النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كِتَابُ الأَیْمَانِ ومن مشايخنا من قسم الجواب في الجب، فقال: إن كان ملآن فهو على الاختلاف؛ لأن الحقيقة مقصورة الوجود، وإن كان غير ملآن فاغترف - يحنث بالإجماع؛ لعدم تصور الحقيقة، فتنصرف يمينه إلى المجاز. ولو حلف لا يشرب من هذا الكوز - انصرفت يمينه إلى الحقيقة إجماعاً؛ لتصور الحقيقة عنده وعندهما للعرف، فإن نقل الماء من كوز إلى كوز، وشرب من الثاني لا يسمى شارباً من الكوز الأول. وإن حلف لا يشرب من ماء هذا الجب، فاغترف منه بإناء فشرب - حنث بالإجماع؛ لأنه عقد يمينه على ماء ذلك الجب، وقد شرب من مائه، فإن حول ماءه إلى جب آخر، فشرب منه - فالكلام فيه كالكلام فيمن حلف لا يشرب من ماء الفرات، فشرب من نهر يأخذ الماء من الفرات وقد مر. ولو قال: لا أشرب من ماء هذا الجب ـ فالكلام فيه كالكلام في قوله: لا أشرب من ماء دجلة وقد ذكرناه، ولو حلف لا يشرب من هذه البئر، أو من مائها، فاستقى منها وشرب - حنث؛ لأن الحقيقة غير متصورة الوجود؛ فيصرف إلى المجاز. وقالوا فيمن حلف: لا يشرب من ماء المطر، فمدت الدجلة من المطر فشرب - لم يحنث؛ لأنه إذا حصل في الدجلة انقطعت الإضافة إلى المطر، فإن شرب من ماء واد سال من المطر. لم يكن فيه ماء قبل ذلك أو جاء من ماء مطر مستنقع في قاع - حنث؛ لأنه لما لم يضف إلى نهر - بقيت الإضافة إلى المطر كما كانت . ولو حلف لا يشرب من ماء فرات، فشرب من ماء دجلة، أو نهر آخر، أو بئر عذبة - يحنث؛ لأنه منع نفسه من شرب ماء عذب؛ إذ الفرات في اللغة عبارة عن العذب، قال الله - عز وجل: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءَ فُرَاتاً﴾ [المرسلات: ٢٧]، ولما أطلق الماء، ولم يضفه إلى الفرات فقد جعل الفرات نعتاً للماء، وقد شرب من الماء المنعوت؛ فيحنث، وفي الفصل الأول أضاف الماء إلى الفرات، وعرف الفرات بحرف التعريف، فيصرف إلى النهر المعروف المسمى بالفرات. وأما الحلف على الذوق: فالذوق هو إيصال الذوق إلى الفم، ابتلعه أو لا، بعد أن وجد طعمه؛ لأنه من أحد الحواس الخمس الموضوعة للعلم بالمذوقات؛ كالسمع، والبصر، والشم، واللمس للعلم بالمسموعات، والمبصرات والمشمومات والملموسات، والعلم بالطعم يحصل بحصول الذوق في فمه، سواء ابتلعه أو مجه، فكل أكل فيه ذوق، وكل ذوق أكلا؛ إذا عرف هذا فنقول: إذا حلف لا يذوق طعاماً أو شراباً، فأدخله في فيه - حنث؛ لحصول الذوق لوجود معناه، وهو ما ذکرنا. ١٤٢ كِتَابُ الأَيْمَانِ فإن قال: أردت بقولي: لا أذوقه: لا آكله ولا أشربه ــ دين فيما بينه وبين الله - عز وجل، ولا يدين في القضاء، لأنه قد يراد بالذوق الأكل والشرب، يقال في العرف: ما ذقت اليوم شيئاً، وما ذقت إلا الماء، ويراد به الأكل والشرب، فإذا نوى ذلك لا يحنث فيما بينه وبين الله تعالى، حتى يأكل أو يشرب؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، ولا يصدق في القضاء؛ لعدوله عن الظاهر. قال هشام: وسألت محمداً عن رجل حلف لا يذوق في منزل فلان طعاماً ولا شراباً، فذاق منه شيئاً أدخله فاه، ولم يصل إلى جوفه، فقال محمد: هذا على الذوق إلا أن يكون تقدم كلام. (قلت): فإن كان قال له المحلوف عليه: تغد عندي اليوم، فحلف لا يذوق في منزله طعاماً ولا شراباً، فقال محمد: هذا على الأكل ليس على الذوق، وإنما كان كذلك لما بينا أن حقيقة الذوق هي اكتساب سبب العلم بالمذوق، وقد يستعمل ذلك في الأكل والشرب، فإن تقدمت هناك دلالة حال خرج الكلام عليه - حملت اليمين عليها، وإلا عملت بحقيقة اللفظ. ولو حلف لا يذوق الماء، فتمضمض للصلاة - لا يحنث، وإن حصل له العلم بطعم الماء؛ لأن ذلك لا يسمى ذوقاً عرفاً وعادة؛ إذ المقصود منه التطهير لا معرفة طعم المذوق. ولو حلف لا يأكل طعاماً، أو لا يشرب شراباً، أو لا يذوق، ونوى طعاماً دون طعام، أو شراباً دون شراب - فجملة الكلام في هذا أن الحالف لا يخلو؛ إما أن ينوي تخصيص ما هو مذكور؛ وإما أن نوى تخصيص ما ليس بمذكور، فإن نوى تخصيص ما هو مذكور بأن ذكر لفظاً عاماً، وأراد به بعض ما دخل تحت اللفظ العام من حيث الظاهر - يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يصدق في القضاء؛ لأن التكلم بالعام على إرادة الخاص جائز، إلا أنه خلاف الظاهر؛ لأن اللفظ وضع دلالة على العموم، والظاهر من اللفظ الموضوع دلالة على العموم في اللغة إرادة العموم، فكان نية الخصوص خلاف الظاهر؛ فلا يصدق قضاء، وإن نوى تخصيص ما ليس بمذكور لا يصدق في القضاء، ولا فيما بينه وبين الله - عز وجل - سواء كان التخصيص راجعاً إلى الذات، أو إلى الصفة، أو إلى الحال؛ لأن الخصوص والعموم من صفات الألفاظ دون المعاني فغير الملفوظ لا يحتمل التعميم والتخصيص والتقييد، فإذا نوى التخصيص فقد نوى ما لا يحتمله كلامه؛ فلم تصح نيته رأساً . وإذا عرف هذا فتخرج عليه مسائل: إذا قال: إن أكلت طعاماً أو شربت شراباً، أو إن ذقت طعاماً أو شراباً - فعبدي حر، وقال: عنيت اللحم أو الخبز فأكل غيره لا يصدق في القضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى التخصيص من اللفظ المذكور في موضع العموم؛ كما بينا فيما تقدم أن قوله: إن أكلت طعاماً بمعنى قوله: لا آكل طعاماً، فيتناول ١٤٣ كِتَابُ الأَیْمَانِ بظاهره كل طعام، فإذا نوى به بعض الأطعمة دون بعض، فقد نوى الخصوص في اللفظ العام، وأنه يحتمله لكنه خلاف الظاهر، فلا يصدق قضاء، ويدين فيما بينه وبين الله - عز وجل. وإن قال: إن أكلت أو ذقت أو شربت ـ فعبدي حر، وهو ينوي طعاماً بعينه أو شراباً بعينه، فأكل أو شرب غيره - فإن عبده يعتق في القضاء، وفيما بينه وبين الله - عز وجل؛ لأنه نوى التخصيص من غير المذكور؛ إذ الطعام والشراب ليسا بمذكورين، بل يثبتان بطريق الاقتضاء، والمقتضى لا عموم له. وعند الشافعي: يدين فيما بينه وبين الله - عز وجل، ويزعم أن للمقتضي(١) عموماً، والصحيح قولنا لما ذكرنا أن العموم والخصوص من صفات الموجود دون المعدوم؛ إذ المعدوم لا يحتمل الصفة حقيقة، إلا أنه يجعل موجوداً بطريق الضرورة لصحة الكلام، فيبقى فيما وراءه على حكم العدم. وأما التخصيص الراجع إلى الصفة والحال: فنحو ما حكى بشر عن أبي يوسف في رجل قال: والله لا أكلم هذا الرجل وهو قائم، وعنى به ما دام قائماً، لكنه لم يتكلم بالقيام - كانت نيته باطلة، وحنث إن كلمه؛ لأن الحال والصفة ليست بمذكورة، فلا تحتمل التخصيص. ولو حلف لا يكلم هذا القائم، يعني به ما دام قائماً وسعه فيما بينه وبين الله تعالى؛ لورود التخصيص على الملفوظ، وكذلك إذا قال: والله لأضربن فلاناً خمسين، وهو ينوي بسوط بعينه، فبأي سوى ضربه فقد خرج عن يمينه والنية باطلة؛ لأن آلة الضرب ليست بمذكورة؛ فبطلت نية التخصيص. ونظير هذا ما حكى ابن سماعة عن محمد في رجل حلف، وقال: والله لا أتزوج امرأة وهو ينوي كوفية أو بصرية، فقال: ليس في هذا نية؛ فلا يصدق فيما بينه وبين الله - عز وجل، ولا في القضاء. (١) المقتضي - بفتح الضاد -: اسم مفعول من اقتضى يقتضي اقتضاء بمعنى طلب وقد عرفه الأصوليون: بأنه ما تتوقف استقامة الكلام أو صحته العقلية أو الشرعية على تقديره وعرفه بعض الأحناف بأنه: ((معنى يفهم التزاماً لأجل تصحيح الكلام أو صدقه)). وعدم عموم المقتضي هو مذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنفية وعليه الرازي والأمدي والسرخسي وابن الحاجب. ينظر المحصول ٦٢٤/٢/١ الإحكام للآمدي ٢٢٩/٢ المستصفى ٦١/٢ اللمع (١٦) جمع الجوامع ١/ ٤٢٤ مفتاح الوصول (٥٥) أصول السرخسي ٢٤٨/١ التحرير (٨٤) تيسير التحرير ٢٤٢/١ المختصر من (١١٣)، وفواتح الرحموت ٢٩٤/١. ١٤٤ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولو قال: والله لا أتزوج امرأة، يعني: امرأة كان أبوها يعمل كذا وكذا؛ فهذا كله لا تجوز فيه النية . ولو قال: والله لا أتزوج امرأة، يعني: امرأة عربية أو حبشية قال: هذا جائز يدين فيما نواه، فقد جعل قوله: عربية أو حبشية بيان النوع، وقوله: كوفية أو بصرية وصفاً؛ فجوز، تخصيص النوع، ولم يجوز تخصيص الوصف؛ لأن الصفة ليست بمذكورة والجنس مذكور، وهو قوله: امرأة؛ لأنه يتناول كل امرأة؛ لأنه في موضع النفي، فتعمل نيته في نوع دون نوع؛ لاشتمال اسم الجنس على الأنواع. وقال ابن سماعة عن محمد في رجل قال: والله لا أتزوج امرأة على ظهر الأرض، ينوي: امرأة بعينها - قال: يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن اللفظ - عام يحتمل تخصيص جنس أفراد العموم، إلا أنه خلاف الظاهر فلا يصدق في القضاء، قال ولو قال: لا أشتري جارية، ونوى مولدة؛ فإن نيته باطلة؛ لأنه ليس بتخصيص نوع من جنس، وإنما هو تخصيص صفة فأشبه الكوفية والبصرية . ولو قال: والله لا آكل الطعام، أو لا أشرب الماء، أو لا أتزوج النساء - فيمينه على بعض الجنس لما بينا فيما تقدم، وإن أراد به الجنس صدق؛ لأنه نوى حقيقة كلامه، وأما الحلف على الغداء والعشاء، فلا بد من معرفة معنى الغداء والعشاء، ومعرفة وقتهما. أما الأول: فالغداء والعشاء كل واحد منهما عبارة عن أكل ما يقصد به الشبع عادة، فيعتبر في ذلك العادة في كل بلد، فما كان غداء عندهم حملت اليمين عليه؛ ولهذا قالوا في أهل الحضر إذا حلفوا على ترك الغداء، فشربوا اللبن - لم يحنثوا؛ لأنهم لا يتناولون ذلك للشبع عادة. ولو حلف البدوي فشرب اللبن حنث؛ لأن ذلك غداء في البادية، وإذا حلف لا يتغدى، فأكل غير الخبز؛ من أرز أو تمر أو غيره حتى شبع - لم يحنث، ولم يكن ذلك غداء، وكذلك إذا أكل لحماً بغير خبز - لم يحنث في قول أبي يُوسُفَ ومحمد؛ كذا ذكر الكرخي. قال: وقالا: ليس الغداء في مثل الكوفة والبصرة إلا على الخبز، والمرجع في هذا إلى العادة، فما كان غداء معتاداً عند الحالف حنث، وما لا فلا وروى هشام عن أبي حنيفة في أكل الهريسة والأرز؛ أنه يحنث، وروي عن أبي يوسف في الهريسة والفالوذج والخبيص؛ أنه لا يحنث، إلا أن يكون ذلك غداءه والأصل أن غداء كل بلد ما تعارفونه غداء، فيعتبر عادة الحالف فيما يحلف عليه، فإن كان الحالف كوفياً يقع على خبز الحنطة والشعير، ولا يقع على اللبن والسويق. وإن كان بدوياً يقع على اللبن والسويق، وإن كان حجازياً يقع على السويق، وفي بلادنا يقع على خبز الحنطة. ١٤٥ كِتَابُ الأَيْمَانِ وأما الثاني: فنقول: وقت الغداء من طلوع الفجر إلى وقت الزوال؛ لأن الغداء عبارة عن أكل الغدوة، وما بعد نصف النهار لا يكون غدوة، والعشاء من وقت الزوال إلى نصف الليل؛ لأنه مأخوذ من أكل العشية، وأول أوقات العشاء ما بعد الزوال. وقد رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ رَِّ صَلَّى صَلاَتَيِ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنٍ يُرِيدُ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وفي عرف ديارنا العشاء ما بعد وقت صلاة العصر، وأما السحور فما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر؛ لأنه مأخوذ من السحر، وهو وقت السحر، ولم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الغداء والعشاء. وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لأمنه: إن لم تتعشى الليلة فعبدي حر، فأكلت لقمة واحدة لم تزد عليها - فليس هذا بعشاء، ولا يحنث حتى تأكل أكثر من نصف شبعها؛ لأن من أكل لقمة يقول في العادة: ما تغديت ولا تعشيت، فإذا أكل أكثر أكله يسمى ذلك غداء في العادة. وروى المعلى عن محمد فيمن حلف ليأتينه غدوة؛ أنه إذا أتاه بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار - فقد بر وهو غدوة؛ لما ذكرنا أن هذا وقت الغداء، ولو قال: ليأتينه ضحوة فهو من بعد طلوع الشمس، من الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار؛ لأن هذا وقت صلاة الضحى. قال محمد إذا حلف لا يصبح، فالتصبيح عندي ما بين طلوع الشمس وبين ارتفاع الضحى الأكبر، فإذا ارتفع الضحى الأكبر ذهب وقت التصبيح؛ لأن التصبيح تفعيل من الصباح، والتفعيل للتكثير، فيقتضي زيادة على ما يفيده الإصباح. وروى المعلى عن محمد فيمن حلف لا يكلمه إلى السحر، قال: إذا دخل ثلث الليل الأخير فليكلمه؛ لأن وقت السحر ما قرب من الفجر. قال هشام عن محمد: والمساء مساءان أحدهما إذا زالت الشمس؛ ألا ترى أنك تقول: إذا زالت الشمس كيف أمسيت، والمساء الأخير إذا غربت الشمس فإذا حلف بعد الزوال لا يفعل كذا حتى يمسي - كان ذلك على غيبوبة الشمس؛ لأنه لا يمكن حمل اليمين على المساء الأول؛ فيحمل على الثاني، والله - عز وجل - أعلم. فضل في الحلف على اللبس والكسوة وأما الحلف على اللبس والكسوة إذا حلف لا يلبس قميصاً أو سراويل أو رداء، فاتزر بالسراويل أو القميص أو الرداء - لم يحنث، وكذا إذا اعتم بشيء من ذلك؛ لأن المطلق تعتبر فيه العادة والاتزار، والتعمم ليس بمعتاد في هذه الأشياء؛ فلا يحنث، ولو حلف لا يلبس هذا القميص، أو هذا الرداء - فعلى أي حال لبس ذلك حنث، وإن اتزر بالرداء وارتدى بالقميص، بدائع الصنائع ج٤ - م١٠ ١٤٦ كِتَابُ الأَیْمَانِ أو اغتسل فلف القميص على رأسه، وكذلك إذا حلف لا يلبس هذه العمامة، فألقاها على عاتقه؛ لأن اليمين إذا تعلقت بعين اعتبر فيها وجود الاسم، ولا تعتبر فيها الصفة المعتادة؛ لأن الصفة في الحاضر غير معتبرة، والاسم باقٍ، وهذا ليس بمعتاد؛ فیحنث به. ولو حلف لا يلبس حريراً فلبس مصمتاً - لم يحنث؛ لأن الثوب ينسب إلى اللحمة دون السداء؛ لأنها هي الظاهرة منه، والسداء ليس بظاهر. ونظير مسائل الباب ما قال في ((الجامع)) فيمن حلف لا يلبس قميصين، فلبس قميصاً ثم نزعه، ثم لبس آخر؛ فإنه لا يحنث حتى يلبسهما معاً؛ لأن المفهوم من لبس القميصين في العرف هو أن يجمع بينهما . ولو قال: والله لا ألبس هذين القميصين فلبس أحدهما ثم نزعه ولبس الآخر - حنث، لأن اليمين لههنا وقعت على عين، فاعتبر فيها الاسم دون اللبس المعتاد، وقالوا فيمن حلف لا يلبس شيئاً ولا نية له، فلبس درعاً من حديد، أو درع امرأة، أو خفين، أو قلنسوة: إنه يحنث؛ لأن ذلك كله يتناوله اسم اللبس. ولو حلف لا يلبس سلاحاً فتقلد سيفاً، أو تنكب قوساً أو ترسا - لم يحنث؛ لأن هذا لا یسمی لبساً، يقال: تقلد السیف، ولا يقال: لبسه، ولو لبس درعاً من حديد أو غيره - حنث؛ لأن السلاح هكذا يلبس، وقالوا فيمن حلف: لا يلبس قطناً، فلبس ثوب قطن - يحنث؛ لأن القطن لا يحتمل اللبس حقيقة، فيحمل على لبس ما يتخذ منه، فإن لبس قباء ليس بقطن، وحشوه قطن - لم يحنث، إلا أن يعني الحشو؛ لأن الحشو ليس بملبوس، فلا تتناوله اليمين، فإن لبس ثوباً من قطن وكتان - حنث؛ لأن اليمين على القطن تتناول ما يتخذ منه، وبعض الثوب يتخذ منه. وروى بشر عن أبي يوسف في رجل حلف: ليقطعن من هذا الثوب قميصاً وسراويل، فقطعه قميصاً فلبسه ما شاء، ثم قطع من القميص سراويل فلبسه؛ فإنه يبر في يمينه؛ لأن القميص يسمى ثوباً، فقد قطع الثوب سراويل، واسم الثوب لم يزل؛ فلا يحنث. وإن حلف على قميص ليقطعن منه قباء وسراويل، فقطع منه قباء، فلبسه أو لم يلبسه، ثم قطع من القباء سراويل؛ فإنه قد حنث في يمينه حين قطع القميص قباء؛ لأنه قطع السراويل مما لا يسمى قميصاً، ويمينه اقتضت أن يقطع السراويل من قميص لا من قباء. وقال في الزيادات: إذا قال: عبده حر إن لم يجعل من هذا الثوب قباء وسراويل، ولا نية له، فجعله كله قباء وخاطه، ثم نقض القباء وجعله سراويل؛ فإنه لا يحنث، إلا أن يكون عنى أن يجعل من بعضه هذا أو بعضه هذا، وهو على الحالة الأولى. ١٤٧ كِتَابُ الأَیْمَانِ وقال عمرو عن محمد في رجل حلف لا يلبس هذا الثوب، فقطعه سراويلين، فلبس سراويل بعد سراويل: لا يحنث. وقال محمد: إذا صار سراويلين خرج من أن يكون ثوباً؛ لأن لبس الثوب المشار إليه يلبس جميعه دفعة واحدة. وروي عن محمد أنه قال: سمعت أبا يوسف؛ فيمن حلف لا يلبس هذا الثوب، فأخذ منه قلنسوات فلبسها: لم يحنث؛ لأنه لما قطعه قلنسوات لم يبق اسم الثوب؛ لأن القلنسوة لا تسمى ثوباً، وإن قطعه قميصاً، ففضل منه فضلة عن القميص رقعة صغيرة يتخذ منها لهنة، أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يحنث؛ لأن هذا القدر مما لا يعتد به، فكان لابساً كمن حلف لا يأكل رمانة فأكلها إلا حبة، وكذا لو اتخذ من الثوب جوارب فلبسها - لا يحنث؛ لأنه لما قطعه جوارب زال اسم الثوب عنها، ولو حلف لا يلبس ثوباً من غزل فلانة، فقطع بعضه فلبسه؛ فإن كان لا يكون ما قطع إزاراً أو رداءً لم يحنث، فإن بلغ ذلك حنث، وإن قطعه سراويل فلبسه - حنث؛ لأن اسم الثوب إنما يقع على ما تستر به العورة، وأدنى ذلك الإزار، فما دونه ليس بلبس ثوب، وكذا المرأة إذا حلفت لا تلبس ثوباً، فلبست خماراً أو مقنعة - لم تحنث، والمراد بذلك الخمار الذي لم يبلغ مقدار الإزار، فإذا بلغ ذلك الإزار حنث بلبسه، وإن لم تستر به العورة . وكذلك إذا لبس الحالف عمامة - لم يحنث، إلا أن يلف على رأسه، ويكون قدر إزار أو رداء، أو يقطع من مثلها قميصاً أو درعاً أو سراويل، لأن العمامة إذا لم تبلغ مقدار الإزار، فلابسها لا يسمى لابس ثوب؛ فلم يحنث، وإذا بلغت مقدار الإزار أو الرداء فقد لبس ما يسمى ثوباً، إلا أنه ليس في موضع مخصوص من بدنه؛ فهو كما لو لبس القميص على رأسه. ولو حلف لا يلبس من غزل فلانة، ولم يقل ثوباً - لم يحنث في التكة والزر والعروة واللبنة، روي ذلك عن محمد؛ لأن هذا ليس بلبس في العادة، ولا يقال: إن كان عليه لابس. وقال أبو يوسف: إن لبس رقعة في ثوب شبراً في شبر - حنث؛ لأن هذا عنده في حكم الکثیر، فصار لابساً له. وقال محمد: إذا حلف لا يلبس ثوباً لا يحنث في العمامة والمقنعة، ويحنث في السراويل، وقد قالوا: إذا حلف لا يلبس ثوباً من غزلها، فلبس ثوب خز غزلته؛ حنث لأن ذلك ينسب إلى الثوب، فإنه كان كساء من غزلها سداه قطن، فإن كان ذلك يسمى ثوباً حنث، وإلا لم يحنث. ولو حلف لا يلبس ثوباً من نسج فلان، فنسجه غلمانه، فإن كان فلان يعمل بيده لم ١٤٨ كِتَابُ الأَیْمَانِ يحنث، إلا أن يلبس من عمله، وإن كان فلان لا يعمل بيده حنث؛ لأن حقيقة النسج ما فعله الإنسان بنفسه، فإن أمكن الحمل على الحقيقة يحمل عليها، وإن لم يمكن يجعل على المجاز، فإذا كان فلان لا ينسج بيده ــ لم تكن الحقيقة مرادة باليمين فيحمل على المجاز، وهو الأمر بالعمل. وروى بشر عن أبي يوسف فيمن حلف لا يلبس شيئاً من السواد، قال: هذا على ما يلبس مثله، ولا يحنث في التكة والزر والعروة؛ لأن ذلك ليس بلبس، وإن حلف لا يكسو فلاناً شيئاً، ولا نية له فكساه قلنسوة أو خفين أو جوربين - حنث؛ لأن الكسوة اسم لما يكسى به، وذلك يوجد في القليل والكثير. وروى عمرو عن محمد إذا حلف لا يكسو امرأة فبعث إليها مقنعة قال: لا يحنث، فجعل الكسوة عبارة عما يجزىء في كفارة اليمين، وأجرى ذلك مجرى قوله: لا ألبس ثوباً. ولو حلف لا يكسو فلاناً ثوباً، فأعطاه دراهم يشتري بها ثوباً - لم يحنث؛ لأنه لم يكسه، وإنما وهب له دراهم، وشاوره فيما يفعل بها، ولو أرسل إليه بثوب كسوة - حنث؛ لأن الحقوق لا تتعلق بالرسول، وإنا تتعلق بالمرسل. فضل في الرُّكُوبِ وأما الحلف على الركوب إذا حلف لا يركب دابة، فهو على الدواب التي يركبها الناس في حوائجهم في مواضع إقامتهم، فإن ركب بعيراً أو بقرة - لم يحنث. والقياس أن يحنث في ركوب كل حيوان؛ لأن الدابة اسم لما يدب على وجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وقال - عز وجل: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابٌ عِنْدَ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] إلا أنهم استحسنوا، وحملوا اليمين على ما يركبه الناس في الأمصار، ولقضاء الحوائج غالباً، د وهو الخيل والبغال والحمير، تخصيصاً للعموم بالعرف والعادة، لأنا نعلم أنه ما أراد به كل حيوان، فحملنا مطلق كلامه على العادة. ومعلوم أن الفيل والبقرة والبعير لا يركب لقضاء الحوائج في الأمصار عادة، فإن نوى في يمينه الخيل خاصة - دين فيما بينه وبين الله - عز وجل؛ لأن اللفظ يحتمله، ولا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف ظاهر العموم. وإن حلف لا يركب فرساً فركب برذوناً، أو حلف لا يركب برذوناً فركب فرساً - لم يحنث؛ لأن الفرس عبارة عن العربي، والبرذون عن الشهري، فصار كمن حلف لا يكلم رجلاً عربياً فكلم عجمياً. ١٤٩ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولو حلف لا يركب، وقال: نويت الخيل - لا يصدق في القضاء، ولا فيما بينه وبين الله - عز وجل؛ لأن الركوب ليس بمذكور، فلا يحتمل التخصيص، فإن حلف لا يركب الخيل، فركب برذوناً أو فرساً - يحنث؛ لأن الخيل اسم جنس، قال الله - عز وجل: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨]. وقال ◌َ: ((الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))(١). والمراد به الجنس؛ فيعم جميع أنواعه. (١) ورد عن جماعة من الصحابة: منهم: عروة البارقي، وعبد اللّه بن عمر، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وجرير بن عبد اللّه، وأبي كبشة، وابن مسعود وجابر. أما حديث عروة البارقي فأخرجه البخاري ٦٤/٦ في الجهاد والسير، باب الخيل معقود في نواصيها الخيل (٢٨٥٠)، و٦٦/٦، باب الجهاد الحصاد مع البر والفاجر (٢٨٥٢) و٢٥٣/٦ في فرض الخمس (٣١١٩) ٧٣١/٦ في المناقب (٣٦٤٣). ومسلم ١٤٩٣/٣ في الإمارة. باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٨٧٣/٩٩/٩٨)، والنسائي ٢٢٢/٦ في الجهاد باب فتل ناصية الفرس، وابن ماجه ٩٢٣/٢ في الجهاد، باب ارتباط الخيل في سبيل الله (٢٧٨٦)، وأحمد ٣٧٥/٤، ٣٧٦، وأبو يعلى (٦٨٢٨)، والحميدي باب فضل الخيل في سبيل الله. وسعيد بن منصور في سنته ١٩٨/٢ في الجهاد. باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢٤٢٦) والطيالسي في الجهاد ٢٤١/١ برقم (١١٨٤، ١١٨٥)، والطبراني ١٥٥/١٧ برقم (٣٩٦- ٤٠٠). والبيهقي ١١٢/٦ في القراض. باب المضارب يخالف بما فيه زيادة لصاحبه. و٣٢٩/٦ في قسم الفيء، باب الإسهام للفرس دون غيره من الدواب، ٩/ ٥٢ في السير. باب تفضيل الخيل و١٥/١٠ في كتاب السبق والرمي، باب ارتباط الخيل عدة في سبيل الله عز وجل والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٧٤، ٢٧٥. وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٢٧ والبغوي في شرح السنة بتحقيقنا ٥٣٠/٥ في السير والجهاد، باب اتخاذ الخيل للجهاد (٢٦٣٩) من طرق عنه به. وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري ٦/ ٦٤ في الجهاد والسير، باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢٨٤٩)، ٧٣١/٦ في المناقب (٣٦٤٤) ومسلم ١٤٩٢/٣، ١٤٩٣ في الإمارة، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (١٨٧١/٩٦)، والنسائي ٦/ ٢٢١ - ٢٢٢ في الخيل، باب فتل ناصية الفرس. وأما حديث جرير فأخرجه مسلم ١٤٩٣/٣ في الإمارة، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (١٨٧٢/٩٧)، والنسائي ٢٢١/٦ في الخيل، باب فتل ناصية الفرس. وأحمد ٣٦١/٤. والطحاوي ٣/ ٢٧٤ والبغوي في شرح السنة بتحقيقنا ٥/ ٥٣٠ رقم (٢٦٤٠) من طريق يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة عن جرير بن عبد الله قال: رأيت رسول الله وَلقر يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو (يقول الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة. الأجر والغنيمة)). وأما حديث أبي كبشة فأخرجه الطبراني ٣٣٩/٢٢ برقم (٨٤٩) وابن حبان (١٦٣٥ - موارد) والطحاوي ٢٧٤/٢، والحاكم ٢/ ٩١، من طريق ابن وهب حدثني معاوية بن صالح. حدثني نعيم بن زياد أنه سمع أبا كبشة صاحب النبي ◌َّلّ يقول: الخيل معقود في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها. والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة . = ١٥٠ كِتَابُ الأَيْمَانِ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه الزيادة ووافقه الذهبي. = وقال الهيثمي في المجمع ٢٦٢/٥: رجاله ثقات. وأما حديث ابن مسعود عن أبي يعلى (٥٣٩٦). قال حدثنا داود بن رشيد. حدثنا بقية بن الوليد عن علي بن علي حدثني يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد اللّه عن ابن مسعود قال: جاءه رجل فقال: أسمعت رسول الله * يقول في الخيل شيئاً؟ قال: نعم: سمعت رسول الله وَله يقول: الخيل معقود ... فذكره مطولاً وذكره الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٨٠ وقال: رواه أبو يعلى وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس. وبقية رجاله ثقات. وأخرجه مسلم (١٢١/ ٢٣٥٣٠٠) عن يونس بن عبيد عن عمار مولى بني هاشم قال: سألت ابن عباس: كم أتى لرسول الله وَل يوم مات؟ فقال: ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذاك قال: قلت إني قد سألت الناس فاختلفوا عليّ. فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال: أتحسب؟ قال: قلت نعم. قال: أمسك أربعين. بعث لها خمس عشرة بمكة. يأمن ويخاف وعشراً من مهاجره إلى المدينة. وقال الحافظ في فتح ٨/ ٦٢٠ عقب حديث ابن عباس وعائشة ((لبث النبي ◌ّة بمكة عشر سنين. وهذا ظاهره أنه وَّر عاش ستين سنة إذا انضم إلى المشهور أنه بعث على رأس الأربعين، لكن يمكن أن يكون الراوي ألغى الكسر كما تقدم بيانه في الوفاة النبوية، فإن كل من روى عنه أنه عاش ستين أو أكثر من ثلاث وستين جاء عنه أنه عاش ثلاثاً وستين، فالمعتمد أنه عاش ثلاثاً وستين، وما يخالف ذلك إما أن يحمل على إلغاء الكسر في السنين، وإما على جبر الكسر في الشهور، وأما حديث الباب فيمكن أن يجمع بينه وبين المشهور بوجه آخر، وهو أنه بعث على رأس الأربعين، فكانت مدة وحي المنام ستة أشهر إلى أن نزل عليه الملك في شهر رمضان من غير فترة، ثم فتر الوحي، ثم تواتر وتتابع، فكانت مدة تواتره وتتابعه بمكة عشر سنين من غير فترة، أو أنه على رأس الأربعين قرن به ميكائيل أو إسرافيل فكان يلقي إليه الكلمة أو الشيء مدة ثلاث سنين كما جاء من وجه مرسل، ثم قرن به جبريل فكان ينزل عليه بالقرآن مدة عشر سنين بمكة. وأما حديث جابر فأخرجه أحمد ٣٥٢/٣ من طريق إبراهيم بن إسحاق وعلي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم حدثني حصين بن حرملة عن أبي مصبح عن جابر به. وأخرجه أبو يعلى في معجم شيوخه (١٩٥) من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد عن الشعبي عن جابر عن النبي ◌َّ مرفوعاً . وأخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٥٥٧ من طريق الحسن بن شعبان حدثنا محمد بن الصباح حدثنا علي بن ثابت عن الوازع عن أبي سلمة عن جابر. وذكر الهيثمي في المجمع ٢٦١/٥ وقال: رواه أحمد. والطبراني في الأوسط باختصار ورجال أحمد ثقات . وقال الجاحظ في الفتح ٦٧/٦: روى حديث الخيل معقود في نواصيها الخير. جمع من الصحابة غير من تقدم ذكره. وهم ابن عمر وعروة وأنس جرير وممن لم يتقدم سلمة بن نفيل ٢١٤/٦، وأبو هريرة عند النسائي. وعقبة بن عبد السلمي عند أبي داود (٢٥٤٢) وجابر: وأسماء بنت يزيد (٦/ ٤٥٥) وأبو ذر ٥٪ ١٨١ عند أحمد وابن مسعود عند أبي يعلى وأبو كبشة عند أبي عوانة وابن حبانة في صحيحيهما. وحذيفة عند البزار. وأبو أمامة وعريب. وهو بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة - المليكي والنعمان بن بشير وسهل ابن الحنظلية عند الطبراني، وعن علي عن ابن أبي عاصم في الجهاد ... )). ١٥١ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولو حلف لا يركب دابة وهو راكبها، فمكث على حاله ساعة واقفاً أو سائراً حنث لما ذكرنا أن الركوب يحتمل الابتداء، ويتجدد أمثاله، وكذلك لو حلف لا يلبس وهو لابس، أو لا يجلس على هذا الفرش وهو جالس لما قلنا، فإن نزل عقيب يمينه أو نزع أو قام - لم يحنث عند أصحابنا الثلاثة، خلافاً لزفر، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم. ولو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة لعبد فلان، وعليه دين أو لا دين عليه - لا يحنث في قول أبي حنيفة، وعند محمد: يحنث. أما إذا كان عليه دين؛ فلأنه لا يملكها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف هي مضافة إلى العبد دون المولى. وأما إذا لم يكن عليه دين فهي مضافة إلى العبد - فلم يحنث، وعند محمد هي ملك المولى حقيقة، فيحنث بركوبها. ولو حلف لا يركب مركباً، ولا نوى شيئاً، فركب سفينة أو محملاً أو دابة بإكاف أو سرج - حنث؛ لوجود الركوب، أما في الدابة بالسرج والاكاف - فلا شك فيه، وأما في السفينة؛ فلأن الله تعالى سمى ذلك ركوباً بقوله - عز وجل: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاسْمِ الله مَجْرِيهَا﴾ [هود: ٤١] والله - عز وجل - أعلم. فضل في الحلف على الجلوس وأما الحلف على الجلوس، فإذا حلف لا يجلس على الأرض؛ فإنه لا يحنث إلا أن يجلس عليها، وليس بينه وبينها غير ثيابه، فإن كان بينه وبين الأرض حصير، أو بُورِيُّ أو بساط، أو كرسي، أو شيء بسطه - لم يحنث؛ لأن الجالس على الأرض من باشر الأرض، ولم يحل بينه وبينها شيء، هذا هو الجلوس على الأرض حقيقة، إلا أن الجلوس عليها بما هو متصل به من ثيابه يسمى جلوساً على الأرض عرفاً، وإذا حال بينهما ما هو منفصل عنه من البساط والحصير - لا يسمى جلوساً. ألا ترى أنه يقال: جلس على البساط والحصير لا على الأرض، فإذا حلف لا يجلس على هذا الفراش، أو هذا الحصير، أو هذا البساط، فجعل علیه مثله، ثم جلس ـ لم يحنث؛ لأن الجلوس يضاف إلى الثاني دون الأول. ألا ترى أن الطنفسة إذا جعلت على البوري، لا يقال: جلس على البوري، بل يقال: جلس على الطنفسة، وكذلك إذا جعل الفراش على الفراش، أو البساط على البساط، وخالف أبو يوسف في الفراش خاصة، فقال: إذا حلف لا ينام على هذا الفراش، فجعل فوقه فراشاً آخر، ونام عليه - حنث؛ لأنهما جميعاً مقصودان بالنوم؛ لأن ذلك إنما يجعل لزيادة التوطئة . وأجمعوا على أنه لو حلف لا ينام على هذا الفراش، فجعل فوقه قراماً أو محبساً - حنث؛ لأن ذلك لا يمنع أن يقال: نام على الفراش. ١٥٢ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولو حلف لا يجلس على هذا السرير، أو على هذا الدكان، أو لا ينام على هذا السطح، فجعل فوقه مصلى أو فرشاً أو بساطاً، ثم جلس عليه - حنث؛ لأنه يقال: جلس الأمير على السرير، وإن كان فوقه فراش، ويقال: نام على السطح، وإن كان نام على فراش، فلو جعل فوق السرير سريراً، أو بنى فوق الدكان دكاناً، أو فوق السطح سطحاً - لم يحنث؛ لأن الجلوس يضاف إلى الثاني دون الأول. وقال محمد: إذا كان نوى مباشرته، وهي ألا يكون فوقه شيء - لم يدين في القضاء، يعني به إذا حلف لا ينام على السرير، فنام على فراش فوق السرير؛ لأنه نوى غير ظاهر کلامه . ولو قال: والله لا أنام على ألواح هذا السرير، أو ألواح هذه السفينة، ففرش على ذلك فراشاً - لم يحنث؛ لأنه ما نام على ألواح، وذكر في الأصل إذا حلف لا يمشي على الأرض، فمشى عليها وفي رجله خف أو نعل - يحنث؛ لأن المشي على الأرض هكذا يكون عادة؛ ألا ترى أنه لم يجعل بينه وبينها ما هو منفصل عنه، وإن مشى على بساط - لم يحنث؛ لأنه يقال: مشى على البساط، وجاء في الشعر: [بحر الرجز]. نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ نَمْشِي عَلَى الَّمَارِقُ(١) ولو مشى على السطح - حنث؛ لأنه يقال: هذه أرض السطح، ويقال لمن على السطح: لا تنم على الأرض. فضلْ في الحلف على السكنی وأما الحلف على السكنى والمساكنة، والإيواء والبيتوتة، أما السكنى فإذا حلف لا يسكن هذه الدار، أما إن كان فيها ساكناً أو لم يكن، فإن لم يكن فيها ساكناً، فالسكنى فيها أن يسكنها بنفسه، وينقل إليها من متاعه ما يتأثث به ويستعمله في منزله، فإذا فعل ذلك فهو ساكن، وحانث في يمينه؛ لأن السكنى هي الكون في المكان على طريق الاستقرار، فإن من جلس في المسجد، وبات فيه - لا يسمى ساكن المسجد، ولو أقام فيه بما يتأثث به يسمى به، فدل أن (١) هنا ينظر أدب الكتاب ص ٩٠؛ والأغاني ٣٤٣/١٢، ١٤٧/١٥؛ ولها أو لهند بنت بياضة بن رياح (أو رباح) بن طارق الإيادي في شرح شواهد المغني ٨٠٩/٢؛ ولسان العرب ٢١٧/١٠ (طرق)؛ ولهند بنت بياضة بن رياح بن طارق الإيادي في معجم ما استعجم ص ٧٠؛ ولهند بنت الفند الزماني (سهل بن شيبان) في الأغاني ٢٥٤/٢٣؛ ولهند دون تحديد في لسان العرب ٣٦١/١٠ (نمرق)؛ وللقرشية في جمهرة اللغة ص ٧٥٦؛ وبلا نسبة في الأغاني ١٢ / ٣٤٢؛ ومغني اللبيب ٢/ ٣٨٧؛ وهمع الهوامع ١/ ١٧١. ١٥٣ كِتَابُ الأَیْمَانِ السكنى ما ذكرنا، وذلك إنما يكون بما يسكن به في العادة وذلك ما قلنا، وإن كان فيها ساكناً فحلف لا يسكنها؛ فإنه لا يبر حتى ينتقل عنها بنفسه وأهله وولده الذين معه ومتاعه، ومن كان يأويها لخدمته، والقيام بأمره في منزله، فإن لم يفعل ذلك، ولم يأخذ في النقلة من ساعته وهي ممكنة حنث - لههنا ثلاثة فصول : أحدها: إذا حلف لا يسكن، فانتقل بأهله ومتاعه في الحال - لم يحنث في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يحنث، وهو على الخلاف الذي ذكرنا في الراكب حلف لا يركب، واللابس حلف لا يلبس، فنزل ونزع في الحال، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم. والثاني: إذا انتقل بنفسه، ولم ينتقل بأهله ومتاعه، قال أصحابنا: يحنث، وقال الشافعي: لا يحنث. وجه قوله: أن شرط حنثه سكناه ولم يسكن؛ فلا يحنث؛ كما لو حلف لا يسكن في بلد، فخرج بنفسه وترك أهله فيه. وقال الشافعي محتجاً علينا: إذا خرجت من مكة وخلفت دفیترات بها - أفأكون ساكناً بمكة؟! ولنا: أن سكنى الدار إنما يكون بما يسكن به في العادة؛ لما ذكرنا أنه اسم للكون على وجه الاستقرار، ولا يكون الكون على هذا الوجه إلا بما يسكن به عادة، فإذا حلف لا يسكنها وهو فيها فالبر في إزالة ما كان به ساكناً، فإذا لم يفعل حنث؛ وهذا لأنه بقوله: لا أسكن هذه الدار - فقد منع نفسه عن سكنى الدار، وكره سكناها لمعنى يرجع إلى الدار، والإنسان كما يصون نفسه عما يكره يصون أهله عنه عادة، فكانت يمينه واقعة على السكنى، وما يسكن به عادة، فإذا خرج بنفسه، وترك أهله ومتاعه فيه، ولم يوجد شرط البر - فيحنث، والدفاتر لا يسكن بها في الدور عادة، فبقاؤها لا يوجب بقاء السكنى؛ فهذا كان تشنيعاً في غير موضعه؛ ولأن من حلف لا يسكن هذه الدار فخرج بنفسه، وأهله ومتاعه فيها يسمى في العرف والعادة ساكن الدار. ألا ترى أنه إذا قيل له وهو في السوق: أين تسكن؟ يقول: في موضع كذا، وإن لم يكن هو فيه، وبهذا فارق البلد؛ لأنه لا يقال لمن بالبصرة: إنه ساكن بالكوفة. والثالث: أنه إذا انتقل بنفسه وأهله وماله ومتاعه، وترك من أثاثه شيئاً يسيراً - قال أبو حنيفة: يحنث، وقال أبو يوسف: إذا كان المتاع المتروك لا يشغل بيتاً، ولا بعض الدار - لا يحنث، ولست أجد في هذا حدّاً، وإنما هو على الاستحسان وعلى ما يعرفه الناس. وقيل: معنى قول أبي حنيفة إذا ترك شيئاً يسيراً، يعني ما لا يعتد به، ويسكن بمثله، فأما إذا خلف فيها وتداً أو مكنسة - لم يحنث، لأبي يوسف: أن اليسير من الأثاث لا يعتد به؛ لأنه یسکن بمثله فصار کالوتد. ١٥٤ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولأبي حنيفة أن شرط البر إزالة ما به صار ساكناً، فإذا بقي منه شيء لم يوجد شرط البر بکماله؛ فیحنث، فإن منع من الخروج والتحول بنفسه ومتاعه، وأوقعوہ وقھروہ ۔ لا يحنث، وإن أقام على ذلك أياماً؛ لأنه ما يسكنها، بل أسكن فيها فلا يحنث، ولأن البقاء على السكنى يجري مجرى الابتداء. ومن حلف لا يسكن هذه الدار، وهو خارج الدار، فحمل إليها مكرهاً - لم يحنث؛ كذا البقاء إذا كان بإكراه . وقال محمد: إذا خرج من ساعته، وخلف متاعه كله في المسكن، فمكث في طلب المنزل أياماً ثلاثاً، فلم يجد ما يستأجره، وكان يمكنه أن يخرج من المنزل، ويضع متاعه خارج الدار - لا يحنث؛ لأن هذا من عمل النقلة؛ إذ النقلة محمولة على العادة، والمعتاد هو الانتقال من منزل إلى منزل؛ ولأنه ما دام في طلب المنزل فهو متشاغل بالانتقال؛ كما لو خرج يطلب من یحمل رحله. وقال محمد: إن كان الساكن موسراً، وله متاع كثير، وهو يقدر على أنه يستأجر من ينقل متاعه في يوم، فلم يفعل، وجعل ينقل بنفسه الأول فالأول، فمكث في ذلك سنة - قال: إن كان النقلان لا يفترانه لا يحنث؛ لأن الحِنْثُ يقع بالاستقرار بالدار والمتشاغل بالانتقال غير مستقر؛ ولأنه لا يلزمه الانتقال على أسرع الوجوه؛ ألا يرى أنه بالانتقال المعتاد - لا يحنث، وإن كان غيره أسرع منه، فإن تحول ببدنه، وقال ذلك: أردت، فإن كان حلف لا يسكن هذه الدار، وهو ساكن فيها لا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه وبين الله - عز وجل؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، وإن كان حلف وهو غير ساكن، وقال: نويت الانتقال بیدني دين؛ لأنه نوى ما يحتمله، وفيه تشديد على نفسه. وأما المساكنة: فإذا كان رجل ساكناً مع رجل في دار، فحلف أحدهما ألا يساكن صاحبه، فإن أخذ في النقلة وهي ممكنة وإلا حنث، والنقلة على ما وصفت لك إذا كان ساكناً في الدار فحلف لا يسكنها؛ لأن المساكنة هي أن يجمعهما منزل واحد، فإذا لم ينتقل في الحال، فالبقاء على المساكنة مساكنة؛ فيحنث، فإن وهب الحالف متاعه للمحلوف عليه أو أودعه أو أعاره، ثم خرج في طلب منزل، فلم يجد منزلاً أياماً، ولم يأت الدار التي فيها صاحبه : قال محمد: إن كان وهب له المتاع وقبضه منه، وخرج من ساعته، وليس من رأيه العود إليه - فليس بمساكن له - فلا يحنث، وكذلك إن أودعه المتاع، ثم خرج لا يريد العود إلى ذلك المنزل، وكذلك العارية؛ لأنه إذا وهبه وأقبضه وخرج؛ فليس بمساكن إياه بنفسه ولا بماله، وإذا أودعه فليس بساكن به - فلا يحنث، وكذلك إن أودعه المتاع، ثم خرج، وإنما هو في يد ١٥٥ كِتَابُ الأَیْمَانِ المودع، وكذلك إذا أعاره فلا يحنث، ولو كان له في الدار زوجة، فراودها على الخروج، فأبت وامتنعت، وحرص على خروجها واجتهد، فلم تفعل - فإنه لا يحنث إذا كانت هذه حالها؛ لأنه لو بقي هو في الدار مكرها - لم يحنث؛ لعدم اختياره السكنى به، فكذا إذا بقي ما يسكن به بغير اختياره، وإذا حلف لا يساكن فلاناً، فساكنه في عرصة دار أو بيت أو غرفة - حنث؛ لأن المساكنة هي القرب والاختلاط، فإذا سكنها في موضع يصلح للسكنى، فقد وجد الفعل المحلوف عليه؛ فيحنث، فإن ساكنه في دار، هذا في حجرة وهذا في حجرة، أو هذا في منزل، وهذا في منزل حنث، إلا أن يكون داراً كبيرة. قال أبو يوسف: مثل دار الرقيق ونحوها، ودار الوليد بالكوفة؛ فإنه لا يحنث، وكذا كل دار عظيمة فيها مقاصير ومنازل. وقال هشام عن محمد: إذا حلف لا يساكن فلاناً ولم يسم داراً، فسكن هذا في حجرة وهذا في حجرة - لم يحنث، إلا أن يساكنه في حجرة واحدة. , قال هشام: قلت: فإن حلف لا يساكنه في هذه الدار، فسكن هذا في حجرة وهذا في حجرة - قال: يحنث. لمحمد: أن الحجرتين المختلفتين كالدارين؛ بدليل أن السارق من إحداهما إذا نقل المسروق إلى الأخرى - قطع، وليس كذلك إذا حلف لا يساكنه في دار؛ لأنه حلف على ألا يجمعهما دار واحدة وقد جمعتهما، وإن كانا في حجرها. ولأبي يوسف أن المساكنة هي الاختلاط والقرب، فإذا كانا في حجرتين في دار صغيرة، فقد وجد القرب فهو كبيتين من دار، وإن كانا في حجرتين من دار عظيمة، فلا يوجد القرب فهو كدارين في محلة، فإن سكن هذا في بيت من دار وهذا في بيت، وقد حلف لا يساكنه ولم يسم داراً - حنث في قولهم؛ لأن بيوت الدار الواحدة كالبيت الواحد. ألا ترى أن السارق لو نقل المسروق من أحد البيتين إلى الآخر - لم يقطع. وقال أبو يوسف: فإن ساكنه في حانوت في السوق يعملان فيه عملاً، أو يبيعان فيه تجارة - فإنه لا يحنث، وإنما اليمين على المنازل التي هي المأوى، وفيها الأهل والعيال. فأما حوانيت البيع والعمل: فليس يقع اليمين عليها، إلا أنه ينوي، أو يكون بينهما قبل اليمين بدل يدل عليها، فتكون اليمين على ما تقدم من كلامهما ومعانيهما؛ لأن السكنى عبارة عن المكان الذي يأوي إليه الناس في العادة. ألا ترى أنه لا يقال: فلان يسكن السوق، وإن كان يتجر فيها، فإنه جعل السوق مأواه - قيل: إنه يسكن السوق، فإن كان هناك دلالة تدل على أنه أراد باليمين ترك المساكنة في السوق - حملت اليمين على ذلك، وإن لم يكن هناك دلالة، فقال: نويت المساكنة في السوق أيضاً - ١٥٦ كِتَابُ الأَیْمَانِ فقد شدد على نفسه، قالوا إذا حلف لا يساكن فلاناً بالكوفة، ولا نية له، فسكن أحدهما في دار، والآخر في دار أُخرى في قبيلة واحدة، أو محلة واحدة أو درب - فإنه لا يحنث حتى تجمعهما السكنى في دار؛ لأن المساكنة هي المقاربة والمخالطة، ولا يوجد ذلك إذا كانا في دارين، وذكر الكوفة لتخصيص اليمين بها، حتى لا يحنث بمساكنته في غيرها. فإن قال: نويت ألا أسكن الكوفة، والمحلوف عليه بالكوفة - صدق؛ لأنه شدد على نفسه، وكذلك إذا حلف لا يساكنه في الدار - فاليمين على المساكنة في دار واحدة على ما بينا. ولو أن ملاحاً حلف لا يساكن فلاناً في سفينة واحدة، ومع كل واحد منهما أهله ومتاعه، واتخذها منزله - فإنه يحنث، وكذلك أهل البادية إذا جمعتهم خيمة، وإن تفرقت الخيام - لم يحنث وإن تقاربت؛ لأن السكنى محمولة على العادة، وعادة الملاحين السكنى في السفن، وعادة أهل البادية السكنى في الأخبية، فتحمل يمينهم على عاداتهم، وأما الإيواء: فإذا حلف لا يأوي مع فلان، أو لا يأوي في مكان أو دار أو في بيت فالإيواء الكون ساكناً في المكان، فأوى مع فلان في مكان، قليلاً كان المكث أو كثيراً، ليلاً كان أو نهاراً - حنث، وهو قول أبي يوسف الأخير، وقول محمد، إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك يوماً أو أكثر؛ فيكون على ما نوى. وروى ابن رستم في رجل حلف بالطلاق لا يأويه وفلاناً بيت؛ وذلك لأن الإيواء عبارة عن المصير في الموضع. قال الله - عز وجل: ﴿سَأَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣] أي: ألتجىء، وذلك موجود في قليل الوقت وكثيره، وقد كان قول أبي يوسف الأول أن الإيواء مثل البيتوتة، وأنه لا يحنث حتى يقيم في المكان أكثر الليل؛ لأنهم يذكرون الإيواء؛ كما يذكرون البيتوتة، فيقولون: فلان يأوي في هذه الدار كما يقولون يبيت فيها. وأما إذا نوى أكثر من ذلك، فالأمر على ما نوى؛ لأن اللفظ محتمل فإنهم يذكرون الإيواء، ويريدون به السكنى والمقام. وقد روى ابن رستم عن محمد في رجل قال: إن آواني وإياك بيت أبداً، على طرفة عين في قول أبي يوسف الأخير، وقولنا، إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك يوماً أو أكثر، فالأمر على ما نوى؛ لأن اللفظ يوماً أو أكثر. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا حلف لا يأوي فلاناً، وقد كان المحلوف عليه في عيال الحالف ومنزله - لا يحنث، إلا أن يعيد المحلوف عليه مثل ما كان عليه، وإن لم يكن المحلوف عليه في عيال الحالف؛ فهذا على نية الحالف إن نوى ألا يعوله فهو كما نوى، وكذلك إن نوى لا يدخله عليه بيته؛ لأن قوله: لا يأويه يذكر، ويراد به ضمه إلى نفسه ومنزله، وقد يراد به القيام بأمره، فإن كان في اللفظ دليل على شيء وإلا يرجع إلى نيته، فإن دخل المحلوف عليه بغير إذنه، فرآه فسكت - لم يحنث؛ لأنه حلف على فعل نفسه، فإذا لم يأمره لم يوجد فعله. ١٥٧ كِتَابُ الأَيْمَانِ وقال عمرو عن محمد: الإيواء عند البيتوتة والسكنى، فإن نوى المبيت فهو على ذهاب الأكثر من الليل، وإن لم ينو شيئاً فهو على ذهاب ساعة. وأما البيتوتة فإذا حلف: لا يبيت مع فلان، أو لا يبيت في مكان كذا، فالمبيت بالليل حتى يكون فيه أكثر من نصف الليل، وإذا كان أقل لم يحنث، وسواء نام في الموضع أو لم ينم؛ لأن البيتوتة عبارة عن الكون في مكان أكثر من نصف الليل؛ ألا يرى أن الإنسان يدخل على غيره ليلاً يقيم عنده قطعة من الليل، ولا يقال: بات عنده، وإذا أقام أكثر الليل يقال: بات عنده، ويقال: فلان بائت في منزله، وإن كان في أول الليل في غيره، ولا يعتبر النوم؛ لأن اللفظ لا يقتضيه لغة؛ كما لا يقتضي اليقظة؛ فلم يكن شرطاً فيه. وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف لا يبيت الليلة في هذه الدار، وقد ذهب ثلثا الليل، ثم بات بقية الليل قال: لا يحنث؛ لأن البيتوتة إذا كانت تقع على أكثر الليل فقد حلف على ما لا يتصور؛ فلا تنعقد يمينه، والله - عز وجل - أعلم. فضل في الحلف على الاستخدام وأما الحلف على الاستخدام، فإذا حلف الرجل لا يستخدم خادمة له قد كانت تخدمه، ولا نية له فجعلت الخادمة تخدمه، من غير أن يأمرها - حنث؛ لأنه لما مكنها من الخدمة فقد تركها على الاستخدام السابق؛ ولأنه لما لم يمنعها فقد استخدمها دلالة، وإن لم يستخدم نصاً صريحاً، ولو كان الحالف على خادمة لا يملكها، فخدمته بغير أمره - لا يحنث؛ لعدم سبق الاستخدام؛ ليكون التمكين من الخدمة إبقاء لها على الاستخدام، ولتعذر جعل التمكين دلالة الاستخدام؛ لأن استخدام جارية الغير بغير إذنه محظور؛ فلا يكون إذناً به من طريق الدلالة فهو الفرق، حتى لو كان نهى خادمته التي كانت تخدمه عن خدمته، ثم خدمته بغير أمره - قيل: لم يحنث؛ لأنه بالتمكين قطع استخدامها السابق فقد وجد منها بغير استخدام؛ فلا يحنث. ولو حلف لا تخدمه فلانة، فخدمته بغير أمره، أو بأمره وهي خادمته، أو خادمة غيره - حنث؛ لأنه عقد اليمين على فعلها وهو خدمتها، لا على فعله وهو استخدامه وقد خدمته، وكل شيء من عمل بيته فهو خدمته؛ لأن الخدمة عبارة عن عمل البيت الذي يحتاج إليه في الغالب . ولو حلف لا يستخدم خادمة لفلان فسألها وضوءاً أو شراباً، أو أومأ إليها، ولم يكن له نية حين حلف - حنث إن فعلت ذلك، أو لم تفعل، إلا أن يكون نوى حين حلف ألا يستعين بها فتعينه؛ فلا يحنث حتى تعينه؛ لأنه عقد يمينه على فعله وهو الاستخدام وقد استخدم وإن لم تجبه، فإن عنى أن تخدمه فقد نوى ما يحتمله كلامه؛ فيصدق فيما بينه وبين الله تعالی. ١٥٨ كِتَابُ الأَيْمَانِ وإن حلف لا يخدمني خادم لفلان فهو على الجارية والغلام، والصغير الذي يخدم والكبير في ذلك سواء؛ لأن اسم الخادم يجمع الذكر والأنثى، والصغير والكبير، إذا كان الصغير ممن يقدر على الخدمة، والله - عز وجل - أعلم. فضلْ في الحلف على المعرفة وأما الحلف على المعرفة: فإذا حلف على إنسان؛ أنه لا يعرفه، وهو يعرفه بوجهه، لكنه لا يعرف اسمه - فقد بر في يمينه ولا يحنث؛ لأنه إذا لم يعرف اسمه لم يعرفه؛ بدليل ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّرَ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلاً عَنْ رَجُلٍ وَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُهُ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا اسْمُهُ؟ فَقَالَ: لاَ، فَقَالَ: إِنَّكْ لَمْ تَعْرِفْهُ؛ ولأنه إذا لم يعرفه باسمه، وإن عرفه بوجهه - لم يكن عارفاً به على الإطلاق، بل من وجه دون وجه، ومن شرط حنثه المعرفة على الإطلاق ولم توجد؛ فلا يحنث. وقال خلف بن أيوب عن محمد في رجل تزوج امرأة، ودخل بها، ولا يدري ما اسمها، فحلف أنه لا یعرفها قال: لا يحنث لما بينا، ولو أن رجلاً ولد له مولود، فأخرجه إلی جار له، ولم يكن سماه بعد، فحلف جاره هذا: إنه لا يعرف هذا الصبي - لا يحنث؛ لأن معرفته بمعرفة اسمه، فلا يعرف قبل التسمية . فضلْ في الحلف على أخذ الحق وفيضه وأما الحلف على أخذ الحق وقبضه، وقضائه واقتضائه إذا حلف الرجل: ليأخذن من فلان حقه، أو ليقبضن من فلان حقه، فأخذ منه بنفسه، أو أخذ منه وكيله، أو أخذه من ضامن عنه، أو محتال عليه بأمر المَطْلُوب - بر؛ لأن حقوق القضاء لا ترجع إلى الفاعل، فترجع إلى الآمر، فكأن قبض وكيل الطالب قبضه معنى، وكذا القبض من وكيل المطلوب أو كفيله، أو المحتال بأمره عليه قبضاً منه من حيث المعنى، ولو قبض من رجل بغير أمر المطلوب، أو كانت الكفالة أو الحوالة بغير أمره - حنث في يمينه ولم يبر؛ لأنه لم يقبض من المطلوب حقه حقيقة في الوجهين جميعاً، إلا أنه جعل قابضاً عنه معنى في موضع الأمر، وجعل القبض من الغير كالقبض منه، فإذا لم يكن ذلك بأمره لم تكن إضافته إليه؛ ولهذا لم يرجع إلى الدافع إليه بما أعطاه، فلم يوجد منه قبض حقه؛ فلم يبر، وكذلك لو كان الحالف هو الذي عليه المال، فحلف ليقضين فلاناً حقه، أو ليعطين، فأعطاه بنفسه أو برسول أو بإحالة، أو أمر من ضمنه له، فأخذه الطالب - بر الحالف في يمينه؛ لأن حقوق القضاء لا تتعلق بالفاعل فتتعلق بالآمر، فكان هو القاضي والمعطي من حيث المعنى، ولو كان ذلك بغير أمره حنث الحالف؛ لأنه لم يقض حقه، ولا أعطاه أصلاً ورأساً؛ ألا ترى أنه لا يرجع الدافع إليه. ١٥٩ كِتَابُ الأَيْمَانِ وإن قال الحالف في هذين الوجهين: أردت أن يكون ذلك بنفسي - كان كما قال، فإن لم يفعل ذلك بنفسه حنث؛ لأنه شدد على نفسه، وإن كان المطلوب حلف ألا يعطيه، فأعطاه على أحد هذه الوجوه ۔ حنث. فإن قال: إنما أردت ألا أعطيه أنا بنفسي - لم يدين في القضاء ودين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن العطاء بفعله وبفعل غيره سواء في القصد، فتناوله اليمين، فإذا نوى ألا يعطيه بنفسه، فقد نوى خلاف الظاهر، وأراد التخفيف على نفسه؛ فلا يصدق في القضاء، ولو أخذ به ثوباً أو عرضاً، فقبض العرض فهو بمنزلة القبض للمال؛ لأنه يصير مستوفياً بأخذ العوض؛ كما يصير مستوفياً بأخذ نفس الحق. ولو حلف الطالب ليأخذن ماله منه، أو ليقضينه، أو ليستوفينه، ولم يوقت وقتاً، فأبراه من المال، أو وهبه له - حنث في يمينه، لأن الإبراء ليس بقبض ولا استيفاء، ففات شرط البر؛ فحنث، ولو كان وقت وقتاً فقال: اليوم، أو إلى كذا وكذا، فأبرأه قبل ذلك، أو وهبه له ــ لم يحنث عند أبي حنيفة ومحمد إذا جاوز ذلك الوقت. وعند أبي يوسف: يحنث؛ بناء على أن اليمين المؤقتة يتعلق انعقادها بآخر الوقت عندهما، فكأنه قال في آخر الوقت: لأقبضن منه ديني، ولا دين عليه؛ فلا تنعقد اليمين عندهما، وتنعقد عند أبي يوسف؛ فيحنث، أصل المسألة إذا حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم، فأهريق الماء قبل انقضاء اليوم، وقد ذكرناها فيما تقدم، فإن قبض الدين فوجده زيوفاً أو نبهرجة فهو قبض، وبر في يمينه، سواء كان حلف على القبض أو على الدفع؛ لأنها من جنس حقه من حيث الأصل. ألا ترى أنه يجوز أخذهما في ثمن الصرف، فوقع بهما الاقتضاء، وإن كانت ستوقة فليس هذا بقبض؛ لأنها ليست من جنس الدراهم؛ ولهذا لا يجوز التجوز بها في ثمن الصرف، وكذلك لو رد الثوب الذي أخذ عن الدين بعيب، أو استحق - كان قد بر في يمينه، وكان هذا قبضاً؛ لأن العيب لا يمنع صحة القبض، وكذا المستحق يصح قبضه، ثم يبطل؛ لعدم الإجازة، فانحلت اليمين؛ فلا يتصور الحنث بعد ذلك، وقد قالوا: إذا اشترى بدينه بيعاً فاسداً وقبضه، فإن كان في قيمته وفاء بالحق فهو قابض لدينه ولا يحنث، وإن لم يكن فيه وفاء حنث؛ لأن المضمون في البيع الفاسد القيمة لا المسمى، ولو غصب الحالف ما لا مثل دينه بر؛ لأنه وقع الاقتضاء به، وكذلك لو استهلك له دنانير أو عروضاً؛ لأن القيمة تجب في ذمته فيصير قصاصاً. وقال محمد: إذا قال: إن لم أتزن من فلان مالي عليه، أو لم أقبض مالي عليه في كيس، أو قال: إن لم أقبض مالي عليك دراهم أو بالميزان، أو قال: إن لم أقبض دراهم قضاء ١٦٠ كِتَابُ الأَيْمَانِ من الدراهم التي لي عليك، فأخذ بذلك عرضاً أو شيئاً مما يوزن من الزعفران أو غيره - فهو حانث؛ لأنه لما ذكر الوزن والكيس والدراهم، فقد وقعت يمينه على جنس حقه، فإذا أخذ عوضاً عنه - حنث. فضلْ في الحلف على الهدم وأما الحالف على الهدم، قال ابن سماعة: وسمعت أبا يوسف يقول في رجل قال: والله لأهدمن هذه الدار، فإن هدم سقوفها بر؛ لأنه لا يقدر على أن يزيل اسم الدار بالهدم؛ لأنه لو هدم جميع بنائها لكانت بذلك تسمى داراً؛ لما ذكرنا أنها اسم للعرصة، فحملت اليمين على الكسر. قال محمد: إذا حلف لينقضن هذا الحائط، أو ليهدمنه اليوم، فنقض بعضه، أو هدم بعضه ولم يهدم ما بقي حتى مضى اليوم - يحنث. قال: والهدم عندنا أن يهدم حتى يبقى منه ما لا يسمى حائطاً؛ لأن الحائط يمكن هدمه حتى يزيل الاسم عنه، فوقعت اليمين على ذلك بخلاف الدار، فإن نوى هدم بعضه صدق ديانة؛ لأن ذلك يسمى هدماً بمعنى الكسر، ولو حلف ليكسرن هذا الحائط فكسر بعضه - بر؛ لأنه يقال له: حائط مكسور، فلا يعتبر ما يزيل به اسم الحائط، فالحاصل أن لههنا ألفاظ ثلاثة: الهدم، والنقض، والكسر، والمسائل مبنية على معرفة معنى كل لفظ، فالهدم اسم لإزالة البناء؛ لأنه ضد البناء، فإن فعل في الحائط فعلاً ينظر إن بقي بعده ما يسمى مبنياً - حنث؛ لأنه لا وجود للشيء مع وجود ما يضاده، وإن لم يبق ما يسمى مبنياً - بر لتحققه في نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠]، والمراد منه استئصالها، لا إحداث صدع أو وهن في أبنيتها، وكذلك النقض يقال: فلان نقض بيته كذا، أي: أزالها، ولو نقض بعض الحائط أو هدم بعضه، وقال: عنيت به بعضه - يصدق فيما بينه وبين الله تعالى - عز وجل -؛ لأنه نوى تخصيص العموم، وأنه محتمل فلا يصدقه القاضي؛ لأنه عدول عن الظاهر، والكسر عبارة عن إحداث صدع أو شق فيما صلب من الأجسام، بمنزلة الخرق فيما استرخى منها، فإذا ثبت فيه هذا فقد بر في يمينه، وإن بقي التركيب والله تعالى أعلم. فضلْ في الحلف على الضرب والقتل وأما الحلف على الضرب والقتل: قال المعلى: سألت محمداً عن رجل حلف بطلاق امرأته ليضربنها حتى يقتلها، أو حتى ترفع ميتة ولا نية له - قال: إن ضربها ضرباً شديداً كأشد الضرب - بر في يمينه؛ لأنه يراد بمثل هذا القول في العادة شدة الضرب دون الموت، قال: فإن حلف ليضربنها حتى يغشى عليها، أو حتى تبول، فما لم يوجد ذلك - لم يبر في يمينه؛ لأن هذا يحدث عند شدة الضرب غالباً؛ فيراعى وجوده للبر.