛ لأنه غير قادر على تحريم بخلاف الزوجة والأمة، فإنه قادر على تحريمهما بالطلاق والعتق. واستدل أبو حنيفة: على أن التحريم يمين توجب ما ذكره من الإيلاء، والكفارة بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، واستدلاله بذلك من وجهين. أحدهما: أن الذي حرمه على نفسه مختلف فيه، فحكى عروة وابن أبي مليكة؛ أنه حرّم العسل على نفسه؛ لأنه كان يشرب عند بعض نسائه، فقالت الباقيات: نجد منك ريح المغافير، وكان يكره ريحه، فحرمه على نفسه ثم كفّرْ، وحكي عن الحسن وقتادة أنه حرم مارية على نفسه؛ لأنه كان خلى بها في منزل حفصة فغارت منها فحرمها ثم كفر، فدل على وجوب الكفارة في الإماء والطعام، وكفارة اليمين تجب في الإماء والطعام. والثاني: أن الله تعالى قال ﴿قَدْ فَرِضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فدل بهذا النص على أن التحريم يمين؛ ولأن ما أوجب كفارة اليمين في الزوجة والأمة كانت يميناً توجب الكفارة في المال والطعام، كالحلف بالله تعالى .. ورد بأن المعنى في الأصل أنه حالف بالله تعالى فانعقدت به اليمين. ودليلنا قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّه لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ . فأنكر الله تعالى على نبيه تحريم ما أحله له، فدل على أن التحريم لم يقع، فبطل به قول من جعله طلاقاً وظهاراً، وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ دليل على أنه حرم ما أحل الله، ليمين حلف بها فعوتب في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين ولم يكن التحريم يميناً؛ لأن اليمين إنما تكون خبراً عن ماض، أو وعداً بمستقبل فلم يجز أن يكون يميناً، ويدل على ما قلناه ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أَلَى رَسُولَ اللهِوَ مِنْ نِسَائِهِ شَهْراً وَحَرَّمَ جَارِيَتَهُ يَوْماً بِيَمِينِهِ وَكَفَّرَ عَنْه تَحْرِيمِهِ))، فبطل بهذا أن يكون التحريم يميناً أو يصير مولياً، وأخبرت أنه كفر عن تحريم الجارية دون العسل، وبهذا سقط استدلالهم بالآنية، ويدل عليه من القياس، بأن كل لفظ عرى عن اسم الله تعالى وصفته لم تنعقد به اليمين، قياساً على سائر كنايات الطلاق، والعتاق وسائر الكلام. الصريح بغيره: أما الصريح بغيره، فهو مشتق الخلع والمفادات، وكذا لفظ المفادات على التحقيق، إذا= ٢٢٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ مثل قوله: أنت طالق، أو أنت الطلاق، أو طلقتك، أو أنت مطلقة مشدداً، سمي هذا النوع صريحاً؛ لأن الصريح في اللغة اسم لما هو ظاهر المراد مكشوف المعنى عند السامع، من قولهم: صرح فلان بالأمر، أي: كشفه وأوضحه. وسمي البناء المشرف صرحاً، لظهوره على سائر الأبنية، وهذه الألفاظ ظاهرة المراد؛ لأنها لا تستعمل إلا في الطلاق عن قيد النكاح، فلا يحتاج فيها إلى النية لوقوع الطلاق؛ إذ النية عملها في تعيين المبهم ولا إبهام فيها، وقال الله تعالى: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، شرع الطلاق من غير شرط النية، وقال - سبحانه وتعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مطلقاً، وقال - سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهِا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، حكم - سبحانه وتعالى - بزوال الحل مطلقاً عن شرط النية. وروينا أن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّهِ أَنْ يُرَاجِعَهَا، وَلَمْ يَسْأَلَهُ هَلْ نَوَىُ الطَّلاَقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ، ولو كانت النية شرطَاً لسأله، ولا مراجعة إلا بعد وقوع الطلاق، فدل على وقوع الطلاق من غير نية. وجد أحدهما مع واحد من ثلاث، ذكر المال، أو نيته أو إضمار قبول الزوجة، ويقع في الكل بائناً إن = قبلت، ويلزمه في الأول المسمى، وفي الثاني ما نواه إن اتفقت نيتهما، وإلا فما توافقا عليه، فإن اختلفا في النية رجع إلى مهر المثل، ويجب في الثالثة مهر المثل قطعاً، فإن لم تقبل لم يقع شيء إن نوى التماس قبولها، وإلا فكناية. ومن الصريح بغيره ما لو قيل له استخباراً: أطلقت زوجتك؟ فقال: نعم، أو ما يرادفها كجير وأجل، ويكون مقراً بالطلاق، فإن كان صادقاً طلقت ظاهراً وباطناً، وتكون في الباطن له زوجة إن كان كاذباً، ويصدق بيمينه إن قال: أردت طلاقاً ماضياً وراجعت، وإن لم يعرف له طلاق سابق؛ لاحتمال ما يدعيه فإن قال: كان بائناً وجددت لم يصدق إلا إن عرف له طلاق سابق. وإن قيل له ذلك؛ التماساً لإيقاع الطلاق، فقال: نعم. فوجهان: الأصح: أنه صريح في الإيقاع حالاً؛ لأن نعم قائم مقام طلقتها المراد بذكره في السؤال. الثاني: أنه كناية فيحتاج إلى نية الطلاق؛ لأن نعم ليست من صرائح الطلاق ويرد بأنها، وإن كانت ليست صريحة فيه لكنها حاكية لما قبلها اللازم منه إفادتها في مثل هذا المقام، إذ المعنى: نعم طلقتها؛ ولصراحتها في الحكاية تنزلت على قصد السائل، فكانت صريحة في الإقرار تارة، وفي الإنشاء أخرى، تبعاً لقصره. ولو جهل حال السؤال حمل على الاستخبار، وينبغي قصد الزوج فيه إن وجد. وخرج بنحو نعم ما لو أشار، وهو ناطق، أو قال: كان ذلك، أو بعض ذلك، أو الأمر على ما تقول، فإن جميع ذلك لغو. ولو اختلفا فالعبرة بقصد السائل، وإن خالفه قصد الزوج، قاله الزيادي وتوقف فيه العبادي. ولو قال له: يلزمك الطلاق ما فعلت كذا، فقال: نعم فهو صريح بخلاف إن فعلت كذا فزوجتكِ طالق فقال: نعم فإن ذلك من لغو. قاله الرملي. ينظر: نص كلام شيخنا بدوي علي محمد في فتح الخلاق في أحكام الطلاق. ٢٢٣ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال لها: أنت طالق، ثم قال: أردت أنها طالق من وثاق - لم يصدق في القضاء؛ لما ذكرنا أن ظاهر هذا الكلام الطلاق عن قيد النكاح، فلا يصدقه القاضي في صرف الكلام عن ظاهره، وكذا لا يسع المرأة أن تصدقه؛ لأنه خلاف الظاهر، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه في الجملة، والله تعالى مطلع على قلبه(١). ولو قال: أنت طالق، وقال: أردت أنها طالق من العمل - لم يصدق في القضاء، ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن هذا اللفظ لا يستعمل في الطلاق عن العمل، فقد نوى ما لا يحتمله لفظه أصلاً فلا يصدق أصلاً . وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن قال: أنت طالق، وقال: نويت الطلاق من عمل، أو قيد يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنها مطلقة من هذين الأمرين حقيقة، فقد نوى ما يحتمله حقيقة كلامه؛ فجاز أن يصدق فيه، ولو صرح فقال: أنت طالق من وثاق لم يقع في القضاء؛ لأن المرأة قد توصف بأنها طالق من وثاق وإن لم يكن مستعملاً، فإذا صرح به يحمل عليه، وإن صرح فقال: أنت طالق من هذا العمل وقع الطلاق في القضاء؛ لأن هذا اللفظ لا يستعمل في الطلاق عن العمل، لا حقيقة ولا مجازاً، ولا يقع فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمله في الجملة، وإن كان خلاف الظاهر. وعلى قياس رواية الحسن: ينبغي ألا يقع أيضاً في القضاء، ولو قال: أنت أطلق من المراءة فلان، وهي مطلقة - فذلك على نيته، إلا أن يكون جواباً لمسألة الطلاق؛ لأن لفظة: ((أفعل)) ليست صريحاً في الكلام. ألا ترى أن من قال لآخر: أنت أزنى من فلان - لم يكن قذفاً صريحاً، حتى لا يجب الحد، ومعلوم أن صريح القذف يوجب الحد، وإذا لم يكن صريحاً وقف على النية، إلا إذا خرج جواباً لسؤال الطلاق؛ فينصرف إليه بقرينة السؤال، وكذا إذا قال لها: أنت مطلقة، وخفف - فهو على نيته؛ لما ذكرنا أن الانطلاق لا يستعمل في قيد النكاح، وإنما يستعمل في القيد الحقيقي والحبس؛ فلم يكن صريحاً؛ فوقف على النية. وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: كوني طالقاً، أو اطلقي - قال: أراه واقعاً؛ لأن قوله كوني ليس أمراً حقيقة، وإن كانت صيغته صيغة الأمر، بل هو عبارة عن إثبات كونها طالقاً، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، إن قوله: کن ليس بأمر حقيقة، وإن كانت صيغته صيغة الأمر، بل هو كناية عن التكوين، ولا تكون طالقاً إلا بالطلاق، وكذا قوله: اطلقي، وكذلك إذا قال لامرأته: كوني حرة أو اعتقي. (١) في أ: نيته. ٢٢٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال: يا مطلقة وقع عليها الطلاق؛ لأنه وصفها بكونها مطلقة، ولا تكون مطلقة إلا بالتطليق، فإن قال: أردت به الشتم لا يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر؛ لأنه نوى فيما هو وصف ألا يكون وصفاً؛ فكان عدولاً عن الظاهر، فلا يصدقه القاضي، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه قد يراد بمثله الشتم، ولو كان لها زوج قبله، فقال: عنيت ذلك الطلاق دين في القضاء؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه؛ لأنه وصفها بكونها مطلقة في نفسها من غير ٦٦ب الإضافة إلى نفسه، وقد تكون/ مطلقته، وقد تكون مطلقة زوجها الأول، فالنية صادفت محلها، فصدق في القضاء، وإذا لم يكن لها زَوْجٌ قبله لا يحتمل أن تكون مطلقة غيره؛ فالصَّرْفُ الوصف إلى كونها مطلقة له. ولو قال لها: أنت طالق طالق، أو قال: أنت طالق أنت طالق، أو قال: قد طلقتك قد طلقتك، أو قال: أنت طالق قد طلقتك - يقع ثنتان إذا كانت المرأة مدخولاً بها؛ لأنه ذكر جملتين كل واحدة منهما إيقاع تام لكونه مبتدأ وخبراً، والمحل قابل للوقوع. ولو قال: عنيت بالثاني الإخبار عن الأول - لم يصدق في القضاء؛ لأن هذه الألفاظ في عرف اللغة والشرع تستعمل في إنشاء الطلاق، فصرفها إلى الإخبار يكون عدولاً عن الظاهر، فلا يصدق في الحكم المر، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن صيغتها صيغة الإخبار. ولو قال لامرأته: أنت طالق، فقال له رجل: ما قلت؟ فقال: طلقتها، أو قال: قلت: هي طالق - فهي واحدة في القضاء؛ لأن كلامه انصرف إلى الإخبار بقرينة الاستخبار. وأما الطلاق بالفارسية: فقد روي عن أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في فارسي قال لامرأته: بهشتم إن زن، أو قال: إن زن بھشتم، أو قال: بھشتم - لا یکون ذلك طلاقاً، إلا أن ينوي به الطلاق بهشتم؛ لأن معنى هذا اللفظ بالعربية خليت، وقوله: ((خليت)) من كنايات الطلاق بالعربية، فكذا هذا اللفظ، إلا أن أبا حنيفة فرق بين اللفظين من وجهين: أحدهما: أنه قال: إذا نوى الطلاق بقوله: خليت يقع بائناً، وإذا نوى الطلاق بهذه اللفظة يقع رجعياً؛ لأن هذا اللفظ يحتمل أن يكون صريحاً في لغتهم، ويحتمل أن يكون كناية؛ فلا تثبت البينونة بالشك. والثاني: قال: إن قوله: خليت في حال الغضب، وفي حال مذاكرة الطلاق - يكون طلاقاً، حتى لا يدين في قوله: إنه ما أراد به الطلاق، وهذا اللفظ في هاتين الحالتين لا يكون طلاقاً، حتى لو قال: ما أردت به الطلاق يدين في القضاء؛ لأن هذا اللفظ أقيم مقام التخلية، فكان أضعف من التخلية؛ فلا تعمل فيه دلالة الحال. ولم يفرق بينهما فيما سوى ذلك، حتى قال: إن نوى بائناً يكون بائناً، وإن نوى ثلاثاً يكون ثلاثاً؛ كما لو قال: خليت، ونوى البائن، ٢٢٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ أو الثلاث، ولو نوى ثنتين يكون واحدة؛ كما في قوله خليت، إلا أن لههنا يكون واحدة يملك الرجعة، بخلاف لفظة التخلية لما بينا. وقال أبو يوسف: إذا قال: بهشتم إن زن، أو قال: إن زن بهشتم - فهي طالق، نوى الطلاق أو لم ينو، وتكون تطليقة رجعية؛ لأن أبا يوسف خالط العجم، ودخل جرجان، فعرف أن هذا اللفظ في لغتهم صريح، قال: وإن قال: بهشتم، ولم يقل: إن زن - فإن قال ذلك في حال سؤال الطلاق، أو في حال الغضب - فهي واحدة، يملك الرجعة ولا يدين أنه ما أراد به الطلاق في القضاء. وإن قال في غير حال الغضب، ومذاكرة الطلاق - يدين في القضاء؛ لأن معنى قولهم: بهشتم: خليت، وليس في قوله: خليت إضافة إلى النكاح ولا إلى الزوجة، فلا يحمل على الطلاق إلا بقرينة نية أو بدلالة حال. وحال الغضب ومذاكرة الطلاق دليل إرادة الطلاق ظاهراً، فلا يصدق في الصرف عن الظاهر، قال: وإن نوى بائناً فبائن، وإن نوى ثلاثاً فثلاث؛ لأن هذا اللفظ - وإن كان صريحاً في الفارسية - فمعناه التخلية فى العربية؛ فكان محتملاً للبينونة، والثلاث كلفظة التخلية؛ فجاز أن يحمل عليه بالنية . وقال محمد في قوله: بهشتم إن زن، أو إن زن بهشتم؛ أن هذا صريح الطلاق؛ كما قال أبو يوسف، وقال في قوله: بهشتم أنه إن كان في حال مذاكرة الطلاق فكذلك، ولا يدين أنه ما أراد به الطلاق، وإن لم يكن في حال مذاكرة الطلاق يدين، سواء كان في حال الغضب أو الرضا؛ لأن معنى هذا اللفظ - بالعربية: أنت مخلاة، أو قد خليتك. وقال زفر: إذا قال: بهشتم، ونوى الطلاق بائناً، أو غير بائن - فهو بائن، وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن نوى اثنتين فاثنتان، وأجرى هذه اللفظة مجرى قوله: خليت، ولو قال؛ خليتك، ونوى الطلاق فهي واحدة بائنة، نوى البينونة أو لم ينو، وإن نوى ثلاثاً يكون ثلاثاً، وإن نوى اثنتين يكون اثنتين على أصله؛ فكذا هذا، هذا ما نقل عن أصحابنا في الطلاق بالفارسية . والأصل الذي عليه الفتوى في زماننا هذا في الطلاق بالفارسية؛ أنه إن كان فيها لفظ لا يستعمل إلا في الطلاق؛ فذلك اللفظ صريح يقع به الطلاق من غير نية، إذا أضيف إلى المرأة؛ مثل/ أن يقول في عرف ديارناً: دهاكم، أو في عرف خراسان والعراق: يهستم؛ لأن الصريح ٦٧أ لا يختلف باختلاف اللغات، وما كان في الفارسية من الألفاظ ما يستعمل في الطلاق وفي غيره، فهو من كنايات الفارسية؛ فيكون حكمه حكم كنايات العربية في جميع الأحكام، والله أعلم . بدائع الصنائع ج٤ - م١٥ ٢٢٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال لامرأته: أنت طالق، ونوى به الإبانة - فقد لغت نيته؛ لأنه نوى تغيير الشرع؛ لأن الشرع أثبت البينونة بهذا اللفظ مؤجلاً إلى ما بعد انقضاء العدة، فإذا نوى إبانتها للحال معجلاً، فقد نوى تغيير الشرع، وليس له هذه الولاية؛ فبطلت نيته، وإن نوى ثلاثاً لغت(١) نيته أيضاً في ظاهر الرواية . وروي عن أبي حنيفة أنه تصح نيته؛ وبه أخذ الشافعي. وجه هذه الرواية أن قوله طالق مشتق من الطلاق؛ كالضارب ونحوه، فيدل على ثبوت مأخذ الاشتقاق وهو الطلاق؛ كسائر الألفاظ المشتقة من المعاني، ألا ترى أنه لا يتصور الضارب بلا ضرب، والقاتل بلا قتل؛ فلا يتصور الطالق بلا طلاق، فكان الطلاق بائناً، فصحت نية الثلاث منه(٢) كما لو نص على الطلاق، فقال: أنت طالق طلاقاً، وكما لو قال لها: أنت بائن ونوى الثلاث؛ أنه تصح نية الثلاث لما قلنا كذا هذا. وجه ظاهر (٣) الرواية قوله - عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، أثبت الرجعة حال قيام العدة للمطلق مطلقاً، من غير فصل بين ما إذا نوى الثلاث أو لم ينو؛ فوجب القول بثبوت حتى الرجعة عند مطلق التطليق إلا بما(٤) قيد بدليل، ولأنه [نوى](٥) ما يحتمله(٦) لفظه، فلا تصح نيته كما إذا قال لها اسقيني ونوى به الطلاق، ودلالة الوصف أنه نوى الثلاث، وقوله: طالق لا يحتمل الثلاث لوجهين. أحدهما: أن طالق اسم للذات وذاتها واحد، والواحد لا يحتمل العدد إلا أن الطلاق ثبت (٧) مقتضى الطالق، ضرورة صحة التسمية بكونها طالقاً، لأن الطالق بدون الطلاق لا يتصور؛ كالضارب بدون الضرب، وهذا المقتضى غير متنوع في نفسه فكان عدماً فيما وراء صحة التسمية، وذلك على الأصل المعهود في الثابت، ضرورة أنه يتقدر بقدر الضرورة، ولا ضرورة في قبول نية الثلاث؛ فلا يثبت فيه، بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق طلاقاً؛ لأن الطلاق هناك منصوص عليه، فكان ثابتاً(٨) من جميع الوجوه، فيثبت في حق قبول النية، وبخلاف قوله: أنت بائن؛ لأن البائن مقتضاه البينونة، وأنها متنوعة إلى غليظة وخفيفة، فكان اسم البائن بمنزلة الاسم المشترك؛ لتنوع محل الاشتقاق، وهو البينونة؛ كاسم الجالس يقال: جلس، أي: قعد، وجلس أتى نَجْداً، فكان الجالس من الأسماء المشتركة لتنوع محل (١) في أ: بطلت. (٣) في أ: ولظاهر. (٥) سقط من أ. (٧) في أ: يثبت. (٢) في أ: فيه. (٤) في أ: ما. (٦) في أ: ما لا يحتمله. (٨) في أ: بيناً. ٢٢٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ الاشتقاق وهو الجلوس، فكذا البائن، والاسم المشترك لا يتعين المراد منه إلا بمعين، فإذا نوى الثلاث فقد عين إحدى نوعي البينونة؛ فصحت نيته، وإذا لم يكن له لا يقع شيء لانعدام المعين، بخلاف قوله طالق؛ لأنه مأخوذ من الطلاق، والطلاق في نفسه لا يتنوع؛ لأنه رفع القید، والقید نوع واحد . والثاني: إن سلمنا أن الطَّلاق صار(١) مَذْكُوراً على الإطلاق، لكنه في اللغة والشرع عبارة عن رفع قيد النكاح والقيد في نكاح واحد واحد، فيكون الطلاق واحداً ضرورة، فإذا نوى الثلاث فقد نوى العدد فيما لا عدد له، فبطلت نيته، فكان ينبغي ألا يقع الثلاث أصلاً، لأن (٢) وقوعه ثبت شرعاً بخلاف القياس؛ فيقتصر على مورد الشرع. ولو قال: أنت طالق طلاقاً، فإن لم تكن نية فهي واحدة، وإن نوى ثلاثاً كان ثلاثاً؛ كذا ذكر في الأصل. وفي ((الجامع الصغير)) عن(٣) أبي حنيفة، أنه لا يكون إلا واحدة، وجه هذه الرواية أنه ذكر المصدر للتأكيد؛ لما ذكرنا أن قوله: طالق يقتضي الطلاق؛ فكان قوله: طلاقاً تنصيصاً على المصدر الذي اقتضاه الطالق؛ فكان تأكيداً؛ كما يقال: قمت قياماً، وأكلت أكلاً، فلا يفيد إلا ما أفاده المؤكد، وهو قوله: طالق؛ فلا يقع إلا واحدة؛ كما لو قال: أنت طالق ونوی به الثلاث . وجه ظاهر الروايات أن قوله: طلاقاً مصدر، فيحتمل كل جنس الطلاق؛ لأن المصدر يقع على الواحد، ويحتمل الكل، قال الله تعالى: ﴿لاَ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤]، وصف الثبور الذي هو مصدر بالكثرة، والثلاث في عقد واحد كل جنس الطلاق، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله كلامه؛ فتصح نيته، وإذا لم يكن له نية يحمل على الواحد؛ لأنه/ متيقن، وقد خرج الجواب عما سبق، لأن الكلام إنما يحمل على التأكيد، ٦٧ب إذا لم يمكن حمله على فائدة جديدة، ولههنا أمكن على ما بينا. ولو نوى اثنتين لا على التقسيم في قوله: طالق طلاقاً - لا تصح نيته؛ لأن لفظ المصدر واحد، فلا بد من تحقيق معنى التوحيد فيه، ثم الشيء قد يكون واحداً من حيث الذات، وهو أن يكون ذاته واحداً من النوع؛ كزيد من الإنسان، وقد يكون واحداً من حيث النوع؛ كالإنسان من الحيوان، ولا توجد في الاثنين(٤)، لا من حيث الذات ولا من حيث النوع، فكان عدداً محضاً؛ فلا يحتمله لفظة الواحد، بخلاف الثلاث؛ فإنه واحد من حيث الجنس؛ لأنه كل جنس ما يملكه من الطلاق في هذا النكاح، وكل جنس من الأفعال يكون جنساً واحداً. (١) في أ: كان. (٣) في أ: وروي عن. (٢) في أ: إلا أن. (٤) في أ: الاثنيين. ٢٢٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ ألا ترى أنك متى عددت الأجناس تعدده جنساً واحداً من الأجناس؛ كالضرب يكون جنساً واحداً من سائر أجناس الفعل، وكذا الأكل والشرب ونحو ذلك، ولو نوى ثنتين على التقسیم تصح نيته لما نذكر. ولو قال: أنت الطلاق، ونوى الثلاث - صحت نيته؛ لأن الفعل قد يذكر بمعنى المفعول، يقال: هذا الدرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه، وهذا علم أبي حنيفة، أي: معلومه، فلو حملناه على المصدر للغي كلامه، ولو حملناه على مضي المفعول لصح؛ فكان الحمل عليه أولى، وصحت نية الثلاث؛ لأن النية تتبع المذكور، والمذكور يلازم الجنس. ولو قال لها: أنت طالق بدون الألف واللام، ذكر الطحاوي أنه لا يكون إلا واحدة، وإن نوى الثلاث، وفرق بينه وبين قوله: أنت الطلاق. وذكر الجصاص أن هذا الفرق لا يعرف له وجه، إلا على الرواية التي روى عن أبي حنيفة في قوله: أنت طالق طلاقاً أنه لا يكون إلا واحدة، وإن نوى الثلاث؛ فأما على الرواية المشهورة في التسوية بين قوله: أنت طالق الطلاق، وبين قوله: أنت طالق طلاقاً - فلا يتبين وجه الفرق بين قوله: أنت طلاق، وبين قوله: أنت الطلاق - وحكي أن الكسائي سأل محمد بن الحسن عن قول الشاعر : فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنْ وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالخُزْقُ أَشْأَمُ فَأَنْتِ طَلاَقٌ وَالطَّلاَقُ عَزِيمَةٌ ثَلاَثْ وَمَنْ يَخْرُقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ(١) فقال محمد - رحمه الله؛ إن قال: والطلاق عزيمة ثلاث طلقت واحدة بقوله: أنت طالق(٢)، وصار قوله: والطلاق عزيمة ثلاث ابتداء وخبراً غير متعلق بالأول، وإن قال: والطلاق عزيمة ثلاثاً طلقت ثلاثاً؛ كأنه قال: أنت طالق ثلاثاً، والطلاق عزيمة؛ لأن الثلاث هي في الحال تفسير الموقع فاستحسن الكسائي جوابه، وكذا لو قال: أنت طالق الطلاق، ونوى الثلاث(٣)؛ لأنه ذكر المصدر وعرفه بلام التعريف، فيستغرق كل جنس المشروع من الطلاق في هذا الملك وهو الثلاث، فإذا نوى الثلاث فقد نوى حقيقة كلامه، فصحت نيته، إلا أن عند الإطلاق لا ينصرف إليه لقرينة تمنع من التصرف إليه على ما نذكره. ولو نوى ثنتين لا على التقسيم لا تصح نيته؛ لما ذكرنا أن الطلاق مصدر، والمصدر (١) ينظر: خزانة الأدب ٤٥٩/٣، ٤٦١، وشرح شواهد المغني ١٦٨/١، وشرح المفصل ١٢/١ ومغني اللبيب ٥٣/١، ٥٤. (٢) في ط: طلاق. (٣) في أ: الطلاق. ٢٢٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ صيغته صيغة واحدة، فكان تحقيق معنى التوحيد فيه لازماً، والاثنان عدد محض لا توجد فيه بوجه، فلا يحتمله اللفظ الموضوع للتوحيد، وإنما احتمل الثلاث من حيث التوحيد؛ لأنه كل جنس ما يملكه من الطلاق في هذا الملك، وكل الجنس جنس واحد بالإضافة إلى غيره من الأجناس، وأمكن تحقيق معنى التوحيد فيه، وإن لم يكن له نية لا يقع إلا واحدة؛ لأنه وإن عرف المصدر بلام التعريف الموضوعة لاستغراق الجنس، لكنه انصرف إلى الواحد بدلالة الحال؛ لأن إيقاع الثلاث جملة محظور، والظاهر من حال المسلم ألا يرتكب المحظور، فانصرف إلى الواحد بقرينة [الحال](١)، وصار هذا كما إذا حلف لا يشرب الماء، أو لا يتزوج النساء، أو لا يكلم بني آدم؛ أنه إن نوى كل جنس من هذه الأجناس - صحت نيته، وإن لم يكن له نية ينصرف إلى الواحد من كل جنس لدلالة الحال؛ كذا هذا. ولو قال: أردت بقولي: أنت طالق واحدة، وبقولي: الطلاق، أو طلاقاً أُخرى - صدق؛ لأنه ذكر لفظين كل واحد منهما يصلح إيقاعاً تاماً؛ ألا ترى أنه إذا قال لها: أنت طالق يقع الطلاق. ولو قال: أنت الطلاق، أو طلاق يقع أيضاً، فإذا أراد بذلك، صار كأنه قال لها: أنت طالق وطالق. ولو قال لامرأته: طلقي نفسك، ونوى به الثلاث ــ صحت نيته، حتى لو قالت: طلقت نفسي ثلاثاً كان ثلاثاً؛ لأن المصدر يصير مذكوراً في الأمر؛ لأن معناه حصل طلاقاً، والمصدر يقع على الواحد، ويحتمل الكل؛ فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله/ لفظه، وإن لم يكن له ١٦٨ نية ينصرف إلى الواحد؛ لكونه متيقناً، وإن نوى ثنتين لا يصح؛ لأنه عدد محض؛ فكان معنى التوحد فيه منعدماً أصلاً ورأساً، فلا يحتمله صيغة واحدة. ولو طلق امرأته تطليقة يملك الرجعة، ثم قال لها قبل انقضاء العدة: قد جعلت تلك التطليقة التي أوقعتها عليك ثلاثاً، أو قال: قد جعلتها بائناً - اختلف أصحابنا الثلاثة فيه، قال أبو حنيفة: يكون ثلاثاً ويكون بائناً، وقال محمد: لا يكون ثلاثاً ولا بائناً، وقال أبو يوسف: يكون بائناً ولا يكون ثلاثاً. وجه قول محمد: إن الطلاق بعد وقوعه شرعاً بصفة لا يحتمل التغيير عن تلك الصفة؛ لأن تغييره يكون تغيير الشرع، والعبد لا يملك ذلك؛ ألا ترى أنه لو طلقها ثلاثاً فجعلها واحدة لا تصير واحدة؛ وكذا لو طلقها تطليقة بائنة، فجعلها رجعية لا تصير رجعية لما قلنا؛ كذا هذا. (١) سقط من ط . ٢٣٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ وجه قول أبي يوسف: أن التطليقة الرجعية يحتملُ أن يلحقها البينونة في الجملة؛ ألا ترى أنه لو تركها حتى انقضت عدتها تصير بائنةً؛ فجاز تعجيل البينونة فيها أيضاً؛ فأما الواحدة فلا يحتمل أن تصير ثلاثاً أبداً، فلغي قوله: جعلتها ثلاثاً. ولأبي حنيفة؛ أنه يملك إيقاع هذه التطليقة بائنة من الابتداء، فيملك إلحاقها بالبائنة؛ لأنه يملك إنشاء الإبانة فى هذه الحالة(١)؛ كما كان يملكها في الابتداء، ومعنى جعل الواحدة ثلاثاً؛ أنه ألحق بها تطليقتين أخريين، لا أنه جعل الواحدة(٢) ثلاثاً. فضل في الكناية في الطلاق وأما الكناية(٣) فنوعان: نوع هو كناية بنفسه وضعاً، ونوع هو ملحق بها شرعاً في حق (١) في ط: الجملة. (٣) مذهب الشافعية (٢) في ط: الواحد. أن ألفاظ الكناية على ضربين: ظاهرة. وباطنة. والظاهرةُ ستة ألفاظ وهي بتة، خليقة، برية، بائن، بتلة، حرام. والباطنة كثيرة منها: اعتدي، اذهبي، اغربي، الحقي بأهلك، حبلك على غاربك، لا حاجة لي فيك، استبرئي رحمك. سواء في المدخول بها وغيرها. وقيل: ((إن ذلك في غير المدخول بها لغو))؛ لأنها ليست محلاً لاستبراء الرحمة ومنها انكحي من شئت، استتري، تقنعي، تجردي، كلي، اشربي، ذوقي قومي، اخرجي. وما أشبه ذلك من كل لفظ احتمل الطّلاق وغيره وكلا القسمين عندنا سَوَاءٌ في وُقُوع الطلاقِ بالنية، وعدم وقوعه إن تجردت عنها، سواء ذلك في حالة الغضب أو الرضا، أو عند طلب الطلاق، أو ابتداء من غير طلب. وقال أبو حنيفة، ومالك (رحمهما الله تعالى) إن لم يقترن بكنايات الطلاق سبب من طلب، أو غضب لم يقع بها إلا مع النية وإن اقترن بها واحد منهما فعند مالك، يقع الطلاق بجميعها من غير نية. وعند أبي حنيفة يقع بستة ألفاظ منها فقط من غير نية وهي: أنت خلية، برية، بتة حرام، بائن، أمرك بيدك، ولا يقع بغيرها من الكنايات استدلالاً بأنه حكم عن سبب، فوجب أن يحمل عليه، كما أن جزاء الشرط مقصور عليه، ويرد بأن الشرط والجزاء مخالفٌ للحكم والمسبب لأمرين: أحدهما: اتصال الشرط، وانفصال السبب. ثانيهما: أن الشرط منطوق به فلم يدخله احتمال، والسبب غير منطوق؛ فدخله الاحتمال. ودليلنا: ما روي ((أن ركانة بن عبد يزيد طلَّق امرأته سهيمة البتة، وجاء إلى النبي وَلّر وقال له: طلقت امرأتي البتة. فقال لمّ ما أردتها؟ فقال: والله ما أردت إلا واحدة. فقال له النبي ◌َّو والله ما أردت إلا واحدة. فقال: والله ما أردت إلا واحدة. فقال هو ما أراد)) فرجع فيه إلى إرادته ولو اختلف حكمه بالسبب، أو عن الطلب والغضب ـ لسأله عنه ولبينه له؛ ولأن الكناية أحدُ نوعي الطَّلاَقِ فوجب ألا تختلف بالرضا والغضب كالصريح؛ ولأنها كناية لم تقترن بنية الطلاق، فلم يكن طلاقاً كالرضا، وعدم الطلب. ويقع بجميع الكنايات الظاهرة والبائنة الطلاق رجعيًّا إذا لم يرد ثلاثاً بأن أراد واحدة أو اثنتين، أو لم تكن له نية في عدده . - وقال أبو حنيفة: يقع بالكنايات الظاهرة بائناً لا يملك فيه الرجعة. استدلالاً بأن قوله: أنت بائن لفظ يقتضي البينونة، فوجب أن يقع الطلاق به بائناً كالثلاث وهو منتقض بقوله: أنت طالق ولا رجعة لي عليك، فإنه يكون رجعياً ثم المعنى في الأصل استيفاء العدد. = ٢٣١ . كِتَابُ الطَّلاَقِ ودليلنا. حديث ركانة المتقدم حين طلق امرأته سهيمة البتة، فسأله النبي و # عما أراد بالبتة، فقال: = واحدة، فأحلفه عليها وردها عليه. فدل على أنها لا تكون ثلاثاً كما يقول مالك؛ لأنه يقول يقع بالكنايات الظاهرة ثلاثاً. ولا تكون بائناً كما يقولُ أبو حنيفة. وروي أن المطلب بن حنطب طلق امرأته البتة فقال عمر: ((أمسك عليك زوجك، فإن الواحدة لا تبتّ))، وما روي عنه أنه قال: ((فإن الواحدة تبت))، فمعناه تبت بانقضاء العدةِ. وروي أن التوأمة طلَّق امرأته البتة، فقال عمر: ما أردت قال: واحدة، فاستحلفه، فقال: أتراني. أقيم على فرج حرام، فأحلفه، وأقره على نكاحه، وليس يعرف لعمر في هذا مخالف، فكان ((إجماعاً)) على مالك، وأبي حنيفة - ولأن وقوع الطلاق إذا تجرد عن عبرة وعوض كان رجعياً في المدخول بها، قياساً على قوله: أنت طالق، أو اعتدي، أو استبرئي رحمك، أو أنت واحدة. فإن أبا حنيفة وافق على هذه الأربع أن يملك بها الرجعة. ولأن صريح الطلاق أقوى من كناية فلما لم يرفع الصريح الرجعة فأولى ألا ترفعها الكناية. وإذا علمت أن الطلاق لا يقع بالكناية من غير نية، لأن قوله لزوجته أنت خليّة يحتمل من الخير أو الشر أو الزوج، وكذا أنت بائن يحتمل كذلك وكذا سائر الكنايات، فلا يخلو حال النية من أربعة أقسام. القسم الأول: أن تتقدم نيته على جميع اللفظ، فلا يقع بها الطلاق؛ لأن النية تجردت عن اللفظ وكذا اللفظ قد تجرد عنها؛ فلا يقع بهما ولا بأحدهما طلاق. القسم الثاني: أن تقارن النية جميع اللفظ فتوجد منه أوله إلى آخره، فيقع الطلاق باللفظ والنية معاً، ولا يكون وقوعه بأحدهما وإن كان اللفظ هو المغلب لظهوره. القسم الثالث: أن تتأخر النية عن جميع اللفظ، فلا يقع الطلاق؛ لما ذكر في القسم الأول مثالهما. نية الصلاة لو تقدمت على الإحرام لم تصح وكذا لو تأخرت. القسم الرابع: أن توجد النية في بعض اللفظ، ولا توجد في الباقي، ففي وقوع الطلاق ثلاثة أوجه. الأول: لا يقع مطلقاً، سواء عدمت من أوله أو آخره، وهذا ما صححه الرافعي في أصل ((المنهاج)) وجرى عليه البلقيني؛ لأن اللفظ إذا اعتبرت فيه النية كان وجودها عند بعضه كعدمها في جميعه مثل النية في تكبيرة الإحرام. الثاني: يقع الطلاق مطلقاً؛ لأن استصحاب النية في جميع ما يعتبر فيه النية ليس بلازم؛ كالصلاة، والصيام لا يلزم استصحاب النية في جميعهما، ورجح هذا ابن المقري وصححه في ((الروضة)). الثالث: وهو الأصح. يقول: إنه وجدت النية في أول اللفظ وقع بها الطلاق وإن عدمت في آخره كالصلاة إذا وجدت النية في أولها - جاز أن تعدم في آخرها. وإن وجدت النية في آخر اللفظ، وعدمت في أوله. لم يقع الطلاق؛ كالنية في آخر الصلاة؛ ولأن النية إذا انعقدت مع أول اللفظ - كان باقيه راجعاً إليها، وإذا خلت من أوله صار لغواً، وكان ما بقي منه مع النية ناقصاً؛ فخرج من كنايات الطلاق، وهذا التفصيل أشبه بنص الشافعي؛ لأنه قال: ((لم يكن طلاقاً حتى يبتديه ونية الطلاق، فاعتبرها في ابتداء اللفظ)) . وابتداء اللفظ هو الباء من بائن أو المبتدا، فيه وجهان: الأول: صرح به الماوردي، والروياني، والبندنيجي، ومثل الماوردي؛ لقرنها بأول اللفظ فقال: ((مثل أن يقول لها: أنت بائن فينوي عند قوله: أنت بَا ويترك النية عند قوله: ئن)) ومثل الأخيران يقرنها بالخاء من = ٢٣٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ النية. أما النوع الأول فهو كل لفظ يستعمل في الطلاق، ويستعمل في غيره؛ نحو قوله: أنت بائن، أنت عليَّ حرام، خلية، بريئة، بتة، أمرك بيدك، اختاري اعتدي، استبري رحمك، أنت واحدة، خليت سبيلك، سرحتك، حبلك على غاربك، فارقتك خالعتك ولم يذكر العوض، لا سبيل لي عليك، لا ملك لي عليك لا نكاح لي عليك، أنت حرة قومي أخرجي، اغربي، انطلقي، انتقلي، تقنعي، استتري، تزوجي، ابتغي الأزواج، إلحقي بأهلك، ونحو ذلك - سمي هذا النوع من الألفاظ كناية؛ لأن الكناية في اللغة اسم لفظ اسْتَتَرَ المراد منه عند السامع، وهذه الألفاظ مستترة المراد عند السامع. فإن قوله: بائن يحتمل البينونة عن النكاح، ويحتمل البينونة عن الخير وعن (١) الشر. وقوله: حرام يحتمل حرمة الاستمتاع، ويحتمل حرمة البيع والقتل والأكل، ونحو ذلك. وقوله: خلية: مأخوذ من الخلو، فيحتمل الخلو عن الزوج والنكاح، ويحتمل الخلو عن الخير أو الشر. وقوله: بريئة من البراءة، فيحتمل البراءة من النكاح، ويحتمل البراءة من الخير أو الشر. وقوله: بتة من البت، وهو القطع، فيحتمل القطع عن النكاح، ويحتمل القطع عن الخير أو عن الشر. وقوله: أمرك بيدك: يحتمل في الطلاق، ويحتمل في أمر آخر من الخروج والانتقال، وغير ذلك. وقوله: اختاري يحتمل اختيار الطلاق، ويحتمل اختيار البقاء على النكاح. وقوله: اعتدي أمر بالاعتداد، وأنه يحتمل الاعتداد الذي هو من العدة، ويحتمل الاعتداد الذي هو من العدد، أي: اعتدي نعمتي التي أنعمت عليك. وقوله: استبري رحمك، أمر بتعريف براءة الرحم، وهو طهارتها عن الماء، وأنه كناية عن الاعتداد الذي هو من العدة، ويحتمل استبري رحمك لأطلقك. خلية؛ وذلك لأن الكلام في الكنايات وهو ظاهر، والنية جعلت لصرف اللفظ إلى أحد محتملاته، = والمحتمل هو لفظ بائن مثلاً. وأما أنت فإنما يدل على المخاطب. الثاني: أين ابن الرفعة، وهو الأوجه - لأن أنت أو زوجتي أو فلانة مثلاً وإن لم يكن جزءاً من الكنايات فهو كالجزء منها؛ لأن معناها المقصود لا يتأدی بدونه. ينظر نص كلام شيخنا بدوي علي محمد في فتح الخلاق في أحكام الطلاق. (١) في ط: أو الشر. ٢٣٢ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقوله: أنت واحدة يحتمل أن تكون الواحدة صفة الطلقة، أي: طالق واحدة، أي: طلقة واحدة، ويحتمل التوحيد في الشرف، أي: أنت واحدة في الشرف. وقوله: خليت سبيلك يحتمل سبيل النكاح، ويحتمل سبيل الخروج من البيت لزيارة الأبوين أو لأمر آخر. وقوله: سرحتك، يعني: خليتك، يقال: سرحت إبلي وخليتها بمعنى واحد، وقوله: حبلك على غاربك استعارة عن التخلية، لأن الجمل إذا ألقى حبله على غاربه، فقد خلي سبيله یذهب حیث شاء. وقوله: فارقتك، يحتمل المفارقة عن النكاح، ويحتمل المفارقة عن المكان والمضجع، وعن الصداقة. وقوله: خالعتك، ولم يذكر العوض يحتمل الخلع عن نفسه بالطلاق، ويحتمل الخلع عن نفسه بالهجر عن الفراش، ونحو ذلك. وقوله: لا سبيل لي عليك يحتمل سبيل النكاح، ويحتمل سبيل البيع والقتل ونحو ذلك، وكذا قوله: لا ملك لي عليك يحتمل ملك النكاح، ويحتمل ملك البيع ونحو ذلك. وقوله: لا نكاح لي عليك؛ لأني قد طلقتك، ويحتمل لا نكاح لي عليك، أي: لا أتزوجك إن طلقتك، ويحتمل لا نكاح لي عليك، أي: لا أطؤك؛ لأن النكاح يذكر بمعنى الوطء . وقوله: أنت حرام(١) يحتمل/ الخلوص عن ملك النكاح، ويحتمل الخلوص عن ملك ٦٨ب اليمين ونحو ذلك، وقوله: قومي واخرجي واذهبي يحتمل، أي: افعلي ذلك؛ لأنك قد طلقت، والمرأة إذا طلقت من زوجها تقوم وتخرج من بيت زوجها، وتذهب حيث تشاء، ويحتمل التّبعيد(٢) عن نفسه مع بقاء النكاح. وقوله اغربي: عبارة عن البعد، أي: تباعدي، فيحتمل البعد من النكاح، ويحتمل البعد من الفراش، وغير ذلك. وقوله: انطلقي وانتقلي يحتمل الطلاق؛ لأنها تنطلق وتنتقل عن بيت(٣) زوجها إذا طلقت، ويحتمل الانطلاق والانتقال إلى بيت أبويها للزيارة، ونحو ذلك. (١) في أ: حرة. (٢) في ط: التقيد. (٣) في أ: من بيت. ٢٣٤ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقوله: تقنعي واستتري أمر بالتقنع والاستتار، فيحتمل الطلاق؛ لأنها إذا طلقت يلزمها ستر رأسها بالقناع، وستر أعضائها بالثوب عن زوجها، ويحتمل: تقنعي واستتري، أي: كوني متقنعة ومستورة؛ لئلا يقع بصر أجنبي عليك. وقوله: تزوجي يحتمل الطلاق؛ إذ لا يحل لها التزوج بزوج آخر إلا بعد الطلاق، ويحتمل تزوجي إن طلقتك، وكذا قوله: ابتغي الأزواج. وقوله: إلحقي بأهلك يحتمل الطلاق؛ لأن المرأة تلحق بأهلها إذا صارت مطلقة، ويحتمل الطرد والإبعاد عن نفسه مع بقاء النكاح، وإذا احتملت هذه الألفاظ الطلاق وغير الطلاق، فقد استتر المراد منها عند السامع، فافتقرت إلى النية لتعيين المراد، ولا خلاف في هذه الجملة إلا في ثلاثة ألفاظ، وهي قوله: سرحتك فارقتك، وأنت واحدة، فقال أصحابنا: قوله: سرحتك، وفارقتك من الكنايات؛ لا يقع الطلاق بهما إلا بقرينة النية؛ كسائر الكنايات. وقال الشافعي: هما صريحان، لا يفترقان إلى النية كسائر الألفاظ الصريحة؛ وقوله: أنت واحدة من الكنايات عندنا، وعنده هو ليس من ألفاظ الطلاق، حتى لا يقع الطلاق به وإن نوی . أما المسألة الأولى فاحتج الشافعي بقوله - سبحانه وتعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بَإِحْسَانٍ﴾؛ والتسريح هو التطليق، وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، والمفارقة هي التطليق، فقد سمى الله - عز وجل - الطلاق بثلاثة أسماء: الطلاق، والسراح، والفراق، ولو قال لها: طلقتك كان صريحاً؛ فكذا إذا قال: سرحتك أو فارقتك. ولنا أن صريح الطلاق هو اللفظُ الذي لا يستعمل إلا في الطلاق عن قيد النكاح؛ لما ذكرنا أن الصريح في اللغة اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع، وما كان مستعملاً فيه وفي غيره ولا يكون ظاهر المراد، بل يكون مستتر المراد، ولفظ السراح والفراق يستعمل في غير قيد النكاح، يقال: سرحت إبلي، وفارقت صديقي؛ فكان كناية لا صريحاً، فيفتقر إلى النية، ولا حجة في له الآيتين؛ لأنا نقول بموجبهما: إن السراح والفراق طلاق، لكن بطريق الكناية لا صريحاً؛ لانعدام معنى الصريح على ما بينا. وأما المسألة الثانية فوجه قوله: إن قوله: أنت واحدة صفة المرأة، فلا يحتمل الطلاق؛ كقوله: أنت قائمة، وقاعدة، ونحو ذلك. ولنا أنه لما نوى الطلاق فقد جعل الواحدة نعتاً لمصدر محذوف، أي: طلقة واحدة، وهذا شائع في اللغة، يقال: أعطيته جزيلاً، وضربته وجيعاً، أي: عطاء جزيلاً، وضرباً وجيعاً؛ ولهذا يقع الرَّجعي عندنا دون البائن. ٢٣٥ كِتَابُ الطَّلاَقِ واختلف مشايخنا في محل الخلاف، قال بعضهم: الخلاف فيما إذا قال واحدة بالوقف ولم يعرب، فأما إذا أعرب الواحدة فلا خلاف فيها؛ لأنه إن رفعها لا يقع الطلاق بالإجماع؛ لأنها حينئذٍ تكون صفة الشخص، وإن نصبها يقع الطلاق بالإجماع؛ لأنها حينئذٍ تكون نعتاً لمصدر محذوف على ما بينا، فكان موضع الخلاف ما إذا وقفها ولم يعربها، ويحتمل أن يقال: إن موضع الرفع محل الاختلاف أيضاً؛ لأن معنى قوله: أنت واحدة، أي: أنت منفردة عن النكاح. وقال أكثر المشايخ: إن الخلاف في الكل ثابت؛ لأن العوام لا يهتدون إلى هذا، ولا يميزون بين إعراب وإعراب، ولا خلاف أنه لا يقع الطلاق بشيء من ألفاظ الكناية إلا بالنية، فإن كان قد نوى الطلاق يقع فيما بينه وبين الله تعالى، وإن كان لم ينو لا يقع فيما بينه وبين الله تعالى، وإن ذكر شيئاً من ذلك، ثم قال: ما أردت به الطلاق يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الله تعالى يعلم سره ونجواه، وهل يدين في القضاء؛ فالحال لا يخلو؛ إما أن كانت حالة الرضا وابتدأ الزوج بالطلاق، وإما إذا كانت حالة مذاكرة الطلاق وسؤاله، وإما إن كانت حالة الغضب والخصومة. فإن كانت حالة الرضا/ وابتدأ الزوج بالطلاق - يدين في القضاء في جميع ١٦٩ الألفاظ؛ لما ذكرنا أن كل واحد من الألفاظ يحتمل الطلاق وغيره، والحال لا يدل على أحدهما، فيسئل عن نيته ويصدق في ذلك قضاء، وإن كانت حال مذاكرة الطلاق وسؤاله، أو حالة الغضب والخصومة، فقد قالوا: إن الكنايات أقسام ثلاثة: في قسم منها لا يدين في الحالين جميعاً؛ لأنه ما أراد به الطلاق، لا في حالة مذاكرة الطلاق وسؤاله، ولا في حالة الغضب والخصومة، وفي قسم منها يدين في حال الخصومة والغضب، ولا يدين في حال ذكر الطلاق وسؤاله، وفي قسم منها يدين في الحالين جميعاً. أما القسم الأول: فخمسة ألفاظ: أمرك بيدك، اختاري، اعتدي، استبري رحمك، أنت واحدة؛ لأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره، والحال يدل على إرادة الطلاق؛ لأن حال الغضب والخصومة إن كانت تصلح للشتم والتبعيد كما تصلح للطلاق - فحال مذاكرة الطلاق تصلح للتبعيد والطلاق، لكن هذه الألفاظ لا تصلح للشتم ولا للتبعيد، فزال احتمال إرادة الشتم والتبعيد؛ فتعينت الحالة دلالة على إرادة الطلاق، فترجح جانب الطلاق بدلالة الحال، فثبتت إرادة الطلاق في كلامه ظاهراً، فلا يصدق في الصرف عن الظاهر؛ كما في صريح الطلاق، إذا قال لامرأته: أنت طالق، ثم قال: أردت به الطلاق عن الوثاق - لا يصدق في القضاء لما قلنا؛ كذا هذا. وأما القسم الثاني: فخمسة ألفاظ أيضاً: خلية، بريئة، بتة، بائن، حرام؛ لأن هذه الألفاظ كما تصلح للطلاق تصلح للشتم، فإن الرجل يقول لامرأته عند إرادة الشتم: أنت خلية ٢٣٦ كِتَابُ الطَّلاَقِ من الخير، بريئة من الإسلام، بائن من الدين، بتة من المروءة، حرام، أي: مستخبث، أو حرام الاجتماع والعشرة معك، وحال الغضب والخصومة يصلح للشتم، ويصلح للطلاق، فبقي اللفظ في نفسه محتملاً للطلاق وغيره، فإذا عنى به غيره فقد نوى ما يحتمله كلامه، والظاهر لا يكذبه، فيصدق في القضاء، ولا يصدق في حال ذكر الطلاق؛ لأن الحال لا يصلح إلا للطلاق؛ لأن هذه الألفاظ لا تصلح للتبعيد، والحال لا يصلح للشتم؛ فيدل على إرادة الطلاق، لا التبعيد ولا الشتم؛ فترجحت جنبة الطلاق بدلالة الحال. وروى عن أبي يوسف أنه زاد على هذه الألفاظ الخمسة خمسة أُخرى: لا سبيل لي عليك، فارقتك، خليت سبيلك، لا ملك لي عليك، بنت مني؛ لأن هذه الألفاظ تحتمل الشتم كما تحتمل الطلاق، فيقول الزوج: لا سبيل لي عليك لشرك، وفارقتك في المكان لكراهة اجتماعي معك، وخليت سبيلك وما أنت عليه، ولا ملك لى عليك؛ لأنك أقل من أن أتملكك، وبنت مني؛ لأنك بائن من الدين أو الخير، وحال الغضب يصلح لهما، وحال ذكر الطلاق لا يصلح إلا للطلاق لما ذكرنا؛ فالتحقت بالخمسة المتقدمة. وأما القسم الثالث: فبقية الألفاظ التي ذكرناها؛ لأن تلك الألفاظ لا تصلح للشتم، وتصلح للتبعيد والطلاق؛ لأن الإنسان قد يبعد الزوجة عن نفسه حال الغضب من غير طلاق، وكذا حال سؤال الطلاق، فالحال لا يدل على إرادة أحدهما، فإذا قال: ما أردت به الطلاق فقد نوى ما يحتمله لفظه، والظاهر لا يخالفه؛ فيصدق في القضاء. وكذلك لو قال: وهبتك لأهلك، قبلوها أو لم يقبلوها؛ لأنها هنا تحتمل الطلاق؛ لأن المرأة بعد الطلاق ترد إلى أهلها، ويحتمل التبعيد عن نفسه، والنقل إلى أهلها مع بقاء النكاح، والحال لا يدل على إرادة أحدهما فبقي محتملاً، وسواء قبلها أهلها أو لم يقبلوها؛ لأن كون التصرف هبة في الشرع لا يقف على قبول الموهوب له، وإنما الحاجة إلى القبول لثبوت الحكم، فكان القبول شرط الحكم وهو الملك، وأهلها لا يملكون طلاقها؛ فلا حاجة إلى القبول . وكذا إذا قال: وهبتك لأبيك أو لأمك أو للأزواج؛ لأن العادة أن المرأة بعد الطلاق ترد إلى أبيها وأمها وتسلم إليهما، ويملكها الأزواج بعد الطلاق، فإن قال: وهبتك لأخيك أو لأختك، أو لخالتك أو لعمتك، أو لفلان الأجنبي - لم يكن طلاقاً؛ لأن المرأة لا ترد بعد الطلاق على هؤلاء عادة . ولو قال لامرأته: لست لي بامرأة، ولو قال لها: ما أنا بزوجك، أو سئل فقيل له: هل لك امرأة، فقال: لا، فإن قال: أردت الكذب يصدق في الرضا والغضب جميعاً، ولا يقع الطلاق . ٢٣٧ كِتَابُ الطَّلاَقِ وإن قال: نويت (١) الطلاق يقع الطلاق على قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف/ ومحمد: ٦٩ب لا يقع الطلاق، وإن نوى، ولو قال: لم أتزوجك ونوى الطلاق - لا يقع الطلاق بالإجماع، وكذا إذا قال: والله ما أنت لي بامرأة، أو قال: على حجة ما أنت لي بامرأة؛ أنه لا يقع الطلاق وإن نوى بالاتفاق. وجه قولهما: أن قوله: لست لي بامرأة، أو لا امرأة لي، أو ما أنا بزوجك - كذب، لأنه إخبار عن انتفاء الزوجية مع قيامها، فيكون كذباً؛ فلا يقع به الطلاق؛ كما إذا قال: لم أتزوجك، أو قال: والله ما أنت لي بامرأة. ولأبي حنيفة أن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق، فإنه يقول: لست لي بامرأة، لأني قد طلقتك، فكان محتملاً للطلاق، وكل لفظ يحتمل الطَّلاَقَ، إذا نوى به الطلاق - كان طلاقاً؛ كقوله: أنت بائن، ونحو ذلك، بخلاف قوله: لم أتزوجك؛ لأنه لا يحتمل الطلاق؛ لأنه نفى فعل التزوج أصلاً ورأساً، وأنه لا يحتمل الطلاق؛ فلا يقع به الطلاق، وبخلاف قوله: والله ما أنت لي بامرأة؛ لأن اليمين على النفي تتناول الماضي، وهو كاذب في ذلك؛ فلا يقع به شيء. ولو قال: لا حاجة لي فيك لا يقع الطلاق، وإن نوى؛ لأن عدم الحاجة لا يدل على عدم الزوجية، فإن الإنسان قد يتزوج بمن لا حاجة له إلى تزوجها؛ فلم يكن ذلك دليلاً على انتفاء النكاح؛ فلم يكن محتملاً للطلاق. وقال محمد: فيمن قال لامرأته: أفلحي يريد به الطلاق؛ أنه يقع به للطلاق؛ لأن قوله: أفلحي بمعنى: اذهبي، فإن العرب تقول للرجل: أفلح بخير، أي: اذهب بخير، ولو قال لها: اذهبي [يريد به] (٢) الطلاق - كان طلاقاً؛ كذا هذا. ويحتمل قوله: أفلحي، أي: اظفري بمرادك، يقال: أفلح الرجل إذا ظفر بمراده وقد يكون مرادها الطلاق، فكان هذا القولُ محتملاً للطلاق، فإذا نوى به الطلاق صحت نيته، ولو قال: فسخت النكاح بيني وبينك، ونوى الطلاق - يقع الطلاق؛ لأن فسخ النكاح نقضه؛ فكان في معنى الإبانة. ولو قال: وهبت لك طلاقاً، وقال: أردت به أن يكون الطلاق في يدك - لا يصدق في القضاء ويقع الطلاق؛ لأن الهبة تقتضي زوال الملك، وهبة الطلاق منها تقتضي زوال ملكه عن الطلاق، وذلك بوقوع الطلاق، وجعل الطلاق في يدها تمليك الطلاق إياها؛ فلا يحتمله اللفظ الموضوع للإزالة . (١) من أ: أردت. (٢) ما بين المعکوفین في أ: ونوی. ٢٣٨ كِتَابُ الطَّلاَقِ وروي عن أبي حنيفة رواية أُخرى؛ أنه لا يقع به شيء؛ لأن الهبة تمليك، وتمليك الطلاق إياها هو أن يجعل إليها إيقاعه، ويحتمل قوله: وهبت لك طلاقك، أي: أعرضت عن إيقاعه؛ فلا يقع به شيء، ولو أراد أن يطلقها، فقالت له: هب لي طلاقي تريد أعرض عنه، فقال: قد وهبت لك طلاقك - يصدق في القضاء؛ لأن الظاهر أنه أراد به ترك الإيقاع؛ لأن السؤال وقع به، فينصرف الجواب إليه، ولو قال: تركت طلاقك، أو خليت سبيل طلاقك، وهو يريد الطلاق - وقع؛ لأن ترك الطلاق، وتخلية سبيله ــ قد يكون بالإعراض عنه، وقد يكون بإخراجه عن ملكه، وذلك بإيقاعه؛ فكان اللفظ محتملاً للطلاق وغيره؛ فتصح نيته. ولو قال: أعرضت عن طلاقك، أو صفحت عن طلاقك، ونوى الطلاق - لم تطلق؛ لأن الإعراض عن الطلاق يقتضي ترك التصرف فيه، والصفح هو الإعراض، فلا يحتمل الطلاق ولا تصح نيته، وكذا كل لفظ لا يحتمل الطلاق لا يقع به الطلاق، وإن نوى مثل قوله: بارك الله عليك، أو قال لها: أطعميني، أو اسقيني، ونحو ذلك، ولو جمع بين ما يصلح للطلاق وبين ما لا يصلح له؛ بأن قال لها: اذهبي وكلي، أو قال: اذهبي وبيعي الثوب، ونوى الطلاق بقوله: اذهبي - ذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن في قول أبي يوسف لا يكون طلاقاً، وفي قول زفر: یکون طلاقاً . وجه قول زفر؛ أنه ذكر لفظين: أحدهما يحتمل الطلاق، والآخر لا يحتمله؛ فيلغو ما لا يحتمله ويصح ما يحتمله . . . ولأبي يوسف أن قوله: اذهبي مقروناً بقوله: كلي أو بيعي - لا يحتمل الطلاق؛ لأن معناه: اذهبي لتأكلي الطعام، واذهبي لتبيعي الثوب، والذهاب للأكل والبيع لا يحتمل الطلاق؛ فلا تعمل نيته، ولو نوى في شيء من الكنايات التي هي بوائن أن يكون ثلاثاً؛ مثل قوله: أنت بائن، أو أنت علي حرام، أو غير ذلك - يكون ثلاثاً، إلا في قوله اختاري؛ لأن البينونة نوعان: غليظة وخفيفة، فالخفيفة هي التي تحل له المرأة بعد بينونتها بنكاح جديد بدون التزوج بزوج آخر؛ والغليظة ما لا تحل له إلا بنكاح جديد بعد التزوج بزوج آخر، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله لفظه. والدليل عليه ما روي أن ركانة بن زيد، أو زيد بن ركانة طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَنَّةَ فاستحلفه ١٧٠ رَسُولُ اللهِ وَ لَّ مَا أَرَذْتَ ثَلاثًا، فلو لم يكن اللفظ محتملاً للثلاث - لم يكن للاستحلاف معنى، وكذا قوله: أنت علي حرام يحتمل الحرمة الغليظة والخفيفة؛ فإذا نوى الثلاث فقد نوى إحدى نوعي الحرمة فتصح نيته، وإن نوى ثنتين كانت واحدة في قول أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: يقع ما نوى، وجه قوله: أن الحرمة والبينونة أنواع ثلاثة: ٢٣٩ كِتَابُ الطَّلاَقِ وقال زفر: يقع ما نوى، وجه قوله: أن الحرمة والبينونة أنواع ثلاثة: خفيفة، وغليظة، ومتوسطة بينهما، ولو نوى أحد النوعين صحت نيته، فكذا إذا نوى الثلاث؛ لأن اللفظ يحتمل الكل على وجه واحد. ولنا أن قوله: بائن أو حرام اسم للذات، والذات واحدة؛ فلا تحتمل العدد، وإنما احتمل الثلاث من حيث التوحد على ما بينا في صريح الطلاق، ولا توجد في الاثنين أصلاً، بل هو عدد محض، فلا يحتمله الاسم الموضع للواحد، مع ما أن الحاصل بالثنتين، والحاصل بالواحدة سواء؛ لأن أثرهما في البينونة والحرمة سواء؛ ألا ترى أنها تحل في كل واحدة منهما بنكاح جديد من غير التزوج بزوج آخر؛ فكان الثابت بهما بينونة خفيفة وحرمة خفيفة؛ كالثابت بالواحد؛ فلا يكون لههنا قسم ثالث في المعنى. وعلى هذا قال أصحابنا: إنه إذا قال لزوجته الأمة: أنت بائن أو حرام ينوي الثنتين - يقع ما نوى؛ لأن الاثنتين في الأمة كل جنس الطلاق في حقها؛ فكان الثنتان في حق الأمة كالثلاث في حق الحرة. وقالوا: لو طلق زوجته الحرة واحدة، ثم قال لها: أنت بائن أو حرام، ينوي اثنتين - كانت واحدة؛ لأن الاثنتين بأنفسهما ليسا كل جنس طلاق الحرة بدون الطلقة المتقدمة. ألا ترى أنها لا تبين، فالاثنتين بينونة غليظة بدونها، ولو نوى بقوله: اعتدي، واستبري رحمك، وأنت واحدة ثلاثاً - لم تصح؛ لأن هذه الألفاظ في حكم الصريح؛ ألا ترى أن الواقع بها رجعية، فصار كأنه قال: أنت طالق، ونوى به الثلاث؛ ولأن قوله: أنت واحدة لا يحتمل أن يفسر بالثلاث، فلا يحتمل نية الثلاث، وكذا قوله: اعتدي واستبري رحمك؛ لأن الواقع بكل واحدة منهما رجعي؛ فصار كقوله: أنت واحدة، وكذا لو نوى بها اثنتين لا يصح لما قلنا بل أولى؛ لأن الاثنتين عدد محض، والله أعلم. فضلْ في النوع الثاني وأما النوع الثاني: فهو أن يكتب على قرطاس، أو لوح، أو أرض، أو حائط كتابة مستبينة، لكن لا على وجه المخاطبة: امرأته طالق فيسئل عن نيته، فإن قال: نويت به الطلاق وقع، وإن قال: لم أنو به الطلاق صدق في القضاء: لأن الكتابة على هذا الوجه بمنزلة الكتابة؛ لأن الإنسان قد يكتب على هذا الوجه، ويريد به الطلاق، وقد يكتب لتجويد الخط؛ فلا يحمل على الطلاق إلا بالنية، وإن كتب كتابة غير مستبينة؛ بأن كتب على الماء أو على الهواء، فذلك ليس بشيء، حتى لا يقع به الطلاق وإن نوى؛ لأن ما لا نستبين به الحروف لا يسمى كتابة، فكان ملحقاً بالعدم، وإن كتب كتابة مرسومة على طريق الخطاب والرسالة؛ مثل أن يكتب: أما بعد يا فلانة، فأنت طالق، أو إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق - يقع به الطلاق. ٢٤٠ كِتَابُ الطَّلاَقِ ولو قال: ما أردت به الطلاق أصلاً لا يصدق، إلا أن يقول: نويت طلاقاً من وثاق؛ فيصدق فيما بينه وبين الله - عز وجل - لأن الكتابة المرسومة جارية مجرى الخطاب؛ ألا ترى أن رسول الله وَلَ كَانَ يُبَلِّغُ بِالْخِطَابِ مَرَّةً وَبِالْكِتَابِ أُخْرَى وَبِالرَّسُولِ ثَالِثاً، وكان التبليغ بالكتاب - والرسول كالتبليغ بالخطاب، فدل أن الكتابة المرسومة بمنزلة الخطاب، فصار كأنه خاطبها بالطلاق عند الحضرة، فقال لها: أنت طالق، أو أرسل إليها رسولاً بالطلاق عند الغيبة، فإذا قال: ما أردت به الطلاق فقد أراد صرف الكلام عن ظاهره فلا يصدق، ثم إن كتب على الوجه المرسوم ولم يعلقه، بشرط بأن كتب: أما بعد يا فلانة فأنت طالق - وقع الطلاق عقيب كتابة لفظ - الطلاق بلا فصل؛ لما ذكرنا أن كتابة قوله: أنت طالق على طريق المخاطبة بمنزلة التلفظ بها، وإن علقه بشرط الوصول إليها؛ بأن كتب إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق - لا يقع الطلاق، حتى يصل إليها؛ لأنه علق الوقوع بشرط الوصول، فلا يقع قبله، كما لو علقه بشرط آخر. وقالوا فيمن كتب كتاباً على وجه الرسالة، وكتب: إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق، ثم محا ذكر الطلاق منه، وأنفذ الكتاب وقد بقي منه كلام يسمى كتاباً ورسالة - وقع الطلاق؛ لوجود الشرط وهو وصول الكتاب إليها، فإن محا ما في الكتاب حتى لم يبق منه كلام يكون ٧٠ب رسالة - لم يقع الطلاق وإن/ وصل؛ لأن الشرط وصول الكتاب ولم يوجد؛ لأن ما بقي منه لا يسمى كتاباً، فلم يوجد الشرط؛ فلا يقع الطلاق، والله أعلم، هذا الذي ذكرنا بيان الألفاظ التي يقع بها الطلاق في الشرع. فضل في الرجعي والبائن وأما بيان صفة الواقع بها، فالواقع بكل واحد من النوعين اللذين ذكرناهما من الصريح والكناية نوعان: رجعي وبائن، أما الصريح الرجعي؛ فهو أن يكون الطلاق بعد الدخول حقيقة غير مقرون، بعوض، ولا بعدد الثلاث، لا نصاً ولا إشارة، ولا موصوفاً بصفة تنبىء عن البينونة، أو تدل عليها من غير حرف العطف، ولا مشبه بعدد أو وصف تدل عليها. وأما الصريح البائن فبخلافه، وهو أن يكون بحروف الإبانة، أو بحروف الطلاق، لكن قبل الدخول حقيقة أو بعده، لكن مقروناً بعدد الثلاث نصّاً أو إشارة، أو موصوفاً بصفة [تنبىء عن البينونة أو] (١) تدل عليها [من غير حرف عطف أو شبه بعدد أو صفة تدل عليها](٢) إذا (١) سقط من ط . (٢) سقط من ط .