النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كِتَابُ النكاحِ
وجه قولهم على نحو ما ذكرنا لزفر في النكاح بغير شهود، وهو أنهم بقبول الذمة التزموا
أحكامنا، ومن أحكامنا المجمع عليها: فساد نكاح المعتدة؛ ولأن الخطاب بتحريم نكاح
المعتدة عام، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]،
والكفار مخاطبون بالحرمات، وكلام أبي حنيفة - رحمه الله - على نحو ما تقدم أيضاً؛ لأن في
ديانتهم عدم وجوب العدة والكلام فيه، فلم يكن هذا نكاح المعتدة في اعتقادهم، ونحن أمرنا
[بأن نتركهم](١) وما يدينون ..
وكذا عمومات النكاح من الكتاب العزيز، والسنة مطلقة عن هذه الشريطة، أعني: الخلو
عن العدة، وإنما عرف شرطاً في نكاح المسلمين بالإجماع، وقوله - عز وجل: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا
عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] - خطاب للمسلمين، أو يحمل عليه عملاً
بالدلائل كلها صيانة لها عن التناقض؛ ولأن العدة فيها معنى العبادة، وهي حق الزوج أيضاً من
وجه، قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فمن حيث هي عبادة
لا يمكن إيجابها على الكافرة؛ لأن الكفار لا يخاطبون بشرائع هي عبادات أو قربات، وكذا من
حيث هي حق الزوج؛ لأن الكافر لا يعتقده حقاً لنفسه، بخلاف المسلم إذا تزوج كتابية في
عدة من مسلم؛ أنه لا يجوز؛ لأن المسلم يعتقد العدة حقاً واجباً، فيمكن الإيجاب لحقه إن
كان لا يمكن لحق الله تعالى من حيث هي عبادة؛ ولهذا قلنا: إنه ليس للزوج المسلم أن يجبر
امرأته الكافرة على الغسل من الجنابة والحيض والنفاس؛ لأن الغسل من باب القربة، وهي
ليست مخاطبة بالقربات، وله أن يمنعها من الخروج من البيت؛ لأن الإسكان حقه.
وأما نكاح المحارم، والجمع بين خمس نسوة، والجمع بين الأختين: فقد ذكر الكرخي
أن ذلك كله فاسد في حكم الإسلام بالإجماع؛ لأن فساد هذه الأنكحة في حق المسلمين ثبت؛
لفساد قطيعة الرحم، وخوف الجور في قضاء(٢) الحقوق من النفقة والسكنى والكسوة وغير
ذلك. وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم والكافر، إلا أنه مع الحرمة والفساد لا
يتعرض لهم قبل المرافعة وقبل الإسلام، [و]أنهم دانوا ذلك ونحن أمرنا أن نتركهم وما
يدينون؛ كما لا يتعرض لهم في عبادة غير الله تعالى. وإن كانت محرمة.
وإذا ترافعا إلى القاضي، فالقاضي يفرق بينهما؛ كما يفرق بينهما بعد الإسلام؛ لأنهما إذا
ترافعا فقد تركا ما داناه ورضيا بحكم الإسلام؛ ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاؤْوَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾
[المائدة: ٤٣].
(١) في أ: بتركهم.
(٢) في أ: إيتاء.
بدائع الصنائع ج٣ - م٣٦

٥٦٢
كِتَابُ النّگاحِ
وأما إذا لم يترافعا ولم يوجد الإسلام أيضاً - فقد قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله :
إنهما یقران علی نكاحهما، ولا يعترض عليهما بالتفریق. وقال أبو يوسف : - رحمه الله - يفرق
بينهما الحاكم إذا علم ذلك، سواء ترافعا إلينا أو لم يترافعا، ولو رفع أحدهما دون الآخر - قال
أبو حنيفة: لا يعترض عليهما ما لم يترافعا جميعاً. وقال محمد: إذا رفع أحدهما يفرق بينهما.
أما الكلام في المسألة الأولى: فوجه قول أبي يوسف ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ
بَيْنَهُمْ بِمَا أنزل الله وَلاَ تَتَبَعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، أمر رسول الله وَّر أن يحكم بينهم بما أنزله
مطلقاً عن شرط المرافعة، وقد أنزل - سبحانه وتعالى - حرمة هذه الأنكحة، فيلزم الحكم بها
مطلقاً؛ ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة، إلا أنه تعذر تنفيذها في دار
الحرب لعدم الولاية، وأمكن في دار الإسلام، فلزم التنفيذ فيها وكان النكاح فاسداً، والنكاح
الفاسد زناً من وجه، فلا يمكنون منه؛ كما لا يمكنون من الزنا في دار الإسلام؛ ولأبي حنيفة
ومحمد قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٣]، والآية حجة له
في المسألتين جميعاً .
أما في المسألة الأولى: فلأنه شرط المجيء للحكم عليهم، وأثبت - سبحانه وتعالى -
التخيير بين الحكم والإعراض، إلا أنه قام الدليل على نسخ التخيير، ولا دليل على نسخ شرط
١٤٤ المجيء، فكان حكم الشرط باقياً، ويحمل المطلق على المقيد لتعزر العمل بهما، وإمكان/
جعل المقيد بياناً للمطلق.
وأما في المسألة الثانية: فلأنه سبحانه وتعالى - شرط مجيئهم للحكم عليهم، فإذا جاء
أحدهما دون الآخر، فلم يوجد الشرط وهو مجيئهم - فلا يحكم بينهم. وروي أن رسول
اللهِ وَّ كَتَبَ إِلَى مَجُوسٍ هَجَرَ: ((إِمَّا أَنْ تَذَرُوا الرِّبَا أَوْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهَ وَرَسُولِهِ))(١)، ولم
يكتب إليهم في أنكحتهم شيئاً، ولو كان التفريق مستحقاً قبل المرافعة - لكتب به؛ كما كتب
بترك الربا.
وروي أن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس لم يتعرضوا لأنكحتهم. وما روي أن عمر -
رضي الله تعالى عنه - كتب أن يفرق بينهم وبين أمهاتهم - لا يكاد يثبت؛ لأنه لو ثبت لنقل على
طريق الاستفاضة؛ لتوفر الدواعي إلى نقلها(٢)، فلما لم ينقل دل أنه لم يثبت، أو يحمل على
أنه كتب ثم رجع عنه ولم يعمل به، ولأن ترك التعرض والإعراض(٣) ثبت حقّاً لهما، فإذا رفع
أحدهما فقد أسقط حق نفسه؛ فبقي حق الآخر.
(١) عزاه الزيلعي في نصب الراية (٤٤٧/٣) لابن زنجويه حدثنا هاشم بن القاسم حدثني المرجا بن رجاء ثنا
سليمان بن حفص عن أبي إياس معاوية بن فرة قال: كتب رسول الله إلى مجوسي هجر ...
(٢) في أ: نقله.
(٣) في أ: والاعتراض.

٥٦٣
كِتَابُ النّكَاحِ
وجه قول محمد؛ أنه لما رفع أحدهما فقد رضي بحكم الإسلام؛ فيلزم(١) إجراء حكم
الإسلام في حقه فيتعدى إلى الآخر؛ كما إذا أسلم أحدهما، إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله -
يقول: الرضا بالحكم ليس نظير الإسلام؛ بدليل أنه لو رضي ثم رجع عنه قبل الحكم عليه - لم
يلزمه بحكم الإسلام، وبعدما أسلم لا يمكنه أن يأبى الرضا بأحكام الإسلام، وإذا لم يكن ذلك
أمراً لازماً ضرورياً - فلا يتعدى إلى غيره، وجعل رضاه في حق الغير كالعدم بخلاف الإسلام.
وذكر القاضي الإمام أبو زيد (٢) - رحمه الله - أن نكاح المحارم صحيح فيما بينهم في قول أبي
حنيفة - رحمه الله - بدليل أن الذمي إذا تزوج بمحارمه، ودخل بها - لم يسقط إحصانه عنده،
حتى لو قذفه إنسان بالزنا بعدما أسلم - يحد قاذفه عنده. ولو كان النكاح فاسداً لسقط إحصانه؛
لأن الدخول في النكاح الفاسد يسقط الإحصان؛ كما في سائر الأنكحة الفاسدة.
وكذلك لو ترافعا إلينا فطلبت المرأة النفقة؛ فإن القاضي يقضي بالنفقة في قول أبي
حنيفة، فدل أن نكاح المحارم وقع صحيحاً فيما بينهم في حكم الإسلام، واتفقوا على أنه لو
تزوج حربي أختين في عقدة واحدة، أو على التعاقب، ثم فارق إحداهما قبل الإسلام، ثم
أسلم - أن نكاح الباقية صحيح، ومعلوم أن الباقي غير الثابت. ولو وقع نكاحها فاسداً حال
وقوعه لما أقر عليه بعد الإسلام.
وكذلك لو تزوج خمساً في عقد متفرقة، ثم فارق الأولى منهن، ثم أسلم - بقي نكاح
الأربع على الصحة، ولو وقع فاسداً من الأصل لما انقلب صحيحاً بالإسلام، بل كان يتأكد
الفساد، فثبت أن هذه الأنكحة وقعت صحيحة في حقهم في حكم الإسلام، ثم يفرق بينهما
بعد الإسلام؛ لأنه لا صحة لها في حق المسلمين(٣) .
ولو طلق الذمي امرأته ثلاثاً أو خالعها، ثم قام عليها كقيامه عليها قبل الطلاق - يفرق
بينهما، وإن لم يترافعا؛ لأن العقد قد بطل بالطلقات الثلاث وبالخلع؛ لأنه يدين بذلك، فكان
إقراره على قيامه عليها إقراراً على الزنا؛ وهذا لا يجوز. ولو تزوج ذمي ذمية على أن لا مهر
لها، وذلك في دينهم جائز - صح ذلك، ولا شيء لها في قول أبي حنيفة - رحمه الله - سواء
دخل بها أو لم يدخل بها، طلقها أو مات عنها، أسلما أو أسلم أحدهما.
وعند أبي يوسف ومحمد: لها مهر مثلها، ثم إن طلقها بعد (٤) الدخول أو بعد الخلوة
بها، أو مات عنها - تأكد ذلك، وإن طلقها قبل الدخول بها، أو (٥) قبل الخلوة - سقط مهر
(١) في أ: فيلزمه.
(٣) في أ: الإسلام.
(٥) في أ: وقبل.
(٢) في أ: أبو يزيد.
(٤) في أ: قبل.

٥٦٤
كِتَابُ النَّاحِ
المثل، ولها المتعة كالمسلمة، ولو تزوج حربي حربية في دار الحرب على أن لا مهر لها - جاز
ذلك، ولا شيء لها في قولهم جميعاً. والكلام في الجانبين على نحو ما ذكرنا في المسائل
المتقدمة، هما يقولان: إن حكم الإسلام قد لزم الزوجين الذميين لالتزامهما أحكامنا، ومن
أحكامنا أنه لا يجوز النكاح من غير مال، بخلاف الحربيين؛ لأنهما ما التزما أحكامنا، وأبو
حنيفة - رحمه الله - يقول: إن في ديانتهم جواز النكاح بلا مهر، ونحن أمرنا بأن نتركهم وما
يدينون، إلا فيما وقع الاستثناء في عقودهم(١) كالربا(٢)، وهذا لم يقع الاستثناء عنه فلا نتعرض
لهم، ويكون جائزاً في حقهم في حكم الإسلام؛ كما يجوز لهم في حكم الإسلام تملك
الخمور والخنازير وتمليكها. هذا إذا تزوجها وبقي المهر.
فأما إذا تزوجها وسكت عن تسميته؛ بأن تزوجها ولم يسم لها مهراً - فلها مهر المثل في
ظاهر رواية الأصل؛ فإنه ذكر في الأصل: أن الذمي إذا تزوج ذمية بميتة أو دم، أو بغير شيء؛
أن النكاح جائز ولها مهر مثلها.
٤٤ ب
فظاهر قوله: أو بغير شيء يشعر بالسكوت/ عن التسمية لا بالنفي، فيدل على وجوب
مهر المثل حال السكوت عن التسمية، ففرق أبو حنيفة بين السكوت وبين النفي.
وحكي عن الكرخي؛ أنه قال: قياس قول أبي حنيفة؛ أنه لا فرق بين حالة السكوت
وبين النفي، ووجهه أنه لما جاز النكاح في ديانتهم بمهر وبغير مهر - لم يكن في نفس العقد ما
يدل على التزام المهر، فلا بد لوجوبه من دليل، وهو التسمية ولم توجد؛ فلا يجب، بخلاف
نكاح المسلمين؛ لأنه لا جواز له بدون المهر، فكان ذلك(٣) العقد التزاماً للمهر.
ووجه الفرق بين السكوت وبين النفي على ظاهر الرواية؛ أنه لما سكت عن تسمية المهر
لم تعرف ديانته النكاح بلا مهر، فيجعل إقدامه على النكاح التزاماً للمهر كما في حق
المسلمين، وإذا نفى المهر نصاً دل أنه يدين النكاح، ويعتقده جائزاً بلا مهر، فلا يلزمه حكم
نكاح أهل الإسلام، بل يترك وما يدينه فهو الفرق، ثم ما صلح مهراً في نكاح المسلمين؛ فإنه
يصلح مهراً في نكاح أهل الذمة لا شك فيه؛ لأنه لما جاز نكاحنا عليه كان نكاحهم عليه
أجوز.
وما لا يصلح مهراً في نكاح المسلمين لا يصلح مهراً في نكاحهم أيضاً. إلا الخمر
والخنزير؛ لأن ذلك مال متقوم في حقهم بمنزلة الشاة والخل في حق المسلمين، فيجوز أن
:
يكون مهراً في حقهم في حكم الإسلام، فإن تزوج ذمي ذمية على خمر أو خنزير، ثم أسلما أو
(١) في أ: عهودهم.
(٣) في أ: ذكر.
(٢) في أ: كالزنا.

٥٦٥
كِتَابُ النّكَاحِ
أسلم أحدهما؛ فإن كان الخمر أو الخنزير بعينه، ولم يقبض - فليس لها إلا العين، وإن كان
بغير عينه بأن كان في الذمة - فلها في الخمر القيمة، وفي الخنزير مهر مثلها، وهو قول أبي
حنيفة - رحمه الله - وقال أبو يوسف: لها مهر مثلها، سواء كان بعينه أو بغير عينه، وقال
محمد: لها القيمة، سواء كان بعينه أو بغير عينه، ولا خلاف في أن الخمر والخنزير إذا كان
ديناً في الذمة - ليس لها غير ذلك.
وجه قولهما: في أنه لا يجوز أن يكون لها العين: أن الملك في العين وإن ثبت لها قبل
الإسلام، لكن في القبض معنى التمليك؛ لأنه مؤكد للملك؛ لأن ملكها قبل القبض واهٍ غير
متأكد؛ ألا ترى أنه لو هلك عند الزوج كان الهلاك عليه، وكذا لو تعيب وبعد القبض كان ذلك
كله عليها، فثبت أن الملك قبل القبض غير متأكد، فكان القبض مؤكد للملك، والتأكيد إثبات
من وجه، فكان القبض تمليكاً من وجه، والمسلم منهي عن ذلك.
ولهذا لو اشترى ذمي من ذمي خمراً، ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض - ينتقض
البيع؛ ولأبي حنيفة رحمه الله أن المرأة تملك المهر قبل القبض ملكاً تاماً؛ إذ الملك نوعان: ملك
رقبة، وملك يد، وهو ملك التصرف، ولا شك أن ملك الرقبة ثابت لها قبل القبض، وكذلك
ملك التصرف؛ لأنها تملك التصرف في المهر قبل القبض من كل وجه، فلم يبق إلا صورة
القبض، والمسلم غير منهي عن صورة قبض الخمر والخنزير وإقباضهما؛ كما إذا غصب مسلم
من مسلم خمراً؛ أن الغاصب يكون مأموراً بالسليم، والمغصوب منه يكون مأذوناً له في القبض.
وكذا الذمي إذا غصب منه الخمر ثم أسلم، كمسلم أودعه الذمي خمراً، ثم أسلم
الذمي؛ أن له أن يأخذ الخمر من المودع، يبقى هذا القدر، وهو أنه دخل المهر في ضمانها
بالقبض، لكن هذا لا يوجب ثبوت ملك لها؛ لما ذكرنا أن ملكها تام قبل القبض، مع ما أن
دخوله في ضمانها أمر عليها، فكيف يكون ملكاً لها، بخلاف المبيع؛ فإن ملك الرقبة - وإن
كان ثابتاً قبل القبض - فملك التصرف لم يثبت، وإنما يثبت بالقبض، وفيه معنى التمليك
والتملك؛ والإسلام يمنع من ذلك، هذا إذا كانا عينين.
فإن كانا دينين فليس لها إلا العين بالإجماع؛ لأن الملك في هذه العين التي تأخذها ما
كان ثابتاً لها بالعقد، بل كان ثابتاً في الدين في الذمة، وإنما يثبت الملك في هذا المعين
بالقبض، والقبض تملك من وجه؛ والمسلم ممنوع من(١) ذلك.
وجه قول أبي يوسف: أن الإسلام لما منع القبض، وللقبض(٢) حكم العقد، جعل كأن
المنع كان ثابتاً وقت العقد، فيصار إلى مهر المثل؛ كما لو كانا عند العقد مسلمين.
- (١) في أ: عن.
(٢) في ط: والقبض.

٥٦٦
كِتَابُ النكاحِ
وجه قول محمد: أن العقد وقع صحيحاً، والتسمية في العقد قد صحت، إلا أنه تعذر
التسليم بسبب الإسلام؛ لما في التسليم من التمليك من وجه على ما بينا، والمسلم ممنوع
من(١) ذلك، فيوجب القيمة كما لو هلك المسمى قبل القبض، وأبو حنيفة - رحمه الله - يوجب
القيمة في الخمر لما قاله محمد، وهو القياس في الخنزير أيضاً، إلا أنه استحسن في الخنزير
١٤٥ أيضاً، وأوجب مهر المثل؛ لأن الخنزير/ حيوان، ومن تزوج امرأة على حيوان في الذمة -
يخير بين تسليمه وبين تسليم قيمة الوسط منه، بل القيمة هي الأصل في التسليم؛ لأن الوسط
يعرف بها على ما ذكرنا فيما تقدم، فكان إيفاء قيمة الخنزير بعد الإسلام حكم إيفاء الخنزير من
وجه، ولا سبيل إلى إيفاء العين بعد الإسلام؛ فلا سبيل إلى إيفاء القيمة، بخلاف الخمر؛ لأن
قيمتها لم تكن واجبة قبل الإسلام.
ألا ترى أنه لو جاء الزوج بالقيمة - لا تجبر المرأة على القبول، فلم يكن لبقائها حكم
بقاء الخمر من وجه؛ لذلك افترقا، هذا كله إذا لم يكن المهر مقبوضاً قبل الإسلام، فإن كان
مقبوضاً فلا شيء للمرأة؛ لأن الإسلام متى ورد والحرام مقبوض يلاقيه بالعفو؛ لأن الملك قد
ثبت على سبيل الكمال بالعقد، والقبض في حال الكفر، فلا يثبت بعد الإسلام ملك، وإنما
يوجد دوام الملك، والإسلام لا ينافيه كمسلم تخمر عصيره؛ أنه لا يؤمر بإبطال ملكه فيها؛
وكما في نزول تحريم الربا.
وروي أن رسول الله وَلَوَّ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَبْطَلَ مِنَ الرِّبَا مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُ وَ لَما
قُبِضٍ بِالْفَسْخِ، وهو أحد تأويلات قوله - عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ
مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، أمر سبحانه بترك ما بقي من الربا، والأمر بترك ما بقي
من الربا هو النهي عن قبضه، والله - عز وجل - الموفق.
ولو تزوجها على ميتة أو دم، ذكر في الأصل؛ أن لها مهر مثلها، وذكر في ((الجامع
الصغير)) أنه لا شيء لها [ومنهم وفق بين الروايتين](٢) فحمل ما ذكره في الأصل على الذميين،
وما ذكره في ((الجامع(٣) على الحربيين، ومنهم من جعل في المسألة روايتين، وجه رواية
الأصل؛ أنه لما تزوجها على الميتة والدم، فلم يرض باستحقاق بضعها إلا ببدل، وقد تعذر
استحقاق المسمى؛ لأنه ليس بمال في حق أحد - فكان لها مهر المثل كالمسلمة.
وجه رواية ((الجامع الصغير))، أنها لما رضيت بالميتة، مع أنها ليست بمال ــ كان ذلك
منها دلالة الرضا باستحقاق بضعها بغير عوض أصلاً؛ كما إذا تزوجها على أن لا مهر لها، والله
- عز وجل - أعلم.
(١) في أ: عن.
(٣) في أ: الجامع الصغير.
(٢) في ط: منهم ووقعه بين الروايتين.

٥٦٧
كِتَابُ النّكَاحِ
فصل في عقود أهل الحرب
ثم كل عقد إذا عقده الذمي كان فاسداً، فإذا عقده الحربي كان فاسداً أيضاً؛ لأن المعنى
المفسد لا يوجب الفصل بينهما، وهو ما ذكرنا فيما تقدم، ولو تزوج كافر بخمس نسوة أو
بأختين ثم أسلم؛ فإن كان تزوجهن في عقدة واحدة - فرق بينه وبينهن، وإن كان تزوجهن في
عقد متفرقة - صح نكاح الأربع، وبطل نكاح الخامسة، وكذا في الأختين يصح نكاح الأولى،
وبطل نكاح الثانية، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: يختار من الخمس أربعاً، ومن الأختين واحدة، سواء تزوجهن في عقدة
واحدة، أو في عقد استحساناً؛ وبه أخذ الشافعي، احتج محمد بما روي: أَنَّ غَيْلاَنَّ أَسْلَمَ
وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ؛ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعاً مِنْهُنَّ.
وروي أن قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِوَِّ؛ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ
أَرْبَعاً.
وروي أن فَيْروزَ الدَّيْلَمِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانٍ، فَخَيَّرَه رَسُولُ اللهِوَّر ولم يستفسر أن
نكاحهن كان دفعةً واحدة أو على الترتيب، ولو كان الحكم يختلف لاستفسر؛ فدل أن حكم
الشرع فيه هو التخيير مطلقاً .
ولأبي حنيفة وأبي يوسف: أن الجمع محرم على المسلم والكافر جميعاً؛ لأن حرمته
ثبتت لمعنى معقول، وهو خوف الجور في إيفاء حقوقهن، والإفضاء إلى قطع الرحم على ما
ذكرنا فيما تقدم، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم والكافر، إلا أنه لا يتعرض لأهل
الذمة مع قيام(١) الحرمة؛ لأن ذلك ديانتهم، وهو غير مستثنى من عهودهم، وقد نهينا عن
التعرض لهم عن مثله بعد إعطاء الذمة، وليس لنا ولاية التعرض لأهل الحرب، فإذا أسلم فقد
زال المانع، فلا يمكن من استيفاء الجمع بعد الإسلام، فإذا كان تزوج الخمس في عقدة
واحدة، فقد حصل نكاح كل واحدة منهن جميعاً؛ إذ ليست إحداهن بأولى من الأخرى،
والجمع محرم، وقد زال المانع من التعرض؛ فلا بد من الاعتراض بالتفريق.
وكذلك إذا تزوج الأختين في عقدة واحدة؛ لأن نكاح واحدة منهما جعل(٢) جمعاً؛ إذ
ليست إحداهما بأولى من الأخرى، والإسلام يمنع من ذلك، ولا مانع من التفريق فيفرق، فأما
إذا كان تزوجهن على الترتيب في عقد متفرقة، فنكاح الأربع منهن وقع صحيحاً؛ لأن الحر
(١) في أ: بقاء.
(٢) في أ: حصل.

٥٦٨
كِتَابُ النكاح
٤٥ ب يملك التزوج بأربع/ نسوة، مسلماً كان أو كافراً، ولم يصح نكاح الخامسة؛ لحصوله جمعاً
فيفرق بينهما بعد الإسلام.
وكذلك إذا تزوج الأختين في عقدتين: فنكاح الأولى وقع صحيحاً؛ إذ لا مانع من
الصحة، وبطل نكاح الثانية؛ لحصوله جمعاً؛ فلا بد من التفريق بعد الإسلام.
وأما الأحاديث: ففيها إثبات الاختيار للزوج المسلم، لكن ليس فيها أن له أن يختار ذلك
بالنكاح الأول، أو بنكاح جديد، فاحتمل أنه أثبت له الاختيار لتجدد العقد عليهن، ويحتمل أنه
أثبت له الاختيار ليمسكهن بالعقد الأول، فلا يكون حجة مع الاحتمال، مع ما أنه قد روي أن
ذلك قبل تحريم الجمع؛ فإنه روي في الخبر أن غيلان أسلم وقد كان تزوج في الجاهلية.
وروي عن مكحول؛ أنه قال: كان ذلك قبل نزول الفرائض، وتحريم الجمع ثبت بسورة
((النساء)) الكبرى وهي مدنية.
وروي: أن فيروز لما هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: له: إِنَّ تَخْتِي أُخْتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ
اللهَ وَّ: ((ارْجِعْ فَطَلْقْ إحْدَاهُمَا))(١)، ومعلوم أن الطلاق إنما يكون في النكاح الصحيح، فدل
أن ذلك العقد وقع صحيحاً في الأصل، فدل أنه كان قبل تحريم الجمع ولا كلام فيه.
وعلى هذا الخلاف إذا تزوج الحربي بأربع نسوة، ثم سبى وهو وسبين معه؛ أن عند أبي
حنيفة وأبي يوسف: يفرق بينه وبين الكل، سواء تزوجهن في عقدة واحدة أو في عقد متفرقة؛
لأن نكاح الأربع وقع صحيحاً؛ لأنه كان حرّاً وقت النكاح، والحر يملك التزوج بأربع نسوة،
مسلماً كان أو كافراً، إلا أنه تعذر الاستيفاء(٢) بعد الاسترقاق؛ لحصول الجمع من العبد في
حال البقاء بين أكثر من اثنتين، والعبد لا يملك [ذلك](٣) الاستيفاء، فيقع جمعاً بين الكل،
ففرق (٤) بينه وبين الكل، ولا يخير فيه؛ كما إذا تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة - بطل
نكاحهما ولا يخير؛ كذا هذا.
وعند محمد: يخير فيه، فيختار اثنتين منهن؛ كما يخير الحر في أربع نسوة من نسائه،
ولو كان الحربي تزوج أماً وبنتاً، ثم أسلم، فإن كان تزوجهما في عقدة واحدة - فنكاحهما
باطل، وإن كان تزوجهما متفرقاً - فنكاح الأولى جائز، ونكاح الأخرى باطل في قول أبي حنيفة
وأبي يوسف؛ كما قالا في الجمع بين الخمس، والجمع بين الأختين.
وقال محمد: نكاح البنت هو الجائز، سواء تزوجهما في عقدة واحدة أو في عقدتين،
(١) في أ: إحديهما.
(٢) في أ: الاستيقاء.
(٣) سقط في ط.
(٤) في أ: فيفرق.

٥٦٩
كِتَابُ النكاحِ
ونكاح الأم باطل؛ لأن مجرد عقد الأم لا يحرم البنت، وهذا إذا لم يكن دخل بواحدة منهما،
ولو أنه [كان] (١) دخل بهما جميعاً - فنكاحهما جميعاً باطل بالإجماع؛ لأن مجرد الدخول
يوجب التحريم، سواء دخل بالأم أو بالبنت، ولو لم يدخل بالأولى، ولكن دخل بالثانية؛ فإن
كانت الأولى بنتاً، والثانية أماً - فنكاحهما جميعاً باطل بالإجماع؛ لأن نكاح البنت يحرم الأم،
والدخول بالأم يحرم البنت، ولو كان دخل بإحداهما، فإن كان دخل بالأولى، ثم تزوج الثانية
- فنكاح الأولى جائز، ونكاح الثانية باطل بالإجماع.
ولو تزوج الأم أولاً ولم يدخل بها، ثم تزوج البنت ودخل بها - فنكاحهما جميعاً باطل
في قول أبي حنيفة [وأبي يوسف، إلا أنه يحل له أن يتزوج](٢) بالبنت، ولا يحل له أن يتزوج
بالأم، وعند محمد: نكاح البنت هو الجائز، وقد دخل بها وهي امرأته، ونكاح الأم باطل.
والله أعلم.
فصل في شرائط اللزوم في النكاح
وأما شرائط اللزوم: فنوعان في الأصل: نوع هو شرط وقوع النكاح لازماً، ونوع هو
شرط بقائه على اللزوم.
أما الأول فأنواع: منها أن يكون الولي في إنكاح الصغير والصغيرة هو الأب أو الجد،
فإن كان غير الأب والجد من الأولياء؛ كالأخ، والعم ـ لا يلزم النكاح حتى يثبت لهما الخيار
بعد البلوغ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وعند أبي يوسف: هذا ليس بشرط، ويلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء، حتى لا
یثبت لهما الخيار.
وجه قول أبي يوسف: أن هذا النكاح صدر من ولي(٣) فيلزم؛ كما إذا صدر عن الأب
والجد؛ وهذا لأن ولاية الإنكاح ولاية نظر في حق المولى عليه، فيدل ثبوتها على حصول
النظر، وهذا يمنع ثبوت الخيار؛ لأن الخيار لو ثبت إنما يثبت لنفي الضرر ولا ضرر، فلا يثبت
الخيار؛ ولهذا لم يثبت في نكاح الأب والجد؛ كذا هذا.
وَلَهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ بِنْتَ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ - رَضِيَ الله تعالى عَنْهُ - فَخَيََّهَا رَسُولُ اللهِ وَ بَعْدَ الْبُلُوعِ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، حَتَّى رُوِيَ أَنَّ
(١) سقط في أ.
(٢) في أ :... وأبي يوسف أنه لا يحل له أن يتزوج .. الخ.
(٣) في أ: عن الولي.

٥٧٠
كِتَابُ النَّاحِ
١٤٦ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنهما - قَالَ: ((إِنَّهَا انْتُزِعَتْ مِنِّي بَعْدَمَا مَلَكْتُهَا)) وهذا نص في
الباب؛ ولأن أصل القرابة إن كان يدل على أصل النظر؛ لكونه دليلاً على أصل الشفقة،
فقصورها يدل على قصور النظر؛ لقصور الشفقة بسبب بعد القرابة، فيجب اعتبار أصل القرابة
بإثبات أصل الولاية، واعتبار القصود بإثبات الخيار تكميلاً للنظر، وتوفيراً في حق الصغير
بتلافي التقصير لو وقع، ولا يتوهم التقصير في إنكاح الأب والجد؛ لوفور شفقتهما؛ لذلك لزم
إنكاحهما، ولم يلزم إنكاح الأخ والعم على أن القياس في إنكاح الأب [والجد](١) ألا يلزم،
إلا أنهم استحسنوا في ذلك؛ لما روي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَمَّا تَزَوَّجَ عَائِشَةَ - رضي الله تعالى
عنها - وَبَلَغَتْ - لم يُعْلِمْهَا بِالْخِيَارِ بَعْدَ الْبُلُوغ، ولو كان الخيار ثابتاً لها، وذلك حقها - لأعلمها
به، وهل يلزم إذا زوجها الحاكم - ذكر في الأصل ما يدل على أنه لا يلزم؛ فإنه قال: إذا
زوجها غير الأب والجد فلهما(٢) الخيار، والحاكم غير الأب والجد، هكذا قول محمد - رحمه
الله: أن لها الخيار. وروى خالد بن صبيح المروزي عن أبي حنيفة؛ أنه لا خيار لها.
وجه هذه الرواية أن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم؛ لأنه يملك التصرف في
النفس والمال جميعاً، فكانت ولايته شبيهة بولاية الأب والجد، وولايتهما ملزمة؛ كذلك ولاية
الحاكم.
وجه رواية الأصل: أن ولاية الأخ والعم أقوى من ولاية الحاكم؛ بدليل أنهما يتقدمان
عليه، حتى لا يزوج الحاكم مع وجودهما، ثم ولايتهما غير ملزمة فولاية الحاكم أولى. وإذا
ثبت الخيار لكل واحد منهما، وهو اختيار النكاح أو الفرقة - فيقع الكلام بعد هذا في
موضعین :
أحدهما: في بيان وقت ثبوت الخيار.
والثاني: في بيان ما يبطل به الخيار.
أما الأول: فالخيار يثبت بعد البلوغ لا قبله، حتى لو رضيت بالنكاح قبل البلوغ لا
يعتبر، ويثبت(٣) الخيار بعد البلوغ؛ لأن أهلية الرضا تثبت بعد البلوغ لا قبله، فيثبت الخيار
بعد البلوغ لا قبله.
وأما الثاني: فما يبطل به الخيار نوعان: نص ودلالة. أما النص فهو صريح الرضا
بالنكاح؛ نحو أن تقول: رضيت بالنكاح أو اخترت (٤) النكاح، أو أجزته، وما يجري هذا
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: فلها.
(٣) في أ: ويثبت له.
(٤) في ط: واخترت.

٥٧١
كِتَابُ النَّاحِ
المجرى؛ فيبطل خيار الفرقة ويلزم النكاح. وأما الدلالة: فنحو السكوت من البكر عقيب
البلوغ؛ لأن سكوت البكر دليل الرضا بالنكاح؛ لما ذكرنا فيما تقدم أن البكر لغلبة حيائها
تستحي عن إظهار الرضا بالنكاح.
فأما سكوت الثيب: فإن كان وطئها قبل البلوغ، فبلغت وهي ثيب، فسكتت عقيب البلوغ
- فلا يبطل به الخيار؛ لأنها لا تستحي عن إظهار الرضا بالنكاح عادة؛ لأن بالثيابة قل حياؤها،
فلا يصح سكوتها دليلاً على الرضا بالنكاح؛ فلا يبطل خيارها إلا بصريح الرضا بالنكاح، أو
بفعل أو بقول يدل على الرضا نحو التمكين من الوطء، وطلب المهر والنفقة، وغير ذلك.
وكذا سكوت الغلام بعد(١) البلوغ؛ لأن الغلام لا يستحي عن إظهار الرضا بالنكاح؛ إذ
ذاك دليل الرجولية، فلا يسقط خياره إلا بنص كلامه، أو بما يدل على الرضا بالنكاح من
الدخول بها، وطلب التمكن منها، وإدرار النفقة عليها، ونحو ذلك. ثم العلم بالنكاح شرط
بطلان الخيار من طريق الدلالة، حتى لو لم تكن عالمة بالنكاح - لا يبطل الخيار؛ لأن بطلان
الخيار لوجود الرضا منها دلالة، والرضا بالشيء قبل العلم به لا يتصور؛ إذ هو استحسان
الشيء، ومن لم يعلم بشيء كيف يستحسنه، فإذا كانت عالمة بالنكاح، ووجد منها دليل الرضا
بالنكاح - بطل خيارها، ولا يمتد هذا الخيار إلى آخر المجلس، بل يبطل بالسكوت من البكر.
بخلاف خيار العتق، وخيار المخيرة؛ لأن التخيير هناك وجد من العبد، وهو الزوج أو
المولى، أما في الزوج فظاهر، وكذا في المولى؛ لأن الخيار يثبت بالعتق، والعتق حصل
بإعتاقه، والتخيير من العبد تمليك، فيقتضي جواباً في المجلس، فيمتد إلى آخر المجلس؛
كخيار القبول في البيع، بخلاف خيار البلوغ؛ لأنه ما ثبت بصنع العبد، بل بإثبات الشرع فلم
يكن تمليكاً؛ فلا يمتد إلى آخر (٢) المجلس، وإن لم تكن عالمة بالنكاح - فلها الخيار حين (٣)
تعلم بالنكاح.
ثم خيار البلوغ يثبت للذكر والأنثى، وخيار العتق لا يثبت إلا للمعتقة؛ لأن خيار البلوغ
يثبت لقصور الولاية، وذا لا يختلف بالذكورة والأنوثة، وخيار العتق ثبت لزيادة الملك عليها
بالعتق وذا يختص بها، وكذا خيار البلوغ للذكر والأنثى إذا كانت الأنثى ثيباً، لا يبطل بالقيام/ ٤٦ب
عن المجلس، وخيار العتق والمخيرة يبطل، والفرق على نحو ما ذكرنا [بين] (٤) خيار البكر
و[بين](٥) خيار العتق، وخيار المخيرة أن الأول يبطل بالسكوت، والثاني لا يبطل.
(١) في أ: عقيب.
(٣) في أ: حتى.
(٥) سقط في ط .
(٢) في أ: خيار.
(٤) في ط: من.

٥٧٢
كِتَابُ النكاحِ
وأما العلم بالخيار: فليس بشرط، والجهل به ليس بعذر؛ لأن دار الإسلام دار العلم
بالشرائع، فيمكن الوصول إليها بالتعلم، فكان الجهل بالخيار في غير موضعه فلا يعتبر(١)؛
ولهذا لا يعذر العوام في دار الإسلام بجهلهم بالشرائع، بخلاف خيار العتق؛ فإن العلم بالخيار
هناك شرط، والجهل به عذر.
وإن كان دار الإسلام دار العلم بالشرائع والأحكام؛ لأن الوصول إليها ليس من طريق
الضرورة، بل بواسطة التعلم، والأمة لا تتمكن من التعلم؛ لأنها لا تتفرغ لذلك؛ لاشتغالها
بخدمة مولاها، بخلاف الحرة.
ثم إذا اختار أحدهما الفرقة، فهذه الفرقة لا تثبت إلا بقضاء القاضي، بخلاف خيار
العتق؛ فإن المعتقة إذا اختارت نفسها تثبت الفرقة بغير قضاء القاضي.
i
وجه الفرق أن أصل النكاح لههنا ثابت وحكمه نافذ، وإنما الغائب وصف الكمال وهو
صفة اللزوم، فكان الفسخ من أحد الزوجين رفع الأصل بفوات الوصف، وفوات الوصف لا
يوجب رفع الأصل؛ لما فيه من جعل الأصل تبعاً للوصف، وليس له هذه الولاية، وبه حاجة
إلى ذلك، فلا بد من رفعه إلى من له الولاية العامة، وهو القاضي؛ ليرفع النكاح؛ دفعاً لحاجة
الصغير الذي بلغ ونظراً له .
بخلاف خيار العتق؛ لأن الملك ازداد عليها بالعتق، ولها ألا ترضى بالزيادة، فكان لها
أن تدفع الزيادة، ولا يمكن دفعها إلا باندفاع ما كان ثابتاً، فيندفع الثابت ضرورة دفع الزيادة
وهذا يمكن؛ إذ ليس بعض الملك تابعاً لبعض، فلا تقع الحاجة إلى قضاء القاضي، ونظير
الفصلين الرد بالعيب قبل القبض وبعده؛ أن الأول يثبت بدون قضاء القاضي، والثاني لا يثبت
عند عدم التراضي منهما إلا بقضاء القاضي، والله - عز وجل - أعلم.
ولو زوج ابنته ابن أخيه - فلا خيار لها بالإجماع؛ لأن النكاح صدر عن الأب، وأما ابن
الأخ فله الخيار في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لصدور النكاح عن العم. وعند أبي يوسف: لا
خيار له، والمسألة قد مرت. ولو أعتق أمته، ثم زوجها وهي صغيرة - فلها خيار البلوغ؛ لأن
ولاية الولاء دون ولاية القرابة، فلما ثبت الخيار ثمة؛ فلأن يثبت ههنا أولى. ولو زوجها ثم
أعتقها وهي صغيرة - فلها إذا بلغت خيار العتق لا خيار البلوغ؛ لأن النكاح صادفها وهي
رقيقة .
(١) في أ: يعذر.

٥٧٣
كِتَابُ النَّاحِ
فصل
ومنها: كفاءة الزوج في إنكاح المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها، من غير رضا الأولياء
بمهر مثلها، فيقع الكلام في هذا الشرط في أربعة مواضع:
أحدها: في بيان أن الكفاءة في باب النكاح هل هي شرط لزوم النكاح في الجملة أم لا،
والثاني: في بيان النكاح الذي الكفاءة من شرط لزومه، والثالث: في بيان ما تعتبر فيه الكفاءة،
والرابع: في بيان من يعتبر له الكفاءة.
أما الأول: فقد قال عامة العلماء: إنها شرط، وقال الكرخي: ليست بشرط أصلاً، وهو
قول مالك، وسفيان الثوري، والحسن البصري، واحتجوا بما روي أَنَّ أَبَا طِيبَةً خَطَبَ إِلَى بَنِي
بَيَاضَةَ، فَأَبُوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَنْكِحُوا أَبَا طِيبَةَ، إِنْ لاَ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي
الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)).
وروي أن بِلاَلاً - رضي الله تعالى عنه - خَطَبَ إِلَى قَوْم مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ،
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قُلْ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي)) أمرهم رسولُ
الله ◌َّ بالتزويج عند عدم الكفاءة، ولو كانت معتبرة لما أمر؛ لأن التزويج من غير كفء غير
مأمور به، وقال رَّ: ((لَيْسَ لِعَرَبِيٌّ عَلَى عَجَمِيْ فَضْلٌ إِلاَّ بِالتَّقْوَى))(١)، وهذا نص، ولأن
الكفاءة لو كانت معتبرة في الشرع - لكان أولى الأبواب بالاعتبار بها باب الدماء؛ لأنه يحتاط
فيه ما لا يحتاط في سائر الأبواب، ومع هذا لم يعتبر، حتى يقتل الشريف بالوضيع؛ فههنا
أولى، والدليل عليه أنها لم تعتبر في جانب المرأة؛ فكذا في جانب الزوج.
ولنا ما روي عن رسول الله وَلَ؛ أنه قال: ((لاَ يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إِلَّ الأَوْلِيَاءُ، وَلاَ يُزَوَّجْنَ إِلاَّ
مِنَ الأَكْفَاءِ، وَلاَ مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ))(٢)؛ ولأن مصالح النكاح تختل عند عدم الكفاءة؛
لأنها لا تحصل إلا بالاستفراش، والمرأة/ تستنكف عن استفراش غير الكفء، وتعير بذلك ٢٤٧
فتختل المصالح، ولأن الزوجين يجري بينهما مباسطات في النكاح، لا يبقى النكاح بدون
تحملها عادة، والتحمل من غير الكفء أمر صعب يثقل على الطباع السليمة، فلا يدوم النكاح
مع عدم الكفاءة فلزم اعتبارها .
ولا حجة لهم في الحديثين؛ لأن الأمر بالتزويج يحتمل أنه كان ندباً لهم إلى الأفضل،
(١) رواه أحمد في المسند (٤١١/٥) عن رجل من أصحاب رسول الله وَّل وعزاه السيوطي في الدر المنثور
(٩٨/٦) لابن مردويه والبيهقي من حديث جابر.
(٢) تقدم.
:

٥٧٤
كِتَابُ النِّكَاحِ
وهو اختيار(١) الدين، وترك الكفاءة فيما سواه، والاقتصار عليه، وهذا لا يمنع جواز الامتناع،
وعندنا الأفضل اعتبار الدين والاقتصار عليه، ويحتمل أنه كان أمر إيجاب، أمرهم بالتزويج
منهما مع عدم الكفاءة تخصيصاً لهما (٢) بذلك؛ كما خص أبا طيبة بالتمكين من شرب
دمه ◌َّير؛ وخص خزيمة بقبول شهادته وحده، ونحو ذلك، ولا شركة في موضع الخصوصية،
حملنا الحديثين على ما قلنا؛ توفيقاً بين الدلائل.
وأما الحديث الثالث: فالمراد به أحكام الآخرة؛ إذ لا يمكن حمله على أحكام الدنيا؛
لظهور فضل العربي على العجمي في كثير من أحكام الدنيا، فيحمل على أحكام الآخرة وبه
نقول.
والقياس على القصاص غير سديد؛ لأن القصاص شرع لمصلحة الحياة، واعتبار الكفاءة
فيه يؤدي إلى تفويت هذه المصلحة؛ لأن كل أحد (٣) يقصد قتل عدوه الذي لا يكافئه، فتفوت
المصلحة المطلوبة من القصاص، وفي اعتبار الكفاءة في باب النكاح تحقيق المصلحة المطلوبة
من النكاح من الوَجْهِ الذي بَيَّنَّا؛ فبطل الاعتبار، وكذا الاعتبار بجانب المرأة لا يصح أيضاً؛
لأن الرجل لا يستنكف عن استفراش المرأة الدنيئة؛ لأن الاستنكاف عن(٤) المستفرش لا عن
المستفرش، والزوج مستفرش فيستفرش الوطىء والخشن.
فصل في النكاح الذي الكفاءة فيه شرط
وأما الثاني: فالنكاح الذي الكفاءة فيه شرط لزومه هو إنكاح المرأة نفسها [من غير
كفء](٥)، من غير رض الأولياء (لا يلزم] (٦) حتى لو زوجت نفسها من غير كفء من غير رضا
الأولياء لا يلزم، فللأولياء حَقُّ الاعتراض؛ لأن في الكفاءة حقاً للأولياء؛ لأنهم ينتفعون
بذلك؛ ألا ترى أنهم يتفاخرون بعلو نسب الختن، ويتعيرون بدناءة نسبه، فيتضررون بذلك،
فكان لهم أن يدفعوا الضرر عن أنفسهم بالاعتراض؛ كالمشتري إذا باع الشقص المشفوع، ثم
جاء الشفيع - كان له أن يفسخ البيع، ويأخذ المبيع بالشفعة دفعاً للضرر عن نفسه، كذا هذا.
ولو كان التزويج برضاهم يلزم، حتى لا يكون لهم حق الاعتراض؛ لأن التزويج من
المرأة تصرف من الأهل في محل هو خالص حقها وهو نفسها، وامتناع اللزوم كان لحقهم
المتعلق بالكفاءة، فإذا رضوا فقد أسقطوا حق أنفسهم، وهم من أهل الإسقاط، والمحل قابل
للسقوط فيسقط .
(١) في أ: اعتبار.
(٢) في ط: لهم.
(٣) في أ: واحد.
(٤) في أ: من.
(٥) سقط في ط .
(٦) سقط في أ.

٥٧٥
کِتَابُ النكاح
ولو رضي به بعض الأولياء سقط حق الباقين في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي
يوسف: لا يسقط. وجه قوله: إن حقهم في الكفاءة ثبت مشتركاً بين الكل، فإذا رضي به
أحدهم فقد أسقط حق نفسه؛ فلا يسقط حق الباقين؛ كالدين إذا وجب لجماعة فأبرأ بعضهم لا
يسقط حق الباقين لما قلنا. كذا هذا؛ ولأن رضا أحدهم لا يكون أكثر من رضاها، فإن زوجت
نفسها من غير كفء بغير رضاهم - لا يسقط حق الأولياء برضاها؛ فلأن لا يسقط برضى
أحدهم أولى.
ولهما أن هذا حق واحد لا يتجزأ، ثبت بسبب لا يتجزأ وهو القرابة، وإسقاط بعض ما
لا يتجزأ إسقاط لكله؛ لأنه لا بعض له، فإذا أسقطه (١) واحد منهم لا يتصور بقاؤه في حق
الباقين؛ كالقصاص إذا وجب لجماعة، فعفا أحدهم عنه؛ أنه يسقط حق الباقين؛ كذا هذا.
ولأن حقهم في الكفاءة ما ثبت لعينه، بل لدفع الضرر. والتزويج من غير كفء وقع
إضراراً بالأولياء من حيث الظاهر، وهو ضرر عدم الكفاءة، فالظاهر أنه لا يرضى به أحدهما
إلا بعد علمه بمصلحة حقيقية هي أعظم من مصلحة الكفاءة وقف هو عليها، وغفل عنها
الباقون، لولاها لما رضي، وهي دفع ضرر الوقوع في الزنا على تقدير الفسخ.
وأما قوله: الحق ثبت مشتركاً بينهم - فنقول: على الوجه الأول ممنوع، بل ثبت لكل
واحد منهم على الكمال كأن ليس معه غيره؛ لأن ما لا يتجزأ لا يتصور فيه الشركة كحق
القصاص والأمان، بخلاف الدين فإنه يتجزأ، فتتصور فيه الشركة، وبخلاف ما إذا زوجت
نفسها من غير كفء بغير رضا الأولياء؛ لأن هناك ألحق متعدد، فحقها خلاف جنس حقهم؛
لأن حقها في نفسها وفي نفس العقد، ولا حق لهم في نفسها/ ولا في نفس العقد، وإنما ٤٧ ب
حقهم في دفع الشين عن أنفسهم، وإذا اختلف جنس الحق؛ فسقوط أحدهما لا يوجب سقوط
الآخر .
وأما على الوجه الثاني: فمسلم، لكن هذا الحق ما ثبت لعينه، بل لدفع الضرر، وفي
إبقائه لزوم أعلى الضررين فسقط ضرورة، وكذلك الأولياء لو زوجوها من غير كفء برضاها
يلزم النكاح لما قلنا، ولو زوجها أحد الأولياء من غير كفء برضاها من غير رضا الباقين -
يجوز عند عامة العلماء خلافاً لمالك؛ بناء على أن ولاية الإنكاح ولاية مستقلة لكل واحد منهم
عندنا، وعنده ولاية مشتركة، وقد ذكرنا المسألة في شرائط الجواز وهل يلزم، قال أبو حنيفة
ومحمد: يلزم، وقال أبو يوسف وزفر والشافعي: لا يلزم.
(١) في ط: أسقط.

٥٧٦
كِتَابُ النَّاحِ
وجه قولهم على نحو ما ذكرنا فيما تقدم: أن الكفاءة حق ثبت للكل على الشركة، وأحد
الشريكين إذا أسقط حق نفسه لا يسقط حق صاحبه؛ كالدين المشترك.
وجه قولهما إن هذا حق واحد لا يتجزأ، ثبت بسبب لا يتجزأ، ومثل هذا الحق إذا ثبت
لجماعة يثبت لكل واحد منهم على الكمال؛ كأن ليس معه غيره كالقصاص والأمان؛ ولأن
إقدامه على النكاح مع كمال الرأي برضاها مع التزام ضرر ظاهر بالقبيلة وبنفسه، وهو ضرر
عدم الكفاءة بلحوق العار والشين - دليل كونه مصلحة في الباطن، وهو اشتماله على دفع ضرر
أعظم من ضرر عدم الكفاءة، وهو ضرر عار الزنا أو غيره لولاه لما فعل.
وأما إنكاح الأب والجد الصغير والصغيرة - فالكفاءة فيه ليست بشرط للزومه عند أبي
حنيفة؛ كما أنها ليست بشرط الجواز عنده، فيجوز ذلك، ويلزم لصدوره ممن له كمال نظر
لكمال الشفقة، بخلاف إنكاح الأخ والعم من غير الكفء؛ أنه لا يجوز بالإجماع؛ لأنه ضرر
محض على ما بينا في شرائط الجواز، وأما إنكاحهما من الكفء فجائز عندنا خلافاً للشافعي،
لكنه غير لازم في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لازم، والمسألة قد مرت.
فصل فيما تعتبر فيه الكفاءة
وأما الثالث في بيان ما تعتبر فيه الكفاءة: فما تعتبر فيه الكفاءة(١) أشياء منها النسب،
(١) الكفاءة في النكاح - الكفاءة في اللغة المقاربة والمماثلة - وشرعاً - المقاربة والمُماثلة في الدين والحال
والحرية. والمراد بالدين هنا التدين بشرائع الإسلام وعدم الفسق أما المماثلة في مجرد أصل الإسلام بأن
يكون الزوج مسلماً. فهي واجب شرط وليس للمرأة ولا لوليها ترك المكافأة في أصل الإسلام والرضا
بكافر إذ لا تبيح الشريعة للمسلمة أن تتزوج الكافر قال تعالى ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾
والمراد بالحال السلامة من العيوب كالجذام والبرص. والمراد بالحرية أن لا يكون الزوج عبد أو ذلك
لخبر بريرة لما أعتقتها السيدة عائشة - رضي الله عنها - وكانت تحت مغيث وكان عبداً فخيرها رسول
هذه هي الأمور المعتبرة في الكفاءة عند المالكية. وزاد بعض الفقهاء النسب والحسب والمال. والمراد
بالنسب الشرف وبالحسب ما يحسب ويعد من مفاخر الآباء والأمهات - فإذا ساوى الرجل المرأة في الدين
والحال والحرية والنسب والحسب والمال فلا خلاف بين العلماء في كفاءته لها. وأن ساواها في الدين
والحال والحرية فقط فالراجح من مذهب المالكية أنه كفء لها. وذلك لقوله وَير ((إذا جاءكم من ترضون
دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)) وأما المساواة في الحسب والنسب والمال
فالراجح عند المالكية عدم اشتراطها حتى أنهم قالوا إن المولى العتيق وغير الشريف الدنيء في نفسه
كالمسلماني أو في حرفته كالزبال والأقل جاهاً كالجاهل بالنسبة للعالم يكون كفأ للحرة الشريفة ذات المال
والجاه لعدم اشتراط النسب والمال على الأرجح.
وأما غير المالكية فإنهم يشترطون الحسب والصناعة واليسار. فالمولى المعتق وغير الشريف أو صاحب =

٥٧٧
كِتَابُ النّكَاحِ
الصنعة الحقيرة لا يكون كفأ للحرة الشريفة ذات المال والجاه.
=
والآن نبين هل الكفاءة تعتبر شرطاً في صحة النكاح أو لا .
ذهب جمهورُ الفقهاء إلى القول بعدم اشتراط الكفاءة في صحة النكاح، وعليه فينعقد النكاح صحيحاً مع
عدمها .
وذهب سُفيان الثوري إلى القول باشتراط الكفاءة في صحة النكاح، وهو أيضاً رواية عن أحمد.
استدل من اشترط في صحة النكاح الكفاءة بالحديث، والأثر، والمعقول.
أما الحديث: فما روي أن النبي وَلّ قال: ((لا تنكحوا النساء إلا من الأكفاء)). رواه الدارقطني، ووجه
الدلالة من الحديث أن النبي ◌َّ نهى عن إنكاح النساء لغير الأكفاء، والنهي يدل على فساد المنهي عنه،
وعليه إذا زوجت المرأة من غير كفء كان النكاح فاسداً.
وأما الأثر: فأولاً ما روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ((لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا
من الأكفاء». وهذا دليل على أن غير الكفء لا يصح له أن يتزوج ذات الحسب، وثانياً: ما روي عن أبي
إسحاق الهمذاني قال: خرج سلمان، وجرير في سفر، فأقيمت الصلاة فقال جرير لسلمان: تقدم أنت،
فقال سلمان: بل أنت تقدم، فإنكم معشر العرب لا يتقدم عليكم في صلاتكم، ولا تنكح نساؤكم، إن الله
فضلكم علينا بمحمد رَّ، وجعله فيكم. وهذا صريح في أن غير العرب لا ينكح العربية، ذلك لعدم
الكفاءة. فدل ذلك على أن الكفاءة شرط في صحة النكاح.
وأما المعقول، فقد قالوا: إن التزويج مع فقد الكفاءة تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذن،
فلم يصح كما لو زوجها بغير إذنها .
وقد نوقشت هذه الأدلة بما يأتي :
أما الحديث فقد قيل لهم فيه: إنه ضعيف، فسأل ابن عبد البر: إن هذا الحديث ضعيف ولا يحتج بمثله.
وعلى فرض صحته، فإنه لا يدلّ على اشتراط الكفاءة في صحة النكاح؛ لأنه يحمل على معنى أنه لا
ينبغي أن تنكح النساء إلا من الأكفاء؛ قطعاً لما يحصل من النزاع إذا عدمت الكفاءة. فيكون قصده الي
إرشاد الناس للأولى. ومما يؤيد ذلك أمره لفاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه.
ويقال لهم في أثر عمر؛ إنه لا يدل على اشتراط الكفاءة في صحة النكاح. وأن غاية ما يدل عليه طلب
الكفاءة واعتبارها. يؤيد ذلك أنه روي عنه، وعن جماعة من الصحابة منهم: ابن مسعود؛ أنها ليست
شرطاً في النكاح.
ويقال لهم في الأثر الثاني: إن معناه أيضاً لا ينبغي لغير العربي أن يتقدم على العربي في الصلاة، أو ينكح
العربية، وهذا لا يدلُّ على فساد النكاح.
ويقال لهم في المعقول: إنه ليس في التزويج مع فقد الكفاءة تصرف في حق الغير، فإن العبرة بمن وجد
من الأولياء في وقت العقد ولا عبرة بمن يحدث بعد. وأما الجمهور فقد استدلّوا على عدم اشتراط
الكفاءة في صحة النكاح بالأثر، والمعقول.
أما الأثر: فما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: إن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنى سالماً،
وأنكحه ابنة أخيه هند ابنة الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار أخرجه البخاري، فلو كانت
الكفاءة شرطاً في صحة النكاح لما تركها حذيفة.
وأما المعقول فقد قالوا: إن الكفاءة حق للمرأة، أو للأولياء، أولهما، فلا يشترط وجودها في صحة =
بدائع الصنائع ج٣ - م٣٧

٥٧٨
كِتَابُ النِّكاح
والأصل فيه قول النَّبِيِّ بَّهِ: ((قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضِ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ؛ حَيٍّ
بِحَيٍّ وَقَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَغْضِ [َرَّجُلٌ بِرَجُلٍ]))(١)؛ لأن التفاخر والتعبير
يقعان بالأنساب، فتلحق النقيصة بدناءة النسب، فتعتبر فيه الكفاءة، فقريش بعضهم أكفاء
لبعض] على اختلاف قبائلهم حتى يكون القرشي -: الذي ليس بها شمي؛ كالتيمي،
والأموي، والعدوي، ونحو ذلك كفأ للهاشمي؛ لقوله وَلجر: ((قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ))،
وَقُرَيْشٌ تَشْتملُ على بني هاشم، والعرب بعضهم أكفاء لبعض بالنص، ولا تكون العرب كفأ
لقريش لفضيلة قريش على سائر العرب؛ ولذلك اختصت الإمامة بهم.
قال النبي ◌َِّ: ((الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ))(٢)، بخلاف القرشي أنه يصلح كفأ للهاشمي، وإن
=
النكاح كالسلامة من العيوب.
يتبين لنا من بيان أدلة الجمهور، ومناقشة أدلة المخالفين رجحان مذهب الجمهور من أن الكفاءة لا تشترط
في صحة النكاح، وأن النكاح ينعقد صحيحاً بدونها. وإن كان ما ورد فيها من الآثار يدلُّ على اعتبارها في
الجملة، ولا يلزم من ذلك اشتراطُها لصحة النكاح. يؤيد ذلك أن المرأة التي رفعت للنبي وَ # أن أباها
زوَّجها من غير كفء، خيرها رسول الله وَّهور، ولم يبطل نكاحها من أصله، ولو كانت الكفاءةُ شرطاً في
صحة النكاح لأبطله النبي وَله.
(١) انظر السابق.
ورد هذا الحديث من حديث أنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وأبي برزة.
(٢)
- فأما حديث أنس بن مالك:
أخرجه أبو داود الطيالسي (١٦٣/٢ - منحة) رقم (٢٥٩٦) والبزار (٢٢٨/٣ - كشف) رقم (١٥٧٨) وأبو
يعلى (٣٢١/٦) رقم (٣٦٤٤) وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧١/٣) والبيهقي (١٤٤/٨) كتاب قتال أهل
البغي: باب الأئمة من قريش، كلهم من طريق ابراهيم بن سعد عن أبيه عن أنس قال: قال رسول
الله ◌َله: الأئمة من قريش إذا حكموا فعدلوا وإذا عاهدوا فوفوا وإذا استرحموا فرحموا.
وقال أبو نعيم: هذا حديث مشهور ثابت من حديث أنس.
وقال الحافظ في ((تخريج أحاديث المختصر)) (٤٧٤/١): هذا حديث حسن ا. هـ.
- وللحديث طرق أخرى عن أنس :
فأخرجه أحمد (١٨٣/٣) وابن أبي عاصم في (السنة)) (١١٢٠) من طريق الأعمش عن سهل أبي الأسد
عن بكير بن وهب الجزري عن أنس به.
وأخرجه أحمد (١٢٩/٣) والنسائي في ((الكبرى)) (٤٦٧/٣ - ٤٦٨) كتاب القضاء: باب الأئمة من قريش
حديث (٥٩٤٢) من طريق شعبة عن علي أبي الأسد ثنا بكير بن وهب الجزري عن أنس به وقد اختلف
في اسم أبي الأسد وقد رجح أبو حاتم الرازي أن اسمه سهل.
فقال ولده في ((العلل)» (٤٣٠/٢ - ٤٣١): سألت أبي عن حديث رواه أبو الجواب الأحوص بن جواب
عن عمار بن رزيق عن الأعمش عن سهل بن بكير الجزري عن أنس بن مالك عن النبي وَّر أنه قال:
الأئمة من قريش ... فسمعت أبي يقول إنما هو الأعمش عن سهل أبي الأسد عن بكير الجزري عن أنس
عن النبي ◌َّ ا. هـ.
=

٥٧٩
كِتَابُ النَّاحِ
كان للهاشمي من الفضيلة ما ليس للقرشي، لكن الشرع أسقط اعتبار تلك الفضيلة في باب
النكاح، عرفنا ذلك بفعل رسول الله وَّيهر وإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فإنه روي
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٥٢/١) رقم (٧٢٥) من طريق ابن جريج عن حبيب بن أبي ثابت عن
=
أنس بن مالك به.
وأخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (٨/٥) من طريق حماد بن أحمد بن حماد بن أبي رجاء المروزوي قال:
وجدت في كتاب جدي حماد بن أبي رجاء السلمي بخطه عن أبي حمزة السكري عن محمد بن سوقة عن
أنس به.
قال أبو نعيم غريب من حديث محمد تفرد به حماد موجوداً في كتاب جده.
وأخرجه الحاكم (٥٠١/٤) من طريق الصعق بن حزن ثنا علي بن الحكم عن أنس مرفوعاً بلفظ: الأمراء
من قریش.
وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وأخرجه البزار (١٥٧٩) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس بلفظ: الملك في قريش.
والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٩٥/٥) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
أتم منهما والبزار إلا أنه قال: الملك في قريش ورجال أحمد ثقات.
- وأما حديث علي:
أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (١٥٢/١) وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٤٢/٧) والحاكم (٤ /٧٥ - ٧٦) من
طريق فيض بن الفضل ثنا مسعر بن كدام عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجذ عن
علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله بَّلتر: الأئمة من قريش ...
قال الطبراني: لم يروه عن مسعر إلا فيض.
وسكت عنه الحاكم والذهبي لكن قال المناوي في ((فيض القدير)» (١٩٠/٣) قال الحاكم صحيح وتعقبه
الذهبي فقال: حديث منكر وقال ابن حجر رحمه الله حديث حسن ا. هـ.
وتحسين ابن حجر للحديث وقع في كتابه ((تخريج المختصر)) (٤٧٢/١) وزاد نسبته إلى البزار والهيثم بن
كليب في مسنده.
وقال في ((التلخيص)) (٤٢/٤): واختلف في وقفه ورفعه ورجح الدارقطني في ((العلل)) الموقوف. ا. هـ.
- حديث أبي برزة الأسلمي:
أخرجه أبو داود الطيالسي (١٦٣/٢ - منحة) رقم (٢٥٩٧) وأحمد (٤٢١/٤، ٤٢٤) وابن أبي عاصم في
((السنة)) (٥٣٣/٢) رقم (١١٢٥) من طريق سكين بن عبد العزيز عن أبي المنهال عن أبي برزة قال: قال
رسول الله وَالقر: الأئمة من قريش.
قال ابن كثير في ((تحفة الطالب)) (ص - ٢٤٩): سكين بن عبد العزيز هذا وثقه وكيع وابن معين، وقال
أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي،
ولكن الحديث يقوى لأن له سندين جيدين ا. هـ.
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٩٦/٥): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح
خلا سكين بن عبد العزيز وهو ثقة.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (٤٢/٤): إسناده حسن وحسنه أيضاً في ((تخريج أحاديث المختصر)) (١/
٤٧٣) .

٥٨٠
كِتَابُ النكاحِ
أن رسول الله وَ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ عُثْمَانَ - رضي الله تعالى عنه - وَكَانَ أُمَوِيًّا لاَ هَاشِمِيّاً، وَزَوَّجَ
عَلِيٍّ - رضي الله تعالى عنه - ابْتَتَهُ مِنْ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنه - وَلَمْ يَكُنُ هَاشِمِيّاً بَلْ عَدَوِيّاً.
فدل أن الكفاءة في قريش لا تختص ببطن دون بطن، واستثنى محمد - رضي الله تعالى
عنه - بيت الخلافة، فلم يجعل القرشي الذي ليس بهاشمي كفأ له، ولا تكون الموالي أكفاء
للعرب؛ لفضل العرب على العجم، والموالي بعضهم أكفاء لبعض بالنص، وموالي العرب
أكفاء لموالي قريش؛ لعموم قوله: والموالي بعضهم أكفاء لبعض رجل برجل.
ثم مفاخرة العجم بالإسلام لا بالنسب، ومن له أب واحد في الإسلام لا يكون كفأ لمن
له [أبوان فصاعداً في الإسلام، ومن له أبوان في الإسلام يكون كفأ لمن له] (١) آباء كثيرة في
الإسلام؛ لأن تمام التعريف بالجد والزيادة على ذلك لا نهاية لها، وقيل: هذا إذا كان في
موضع قد طال عهد الإسلام وامتد، فأما إذا كان في موضع كان عهد الإسلام قريباً، بحيث لا
يعير بذلك، ولا يعد عيباً - يكون بعضهم كفأ لبعضهم؛ لأن التعبير إذا لم يجز(٢) بذلك ولم
يعد عيباً - لم يلحق الشين والنقيصة؛ فلا يتحقق الضرر.
فصل في شرط الحرية في الكفاءة
ومنها الحرية؛ لأن النقص والشين بالرق فوق النقص والشين بدناءة النسب؛ فلا يكون
القن والمدبر والمكاتب كفأ للحرة بحال، ولا يكون مولى العتاقة كفأ لحرة الأصل، ويكون كفأ
١٤٨ لمثله؛ لأن التفاخر يقع بالحرية الأصلية، والتعبير يجري في الحرية لا يكون كفأ لمن له/ أبوان
فصاعداً في الحرية، ومن له أبوان في الحرية [لا يكون] كفأ لمن له آباء كثيرة في الحرية؛ كما
في إسلام الآباء؛ لأن أصل التعريف بالأب وتمامه بالجد، وليس وراء التمام شيء، وكذا مولى
الوضيع لا يكون كفأ لمولاة الشريف، حتى لا يكون مولى العرب كفأ لمولاة بني هاشم، حتى
لو زوجت مولاة بني هاشم نفسها من مولى العرب - كان لمعتقها حق الاعتراض، لأن الولاء
بمنزلة النسب، قال النبي ◌َّ: ((الْوَلاَءُ لُخْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ))(٣) والله أعلم.
فصل في شرط المال في الكفاءة
ومنها المال، فلا يكون الفقير كفأ للغنية؛ لأن التفاخر بالمال أكثر من التفاخر بغيره
عادة، وخصوصاً في زماننا هذا؛ ولأن للنكاح تعلقاً بالمهر والنفقة تعلقاً لازماً، فإنه لا يجوز
(١) سقط في ط.
(٣) تقدم.
(٢) في ط: يجبر.