النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كِتَابُ النّكَاحِ
على نكاح حضراه فقط لا تقبل شهادتهما؛ لأن هذه شهادة على نكاح فاسد عنده، وإن شهدا
على أنهما حضراه، ومعهما رجلان مسلمان - لا تقبل أيضاً؛ لأن هذه إن كانت شهادة الكافر
على الكافر، لكن فيها إثبات فعل المسلم؛ فيكون شهادة [المسلم](١) على مسلم، فلا تقبل
كمسلم ادعى عبداً في يد ذمي، فجحد الذمي دعوى المسلم، وزعم أن العبد عبده، فأقام
المسلم شاهدين ذميين على أن العبد عبده، وقضى له به على هذا الذمي قاضٍ - فلا تقبل
شهادتهما، [وإن كانت هذه](٢) شهادة الكافر على الكافر، لكن لما كان فيها إثبات فعل المسلم
بشهادة الكافر، وهو قضاء القاضي لم تقبل؛ كذا هذا.
وجه الكلام لأبي حنيفة وأبي يوسف على نحو ما ذكرنا في جانب الانعقاد(٣)؛ أن
الشهادة من باب (٤) الولاية، وللكافر ولاية على الكافر، ولو كان الشاهدان وقت التحمل
كافرين، ووقت الأداء مسلمين، فشهدا للزوج - فعلى أصلهما: لا يشكل أنه تقبل شهادتهما؛
لأنهما لو كانا في الوقتين جميعاً كافرين تقبل؛ فههنا أولى.
واختلف المشايخ على أصل محمد، قال بعضهم: تقبل، وقال بعضهم: لا تقبل، [فمن
قال: تقبل نظر إلى وقت الأداء، ومن قال: لا تقبل نظر إلى وقت التحمل](٥).
فصل في سماع الشاهدين
ومنها: سماع الشاهدين كلام المتعاقدين(٦) جميعاً، حتى لو سمعا كلام أحدهما دون
الآخر، أو سمع أحدهما كلام أحدهما، والآخر كلام الآخر - لا يجوز النكاح؛ لأن الشهادة -
أعني: حضور الشهود - شرط ركن العقد، وركن العقد هو الإيجاب والقبول فما (٧) لم يسمعا
كلامهما لا تتحقق الشهادة عند الركن، فلا يوجد شرط الركن، والله أعلم.
فصل في شرط الشهود
ومنها: العدد، فلا ينعقد النكاح بشاهد واحد لقوله وَلثر: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِشُهُودٍ))(٨)،
(١) سقط في ط .
(٢) في ط: وإن كان هذا.
(٣) في ط: الاعتقاد.
(٤) في أ: جانب.
(٥) سقط في: أ.
(٦) في أ: العاقدين.
(٨) تقدم تخريجه.
(٧) في ط: والقبول فيما.
بدائع الصنائع ج٣ - م٢٦

٤٠٢
كِتَابُ النَّاحِ
وقوله: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنٍ))(١)، وأما عدالة الشاهد، فليست بشرط لانعقاد النكاح عندنا،
فينعقد [النكاح](٢) بحضور الفاسقين، وعند الشافعي: شرط، ولا ينعقد إلا بحضور من ظاهره
العدالة(٣).
واحتج بما روي عن رَسُولِ اللهِوََّ، أنه قال: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ)) (٤)؛
ولأن الشهادة خبر يرجح فيه جانب الصدق على جانب الكذب، والرجحان إنما يثبت بالعدالة.
ولنا: أن عمومات النكاح مطلقة عن شرط، ثم اشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع
(١) انظر: الحديث السابق.
(٢) سقط في ط.
(٣) يرى بعض الفقهاء ممن يشترطون في صحة النكاح الإشهاد أن النكاح يصح إذا شهد على العقد شهود غير
عدول، وإلى هذا ذهب الحنفية فقد قالوا: يصح النكاح بشهادة الفاسقين، وهو رواية عن أحمد وذهب
الشافعية، والمالكية إلى القول بأن النكاح لا يصح بشهادة الفاسقين، وهو رواية عن أحمد. استدل
الحنفية، ومن وافقهم بالمعقول - فقالوا إن الفاسق من أهل الولاية، فيكون من أهل الشهادة، أما كونه من
أهل الولاية، فلأنه يزوج نفسه وعبده وأمته وابنته، ويقر بما يتعلق بنفسه من القتل. وإذا ثبت أنه من أهل
الولاية ثبت كونه من أهل الشهادة، لأن الشهادة من باب الولاية.
ويرد هذا الدليل بأننا لا نسلم أن كل من كان من أهل الولاية يكون من أهل الشهادة، لأن ذلك في الولاية
التامة، والفاسق ولايته قاصرة، فلا يكون أهلاً للشهادة، إذ الشهادة متعدية إلى غيره فلا يكون أهلاً لها.
وأيضاً فهو معقول في مقابلة النص، فلا ينهض الاحتجاج به. وأما الشافعية، والمالكية، ومن وافقهم فقد
استدلُّوا بالكتاب، والسنة، والمعقول أما الكتاب فقول الله تبارك وتعالى: ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم)،
ووجه الدلالة من الآية. أن الله تعالى أمر بإشهاد العدل، والفاسق غير عدل، فلا تقبل شهادته في النكاح
وغيره.
وأما السنة: فما روي أن النبي - وَلَّ - قال: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ))، مع غيره من الأحاديث
القاضية باشتراط العدالة في الشهود. وأما المعقول: فأولاً: قالوا: إن الشهادة خبر يرجح فيه جانب
الصدق على جانب الكذب والرحمان إنما يثبت بالعدالة.
وثانياً: قالوا: إن الشهادة شرطت لإظهار خطر النكاح، تكرمة له وتعظيماً والفكر من أهل الإهانة فلا
تكرمة ولا تعظيم للعقد بإحضاره.
وعليه فالراجح مذهب الشافعية والمالكية ومن وافقهم، وهو فساد النكاح بشهادة الفاسقين، للأحاديث
الواردة في الشهادة، فإنها اشترطت العدالة. وهي وإن كانت ضعيفة، إلا أنها قد تفوت بكثرتها.
هذا كله في النكاح بشهادة ظاهرة الفسق. أما النكاح بشهادة مستوري الحال، فقد اتفق الحنفية،
والشافعية، والحنابلة على صحته. وهذا من باب التخفيف على الناس، لأن النكاح يكون في المدن
والقرى وفي البادية، وفي الناس من لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق على الناس، ولذلك اكتفى
بظاهر الحال، وكون الشاهد مستوراً لم نطهر فسقه خصوصاً في هذا الزمن الذي قلَّت فيه العدالة.
(٤) تقدم تخريج الحديث.

٤٠٣
كِتَابُ النَّاحِ
عليها ثبتت بالدليل، فمن ادعى شرط العدالة فعليه البيان؛ ولأن الفسق لا يقدح في ولاية
الإنكاح بنفسه؛ لما ذكرنا في شرائط الولاية (وكذا لا يقدح في ولاية القبول بنفسه فلا يقدح في
الشهادة](١)، وكذا يجوز للحاكم الحكم بشهادته في الجملة، ولو حكم لا ينقض حكمه؛ لأنه
محل الاجتهاد، فكان من أهل تحمل الشهادة، والفسق لا يقدح في أهلية التحمل، وإنما يقدح
في الأداء، فيظهر أثره في الأداء لا في الانعقاد، وقد ظهر، حتى لا يجب على القاضي للقضاء
بشهادته، ولا يجوز أيضاً إلا إذا تحرى القاضي الصدق في شهادته، وكذا كون الشاهد غير
محدود في القذف ليس بشرط لانعقاد النكاح، فينعقد بحضور المحدود في القذف، غير أنه إن
كان قد تاب بعدما حد ينعقد النكاح بالإجماع، وإن كان لم يتب لا تقبل شهادته عندنا على
التأبيد، خلافاً للشافعي؛ لأن كونه مردود الشهادة على التأبيد يقدح في الأداء لا في التحمل؛
ولأنه يصلح ولياً في النكاح بولاية نفسه، ويصح القبول منه بنفسه، ويجوز القضاء بشهادته في
الجملة، فينعقد النكاح بحضوره وإن حد ولم يتب، أو لم يتب ولم يحد - ينعقد عندنا خلافاً
للشافعي، وهي مسألة شهادة الفاسق.
وكذا بصر الشاهد ليس بشرط، فينعقد النكاح بحضور الأعمى لما ذكرنا؛ ولأن العمى لا
يقدح إلا في الأداء؛ لتعذر التمييز بين المشهود/ عليه وبين المشهود له؛ ألا ترى أنه لا يقدح ١١٥
في ولاية الإنكاح، ولا في قبول النكاح بنفسه، ولا في المنع(٢) من جواز القضاء بشهادته في
الجملة، فكان من أهل أن ينعقد النكاح بحضوره، وكذا ذكورة الشاهدين ليست بشرط عندنا،
وينعقد النكاح بحضور رجل وامرأتين عندنا، وعند الشافعي: شرط، ولا ينعقد إلا بحضور
رجلين، ونذكر المسألة في كتاب الشهادات.
وكذا إسلام الشاهدين ليس بشرط في نكاح الكافرين، فينعقد نكاح الزوجين الكافرين
بشهادة كافرين، وكذا تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، سواء اتفقت مللهم أو
اختلفت، وهذا عندنا، وعند الشافعي: إسلام الشاهد شرط؛ لأنه [لا] (٣) ينعقد نكاح الكافر (٤)
بشهادة الكافر، ولا تقبل شهادتهم أيضاً، والكلام في القبول نذكره في كتاب الشهادات،
ونتكلم لههنا في انعقاد النكاح بشهادته(٥) [فلا يمنع انعقاد نكاح الزوجين الكافرين
بحضوره](٦).
واحتج الشافعي بالمروي عن النبي وَّ؛ أنه قال: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَذْلٍ))،
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: المبيع.
(٤) في أ: الكفار .
(٥) في أ: بشهادة الكفار.
(٣) سقط في ط.
(٦) سقط في ط.

٤٠٤
كِتَابُ النّكَاحِ
ولا عدالة مع الكفر؛ لأن الكفر أعظم الظلم وأفحشه، فلا يكون الكافر عدلاً؛ فلا ينعقد
النكاح بحضوره.
ولنا قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِشُهُودٍ))(١)، وقوله: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ
بِشَاهِدَيْنِ))(٢)، والاستثناء من النفي إثبات من حيث الظاهر، والكفر لا يمنع كونه شاهداً لما
ذكرنا، وكذا لا يمنع أن يكون ولياً في النكاح بولاية نفسه، ولا قابلاً للعقد بنفسه، ولا جواز
للقضاء بشهادته في الجملة، وكذا كون شاهد النكاح مقبول الشهادة عليه، ليس بشرط لانعقاد
النكاح بحضوره، وينعقد النكاح بحضور من لا تقبل شهادته عليه أصلاً؛ كما إذا تزوج امرأة
بشهادة ابنيه منها، وهذا عندنا، وعند الشافعي: لا ينعقد.
وجه قوله: إن الشهادة في باب النكاح للحاجة إلى صيانته عن الجحود والإنكار،
والصيانة لا تحصل إلا بالقبول، فإذا لم يكن مقبول الشهادة لا تحصل الصيانة.
ولنا: أن الشهادة(٣) في النكاح لدفع تهمة الزنا لا لصيانة العقد عن الجحود والإنكار،
والتهمة تندفع بالحضور من غير قبول، على أن معنى الصيانة يحصل بسبب حضورهما، وإن
كان لا تقبل شهادتهما؛ لأن النكاح يظهر ويشتهر بحضورهما، فإذا ظهر واشتهر تقبل الشهادة
فيه بالتسامع؛ فتحصل الصيانة.
وكذا إذا تزوج امرأة بشهادة ابنيه لا منها، أو ابنيها لا منه - يجوز لما قلنا، ثم عند وقوع
الجحود (٤) والإنكار ينظر إن وقعت شهادتهما لواحد من الأبوين لا تقبل، وإن وقعت عليه
تقبل؛ لأن شهادة الابن لأبويه غير مقبولة، وشهادتهما عليه مقبولة.
ولو زوج الأب ابنته من رجل بشهادة ابنيه، وهما أخوا المرأة - فلا يشك أنه يجوز
النكاح، وإذا وقع الجحود بين الزوجين، فإن كان الأب مع الجاحد منهما أيهما كان - تقبل
شهادتهما؛ لأن هذه شهادة على الأب فتقبل، وإن كان الأب مع المدعي منهما أيهما كان - لا
تقبل شهادتهما عند أبي يوسف، وعند محمد: تقبل.
فأبو يوسف: نظر إلى الدعوى والإنكار، فقال: إذا كان الأب مع المنكر فشهادتهما تقع
على الأب؛ فتقبل، وإذا كان مع المدعي فشهادتهما تقع، للأب؛ لأن التزويج كان من الأب
فلا تقبل، ومحمد نظر إلى المنفعة وعدم المنفعة، فقال: إن كان للأب منفعة لا تقبل، سواء
كان مدعياً أو منكراً، وإن لم يكن له منفعة تقبل، ولههنا لا منفعة للأب فتقبل، والصحيح نظر
محمد رحمه الله؛ لأن المانع من القبول هو التهمة، وأنها تنشأ عن النفع.
تقدم تخريج الحديث.
(١)
(٢)
تقدم تخريج الحديث .
(٣) في ط: الاشتهار.
(٤) في ط: الحجر.

٤٠٥
كِتَابُ النّكَاحِ
وكذلك هذا الاختلاف فيما إذا قال رجل لعبده: إن كلمك زيد فأنت حر، ثم قال العبد:
كلمني زيد وأنكر المولى، فشهد للعبد ابنا زيد؛ أن أباهما قد كلمه، والمولى ينكر - تقبل
شهادتهما في قول محمد، سواء كان زيد يدعي الكلام، أو لا يدعي؛ لأنه لا منفعة لزيد في
الكلام .
وعند أبي يوسف - رحمه الله - إن كان زيد يدعي الكلام لا تقبل، وإن كان لا يدعي
تقبل، وكذلك هذا الاختلاف فيمن توكل عن غيره في عقد، ثم شهد أبنا الوكيل على العقد،
فإن كان حقوق العقد لا ترجع إلى العاقد - تقبل شهادتهما عند محمد، سواء ادعى الوكيل أو
لم يدع؛ لأنه ليس فيه منفعة، وعند أبي يوسف: إن كان يدعي لا تقبل، وإن كان منكراً تقبل.
فصل في بيان وقت الشهادة
وأما بيان وقت هذه الشهادة، وهي حضور الشهود، فوقتها وقت وجود ركن العقد، ١٥ب
وهو الإيجاب والقبول لا وقت وجود الإجازة، حتى لو كان العقد موقوفاً على الإجازة،
فحضروا عقد (١) الإجازة، ولم يحضروا عند العقد - لم تجز؛ لأن الشهادة شرط ركن العقد،
فيشترط وجودها عند الركن، والإجازة ليست بركن، بل هي شرط النفاذ في العقد الموقوف،
وعند وجود الإجازة يثبت الحكم بالعقد من حين وجوده، فتعتبر الشهادة في ذلك الوقت، والله
تعالى الموفق .
فصل في المحرمات بالقرابة
ومنها: أن تكون المرأة محللة، وهي ألا تكون محرمة على التأبيد؛ فإن كانت محرمة
على التأبيد فلا يجوز نكاحها؛ لأن الإنكاح إحلال، وإحلال المحرم على التأبيد محال،
والمحرمات على التأبيد ثلاثة أنواع: محرمات بالقرابة، ومحرمات بالمصاهرة، ومحرمات
بالرضاع.
أما النوع الأول: فالمحرمات بالقرابة(٢)
(١) في أ: عند.
(٢) إن قوة النسل تكون على قدر واعية التناسل من الزوجين وهي الشهوة وقالوا إنها ضعيفة بين الأقارب
وسبب هذا أن الشهوة شعور في النفس يزاحمه شعور عواطف القرابة المضاد له فإما أن يضعفه أو يزيله.
وقد قال ((الغزالي)) في ((الإحياء)) إن من الخصال التي يطلب مراعاتها في المرأة ألا تكون من القرابة
القريبة .
قال فإن الولد يخلق ضائناً أو نحيفاً.
=

٤٠٦
كِتَابُ النّكَاحِ
سبع فرق(١): الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات
الأخت، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُّكُمْ
وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ ...
﴾ الآية [النساء: ٢٣].
أخبر الله تعالى عن تحريم هذه المذكورات، فأما أن يعمل بحقيقة هذا الكلام حقيقة،
ويقال بحرمة الأعيان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهي منع الله تعالى الأعيان عن
وقد روى إبراهيم الحربي في ((غريب الحديث)) أن عمر قال: الآل السائب اغتربوا ولا تضووا أي تتزوجوا
=
الغرائب لئلا يجيء أولادكم نحافاً ضعافاً وعللة الغزالي بأن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر
واللمس، وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد دون المعهود الذي دام النظر إليه. فظهر من هذا
أن تزوج الأقارب بعضهم لبعض يكون سبباً لضعف النسل فإذا استمر ربما انقطع. وفي العادة أن الزوجين
يكون بينهما المغاضبة والخشونة التي تسبب عنها الضغائن المفضية إلى قطع الرحم. وقد أمرنا بصلة
الرحم سيما الأم التي يجب أن تخص بمزيد الإكبار وغاية الاحترام. وانظر إلى ما أمر الله بمصاحبة
الوالدين بالأمر بالمعروف وخفض الجناح لهما ولو كانا كافرين حتى إنه نهى عن التأفيف لهما. فلو جاز
النكاح والمرأة تحت إمرة الزوج وطاعته وخدمته مستحقة عليها لأدى ذلك إلى التنافي بين الاحترام من
جهة وخضوعها له، وأيضاً من حكمة تحريم الشارع علينا التزوج بالأقارب التي سنذكرها قريباً.
إن الإنسان جزء أمه وبنته جزء منه وقبيح بالمرء أن يستمتع بجزئه أو يستمتع به جزؤه. فهذا في الحقيقة
استمتاع الإنسان بنفسه فيا لها من شناعة والأخوات وبناتهن وبنات الإخوة أجزأ أبويه فهن مشتركات معه
في الجزئية وكذلك العمات والخالات بالنسبة لأجداده وجداته وعاطفة القرابة يجب صيانتها من كل ما
يصدعها ويوحنها وهي لا تتفق مع رابطة الزوجية لما بينها من التدافع.
لذلك شاءت هداية الله تعالى ورحمته أن يحال بين الإنسان والتزوج بطائفة من النساء لما في التزوج
بإحداهن من المفاسد الكثيرة التي تربو على مصالح الزواج فتضمحل في جانبها وتكون في حكم العدم.
ومن تلك المفاسد الجنابة على عاطفة القرابة والإنسان في أشد الحاجة إليها لصيانة مجتمعه وسلامته من
ذلك نرى أن التحديد الآتي دعت إليه الضرورة محافظة على مصالح الخلق في كل زمان ومكان، وإن
تحديداً وضعه الشارع العليم بأحوال خلقه الحكيم في صنعه لهو منطبق على الحكمة وفيه الخير لنا.
ينظر: نص كلام شيخنا محمد البشير في المحرمات من النساء.
(١) المحرمات بالنسب سبع فرق. الأمهات. البنات. الأخوات. العمات. الخالات. بنات الأخ. بنات
الأخت.
وهذا بناء على أن لفظ الأمهات يشمل الجدات ولفظ البنات يشمل بنات البنات وبنات الأبناء وإلا فتسع
كما سيجيء بعد وقد ذكرن في قوله تعالى: ﴿حُرُّمَتْ عَلَيْكُمْ أمَّهَاتِكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَأَخَوَاتِكُمْ وَعَمَّاتِكُمْ
وَخَالاَتِكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأَخْتِ﴾ .
وسواء أوقعنا التحريم على ذواتهن أم قدرناه مضمراً وهو الاستمتاع أو النكاح فإن الحرمة ثابتة بصريح
الآية والمناسب في هذا المقام تقدير المضمر (وهو التزوج) لأن التحريم لا يقع على الذوات وإنما يقع
على الفعل والمناسب هنا التزوج.
ينظر: نص كلام شيخنا .

٤٠٧
كِتَابُ النّكَاحِ
تصرفنا فيها بإخراجها من أن تكون محلاً لذلك شرعاً، وهو التصرف الذي يعتاد إيقاعه في
جنسها، وهو الاستمتاع والنكاح، وإما أن يضمر فيه الفعل وهو الاستمتاع والنكاح(١) في
تحريم كل واحد منهما تحريم الآخر؛ لأنه إذا حرم الاستمتاع، وهو المقصود بالنكاح - لم يكن
النكاح مفيداً لخلوه عن العاقبة الحميدة، فكان تحريم الاستمتاع تحريماً للنكاح، وإذا حرم
النكاح وأنه شرع وسيلة إلى الاستمتاع، والاستمتاع هو المقصود، فكان تحريم الوسيلة تحريماً
للمقصود بالطريق الأولى.
وإذا عرف هذا فنقول: يحرم على الرجل أمه بنص الكتاب(٢)، وهو قوله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وتحرم عليه جداته من قبل أبيه وأمه، وإن علون -
بدلالة النص، لأن الله تعالى حرم العمات والخالات وهن أولاد الأجداد والجدات، فكانت
الجدات أقرب منهن؛ فكان تحريمهن تحريماً للجدات من طريق الأولى؛ كتحريم التأفيف نصّاً
يكون تحريماً للشتم والضرب دلالة، وعليه إجماع الأمة أيضاً.
(١) في أ: أو النكاح.
(٢) اتفقت كلمة المسلمين قاطبة على أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج أمه وهذا المنع لم يكن خاصاً بشريعة
محمد - ◌ّليو - بل ذلك ثابت من زمن آدم إلى يومنا هذا حتى إنه لم ينقل حل نكاحهن في أي دين من
الأديان.
وأما نكاح الأخوات فنقل أنه كان مباحاً في زمن آدم لضرورة التناسل وبقاء النوع ثم لما كثر النسل وانتفت
الضرورة صار حراماً ثم إن الأم في اللغة. الأصل قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أَمُّ الْكِتَابِ﴾ فكل امرأة رجع
نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو أمك بدرجة أو بدرجات سواء رجعت إليها بذكور أم بإناث فهي
أمك. وقد استدل المسلمون على أن ذلك حرام بالنقل والفعل. أما النقل فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَاتِكُمْ﴾ .
وقال بعضهم إن هذه الآية لا تدل على تحريم نكاح الأمهات وذلك لأن التحريم في الآية أضيف إلى
الأمهات والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال وذلك العقل غير
مذكور في الآية فكما يحتمل أن يكون المراد منه النكاح يحتمل أن يراد منه الأكل أو الجلوس. فإذا
تعين أن يكون المراد منه. النكاح دون غيره. بلا مرجح كان تحكماً وترجيحاً بلا مرجح فيجاب عنه
أولاً. بأن هناك مرجحاً. إذا تقدم قبل هذا قوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَنْكَحُوا مَا نَكَحَ آبَاءُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾
الآية.
فهذه قرينة دالة على أن المراد النكاح. وثانياً أن هذا معلوم من الدين بالضرورة فلا وجه للتنصيص عليه
لأن الأصل في ذلك أن الحرمة أو الإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد الفعل المطلوب منهما في
العرف. وقد ورد على هذه الآية أيضاً أنها ليست نصاً في تحريم الأمهات على سبيل التأبيد فإن القدر
المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبد والمؤقت كأن الله تعالى يقول تارة حرمت عليكم أمهاتكم إلى
الوقت الفلاني فقط وتارة أخرى يقول حرمت عليكم أمهاتكم مؤبداً. وإذا كان القدر المذكور صالحاً لأن
يجعل مورداً للتقسيم لم تكن الآية نصاً في التأبيد فيجاب عنه أولاً بأن التحريم الذي ورد في الآية ورد =

٤٠٨
كِتَابُ النَّاحِ
وتحرم عليه(١) بناته بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] سواء كانت بنته من
النكاح، أو من السفاح؛ لعموم النص.
مطلقاً فينصرف إلى الفرد الكامل منه وهو التأبيد حتى يرد دليل على التأقيت ولا دليل. ثانياً أن من يلاحظ
=
الدليل العقلي الذي سيأتي قريباً وأن ذلك المنع لعلة وأنها لا تزال مستمرة إلى الأبد فهم التأبيد.
وأما العقل فلأن ذلك يقضي إلى قطع الرحم وقطع الرحم حرام وذلك لأن النكاح لا يخلو من مباسطات
تجري بين الزوجين عادة وبسببها تجري الخشونة بينهما وهذه تفضي إلى قطع الرحم.
وأما الجدات سواء أكن من قبل الأم أم الأب وسواء كانوا أقارب أم أباعد فإن الأئمة اتفقوا على تحريم
نكاحهن. وذلك إما بالنص لأن السلفة تقول: (أَمَّ كُلُّ شَيْءٍ أَصْلُهُ) فأم القرى مكة لأنها توسطت الأرض
فيما زعموا أو لأنها قبلة الناس يأمونها أو لأنها أعظم القرى شأناً. وأم الكتاب أصله أو اللوح المحفوظ
انتھی قاموس.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((الْخَمْرُ أُمُّ الْخَبَائِثِ» أي أصلها فالأم على هذا من قبيل التواطىء.
ويصح أن يكون تحريم الجدات بدلالة النص، لأن الله تعالى حرم العمات والخالات وهن أولاد الجدات
فكانت الجدات أقرب إلينا منهن فكان تحريمهن تحريماً للجدات من باب أولى كتحريم التأفيف نصاً يكون
تحريماً للضرب والشتم دلالة .
ينظر: نص كلام شيخنا محمد البشير في المحرمات من النساء.
(١) وهن من ولدن من الرجل مباشرة أو ولدن لأولاده أو أولاد أولاده فكل هؤلاء يشملن كلمة البنات في
قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ ولم يخالف أحد من المسلمين في تحريم نكاح البنت نسباً واستندوا في ذلك
بالنقل والعقل. أما النقل فقوله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَمَّهَاتِكُمْ وَبَنَاتِكُمْ﴾. وما قيل في الآية سابقاً
يقال هنا والجواب الجواب.
وأما العقل فلأنه لو جاز النكاح لترتب على ذلك قطع الرحم لكن الثاني حرام فالمقدر مثله فثبت نقيضه
وهو عدم الجواز.
أما بيان الثاني فذلك لا يختلف فيه مسلم. وأما بيان الملازمة فلأن النكاح لا يخلو من مباسطات تجري
بين الزوجين عادة وبسببها تجري الخشونة بينهما وذلك يفضي إلى قطع الرحم فكان النكاح سبباً لقطع
الرحم ومفضياً إليه.
وسواء كانت البنت من النكاح أم من السفاح لإطلاق النص وقد ذكر الفقهاء خلافاً في بنت الزنا هل تحل
للرجل الزاني أي لأبيها على الحقيقة .
قال الشافعي إنها تحل. وقال غيره إنها لا تحل. وقال بعضهم والظاهر التحريم وإن كانت لا ترثه لأن
الإرث حق تابع لثبوت النسب وهو لا يكون إلا بالفراش أو الاستحقاق ولا وجود لواحد منهما.
واستدل الشافعي - رحمه الله - على عدم التحريم. بأن نسبها لم يثبت منه فلا تكون مضافة إليه شرعاً فلا
تدخل تحت نص الإرث والنفقة في قوله تعالى: ﴿يُوْصِيْكُمُ الله فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ .
وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقَهُنَّ﴾ كذا ههنا فالشافعية جعلوا النص خاصاً بالبنت من النكاح.
ويرد عليه بأن بنت الإنسان اسم لأنثى مخلوقة من مائه حقيقة والكلام فيه فكانت بنته حقيقة إلا أنه لا
يجوز الإضافة إليه شرعاً لما فيه من إشاعة الفاحشة، وهذا لا ينفي النسبة الحقيقية لأن الحقائق لا مرد لها
وهكذا تقول في الإرث والنفقة إن النسبة الحقيقية ثابتة إلا أن الشرع اعتبر هناك ثبوت النسب شرعا لجريان =

٤٠٩
كِتَابُ النّكَاحِ
وقال الشافعي: لا تحرم عليه البنت من السفاح؛ لأن نسبها لم يثبت منه، فلا تكون
مضافة إليه شرعاً، فلا تدخل تحت نص الإرث والنفقة في قوله تعالى: ﴿يُوصِيَكُمُ الله فِي
أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ كذا هُهنا،
ولأنا نقول: بنت الإنسان اسم لأنثى مخلوقة من مائه حقيقة، والكلام فيه فكانت بنته حقيقة،
إلا أنه لا تجوز الإضافة شرعاً إليه؛ لما فيه من إشاعة الفاحشة، وهذا لا ينفي النسبة الحقيقة؛
لأن الحقائق لا مرد لها، وهكذا نقول في الإرث والنفقة: إن النسبة الحقيقية ثابتة، إلا أن
الشرع اعتبر هناك ثبوت النسب شرعاً لجريان الإرث والنفقة لمعنى.
ومن ادعى ذلك لههنا - فعليه البيان، وتحرم بنات بناته وبنات أبنائه - وإن سفلن بدلالة
النص، لأنهن أقرب من بنات الأخ وبنات الأخت، ومن الأخوات أيضاً، لأن الأخوات أولاد
أبيه، وهن أولاد أولاده، فكان ذكر الحرمة هناك ذكراً للحرمة لههنا دلالة، وعليه إجماع الأمة
أيضاً، وتحرم عليه أخواته وعماته وخالاته بالنص، وهو قوله عز وجل: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ
وَخَالاَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] سواء كن لأب وأم، أو لأب، أو لأم؛ لإطلاق اسم الأخت والعمة
والخالة، ويحرم عليه عمة أبيه وخالته لأب وأم، أو لأب أو لأم، وعمة أمه وخالته(١) لأب
وأم، أو لأب، أو لأم بالإجماع(٢).
الإرث والنفقة لمعنى ويؤيد ذلك إجماع المسلمين على أن ولد الزنا يلحق أمه ويرثها للعلم بأنها أمه ولم
=
ينقل عن أحد من الصحابة أنه أباح التزوج ببنت الزنا من أبيها وقد شنع ((ابن القيم)) على من جوز نكاح
البنت من الزنا مع كونها بعضه مع تحريم المرضعة من لبن امرأته لكونه اللبن ثابت بوطئه فقد صار فيه
جزء منه. فعجباً كيف انتهض هذا الجزء البشير سبباً للتحريم ثم يباح له وطىء ابنته من الزنى وهي:
جزؤه وسلالة فلا بد من اعتبار الحقيقة لههنا. وأما بنات البنات وبنات أبنائه فيحرمن أيضاً بالاتفاق إما
بدلالة النص لأنهن أقرب من بنات الأخ وبنات الأخت ومن الأخوات أيضاً لأن الأخوات أولاد أبيه وهن
أولاد أولاده. وإما بموضوع اللفظ وحقيقته لأن المراد بالبنت كل أنثى ولدتها أو ولدت من ولدتها ذكراً
كان أم أنثى بواسطة أم بغيرها.
ينظر: نص كلام شيخنا محمد البشير في المحرمات من النساء.
(١) في أ: وخالتها.
(٢) وغير المطبق تثبت له الولادة حال إفاقته بالإجماع وأن يكون متحداً دينه ودين المولى عليه لأن الولاية
مبنية على الميراث فالمسلم ولي على مثله وكذا الكافر ولي على مثله قال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم
أولياء بعض﴾ ولذا تقبل شهادته عليه ويتوارثان من هذا تبين أنه لا ولاية للكافر على المسلم لأن الشرع
قطع ولايتهم على المسلمين قال تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ فهذه الآية
الكريمة تقتضي نفي السبيل من كل وجه لأن النكرة في موضع النفي تعم ولا ولاية للمسلم على الكافر إلا
بالسبب العام بأن يكون المسلم سيد أمة كافرة أو سلطاناً أو نائبه.
قال ابن عابدين قالوا وينبغي أن يقال إلا أن يكون المسلم سيد أمة كافرة أو سلطاناً. قال السروجي. لم أرَ
هذا الاستثناء في كتب أصحابنا وإنما هو منسوب إلى الشافعي ومالك. قال في المعراج وينبغي أن يكون =

٤١٠
كِتَابُ النَّاحِ
وكذا عمة جده وخالته، وعمة [جدته](١) وخالتها لأب وأم، أو لأب، أو لأم - تحرم
بالإجماع، وتحرم عليه بنات الأخ وبنات الأخت بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ
وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] ((وبنات بنات الأخ والأخت وإن سفلن)) بالإجماع.
ومنهم من قال: إن حرمة الجدات وبنات البنات، ونحوهن ممن ذكرنا - يثبت بالنص
أيضاً؛ لانطلاق الاسم عليهن، فإن جدة الإنسان تسمى أماً له، وبنت بنته تسمى بنتاً له، فكانت
حرمتهن ثابتة بعين النص، لكن هذا لا يصح إلا على قول من يقول: يجوز أن يراد الحقيقة
والمجاز من لفظ واحد، إذا لم يكن بين حكميهما منافاة؛ لأن إطلاق اسم الأم على الجدة،
وإطلاق اسم البنت على بنت البنت - بطريق المجاز.
مراداً. ورأيت في موضع معزوا إلى المبسوط (الولاية بالسبب العام تثبت للمسلم على الكافر كولاية
=
السلطنة والشهادة فقد ذكر معنى ذلك الاستثناء) ا. هـ نقلاً عن البحر والفتح وغيرهما.
هذا والمرتد لا ولاية له على أحد لا على مسلم ولا على كافر ولا على مرتد مثله لأنه لا يرث أحداً ولأنه
لا ولاية له على نفسه حتى لا يجوز نكاحه أحداً لا مسلماً ولا كافراً ولا مرتداً مثله فلا يكون له ولاية
على غيره.
وإنما اشترط الأئمة الثلاثة المذكورة بناء على أن الأنثى لا يصح أن تتولى عقد نكاحها كما سيأتي.
واشترط الشافعي ألا يكون المولى محجوراً عليه لسفه بأن بلغ غير رشيد أو حجر عليه بعد رشده.
لأنه والحالة هذه لا يلي أمر نفسه فلا يلي أمر غيره من باب أولى وألا يكون مختل النظر ... الخ لعجزه
عن البحث عن أحوال الأزواج ومعرفة الكفء منهم (منهج).
وألا يكون فاسقاً لقوله - رَ #ل ـ: ((لا نكاح إلا بولي مرشد)) والمرشد بمعنى الرشيد كالمصلح بمعنى
الصالح وبدهي أن الفاسق ليس برشيد.
ولأن الولاية من باب الكرامة والفسق سبب الإهانة. والنكاح عقد له خطر عظيم لورود الملك فيه على
محل ذي خطر فيجب تعظيمه وتكريمه ولا تكريم له بولاية الفاسق.
وقال الحنفية. عدم الفسق ليس شرطاً واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ فهذه الآية
الكريمة دلت بعمومها على أن لجميع الأولياء أن يزوجوا الأيامى لا فرق بين ولي عدل وغيره ولا دليل
يدل على التفريق بين ولي وولي.
وللاجماع على ثبوت الحكم في جميع ما يتناوله اللفظ وضعاً ما لم يرد ما يخصصه وبقوله - ﴿ اليوم -:
((زوجوا بناتكم الأكفاء)) دل هذا الحديث على أن الأولياء يزوجون بناتهم ولم يفرق بين ولي وولي ولم
يقم دليل على الفرق.
وبأنه يصلح أن يتولى الخلافة والقضاء فأولى أن يكون صالحاً للولاية في النكاح التي هي أقل خطورة من
القضاء وغيره.
على أن الولاية نظرية والفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر ولا في الداعي إليه وهو الشفقة ولا
يمنع الوراثة فلا يمنع الولاية فصار كالعدل.
ينظر: نص كلام شيخنا محمود إسماعيل جمالي في الولاية في النكاح.
(١) في ط: خالته.

٤١١
كِتَابُ النّكَاحِ
ألا ترى أن من نفى اسم الأم والبنت عنهما - كان صادقاً في النفي، وهذا من العلامات
التي يفرق بها بين الحقيقة والمجاز، وقد ظهر أمر هذه التفرقة في الشرع أيضاً حتى أن من قال
لرجل: لست أنت بابن فلان لجده ـ لا يصير قاذفاً له، حتى لا يأخذ بالحد؛ ولأن نكاح هؤلاء
يفضي إلى قطع الرحم، لأن النكاح لا يخلو عن مباسطات تجري بين الزوجين عادة، وبسببها
تجري الخشونة بينه ١ وذلك يفضي إلى قطع الرحم/ ، فكان النكاح سبباً لقطع الرحم مفضياً ١١٦
إليه، وقطع الرحم حرام، والمفضي إلى الحرام حرام، وهذا المعنى يعم الفرق السبع؛ لأن
قرابتهن محرمة القطع واجبة الوصل، ويخص الأمهات بمعنى آخر، وهو أن احترام الأم
وتعظيمها واجب؛ ولهذا أمر الولد بمصاحبة الوالدين بالمعروف، وخفض الجناح لهما والقول
الكريم، ونهى عن التأفيف لهما، فلو جاز النكاح والمرأة تكون تحت أمر الزوج وطاعته
وخدمته مستحقة عليها - للزمها ذلك، وأنه ينفي الاحترام، فيؤدي إلى التناقض، وتحل له بنت
العمة والخالة وبنت العم والخال، لأن الله تعالى ذكر المحرمات في آية التحريم.
ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه أحل ما وراء ذلك بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾
[النساء: ٢٤]، وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات لم يذكرن في المحرمات، فكن مما
وراء ذلك؛ فكن محللات.
وكذا عمومات النكاح لا توجب الفصل، ثم خص منها (١) المحرمات المذكورات في آية
التحريم، فبقي غيرهن تحت العموم، وقد ورد نص خاص في الباب، وهو قوله تعالى: ﴿یَأَيُّهَا
النَِّيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ .... ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى قوله - عز وجل: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ
عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ .... ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية. والأصل
فيما يثبت للنبي وَّر أن يثبت لأمته، والخصوص بدليل، والله الموفق.
فصل في المحرمات بالمصاهرة
وأما النوع الثاني: فالمحرمات بالمصاهرة (٢) أربع فرق: الفرقة الأولى: أم الزوجة
وجداتها من قبل أبيها وأمها، وإن علون، فيحرم على الرجل أم زوجته (٣) بنص الكتاب العزيز،
(١) في ط: عنها.
(٢) المحرمات بالمصاهرة أربع. الأول: أم الزوجة. الثاني: بنتها. الثالث: امرأة الأب. الرابع: حلائل
الأبناء.
(٣) يحرم على الرجل أم زوجته وجداتها من قبل أبيها وأمها وإن علون فإنهن يحرمن بمجرد العقد الصحيح
فإن لم توطأ الزوجة وإن كان فاسداً فلا تحرم إلا بالدخول أو ما يقوم مقامه من المس بشهوة والنظر إلى
الفرج بشهوة لإضافة النساء إلى ضمير الرجال في الآية وهي لا تحقق إلا بالعقد الصحيح نص على ذلك =

٤١٢
كِتَابُ النكاح
وهو قوله - عز وجل: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، معطوفاً على قوله - عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، سواء كان دخل بزوجته، أو كان لم يدخل بها عند عامة
العلماء (١).
قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ .
=
وخرج بهذا أم آمنة فإنها لا تحرم إلا بالوطء أو دواعيه لأن لفظ النساء إذا أضيف إلى الأزواج كان المراد
منه الحرائر فظهر من هذا أنه لا يشترط في تحريم أم الزوجة الدخول بالزوجة بل تحرم بالعقد لأن الله
تعالى لم يشترط الدخول هنا كما شرطه فيما بعد، وعلى ذلك جمهور المسلمين من السلف وهذا رأي
الأئمة الأربعة .
واستدل في (المبسوط)) على التحريم بحديث عبد الله بن عمر أن النبي - ﴿ ﴿ - قال: ((مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً
حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَحُرُّمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُهَا إِذَا دَخَلَ بِهَا)) فهذا نص في الباب لا يحتمل
التأويل.
ولأن هذا النكاح أي نكاح أم الزوجة يفضي إلى قطع الرحم لأنه إذا طلق بنتها وتزوج بأمها حملها ذلك
على الضغينة التي هي سبب القطيعة فيما بينهما، وقطع الرحم حرام فما أفضى إلى الحرام يكون حراماً.
(١) ذهب الأئمة الأربعة إلى القول بعدم اشتراط الدخول بالبنت في تحريم الأم، وهو مذهب جمهور
الصحابة، وأكثر أهل العلم عليه، حتى كان من قواعدهم المشهورة قولهم: ((الْعَقْدُ عَلَى البَنَاتِ يُحرَّمُ
الأُمَّهَاتِ)) وعلى ذلك يحرم على الرجل أن يتزوج بأم من عقد عليها، ولم يدخل بها، وإذا حصل،
وتزوج بها كان النكاح باطلاً يجب فسخه.
وذهب داود الظاهري وبشر المريسي والزبير ومجاهد إلى القول بأنه لا يحرم على الرجل أن يتزوج بأم من
عقد عليها ولم يدخل بها لأن العقد على البنت عندهم لا يحرم الأم حتى يصحبه دخول. وعلى هذا لو
عقد على أم من عقد عليها ولم يدخل بها يكون النكاح صحيحاً.
واستدل داود الظاهري ومن معه بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتِ نِسَائِكُمْ وَرَبَابُكُمْ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ
الَّلاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ووجه الدلالة من هذه الآية: أنهم قالوا: إن الله سبحانه ذكر أمهات النساء، وعطف
عليها الربائب، ثم أعقبهما بذكر الشرط، وهو الدخول فيتصدق الشرط إليهما. ومما يؤيد أن الشرط راجع
إليهما جميعاً أنه روي عن علي بن أبي طالب ذلك، وقالوا: أيضاً يصح أن يكون الوصول وهو قوله
تعالى: ﴿اللاتي دخلتم بهن﴾ صفة للجملتين فيتقيدا بالدخول ويصير معنى الآية هكذا: ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُمْ
الَّلاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَرَبَائِبُكُمْ الَّلاتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ .
يقال للظاهرية ومن معهم في الآية: إن محل رجوع الشرط المذكور في آخر كلمات معطوف بعضها على
بعض للجميع إذا كان مصرحاً به، وأما الصفة المذكورة في آخر الكلام فتصدق إلى ما يليها فقط، فإنك
إذا قلت مثلاً جاءني محمد وخالد العالم، فإن صفة العلم تقتصر على خالد فقط، وقوله تعالى: ﴿والَّلاتي
دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وصف بالدخول، فيقتصر على ما يليه فقط، وأما رواية أن علي بن أبي طالب قال ذلك فإنه
رواها عنه خلاس بن عمر الهجري، وقد ضعفها العلماء قال القرطبي: وحديث خلاس عن علي لا تقوم
به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة والقول بأن
الموصول يصح أن يكون صفة للجملتين باطل، لأنه لو كان وصفاً لهما للزم أن يكون وصفاً لمعمولي
عاملين مختلفين، لأن العامل في أمهات نسائكم الإضافة، وفي نسائكم حرف الجر، وهو منه فلو كان =

٤١٣
كِتَابُ النَّاحِ
وقال مالك(١)، وداود الأصفهاني، ومحمد بن شجاع الثلجي، وبشر المريسي؛ أن أم
الزوجة لا تحرم على الزوج بنفس العقد ما لم يدخل ببنتها حتى أن من تزوج امرأة ثم طلقها
قبل الدخول بها، أو ماتت - لا يجوز له أن يتزوج أمها عند عامة العلماء، وعندهم يجوز.
والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم .. روي عن عمر، وعلي،
و[عبد الله](٢) بن عباس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين - رضي الله تعالى عنهم - مثل
قول العامة .
وروي عن عبد الله بن مسعود، وجابر - رضي الله تعالى عنهما - مثل قولهم، وهو
إحدى الروايتين عن علي، وزيد بن ثابت.
وعن زيد بن ثابت؛ أنه فصل بين الطلاق والموت، قال في الطلاق مثل قولهما (٣) وفي
الدخول صفة لهما لأدى إلى اختلاف العامل في الصفة واختلاف العامل على معمول واحد باطل،
=
كالعطف على معمولي عاملين مختلفين، فتعين أنه ليس صفة عائدة إليهما، بل يجب أن يكون صفة لواحد
منهما، وما يليه أولاً. على أن الاحتياط في الفروج يقضي أن يجعل شرطاً في الربيبة فقط.
وأما الجمهور فقد استدلوا بالكتابة والسنة والمعقول.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾ ووجه الدلالة من الآية أنهم قالوا: إن الله سبحانه وتعالى
ذكر تحريم أمهات النساء مطلقاً عن غير قيد بالدخول. فتحرم أمهات النساء ولو لم يدخل بهن، ومما
يؤيد إطلاق الآية الكريمة ما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في هذه الآية:
﴿المرأة مبهمة فأبهموا ما أبهم الله﴾ أي أطلقوا ما أطلقه الله وعمموا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين
المدخول بها وبين غيرها، وأيضاً فإن المعقود عليها يصدق عليها أنها من نسائه، فتدخل في قوله تعالى:
﴿وأمهات نسائكم﴾ .
وأما السنة فأولاً: ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - وَّر - قال: ((إذا نكح
الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج ابنتها وليس له أن يتزوج الأم)).
وثانياً ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - وَ ◌َّ - قال: ((إِذَا نَكَحَ الرَّجُلُ الْمَزْأَةَ فَلاَ
يَحِلُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا دَخْلَ بِالْبِنْتِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ تَزَوَّجَ الأُمَّ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَإِنْ شَاءَ تَزَوَّجَ
الْبِنْتَ)) أخرجاه في الصحيحين.
فهذه الأحاديث صريحة في عدم حل أم الزوجة مطلقاً دخل بها، أو لم يدخل. وأما المعقول فإنهم قالوا:
إن هذا النكاح يفضي إلى قطيعة الرحم؛ لأنه إن طلق البنت، وتزوج أمها حملها ذلك على الضغينة التي
هي سبب لقطيعة الرحم، وكل ما يفضي إلى قطيعة الرحم تحرمه الشريعة الإسلامية، لذلك نجدها تحرم
الجمع بين المرأة، وأختها، وبين المرأة، وبنتها خوفاً من قطيعة الرحم، وهذا المعنى يستوي فيه، ما إذا
دخل بالبنت، وما إذا لم يدخل بها، بخلاف الأم حيث قلنا لا تحرم بنتها بمجرد العقد عليها، لأن إباحة
نكاح البنت بعد العقد على أمها لا يفضي إلى القطيعة المحرمة، وذلك لما هو معروف عن الأم من الشفقة
على بنتها، فهي تؤثرها على نفسها، بخلاف البنت، فإنها لا تؤثر أمها على نفسها.
(١) بعد بيان المسألة تبين أن عزوها للإمام مالك فيه بُعد.
(٢) سقط في ط.
(٣) في أ: قولهم.

٤١٤
كِتَابُ النّكَاحِ
الموت مثل قول العامة، وجعل الموت كالدخول؛ لأنه بمنزلة الدخول في حق المهر، وكذا
في حق التحريم، احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِيُكُمْ اللَّتي في حُجُورِكُمْ مِنِ
نِسَائِكُمُ اللَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ذكر أمهات النساء، وعطف ربائب النساء عليهن في
التحريم بحرف العطف، ثم عقب الجملتين بشرط الدخول، والأصل أن الشرط المذكور،
والاستثناء بمشيئة الله تعالى عقيب جمل معطوف بعضها على بعض بحرف العطف، كل جملة
مبتدأ وخبره ينصرف إلى الكل لا إلى ما يليه خاصة(١)؛ كمن قال: عبده حر وامرأته طالق،
وعليه حج بيت الله تعالى إن فعل كذا، أو قال: إن شاء الله تعالى، فهذا كذلك، فينصرف
شرط الدخول إلى الجملتين جميعاً، فلا تثبت الحرمة بدونه.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] كلام تام بنفسه منفصل عن المذكور
بعده، لأنه مبتدأ وخبر؛ إذ هو معطوف على ما تقدم ذكره من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ
وَبَنَاتُكُمْ ... ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قوله - عز وجل: ﴿وَأَمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والمعطوف
يشارك المعطوف عليه في خبره، ويكون خبر الأول خبراً للثاني؛ كقوله: ((جاءني زید
وعمرو»، معناه: جاءني [زيد وجاءني](٢) عمرو فكان معنى قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾
[النساء: ٢٣]، أي: ((وحرمت عليكم أمهات نسائكم))، وأنه مطلق عن شرط الدخول، فمن ادعى
أن الدخول المذكور في آخر الكلمات منصرف إلى الكل - فعليه الدليل.
(١) قال الشيخ سيف الدين - رحمه الله تعالى - الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها الاستثناء رجع إلى جميعها
عند أصحاب الشافعي، وإلى الجملة الأخيرة عند أصحاب أبي حنيفة. وقال القاضي عبد الجبار وأبو
الحسين البصري وجماعة من المعتزلة إن كان الشروع في الجملة الثانية إضراباً عن الأولى ولا يضمر فيها
شيء مما في الأولى فالاستثناء مختص بالجملة الأخيرة، لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الأولى مع
استقلالها بنفسها إلى غيرها إلا وقد تم مقصوده منها. وذلك على أربعة أقسام:
الأول: أن تختلف الجملتان نوعاً، كما لو قال: أكرم بني تميم والنحاة العراقيون إلا البغاددة، لأن الجملة
الأولى أمر والثانية خبر.
القسم الثاني: أن تتحدا نوعاً وتختلفا اسماً وحكماً، كما لو قال: أكرم بني تميم وأضرب بني ربيعة إلا
الطوال، إذ هما أمران.
القسم الثالث: أن تتحدا نوعاً وتشتركا حكماً لا اسماً، كما لو قال: سلم على بني تميم وسلم على ربيعة
إلا الطوال.
الرابع: أن تتحدا نوعاً وتشتركا اسماً لا حكماً، ولا يشترك الحكمان في غرض من الأغراض، كما لو قال
سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال.
وأقوى هذه الأقسام في اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة القسم الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم
الرابع .
ينظر: الاستثناء (ص: ٦٥٧-٦٥٨).
(٢) سقط في ط.

٤١٥
كِتَابُ النّكَاحِ
وروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - عن رسول الله وَ لتر؛ أنه قال: ((إِذَا
نَكَحَ الرَّجُلُ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا - فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْتَتَهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الأُمّ»(١)،
وهذا نص في المسألتين.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنهم - قال: قال رسول
اللهَ وَّ: (أَيُّمَا رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَوْ مَاتَتْ عِنْدَهُ - فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ
بِنْتَهَا، وَأَيُّمَا رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ عِنْدَهُ - فَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ
أَمَّهَا))(٢)، وهذا أيضاً نص في المسألتين، وعن / عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ١٦ب
أنه قال في هذه الآية الكريمة: ﴿أبهموا ما أبهم الله تعالى﴾، أي: أطلقوا ما أطلق الله تعالى،
وكذا روي عن عمران بن حصين؛ أنه قال: الآية مبهمة، أي: مطلقة لا يفصل بين الدخول
وعدمه، وما روي عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - فقد روي الرجوع عنه، فإنه روي أنه
أفتى بذلك في الكوفة، فلما أتى المدينة، ولقي أصحاب رسول الله بَّه ورضي عنهم فذاكرهم
- رجع إلى القول بالحرمة، حتى روي أنه لما أتى الكوفة نهى من كان أفتاه بذلك فقيل: إنها
ولدت أولاداً فقال: إنها وإن ولدت؛ ولأن هذا النكاح يفضي إلى قطع الرحم، لأنه إذا طلق
بنتها وتزوج بأمها - حملها ذلك على الضغينة التي هي سبب القطيعة فيما بينهما، وقطع الرحم
حرام، فما أفضي إليه يكون حراماً؛ لهذا المعنى حرم الجمع بين المرأة وبنتها، وبين المرأة
وأمها، [وبينها](٣) وبين عمتها وخالتها على ما نذكر إن شاء الله تعالى، بخلاف جانب الأم
حيث لا تحرم بنتها بنفس العقد على الأم؛ لأن إباحة النكاح هناك لا تؤدي إلى القطع؛ لأن
(١) أخرجه الترمذي (٤١٦/٣) كتاب ((النكاح)): باب ما جاء فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها،
هل يتزوج ابنتها أم لا؟ حديث (١١١٧)، وأخرجه الطبري (٦٦٤/٣) برقم (٨٩٥٧)، والبيهقي (٧/ ١٦٠)
من طريق ابن المبارك عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً. وقال
البيهقي: مثنى بن الصباح غير قوي.
وقال الطبري: وهذا خبر، وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به،
مستغني عن الاستشهاد على صحته بغيره. وتابعه ابن لهيعة عند البيهقي.
وذكره السيوطي في الدر (٢/ ٢٤٢) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.
قال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده، وإنما رواه ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح عن
عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث، والعمل على هذا عند أكثر أهل
العلم، قالوا: إذا تزوج الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حل له أن ينكح ابنتها، وإذا تزوج الرجل
الابنة، فطلقها قبل أن يدخل بها لم يحل له نكاح أمها لقول الله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾ وهو قول
الشافعي وأحمد وإسحاق.
(٢) ينظر: تخريج الحديث السابق.
(٣) سقط في ط .

٤١٦
كِتَابُ النكاحِ
الأم في ظاهر العادات تؤثر بنتها على نفسها في الحظوظ والحقوق، والبنت لا تؤثر أمها على
نفسها معلوم ذلك بالعادة.
وإذا جاء الدخول تثبت الحرمة؛ لأنه تأكدت مودتها [بالدخول] (١) لاستيفائها حظها،
فتلحقها الغضاضة، فيؤدي إلى القطع؛ ولأن الحرمة تثبت بالدخول بالإجماع، والعقد على
البنت سبب الدخول بها، والسبب يقوم مقام المسبب في موضع الاحتياط، ولهذا تثبت الحرمة
بنفس العقد في منكوحة الأب، وحليلة الابن كان ينبغي أن تحرم الربيبة بنفس العقد على الأم،
إلا أن شرط الدخول هناك عرفناه بالنص، فبقي الحكم في الآية(٢) على أصل القياس.
وأما قولهم: إن الشرط المذكور في آخر كلمات معطوف بعضها على بعض، والاستثناء
بمشيئة الله تعالى ملحق بالكل - فنقول: هذا الأصل مسلم في الاستثناء بمشيئة الله تعالى،
والشرط المصرح به، فأما في الصفة الداخلة على المذكور في آخر الكلام - فممنوع، بل يقتصر
على ما يليه؛ فإنك تقول: جاني زيد ومحمد العالم، فتقتصر صفة العلم على الذي يليه [وهو
محمد](٣) دون زيد، وقوله - عز وجل: ﴿اللَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وصف إياهن
بالدخول بهن، لا شرط من ادعى إلحاق الوصف بالشرط - فعليه الدليل على أنه يحتمل أن
يكون بمعنى الشرط فيلحق الكل، ويحتمل ألا يكون، فيقتصر على ما يليه، فلا يلحق بالشك
والاحتمال.
وإذا وقع الشك والشبهة فيه فالقول لما فيه الحرمة أولى احتياطاً، على أن هذه الصفة إن
كانت في معنى الشرط، لكن اللفظ متى قرن به شرط أو صفة لإثبات حكم يقتضي وجوده عند
وجوده، أما لا يقتضي عدمه عند عدمه، بل [عدمه و] وجوده عند عدم الشرط والصفة يكون
موقوفاً على قيام الدليل؛ وفي نفس هذه الآية الكريمة ما يدل عيه؛ فإنه قال - عز وجل:
﴿وَرَبَائِيُكُمْ اللَّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
ولو كان التقييد بالوصف نافياً الحكم في غير الموصوف - لكان ذلك القدر كافياً، ونحن
نقول بحرمة الأم عند الدخول بالربيبة، وبحرمة الربيبة عند الدخول بالأم بظاهر الآية الكريمة،
وليس فيها نفي الحرمة عند عدم الدخول، ولا إثباتها؛ فيقف على قيام الدليل، وقد قام الدليل
على حرمة الأم بدون الدخول بينتها، وهو ما ذكرنا؛ فتثبت الحرمة، ولم يقم الدليل على حرمة
الربيبة قبل الدخول بالأم، فلا تثبت الحرمة، والله - عز وجل - أعلم.
(١) سقط في ط .
(٣) سقط في ط .
(٢) في أ: الأم.

٤١٧
كِتَابُ التّكَاحِ
وأما جدات الزوجة من قبل أبيها وأمها فإنما عرفت حرمتهن بالإجماع، ولما ذكرنا من
المعنى في الأمهات لا بعين النص، إلا على قول من يجيز اشتمال اللفظ الواحد على الحقيقة
والمجاز، عند عدم التنافي بين حكميهما على ما ذكرنا، ثم إنما تحرم [أم](١) الزوجة وجداتها
بنفس العقد إذا كان صحيحاً، فأما إذا كان فاسداً فلا تثبت الحرمة بالعقد، بل بالوطء، أو ما
يقوم مقامه من المس عن شهوة، والنظر إلى الفرج عن شهوة على ما نذكر، لأن الله تعالى حرم
على الزوج أم زوجته مضافاً إليه، والإضافة لا تنعقد إلا بالعقد الصحيح، فلا تثبت الحرمة إلا
به، والله الموفق.
فصل في بعض المحرمات
وأما الفرقة الثانية: فبنت الزوجة [وبناتها](٢) وبنات بناتها وبنيها وإن سفلن، أما/ بنت ١١٧
زوجته: فتحرم عليه بنص الكتاب العزيز، إذا كان دخل بزوجته، فإن لم يكن دخل بها فلا
تحرم، لقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا
دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وسواء كانت بنت(٣) زوجته في حجره أو لا عند عامة
العلماء (٤).
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: ربيبة.
(٤) هل يشترط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها أو لا الربائب جميع ربيبة فعيلة بمعنى مفعولة
من قولهم ربها يربها إذا تولى أمرها، وهي بنت الزوجة من غير الزوج سميت بذلك، لأن زوج أمها في
الغالب يتولى أمرها، وقد جمع المسلمون على القول بأنه يحرم على الرجل أن يتزوج ربيبته إذا كانت في
حجره ودخل بأمها، واختلفوا في الربيبة إذا لم تكن في حجره هل تحرم على زوج أمها أو لا تحرم،
وسبب الخلاف بينهم هو هل قوله تعالى: ﴿الَّلاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ وصف له تأثير في الحرمة أو ليس له
تأثير، بل هو خرج مخرج الغالب، فمن قال: خرج مخرج الغالب لم يشترط، ومن قال: هو وصف له
تأثيراً اشترطه في التحریم.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى القول بأنه لا يشترط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج، وقالوا:
يحرم التزوج بها مطلقاً كانت في حجر الزوج أو لا، وإذا تزوج بها كان النكاح فاسداً يجب فسخه مطلقاً
ما دام قد دخل بأمها .
وذهبت الظاهرية إلى القول باشتراط الحجر في التحريم، وقالوا للرجل أن يتزوج بها إذا لم تكن في
حجره، ولو دخل بأمها، ويكون نكاحه صحيحاً.
الأدلة: استدل الظاهرية على مذهبهم بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية ووجه الدلالة من الآية الكريمة أنهم =
بدائع الصنائع ج٣ - م٢٧

٤١٨
كِتَابُ النكاحِ
وقال بعض الناس: لا تحرم عليه، إلا أن تكون في حجره، ويروى ذلك عن علي بن
أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - [أيضاً] (١) لظاهر الآية قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّتِي فِي
حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، حرم الله - عز وجل - بنت(٢) الزوجة، وبوصف كونها في حجر زوج،
[الأم](٣) فيتقيد التحريم بهذا الوصف؛ ألا ترى أنه لما أضافها إلى الزوجة يقيد التحريم به،
حتى لا يحرم على ربيبته غير الزوجة؛ كذا هذا.
ولنا أن التنصيص على حكم الموصوف لا يدل على أن الحكم في غير الموصوف بخلافه؛
إذ التنصيص لا يدل على التخصيص، فتثبت حرمة بنت(٤) زوجة الرجل التي دخل بأمها، وهي
في حجره بهذه الآية، وإذا لم تكن في حجره تثبت حرمتها بدليل آخر، وهو كون نكاحها مفضياً
إلى قطيعة الرحم، سواء كانت في حجره أو لم تكن، على ما بينا فيما تقدم، إلا أن الله تعالى ذكر
الحجر بناء على أن عرف الناس وعادتهم أن الربيبة تكون في حجر زوج أمها عادة، فأخرج الكلام
مخرج العادة؛ كما في قوله - عز وجل: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقوله -
عز وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، ونحو ذلك.
قالوا إن الله سبحانه وتعالى حرم الربيبة بشرطين أحدهما أن تكون في حجر المتزوج بأمها، والثاني
=
الدخول بالأم، وقد عدم أحد الشرطين فلا يوجد التحريم.
وأما السنة فما روي عن النبي - وَّ - قال: ((لَوْ لَمْ تَكُنْ ربيبتي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ
الرِّضَاعَةِ))، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول - يوليو - قال ذلك لما عرضت عليه زينب بنت أم
سلمة زوج النبي - ◌َّلو - فدل ذلك على أن للحجر أثراً في التحريم وإلا لما تعرض له الرسول بالذكر.
وقد قيل للظاهرية في الآية: أن إضافة الربائب إلى الحجور إنما جرى على الأغلب، فإن الغالب أن تكون
في حجر زوج أمها، لا أنهن لا يحرمن إذا لم يكن كذلك، فلا مفهوم للحجر هنا، إذ لو كان شرطاً
كالدخول لما اكتفى في موضع الاحلال بنفي الدخول، ولم يشترط نفي الحجر، فلم يقل، فإن لم تكونوا
دخلتم بهن، ولم يكن في حجوركم ولو كان الحجر شرطاً لما اكتفى بنفي الدخول في موضع الإحلال.
ويقال لهم في الحديث إنه أخرجه صالح بن أحمد عن أبيه، وأخرجه أبو عبيد أيضاً، وقال ابن المنذر
والطحاوي أنه غير ثابت عنه فيه إبراهيم بن عبيد بن رفاعة لا يعرف، وأكد أهل العلم تلقوه بالدفع
والخلاف، وهو أيضاً معارض بقوله - وَل﴿ه ـ لأم حبيبة: ((فَلاَ تَعْرِضَ عَلَى بَنَاتِكُنَّ وَلاَ أَخَوَاتِكُنَّ)) من غير
تقييد بالحجر فهذا يدل على أن الكون في الحجر غير معتبر في التحريم.
وأما الجمهور فقد استدلوا بنفس الآية، وقالوا: إنها مطلقة وذكر الحجر يجوز أن يكون خرج مخرج
الغالب لا مخرج الشرط، إذا الغالب المعتاد أن يكن في حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهن، وفائدة
وصفهن بالكون في الحجر تقوية علة الحرمة، ويجوز أن يكون ذكر الحجر الاستهجان لفعلهم والتشنيع
عليهم لا لتعلق الحكم وهو التحريم به .
(١) في ط: نصاً.
(٢) في أ: ربيبة.
(٣) سقط في ط.
(٤) في أ: ربيبة.

٤١٩
كِتَابُ النَّاحِ
وأما بنات بنات الربيبة وبنات أبنائها - وإن سفلن - فتثبت حرمتهن بالإجماع وبما ذكرنا
من المعنى(١) المعقول لا بعين النص، إلا على قول من يرى الجمع بين الحقيقة والمجاز في
لفظ واحد عند إمكان العمل بهما.
فصل في الفرقة الثالثة من المحرمات
وأما الفرقة الثالثة: فحليلة الابن من الصلب، وابن الابن وابن البنت - وإن سفل - فتحرم
على الرجل حليلة ابنه من صلبه بالنص، وهو قوله - عز وجل: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ
أَضْلاَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وذكر الصلب جاز أن يكون لبيان الخاصية، وإن لم يكن الابن إلا من
الصلب، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ طَائِرٌ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وإن كان الطائر لا يطير إلا
بجناحيه، وجاز أن يكون لبيان القسمة والتنويع؛ لأن الابن قد يكون من الصلب، وقد يكون
من الرضاع، وقد يكون بالتبني أيضاً على ما ذكر في سبب نزول الآية، لأن النبي وَّ لما تَزَوَّجَ
امْرَأَةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بَعْدَمَا طَلَّقَهَا زَيْدٌ، وَكَانَ ابْنَاً لِرَسُولِ اللهِ رَ بِالتََّنِّي، فَعَابَهُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى
ذَلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ تَزَوَّجَ بِحَلِيلَةِ ابْنِهِ، فَتَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَضْلاَبِكُمْ﴾
[النساء: ٢٣].
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ولأن حليلة الابن لو لم تحرم
على الأب، فإذا طلقها الابن ربما يندم على ذلك، ويريد العود إليها، فإذا تزوجها أبوه أورث
ذلك الضغينة بينهما، والضغينة تورث القطيعة، وقطع الرحم حرام؛ فيجب أن يحرم حتى لا
يؤدي إلى الحرام؛ ولهذا حرمت منكوحة الأب على الابن كذا هذا، سواء كان دخل بها الابن
أو لم يدخل بها؛ لأن النص مطلق عن شرط الدخول، والمعنى لا يوجب الفصل أيضاً على ما
ذكرنا؛ ولأن العقد سبب إلى الدخول، والسبب يقام مقام المسبب في موضع الاحتياط على ما
مر، وحليلة ابن الابن، وابن البنت - وإن سفل - تحرم بالإجماع، أو بما ذكرنا من المعنى لا
بعين النص؛ لأن ابن الابن يسمى ابناً مجازاً لا حقيقة، فإذا صارت الحقيقة مرادة لم يبق
المجاز مراداً لنا، إلا على قول من يقول: إنه يجوز أن يرادا من لفظ واحد، والله الموفق (٢).
(١) في أ: المعقول.
(٢) لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة ابنه وابن ابنه وابن بنته وإن سفل وقد استدل لذلك بالفعل والنقل.
أما العقل فلأنه إذا لم تحرم حليلة الابن على الأب، فإذا طلقها الابن ربما يندم على ذلك ويرغب في ..
عودتها إليه فإذا تزوجها أبوه أورث ذلك الضغينة بينهما ولا شك أن الضغينة تورث القطيعة وقطع الرحم
حرام.
سواء كان قد دخل بها الابن أو لم يدخل لأن النص مطلق عن شرط الدخول.
11

٤٢٠
كِتَابُ النَّاحِ
وأما النقل فقوله تعالى: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِن أَضْلاَبِكُمْ﴾ فالحلائل جمع حليلة وهي الزوجة
=
والرجل إحليل. ولفظ الحليلة إما أن يكون مشتقاً من الحل بالفتح أي حل الأزار.
أو من الحلول أي حلول الفراش. أو من الحل بالكسر ضد الحرمة. وإما أن يكون اسم جنس للزوجة .
لأ جائز أن يكون مشتقاً من الحل بالفتح ولا من الحلول لأنه حينئذٍ يكون قاصراً على الموطوءة بملك
اليمين والموطوءة بعقد صحيح وبشبهة زنا ولا يتناول المعقود عليها للابن ولم يكن وطئها تمت مع أنها
بمجرد العقد تحرم على الآباء.
ولا جائز أن يكون مشتقاً من الحل بالكسر لأنه يكون قاصراً على المعقود عليها بعقد صحيح ولا يتناول
المزنی بها .
فالظاهر إذاً أن يكون لفظ الحليلة اسم جنس للزوجة كما ذهب إليه الجصاص.
فحليلة الابن وهي زوجته تحرم على الأب سواء دخل بها الابن أو لا لإطلاق النص عن قيد الدخول.
ومما يعزز أن لفظ الحليلة اسم جنس للزوجة أنها لو كانت مشتقة وكان معناها ذات ما ثبت لها الحل
لشمل أمة الابن بمجرد شرائها وإن لم يطأها الابن فإنه يصدق عليها حليلة باعتبار ثبوت الحل لها مع أنها
لا تحرم إلا بالوطء أو دواعيه. وفي ((البحر)) يجب أن يراد من الحليلة معنى أعم من الحل بالفتح والكثر
حتى يكون الدليل، والأعلى حرمة الجميع لكن ما هو ذلك الأعم لم يعنه أحد انتهى.
وقد اختلف العلماء في ذكر الأصلاب المذكورة في الآية فمن قائل يقول إن هذا قيد الإخراج حليلة الابن
من الرضاع لأنه ليس ابناً من الصلب لا بالذات ولا بالواسطة وقد ذكر في ((المبسوط)) إن الشافعي ممن
يقول بجواز نكاح حليلة الابن من الرضاع بناء على أصله من أن لبن الفحل لا يحرم وبناء على أن القيد
خرج مخرج الشرط في الآية.
ولكن المروي عن الأئمة الأربعة أن حليلة الابن رضاعاً محرمة على أبيه من الرضاع. والقيد المذكور
الإخراج حليلة المتبني وتحريمها إما الدخول الابن الرضاع في الأبناء وإما الحديث. ((يُحرَّمُ مِنَ الرُّضَاعِ مَا
يُحَرَّمُ مِنَ النَّسبِ)) ورد عليهم من يقول بحل حليلة الابن من الرضاع بأن المتبني ليس ابناً حقيقة ولا شرعاً
ولا عرفاً وقد بطل عرف الجاهلية بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ أَدْعَيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
أو قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لَآبَائِهِمْ﴾ فلا يحتاجوا إلى إخراجه بهذا القيد وأما حديث ((يُحَرَّمُ مِنَ الرُّضَاعِ مَا
يُحَرَّمُ مِنَّ النَّسَبِ)) فليس فيه دليل على التحريم بل هو حجة على المستدلين به لأن تحريم امرأة الابن
ليست بالنسب وإنما هو بالمصاهرة والحديث قد بين أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب واقتصر
على ذلك فلو أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة لقال يحرم من الرضاع ما يحرم من الصهر
فيكون القيد لإخراج الابن من الرضاع لأنه ليس من الصلب مباشرة ولا بالواسطة.
وقد انتصر ((ابن القيم)) لهذا الرأي وأطال في الاحتجاج له حتى أنه قال ما معناه. إن حليلة الابن من
الرضاع لا تحرم لأن الحديث الذي تمسك به الجمهور لا يدل على الحرمة لأنه إنما حرم من الرضاع ما
يحرم من النسب وليست زوجة الابن من المحرمات بالنسب بل بالمصاهرة. إذ المحرمات بالنسب سبع
ليس منهن زوجة الابن.
وليس لهم أن يقولوا إن المراد من الحديث أن يكون النسب له دخل في التحريم أعم من أن يكون علة
تامة كما في الأم والبنت أو جزء علة كما في حليلة الابن من النسب.
فإن العلة مركبة من أمرين الزوجة وكونها زوجة الابن فكان للنسب دخل في التحريم وحينئذٍ يكون قوله =
٤