النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ كِتَابُ النّكَاحِ احتمل أنه اعتمد استصحاب الحال، ومن قال: كان حرّاً بني الأمر على الدليل لا محالة/، ١٥٣ فصار كالمزكيين جرح أحدهما شاهداً والآخر زكاة؛ أنه يؤخذ بقول الجارح لما قلنا - كذا هذا - ولأن ما روينا موافق للقياس، وما رويتم مخالف له لما نذكره إن شاء الله تعالى كالموافق للقياس أولى. وأما الثاني: فهو أن النبي ◌َّ جعل ملكها بضعها، أو أمرها، أو نفسها علة لثبوت الخيار لها؛ لأنه أخبر أنها ملكت بضعها، ثم أعقبه بإثبات الخيار لها بحرف التعقيب، وملكها نفسها مؤثر في رفع الولاية في الملة؛ لأن الملك اختصاص، ولا اختصاص مع ولاية الغير، والحكم إذا ذكر عقيب وصف له أثر في الجملة في جنس ذلك الحكم في الشرع - كان ذلك تعليقاً لذلك الحكم بذلك الوصف في أصول الشرع؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله - عز وجل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مائَةً جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢١]، وكما روي أن رسول الله بَّرْ سَهَا فَسَجَدَ. ورُوي أن مَاعِزاً زَنَا فَرُجِمَ، ونحو ذلك، والحكم يتعمم بعموم العلة، ولا يتخصص بخصوص المحل؛ كما في سائر العلل الشرعية والعقلية. وزوج بريرة وإن كان عبداً لكن النبي ◌َّلر لما بنى الخيار فيه على معنى عام، وهو ملك البضع - يعتبر عموم المعنى لا خصوص المحل، والله الموفق. ولأن بالإعتاق(١) يزداد ملك النكاح عليها؛ لأنه يملك عليها عقدة زائدة لم يكن يملكها قبل الإعتاق؛ بناء على أن الطلاق [بالبناء](٢) على أصل أصحابنا، والمسألة فريعة ذلك الأصل. ولها ألا ترضى بالزيادة؛ لأنها تتضرر بها، ولها ولاية رفع الضرر عن نفسها، ولا يمكنها رفع الزيادة إلا برفع أصل النكاح، فبقيت(٣) لها ولاية رفع(٤) النكاح وفسخه ضرورة رفع الزيادة، وقد خرج الجواب عن قوله: إنه لا ضرر فيه؛ لما بينا من وجه الضرر، ولأنه لو لم يثبت لها الخيار، وبقي النكاح لازماً - لأدى ذلك إلى أن يستوفي الزوج منافع بضع حرة جبراً يبدل استحقه غيرها بالعقد، وهذا لا يجوز؛ كما لو كان الزوج عبداً، ولأن القول ببقاء هذا النكاح لازماً يؤدي إلى استيفاء منافع بضع الحرة، من غير بدل تستحقه الحرة، وهذا لا يجوز؛ لأنها لا ترضى باستيفاء منافع بضعها إلا ببدل تستحقه هي، فلو لم يثبت الخيار لها لصار الزوج مستوفياً منافع بضعها وهي حرة، جبراً عليها من غير رضاها ببدل استحقه مولاها، وهذا لا يجوز؛ لهذا المعنى ثبت لها الخيار إذا كان زوجها عبداً؛ كذا إذا كان حرّاً. وكذا [لو](٥) اختلف في أن كونها رقيقة وقت النكاح، هل هو شرط أم لا؟. (١) في أ: بالأعيان . (٣) في أ: فيثبت. (٥) سقط في ط. (٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: معتبر بالنساء. (٤) في أ: دفع. ٦٠٢ كِتَابُ النّكَاحِ قال أبو يوسف: ليس بشرط يثبت لها الخيار، سواء كانت رقيقة وقت النكاح فأعتقها المولى، أو كانت حرة وقت النكاح، ثم طرأ عليها الرق فأعتقها، حتى أن الحربية إذا تزوجت في دار الحرب، ثم سبيا معاً، ثم أعتقت - فلها الخيار عنده. وقال محمد: هو شرط ولا خيار لها، وكذا المسلمة إذا تزوجت مسلماً، ثم ارتدا ولحقا بدار الحرب، ثم سبيت وزوجها معها فأسلما، ثم أعتقت الأمة - فهو على هذا الاختلاف. فمحمد - رحمه الله - فرق بين الرق الطارىء على النكاح، وبين المقارن إياه، وأبو يوسف سوى بينهما، وجه الفرق لمحمد أنها إذا كانت رقيقة وقت النكاح فالنكاح ينعقد موجباً للخيار عند الإعتاق، وإذا كانت حرة فنكاح الحرة لا ينعقد موجباً للخيار، فلا يثبت الخيار بطريان الرق بعد ذلك؛ لأنه لا يوجب خللاً في الرضا. ولأبي يوسف أن الخيار يثبت بالإعتاق؛ لأن زيادة الملك تثبت به؛ لأنها توجب العتق، والعتق موجب الإعتاق، ولا يثبت بالنكاح؛ لأن النكاح السابق ما انعقد موجباً للزيادة؛ لأنه صادف الأمة، ونكاح الأمة لا يوجب زيادة الملك، فالحاصل أن أبا يوسف يجعل زيادة الملك حكم الإعتاق، ومحمد يجعلها حكم العقد السابق عند وجود الإعتاق. وعلى هذا الأصل يخرج قول أبي يوسف: إن خيار العتق يثبت مرة بعد أُخرى، وقول محمد: إنه لا يثبت إلا مرة واحدة، حتى لو أعتقت الأمة فاختارت زوجها، ثم ارتد الزوجان معاً، ثم سبيت وزوجها معها، فأعتقت - فلها أن تختار نفسها عند أبي يوسف، وعند محمد: ليس لها ذلك؛ لأن عند أبي يوسف الخيار ثبت بالإعتاق، وقد تكرر الإعتاق فيتكرر الخيار، وعند محمد: يثبت بالعقد وإنه لم يتكرر؛ فلا يثبت إلا خيار واحد. فصل ٥٣ب وأما وقت ثبوته فوقت علمها بالعتق وبالخيار وأهلية الاختيار، فيثبت لها الخيار في/ المجلس الذي تعلم فيه بالعتق، وبان لها الخيار وهي من أهل الاختيار، حتى لو أعتقها ولم تعلم بالعتق، أو علمت بالعتق ولم تعلم بأن لها الخيار فلم تختر - لم يبطل خيارها ولها بمجلس العلم إذا علمت بهما، بخلاف خيار البلوغ؛ فإن العلم بالخيار فيه ليس بشرط، وقد بينا الفرق [بينهما](١) فيما تقدم. وكذلك إذا أعتقها وهي صغيرة فلها خيار العتق إذا بلغت؛ لأنها وقت الإعتاق لم تكن (١) سقط في ط. ٦٠٣ كِتَابُ النّكَاحِ من أهل الاختيار، وليس لها خيار البلوغ؛ لأن النكاح وجد في حالة الرق، والله - عز وجل - أعلم. ولو تزوجت مكاتبة بإذن المولى فأعتقت - فلها الخيار عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا خیار لها . وجه قوله: إنه لا ضرر عليها؛ لأن النكاح وقع لها والمهر مسلم لها. ولنا ما روي أن النبي ◌َّه خَيَّرَ بَرِيرَةَ وكانت مكاتبة، ولأن علة النص عامة على ما بينا، وكذا الملك يزداد عليها كما يزداد على القنة. فصل فيما يبطل به الخيار وأما ما يبطل به فهذا الخيار يبطل بالإبطال نصاً ودلالة، من قول أو فعل يدل على الرضا بالنكاح على ما بينا في خيار الإدراك، ويبطل بالقيام عن المجلس؛ لأنه دليل الإعراض كخيار المخيرة، ولا يبطل بالسكوت بل يمتد إلى آخر المجلس، إذا لم يوجد منها دليل الإعراض كخيار المخيرة؛ لأن السكوت يحتمل أن يكون لرضاها بالمقام معه، ويحتمل أن يكون للتأمل؛ لأن بالعتق ازداد الملك عليها، فتحتاج إلى التأمل، ولا بد للتأمل من زمان، فقدر ذلك بالمجلس كما في خيار المخيرة، وخيار القبول في البيع بخلاف خيار البلوغ؛ أنه يبطل بالسكوت من البكر؛ لأن بالبلوغ ما ازداد الملك فلا حاجة إلى التأمل، فلم يكن سكوتها للتأمل؛ فكان دليل الرضا، وفي خيار المخيرة ثبت المجلس بإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - غير معقول؛ ولأنه لما ازداد الملك عليها جعل العقد السابق في حق الزيادة بمنزلة إنشاء النكاح فيتقيد بالمجلس، وإذا اختارت نفسها حتى وقعت الفرقة - كانت فرقة بغير طلاق؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى، فلا تفتقر هذه الفرقة إلى قضاء القاضي، بخلاف الفرقة بخيار البلوغ، ووجه الفرق بينهما قد ذكرناه فيما تقدم والله - عز وجل - أعلم. وأما بقاء الزوج قادراً على النفقة فليس بشرط لبقاء النكاح لازماً، حتى لو عجز عن النفقة لا يثبت لها حق المطالبة بالتفريق، وهذا عندنا وعند الشافعي شرط، ويثبت لها حق المطالبة بالتفريق واحتج بقوله - عز وجل: ﴿فَإِمْسَاٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. أمر - عز وجل - بالإمساك بالمعروف، وقد عجز عن الإمساك بالمعروف؛ لأن ذلك بإيفاء حقها في الوطء والنفقة، فتعين عليه التسريح بالإحسان، فإن فعل وإلا ناب القاضي منابه في التسريح وهو التفريق؛ ولأن النفقة عوض عن ملك النكاح، وقد فات العوض بالعجز، فلا يبقى النكاح لازماً كالمشتري إذا وجد المبيع معيباً، والدليل عليه أن قوات العوض بالجب ٦٠٤ كِتَابُ النّكَاحِ والعنة يمنع بقاءه لازماً، فكذا فوات المعوض: لأن النكاح عقد معاوضة. ولنا: أن التفريق إيطال ملك النكاح على الزوج من غير رضاه، وهذا في الضرر فوق ضرر المرأة بعجز الزوج عن النفقة؛ لأن القاضي يفرض النفقة على الزوج إذا طلبت المرأة الفرض، ويأمرها بالإنفاق من مال نفسها إن كان لها مال، وبالاستدانة إن لم يكن إلى وقت اليسار، فتصير النفقة ديناً في ذمته بقضاء القاضي، فترجع المرأة عليه بما أنفقت إذا أيسر الزوج، فيتأخر حقها إلى يسار الزوج ولا يبطل، وضرر الإبطال فوق ضرر التأخير بخلاف التفريق بالجب والعنة؛ ولأن هناك الضرر من الجانبين جميعاً ضرر إبطال الحق؛ لأن حق المرأة يفوت عن الوطء، وضررها أقوى؛ لأن الزوج لا يتضرر بالتفريق كثير ضرر لعجزه عن الوطء، فأما المرأة فإنها محل صالح للوطء، فلا يمكنها استيفاء حظها من هذا الزوج، ولا من زوج آخر لمكان هذا الزوج، فكان الرجحان لضررها؛ فكان أولى بالدفع. وأما الآية الكريمة، فقد قيل في التفسير: إن الإمساك بالمعروف هو الرجعة، وهو أن يراجعها على قصد الإمساك، والتسريح بالإحسان(١) هو أن يتركها حتى تنقضي عدتها، مع ما أن الإمساك بالمعروف يختلف باختلاف حال الزوج. ١٥٤ ألا ترى إلى قوله/ - عز وجل: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فالإمساك بالمعروف في حق العاجز عن النفقة بالتزام النفقة على أنه إن كان عاجزاً عن الإمساك بالمعروف؛ فإنما يجب عليه التسريح بالإحسان إذا كان قادراً، ولا قدرة له على ذلك؛ لأن ذلك بالتطليق مع إيفاء حقها في نفقة العدة، وهو عاجز عن نفقة الحال، فكيف يقدر على نفقة العدة على أن لفظ التسريح محتمل يحتمل أن يكون المراد منه التفريق بإبطال النكاح، ويحتمل أن يكون المراد منه التفريق والتبعيد من حيث المكان، وهو تخلية السبيل وإزالة اليد؛ إذ حقيقة التسريح هي التخلية، وذلك قد يكون بإزالة اليد والحبس، وعندنا لا يبقى له ولاية الحبس؛ فلا يكون حجة مع الاحتمال. وأما قوله: النَّفَقَةُ عوضٌ عن ملك النكاح - فممنوع؛ فإن العوض ما يكون مذكوراً في العقد نصّاً، والنفقة غير منصوص عليها، فلا تكون عوضاً، بل هي بمقابلة الاحتباس، وعندنا ولاية الاحتباس تزول عند العجز، ثم إن سلمنا أنه عوض لكن بقاء المعوض مستحقاً يقف على استحقاق العوض في الجملة لا على وصول العوض للحال، والنفقة لههنا مستحقة في (١) في أ: بالمعروف. ٦٠٥ كِتَابُ النَّاحِ الجملة، وإن كانت لا تصل إليها للحال، فيبقى العوض حقاً للزوج، والله - عز وجل - أعلم. فصل في بيان حكم النكاح وأما بيان حكم النكاح فنقول ـ وبالله التوفيق -: الكلام في هذا الفصل في موضعين في الأصل : أحدهما: في بيان حكم النكاح. والثاني: في بيان ما يرفع حكمه، أما الأول فالنكاح لا يخلو؛ إما أن يكون صحيحاً، وإما أن يَكُونَّ فاسداً، ويتعلق بكل وَاحِدٍ منهما أحكام. أما النكاح الصحيح فله أحكام بعضها أصلي، وبعضها من التوابع، أما الأصلية منها: فحل الوطء إلا في حالة الحيض والنفاس والإحرام، وفي الظهار قبل التكفير؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَأَنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٥]، نفى اللوم عمن [لا] (١) يحفظ فرجه على زوجته؛ فدل على حل الوطء، إلا أن الوطء في حالة الحيض خص بقوله - عز وجل: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذِى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والنفاس أخو الحيض، وقوله - عز وجل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْئَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، والإنسان بسبيلٍ من التصرف في حرثه، مع ما أنه قد أباح إتيان الحرث بقوله - عز وجل: ﴿فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وروي عن النبي ◌َّه أنه قال: ((اتَّقُوا الله في النِّسَاءَ؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لاَ يَمْلِكْنَ شَيْئاً، اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَخْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله))(٢). وكلمة الله المذكورة في كتابه العزيز (١) سقط في أ. (٢) أخرجه البخاري ٤١٨/٦ في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٣١) و١٦٠/٩ في النكاح، باب المداراة مع النساء (٥١٨٤). وباب الوصاة بالنساء (٥١٨٦) ومسلم (٢/ ١٠٩٠ - ١٠٩١) في الرضاع، ١ باب الوصية بالنساء (١٤٦٨) والترمذي (٤٩٣/٣ - ٤٩٤) في الطلاق، باب ما جاء في مداراة النساء (١١٨٨) وأحمد (٤٢٨/٢، ٤٤٩، ٤٩٧) والدارمي (١٤٨/٢) في النكاح، باب مداراة الرجل أهله من طرق عن أبي هريرة رفعه - واللفظ المسلم - أن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها لمفرج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها. وقال الترمذي حسن صحيح وإسناده جيد. وشهد له حديث سمرة رواة أحمد ٨/٥، وحديث أبي ذر عند أحمد (١٥/٥ - ١٥١)، والدارمي (٢/ ١٤٧ - ١٤٨). وحديث عائشة رواه أحمد (٢٧٩/٦). ٦٠٦ كِتَابُ النكاحِ لفظة الإنكاح والتزويج، فدل الحديث على حل الاستمتاع بالنساء بلفظة الإنكاح والتزويج وغيرهما في معناهما، فكان الحل ثابتاً (١)؛ ولأن النكاح ضم وتزويج لغة، فيقتضي الانضمام والازدواج، ولا يتحقق ذلك إلا بحل الوطء والاستمتاع؛ لأن الحرية تمنع من ذلك، وهذا الحكم وهو حل الاستمتاع مشترك بين الزوجين؛ فإن المرأة كما تحل لزوجها فزوجها يحل لها، قال - عز وجل: ﴿لاَّ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وللزوج أن يطالبها بالوطء متى شاء إلا عند اعتراض أسباب مانعة من الوطء؛ كالحيض والنفاس، والظهار والإحرام، وغير ذلك، وللزوجة أن تطالب زوجها بالوطء؛ لأن حله لها حقها؛ [كما أن حلها له حقه، وإذا طالبته [بذلك لا] (٢) يجب على الزوج، ويجبر عليه في الحكم مرة واحدة](٣) والزيادة على ذلك تجب فيما بينه وبين الله تعالى من باب حسن المعاشرة، واستدامة النكاح، [فلا يجب عليه في الحكم عند بعض أصحابنا، وعند بعضهم: يجب عليه في الحكم](٤). فصل فیما یحل به النكاح ومنها: حل النظر والمس من رأسها إلى قدميها في حالة الحياة؛ لأن الوطء فوق النظر والمس؛ فكان إحلاله إحلالاً للمس والنظر من طريق الأولى، وهل يحل الاستمتاع بها بما دون الفرج في حالة الحيض والنفاس - فيه خلاف ذكرناه في كتاب الاستحسان، وأما بعد الموت فلا يحل له المس والنظر عندنا خلافاً للشافعي، والمسألة ذكرناها في ((كتاب الصلاة)). فصل في ملك المتعة ومنها: ملك المتعة، وهو اختصاص الزوج بمنافع بعضها وسائر أعضائها استمتاعاً، أو ملك الذات والنفس في حق التمتع على اختلاف مشايخنا في ذلك؛ لأن مقاصد النكاح لا تحصل بدونه؛ ألا ترى أنه لولا الاختصاص الحاجز عن التزويج بزوج آخر لا يحصل السكن؛ لأن قلب الزوج لا يطمئن إليها ونفسه لا تسكن معها، ويفسد الفراش لاشتباه النسب؛ ولأن المهر لازم في النكاح، وأنه عوض عن الملك؛ لما ذكرنا فيما تقدم، فيدل على لزوم الملك في النكاح أيضاً تحقيقاً للمعاوضة، وهذا الحكم على الزوجة للزوج خاصة؛ لأنه عوض عن ٥٤ ب المهر/، والمهر على الرجل، وقيل في تأويل قوله - عز وجل: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، إن الدرجة هي الملك. (١) في أ: ثابتاً دلالة. (٢) سقط في ط . (٣) ما بين المعكوفين في أ: كما أن حلها له حقه، ألا أنها إذا طالبته بذلك لا يجب على الزوج إلا مرة واحدة . (٤) سقط في أ. ٦٠٧ كِتَابُ النَّاحِ فصل في ملك الحبس والقيد ومنها: ملك الحبس والقيد، وهو صيرورتها ممنوعة عن الخروج والبروز؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، والأمر بالإسكان نهى عن الخروج والبروز والإخراج؛ إذ الأمر بالفعل نهى عن ضده، وقوله - عز وجل: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ولأنها لو لم تكن ممنوعة عن الخروج والبروز - لاختل السكن والنسب؛ لأن ذلك مما يريب الزوج، ويحمله على نفي النسب. فصل في وجوب المهر على الزوج ومنها: وجوب المهر على الزوج، وأنه حكم أصلي للنكاح عندنا لا وجود له بدونه شرعاً، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم؛ ولأن المهر عوض عن الملك، لأنه يجب بمقابلة إحداث الملك على ما مر، وثبوت العوض يدل على ثبوت المعوض. فصل في ثبوت النسب ومنها: ثبوت النسب وإن كان ذلك حكم الدخول حقيقة، لكن سببه الظاهر هو النكاح؛ لكون الدخول أمراً باطناً، فيقام النكاح مقامه في إثبات النسب؛ ولهذا قال النبي ◌َّ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرِ)) (١)، وكذا لو تزوج المشرقي بمغربية، فجاءت بولد يثبت النسب، وإن لم يوجد الدخول حقيقة لوجود سببه وهو النكاح. فصل في وجوب النفقة والسكنى ومنها: وجوب النفقة والسكنى؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ الله﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وِجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها لا تمكن من الخروج للكسب؛ لكونها عاجزة بأصل الخلقة لضعف بنيتها، والكلام في سبب وجوب هذه النفقة، وشرط وجوبها، ومقدار الواجب منها - نذكره إن شاء الله تعالى في كتاب النفقة . (١) تقدم تخريجه. ٦٠٨ كِتَابُ النكاح فصل في حرمة المصاهرة ومنها: حرمة المصاهرة، وهي حرمة أنكحة فرق معلومة ذكرناهم فيما تقدم، وذكرنا دليل الحرمة، إلا أن في بعضها تثبت الحرمة بنفس النكاح، وفي بعضها يشترط الدخول، وقد بينا جملة ذلك في مواضعها. فصل في الإرث ومنها: الإرث من الجانبين جميعاً، لقوله - عز وجل: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، إلى قوله - عز وجل: ﴿وَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. فصل في وجوب العدل بين النساء ومنها: وجوب العدل بين النساء في حقوقهن، وجملة الكلام فيه أن الرجل لا يخلو؛ إما أن يكون له أكثر من امرأة واحدة، وإما أن كانت له امرأة واحدة، فإن كان له أكثر من امرأة فعليه العدل بينهن في حقوقهن من القسم والنفقة والكسوة، وهو التسوية بينهن في ذلك، حتى لو كانت تحته امرأتان حرتان، أو أمتان - يجب عليه أن يعدل بينهما في المأكول والمشروب، والملبوس، والسكنى والبيتوتة، والأصل فيه قوله - عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، عقيب قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَّكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٤١]، أي: إن خفتم ألا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح المثنى والثلاث والرباع - فواحدة. ندب سبحانه وتعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في الزيادة. وإنما يخاف على ترك الواجب، فدل أن العدل بينهن في القسم(١) والنفقة واجب، وإليه أشار (١) جاء الإسلام ولم يكن للعرب حد يقفون عنده في الجمع بين النساء، وكانت المرأة مهضومة الحقّ مهانة ينظر إليها، كعار يجب وأده ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءٍ مَا بُشْرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسَّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فتناول الشارع الحكيم إصلاح هذا الأمر، مراعياً ضرورة الحياة، وحالة المجتمع، بل وسعادة المرأة نفسها، فأباح التعدد، ولكن إلى حدّ، ووضع لصيانة حقّ المرأة من الشروط ما يكفل سعادتها، ويضمن هناءها، ورفع منزلتها الأدبية إلى منزلة الرجل لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالتقوى ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنْي لاَ أَضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أَنْثَى فَبعضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وشرع لها حقوقاً لم تصل إليها حتى الآن أرقى الأمم حضارة، وأعظمها تكريماً للمرأة. وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبْ قَوْلُهُم إن من حق المرأة أن تتمتع بالرجل خالصاً، كما أن له أن يتمتع بها خالصة يقولون : هذا، متظاهرين باسم الدفاع عن المرأة والله يعلم أنهم يوردونها مَوَارِدَ الشّقاء باسم الدفاع عن سعادتها . = ٦٠٩ كِتَابُ النَّاحِ وإلا فلماذا امتلأت قلوبهم رحمة على المتزوجة من النساء، وكانت كالحجارة أو أشد قسوة على العانس = والعزباء؟! وهل المرأة في عرفهم لا تصدق إلا على من أسعدها الحظ بالزوج؟ وأيهما في شرعة الإنصاف أولى بالرحمة امرأة لها نصف رجل تعيش في كنفه، أم أخرى تعاني من ألم العزوبة، وضيق العيش؟ ما قد يسوقها إلى هاوية الفساد؟! وماذا عسى أن نصنع بهذا الجحفل من النساء الزائد عن عدد الرجال؟ ولا سيما أعقاب الحروب التي تجتاح الكثير من الرجال أنتركهن لأظفار الحاجة تجذبهن إلى هاوية الرذيلة، فيصرن جراثيم ينخرن في عظام المجتمع. ثم كيف يصدر مثل هذا من المستشرقين وبلادهم في حالة تستدعي الإشفاق والعقلاء هناك ومعهم عدداً غير قليل من النساء يضجون وينذرون قومهم بسوء العقبى إن لم يبيحوا تعدد الزوجات؟! ولكن لا عجب، فالحقد یعمي ويصم. القسم بين الزوجات وحکمته: على أن الشارع الحكيم لم يجعل التعدد لزاماً، ولم يفرضه حتماً، بل لم يبحه إطلاقاً، فقد أمر أن لا يتمتع بهذه الرخصة إلا من أنس من نفسه قوة عزيمته يستطيع معها أن يقوم بما أخذ الله؛ لصيانة حقوقه المرأة في قوله تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، وستراه في باب القسم يفصّل العدل بين الزوجات، ويتدخل في أدقّ العلائق الزوجية، فينظمها في تفصيل دقيق محكم لا يدع للغبن، ولا للجور منفذاً كفيل بالسعادة الزوجية متى روعي حقّ المراعاة. فليس السبب فيما نسمع من توتر العلاقات عند بعض من أخذوا برخصة التعدد راجعاً إلى نقص في التشريع بل مرجعه إلى اتباع الهوى والحيدة عن أوامر الشرع الحكيم. وغريب أن يتخذه الطاعون سلاحاً وما كان أفتيات المجرم على القانون في يوم من الأيام عيباً يلطخ به القانون وأما وجوب القسم فقد قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ إشارة إلى ما أوجبه للزوجة من قسم ونفقة وكسوة. وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾، ومن عشرتها بالمعروف تأدية حقّها والتسوية بينها وبين غيرها في القسم. وقال تعالى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فْعَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ﴾ أي: لن تستطيعوا العدل في المحبة القلبية، في٧ تميلوا كل الميل، فتتركوا حقوق الزوجة من القسم ونحوه مما تقدرون عليه. وقال تعالى ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ أي: إن حقهن من القسم وغيره حتم وواجب كوجوب حق الزوج عليهن من الطاعة وغيرها. وقال ◌َّلر: ((من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)) وقال رقيق: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالرجل راع لأهله وهو مسؤول عنهم)) وكان ◌َّرِ يقسم بين نسائه ويقول: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيّما مداً ملك)) يعني قلبه. ولما مرض وَّل طيف به على نسائه محمولاً فلما ثقل أشفق عليه فحللنه من القسم ليقيم عند عائشة - رضي الله عنها - لميله إليها فتوفي عندها اَل فلذلك قالت عائشة - رضي الله عنها - توفي رسول الله 18َّ بين سحري ونحري وفي يومي لم أظلم فيه أحداً . فدل هذا على وجوب القسم وخطر حكمه. ينظر: نص كلام شيخنا أحمد عبد القادر في العشرة الزوجية. بدائع الصنائع ج٣ - م٣٩ ٦١٠ كِتَابُ النكاح في آخر الآية بقوله: ﴿ذَلِكَ أَذْنَى أَلاَّ تَعُوِلُوا﴾ [النساء: ٣]، أي: تجوروا، والجور حرام، فكان العدل واجباً ضرورة؛ ولأن العدل مأمور به؛ لقوله - عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَذْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، على العموم والإطلاق، إلا ما خصٍ أو قيد بدليل. وروي عن أبي قلابة أن النبي ◌َّهَ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقِسْمَةِ وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ هِذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذُنِي فِيمَا تَمْلِكُ أَنْتَ وَلاَ أَمْلِكُ))(١). وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله ◌ََّ؛ أنه قال: (مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأْتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا دُونَ الأَخْرَىُ - جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُهُ مَائِلٌ))(٢) ويستوي في القسم البكر والثيب، والشابة والعجوز، والقديمة والحديثة، والمسلمة والكتابية؛ لما ذكرنا من الدلائل من غير فصل، ولأنهما يستويان في سبب وجوب القسم وهو النكاح، فيستويان في وجوب القسم، ولا قسم للمملوكات بملك اليمين، أي: لا ليلة لهن وإن كثرن؛ لقوله - عز وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، قصر الإباحة في النكاح على عدد؛ لتحقق الجور في الزيادة. ثم ندب سبحانه وتعالى إلى نكاح/ الواحدة عند خوف الجور في الزيادة، وأباح من ملك اليمن من غير عدد، فدل أنه ليس فيه خوف الجور، وإنما لا يكنون إذا لم يكن لهن قسم؛ إذ لو كان لكان فيه خوف الجور؛ كما في المنكوحة، ولأن سبب الوجوب هو النكاح ولم يوجد. ١٥٥ ولو كانت إحداهما حرة والأخرى أمة - فللحرة يومان، وللأمة يوم؛ لما روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - موقوفاً عليه ومرفوعاً إلى النبي ◌َّ أنه قال: ((لِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ مِنَ الْقَسْمِ، وَلِلأَمَةِ الثُّلُثُ))(٣)، ولأنهما ما استويا في سبب الوجوب وهو النكاح؛ فإنه لا يجوز نكاح الأمة (١) - ورد أيضاً من حديث عائشة: أخرجه الدارمي (١٤٤/٢) كتاب النكاح - باب في القسمة بين النساء وأبو داود (٦٠١/٢) كتاب النكاح، باب القسم بين النساء - الحديث (٢١٣٤) والترمذي (٤٤٦/٣) كتاب النكاح، باب التسوية بين الضرائر الحديث (١١٤٠) والنسائي (٧/ ٦٤) كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. وابن ماجه (١/ ٦٣٣) كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء. الحديث (١٩٧١) وابن أبي شيبة (٤ /٣٨٦ - ٣٨٧) وابن حبان (١٣٠٥ - موارد) والحاكم (١٨٧/٢) كتاب النكاح، باب التشديد في العدل بين النساء، والبيهقي (٢٩٨/٧) كتاب القسم والنشوز باب لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء من حديث عائشة قالت كان رسول الله بَّرِ يقسم فيعدل ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (٢) تقدم. (٣) أخرجه البيهقي (٢٩٩/٧) كتاب النكاح، باب الحر ينكح حرة على أمة. وعزاه الزيلعي في نصب الراية (٢١٥/٣). ٦١١ كِتَابُ النكاحِ بعد نكاح الحرة، ولا مع نكاحها، وكذا لا يجوز للعبد أن يتزوج بأكثر من اثنتين، وللحر أن يتزوج بأربع نسوة فلم يتساويا في السبب، فلا يتساويان في الحكم، بخلاف المسلمة مع الكتابية؛ لأن الكتابية يجوز نكاحها قبل المسلمة وبعدها ومعها، وكذا للذمي أن يجمع بين أربع نسوة كالحر المسلم، فتساويا في سبب الوجوب، فيتساويان في الحكم؛ ولأن الحرية تنبىء عن الكمال، والرق يشعر بنقصان الحال، وقد ظهر أثر النقصان في الشرع في المالكية، وحل المحلية، والعدة والحد، وغير ذلك؛ فكذا في القسم، وهذا التفاوت في السكنى والبيتوتة: يسكن عند الحرة ليلتين وعند الأمة ليلة، فأما في المأكول والمشروب والملبوس؛ فإنه يسوي بينهما؛ لأن ذلك من الحاجات اللازمة، فيستوي فيه الحرة والأمة، والمريض في وجوب القسم عليه كالصحيح؛ لما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ اسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ فِي مَرَضٍ مَوْتِهِ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ - رضي الله تعالى عنها - فلو سقط القسم بالمرض - لم يكن للاستئذان معنى، ولا قسم على الزوج إذا سافر، حتى لو سافر بإحداهما وقدم من السفر، وطلبت الأُخرى أن يسكن عندها مدة السفر - فليس لها ذلك؛ لأن مدة السفر ضائعة؛ بدليل أن له أن يسافر وحده دونهن، لكن الأفضل أن يقرع بينهن، فيخرج بمن خرجت قرعتها، تطبيباً لقلوبهن دفعاً لتهمة الميل عن نفسه، هكذا كان يفعل رسول الله وَ ﴿: إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ. وقال الشافعي: إن سافر بها بقرعة فكذلك، فأما إذا سافر بها بغير قرعة؛ فإنه يقسم الباقيات، وهذا غير سديد؛ لأن بالقرعة لا يعرف أن لها حقاً في حالة السفر أو لا؛ فإنها لا تصلح لإظهار الحق أبداً؛ لاختلاف عملها في نفسها؛ فإنها لا تخرج على وجه واحد، بل مرة هكذا ومرة هكذا، والمختلف فيه لا يصلح دليلاً على شيء، ولو وهبت إحداهما قسمها لصاحبتها، أو رضيت بترك قسمها - جاز؛ لأنه حق ثبت لها، فلها أن تستوفي، ولها أن تترك. وقد رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةً بِنْتَ زَمْعَةَ - رضي الله تعالى عنها - لَمَّا كَبُرَتْ وَخَشِيَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ جَعَلَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ - رضِيَ الله تَعَالَى عَنْهَا - وقيل: فيها نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهِا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلَحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، والمراد من الصلح هو الذي جرى بينهما، كذا قاله ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -. فإن رجعت عن ذلك، وطلبت قسمها - فلها ذلك؛ لأن ذلك كله كان إباحة منها، والإباحة لا تكون لازمة؛ كالمباح له الطعام؛ أنه يملك المبيح منعه والرجوع عن ذلك، ولو = لابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما. وعزاه في الكنز رقم (٤٤٨٢٤) لابن منده عن الأسود بن عويم بلفظ للحرة يومان وللأمة يوم. ٦١٢ كِتَابُ النَّاحِ بذلت واحدة منهن مالاً للزوج؛ ليجعل لها في القسم أكثر مما تستحقه - لا يحل للزوج أن يفعل، ويرد ما أخذه منها؛ لأنه رشوة؛ لأنه أخذ المال لمنع الحق عن المستحق، وكذلك لو بذل الزوج لواحدة منهن مالاً؛ لتجعل نوبتها لصاحبتها، أو بذلت هي لصاحبتها مالاً لتترك نوبتها لها - لا يجوز شيء من ذلك، ويسترد المال؛ لأن هذا معاوضة القسم بالمال، فيكون في معنى البيع، وأنه لا يجوز كذا هذا. هذا إذا كان له امرأتان أو أكثر من ذلك، فأما إذا كانت له امرأة واحدة فطالبته بالواجب لها، ذكر القدوري رواية الحسن عن أبي حنيفة؛ أنه قال: إذا تشاغل الرجل عن زوجته بالصيام أو بالصلاة، أو بأمة اشتراها - قسم لامرأته من كل أربعة أيام يوماً، ومن كل أربع ليال ليلة، وقيل له: تشاغل ثلاثة أيام وثلاث ليالي بالصوم أو بالأمة. وهكذا كان الطحاوي يقول: إنه يجعل لها يوماً واحداً يسكن عندها، وثلاثة أيام ولياليها يتفرغ للعبادة وأشغاله. ٥هب وجه هذا/ القول ما ذكره محمد في كتاب النكاح؛ أنَّ امْرَأَةٌ رَفَعَتْ زَوْجَهَا إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - وَذَكَرَتْ أَنَّهُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - مَا أَحْسَنْكِ ثَنَاءً عَلَى بَعْلِكِ، فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهَا تَشْكُو إِلَيْكَ زَوْجَهَا، فَقَّالَ عُمَرُ - رَضِيَ الله تَعَالِى عَنْهُ - وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّهُ إِذَا صَامَ النَّهَارَ وَقَّامَ اللَّيْلَ، فَكَيْفَ يَتَفَرَّغُ لَهَا؟! فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - لِكَعْبِ: احْكُمْ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ أَرَاهَا إِحْدَى نِسَائِهِ الأَزْبَع، يُفْطِرُ لَهَا يَوْماً، وَيَصُومُ ثَلاثَةً أَيَّامٍ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ عُمَرُ - رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ - وَوَلاَهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ. ذكر محمد رحمه الله هذا في كتاب النكاح ولم يذكر أنه يأخذ بهذا القول. وذكر الجصاص أن هذا ليس مذهبنا؛ لأن المزاحمة في القسم إنما تحصل بمشاركة الزوجات، فإذا لم يكن له زوجة غيرها لم تتحقق المشاركة، فلا يقسم لها، وإنما يقال له: لا تداوم على الصوم ووف المرأة حقها؛ كذا قاله الجصاص. وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أن أبا حنيفة كان يقول أولاً كما روى الحسن عنه؛ لما أشار إليه كعب، وهو أن للزوج أن يسقط حقها عن ثلاثة أيام بأن يتزوج ثلاثاً أخر سواها، فلما لم يتزوج فقد جعل ذلك لنفسه، فكان الخيار له في ذلك، فإن شاء صرف ذلك إلى الزوجات، وإن شاء صرفه إلى صيامه وصلاته وأشغاله، ثم رجع عن ذلك، وقال: هذا ليس بشيء؛ لأنه لو تزوج أربعاً، فطالبن بالواجب منه - يكون لكل واحدة منهن ليلة من الأربع، فلو جعلنا هذا حقّاً لكل واحدة منهن لا يتفرغ لأعماله، فلم يوقت في هذا وقتاً، وإن كانت المرأة أمة فعلى قول أبي حنيفة أخيراً إن صح الرجوع لا شك أنه لا يقسم لها كما لا يقسم للحرة من طريق الأولى. وعلى قوله الأول، وهو قول الطحاوي يجعل لها ليلة من كل سبع ليال؛ لأن للزوج حق إسقاط حقها عن ستة أيام، والاقتصار على يوم واحد بأن يتزوج ٦١٣ كِتَابُ النّكَاحِ عليها ثلاث حرائر؛ لأن للحرة ليلتين، وللأمة ليلة واحدة، فلما لم يتزوج فقد جعل ذلك لنفسه، فكان بالخيار إن شاء صرف ذلك إلى الزوجات، وإن شاء صرفه إلى الصوم والصلاة، وإلى أشغال نفسه، والإشكال عليه ما نقل عن أبي حنيفة، وما ذكره الجصاص أيضاً، والله - عز وجل - الموفق. فصل في طاعة الزَّوجِ ومنها: وجوب طاعة الزوج على الزوجة إذا دعاها إلى الفراش؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قيل: لها المهر والنفقة، وعليها أن تطيعه في نفسها وتحفظ غيبته، ولأن الله - عز وجل - أمر بتأديبهن بالهجر والضرب عند عدم طاعتهن، ونهى عن طاعتهن بقوله - عز وجل: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤]، فدل أن التأديب كان لترك الطاعة، فيدل على لزوم طاعتهن الأزواج. فصل ومنها: ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته؛ بأن كانت ناشزة، فله أن يؤدبها لكن على الترتيب، فيعظها أولاً على الرفق واللين؛ بأن يقول لها: كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب، ولا تكوني من كذا وكذا، فلعل تقبل الموعظة فتترك النشوز، فإن نجعت فيها الموعظة ورجعت إلى الفراش وإلا هجرها. وقيل: يخوفها بالهجر أولاً، والاعتزال عنها، وترك الجماع والمضاجعة، فإن تركت، وإلا هجرها لعل نفسها لا تحتمل الهجر. ثم اختلف في كيفية الهجر، قيل: يهجرها بألا يجامعها، ولا يضاجعها على فراشه، وقيل: يهجرها بألا يكلمها في حال مضاجعته إياها، لا أن يترك جماعها ومضاجعتها؛ لأن ذلك حق مشترك بينهما، فيكون في ذلك عليه من الضرر ما عليها، فلا يؤدبها بما يضر بنفسه ويبطل حقه. وقيل: يهجرها بأن يفارقها في المضجع، ويضاجع أُخرى في حقها وقسمها؛ لأن حقها عليه في القسم في حال الموافقة وحفظ حُدُودِ الله تعالى، لا في حال التضييع وخوف النشوز والتنازع، وقيل: يهجرها بترك مضاجعتها وجماعها لوقت غلبة شهوتها وحاجتها، لا في وقت حاجته إليها؛ لأن هذا للتأديب والزجر؛ فينبغي أن يؤدبها لا أن يؤدب نفسه بامتناعه عن المضاجعة في حال حاجته إليها، فإذا هجرها فإن تركت النشوز وإلا ضربها عند ذلك ضرباً غير مبرح ولا شائن، والأصل فيه قوله - عز وجل: ﴿وَاللَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. ٦١٤ كِتَابُ النّكَاحِ فظاهر الآية وإن كان بحرف الواو الموضوعة للجمع المطلق، لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب، والواو تحتمل ذلك، فإن نفع الضرب، وإلا رفع الأمر إلى القاضي؛ ليوجه إليهما ١٥٦ حكمين، حكماً من أهله وحكماً من أهلها؛ / كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكْماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا أَصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]. وسبيل هذا سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق سائر الناس؛ أن الآمر يبدأ بالموعظة على الرفق واللين دون التغليظ في القول، فإن قبلت وإلا غلظ القول به، فإن قبلت وإلا بسط يده فيه. وكذلك إذا ارتكبت محظوراً سوى النشوز ليس فيه حد مقدر - فللزوج أن يؤدبها تعزيراً لها؛ لأن للزوج أن يعزر زوجته؛ كما للمولى أن يعزر مملوكه. فصل في المعاشرة ومنها: المعاشرة بالمعروف وأنه مندوب إليها ومستحب، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، قيل: هي المعاشرة بالفضل والإحسان قولاً وفعلاً وخلقاً، قال النبي ◌َِّ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي))(١) . وقيل: المعاشرة بالمعروف هي أن يعاملها بما لو فعل بك مثل ذلك لم تنكره، بل تعرفه وتقبله وترضى به، وكذلك من جانبها هي مندوبة إلى المعاشرة الجميلة مع زوجها بالإحسان باللسان، واللطف في الكلام، والقول المعروف الذي يطيب به نفس الزوج، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أن الذي عليهن من حيث الفضل والإحسان هو أن يحسن إلى أزواجهن بالبر باللسان، والقول بالمعروف، والله - عز وجل - أعلم. ويكره للزوج أن يعزل عن امرأته(٢) الحرة بغير رضاها؛ لأن الوطء عن إنزال سبب الحصول الولد، ولها في الولد حق، وبالعزل(٣) يفوت الولد؛ فكأنه سبباً لفوات حقها، وإن كان العزل برضاها لا يكره؛ لأنها رضيت بفوات حقها، ولما رُوي عن رسول الله وَلَّ أنه قال: (اغْزِلُوهُنَّ أَوْ لاَ تَعْزِلُوهُنَّ)) (٤)، إن الله تعالى إذا أراد خلق نسمة فهو خالقها، إلا أن العزل حال (١) أخرجه الترمذي (٧٠٩/٥) كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي ◌َّ الحديث (٣٨٩٥) والدارمي (١٥٩/٢). وابن حبان في صحيحه (٤٨٤/٩) رقم (٤١٧٧). (٢) في أ: زوجته. (٣) في أ: والعزل. (٤) روى معناه مسلم (١١٥/٥ - أبي) كتاب النكاح، باب حكم العزل الحديث (١٤٣٩) من حديث جابر أن رجلاً أتى رسول الله وَّله فقال إن لي جارية هي خادمنا وسانيتتا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال (اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها)) فلبث الرجل ... الحديث. هذا وفي أ: اعزلوا أو لا تعزلوا. ٦١٥ كِتَابُ النّكَاحِ عدم الرضا صار مخصوصاً، وكذلك إذا كانت المرأة أمة الغير؛ أنه يكره العزل عنها من غير رضا، لكن يحتاج إلى رضاها أو رضا مولاها. قال أبو حنيفة: الإذن في ذلك إلى المولى، وقال أبو يوسف ومحمد: إليها. وجه قولهما: أن قضاء الشهوة حقها، والعزل يوجب نقصاناً في ذلك، ولأبي حنيفة أن كراهة العزل لصيانة الولد والولد له لا لها، والله - عز وجل - أعلم. فصل في النكاح الفاسد وأما النكاح الفاسد فلا حكم له قبل الدخول، وأما بعد الدخول فيتعلق به أحكام منها: ثبوت النسب، ومنها: وجوب العدة وهو حكم الدخول في الحقيقة، ومنها: وجوب المهر، والأصل فيه أن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة؛ لانعدام محله، أعني: محل حكمه وهو الملك؛ لأن الملك يثبت في المنافع، ومنافع البضع ملحقة بالأجزاء، والحر بجميع أجزائه ليس محلاً للملك؛ لأن الحرية خلوص، والملك ينافي الخلوص، ولأن الملك في الآدمي لا يثبت إلا بالرق، والحرية تنافي الرق، إلا أن الشرع أسقط اعتبار المنافي في النكاح الصحيح؛ لحاجة الناس إلى ذلك. وفي النكاح الفاسد بعد الدخول؛ لحاجة الناكح إلى درء الحد، وصيانة مائه عن الضياع بثبات النسب، ووجوب العدة وصيانة البضع المحترم عن الاستعمال من غير غرامة ولا عقوبة توجب المهر، فجعل منعقداً في حق المنافع المستوفاة لهذه الضرورة، ولا ضرورة قبل استيفاء المنافع وهو ما قيل الدخول، فلا يجعل منعقداً قبله، ثم الدليل على وجوب مهر المثل بعد الدخول - ما روي عن رسول الله وَّر أنه قال: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَتِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا))(١) جعل ◌َّ لها مهر المثل فيما له حكم النكاح الفاسد، وعلقَه بالدخول، فدل أن وجوبه متعلق به، ثم اختلف في تقدير هذا المهر وهو المسمى بالعقر. قال أصحابنا الثلاثة: يجب الأقل من مهر مثلها ومن المسمى، وقال زفر: يجب مهر المثل بالغاً ما بلغ، وكذا هذا الخلاف في الإجارة الفاسدة. وجه قول زفر: إن المنافع تتقوم بالعقد الصحيح والفاسد جميعاً كالأعيان(٢)، فيلزم إظهار أثر التقوم، وذلك بإيجاب مهر المثل بالغاً ما بلغ؛ لأنه قيمة منافع البضع، وإنما العدول إلى المسمى عند صحة التسمية، ولم تصح؛ لهذا المعنى أوجبنا كمال القيمة في العقد (٣) الفساد؛ كذا لهُهنا. (١) تقدم. (٣) في أ: البيع. (٢) في أ: كالإعتاق. ٦١٦ کِتَابُ النكاح ولنا: أن العاقدين ما قوما المنافع بأكثر من المسمى، فلا تتقوم بأكثر من المسمى، فحصلت(١) الزيادة مستوفاة من غير عقد، فلم تكن لها قيمة، إلا أن مهر المثل إذا كان أقل من ٦ ٥ب المسمى لا يبلغ به المسمى؛ / لأنها رضيت بذلك القدر لرضاها بمهر مثلها، واختلف أيضاً في وقت وجوب العدة أنها من أي وقت تعتبر. قال أصحابنا الثلاثة: إنها تجب من حين يفرق بينهما، وقال زفر: من آخر وطء وطئها، حتى لو كانت قد حاضت ثلاث حيض بعد آخر وطء وطئها قبل التفريق - فقد انقضت عدتها عنده . وجه قوله: إن العدة تجب بالوطء؛ لأنها تجب لاستبراء الرحم، وذلك حكم الوطء؛ ألا ترى أنها لا تجب قبل الوطء، وإذا كان وجوبها بالوطء تجب عقيب الوطء بلا فصل كأحكام سائر العلل. ولنا أن النكاح الفاسد بعد الوطء منعقد في حق الفراش لما بينا، والفراش لا يزول قبل التفريق؛ بدليل أنه لو وطئها قبل التفريق - لا حد عليه، ولا يجب عليه بتكرار الوطء إلا مهر واحد، ولو وطئها بعد التفريق يلزمه الحد، ولو دخلته شبهة حتى امتنع وجوب الحد يلزمه مهر آخر، فكان التفريق في النكاح الفاسد بمنزلة الطلاق في النكاح الصحيح، فيعتبر ابتداء العدة منه؛ كما تعتبر من وقت الطلاق في النكاح الصحيح، والخلوة في النكاح الفاسد لا توجب العدة؛ لأنه ليس بنكاح حقيقة إلا أنه ألحق بالنكاح في حق المنافع المستوفاة حقيقة، مع قيام النافي(٢)؛ لحاجة الناكح إلى ذلك، فيبقى في حق غير المستوفي على أصل العدم، ولم يوجد استيفاء المنافع حقيقة بالخلوة؛ ولأن الموجب للعدة في الحقيقة هو الوطء؛ لأنها تجب لتعرف براءة الرحم ولم يوجد حقيقة، إلا أنا أقمنا التمكين من الوطء في النكاح الصحيح مقامه في حق حكم يحتاط فيه؛ لوجود دليل التمكن وهو الملك المطلق ولم يوجد لههنا، بخلاف الخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح؛ أنها توجب العدة إذا كان متمكناً من الوطء حقيقة، وإن كان ممنوعاً عنه شرعاً بسبب الحيض أو الإحرام أو الصوم أو نحو ذلك؛ لأن هناك دليل الإطلاق شرعاً موجود، وهو الملك المطلق، إلا أنه منع منه لغيره فكان التمكن ثابتاً، ودليله موجود، فيقام مقام المدلول في موضع الاحتياط، ولههنا بخلافه ولا يوجب المهر أيضاً؛ لأنه لما لم يجب بها العدة فالمهر أولى؛ لأن العدة يحتاط في وجوبها، ولا يحتاط في وجوب المهر. (١) في أ: فجعلت. (٢) في ط: المنافع. ٦١٧ كِتَابُ النّكَاحِ فصل وأما بيان ما يرفع حكم النكاح: فبيانه بيان ما تقع به الفرقة بين الزوجين، ولوقوع الفرقة بين الزوجين أسباب، لكن الواقع ببعضها فرقة بطلاق، وبعضها فرقة بغير طلاق، وفي بعضها يقع فرقة بغير قضاء القاضي، وفي بعضها لا يقع إلا بقضاء القاضي، فنذكر جملة ذلك بتوفيق الله - عز وجل -. منها: الطلاق بصريحه وكنایاته، وله كتاب منفرد. ومنها: اللعان ولا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي عند أصحابنا، وكذا في كيفية هذه الفرقة خلاف بين أصحابنا نذكره إن شاء الله تعالى في كتاب اللِّعان. ومنها: اختيار الصغير أو الصغيرة بعد البلوغ في خيار البلوغ، وهذه الفرقة لا تقع إلا بتفريق القاضي، بخلاف الفرقة باختيار المرأة نفسها في خيار العتق؛ إنها تثبت بنفس الاختيار وقد بينا. وجه الفرق فيما تقدم، والفرقة في الخيارين جميعاً تكون فرقة بغير طلاق، بل تكون فسخاً، حتى لو كان الزوج لم يدخل بها - فلا مهر لها، أما في خيار العتق فلا شك فيه؛ لأن الفرقة وقعت بسبب وجد منها، وهو اختيارها نفسها، واختيارها نفسها(١) لا يجوز أن يكون طلاقاً؛ لأنها لا تملك الطلاق إلا إذا ملكت كالمخيرة، فكان فسخاً وفسخ العقد رفعه من الأصل، وجعله كأن لم يكن، ولو لم يكن حقيقة لم يكن لها مهر، فكذا إذا التحق بالعدم من الأصل، وكذا في خيار البلوغ إذا كان من له الخيار هو المرأة، فاختارت نفسها قبل الدخول بها لما قلنا . وأما إذا كان مَنْ له الخيار هو الغلام فاختار نفسه قبل الدخول بها - فلا مهر لها أيضاً، وهذا فيه نوع إشكال؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج، فيجب أن تكون فرقة بطلاق، ويتعلق بها نصف المهر، والانفصال أن الشرع أثبت له الخيار، [فلا بد أن يكون مفيداً](٢)، ولو كان ذلك طلاقاً ووجب عليه المهر - لم يكن لإثبات الخيار معنى؛ لأنه يملك الطلاق، فإذن لا فائدة في الخيار إلا سقوط المهر، وإن كان قد دخل بها لا يسقط المهر؛ لأن المهر قد تأكد بالدخول فلا يحتمل السقوط بالفرقة؛ كما لا يحتمل السقوط بالموت؛ ولأن الدخول استيفاء منافع البضع، وأنه أمر خفي (٣) فلا يحتمل الارتفاع من الأصل بالفسخ، بخلاف العقد؛ فإنه/ ١٥٧ (١) في أ: نفقتها. (٣) في أ: حقيقي. (٢) سقط في أ. ٦١٨ كِتَابُ النكاح أمر شرعي فكان محتملاً للفسخ، ولأنه لو فسخ النكاح بعد الدخول لوجب عليه رد المنافع المستوفاة؛ لأنه عاد البدل إليه، فوجب أن يعود المبدل إليها، وهو لا يقدر على ردها فلا يفسخ، وإذا لم يقدر على ردها يغرم قيمتها، وقيمتها هو المهر المسمى فلا يفيد، ولأنه لما استوفى المنافع فقد استوفى المعقود عليه وهو المبدل؛ فلا يسقط البدل. ومنها: اختيار المرأة نفسها لعيب الجب والعنة والخصاء، والخنوثة والتأخذ بتفريق القاضي، أو بنفس الاختيار على ما بينا، وأنه فرقة بطلاق؛ لأن سبب ثبوتها حصل من الزوج وهو المنع من إيفاء حقها المستحق بالنكاح، وأنه ظلم وضرر في حقها، إلا أن القاضي قام مقامه في دفع الظلم، والأصل أن الفرقة إذا حصلت بسبب من جهة الزوج مختص بالنكاح أن تكون فرقة بطلاق، حتى لو كان ذلك قبل الدخول بها، وقبل الخلوة - فلها نصف المسمى، إن كان في النكاح تسمية، وإن لم يكن فيه تسمية فلها المتعة. ومنها: التفريق لعدم الكفاءة أو لنقصان المهر، والفرقة به فرقة بغير طلاق؛ لأنها فرقة حصلت لا من جهة الزوج، فلا يمكن أن يجعل ذلك طلاقاً؛ لأنه ليس لغير الزوج ولاية الطلاق فيجعل فسخاً، ولا تكون هذه الفرقة إلا عند القاضي؛ لما ذكرنا في الفرقة بخيار البلوغ. ومنها: إباء الزوج الإسلام بعدما أسلمت زوجته في دار الإسلام. ومنها: إباء الزوجة الإسلام بعدما أسلم زوجها المشرك أو المجوسي في دار الإسلام. وجملة الكلام فيه: أن الزوجين الكافرين إذا أسلم أحدهما في دار الإسلام؛ فإن كانا كتابيين فأسلم الزوج فالنكاح بحاله؛ لأن الكتابية محل لنكاح المسلم ابتداء فكذا بقاء، وإن أسلمت المرأة لا تقع الفرقة بنفس الإسلام عندنا، ولكن بعرض الإسلام على زوجها، فإن أسلم بقيا على النكاح، وإن أبى الإسلام فرق القاضي بينهما، لأنه لا يجوز أن تكون المسلمة تحت نكاح الكافر؛ ولهذا لم يجز نكاح الكافر المسلمة ابتداء، فكذا في البقاء عليه، وإن كانا مشركين أو مجوسيين، فأسلم أحدهما أيهما كان يعرض الإسلام على الآخر، ولا تقع الفرقة بنفس الإسلام عندنا، فإن أسلم فهما على النكاح، وإن أبى الإسلام فرق القاضي بينهما؛ لأن المشركة لا تصلح لنكاح المسلم، غير أن الإباء إن كان من المرأة يكون فرقة بغير طلاق؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، وهو الإباء من الإسلام. والفرقة من قبل المرأة لا تصلح طلاقاً؛ لأنها لا تلي الطلاق فيجعل فسخاً، وإن كان الإباء من الزوج يكون فرقة بطلاق في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف؛ يكون فرقة بغير طلاق، وهذا كله مذهب أصحابنا. وقال الشافعي: إذا أسلم أحد الزوجين وقعت الفرقة بنفس الإسلام، غير أنه إن كان ذلك ٦١٩ كِتَابُ التّكَاحِ قبل الدخول تقع الفرقة للحال، فأما بعد الدخول فلا تقع الفرقة حتى تمضي ثلاث حيض، فإن أسلم الآخر قبل مضيها فالنكاح بحاله، وإن لم يسلم بانت بمضيها. أما الكلام مع الشافعي فوجه قوله: إن كفر الزوج يمنع من نكاح المسلمة ابتداء، حتى لا يجوز للكافر أن ينكح المسلمة، وكذلك شرك المرأة وتمجسها مانع من نكاح المسلم ابتداء؛ بدليل أنه لا يجوز للمسلم نكاح المشركة والمجوسية، فإذا طرأ على النكاح يبطله فأشبه الطلاق . ولنا إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فإنه رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي تَغْلِبَ أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ، فَعَرَضَ عُمَرُ عَلَيْهِ الإِسْلاَمَ فَامْتَنَعَ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وكان ذلك بمحضر من الصَّحَابَة - رضي الله تعالى عنهم - فيكون إجماعاً، ولو وقعت الفرقة بنفس الإسلام - لما وقعت الحاجة إلى التفريق؛ ولأن الإسلام لا يجوز أن يكون مبطلاً للنكاح، لأنه عرف عاصماً للأملاك فكيف يكون مبطلاً لها، ولا يجوز أن يبطل بالكفر أيضاً؛ لأن الكفر كان موجوداً منهما، ولم يمنع ابتداء النكاح؛ فلأن لا يمنع البقاء وأنه أسهل أولى، إلا أنا لو بقينا النكاح بينهما لا تحصل المقاصد؛ لأن مقاصد النكاح لا تحصل إلا بالاستفراش، والكافر لا يمكن من استفراش المسلمة، والمسلم لا يحل له استفراش المشركة والمجوسية لخبثها، فلم يكن في بقاء النكاح فائدة، فيفرق القاضي بينهما عند إباء الإسلام؛ لأن اليأس عن حصول المقاصد يحصل عنده. وأما الكلام مع أصحابنا في كيفية الفرقة عند إباء الزوج الإسلام، / بعدما أسلمت امرأته ٥٧ب المشركة أو المجوسية أو الكتابية: فوجه قول أبي يوسف: أن هذه فرقة يشترك في سببها الزوجان ويستويان فيه، فإن الإباء من كل واحد منهما سبب الفرقة، ثم الفرقة الحاصلة بإبائها فرقة بغير طلاق، فكذا بإبائه لاستوائهما في السببية؛ كما إذا ملك أحدهما صاحبه، ولهما أن الحاجة إلى التفريق عند الإباء لفوات مقاصد النكاح؛ ولأن مقاصد النكاح إذا لم تحصل لم يكن في بقاء النكاح فائدة؛ فتقع الحاجة إلى التفريق، والأصل في التفريق هو الزوج؛ لأن الملك له، والقاضي ينوب منابه؛ كما في الفرقة بالجب والعنة، فكان الأصل في الفرقة هو فرقة الطلاق، فيجعل طلاقاً ما أمكن، وفي إباء المرأة لا يمكن؛ لأنها لا تملك الطلاق فيجعل فسخاً، ومنها ردة أحد الزوجين؛ لأن الردة بمنزلة الموت؛ لأنها سبب مفض إليه، والميت لا يكون محلاً للنكاح؛ ولهذا لم يجز نكاح المرتد لأحد في الابتداء؛ فكذا في حال البقاء، ولأنه لا عصمة مع الردة، وملك النكاح لا يبقى مع زوال العصمة، غير أن ردة المرأة تكون فرقة بغير طلاق بلا خلاف، وأما ردة الرجل فهي فرقة بغير طلاق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد : فرقة بطلاق. ٦٢٠ كِتَابُ النّكَاحِ وجه قول محمد ظاهر؛ لأن الأصل أن الفرقة إذا حصلت بمعنى من قبل الزوج، وأمكن أن تجعل طلاقاً - تجعل طلاقاً؛ لأن الأصلَ في الفرقة هو فرقة الطلاق، وأصل أبي يوسف ما ذكرنا أنه فرقة حصلت بسبب يشترك فيه الزوجان؛ لأن الردة من كل واحد منهما سبب لثبوت الفرقة، ثم الثابت بردتها فرقة بغير طلاق كذا بردته، ولأبي حنيفة أن هذه الفرقة وإن كانت بسبب وجد من الرجل وهو ردته، إلا أنه لا يمكن أن تجعل الردة طلاقاً؛ لأنها بمنزلة الموت، وفرقة الموت لا تكون طلاقاً؛ لأن الطلاق تصرف يختص بما يستفاد بالنكاح، والفرقة الحاصلة بالردة فرقة واقعة بطريق التنافي؛ لأن الردة تنافي عصمة الملك، وما كان طريقه التنافي لا يستفاد بملك النكاح فلا يكون طلاقاً، بخلاف الفرقة الحاصلة بإباء الزوج؛ لأنها تثبت بفوات مقاصد النكاح وثمراته، وذلك مضاف إلى الزوج؛ فيلزمه الإمساك بالمعروف، وإلا التسريح بالإحسان، فإذا امتنع عنه ألزمه القاضي الطلاق الذي يحصل به التسريح بالإحسان كأنه طلق بنفسه، والدليل على التفرقة بينهما أن فرقة الإباء لا تحصل إلا بالقضاء، وفرقة الردة تثبت بنفس الردة؛ ليعلم أن ثبوتها بطريق التنافي. ثم الفرقة بردة أحد الزوجين تثبت بنفس الردة، فتثبت في الحال عندنا، وعند الشافعي : إن كان قبل الدخول فكذلك، وإن كان بعد الدخول تتأجل الفرقة إلى مضي ثلاث حيض، وهو على الاختلاف في إسلام أحد الزوجين. هذا إذا ارتد أحد الزوجين، فأما إذا ارتد معاً لا تقع الفرقة بينهما استحساناً، حتى لو أسلما معاً فهما على نكاحهما، والقياس أن تقع الفرقة، وهو قول زفر. وجه القياس أنه لو ارتد أحدهما لوقعت الفرقة فكذا إذا ارتدا؛ لأن في ردتهما ردة أحدهما وزيادة، وللاستحسان إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فإن العرب لما ارتدت في زمن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - ثم أسلموا - لم يفرق بينهم وبين نسائهم، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -. فإن قيل: بم يعلم هناك أنهم ارتدوا وأسلموا معاً؟ فالجواب أنه لما لم يفرق بينهم وبين نسائهم فيما إذا لم يعلم القرآن، بل احتمل التقدم والتأخر في الردة والإسلام؛ ففيما علم أولى ألا يفرق. ثم نقول: الأصل في كل امرين حادثين إذا لم يعلم تاريخ ما بينهما؛ أن يحكم بوقوعهما معاً؛ كالغرقى، والحرقى، والهدمى، ولو تزوج مسلم كتابية يهودية أو نصرانية فتمجست - تثبت الفرقة؛ لأن المجوسية لا تصلح لنكاح المسلم؛ ألا ترى أنه لا يجوز له نكاحها ابتداء، ثم إن كان ذلك قبل الدخول بها - فلا مهر لها ولا نفقة؛ لأنها فرقة بغير طلاق فكانت فسخاً، وإن كان بعد الدخول بها - فلها المهر؛ لما بينا فيما تقدم ولا نفقة لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها. والأصل أن الفرقة إذا جاءت من قبلها؛ فإن كان قبل الدخول بها فلا نفقة لها ولا مهر،