النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولو قال: هو يأكل الميتة، أو يستحل الدم، أو لحم الخنزير، أو يترك الصلاة والزكاة إن فعل كذا - فليس شيء من ذلك يميناً؛ لأنه ليس بإيجاب، بل هو إخبار عن فعل المعصية في المستقبل، بخلاف قوله: هو يهودي أو نحوه؛ لأن ذلك إيجاب في الحال، وكذلك لو دعى على نفسه بالموت، أو عذاب النار؛ بأن قال: عليه عذاب الله إن فعل كذا، أو قال: أمانة الله إن فعل كذا؛ لأن هذا ليس بإيجاب بل دعاء على نفسه، ولا يحلف بالآباء والأمهات والأبناء، ولو حلف بشيء من ذلك لا يكون يميناً؛ لأنه حلف بغير الله تعالى، والناس وإن تعارفوا الحلف بهم، لكن الشرع نهى عنه. وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلاَ بِالطَّوَافِيتِ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَخْلِفْ بِالله أَوْ لِيَذَرْ))(١)، وروي عنه أنه قال بََّ: ((مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أَشْرَكَ))؛ ولأن هذا النوع من الحلف لتعظيم المحلوف، وهذا النوع من التعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى. ولو قال: ودين الله أو طاعته أو شرائعه أو أنبيائه وملائكته أو عرشه - لم يكن يميناً؛ لأنه حلف بغير الله . ومن الناس من قال: الحلف بالأنبياء - عليه الصلاة والسلام - وغيرهم - يمين. وهذا غير سديد؛ للحديث؛ ولأنه حلف بغير الله، فلا يكون قسماً؛ كالحلف بالكعبة؛ كذا لو قال: وبيت الله، أو حلف بالكعبة، أو بالمشعر الحرام أو بالصفا أو بالمروة، أو بالصلاة أو الصوم أو الحج؛ لأن كل ذلك حلف بغير الله - عز وجل -. وكذا الحلف بالحجر الأسود والقبر والمنبر لما قلنا، ولا يحلف بالسماء ولا بالأرض، ولا بالشمس ولا بالقمر والنجوم، ولا بكل شيء سوى الله تعالى وصفاته العلية لما قلنا . وقد قال أبو حنيفة: لا يحلف إلا بالله متجرداً بالتوحيد والإخلاص، ولو قال: وعبادة وحمد الله فليس بيمين؛ لأنه حلف بغير الله؛ ألا ترى أن العبادة والحمد فعلك. ولو قال: بالقرآن أو بالمصحف أو بسورة كذا من القرآن - فليس بيمين؛ لأنه حلف بغير الله تعالى. وأما المصحف فلا شك فيه. وأما القرآن وسورة كذا؛ فلأن المتعارف من اسم القرآن الحروف المنظومة والأصوات المقطعة بتقطيع خاص، لا كلام الله الذي هو صفة أزلية قائمة(٢) بذاته تنافي السكوت والآفة. ولو قال: بحدود الله لا يكون يميناً؛ كذا ذكر فى الأصل. (١) تقدم تخريجه. (٢) كلام الله - عز وجل - صفة أزلية قديمة قائمة بذاته - عز وجل -. منافية للسكون والآفة؛ كما في الخرس - ليست من جنس الأصوات والحروف بل هو سبحانه بها آمرٌ ناهٍ . يدل عليها بالعبارات الدالة عليها؛ كما إذا ذكر الله - عز وجل - بألسنة مختلفة، بالصفة: هي الأمر القائم بالغير، وهو جنس في التعريف أو كالجنس؛ بناء على النزاع في المفهومات الاصطلاحية: هل هي حدود أو رسوم. = ٢٢ كِتَابُ الأَیْمَانِ الأول: مبني على أنها وإن كان أمراً اصطلاحياً طارئاً على المعنى اللغوي للكلام، حيث إن الكلام في = اللغة: القول. يقال: أتى بكلام طيب، أي قول. إلا أنه ليست وراء ما اصطلح عليه المصطلح أمر آخر؛ فذلك الذي ذكر في تعريف تلك الصفة هو ثباتها بحسب الاصطلاح. الثاني: مبني على أن لها قبل المعنى الاصطلاحي معنى وضع الواضع اللفظ؛ ليدل عليه؛ فذلك المعنى ثانٍ بعد أول، فهو عارض والتعريف بالعوارض رسم. أما بعض المحققين: فقد جزم بأنها رسوم؛ لأن الاطلاع على ذاتيات تلك الصفات غير ممكن. والحد ما تركب من الذاتيات: الجنس والفصل. وحيث إن الذاتيات لم يطلع عليها لا تكون إلا رسوماً؛ لأنها بخواص هذه الصفات؛ فسحب وذلك لأن الخواص مأخوذة من تعريف الصفات: حيث أخذ في تعريف صفة الكلام أنها تتعلق دلالة. وفي تعريف صفة القدرة؛ أنها تتعلق تعلق تأثير. وعلى ذلك: فصفة يشمل الصفة القديمة والحادثة. قديمة: فصل أو كالفصل - مخرج لغير الصفة القديمة. وهو الصفة الحادثة . أما الأقوال في القديم والأزلي فهي ثلاثة: الأول: القديم هو الذي ابتداء لوجوده. والأزلي ما لا أول له، عدمياً كان أو وجودياً، فكل قديم أزلي ولا عکس. الثاني: القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده. والأزلي ما لا أول له، عدمياً كان أو وجودياً، قائماً بنفسه أو غيره. الثالث: القديم والأزلي: ما لا أول له، عدمياً كان أو وجودياً قائماً بنفسه، أولاً. فعلى الأول: الصفات السلبية لا توصف بالقدم، وتوصف بالأزلية، وذلك بخلاف ذات الله - عز وجل - والصفات الثبوتية، فإنها توصف بالقدم والإزلية. وعلى الثاني: الصفاتُ مطلقاً لا توصف بالقدم، وتوصف بالأزلية، وذلك بخلاف ذاته - عز وجل -؛ فإنها توصف بكل منهما . وعلى الثالث: كل من الذات والصفات مطلقاً يوصف بالقدم والأزلية. فالقديم في التعريف صحيح على الرأي الأول والثالث؛ وذلك بخلافه على الثاني قائمة بذاته. وأيضاً فللقيام معنيان: قيام: بمعنى التبعية في التحيز؛ كما في العرض بالنسبة لجوهره. وليس قيام صفة الله عز وجل بذاته على هذا النحو حيث لا تحيز للذات حتى تتبعها الصفة فيه. وقيام: بمعنى آخر هو اختصاص الناعت بالمنعوت، وهو المراد بقيام الصفة بذاته عز وجل. ليس بحرف ولا صوت؛ لأنه معنى نفسي، وتلك أعراض مشروط حدوث بعضها بانقضاء بالبعض؛ إذ امتناع التكلم بالحرف الثاني بدون انقضاء الحرف الأول - بدهي، خلافاً لمذهب الحنابلة، والحشوية، والكرامية القائلين: بأن كلامه منتظم من كلمات قائمة بذاته عز وجل، قديم عن الحنابلة حادث عند الكرامية. منافية للسكون والآفة: السكوت عدم التكلم مع القدرة عليه. والآفة: عدم مطاوعة الآلة؛ إما بحسب الفطرة؛ كما في الخرس، أو من جهة ضعفها؛ كما في الطفولية، ولقائل أن يقول: هذا إنما يصدق على الكلام اللفظي دون النفسي؛ حيث السكوت والخرس إنما ينافيان التلفظ . = ٢٣ كِتَابُ الأَيْمَانِ ٠٠ ويجاب بأن المراد بالسكوت والآفة الباطنيان؛ بأن لا يريد في نفسه الكلام، أو لا يقدر عليه، ويتلخص = في أنه كما أن الكلام: لفظي، ونفسي، كذلك ضده وهو السكوت والخرس: لفظي وباطني، والمراد الثاني منهما حيث أريد بالكلام الكلام النفسي، فالله منزه عن الاتصاف بالخرس والآفة. وهو بها آمر ناهٍ: فهو صفة واحدة تتكثر بحسب التعلقات، فالكلام باعتبار تعلقه بشيء خبراً، وبآخر أمراً أو نهياً. وبهذا يخرج العلم والقدرة. وهكذا سائر الصفات الوجودية غير الكلام؛ لأنه لا أمرّ ولا نهيْ بواحدة منها. أما غير الأشاعرة فيقولون: الكلام هو اللفظ المنتظم من الحروف والأصوات، وينفون الصفة النفسية. وهم في ذلك قد انقسموا إلى فريقين. الفريق الأول: كلامه ألفاظ قائمة بذاته وهي قديمة، وهم بعض الحنابلة أو حادثة وهم الكرامية. والفريق الثاني: يقول: كلام الله ألفاظ قائمة بالغير. وهم المعتزلة. فالحنابلة يعرفونه: بأنه المؤلف من الكلمات القديمة القائمة بذاته تعالى. والكرامية يعرفونه: بأنه هو المؤلف من الكلمات الحادثة القائمة بذاته تعالى. وحيث إن المعتزلة لم يعرفوه بالصفة النفسية فليس عندهم سوى الألفاظ وهي حادثة؛ لأنها مرتبة، ويستحيل قيام الحادث بالقديم. فهم يقولون: إن كلامه - عز وجل - ألفاظ قائمة بغيره، فهم يتجوزون بمتكلم عن موجدٍ وخالقٍ للكلام. وعليه فالمعتزلة لا يثبتون كلام الله إلا نفسياً؛ كما أثبته الأشاعرة. ولا لفظياً قديماً؛ لأن الألفاظ مرتبة والترتيب حادث. ولا لفظياً حادثاً؛ كما قالت الكرامية، بل يثبتون كلاماً لا على أنه متصف به، بل على أنه مخلوق قائم بغيره. فالكلام عند المعتزلة هو المؤلف من الكلمات المسموعة الحادثة القائمة بغير الذات وهم بذلك خالفوا جميع الفرق. أما أدلة الأشاعرة: استدلت الأشاعرة على قدم كلام الله - عز وجل -، وكونه نفسياً بوجوه. الدليل الأول من جهة اللغة: من أن الكلام عندهم صفة نفسية قديمة قائمة بذاته تعالى، فالمتكلم في اللغة من قام به الكلام، لا من أوجده من غيره؛ كما قالت المعتزلة؛ لامتناع إثبات المشتق للشيء من غير قيام مأخذ الاشتقاق به؛ إذ من أوجد الحركة في جسم آخر لا يسمى متحركاً لغة؛ فلا يسمى الله متكلماً يخلق الكلام من غيره؛ كما قالت المعتزلة: من أن المتكلم من أوجد الكلام في غيره. أما باقي الفرق: من حنابلة، وحشوية، وأشاعرة، وكرامية، لا يتنافى مدعاهم مع مدلول متكلم في اللغة على رأي العضد؛ لأنهم جميعاً يقولون: المتكلم من قام به الكلام؛ فلهذا نحتاج في إثبات مدعي الأشاعرة الخاص، وهو الصفة النفسية - إلى إبطال قدم اللفظ، وقيامه بذاته - عز وجل -، وهو ظاهر البطلان، لأن جعل المرتب الذي تقدم بعض أجزائه، وتأخر البعض قديماً، مفض إلى التناقض، لاستدعاء الترتيب أولية وحدوثاً. واستدعاء الوصف بالقدم عدم أوليته - عز وجل -. وأما بطلان قيام الحادث بذات الله - عز وجل - فظاهر أيضاً؛ فلم يبق لكونه متكلماً، مع ملاحظة اللغة، وبطلان قيام لفظٍ قديم أو حادث بذاته سوى أن له صفة نفسية. وهو مدعي الأشاعرة. فإن قيل: من جهة المعتزلة: لو كان المتكلم من قام به الكلام - لما صح إطلاقه حقيقة على المتكلم بالكلام الحسّي؛ لأنه لا بقاء له، ولا اجتماع لأجزائه حتى يقوم بشيء. قلنا: صحة الإطلاق مبنية على أن المعتبر في اسم الفاعل وجود المعنى لا بقاؤه، لا سيما في الأعراض السيالة، كالمتحرك، والمتكلم. = ٢٤ كِتَابُ الأيمانِ واختلفوا في المراد بحدود الله، قال بعضهم: يراد به الحدود المعروفة من حد الزنا والسرقة والقذف. وقال بعضهم: يراد بها الفرائض مثل الصوم والصلاة وغيرهما، وكل ذلك حلف بغير الله تعالى؛ فلا يكون يميناً. وقد روي عن النبي ◌َّر؛ أنه قال: ((لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلاَ بِالطَّوَاغِيتِ وَلاَ بِحَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ، وَلاَ تَخْلُفُوا إِلاَّ بِاللهِ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللهِ فَلْيَرْضِ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَّا))(١). ولو قال: عليه غضب الله أو سخطه أو لعنته إن فعل كذا - لم يكن يميناً؛ لأنه دعاء وإن قيل من جهة الحنابلة، ومن تابعهم: إن المنتظم من الحروف قد لا يكون مرتب الأجزاء، بل دفعياً = كالقائم بنفس الحافظ؛ كالحاصل على الورقة من طابع فيه نقس. قلنا: الكلام في المنتظم من الحروف المسموعة، لا في الصورة المرسومة، أو المنقوشة بأشكال الكتابة، لأنها ليست كلاماً على الحقيقة. والترتيب المستدعي للحدوث لازم للمنتظم من الحروف المسموعة. الثاني من ناحية العقل: لو لم يتصف الله بالكلام - لاتصف بضده وهو محال، فبطل ما أدى إليه وهو عدم الاتصاف، وإذا بطل هذا ثبت نقيضه وهو الاتصاف. أما الملازمة: فدليلها أن القابل للشيء إنما يتصف به أو بضده، والله عز وجل قابل، لأنه حي وأما بطلان التالي؛ فلأن ضد هذه الصفة نقص، وكل نقص عليه محال، لأن يستلزم احتياجه - عز وجل - إلى من يكلمه؛ بأن يدفع هذا النقص عنه، وهو بيِّن البطلان. وأيضاً: لو اتصف بالنقص - لكان بعض المخلوقين أكمل منه؛ لسلامة كثير منهم عن تلك النقائص. وقد اعترض على هذا الدليل من ناحيتين. على الملازمة: بأن اتصاف الذات بصفة أو ضدها - متوقف على تصور تلك الذات بالكنه، وحقيقة ذات الله - عز وجل - ليست معلومة لنا بالكنه، حتى نعلم ما تقبله مما لا تقبله. وعلى بطلان التالي بإبطال دليله، وهو أنا لا نسلم أن الضد نقص، لأنكم بنيتموه على الكمال والنقص في الشاهد. ولا يلزم من كون الصفة نقصاً في حق الشاهد؛ أن يكون كذلك في حق الغائب؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الزوجة والولد: كمال في حق الشاهد، نقص في حق الغائب. الثالث: كلام المتكلم إما أن يكون اسماً للمنتظم من الحروف والأصوات الدالة بالوضع؛ وإما أن يكون اسماً للمعنى القائم بالنفس، فإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكون لكلام الله - عز وجل - معنى في نفسه أم لا، فإن لم يكن له معنى فلا يكون أمراً ولا ناهياً؛ لأن من قال لغيره افعل كذا، ولا تفعل كذا، ولم يكن لعبارته معنى في نفسه - لا يكون آمراً ولا ناهياً، بل يكون عابثاً. وإن كان له معنى من نفسه فذلك هو الذي يراد ثبوته، ويعبر عنه بكلام النفس، وإن كان الثاني وهو أن الكلام اسم للمعنى القائم بالنفس فذلك هو المطلوب، غير أنه لا يخرج عن كونه قديماً أو حادثاً، لا جائز أن يكون حادثاً، وإلا كان الله محلاً للحوادث، وهو محال للأدلة التي أقيمت على ذلك، فلم يبق إلا أن يكون قديماً. وهذا الدليلُ وإن أثبت معنى نفسياً وأبطل كون الكلام ألفاظاً قائمةً بذاته - عز وجل -، فلم يثبت به أن هذا المعنى النفسي غير العلم والإرادة، فللمعتزلة أن يعترضوا عليه من هذه الجهة. ينظر نص كلام شيخنا حافظ مهدي في تحقيق صفة الكلام. (١) تقدم تخريجه. ٢٥ كِتَابُ الأَيْمَانِ على نفسه بالعذاب والعقوبة والطرد عن الرحمة؛ فلا يكون حالفاً؛ كما لو قال: عليه عذاب الله وعقابه وبعده عن رحمته . ومن مشايخنا بالعراق من قال في تخريجه القسم بالصفات: إن الصفات على ضربين: صفة للذات، وصفة للفعل، وفصل بينهما بالنفي والإثبات، وهو أن ما يثبت ولا ينفي فهو صفة للذات؛ كالعلم والقدرة ونحوهما، وما يثبت وينفي فهو صفة الفعل كالتكوين والإحياء والرزق ونحو ذلك، وجعل الرحمة والغضب من صفات الفعل، فجعل صفة الذات قديمة، وصفة الفعل حادثة، فقال: الحلف بصفة الذات يكون حلفاً بالله؛ فيكون يميناً، والحلف بصفة الفعل يكون حلفاً بغير الله تعالى؛ فلا يكون يميناً، والقول بحدوث صفات الفعل مذهب المعتزلة والأشعرية، إلا أنهم اختلفوا في الحد الفاصل بين الصفتين. ففصلت المعتزلة بما ذكره هذا القائل من النفي والإثبات، والأشعرية فصلت بلزوم النقيصة وعدم اللزوم، وهو إنه ما يلزم بنفيه نقيصة فهو من صفات الذات، وما لا يلزم بنفيه نقيصة فهو من صفات الفعل، مع اتفاق الفريقين على حدوث صفات الفعل، وإنما اختلفت عباراتهم في التحديد لأجل الكلام، فكلام الله تعالى محدث عند المعتزلة؛ لأنه ينفي ويثبت، فكان من صفات الفعل فكان حادثاً، وعند الأشعرية أزلي؛ لأنه يلزم بنفيه نقيصة؛ فكان من صفات الذات فكان قديماً (١). (١) وقبل أن نشرع في أدلة المعتزلة نمهد لذلك فنقول : . إن ما تقوله المعتزلة في كلام الله - عز وجل - وهو خلق الأصوات والحروف - الدالة على المعاني المقصودة، وكونها حادثة قائمة بغير ذاته - عز وجل - نقول به نحن، ولا خلاف بيننا وبينهم في ذلك كما مرّ، وما نقوله نحن، ونثبته من كلام النفس المغاير لسائر الصفات هم ينكرون ثبوته، ولو سلموه لم ينفوا قدمه الذي تدعيه في كلامه - عز وجل -؛ فصار محل النزاع بيننا وبينهم إثبات المعنى النفسي ونفيه. وإذاً فالأدلةُ الدالة على حدوث الألفاظ إنما تفيدهم بالنسبة للحنابلة القائلين بقدم الألفاظ. وأما بالنسبة إلينا، فيكون نتصباً لدليل في غير محل الخلاف. وأما ما دل على حدوث القرآن مطلقاً بلا تقييد باللفظي أو النفسي، فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ، لا يكون لهم فيه حجة علينا، ولا يعطيهم فائدة، وجدوى بالقياس إلينا، إلا أن يدللوا على عدم المعنى الزائد على العلم والإرادة وحينئذ يفيدهم هذا؛ لأنه على هذا التقدير ينحصر القرآن في هذه الألفاظ والعبارات، ولا سبيل لهم إلى هذا البرهان، فلا تكون لهم حجة أيضاً في تلك الأدلة المطلقة. لكنا نذكر أدلتهم، ثم نجيب عنها فنقول: لقد ذهبت هذه الطائفة على نفس الكلام النفسي القديم، واستدلت بأدلة معقولة ومنقولة. أما أدلتهم المعقولة فدليلان : . الدليل الأول: لو كان كلامه - عز وجل - نفسياً قديماً - للزم وجود أمرٍ بلا مأمور، ونهي بدون منهي، وهكذا بقية الأنواع، والتالي باطل؛ فبطل المقدم. = ٢٦ كِتَابُ الأَیْمانِ أما دليل الملازمة: هو أن للكلام النفسي أنواعاً: أمراً، ونهياً، وخبراً، وغير ذلك، وهي قديمة، إذ = الأنواع كالجنس في القدم والحدوث. والقطعي بأنه لا مأمور ولا منهي في الأزل. وأما بطلان التالي فواضح، لما يلزم عليه من السنة وهو محال على الله. والجواب عن هذا الدليل: هو أنكم بنيتموه على أن للكلام القديم في الأزل أنواعاً، وهو غير مجمع عليه من الأشاعرة، فقد خالف ابن سعيد في ذلك، وقال: إنه في الأزل واحد، وإنما يصير متصفاً بالأنواع المذكورة فيما لا يزال. فإن قيل: عدم تنوعه في الأزل إلى الخمسة - يستدعي وجود الجنس بدون واحد من أنواعه، وذلك محال؛ لأنه لا وجود للجنس إلا في واحد منها قلنا: ذلك مسلم في أنواع حقيقته لا تكون باعتبار التعلق، أما الأنواع التي تكون بحسب التعلق - فغير مسلم. وما معنا من هذا القبيل، فهي أنواع اعتبارية تحصل بحسب تعلق بالأشياء، فجاز أن يوجد جنسها بدونها أو معها. وعليه فالكلام الأزلي ليس جنساً حقيقياً، بل هو أمر واحد تعرض له الإضافات، وله أسماء بحسب كل إضافة نوعية. فإذا تعلق بالفعل على وجه يثاب عليه الفاعل، ويعاقب عليه التارك - يسمى أمراً. وهكذا الأربعة الباقية. فليست له أنواع، وليس هو جنساً على الحقيقة. وهناك جواب آخر عن الدليل: وهو أن ما ذكر من استدعاء الأمر والنهي مخاطباً، وإن سُلّم في الأمر والنهي اللفظتين، إلا أنه غير مسلم في الأمر والنهي النفسيتين، إذ يكفي فيهما مخاطب ولو تنزيلاً. وأيضاً يجاب عن هذا الدليل بجواب ثالث: وهو إنما يلزم السفه لو خوطب المعلوم وأمر في عدمه، أما على تقدير وجوده بأن يكون الطلب ممن سيوجد؛ كما في طلب الرجل تعلم ولده الذي لم يوجد، وكما في خطاب النبي عليه الصلاة والسلام - إلى كل مكلف يولد إلى يوم القيامة - فلا سنة. فحاصل هذا الدليل، أنه مبني عند الخصم على التنوع، ومن الأشاعرة من لا يسلّمه كابن سعيد. وعلى فرض التسليم فاستدعاء المأمور في اللفظي دون النفسي. وعلى تسليم استدعاء النفسي مخاطباً، فإن أريد وجود المخاطب بالفعل في الأزل؛ فذلك لاستدعاء غير مسلّم. وإن أريد وجود المخاطب وجوداً عقلياً، على معنى أنه يتعلق بالمعدوم في حال العدم خطاب يفهمه، ويقوم بالامتثال به بعد وجوده مستجمعاً لشروط التكليف، فالاستدعاء مسلّم والعبث ممنوع. الدليل الثاني: لو كان كلامه - عز وجل - قديماً - لاستوت نسبته إلى جميع المتعلقات. ولكن استواء نسبته إلى جميع المتعلقات باطل. فبطل ما أدى إليه. بيان الملازمة: أن الكلام كالعلم في أن تعلقه بمتعلقاته يكون لذاته، وكما أن علمه يتعلق بجميع ما يصح تعلقه به؛ فكذلك كلامه يتعلق بكل ما يصح تعلقه به، حيث إن الأشاعرة القائلين بالكلام النفسي نفوا أن يكون للفعل في ذاته حسن أو قبح، بل حسنه وقبحه من الشرع، فلو أمر بما نهى عنه، أو نهى عما أمر به لأنقلب الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، وعلى ما ذكر يلزم تعلق أمره، ونهيه بالأفعال كلها. وأما بطلان التالي فواضح؛ لما يلزم عليه من كون الفعل مأموراً به منهياً عنه وهو محال؛ لأن الأمر يستدعي تحصيل الفعل، ليثاب عليه. والنهي يقتضي ترك الفعل؛ ليثاب على الترك. فنتيجة الأمر الإثابة على الفعل. ونتيجة النهي عدم الإثابة على الفعل، بل العقاب عليه. وبين الإثابة واللا إثابة تناقض. وبين الإثابة والعقاب تنافر أيضاً؛ لأنه جمع بين الشيء والأخص من نقيضه، وكلاهما محال والجواب عن هذا الدليل: أن الشيء القديم الصالح للأمور المتعددة قد يتعلق ببعض من تلك الأمور دون بعض، كالقدرة، فإنها تتعلق ببعض ما تعلقت به الإرادة دون ما لم تتعلق به . = ٢٧ كِتَابُ الأَيْمَانِ فإن قيل: مخصص القدرة هو الإرادة؛ فلا بد للكلام أيضاً من مخصص ويعود الكلام إليه، فيلزم = التسلسل. قلنا: تعلق الكلام ببعض دون بعض آخر، كتعلق الإرادة لذاتها ببعض ما يصح تعلقها به دون بعضه، فلا تسلسل. أما الأدلة النقلية فمن وجوه: الوجه الأول: القرآن ذكر وهو محدث لقوله - عز وجل - ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكْ﴾ وقوله - عز وجل - ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمَكَ﴾، مع قوله - عز وجل - ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُخْدَثٍ﴾؛ فإنهما يدلان على أن الذكر محدث، وهو القرآن فيكون محدثاً، ويكون معنى الإتيان ما يأتيهم من طائفة من القرآن نازلة؛ تذکرهم أکمل تذکیر، وتبین لهم أتم تبیین. وقوله - عز وجل -: من ربهم لابتداء الغاية متعلقة. بـ ((يأتيهم))، أو بمحذوف هو صفة لـ ((ذكر))، وأيا ما کان ففيه دلالة على فضله وشرفه. وهو عربي، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنَاً عَرَبِيّاً﴾، والعربي هو اللفظ؛ لاشتراك اللغات في المعنى، ومنزل على النبي - عليه الصلاة والسلام - بشهادة النص والإجماع، ولا خفاء في امتناع نزول المعنى القديم القائم بذات الله - عز وجل -، بخلاف اللفظ فإنه وإن كان عرضاً لا يزول عن محله، لكن قد ينزل بنزول الجسم الحامل له، وقد روي أن الله - عَزَّ وَجَلَّ - أنزل القرآن دفعة واحدة إلى سماء الدنيا، فحفظته الحفظة، ثم نزل منها بلسان جبريل - عليه السلام - إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام شيئاً فشيئاً بحسب المصالح، فإن قيل: المكتوب في المصحف هو الصور والأشكال لا اللفظ ولا المعنى. قلنا: بل اللفظ لأن الكتابة تصويراً للفظ بحروف هجائية. نعم المثبت في المصحف هو الصور والأشكال. فإن قيل: القديم دائماً، فيكون مقارناً للتجدّي ضرورة، فلا يكون ذلك من خواص الحوادث. قلنا: معناه أن يدعوا العرب إلى المعارضة والإتيان بالمثل؛ وذلك لا يتصور في الصفة القديمة. الوجه الثاني: قوله عز وجل ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾؛ إذ معناه: إذا أردنا شيئاً قلنا له: كن فيكون. فقوله: كن وهو قسم من أقسام الكلام، متأخر عن الإرادة الواقعة في الاستقبال؛ لكونه جزءاً له؛ فيكون حاصلاً قبل وجود الشيء بقرينة الفاء الدالة على الترتيب بلا مهملة، وكلاهما يوجب الحدوث. وبخاصة إذا كان ذلك الشيء حادثاً واقفاً في الاستقبال. وأما التقدم على الكائن الحادث بمدة يسيرة - فظاهر أيضاً دلالته على الحدوث. فإن قيل: وقوع كلمةٌ ((كن)) عقيب إرادة تكوين الأشياء على ما تعطيه كلمة الجزاء، وإن دلّ على حدوثها لكن عموم لفظ شيء من حيث وقوعه في سياق النفي معنى، أي: ليس قولنا لشيء مما نقصد إيجاده وإحداثه؛ كما في قوله - ◌َطر - ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) يقتضي قدمها؛ إذ لو كانت حادثة لوقعت بكلمة ((كن)) أخرى مسابقة ويتسلسل. وإن جعلتم هذا الكلام لا على حقيقته بل مجازاً عن سرعة الإيجاز - فلا دلالة فيه على حدوث كن. قلنا: حقيقته أن ليس قولنا لشيء من الأشياء عند تكوينه - إلا هذا في القول وهو لا يقتضي ثبوت هذا القول كل شيء. الوجه الثالث: قوله - عز وجل -: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ و((إذا)) ظرف زمان ماض؛ فيكون قوله الواقع في هذا الظرف مختصاً بزمان معين محدث، أما المختص بالحال والاستقبال فظاهر، وأما المختص بالماضي، فلانه الانتقال في الحال أو الاستقبال ينافي القدم؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. = ٢٨ كِتَابُ الأَیْمَانِ الوجه الرابع: قوله - عز وجل -: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ أَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ فإنه يدل على أن القرآن مركب من = الآيات التي هي أجزاء متعاقبة فيكون حادثاً. وقال ابن عبّاس - رضوان الله عليه -: ((أحكمت)) أي: لم ينسخ بكتاب؛ كما نسخت الشرائع به، ((ثم فصلت)) بُيّنت بالأحكام، والحلال والحرام. وكذا قوله - عز وجل -: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا﴾ يدل على أن كلامه قد يكون عربياً تارة، وعبرياً أخرى؛ وذلك دليل حدوثه. ودلالة الآية الكريمة على أن كلام الله تعالى قد لا يكون عربياً ظاهرة؛ فإن الذوق السليم يفهم من التخصيص ذلك. وأما دلالته على أنه قد يكون عبرياً تارة أخرى، فيضم إليه أن التوراة أيضاً كلامه بالاتفاق على أن المراد قد يكون عبرياً؛ فإنه المقصود ههنا مجرد الدلالة على التغير. الوجه الخامس: قوله - عز وجل -: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾؛ فإنه يدل على أن كلامه مسموع فيكون حادثاً؛ لأن المسموع لا يكون إلا حرفاً وصوتاً. الوجه السادس: أن القرآن معجز إجماعاً، ويجب مقارنة المعجز للدعوى، حتى يكون تصديقاً للمدعي في دعواه، فيكون حادثاً مع حدوثها. وإن لم يكن مقارناً لها حادثاً معها، بل يكون قديماً سابقاً عليها. فلا اختصاص له به وتصدیقه. الوجه السابع: أن ((القرآن موصوف بكونه منزلاً وتنزيلاً، وذلك يوجب حدوثه، لاستحالة الانتقال بالإنزال والتزيل على صفاته القديمة القائمة بذاته تعالى؛ إذ لا خفاء في امتناع نزول المعنى القديم القائم بذاته - عز وجل - بخلاف اللفظ فإنه وإن كان فرضاً لا يزول عن محله، لكن قد ينزل الجسم الحامل له؛ فيوصف اللفظ بذلك بالنزول ولو مجازاً. الوجه الثامن: قوله - ◌َ ر ـ في دعائه: ((يا رب القرآن العظيم، ويا رب طه ويس)) فالقرآن مربوب كلاًّ وبعضاً، والمربوب محدث اتفاقاً. الوجه التاسع: أنه - عز وجل - أخبر بلفظ الماضي نحو: ﴿وإنا أنزلنا﴾، ﴿وإنا أرسلنا﴾ ولا شك أنه لا إرسال ولا إنزال في الأزل، فلو كان كلامه قديماً لكان كذباً، لأنه إخبار بالوقوع في الماضي، ولا يتصور ما هو ماض بالقياس إلى الأزل. الوجه العاشر: النسخ حق بإجماع الأمة، ووقع في القرآن وهو رفع أو انتهاء، ولا شيء منهما يتصور في القدیم، لأن ما ثبت قدمه - استحال عدمه. وللحنابلة أن يقولوا: معنى نسخ القرآن رفع حكمة لا ذاته فلا يلزم حدوث هنا ذاته، وقد جعل الإمام الرازي هذين الدليلين في الأربعين من الأدلة العقلية واختار السيد الشريف أنهما من الأدلة النقلية، والحق ما اختاره. وقد أجاب الأشاعرة: عن جميع هذه الأدلة بأنها إن دلت على شيء من الحدوث؛ فإنما تدل على حدوث اللفظ. ونحن في تحرير محل الخلاف أوضحنا أن لا نزاع بين الأشاعرة وغيرهم من الطوائف في حدوث اللفظ وإنما بينهم في الكلام النفسي القديم، فجميع الأدلة التي ذكرت أدلة في غير محل النزاع. على أن هذه الأدلة، وإن أثبتت حدوث الكلام اللفظي فهي ترد دعوى الحنابلة والحشوية ... والقصد، حيث ذهبوا إلى قدم اللفظ مع قيامه بذات الله - عز وجل -. والأشاعرة يوافقون المعتزلة في إقامة الأدلة المذكورة في وجه هؤلاء. ومن الوجوه التي استدل بها المعتزلة على أن كلام الله - عز وجل - ليس بأزلي - قولهم: لو كان أزلياً للزم الكذب في أخباره. والكذب في أخباره محال؛ لأن الأخبار بطريق المضي كثير في كلام الله - عز وجل -= ٢٩ كِتَابُ الأَيْمَانِ كقوله: ﴿إنا أرسلنا نوحاً﴾ وقال: ﴿وعصى فرعون الرسول﴾، وصدقه تقتضي سبق وقوع النسبة. ولا = يتصور السبق على الأزلي فتعين الكذب. ودليل بطلان التالي؛ فلإجماع العقلاء على أن الكذب نقص؛ لما فيه من العجز والعبث. والجواب عن هذا الدليل: بأن أخبار الله - عَزَّ وجَلّ - لا تتصف في الأزل بالماضي والحال والمستقبل؛ لعدم الزمان. وإنما تتصف بذلك فيما لا يزال بحسب التعلقات. فيقال: قام بذات الله - عَزَّ وجَلّ - إخبار عن إرسال نوح مطلقاً، وذلك الأخبار موجود أزلاً باقٍ أبداً. وقبل الإرسال كانت العبارة الدالة عليه: ((إنا نرسل)) وبعد الإرسال: ((إنا أرسلنا)) فالتعبير في لفظ الخبر لا في الأخبار القائم بالذات؛ كما تقول في علمه - عز وجل -: إنه قائم بذاته أزلاً، العلم بأن نوحاً مرسل. وهذا العلم باق أبداً فقبل وجوده عرف أنه سيوجد ويرسل. وبعد وجوده - علم أنه وجد، وأرسل والتغير في المعلوم لا في العلم. وأقوى دليل استدلت به المعتزلة قولهم: قد اتفق على أن القرآن الكريم اسم لما نقل إلينا بين دفتر المصاحف تواتراً. فهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن مسموع بالآذان ولا شك أن هذه أمور تدل على حدوثه. والجواب عن هذا الدليل: أن القرآن الذي هو كلام الله - عز وجل - المكتوب في المصاحف بأشكال الكتابة وصور الحروف الدالة عليه المحفوظ في القلوب المسموع بحروف ملفوظة غير حالٍ في المصاحف والقلوب، والألسنة والآذان، بل هو معنى قديم قائم بذاته - عَزَّ وجَلّ - يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه، ويحفظ بالنظم المخيل، ويكتب بنقوش وصورٍ وأشكال. فالمرسوم بسمة الحوادث: إما هو اللفظ الدال على المعنى القديم. ويقرب ما ذكرناه ما يقال: النار جوهر محرق يذكر باللفظ، ويكتب بالقلم. ولا يلزم من ذلك كون حقيقة النار صوتاً وحرفاً؛ وذلك لأن للشيء وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان، والمراد به الوجود العلمي. حيث لا يقول المعتزلة بالوجود الذهني. ووجوداً في العبارة ووجوداً في الكتابة. والكتابة قول على العبارة، والعبارة قول على ما في الأذهان، وما في الأذهان يدل على ما في الأعيان. فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القديم، نحو القرآن غير مخلوق. فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج، والمراد بحقيقته الموجودة في الخارج؛ أن الملفوظ في هذه الصورة ذاته من غير ملاحظة ما يدل عليه؛ إذ هو من قبيل وصف الشيء بما هو حالة حقيقة. وذلك بخلاف ما يوصف بما هو من لوازم الحادث؛ لأنه لا بد فيه من ملاحظة ما يدل عليه حتى يظهر صحة الوصف به لعلاقة الدالية والمدلولية. وحيث يوصف بما هو من لوازم المحدثات، فالمراد به الألفاظ المنظومة، وذلك كما في قولنا قرأت نصف القرآن الكريم، أو المخيلة: كما في قولنا: حفظت القرآن، أو الأشكال المنقوشة؛ كما يقال: يحرم على المحدث مسُ القرآن الكريم قد يعرض على ما ذكر؛ بأنه منافٍ لما ذكره علماء الأصول من أن القرآن الكريم هو المكتوب في المصاحف، وأنه اسم للنظم والمعنى جميعاً. والجواب عن غرضهم لما لم يكن متعلقاً بالمعنى الأزلي، بل هو متعلق بالألفاظ، لأنها أدلة الأحكام الشرعية. عرفوه بأنه المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر. وجعلوه اسماً للنظم من حيث الدلالة على المعنى لا مجرد المعنى. ينظر نص كلام شيخنا حافظ مهدي في تحقيقه صفة الكلام. ٣٠ كِتَابُ الأَیْمَانِ ومذهبنا - وهو مذهب أهل السنة والجماعة: أن صفات الله أزلية، والله تعالى موصوف بها في الأزل، سواء كانت راجعة إلى الذات أو إلى الفعل، فهذا التخريجُ وقع معدولاً به عن مذهب أهل السنة والجماعة، وإنما الطريقة الصحيحة والحجة المستقيمة في تخريج هذا النوع من المسائل ما سلكنا، والله تعالى الموفق للسداد والهادي إلى سبيل الرشاد. وهذا الذي ذكرنا إذا ذكر اسم الله تعالى في القسم مرة واحدة، فأما إذا كرر فجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو؛ إما أن ذكر المقسم به وهو اسم الله تعالى، ولم يذكر المقسم عليه، حتى ذكر اسم الله تعالى ثانياً، ثم ذكر المقسم عليه، وإما أن ذكرهما جميعاً، ثم أعادهما جميعاً، وكل ذلك لا يخلو من أن يكون بحرف العطف أو يكون بدونه، فإن ذكر اسم الله تعالى، ولم يذكر المقسم عليه حتى كرر اسم الله تعالى، ثم ذكر المقسم علیه؛ فإن لم يدخل بين الاسمين حرف العطف - كان يميناً واحدة بلا خلاف، سواء كان الاسم مختلفاً أو متفقاً. فالمختلف؛ نحو ((أن يقول: والله الرحمن ما فعلت كذا وكذا؛ لأنه لم يذكر حرف العطف، والثاني يصلح صفة للأول على أنه أراد به الصفة؛ فيكون حالفاً بذات موصوف لا باسم الذات على حدة، وباسم الصفة على حدة والمتفق؛ نحو أن يقول: الله والله ما فعلت كذا؛ لأن الثاني لا يصلح نعتاً للأول، ويصلح تكریراً وتأكيداً له؛ فيكون يميناً واحدة، إلا أن ينوي به يمينین، ويصير قوله: ((الله)) ابتداء يمين بحذف حرف القسم، وإنه قسم صحيح على ما بينا فيما تقدم، وإن أدخل بين القسمين حرف عطف؛ بأن قال: والله والرحمن لا أفعل كذا، ذكر محمد في (الجامع))؛ أنهما يمينان، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة؛ أنه يكون يميناً واحدة؛ وبه أخذ زفر، وقد روي هذا أيضاً عن أبي يوسف في غير رواية الأصول. وجه رواية المذكور في ((الجامع))؛ أنه لما عطف أحد الاسمين على الأخر، فكان الثاني غير الأول؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه، فكان كل واحد منهما يميناً على حدة، بخلاف ما إذا لم يعطف؛ لأنه إذا لم يعطف أحدهما على الآخر يجعل الثاني صفة للأول؛ لأنه يصلح صفة؛ لأن الاسم يختلف؛ ولهذا يستحلف القاضي بالأسماء والصفات من غير حرف العطف، فيقول: والله الرحمن الرحيم الطالب المدرك، ولا يجوز أن يستحلف مع حرف العطف؛ لأنه ليس على المدعى عليه إلا يمين واحدة. وجه رواية الحسن: أن حرف العطف قد يستعمل للاستئناف، وقد يستعمل للصفة فإنه يقال: فلان العالم والزاهد والجواد والشجاع، فاحتمل المغايرة، واحتمل الصفة؛ فلا تثبت یمین أُخرى مع الشك. والحاصل أن أهل اللغة اختلفوا في هذه المسألة في أن هذا يكون يميناً واحدة، أو يكون ٣١ كِتَابُ الأَیْمَانِ يمينين، ولقب المسألة أن إدخال القسم على القسم قبل تمام الكلام هل يجوز، قال بعضهم: لا يجوز، وهو قول أبي علي الفسوي والخليل، حتى حكى سيبويه عن الخليل أن قوله - عز وجل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ٢,١]، يمين واحدة، وقال بعضهم: يجوز، وهو قولُ الزجاج والفراء، حتى قال الزجاج: إن قوله - عز وجل: ﴿ص﴾ قسم، وقوله - عز وجل: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذَّكْرِ﴾ [ص: ١]، قسم آخر، والحجج، وتعريف ترجيح أحد القولين على الآخر تعرف في كتب النحو، وقد قيل في ترجيح القول الأول على الثاني: أنا إذا جعلناهما يميناً واحدة لا نحتاج إلى إدراج جواب آخر، بل يصير قوله: لا أفعل مقسماً عليه بالاسمين جميعاً، ولو جعلنا كل واحد منهما قسماً على حدة لاحتجنا إلى إدراج ذكر المقسم عليه لأحد الاسمين، فيصير كأنه قال: والله والله لا أفعل كذا، فعلى قياس ما ذكر محمد في ((الجامع)) یکون یمینین. وروى محمد في ((النوادر)) أنه يمين واحدة؛ كأنه استحسن، وحمله على التكرار لتعارف الناس، وهكذا ذكر في ((المنتقى)) عن محمد؛ أنه إذا قال: والله والله والله لا أفعل، كذا القياس أن يكون ثلاثة أيمان بمنزلة قوله: والله والرحمن والرحيم وفيه قبح، وينبغي في الاستحسان أن يكون يميناً واحدة، هكذا ذكر. ولو قال: والله والله لا أفعل كذا، ذكر محمد أن القياس أن يكون عليه كفارتان، ولكني استحسن فأجعل عليه كفارة واحدة، وهذا كله في الاسم المتفق. ترك محمد القياس، وأخذ بالاستحسان لمكان العرف؛ لما زعم أن معاني كلام الناس عليه، هذا إذا ذكر المقسم به ولم يذكر المقسم عليه، حتى ذكر اسم الله ثانياً، فأما إذا ذكرهما جميعاً، ثم أعادهما، فإن كان بحرف العطف؛ بأن قال: والله لا أفعل كذا، والرحمن لا أفعل كذا، أو قال: والله لا أفعل كذا، والله لا أفعل كذا - فلا شك أنهما يمينان، سواء كان ذلك في مجلسين أو في مجلس واحد، حتى لو فعل كان عليه كفارتان، وكذا لو أعادهما بدون حرف العطف؛ بأن قال: والله لا أفعل كذا، وقال: والله لا أفعل كذا؛ لأنه لما أعاد المقسم عليه مع الاسم الثاني - علم أنه أراد به يميناً أُخرى؛ إذ لو أراد الصفة أو التأكيد لما أعاد المقسم عليه. ولو قال: والله لا أفعل كذا، أو قال: والله لا أفعل كذا، وقال: أردت بالثاني الخبر عن الأول - ذكر الكرخي أنه يصدق؛ لأن الحكم المتعلق باليمين بالله تعالى هو وجوب الكفارة، وأنه أمر بينه وبين الله تعالى، ولفظه محتمل في الجملة، وإن كان خلاف الظاهر فكان مصدقاً فیما بينه وبين الله - عز وجل. وروي عن أبي حنيفة أنه لا يصدق، فإن المعلى روى عن أبي يوسف؛ أنه قال في رجل حلف في مقعد واحد بأربعة أيمان، أو أكثر أو بأقل، فقال: أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن ٣٢ كِتَابُ الأَیْمانِ ذلك، فقال: لكل يمين كفارة، ومقعد واحد ومقاعد مختلفة واحد، فإن قال: عنى بالثانية الأولى - لم يصدق في اليمين بالله تعالى، ويصدق في اليمين بالحج والعمرة والفدية، وكل يمين قال فيها: عليَّ كذا. والفرق إن الواجب في اليمين القرب فى لفظ الحالف؛ لأن لفظه يدل على الوجوب، وهو قوله: عليّ كذا، وصيغة هذا صيغة الخبر، فإذا أراد بالثانية الخبر عن الأول - صح، بخلاف اليمين بالله تعالى، فإن الواجب في اليمين بالله تعالى ليس في لفظ الحالف؛ لأن لفظه لا يدلُّ على الوجوب، وإنما يجب بحرمة اسم الله، وكل يمين منفردة بالاسم، فينفرد بحكمها فلا يصدق؛ أنه أراد بالثانية الأولى. وروي عن محمد أنه قال في رجل قال: هو يهودي إن فعل كذا، وهو نصراني إن فعل كذا، وهو مجوسي إن فعل كذا، وهو مشرك إن فعل كذا لشيء واحد - قال: عليه لكل شيء من ذلك يمين . ولو قال: هو يهودي هو نصراني هو مجوسي هو مشرك - فهو يمين واحدة، وهذا على الأصل الذي ذكرنا أنه إذا ذكر المقسم به مع المقسم عليه، ثم أعاده فالثاني غير الأول في قونهم جميعاً، وإذا ذكر المقسم به، وكرره من غير حرف العطف - فهو يمين واحدة في قولهم جميعاً. فصل في شرائط ركن اليمين وأما شرائط ركن اليمين بالله تعالى - فأنواع: بعضها يرجع إلى الحالف، وبعضها يرجع إلى المحلوف عليه، وبعضها يرجع إلى نفس الركن. أما الذي يرجع إلى الحالف فأنواع: منها: أن يكون عاقلاً بالغاً [فلا] يصح يمين الصبي والمجنون وإن كان عاقلاً؛ لأنها تصرف إيجاب، وهما ليسا من أهل الإيجاب؛ ولهذا لم يصح نذرهما. ومنها: أن يكون مسلماً؛ فلا يصح يمين الكافر، وهذا عندنا، وعند الشافعي ليس بشرط، حتى لو حلف الكافر على يمين، ثم أسلم فحنث - فلا كفارة عليه عندنا، وعنده: تجب الكفارة، إلا أنه إذا حنث في حال الكفر - لا تجب عليه الكفارة بالصوم بل بالمال. وجه قوله: إن الكافر من أهل اليمين بالله تعالى؛ بدليل أنه يستحلف في الدعاوى والخصومات، وكذا يصح إيلاؤه، ولو لم يكن أهلاً لما انعقد، كإيلاء الصبي والمجنون، وكذا هو من أهل اليمين بالطلاق والعتاق، فكان من أهل اليمين بالله تعالى كالمسلم؛ بخلاف الصبي والمجنون . ٣٣ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولنا: أن الكفارة عبادة، والكافر ليس من أهلها، والدليل على أن الكفارة عبادة؛ أنها لا تتأدى بدون النية، وكذا لا تسقط بأداء الغير عنه، وهما حكمان مختصان بالعبادات؛ إذ غير العبادة لا تشترط فيه النية، ولا يختص سقوطه بأداء من عليه؛ كالديون، ورد المغصوب، ونحوها، والدليل عليه أن للصوم فيها مدخلاً على وجه البدل، وبدل العبادة يكون عبادة، والكافر ليس من أهل العبادات؛ فلا تجب بيمينه الكفارة؛ فلا تنعقد يمينه كيمين الصبي والمجنون، وإنما يستحلف في الدعاوى؛ لأن المقصود من الاستحلاف التحرج عن الكذب؛ كالمسلم فاستويا فيه، وإنما يفارق؛ المسلم فيما هو عبادة. وهكذا نقول في الإيلاء: إنه لا يصح في حق وجوب الكفارة؛ لأن الإيلاء يتضمن حكمين: وجوب الكفارة على تقدير القربان، ووقوع الطلاق بعد انقضاء المدة إذا لم يقربها في المدة، والكفارة حق الله تعالى، فلا يؤاخذ به الكافر، والطلاق حق العبد فيؤاخذ به. وأما الحرية فليست بشرط، فتصح يمين المملوك، إلا أنه لا يجب عليه للحال الكفارة بالمال؛ لأنه لا ملك له، وإنما يجب عليه التكفير بالصوم وللمولى أن يمنعه من الصوم. وكذا كل صوم وجب بمباشرة سبب الوجوب من العبد؛ كالصوم المنذور به؛ لأن المولى يتضرر بصومه، والعبد لا يملك الإضرار بالمولى، ولو أعتق قبل أن يصوم يجب عليه التكفير بالمال؛ لأنه استفاد أهلية الملك بالعتق، وكذا الطواعية ليست بشرط عندنا فيصح من المكره؛ لأنها من التصرفات التي لا تحتمل الفسخ؛ فلا يؤثر فيه الإكراه؛ كالطلاق، والعتاق، والنذر، وكل تصرف لا يحتمل الفسخ. وعند الشافعي شرط، وهي من مسائل الإكراه. وكذا الجد والعمد، فتصح من الخاطىء والهازل عندنا خلافاً للشافعي. وأما الذي يرجع إلى المحلوف عليه، فهو أن يكون متصور الوجود حقيقة عند الحلف، هو شرط انعقاد اليمين على أمر في المستقبل، وبقاؤه أيضاً متصور الوجود حقيقة بعد اليمين - شرط بقاء اليمين حتى لا ينعقد اليمين على ما هو مستحيل الوجود حقيقة، ولا يبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وزفر، وعند أبي يوسف: هذا ليس بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها، وإنما الشرط أن تكون اليمين على أمر في المستقبل. وأما كونه متصور الوجود عادة، فهل هو شرط انعقاد اليمين؟ قال أصحابنا الثلاثة: ليس بشرط، فينعقد على ما يستحيل وجوده عادة، بعد أن كان لا يستحيل وجوده حقيقة. وقال زفر: هو شرط لا تنعقد اليمين بدونه، وبيان هذه الجملة إذا قال: والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز، فإذ لا ماء فيه - لم تنعقد اليمين في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر؛ بدائع الصنائع ج٤ - م٣ ٣٤ كِتَابُ الأَیْمَانِ لعدم شرط الانعقاد، وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه. وعند أبي يوسف ينعقد لوجود الشرط، وهو الإضافة إلى أمر في المستقبل، وإن كان يعلم أنه لا ماء فيه تنعقد عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا تنعقد، وهو رواية عن أبي حنيفة أنه لا تنعقد، علم أو لم يعلم، وعلى هذا الخلاف إذا وقت وقال: والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم، ولا ماء في الكوز؛ أنه لا تنعقد عند أبي حنيفة ومحمد وزفر، وعند أبي يوسف: تنعقد. وعلى هذا الخلاف إذا قال: والله لأقتلن فلاناً، وفلان ميت، وهو لا يعلم بموته؛ أنه لا تنعقد عندهم خلافاً لأبي يوسف، وإن كان عالماً بموته: تنعقد عندهم، خلافاً لزفر. ولو قال والله: لأمسن السماء، أو لأصعدن السماء، أو لأحولن هذا الحجر ذهباً - تنعقد عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا تنعقد. أما الكلام مع أبي يوسف فوجه قوله: إن الحالف جعل شرط عدم حنثه القتل والشرب في المطلق، وفي الموقت عدم الشرب في المدة، وقد تأكد العدم، فتأكد شرط الحنث فيحنث؛ كما في قوله: والله لأمسن السماء، أو لأحولن هذا الحجر ذهباً، ولهما أن اليمين تنعقد للبر؛ لأن البر هو موجب اليمين، وهو المقصود الأصلي من اليمين أيضاً؛ لأن الحالف بالله تعالى يقصد بيمينه تحقيق البر والوفاء بما عهد وانجاز ما وعد. ثم الكفارة تجب لدفع الذنب الحاصل بتفويت البر وهو الحنث، فإذا لم يكن البر متصور الوجوه حقيقة لا يتصور الحنث، فلم يكن في انعقاد اليمين فائدة؛ فلا تنعقد. والدليل على أن البر غير متصور الوجود من هذه اليمين حقيقة، أنه إذا كان عنده أن في الكوز ماء، وأن الشخص حي - فيمينه تقع على الماء الذي كان فيه وقت اليمين، وعلى إزالة حياة قائمة، وقت اليمين، والله تعالى وإن كان قادراً على خلق الماء في الكوز، ولكن هذا المخلوق لا يكون ذلك الماء الذي وقعت يمينه عليه. وفي مسألة القتل زالت تلك الحياة على وجه لا يتصور عودها، بخلاف ما إذا كان عالماً بذلك؛ لأنه إذا كان عالماً به؛ فإنما انعقد يمينه على ماء آخر يخلقه الله تعالى، وعلى حياة أُخرى يحدثها الله تعالى، إلا أن ذلك على نقض العادة؛ فكان العجز عن تحقيق البر ثابتاً عادة فيحنث، بخلاف قوله: والله لأمسن السماء ونحوه؛ لأن هناك البر متصور الوجود في نفسه حقيقة؛ بأن يقدره الله تعالى على ذلك؛ كما أقدر الملائكة وغيرهم من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إلا أنه عاجز عن ذلك عادة، فلتصور وجوده حقيقة انعقدت، وللعجز عن تحقيقه عادة حنث، ووجبت الكفارة. وأما الكلام مع زفر في اليمين على مس السماء ونحوه، فهو يقول: المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة، وفي المستحيل حقيقة لا تنعقد؛ كذا في المستحيل عادة. ولنا أن اعتبار الحقيقة والعادة واجب ما أمكن، وفيما قلناه اعتبار الحقيقة والعادة جميعاً، وفيما قاله اعتبار العادة وإهدار الحقيقة؛ فكان ما قلناه أولى. ٣٥ كِتَابُ الأَيْمَانِ ولو قال: والله لأمسن السماء اليوم يحنث في آخر اليوم عند أبي حنيفة ومحمد. وفي قياس قول أبي يوسف؛ أنه يحنث في الحال، وقد روي عن أبي يوسف ما يدل عليه، فإنه قال في رجل حلف ليشربن ماء دجلة كله اليوم، قال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يمضي اليوم. وقال أبو يوسف: يحنث الساعة، فإن قال في يمينه: غداً - لم يحنث حتى يمضي اليوم في قول أبي حنيفة؛ لأن الانعقاد يتعلق بآخر اليوم عنده. فأما أبو يوسف فقال: يحنث في أول جزء من أجزاء الغد؛ لأن شرط البر غير منتظر؛ فكأنه قال لها: أنت طالق في غد، والله - عز وجل - أعلم. هذا إذا لم يكن المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة أو عادة وقت اليمين، حتى انعقدت اليمين بلا خلاف ثم فات - فالحلف لا يخلو؛ إما أن يكون مطلقاً عن الوقت، وإما أن يكون مؤقتاً بوقت، وكل ذلك لا يخلو؛ إما أن يكون في الإثبات أو في النفي، فإن كان مطلقاً في الإثبات؛ بأن قال: والله لآكلن هذا الرغيف، أو لأشربن الماء الذي في هذا الكوز، أو لأدخلن هذه الدار، أو لآتين البصرة؛ فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين - لا يحنث؛ لأن الحنث في اليمين المطلقة يتعلق بفوات البر في جميع البر، فما داما قائمين لا يقع اليأس عن تحقيق البر فلا يحنث، فإذا هلك أحدهما يحنث؛ لوقوع العجز عن تحقيقه، غير أنه إذا هلك المحلوف عليه يحنث وقت هلاكه، وإذا هلك الحالف يحنث في آخر جزء من أجزاء حياته؛ لأن الحنث في الحالين بفوات البر، ووقت فوات البر في هلاك المحلوف عليه وقت هلاكه، وفي هلاك الحالف آخر جزء من أجزاء حياته. وإن كان في النفي بأن قال: والله لا آكل هذا الرغيف، أو لا أشرب الماء الذي في هذا الكوز، فلم يأكل ولم يشرب الماء حتى هلك أحدهما - فقد بر في يمينه؛ لوجود شرط البر وهو عدم الأكل والشرب، وإن كان مؤقتاً بوقت فالوقت نوعان مؤقت نصاً، ومؤقت دلالة. أما المؤقت نصاً؛ فإن كان في الإثبات؛ بأن قال: والله لآكلن هذا الرغيف اليوم، أو لأشربن هذا الماء الذي في هذا الكوز اليوم، أو لأدخلن هذه الدار، ونحو ذلك، فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين، والوقت قائماً - لا يحنث؛ لأن البر في الوقت مرجو فتبقى اليمين. وإن كان الحالف والمحلوف عليه قائمين، ومضى الوقت - يحنث في قولهم جميعاً؛ لأن اليمين كانت مؤقتة بوقت، فإذا لم يفعل المحلوف عليه حتى مضى الوقت - وقع اليأس عن فعله في الوقت، ففات البر عن الوقت فيحنث. وإن هلك الحالف في الوقت والمحلوف عليه قائم، فمضى الوقت - لا يحنث بالإجماع؛ لأن الحنث في اليمين المؤقتة بوقت يقع في آخر أجزاء الوقت وهو ميت في ذلك الوقت، والميت لا يوصف بالحنث. ٣٦ كِتَابُ الأَيْمَانِ وإن هلك المحلوف عليه والحالف قائم، والوقت باقٍ؛ فيبطل اليمين في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر، وعند أبي يوسف: لا تبطل ويحنث. واختلفت الرواية عنه في وقت الحنث؛ أنه يحنث للحال أو عند غروب الشمس، روي عنه أنه يحنث عند غروب الشمس. وروي عنه؛ أنه يحنث للحال، قيل؛ وهو الصحيح من مذهبه، وإن كان في النفي فمضى الوقت والحالف والمحلوف عليه قائمان - فقد بر في يمينه؛ لوجود شرط البر، وكذلك إن هلك الحالف والمحلوف عليه في الوقت لما قلنا، وإن فعل المحلوف عليه في الوقت حنث؛ لوجود شرط الحنث، وهو الفعل في الوقت، والله أعلم. وأما الموقت دلالة فهو المسمى يمين الفور، وأول من اهتدى إلى جوابها أبو حنيفة، ثم كل من سمعه استحسنه، وما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن، وهو أن يكون اليمين مطلقاً عن الوقت نصاً، ودلالة الحال تدل على تقييد الشرط بالفوز؛ بأن خرج جواباً لكلام، أو بناء على أمر؛ نحو أن يقول لآخر: تعال تغد معي، فقال: والله لا أتغدى، فلم يتغد معه، ثم رجع إلى منزله فتغدى - لا يحنث استحساناً، والقياس أن يحنث، وهو قولُ زفر، وجه القیاس أنه منع نفسه عن التغدي عاماً، فصرفه إلى البعض دون البعض - تخصيص للعموم. ولنا أن كلامه خرج جواباً للسؤال فينصرف إلى ما وقع السؤال عنه، والسؤال وقع عن الغداء المدعو إليه، فينصرف الجواب إليه؛ كأنه أعاد السؤال، وقال: والله لا أتغدى الغداء الذي دعوتني إليه، وكذا إذا قامت امرأته لتخرج من الدار، فقال لها: إن خرجت فأنت طالق فقعدت، ثم خرجت بعد ذلك - لا يحنث استحساناً؛ لأن دلالة الحال تدل على التقييد بتلك الخرجة؛ كأنه قال: إن خرجت هذه الخرجة فأنت طالق. ولو قال لها: إن خرجت من هذه الدار على الفور، أو في هذا اليوم - فأنت طالق - بطل اعتبار الفور؛ لأنه ذكر ما يدل على أنه ما أراد به الخرجة المقصود إليها، وإنما أراد الخروج المطلق عن الدار في اليوم، حيث زاد على قدر الجواب. وعلى هذا يخرج ما إذا قيل له: إنك تغتسل الليلة في هذه الدار من جنابة، فقال: إن اغتسلت فعبدي حر، ثم اغتسل لا عن جَنَابَةٍ، ثم قال: عنيت به الاغتسال عن جنابة أنه يصدق؛ لأنه أخرج الكلام مخرج الجواب، ولم يأت بما يدل على إعراضه عن الجواب، فيقيد بالكلام السابق، ويجعل كأنه إعادة. ولو قال: إن اغتسلت فيها الليلة عن جنابة فأنت حر، أو قال: إن اغتسلت الليلة في هذه الدار فعبدي حر، ثم قال: عنيت الاغتسال عن جناية - لا يصدق في القضاء؛ لأنه زاد عن ٣٧ كِتَابُ الأَیْمَانِ القدر المحتاج إليه من الجواب، حيث أتى بكلام مفيد مستقل بنفسه، فخرج عن حد الجواب، وصار كلاماً مبتدأ؛ فلا يصدق في القضاء، لكن يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل أنه أراد به الجواب، ومع هذا زاد على قدره. وهذا وإن كان بخلاف الظاهر، لكن كلامه يحتمله في الجملة . وعلى هذا يخرج ما قاله ابن سماعة: سمعت محمداً يقول في رجل قال لآخر: إن ضربتني ولم اضربك وما أشبه ذلك، فهذا على الفور - قال: وقوله: لم يكن على وجهين: على قبل وعلى بعد، فإن كانت على بعد فهي على الفور. ولو قال: إن كلمتني فلم أجبك فهذا على بعد وهو على الفور، وإن قال: إن ضربتني ولم أضربك فهو عندنا على أن يضرب الحالف قبل أن يضرب المحلوف عليه، فإن أراد به بعد ونوی ذلك فهو على الفور. وهکذا روي عن محمد. وجملة هذا أن هذه اللفظة قد تدخل على الفعل الماضي، وقد تدخل على المستقبل، فما كان معاني كلام الناس عليه حمل عند الإطلاق عليه، وإن كانت مستعملة في الوجهين على السواء يتميز أحدهما بالنية، فإذا قال: إن ضربتني ولم أضربك - فقد حمله محمد على الماضي؛ كأنه رأى معاني كلام الناس عليه عند الإطلاق، فكأنه قال: إن ضربتني من غير مجازاة لما كان مني من الضرب - فعبدي حر، ويحتمل الاستقبال أيضاً فإذا نواه حمل عليه، قوله: إن كلمتني ولم أجبك فهذا على المستقبل؛ لأن الجواب لا يتقدم الكلام، فحمل على الاستقبال، ويكون على الفور؛ لأنه يراد به الفور عادة. وروي عن محمد فيمن قال: كل جارية يشتريها فلا يطؤها - فهي حرة. قال: هذا يطؤها ساعة يشتريها، فإن لم يفعل فهي حرة؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب. ولو قال مكان هذا: إن لم يطأها فهذا على ما بينه وبين الموت، فمتى وطئها بر؛ لأن كلمة ((إن))(١) كلمة شرط فلا تقتضي التعجيل، قال هشام عن أبي يوسف: فإن قال لغلامه: إن لم تأتني حتى أضربك فأنت حر، فجاء من ساعته فلم يضربه، قال: متى ما ضربه؛ فإنه يبر في يمينه، ولا يعتق إلاَّ أن ينوي ساعة أمره بذلك؛ لما ذكرنا [أَنَّ] ((إن)) للشرط، فلا تقتضي التعجيل إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه. (١) إن الشرطية، وهو حرف يجزم فعلين. وشذّ إِهمالها، في قراءة طلحة ﴿فإمَّا تَرَيْنَ من البَشَرِ أحَدٌ﴾ ذكرها ابن جني في ((المُحتَسَب)). وفي الحديث ((أن تعبدَ الله كأنَّكَ تَراهُ، فإِنَّكَ إلاّ تَراهُ فإِنّهُ يَراكَ)». ذكره ابن مالك. و((إن)) الشرطية هي أُمُّ أدوات الشرط. ينظر الجنى الداني ص ( ٢٠٧ - ٢٠٨). ٣٨ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولو قال: إن لم أشتر اليوم عبداً فأعتقه، فعلى كذا، فاشترى عبداً فوهبه، ثم اشترى آخر فأعتقه، قال محمد: إنما وقعت يمينه على العبد الأول، فإذا أمسى ولم يعتقه حنث؛ لأن تقدير كلامه: إن اشتريت عبداً فعلي عتقه، فإن لم أعتقه فعلي حجة، وهذا قد استحقه الأول، فلم يدخل الثاني في اليمين. قال هشام عن محمد فيمن قال لآخر: إن مت ولم أضربك فكل مملوك لي حر، فمات الحالف ولم يضربه، قال محمد: لا يعتقون؛ لأن من شرط الحنث أن يكون بعد الموت، ولا ملك له في ذلك الوقت؛ فلا يعتقون. وإن قال: إن لم أضربك فكل مملوك لي حر - لا يحنث حتى يخرج نفسه، فيحنث قبل خروج نفسه يعني في آخر جزء من أجزاء حياته، فيعتقون حينئذٍ، لأن شرط الحنث ترك الضرب، وأنه يتحقق في تلك الحالة. ولو قال: إن لم أدخل هذه الدار حتى أموت فغلامه حر، فلم يدخلها حتى مات - لم يعتق، وكذلك قال محمد فيمن قال: إن لم أضربك فيما بيني وبين أن أموت - فعبدي حر، فلم يضربه حتى مات - عتق العبد قبل أن يموت؛ لأن في الأول حنث بعد الموت. وقال محمد في الزيادات، فيمن قال لرجل: امرأته طالق إن لم تخبر فلاناً بما صنعت حتى يضربك فعبدي حر، فأخبره فلم يضربه - بر في يمينه؛ لأنه جعل شرط البر الإخبار؛ لأنه سبب صالح للضرب جزاء له على صنعه، والإخبار مما لا يمتد ولا يضرب له المدة، فتعذر جعله للغاية فجعل للجزاء. وقوله: حتى يضربك بيان الغرض بمعنى ليضربك، فيصير معناه: إن لم أتسبب لضربك، فإذا أخبر بصنيعه فقد سبب لضربه؛ فبر في يمينه. وكذلك إذا قال: إن لم آتك حتى تغديني، أو إن لم أضربك حتى تضربني - فعبدي حر، فأتاه فلم يغده أو ضربه ولم يضربه - بر في يمينه؛ لأن التغدية لا تصلح غاية للإتيان؛ لكونها داعية إلى زيادة الإتيان، وكذلك الضرب يدعو إلى زيادة الضرب لا إلى تركه وانهائه، فلا يجعل غاية، ويجعل جزاء لوجود شرطه. ولو قال: إن لم ألزمك حتى تقضيني حقي، أو لم أضربك حتى يدخل الليل، أو حتى تشتكي يدي، أو حتى تصيح، أو حتى يشفع لك فلان، أو حتى ينهاني فلان؛ فترك الملازمة قبل أن يقضي حقه، أو ترك الضرب قبل وجود هذه الأسباب - حنث؛ لأن كلمة ((حتى)) ههنا للغايةٌ(١)؛ إذ المعقود عله فعل ممتد، وهو الملازمة، والضرب في قضاء الدين مؤثر في إنهاء الملازمة؛ إذ هو المقصود من الملازمة، والشفاعة والصياح والنهي وغيرها مؤثر في ترك (١) ينظر الجنى الداني ص (٥٤٢). ٣٩ كِتَابُ الأَيْمَانِ الضرب وإنهائه، فصارت للغاية؛ لوجود شرطها، ولو نوى به الجزاء يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، ولا يصدق في القضاء؛ لأنه أراد به التخفيف على نفسه فكان متهماً . وإن قال: إن لم آتك اليوم أتغدى عندك، أو إن لم آتك حتى أضربك - فعبدي حر، فأتاه فلم يتغد عنده، أو لم يضربه حتى مضى اليوم - حنث؛ لأن كلمة ((حتى)) لههنا للعطف؛ لأن الفعلين جميعاً من جانب واحد وهو الحالف، فيصير كأنه قال: إن لم آتك اليوم فأضربك، أو فأتغدى عندك، فإن لم يوجدا جميعاً لا يبر، بخلاف قوله: حتى تغديني؛ لأن هناك أحد الفعلين من غيره، فكان عوض فعله؛ فلا يحنث بعدمه. وإن لم يوقت باليوم، فأتاه ولم يتغد - لم يحنث؛ لأن البر موجود؛ بأن يأتيه ويتغدى، أو يتغدى من غير إتيان، ووقت البر متسع فلا يحنث؛ كما لو صرح به، وقال: إن لم آتك فأتغدى عندك. ولو قال ذلك لا يحنث، ما دام حيّاً كذلك. هذا وحكى هشام عن أبي يوسف أن من قال لأمته: إن لم تجيئيني الليلة حتى أجامعك مرتين، فأنت حرة، فجاءته فجامعها مرة وأصبح - حنث في يمينه، وهذا وقوله: إن لم تجيئيني الليلة فأجامعك مرتين سواء، فيصير المجيء والمجامعة مرتين شرطاً للبر، فإذا انعدم يحنث، فإن لم يوقت بالليل لا يحنث، وله أن يجامعها في أي وقت شاء؛ لأن وقت البر يتسع عند عدم التوقيت . وقال ابن سماعة عن محمد: إذا قال: إن رکبت دابتك فلم أعطك دابتي - فعبدي حر، قال: هذا على الفور، إذا ركب دابته؛ فينبغي أن يعطيه دابة نفسه ساعتئذٍ وكذلك إذا قال: إن دخلت دارك فلم أجلس فيها؛ لأن الفاء للتعقيب، فيقتضي وجود ما دخلت عليه عقيب الشرط، قال: ولو قال: إن رأيت فلاناً فلم آتك به - فعبدي حر، فرآه أول ما رآه مع الرجل الذي قال له: إن رأيته فلم آتك به؛ فإن الحالف حانث الساعة؛ لأن يمينه وقعت على أول رؤیة، ويستحيل أن يأتيه بمن هو معه. قال القدوري: وقد كان يجب ألا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد؛ كما قالا فيمن قال له: إن رأيت فلاناً فلم أعلمك بذلك فعبدي حر، فرآه أول ما رآه مع الرجل الذي قال له ذلك ــ لم يحنث عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن العلم بمن قد علمه محال. وكذلك الإتيان بمن معه، فيصير كمن قال: لأشربن الماء الذي في هذا الكوز ولا ماء فيه. ولو أن رجلاً قال: إن لقيتك فلم أسلم عليك، فإن سلم عليه ساعة يلقاه؛ وإلا حنث، وكذلك إن قال: إن استعرت دابتك فلم تعرني؛ لأن هذا على المجازاة يداً بيد، وليس هذا مثل قوله: إن دخلت الدار فإن لم أكلم فلاناً، فهذا متى ما كلمه برّ، والأصل فيه أن يجيء في هذا الباب أمور تشتبه، فـ((إن لم)) في معنى ((فلم))، يحمل على معظم معاني كلام الناس. ٤٠ كِتَابُ الأَیْمَانِ ولو قال: إن أتيتني فلم آتك، أو إن زرتني فلم أزرك، أو إن أكرمتني فلم أكرمك ـ فهذا على الأبد، وهو هذا الوجه مثل فإن لم؛ لأن الزيارة لا تتعقب الزيارة عادة؛ فكان المقصود هو الفعل. فإن قيل: أتيتني فلم آتك فالأمر في هذا مشتبه، قد يكون بمعنى: إن لم آتك قبل إتيانك، وقد يكون بمعنى إن لم آتك بعد إتيانك؛ فكان محتملاً للأمرين، فيحمل على ما كان الغالب من معاني كلام الناس عليه، فإن لم يكن فهو على ما نوى، أي: ذلك نوى من قبل أو بعد حملاً على ما نوى، وإن لم تكن له نية يلحق بالمشتبه الذي لا يعرف له معنى. فأما الذي يعرف من معناه أنه قبل أو بعد، فهو على الذي يعرف في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يكن له نية، فإن نوى خلاف ما يعرف لم يدين في الحكم، ودين فيما بينه وبين الله تعالى؛ فالذي الظاهر منه قَبْلُ؛ كقوله: إن خرجت من باب الدار ولم أضربك، والذي ظاهره بعد؛ مثل قوله: إن أعطيتني كذا ولم أكافئك بمثله، والمحتمل كقوله: إن كلمتك ولم تكلمني، فهذا يحتملُ قبل وبعد، فأيهما فعل لم يكن للحالف فيه. وإن كان نوى أحد الفعلين فهو على ما نوى، وإن كان قبل ذلك فنطق - يكون هذا جواباً له، فهو على الجواب، والله - عز وجل - الموفق. وأما الذي يرجع إلى نفس الركن فخلوه عن الاستثناء؛ نحو أن يقول: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله، أو ما شاء الله، أو إلا أن يبدو لي غير هذا، أو إلا أن أرى غير هذا، أو إلا أن أحب غير هذا، أو قال: إن أعانني الله أو يسر الله، أو قال: بمعونة الله أو بتيسره ونحو ذلك، فإن قال شيئاً من ذلك موصولاً - لم تنعقد اليمين، وإن كان مفصولاً انعقدت. وسيأتي الكلام في الاستثناء وشرائطه في كتاب ((الطلاق)). ولو قال: إلا أن أستطيع، فإن عنى استطاعة الفعل، وهو المعنى الذي يقصد - فلا يحنث أبداً؛ لأنها مقارنة للفعل عندنا، فلا توجد ما لم يوجد الفعل، وإن عنى به استطاعة الأسباب، وهي سلامة الآلات والأسباب والجوارح والأعضاء، فإن كانت له هذه الاستطاعة فلم يفعل - حنث وإلا فلا؛ وهذا لأن لفظ ((الاستطاعة)) يحتمل كل واحد من المعنيين، لأنه يستعمل فيهما، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيٍ صَبْراً﴾ [الكهف: ٧٢]، والمراد منه استطاعة الفعل، وقال الله تعالى: ﴿وَللهُ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال - عز وجل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينَا﴾ [المجادلة: ٤]، والمراد منه استطاعة سلامة الأسباب والآلات، فأي ذلك نوى صحت نيته، وإن لم يكن له نية يحمل على استطاعة الأسباب، وهو ألا يمنعه مانع من العوارض والاشتغال؛ لأنه يراد بها ذلك في العرف والعادة، فعند الإطلاق ينصرف إليه، والله - عز وجل - أعلم.