النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كِتَابُ النّكَاحِ
الأبعد؛ ليقدم رجلاً في الصلاة على جنازة الصغير(١)؛ فإن للأبعد أن يمتنع عن ذلك، ولو
كانت ولاية الأقرب قائمة؛ لما كان له الامتناع؛ كما إذا كان الأقرب حاضراً، فقدم رجلاً ليس
للأبعد ولاية المنع، والمعقول يدل عليه، وهو أن ثبوت الولاية لحاجة المولى عليه، ولا مدفع
لحاجته برأي الأقرب؛ لخروجه من أن يكون منتفعاً به بالغيبة، فكان ملحقاً بالعدم، فصار كأنه
جن أو مات؛ إذ الموجود الذي لا ينتفع به، والعدم الأصلي سواء؛ ولأن القول بثبوت الولاية
للأبعد مع [بقاء] (٢) ولاية الأقرب - يؤدي إلى الفساد؛ لأن الأقرب ربما يزوجها من إنسان
حيث هو، ولا يعلم الأبعد بذلك، فيزوجها من غيره، فيطؤها الزوج الثاني، ويجيء بالأولاد،
ثم يظهر أنها زوجة الأول، وفيه من الفساد ما لا يخفى.
ثم إن سلمنا على قول بعض المشايخ، فلا تنافي بين الولايتين، فأيهما زوج جاز؛ كما
إذا كان لها أخوان أو عمان في درجة واحدة، وفيه كمال النظر في حق العاجز؛ لأن الكفء إن
اتفق حيث الأبعد/ زوجها منه، [وإن اتفق حيث الأقرب زوجها منه] (٣) فيكمل النظر، إلا أن ١٣أ
في حال الحضرة يرجح الأقرب باعتبار زيادة الشفقة لزيادة القرابة، وبه تبين أن نقل الولاية إلى
السلطان باطل؛ لأن السلطان ولي من لا ولي له، ولههنا لها ولي أو وليان، فلا تثبت الولاية
للسلطان إلا عند العضل من الولي، ولم يوجد، والله الموفق.
واختلفت الأقاويل في تحديد الغيبة المنقطعة .
وعن أبي يوسف روايتان: في رواية: قال: ما بين بغداد والري، وفي رواية: مسيرة شهر
فصاعداً، وما دونه ليس بغيبة منقطعة.
وعن محمد روايتان أيضاً روي عنه: ما بين الكوفة إلى الري، وروي عنه: من الرقة إلى
البصرة، وذكر ابن شجاع؛ إذ كان غائباً في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل في السنة إلا
مرة واحدة - فهو غيبة منقطعة، وإذا كانت القوافل تصل إليه في السنة غير مرة - فليست
بمنقطعة .
وعن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري رحمه الله؛ أنه قال إن كان الأقرب
في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه - فهو غيبة منقطعة، وإن كان لا يفوت فليست
بمنقطعة، وهذا أقرب إلى الفقه؛ لأن التعويل في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه،
ودفع الضرر عنه، وذلك فيما قاله، هذا إذا اجتمع في الصغير والصغيرة، والمجنون الكبير
(١) في أ: الصغيرة.
(٢) سقط في ط .
(٣) سقط في أ.

٣٨٢
كِتَابُ النكاحِ
والمجنونة الكبيرة - وليان: أحدهما أقرب والآخر أبعد، فأما إذا كانا في الدرجة سواء؛
كالأخوين، والعمين، ونحو ذلك ــ فلكل واحد منهما على حياله أن يزوج، رضي الآخر أو
سخط بعد أن كان التزويج من كفء بمهر وافر، وهذا قول عامة العلماء.
وقال مالك: ليس لأحد الأولياء ولاية الإنكاح ما لم يجتمعوا؛ بناء على أن هذه الولاية
ولاية شركة عنده وعندنا، وعند العامة ولاية استبداد.
وجه قوله: إن سبب هذه الولاية هو القرابة، وأنها مشتركة بينهم، فكانت الولاية
مشتركة؛ لأن الحكم يثبت على وفق العلة، وصار(١) كولاية الملك، فإن الجارية بين اثنين (٢)
إذا زوجها أحدهما لا يجوز من غير رضا الآخر لما قلنا؛ كذا هذا.
ولنا أن الولاية لا تتجزأ؛ لأنها ثبتت بسبب لا يتجزأ وهو القرابة، وما لا يتجزأ إذا ثبت
بجماعة(٣) سبب لا يتجزأ - يثبت لكل واحد منهم على الكمال؛ كأنه ليس معه غيره كولاية
الأمان، بخلاف ولاية الملك؛ لأن سببها الملك، وأنه متجزىء، فيتقدر بقدر الملك، فإن
زوجها كل واحد من الوليين رجلاً على حدة، فإن وقع العقدان معاً بطلا جميعاً؛ لأنه لا سبيل
إلى الجمع بينهما، وليس أحدهما أولى من الآخر، وإن وقعا مرتباً، فإن كان لا يدري السابق
منهما (٤)، فكذلك لما قلنا؛ ولأنه لو جاز لجاز بالتجزىء، ولا يجوز العمل بالتجزىء في
الفروج، وإن علم السابق منهما من اللاحق جاز الأول ولم يجز الآخر(٥).
(١) في أ: وصارت.
(٢) في أ: الجانبين.
(٣) في أ: الجماعة.
(٤) سقط في ط .
(٥) إذا تولى النكاح ولي أبعد مع وجود من هو أقرب منه كعم مع أخ، أو أخ لأب مع شقيق فقد اختلف
الفقهاء في صحة هذا النكاح وفساده على مذاهب ثلاثة نفصلها فيما يأتي:
ذهب المالكية في المشهور عندهم إلى القول بصحة النكاح في هذه الحالة، لأن الترتيب عندهم بين
الأولياء غير شرط بل هو أولى فقط، وإن قالوا لا يجوز ابتداء هذا إذا كان الأقرب غير مجبر، أما إذا كان
الأقرب مجبراً، وتولى من هو دون العقد بدون إذن كان النكاح فاسداً، وإن أجازه المجبر إلا إذا كان من
تولى العقد ابن المجبر وهو أخو المجبرة، أو أخو المجبر، وهو عم المجبرة. أو جد المجبرة، وهو أبو
المجبر، فإنهم قالوا يصح النكاح إذا أجازه المجبر بشرط أو يكون المجبر فوض لمن ذكر من الأشخاص
الثلاثة أموره، وثبت تفويضه لهم ببينة تشهد على التفويض بالعادة أو الصيغة.
والمراد بالتفويض بالصيغة أن تشهد البينة على أن المجبر قال: فوضت له جميع أموري أو أقمته فعلي في
جميع أموري، ولم يصرح بالتزويج، أو الإنكاح أما لو صرح بأحدهما فهذا لا يحتاج إلى إجازة المجبر.
=
والمراد بالتفويض بالعادة أن تقول البينة رأينا قريبه المذكور يتصرف في أموره وهو حاضر ساكت.

٣٨٣
كِتَابُ النّكَاحِ
وقد روي عن رسول الله وَّر؛ أنه قال: ((إِذَا نَكَحَ الْوَلِيَانِ فَالأوَّلُ أَحَقْ))(١).
وأما إذا زوج أحد الأولياء الحرة البالغة العاقلة برضاها من غير كفء، بغير رضا الباقين -
فحكمه يذكر إن شاء الله تعالى في شرائط اللزوم.
فصل في ولاية الولاء
وأما ولاية الولاء(٢) فسبب ثبوتها الولاء، قال النبي ◌َّ: ((الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةٍ
والمجبر عند المالكية هو المالك المسلم سواء كان ذكراً أو أنثى، لكن الأنثى توكل من يعقد على أمتها، لأن
=
النكاح لا يصح من الأنثى، كما بينا فيما تقدم والأب : - ويجبر ابنته المجنونة البالغة ولو كان لها ولد،
والبكر الصغيرة اتفاقاً، والبالغة ولو كانت عانساً على المشهور والثيب الصغيرة إذا يثبت بنكاح صحيح، لأنها
في حكم البكر، أما لو أزيلت بكارة البنت بعارض كوثبة مثلاً، أو بحرام جبرها ولو كانت بالغة.
والوصي ويجبر من يجبرها الأب إذا أمره الأب بالإجبار صريحاً أو ضمناً، بأن يقول له زوجها قبل البلوغ
وبعده. أو عين لها الزوج كزوجها من فلان، وذهب الحنفية إلى القول بصحة النكاح موقوفاً على إجازة
الأقرب، وذلك في الصغيرة. فإن أجازه نفذ وإن رده بَطَلَ، وقالوا إن أجازته لا تكون إلا بما يفيد رضاه
من صريح القول، أو دلالته مما هو في معناه، فسكوته لا يُعَدُّ رضا، ولو حضر مجلس العقد، لأن
سكوته في هذه الحالة ظاهر في عدم المبالاة بهذا التصرف.
وذهب الشافعية والحنابلة: إلى القول بأنه إذا زوجها الولي الأبعد مع حضور الولي الأقرب، فأجابته إلى
تزويجها من غير إذنه لم يصح النكاح، لأن الترتيب بين الأولياء عندهم شرط.
واستدل الشافعية والحنابلة بما يأتي:
قالوا: إن الإنكاح مستحق بالتعصيب فلم يثبت للأبعد مع وجود الأقرب، فالميراث وبهذا فارق القريب
البعيد.
ويناقش هذا الدليل بأننا نسلم أمد ولاية الإنكاح ثبتت بالتعصيب، ولكن لا نسلم أنَّ الولاية في النكاح
كالميراث، فإن الميراث حق جبري، وليس للأقرب أن ينزل عنه، ولا يثبت بنزوله لمن هو بعده بخلاف
الولاية في النكاح، فإنه إذا نزل عنها الأقرب ثبت الحق لمن بعده.
واستدل الحنفية على مذهبهم: بأن العقد صدر من الأهل في المحل فيكون صحيحاً إلا أنه امتنع نفاذه
لحق الأقرب، فإذا أجاز، فقد زال المانع.
(١) أخرجه أحمد (٨/٥ مرتين - ١١ مرتين - ١٢-١٨-١٩،١١-٢٢)، والطبراني (٢٦٩/٧) حديث (٦٩٢٤)،
وابن أبي شيبة (١٥٩٩٤/٣٦١/٣) والبيهقي (١٣٩/٧) كتاب ((النكاح)): باب ((الوكالة في النكاح))،
والحاكم (١٧٥/٢) من حديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال الحاكم: صحيح على شرط
البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وأخرجه أحمد (١٤٩/٤)، والطبراني (٣٤٩/٧) حديث (٩٦٠)، والبيهقي (١٣٩/٧) كتاب ((النكاح)):
باب («الوكالة في ((النكاح)).
(٢) وأما الولاء فيشمل ولاء العتاقة وولاء الموالاة. أما مولى العتاقة فتثبت له الولاية باتفاق غير أن الشافعي
ومن وافقه يشترطون الذكورة بناء على أن النكاح عندهم لا ينفذ بعبارة النساء. وسببه العتق مطلقاً سواء
كان حاصلاً بصنعة وهو الإعتاق وما يجري مجراه كشراء القريب أو بغير صنعة بأن ورث قريبه وسواء كان =

٣٨٤
كِتَابُ النَّاحِ
النَّسَبِ))(١)، ثم النسب سبب لثبوت الولاية؛ كذا الولاء، والولاء نوعان: ولاء عتاقة، وولاء
موالاة .
لوجه الله أولاً وسواء كان ذلك تطوعاً أو عن واجب وسواء كان ذلك ببدل أو غير بدل. وسواء كان ذلك
=
تبريراً أو استيلاداً لقوله - رَالير -: ((الولاء لمن أعتق)) رواه البخاري في صحيحه بإسناده إلى عائشة.
وأما مولى الموالاة فله الولاية عند أبي حنيفة وليس له عند محمد والأئمة الثلاثة. وقد استدلوا بأدلة منها
أن في عقد الولاء إبطال حق جماعة المسلمين لأنه إذا لم يكن للعاقد وارث كان ورثته جماعة المسلمين
ألا ترى أنهم يعقلون عنه وقام مقام الورثة المعينين وكما لا يقدر على إبطال حقهم لا يقدر على إبطال
حق من قام مقامهم.
وأن قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ قيل أنها نزلت ناسخة لقوله:
﴿والذين عقدتم أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿والذين عقدتم أيمانكم
فآتوهم نصيبهم﴾ فالمراد من النصيب الميراث لأنه تعالى أضاف النصيب إليهم فيدل على قيام حق مقدر
لهم في الشركة وهو الميراث لأن هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان
والأقربون﴾ لكن هذا عند عدم ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وبقوله - وَطير -: ((الولاء
لحمة كلحمة النسب)) وما استدل به محمد ومن وافقه مردود: أولاً قولهم إن في عقد الولاء إبطال حق
جماعة المسلمين الذين هم ورثته إنما يكون إذا مات قبل المعاقدة فأما بعدها فلا. ثانياً: إنه تصح وصيته
بالثلث ولو كان كذلك لما صحت لكونها وصيته لوارث. وثالثاً: قولهم قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام
بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ناسخة لقوله تعالى: ﴿والذين عقدتم أيمانكم) الآية فالذي ورد أنها
منسوخة في حق التقديم فإنهم كانوا يقدمونه بالبعض على أولي الأرحام فنسخ ذلك التقديم وفي الآية
إشارة إليه حيث قال تعالى: ﴿أولى ببعض﴾ وكونهم أولى منه لا يوجب سقوط عند عدمهم.
ألا ترى أن الأولوية موجودة في كثير من الورثة لا سيما في العصبة ثم عند عدم من هو أولى لا يوجب
سقوط الآخر.
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.
(١) أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في ((كتاب الولاء)) كما في ((تلخيص الحبير)) (٢١٣/٤) ومن طريقه
الشافعي في («المسند» (٧٢/٢) كتاب العتق: باب المكاتب والولاء حديث (٢٣٧) والحاكم (٣٤١/٤)
كتاب الفرائض: باب الولاء لحمة كلحمة النسب والبيهقي (٢٩٢/١٠) كتاب الولاء: باب من أعتق
مملوكاً له، كلهم من طريق محمد بن الحسن الشيباني عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد الله بن دينار عن
ابن عمر به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وتعقبه الذهبي فلم یصححه.
الحديث: قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: هذا الحديث خطأ لأن الثقات لم يروه هكذا وإنما رواه
الحسن مرسلاً ا. هـ. وهذا المرسل أخرجه البيهقي (٢٩٢/١٠) كتاب الولاء: باب من أعتق مملوكاً له.
قال الألباني في «الأرواء)) (٦/ ١١٠): وإسناد هذا المرسل صحيح وهو مما يقوي الموصول الذي قبله
على ما يقتضيه بحثهم في المرسل من علوم الحديث فإن طريق الموصول غير طريق المرسل ليس فيه راوٍ
واحد مما في المرسل فلا أرى وجهاً لتخطئته بالمرسل بل الوجه أن يقوي أحدهما بالآخر ا. هـ.
=

٣٨٥
كِتَابُ النّكَاحِ
وللحديث طرق أخرى عن ابن دينار عن ابن عمر.
=
١ - وقد خولف محمد بن الحسن في هذا الحديث خالفه بشر بن الوليد فرواه عن يعقوب بن إبراهيم عن
عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في «الجوهر النقي)) (٢٩٣/١٠) وتوبع بشر على هذه الرواية فقال ابن التركماني:
وتابع بشراً على ذلك محمد بن الحسن فرواه عن أبي يوسف كذلك قال البيهقي في كتاب المعرفة: ورواه
محمد بن الحسن في كتاب الولاء عن أبي يوسف عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. ا. هـ.
ومنه يظهر أن محمد بن الحسن الشيباني كان يرويه عن عبد الله بن دينار ومرة يدخل عبيد الله بن عمر
بین یعقوب وعبد الله بن دینار.
وقد تابع بشراً أيضاً على هذه الرواية عبد الله بن نمير أخرجه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٥٣/٢) ثنا أبو
زرعة قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثني أبي عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر أن النبي - نَّر - قال: ((الولاء لا يباع ولا يوهب)).
٢ - وأخرجه البيهقي (٢٩٣/١٠) من طريق الطبراني ثنا يحيى بن عبد الباقي ثنا أبو عمير بن النحاس ثنا ضمرة عن
سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي - وَار - قال: الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا ضمرة.
وقال البيهقي: قد رواه إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي عن ضمرة كما رواه الجماعة: ((نهى عن بيع
الولاء وعن هبته». فكان الخطأ وقع من غيره.
٣ - أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢/ ٢٣٢) من طريق الحسن بن أبي الحسن المؤذن ثنا ابن أبي فديك
ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي - وَلّ - ((قال: إنما الولاء نسب
لا يصلح بيعه ولا شراؤه)».
وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الثقات ويقلب الأسانيد أي الحسن بن أبي الحسن.
وقال: قوله عن نافع عن عبد الله لا أدري وهم فيه أو تعمد فأراد تقلب الإسناد وإنما أراد أن يقول عن
نافع وعبد الله بن دينار. وللحديث شواهد من حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن أبي أوفى.
- حديث علي بن أبي طالب:
أخرجه البيهقي (٢٩٤/١٠) كتاب الولاء: باب من أعتق مملوكاً له من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن
مجاهد عن علي أن رسول الله - رَضّليو - قال: الولاء بمنزلة النسب لا يباع ولا يوهب.
- حديث عبد الله بن أبي أوفى:
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٩٨٨/٥) والطبراني كما في ((مجمع الزوائد» (٢٣٤/٤) من طريق عبيد بن
القاسم عن إسماعيل بن أبي خالد عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله - وَلـ: الولاء لحمة كلحمة النسب.
قال ابن عدي: لم يروه عن ابن أبي خالد غير عبيد.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه عبيد بن القاسم وهو كذاب.
وقول ابن عدي فيه نظر فقد رواه عن ابن أبي خالد أيضاً يحيى بن هشام السمسار.
أخرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٨/٢) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٢/ ٦١).
=
والسمسار كذبه ابن معين.
بدائع الصنائع ج٣ - ٢٥٣

٣٨٦
كِتَابُ النّكَاحِ
أما ولاء العتاقة: فولاية ولاء العتاقة نوعان: ولاية حتم وإيجاب، وولاية ندب
واستحباب عند أبى حنيفة - رحمه الله - وعند محمد ولاية استبداد وولاية شركة على ما بينا في
ولاية القرابة، وشرط ثبوت هذه الولاية ما هو شرط ثبوت تلك الولاية، إلا أن هذه الولاية
اختصت بشرط، وهو ألا يكون للمعتق عصبة من جهة القرابة، فإن كان فلا ولاية للمعتق؛ لأنه
لا ولاء له؛ لأن مولى العتاقة آخر العصبات، وإن لم يكن ثمة عصبة من جهة القرابة - فله أن
يزوج، سواء كان المعتق ذكراً أو أنثى، وأما مولى الموالاة فله ولاية التزويج في قول أبي حنيفة
رحمه الله - عند استجماع سائر الشرائط، وانعدام سائر الورثة؛ لأنه آخر الورثة.
وعند أبي يوسف ومحمد: ليس له ولاية التزويج أصلاً ورأساً؛ لأن العصوبة شرط
عندهما ولم توجد.
فصل في ولاية الإمامة
وأما ولاية الإمامة فسببها الإمامة، وولاية الإمامة نوعان أيضاً؛ كولاية القرابة، وشرطها
ما هو شرط تلك الولاية في النوعين جميعاً، ولها(١) شرطان آخران(٢).
١٣ ب
أحدهما: يعم النوعين/ جميعاً، وهو ألا يكون هناك ولي أصلاً؛ لقوله وَّه: ((السُّلْطَانُ
وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلَيَّ لَهُ))(٣) .
والثاني: يخص أحدهما، وهو ولاية الندب والاستحباب، أو ولاية الشركة على
اختلاف الأصل(٤) وهو العضل من الولي؛ لأن الحرة البالغة العاقلة إذا طلبت الإنكاح من
كفء - وجب عليه التزويج منه؛ لأنه منهي [عن](٥) العضل(٦) والنهي عن الشيء أمر
(١) في ط ولهما.
(٢) فهي ولاية الإمام الأعظم على جميع الرعية. وكذا ولاية السلطان والقاضي المأذون له بذلك لأنه نائب
الإمام والسلطان.
وهذه الولاية تثبت عند عدم وجود ولي أصلاً سواء كان عصبة أو مولى عتاقة أو من ذوي الأرحام أو
مولى موالاة على أصل الإمام. أو كان عصبة أو مولى عتاقة على أصل الصاحبين لقوله - وَالر -:
(السلطان ولي من لا ولي له)).
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل من الولاية في النكاح.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) في أ: الأصليين.
(٥) سقط في ط .
(٦) الفصل الحبس والتضييق، وفي الشرع منع الولي موليته من الزواج بغير داع وهو منهي عنه قال تعالى:
﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ والنهي عن الشيء أمر بضده. وهذا الأمر يتوجه إلى الحاكم أيضاً
قال - رَله -: ((فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)) لأن الحاكم من شأنه أن يرفع الظلم الواقع.
فإذا أمن له الولاية في الحال موليته من التزوج بكفء وبمهر المثل ليس لمن يليه في الرتبة ولاية تزويجها =

٣٨٧
كِتَابُ النّكَاحِ
بضده(١)، فإذا امتنع فقد أضر بها، والإمام نصب لدفع الضرر، فتنتقل الولاية إليه، وليس
بل الذي يزوجها هو القاضي أو نائبه بطريق النيابة عن الولي العاضل ولو كان أبا الصغيرة.
وقد أجمعت كتب المذهب على أن القاضي يزوجها نيابة عن العاضل وإن لم ينص في منشوره لما له من
الولاية العامة في رفع الظلم.
قال ابن عابدين نقلاً عن ابن الشحنة عن الغاية عن روضة الناطفي إن كان للصغيرة أب امتنع عن تزويجها
لا تنتقل الولاية إلى الجد. ا. هـ. وكذا نقل في النهر عن المحيط أنها تنتقل إلى الحاكم ونقله أيضاً عن
أنفع الوسائل ونصه إذا كان للصغيرة أب امتنع عن تزويجها لا تنتقل إلى الجد بل يزوجها القاضي ا.هـ.
وكذا نقل المقدسي عن الغاية أنها تثبت للقاضي نيابة عن العاضل فله التزويج وإن لم يكن في منشوره.
وقال أبي الفتاوى الطرسوسية في مسألة العضل أن الولي الأقرب إذا عضل عن تزويج الصغيرة ورفعت
القضية إلى القاضي واستوفى الشرائط وزوج هل يكون تزويج القاضي بطريق النيابة عن الولي العاضل بإذن
الشرع أم بما إلى القاضي من الأذن بتزويج الصغائر.
ويترتب على هذا البحث أن القاضي إذا لم يكن مأذوناً له في تزويج الصغائر هل له أن يزوج في هذه
الصورة ويكون تزويجه بطريق النيابة عن العاضل بإذن الشرع لا بغيره. وأخذت ذلك من قول الأصحاب
أن العاضل ظالم وأن القاضي يكف يد الظالم. ومن قولهم في اللعان أن الزوج إذا امتنع من التطليق ناب
القاضي منابه دفعاً للظلم. ومن قولهم أن الولي الأقرب إذا امتنع من التزويج لا تنتقل الولاية إلى الأبعد
بل القاضي يزوج كفا للظلم. فلو قلنا إن القاضي يزوج بمعنى إن كان مشروطاً له تزويج الصغائر لكان
متناقضاً .
لأنهم صرحوا بأنه لا تنتقل الولاية إلى الأبعد ولا شك أن القاضي المأذون له ولي أبعد فيتناقض الكلام.
وإذا حملناه على ما قلنا لا يبقى فيه تناقض فيتعين أن يقال إن تزويج القاضي في هذه الصورة بطريق النيابة
عن العاضل بإذن الشرع لا بالولاية الثابتة له من السلطان في تزويج الصغائر ا.هـ ومذهب مالك موافق
للحنفية وعند الحنابلة أن الأقرب إذا عضل يزوج الأبعد أي من يليه من الأولياء فإن عضل الأبعد زوجها
الحاكم لقوله عليه السلام: ((فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له».
ينظر: نص كلام شيخنا أحمد محمد فضل في الولاية في النكاح.
(١) قبل أن نذكر مَذَاهِبَ العُلَمَاءِ في هذه المَسْأَلَةِ يَجْدُرُ بنا أن نُبَيْنَ أن عبارات القَوْمِ قد اخْتَلَفَتْ في التعبير
عنها :
فمنهم من عبر عنها بقوله: ((الأَمْرُ بِالْشَيْءِ نهى عن ضِدِهِ)، أو ((يستلزم النهي عن ضده)).
ومنهم من عَبَّرَ بقوله: ((وُجُوبُ الشيء يَسْتَلْزِمُ حُرْمَةَ نقيضه)).
ولكي نستطيع الموازنة بين هاتين العبارتين نذكر الفرق بين الضد والنقيض، لورودهما فيهما.
وبَيَانُهُ: أن كل واجب كالقُعُودِ مثلاً المَطْلُوب بقولنا: ((اقعد)) به أمران منافیان له:
أحدهما: يسمى ((ضدا))، والآخر يُسَمَّى ((نَقِيضاً)) وكل منهما يُغَايِرُ الآخر؛ لأن النَّقِيضَ ينافي الوَاجِبَ
بِذَاتِهِ، وهو عَدَمُ القُعُودِ، حيث إن النقيضين هما الأمْرَانِ اللذان أحدهما وُجُودِي، والآخر عَدَمِي لا
يجتمعان، ولا يرتفعان، كالقُعُود، وعدمه في المثال الذي قدمناه، بخلاف الضُّدُ كالقيام؛ فإنه ينافيه
بالعرض، أي: باعتبار أنه يُحَقِّقُ المُنَافي بِذَاتِهِ، وهو النقيض؛ لأن الضدين هما الأمْرَان الوُجودِيَّانِ اللذان
لا يجتمعان، وقد يرتفعان كالقُعُودِ والقيام، فإنهما لا يَجْتَمِعَانِ في شَخُصٍ واحِدٍ فِي وَقْتٍ واحد، وقد
يرتفعان، ويأتي بَدَلَهُمَا الاضْطِجَاعُ مثلاً، إلا أن كل واحد من أضداد القعود يُحَقُّقُ النقيض، وهو عَدَمُ =

٣٨٨
كِتَابُ النَّاحِ
القُعُودِ، لأنه فَرْدٌ من أفراده، فلم يكن التنافي بين الواجب وضده ذاتياً، بل لأن أحدهما يقتضي نقيض
=
الآخر الذي ينافيه بالذات، وهذا إذا كان النقيض له أفراد هي أضداد الواجب يُحَقّقُّهُ كل واحد منها.
أما إذا لم يكن له إلا فرد وَاحِدٌ هو ضد الوَاحِبِ، ولا يتَحَقَّقُ النقيض إلا به - اعتبر ذلك الضد مُسَاوِياً
للنقيض كالحركة والسُّكُونِ، فإن السُّكُونَ يساويَ عَدَمَ الحَرَكَةِ، لأن عَدَمَ الحركة لا يَتَحَفَّقُ إلا بالسكون،
وأخذ مع ضِدْهِ حكم النقيض، فلا يجتمعان، ولا يرتفعان؛ إذ لا تجتمع حَرَكَةٌ وسكون في وَقُتٍ واحد
في شيءٍ وَاحِدٍ، ولا يرتفعان كذلك، بل لا بد أن يكون الشيء مُتَّصِفاً بأحدهما؛ ضرورة أن الشيء الواحد
لا يَخْلُو عن حركة، أو سكون.
- والمُدَقْقُ فِي هَاتَيْنِ العبارتين يَجِدُ بينهما ثلاثة فروق:
١ - التعبير بقولهم: ((وُجُوبُ الشيء يَسْتَلْزِمُ حُزْمَةُ نقيضه)) - لا يفيد إلا حكم النقيض في الوجوب، أما
حكمه في النَّذْبِ فلا، بخلاف التعبير بقولهم: ((الأمر بالشيء نَهْيٌ عن ضِدِّهِ»، فإنه يفيد حكم الضد
فيهما؛ لأن الأَمَرَ بالشيء بصيغته عند عَدَم القرينة التي تصرف عن الوجوب إلى النَّذْبِ يَدُلُّ على
الوجوب، ومع القَرِينَةِ الصَّارفة يَدُلُّ على الندبَ، فالتعبير بالأَمْرِ يتناول الوُجُوبَ والندب، والتعبير بالنهي
يتناول التحريم والكراهة؛ لأن النهي إن كان جَازِماً، فهو التحريم، وإن كان غَيْرَ جَازِم، فهو الكراهة.
ومن هذا المُنْطَلَقِ يكون الأَمْرُ بالشيء دَالاً على تَحْرِيمِ الضد إن كان الأَمْرُ للوجوب، ودالاً على كراهته إن
كان الأَمْرُ للندب، فيكون التعبير بقولهم: ((الأَمْرُ بالشيء نَهْيٌ عن ضِدِّهِ» مفيداً لحكم الضد في النوعين.
٢ - أن التعبير بقولهم: ((وُجُوبُ الشيء .... الخ)) فيه بَابٌ لحكم النقيض في الوجوب مُطْلَقاً، أي: سواء
كان الوُجُوبُ مأخوذاً من صيغة الأمْرِ، أو من غيرها، مثل فِعْلِ الرسول - بَيرِ - والقياس، وغير ذلك،
بخلاف التعبير بقولهم: ((الأَمْرُ بالشيء ... الخ)) فإنه لا يفيد إلا حكم الضد في الوجوب المَأْخُوذِ من
صِيغَةِ الأَمْرِ دون حكم الضّدِّ في الوجوب المستفاد من غيرها.
٣ - أن التعبير بقولهم: ((الأَمْرُ بالشيء نَهْيٌّ عن ضِدَّهِ ... الخ)) يفيد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو
ضد المأمور به، ولیس نقيضه.
أما التعبير بقولهم: ((وُجُوبُ الشيء يَسْتَلْزِمُ حُرْمَةَ نقيضه)) فإنه يفيد أن نقيض الواجب مَوْضِعُ خِلافٍ بينهم،
وأن من العلماء من يقول بأن: ((الأمر بالشيء ليس دَالاً على النَّهي عن نقيضه)) وهو بَاطِلٌ؛ لأن الإجماع
مُنْعَقِدٌ على أن نقيض الوَاجِبِ منهي عنه؛ لأَنَّ إِيجَابَ الشيء هو طلَبه مع المنع من تركه، والمنع من الترك
هو النَّهْيُ عن الترك، والترك هو النقيض، فيكون النقيض منهياً عنه، فالدَّال على الإيجاب - وهو الأمر -
دال على النهي عن النقيض؛ لأنه جُزْؤُهُ؛ ضرورة أن الدال على الكل يكون دالاً على الجزء بطريق
التَّضَمُّن.
وإذا كان الأمر كذلك تعيَّن أن يكون الخِلافُ في الضِّدْ فقط، ووجب أن يكون التعبير عن ذلك النزاع بما
يَدُلُّ صَرَاحَةً على محله، والّذي يُفِيدُ ذلك هو العِبَارَةُ الأولى لا الثانية.
ويرى أبو الحسن الأَشْعَرِيُّ، والقاضي أبو بكر الباقلانيُّ في أوَّلِ أقواله أن الأَمْرَ بشيء معين إيجاباً أو نَذْباً
نهى عن ضِدِّهِ الوجودي تَخْرِيماً، أو كراهة، سواء كان الضد وَاحِداً كالتحرك بالنسبة إلى السُّكُونِ المأمور
به في قول القائل: ((اسكن)) أو أكثر كَالقِيَام وغيره بالنسبة إلى القُعُودِ المَطْلُوبِ للأمر بقوله: ((اقعد)».
ومعنى كونه نَهْياً أن الطَّلَبَ وَاحِدٌ، ولكنه بالنسبة إلى السُّكونِ في مثالنا أمر، وبالنسبة إلى التحرك نهى كما
يَكُونُ الشيء الوَاحِدُ بالنسبة إلى شيء قريباً، وإلى آخر بعيداً.
=

٣٨٩
كِتَابُ النّكَاحِ
للوصي ولاية الإنكاح؛ لأنه يتصرف بالأمر فلا يعدو موضع الأمر كالوكيل، وإن كان الميت
أوصى إليه لا يملك أيضاً؛ لأنه أراد بالوصاية إليه نقل ولاية الإنكاح، وأنها لا تحتمل النقل
حال الحياة؛ كذا بعد الموت، وكذا الفضولي؛ لانعدام سبب ثبوت الولاية في حقه أصلاً، ولو
أنكح ينعقد موقوفاً على الإجازة عندنا، وعند الشافعي: لا ينعقد أصلاً، والمسألة ستأتي في
كتاب البيوع.
فصل في الشهادة
ومنها: الشهادة وهي حضور الشهود، والكلام في هذا الشرط في ثلاث مواضع:
أحدها: في بيان أن أصل الشهادة شرط جواز النكاح أم لا .
والثاني: في بيان صفات الشاهد الذي ينعقد النكاح بحضوره.
والثالث: في بيان وقت الشهادة.
أما الأول: فقد اختلف أهل العلم فيه، قال عامة العلماء: إن الشهادة شرط جواز
ومثل الشيء المُعين في ذلك الشيء الواحد المبهم من أَشْياءَ معينة بالنَّظَرِ إلى مفهومه، وهو الأحد الذي
=
يَدُورُ بينهما؛ فإن الأمْرَ به نَهْيٌّ عن ضِدُه الذي هو ما عداها بِخِلافِهِ بالنظر إلى فَرْدِهِ المعين، فليس الأَمْرُ به
نھیاً عن ضده منها.
وذهب القاضي الباقلانيُّ في آخر ما قال: والإمام الرَّازِيُّ، وسيف الدين الآمدي، وأيضاً القاضي عبد
الجَبَّارِ، وأبو الحسين من المُعْتَزِلَةِ إلى أن الأمر بشيء معين مُطْلَقاً يَدُلُّ على النهي عن ضِدَّهِ اسْتِلْزَاماً،
فالأمر بالسكون يستلزم النَّهْيَ عن التحرك، أي: طلب الكف عنه.
وذهب أَبُو المَعَالِي الجويني، والغزالي إلى أن الأَمْرَ بشيء مُعَيَّنٍ مطلقاً، لا يدل على النهي عن ضِدَّهِ لا
مطابقة، ولا التزاماً.
وذَهَبَ بَعْضُ العُلَمَاءِ إلى أن أمْرَ الإِيجَابِ يَدُلُّ على النهي عن ضِدِهِ التزاماً دون أمر الندب، فلا يَدُلُّ على
النهي عن ضِدْهِ لا مطابقة، ولا التزاماً.
والذي نَخْتَارُهُ من هذه الآرَاءِ أن الأَمْرَ بالشَّيْءِ إيجاباً، أو نَذْباً يستلزم النهي عن ضِدِّهِ تحريماً، أو كراهة.
ينظر: المحصول: (٣٣٤/٢/١)، والبرهان: (٢٥٠/١-٢٥٢)، واللمع (١١)، والتبصرة (١٨٩)،
والمنخول (١١٤)، والمستصفى: (٨١/١)، والإحكام للآمدي: (١٥٩/٢)، وشرح الكوكب المنير:
(٥١/٣)، والمسودة (ص: ٤٩)، وأصول السرخسي: (٩٤/١)، وشرح تنقيح الفصول (ص: ٣٥)،
والمعتمد: (١٠٦/١)، وجمع الجوامع: (٣٨٦/١)، وتيسير التحرير: (٣٦٣/١)، وفواتح الرحموت:
(٩٧/١)، والقواعد والفوائد الأصولية (ص: ١٨٣)، والتمهيد للإسنوي (٩٤-٩٥)، وشرح العضد: (٣/
٨٥)، وكشف الأسرار: (٣٢٨/٢)، والتلويح على التوضيح: (٢٣٨/٢_٢٣٩)، وإرشاد الفحول (١٠١)،
وروضة الناظر (ص: ٢٥)، والمدخل (ص: ١٠٢).

٣٩٠
كِتَابُ النَّكَاحِ
النكاح(١)، وقال مالك: ليست بشرط، وإنما الشرط هو الإعلان، حتى لو عقد النكاح، وشرط
(١) الشهادة مصدر شهد بمعنى خبر، فتكون الشهادة في اللغة بمعنى الإخبار وأما في اصطلاح الفقهاء، فهي
الأخبار المتعلق بمعين. ثم إننا لو نظرنا إلى العقود في الشريعة الإسلامية، لوجدنا أن الفقهاء لم يشترطوا
في صحتها الأشهاد، بل قالوا تنعقد صحيحة بدون أشهاد، ولا فرق في ذلك بين عقود المعاوضات كالبيع
والإجارة، وبين عقود التبرعات، كالوقف، والهبة والصدقة بالرغم من أنه قد ورد الأمر بالإشهاد في البيع
في الكتاب العزيز قال تعالى: ﴿واشهدوا إذا تبايعتم﴾ وقد حملوا الأمر على الندب، وقالوا تندب الشهادة
عند البيع خوف التجاحد ولا تتوقف صحة البيع عليها .
ولكن نجد الفقهاء قد اختلفوا في النكاح، وهل حكمه حكم سائر العقود، فلا تشترط الشهادة في صحته،
أو ليس حكمه حكم بقية العقود، وأنه لا بد فيه من الشهادة، مذهب القليل منهم إلى أن النكاح ينعقد
صحيحاً بدون شهادة. وهؤلاء نظروا إلى النكاح كعقد من العقود فحسب، ولم ينظروا إلى الأحاديث
الواردة باشتراط الشهادة في النكاح، لأنها لم تصحَّ عندهم. وذهب جمهورهم إلى القول باشتراط الشهادة
في النكاح، وهؤلاء نظروا إلى النكاح نظرة أسمى من نظرة الفريق الأول من حيث إنه عقد له خطره
وأثره، فيجب أن يمتاز عن سائر العقود باشتراط الشهادة فيه.
ثم إن الجمهور اختلفوا فيما بينهم بعد اتفاقهم على أن الشهادة لا بد منها في النكاح هل هي شرط في
صحته؟ بمعنى أنه لو خلا العقد عنها يكون فاسداً. أو هي شرط في تمامه بمعنى أن النكاح ينعقد صحيحاً
بدونها، ولکن لا يتم إلا بها.
وسأذكر في المسألة الأولى والثانية مذاهب العلماء وأدلتهم في اشتراط الشهادة وعدم اشتراطها وهل هي
شرط صحة أو تمام.
-- المسألة الأولى: اختلف أهل العلم في اشتراط الشهادة في النكاح، وعدم اشتراطها. فذهب عبد الله بن
مهدي، ويزيد بن هارون، والعنبري، وعثمان البتي، وابن أبي ليلى، وأهل الظاهر إلى القول بأن الشهادة
ليست شرطاً في النكاح، وهو رواية عن أحمد.
وذهب الجمهور إلى القول بأن الشهادة شرط في النكاح استدل من لم يشترط الشهادة في النكاح بالأثر،
والمعقول.
أما الأثر فما روي عن ابن المنذر قال: أعتق النبي - رَطاهر - صفية بنت حيي، فتزوجها بغير شهود، ووجه
الدلالة من هذا الأثر أن ابن المنذر أخبر أن النبي - ر18َّ - تزوج صفية من غير شهود، ولو كانت الشهادة
شرطاً في النكاح، لما تركها النبي - بَير ..
وأما المعقول: فقد قالوا فيه أن النكاح عقد من العقود، فلم تكن الشهادة شرطاً فيه كالبيع وتناقش هذه
الأدلة بما يأتي :
أما الأثر: فيقال لهم فيه أنه لا يدل على عدم اشتراط الشهادة في النكاح؛ لأنه يحمل على الخصوصية،
ومما يؤيد أن ذلك من الخصوصيات ما ورد عنه من الأحاديث القاضية باشتراط الشهادة في النكاح.
ويقال لهم في المعقول: فرق بين البيع، والنكاح، فإن البيع لا يتعلق به إلا حق المتعاقدين بخلاف
النكاح، فإنه يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد لذلك اشترطت فيه الشهادة، حتى لا يجحده أبوه،
فيضيع نسبه، وفي ذلك من الضرر ما لا يخفى.
وأما الجمهور: فقد استدلوا بالسنة والمعقول.
أما السنة: فأولاً: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي ◌َّ قال: ((الْبَغَايَا الَّلاتي يَنْكِخْنَّ =

٣٩١
كِتَابُ النَّاحِ
أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيْنَةٍ) رواه الترمذي، ووجه الدلالة منه أن النبي - رَّو - أطلق على النساء اللاتي ينكحن من
=
غير بينة بغايا، فدل ذلك على اشتراط الشهادة في النكاح، وإلا لما سماهن بغايا.
وثانياً: بما روي عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - عن النبي - رَّ - قال: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ
وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ)) ووجه الدلالة من الحديث أن الظاهر أن النفي يتوجه إلى نفس الفعل ونجد أن الفعل
يوجد من غير شهود، فتعين توجه النفي في الحديث إلى الصحة، وذلك يستلزم أن يكون الأشهاد شرطاً
في صحة النكاح، لأنه قد استلزم عدمه عدم الصحة وما كان كذلك فهو شرط. وثالثاً: بما أخرجه الحاكم
والبيهقي، وغيرهما من طريق أبي يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي عن الزهري عن عروة عن
عائشة قالت قال رسول الله - وَّل﴿َ -: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكِحْتَ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلِيُّهَا وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، فَنِكَاحَهَا بَاطِلٌ،
فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ فَإِنْ اسْتَجَرَوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ)) ووجه الدلالة من الحديث أن النبي
- وَلر - أخبر بأن نكاح المرأة بدون إذن وليها، وشاهدي عدل باطل، فدل ذلك على اشتراط الشهادة في
النكاح.
وأما المعقول، فقد قالوا فيه: أن النكاح يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد، فاشترطت فيه
الشهادة، لئلا يجحده أبوه، فیضیع نسبه.
وقد نوقشت الأحاديث التي تمسك بها الجمهور بما يأتي:
أما حديث ابن عباس فقد قيل لهم فيه: أن الترمذي ذكر أنه لم يرفعه غير عبد الأعلى، وأنه قد وقفه مرة،
وأن الوقف أصح، ويجاب عن هذه المناقشة. بأن هذا لا يقدح في الحديث، لأن عبد الأعلى ثقة، فيقبل
رفعه وزيادته، وقد يرفع الراوي الحديث، وقد يقفه.
وأما حديث عمران بن حصين، فقد قيل لهم فيه أن في إسناده عبد الله بن محرز، وهو متروك، ويجاب
عن هذه المناقشة، بأن هذا الحديث رواه الشافعي - رضي الله عنه - من وجه آخر عن الحسن مرسلاً،
وقال: هذا وإن كان منقطعاً، فإن أكثر أهل العلم يقولون به.
وأما حديث عائشة فقد نوقش بأن الدار قطني أعلن بأن الثوري، ويحيى بن سعيد، وغيرهما رووه، ولم
یذکروا فيه الشاهدین.
ويجاب عن هذه المناقشة. بأن البيهقي نقل عن أبي علي الحافظ النيسابوري أنه قال: أبو يوسف الرقي
هذا من حفاظ أهل الجزيرة ومتقنيهم، ثم ساق الحديث من طرق أخرى.
هذه خلاصة ما نوقشت به الأحاديث التي تمسك بها الجمهور والناظر في الأدلة.
يرى ترجيح مذهب الجمهور للأحاديث. وهي وإن تكلم فيها إلا أنها بانضمامها يقوي بعضها بعضاً،
فيصح الاحتجاج بها. لا سيما أن النكاح شرع لمقاصد جليلة يتعلق بها وجود النوع الإنساني على الوجه
الأكمل؛ فلذلك وجب أن يمتاز عن سائر العقود باشتراط الشهادة فيه. وأيضاً في الإشهاد على النكاح
تمييز له عن السفاح، فإن الزنا لا يكون عادة إلا سرًّا.
المسألة الثانية: اختلف الجمهور بعد اتفاقهم على أن الشهادة لا بد منها في النكاح. هل هي شرط في
صحته أو في تمامه.
فذهب المالكية إلى القول بأن الشهادة شرط في تمام النكاح، وليست شرطاً في صحته، فينعقد النكاح
عندهم صحيحاً بدون شهادة، ولكنه لا يتم إلا بالشهادة. وقالوا تندب الشهادة عند العقد للخروج من
الخلاف. وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، والحسن بن =

٣٩٢
كِتَابُ النّكَاحِ
الإعلان - جاز، وإن لم يحضره(١) شهود، ولو حضرته شهود وشرط عليهم الكتمان - لم يجز،
ولا خلاف في أن الإشهاد في سائر العقود ليس بشرط، ولكنه مندوب إليه ومُستحب، قال الله
تعالى في باب المداينة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾
[البقرة: ٢٨٢]، والكتابة لا تكون لنفسها بل للأشهاد، ونص عليه في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَیْنِ
مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال عز وجل في باب الرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
[الطلاق: ٢] .
علي، ومن المحدثين عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون.
=
وذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى القول بأن الشهادة شرط في صحة النكاح، وأن العقد لو خلا
عنها يكون فاسداً، وقد حكاه في البحر عن علي، وعمر، وابن عباس والعترة. استدل المالكية ومن معهم
بالأثر والمعقول.
أما الأمر: فما رواه البخاري قال: حدثنا قتيبة قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس قال: أقام
النبي - وَلو - بين خيبر والمدينة ثلاثاً، بنينا عليه بصفية بنت حيي، ودعوت المسلمين إلى وليمة. فما كان
فيها من خبز ولا لحم أمر بالانكاح فألقى فيها من التمر، والأقط، والسمن، فكانت وليمته، فقال
المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو مما ملكت يمينه. فقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين،
وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. فلما ارتحل وطأ لها خلفه، وسدل الحجاب بينها وبين الناس.
ووجه الدلالة من هذا الأثر. أن أصحاب النبي - وَلجر - استدلُّوا على أنها من أمهات المؤمنين بالحجاب،
ولو كان أشهر على نكاحها لعلموا ذلك بالإشهاد. وهذا يدل على أن صحة العقد لا تتوقف على
الإشهاد .
وأما المعقول. فقد قالوا إن النكاح عقد على منفعة، فلم تكن مقارنة الشهادة شرطاً في صحته كالأجارة.
وتناقش أدلة المالكية بما يأتي - فيقال لهم: إن القصة التي روتب عن أنس لا تدلّ على أن الشهادة ليست
شرطاً في صحة العقد؛ لأن ذلك يحمل على الخصوصية. وأيضاً فإن هذا لا يفيدكم في قولكم إن الشهادة
شرط في تمام النكاح، فإن لم يذكر أن النبي - رَلّر - أشهد بعد العقد.
ويقال لهم: في المعقول فرق بين النكاح والإجارة، فإن الإجارة لا يتعلق بها إلا حق المتعاقدين، بخلاف
النكاح فإن يتعلق به حق غير المتعاقدين كما بينا فيما تقدم؛ ولذلك قلنا باشتراط الشهادة في صحته.
وأما الحنفية، والشافعية، ومن معهم فقد استدلوا بحديث، ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)).
ووجه الدلالة من الحديث: أن النفي في قوله ((لا نكاح)) يتوجه إلى الصحة وذلك يستلزم أن يكون الإشهاد
شرطاً في صحة العقد، وأن العقد لو خلا عنه يكون فاسداً، كما يفسد لو خلا عن الولي.
ويناقش هذا الحديث من قبل المالكية بأن فيه عبد الله بن محرز وهو متروك، وعلى تسليم صحته، فإن
معناه لا نكاح يثبت في الحكم عند المنازعة إلا بشاهدين، وإذا ثبت أن الإشهاد ليس شرطاً في صحة
العقد، فهو شرط في تمامه. ويجاب عن هذه المناقشة. بأننا لا نسلم أن المعنى لا نكاح يثبت في الحكم
عند المنازعة، بل معناه لا نكاح يصح إلا بشاهدين، لأن نفي الصحة أقرب إلى نفي الوجود، وإذا أثبت
أن النكاح لا يصحُّ إلا بشاهدين كانت الشهادة شرطاً في صحته.
(١) في أ: يحضر.

٣٩٣
كِتَابُ النّكَاحِ
وجه قول مالك: إن النكاح إنما يمتاز عن السفاح بالإعلان، فإن الزنا يكون سرّاً فيجب
أن يكون النكاح علانية.
وقد روي عن رسول الله وَّر؛ أنه نَهَى عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ (١)، وَالنَّهي عن السر يكون أمراً
بالإعلان؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وروي عنه وَّ؛ أنه قال: «أَعْلِنُوا النّكَاحَ وَلَوْ
بِالدُّفِّ)) (٢).
(١) ورد النهي عن نكاح السر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أتى إليه بنكاح لم يشهد عليه إلا
رجل وامرأة. فقال هذا نكاح السر. ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت.
والحديث أخرجه مالك في الموطأ (٥٣٥/٢) كتاب ((النكاح)): باب ((جامع ما لا يجوز في ((النكاح))
حديث (٢٦).
وقد روى أبو هريرة أن النبي - رَّه ـ ((نهى عن نكاح السر)).
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٨٨/٤): رواه الطبراني في الأوسط عن محمد بن الصمد بن أبي
الجراح ولم يتكلم فيه أحد وبقية رجاله ثقات.
(٢) ورد بلفظ ((أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف)).
أخرجه الترمذي (٣٩٨/٣) كتاب النكاح: باب إعلان النكاح حديث (١٠٨٩) والبيهقي (٧/ ٢٩٠) كتاب
الصداق: باب إظهار النكاح وإباحة الضرب بالدف وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان» (١/ ١٧٤) وابن الجوزي
في ((العلل المتناهية)) (٦٢٧/٢) من طريق عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال
رسول الله - رَلغير -: ((أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف)).
قال الترمذي: حديث غريب وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث وليس هو عيسى ميمون
الذي يروي التفسير عن ابن أبي نجيح ذاك ثقة .
البيهقي: عيسى بن ميمون ضعيف.
وقال ابن الجوزي: عيسى بن ميمون قال ابن حبان: منكر الحديث لا يحتج بروايته.
لكن تابعه ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم به أخرجه ابن ماجه (٦١١/١) كتاب النكاح: باب إعلان
النكاح حديث (١٨٩٥) والبيهقي (٧/ ٢٩٠) كتاب الصداق: باب إظهار النكاح وإباحة الضرب بالدف وأبو
نعيم في ((الحلية)) (٢٦٠/٣) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٣٧/٤) وابن الجوزي في ((العلل المتناهية))
(٦٢٧/٢) من طريق خالد بن إلياس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد عن عائشة أن
رسول الله - رَ﴾ - قال: ((أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال)).
وقال البيهقي: خالد بن إلياس ضعيف.
وقال أبو نعيم: هذا حديث مشهور من حديث القاسم عن عائشة تفرد به خالد.
وقال ابن الجوزي: خالد بن إلياس قال أحمد بن حنبل: هو متروك الحديث وقال يحيى: لا يكتب
حديثه ليس بشيء وقال ابن ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يحل كتابة حديثه إلا تعجباً.
قال البوصيري في ((الزوائد» (٢/ ٨٧): هذا إسناد فيه خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي وهو ضعيف بل
نسبه إلى الوضع ابن حبان والحاكم وأبو سعيد النقاش.
وقال الحافظ ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) (٢٠١/٤): وفي إسناده خالد بن إلياس وهو منكر الحديث
قاله أحمد.
=

٣٩٤
كِتَابُ النَّاحِ
ولنا ما روي عن رسول الله وَّر؛ أنه قال: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِشُهُودٍ)) وروي: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ
◌ِشَاهِدَیْنِ))(١) .
وعن عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن رسول الله وَ ل أنه قال: ((الزَّانِيَةُ
الَِّي تُتْكِحُ نَفْسَهَا بِغَيْرِ بَيْنَةٍ))(٢)، ولو لم تكن الشهادة شرطاً لم تكن زانية بدونها؛ ولأن الحاجة
مست إلى دفع تهمة الزنا عنها، ولا تندفع إلا بالشهود؛ لأنها لا تندفع إلا بظهور النكاح
واشتهاره، ولا يشتهر إلا بقول الشهود، وبه تبين أن الشهادة في النكاح ما شرطت إلا في
النكاح للحاجة إلى دفع الجحود والإنكار لأن ذلك يندفع بالظهور والاشتهار؛ لكثرة الشهود
على النكاح بالسماع من العاقدين وبالتسامع؛ وبهذا فارق سائر العقود، فإن الحاجة إلى الشهادة
هناك؛ لدفع احتمال الشهود النسيان أو الجحود والإنكار في الثاني؛ إذ ليس بعدها ما يشهرها
ليندفع به الجحود، فتقع الحاجة إلى الدفع بالشهادة فندب إليها، وما روي أنه نهى عن نكاح
السر، فنقول بموجبه لكن نكاح السر ما لم يحضره شاهدان، فأما ما حضره شاهدان فهو نكاح
علانية لا نكاح سر؛ إذ السر إذا جاوز اثنين خرج من أن يكون سرّاً.
قال الشاعر: [بحر المتقارب]
وَسِرّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امْرِىءٍ وَسِرُّ الثَّلاثَةِ غَيْرُ الْخَفِي
وكذلك قوله وَلجر: ((أَعْلِنُوا النَّكَاحَ))(٣)؛ لأنهما إذا أحضراه شاهدين فقد أعلناه،
وقوله وَه: ((وَلَوْ بِالدُّفِّ))(٤)، ندب إلى زيادة إعلانه وهو مندوب إليه، والله عز وجل الموفق.
وبالجملة فالحديث ضعيف حتى بمجموع الطريقين عن عائشة كما حكم بذلك الترمذي والبيهقي وابن
=
الجوزي والبوصيري وابن حجر وغيرهم.
ولإعلان النكاح شاهد من حديث عبد الله بن الزبير.
أخرجه أحمد (٥/٤) والبزار (١٦٤/٢ - كشف) رقم (١٤٣٣) والحاكم (١٨٣/٢) وابن حبان (١٢٨٥ -
موارد) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٨/٨) والبيهقي (٢٨٨/٧) من طريق عبد الله بن وهب قال: حدثني
عبد الله بن الأسود عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن رسول الله - وَ لقوله - قال: أعلنوا النكاح.
قال البزار: لا نعلمه عن ابن الزبير إلا من هذا الوجه.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٥٦/٣) كتاب ((النكاح)): باب ((في المرأة إذا تزوجت بغير ولي)) حديث (١٥٩٤٦)
قال: حدثنا محمد بن فضيل عن حصين عن بكر قال: زوجن بغير ولي ولا بينة، وكتب إلى الأمصار:
((أيما امرأة تزوجت بغير ولي فهي بمنزلة الزانية)). وللحديث شاهد من حديث عائشة - رضي الله عنها -
أنها قالت: ((أيما امرأة نكحت بدون إذن مليها فنكاحها باطل .. )) الحديث وقد تقدم بتمامه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ينظر: تخريج الحديث السابق.

٣٩٥
كِتَابُ النّكَاحِ
فصل في صفات الشاهد
وأما صفات الشاهد الذي ينعقد به النكاح، وهي شرائط تحمل الشهادة للنكاح فمنها:
العقل، ومنها: البلوغ، ومنها: الحرية، فلا ينعقد النكاح بحضرة المجانين والصبيان
ولمماليك، قنا كان المملوك أو مدبراً أو مكاتباً.
من مشايخنا من أصل في هذا أصلاً فقال: كل من صلح أن يكون ولياً في النكاح بولاية
نفسه يصلح شاهداً فيه، وإلا فلا. وهذا الاعتبار صحيح؛ لأن الشهادة من باب الولاية؛ لأنها
تنفيذ القول على الغير، والولاية هي نفاذ المشيئة، وهؤلاء ليس لهم ولاية الإنكاح، لأنه لا
ولاية لهم/ على أنفسهم، فكيف يكون لهم ولاية على غيرهم إلا المكاتب، فإنه يزوج أمته، ١٤أ
لكن لا بولاية نفسه، بل بولاية مولاه بتسليطه على ذلك بعقد الكتابة، وكان التزويج من
المولى، من حيث المعنى؛ فلا يصلح شاهداً.
ومنهم من قال: كل من يملك قبول عقد بنفسه ينعقد ذلك العقد بحضوره، ومن لا فلا،
وهذا الاعتبار صحيح أيضاً؛ لأن الشهادة من شرائط ركن العقد، وركنه وهو الإيجاب والقبول،
ولا وجود للركن بدون القبول، فكما لا وجود للركن بدون القبول حقيقة، لا وجود له شرعاً
بدون الشهادة، وهؤلاء لا يملكون قبول العقد بأنفسهم، فلا ينعقد النكاح بحضورهم.
[والدليل على أنهم ليسوا من أهل الشهادة؛ أن قاضياً لو قضى بشهادتهم ينفسخ قضاؤه
عليه](١).
وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه أصل فيه أصلاً، وقال: كل من جاز الحكم بشهادته
في قول بعض الفقهاء - ينعقد النكاح بحضوره، ومن لا يجوز الحكم بشهادته عند أحد - لا
يجوز بحضوره، وهذا الاعتبار صحيح أيضاً؛ لأن الحضور لفائدة الحكم بها عند الأداء، فإذا
جاز الحكم بها في الجملة كان الحضور مفيداً، ولا يجوز الحكم بشهادة هؤلاء عند البعض (٢)
من الفقهاء؛ ألا ترى أن قاضياً لو قضى بشهادتهم ينفسخ عليه قضاؤه.
فصل في شرط الإسلام
ومنها: الإسلام في نكاح المسلم المسلمة، فلا ينعقد نكاح المسلم المسلمة بشهادة
الكفار؛ لأن الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ الله
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: أحد.

٣٩٦
كِتَابُ النكاحِ
لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١]، وكذا لا يملك الكافر قبول نكاح المسلم، ولو
قضى قاضٍ بشهادته على المسلم ينقض قضاؤه.
وأما المسلم إذا تزوج ذمية بشهادة ذميين، فإنه يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف،
سواء كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين، وقال محمد وزفر والشافعي: لا يجوز نكاح
المسلم الذمية بشهادة الذميين(١).
(١) اتفق كل من يشترط الشهادة في النكاح على أن نكاح المسلمين لا يصح بغير شهادة المسلمين كما اتفقوا
على أن المسلم إذا تزوج بكتابية وشهد مسلمان على هذا النكاح صحت الشهادة واختلفوا فيما إذا أشهد
ذميان في نكاح المسلم بالذمية هل يصح النكاح أو لا يصح فذهب مالك والشافعي وأحمد ومحمد وزفر
إلى القول بعدم صحة النكاح بشهادة غير المسلمين لأن الإسلام عندهم شرط في الشهود مطلقاً كانت
الزوجة مسلمة أو كتابية.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى القول بأنه إذا تزوج مسلم بكتابيه لا يشترط أن يكون الشاهدان مسلمين
بل يصح أن يكونا كتابيين سواء أكان دينهما موافقاً لدينها أم مخالفًاله. ويترتب على هذا الخلاف هل تقبل
هذه الشهادة ويثبت بها النكاح عند القاضي أو لا .
فمن منع انعقاد النكاح بشهادتهما منع هذا إلا في رواية عن محمد أنه قال تقبل إذا قالا كان معنا مسلمين
عند العقد.
وأما من قال بانعقاد النكاح بشهادتهما فقد قال: إذا حصل النزاع في أصل العقد بأن ادعاه عليها الزوج
وهي تنكره وأقام عليها البينة وهي الكتابيان اللذان حضرا العقد قبلت شهادتهما عليها وحكم بثبوت
الزوجية لقبول شهادة الكتابي على مثله. وأن كانت هي المدعية وهو المنكر فلا تثبت الزوجية بشهادة
الكتابيين، لأن الشهادة حينئذٍ على مسلم وشهادة الكافر على المسلم غير مقبولة، لأن الشهادة من الولاية
وقد قال الله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾.
واستدل أبو حنيفة وأبو يوسف بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب: فالعمومات الواردة في القرآن الكريم
في النكاح كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ وقوله: ﴿أهل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا
بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ - ووجه الدلات من العمومات. أن الله تعالى. أطلق النكاح من غير
شرط إلا أن أصل الشهادة صار شرطاً باتفاق المسلمين عدا من ذكرنا. وإسلام الشاهدين صار شرطاً في
نكاح الزوجين المسلمين بالاجماع. فمن ادعى كونه شرطاً في نكاح المسلم الذمية فعليه الدليل.
وأما السنة: فما روي أن الرسول الله - وَليو - قال: ((لا نكاح إلا بشهود)) رواه الدارقطني - ووجه الدلالة في
هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام لم يشترط في انعقاد النكاح ألا وجود الشهود. وهذا نكاح قد وجد
فيه الشهود، لأن الشهادة في اللغة عبارة عن الأعلام والبيان والكافر من أهل الأعلام والبيان. لأن ذلك
يتوقف على العقل واللسان والعلم بالمشهودية وقد وجد. وهذا وإن كان عاماً في نكاح المسلمة وغيرها
إلا أن الأجماع قام على اشتراط إسلام الشهود في نكاح المسلمة فيبقى على عمومه فيما عداه.
وأما المعقول: فقد قالوا إن هذه شهادة على ذمية وليست شهادة على مسلم. بيان ذلك أن في عقد النكاح
يجب على الرجل مال وهو المهر وثبت على المرأة ملك الاستمتاع. ولما كانت الشهادة واجبة في عقد
النكاح يتعين صرفها إلى ثبوت ملك الاستمتاع حيث لا شهادة تشترط في لزوم المال كما عهد من =

٣٩٧
كِتَابُ النّكَاحِ
أما الكلام مع الشافعي: فهو مبني على أن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة
على أصلنا(١)، وعلى أصله غير مقبولة.
وأما الكلام مع محمد وزفر؛ فإنهما احتجا بما روي عن رسول الله وَلير؛ أنه قال: ((لاَ
تِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهَدَيْ عَدْلٍ))(٢)، والمراد منه عدالة الذين لا عدالة التعاطي؛ لإجماعنا على أن
تقريرات الشرع في غير موضع. فكانت شهادة الذميين في هذا العقد على ذمية وهي صحيحة لأن شهادة
=
الكافر تقبل على مثله، وقد نوقشت أدلة الشيخين بما يأتي:
أما العمومات فقد قيل لهم فيها أنها مقيدة بالأحاديث التي وردت باشتراط العدالة كما قيّدت باشتراط أصل
الشهادة والاسلام في نكاح المسلمين وقيل لهما في الحديث أنه مطلق والمطلق يحمل على المقيد.
وأما المعقول فيقال لهما فيه: أنه لا ينهض لكما حجة لأن الشهادة هنا واردة على العقد لا على ملك
الاستمتاع. وعلى فرض تسليمه فهو معقول في مقابلة النص فلا ينهض.
وأما الجمهور فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعقول.
أما الكتاب: فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ووجه الدلالة في هذه الآية الكريمة
أن الله سبحانه وتعالى أمر بأشهاد العدل والكافر غير عدل فلا تقبل شهادته مطلقاً في النكاح وغيره.
وأما السنة فما روي عن عمران بن حصين أن النبي - رَ لير - قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) رواه
الإمام أحمد. وروى الدارقطني مثله عن عائشة - ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه نفى اعتبار النكاح إلا
بشهادة العدول. والكافر غير عدل لأن الكفر أعظم الظلم وأفحشه فلا يكون الكافر عدلاً. وإذا ثبت كونه
غير عدل فلا ينعقد النكاح بشهادته لقوله - ێر -: ((وشاهدي عدل)).
وأما المعقول: فقد قالوا إن هذه الشهادة على مسلم فلا تصح كما لو كانا مسلمين.
وقد قيل للجمهور في الآية أنها وردت في الأشهاد على الطلاق أو الرجعة. وليست واردة في النكاح،
على أن الشهادة فيهما على سبيل الاستحباب والندب لا على سبيل الوجوب - ولكن يرد هذا بأن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أنه إذا اعتبرت العدالة في الخروج من النكاح والرجعة فيه فلئن
تعتبر في حالة الدخول أولى. وأما القول بأن الشهادة فيهما على سبيل الاستحباب والندب فلا يفيد لأنه
إذا اعتبرت العدالة في شهادة الاستحباب فأولى أن تعتبر في الشهادة الواجبة.
وأما الحديث فقد قيل لهم فيه أن في إسناده عبد الله بن محرز وهو متروك. وحديث عائشة - رضي الله
عنها - قيل لهم فيه قد ضعفه ابن معين وأقره البيهقي على تضعيفه. وعلى تسليم ثبوته يحمل على نفي
الندب والاستحباب توفيقاً بين الأدلة.
ويجاب عن هذه المناقشة من قبل الجمهور بما قاله ابن حبان من أنه لم يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الحديث.
وبأن الحمل إنما يكون عند التعارض ولا تعارض هنا لأنه مقيد وحديثكم مطلق والمطلق يحمل على المقيد.
وقيل لهم في المعقول أنه قياس مع الفارق لأن الشهادة في المقيس عليه على مسلمة وفي المقيس على
كافرة - ويجاب عن هذه المناقشة بأنا لا نسلم لكن أن الشهادة واردة على ملك الاستمتاع حتى تكون
شهادة على كافرة. وإنما هي واردة على العقد فهي شهادة عليهما بدليل أنهما لو سمعا كلامها ولم يسمعا
كلام الرجل لا يصح عندكم.
(١) في أ: أصل أصحابنا.
(٢) تقدم تخريجه .

٣٩٨
كِتَابُ النَّاحِ
فسق التعاطي لا يمنع انعقاد النكاح؛ ولأن الإشهاد شرط جواز العقد، والعقد يتعلق وجوده
بالطرفين(١). طرف الزوج، وطرف المرأة، ولم يوجد الإشهاد على الطرفين؛ لأن شهادة الكافر
حجة في حق الكافر ليست بحجة في حق المسلم، فكانت شهادته في حقه ملحقة بالعدم، فلم
يوجد الإشهاد في جانب الزوج، فصار كأنهما (٢) سمعا كلام المرأة دون كلام الرجل، ولو كان
کذلك لم یکن(٣) النكاح؛ كذا هذا.
ولهما عمومات النكاح من الكتاب والسنة؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ
النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول
النبيِ وَلَهُ: (تَزَوَّجُوا وَلاَ تُطَلَّقُوا))(٤)، وقوله وَّهِ: (تَنَاكَحُوا))(٥)، وغير ذلك مطلقاً عن [غير](٦)
شرط، أن أصل (٧) الشهادة وإسلام الشاهد صار شرطاً في نكاح الزوجين المسلمين بالإجماع،
فمن ادعى كونه شرطاً في نكاح المسلم الذمية - فعليه الدليل.
وروي عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِشُهُودٍ»، وروي: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ
بِشَاهِدَيْنِ)) والاستثناء من النفي، إثبات(٨) ظاهر، وهذا نكاح بشهود؛ لأن الشهادة في اللغة
(١) في أ: بطرفيه.
(٢) في أ: كما لو.
(٣) في أ: يجز.
(٤) أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)). (١٩١/١٢) عن علي - رضي الله عنه - قال ابن عراق في ((تنزيه
الشريعة)» (٢٠٢/٢): رواه الخطيب عن علي، ولا يصح، فيه عمرو بن جميع.
قال العجلوني في «الكشف)) (٣٦١/١): قال الصنعاني موضوع، لكن عزاه في الجامع الصغير لابن عدي
بلفظ ((تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش))، وقال ابن الجوزي: حديث موضوع.
قال الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (ص: ١٣٩): في إسناده عمرو بن جميع يروي الموضوعات عن
الإثبات.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) سقط في أ.
(٧) في ط: أهل.
(٨) قال القرافي: خلاف العلماء في الاستثناء من النفي إثبات ليس على إطلاقه وأن هذه الدعوى يجب
تخصيصها وبيان ذلك أن المستثني تارة يكون حكماً، نحو: ما قام القوم إلا زيداً، وتارة يكون سبباً نحو:
لا عقوبة إلا بجناية، وتارة يكون مانعاً، نحو: لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض ولا نريد بهذه
المثل ولا بهذه القسمة الحصر، بل التمثيل لحصول المقصود منها وإن لم يثبت الحصر فيها، وتارة يكون
شرطاً، نحو (لا صلاة إلا بطهور) وجميع النظائر التي ذكرها الحنفية قبل هذا الباب.
إذا تقرر هذا فنقول: بحد كل واحد منها وبيان حقيقته يظهر السر المقصود من هذا الباب.
=
فالحكم: هو ثمرة السبب، والمترتب عليه. ولا يقصد به أن يترتب عليه غيره من جهة أنه حكم.

٣٩٩
كِتَابُ النكاحِ
عبارة عن الإعلام والبيان(١)، والكافر من أهل الإعلام والبيان؛ لأن ذلك يقف على العقل
والسبب: هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته. فالقيد الأول احتراز من الشرط، فإنه
=
لا يلزم من وجوده الوجود. والقيد الثاني احتراز من المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء، وإنما يلزم من
وجوده العدم. والقيد الثالث احتراز من مقارنة وجوده فقدان الشرط أو وجود المانع فلا يلزم الوجود، أو
مقارنة عدمه اخلافه بسبب آخر فلا يلزم العدم بل يترتب وجود المسبب على ذلك السبب الآخر. فإن
الأسباب يخلف بعضها بعضاً، لكنه بالنظر إلى ذاته مع قطع النظر عن هذه العوارض يلزم من وجوده
الوجود ومن عدمه العدم، فلذلك قلنا: لذاته.
والشرط: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فقولنا (ما يلزم من عدمه العدم)
احتراز من المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء، بل من وجوده العدم. وقولنا (ولا يلزم من وجوده وجود ولا
عدم) احتراز من المانع، فإنه يلزم من وجوده العدم، ومن السبب أيضاً فإنه يلزم من وجوده الوجود. وقولنا:
لذاته، احتراز من أن يقارن وجوده وجود السبب فيلزم الوجود، لكن ليس لأجل الشرط، بل للسبب، أو يقارن
وجوده وجود المانع، فيلزم العدم، لكن ليس ذلك لوجود الشرط، بل لوجود المانع.
والمانع: ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. فالقيد الأول احتراز من
السبب، فإنه يلزم من وجوده الوجود. والقيد الثاني احتراز من الشرط فإنه يلزم من عدمه العدم.
والقيد الثالث احتراز من مقارنة عدمه وجود السبب فيلزم الوجود لكن ليس لأجل عدم المانع، بل
للسبب.
فالمعتبر من المانع وجوده، ومن الشرط عدمه، ومن السبب وجوده وعدمه.
إذا تقررت حقائق هذه الأمور، وإن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ظهر أن قول العلماء:
الاستثناء من النفي إثبات ليس على إطلاقه، وإن هذا العموم ليس مراداً بل يريدون ما عدا الشروط، فإنه
لا يلزم من القضاء بعدم المشروط حالة عدم الشرط أن يقضي بثبوته حالة ثبوت الشرط بل لا أثر لوجود
الشرط البتة إلا في أن المحل يصير قابلاً لتأثير سبب إن وجد. أما الوقوع فلا يستفاد من وجود الشرط
البتة. فإذا قلنا: (لا صلاة إلا بطهور) حكمنا بعدم صحة الصلاة عند عدم الطهور الذي هو شرط، ولا
نحكم بوجود صحة الصلاة عند وجود الطهور، لأنه شرط. وكذلك (لا نكاح إلا بولي)، و(لا تبيعوا
الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل) هذا كله من باب الشروط التي لم يقل أحد فيها إلا بلزوم العدم عند العدم
لا بالوجود عند الوجود. وهذا مجمع عليه من العلماء.
فظهر حينئذٍ ان إطلاق العلماء أن الاستثناء من النفي إثبات محمول على ما عدا الشروط، وأن نقض
الحنفية علينا به غير وارد، لأنه ليس من صور النزاع، وإنما النزاع فيما عدا الشروط.
فتأمل ذلك فإنه ربما غفل عنه كثير من الفضلاء ويعتقدون أنها نقوض على صورة النزاع، وليس كذلك.
فتأمله.
ينظر: المحصول (٥٦/٣/١) الإحكام للآمدي (٢٨٧/٢ - ٥) شرح العضد (١٤٢/٢) البرهان (٣٩٧/١)
شرح الكوكب (٣٢٧/٣) جمع الجوامع (١٥/٢) القواعد والفوائد ١٦٣ التمهيد للإسنوي (٣٩٢) شرح
التنقيح (٢٤٧) كشف الأسرار (١٢٦/٣) تيسير التحرير (٢٩٤/١) فواتح الرحموت (٣٢٦/١) المسودة
(١٦٠) الإبهاج (١٥٩) إرشاد الفحول (١٤٩) فتح الغفار (١٢٤/٢) الاستغناء للقرافي (٥٤٩).
(١) في أ: أو البيان.

٤٠٠
كِتَابُ النكاح
واللسان والعلم بالمشهود به وقد وجد، إلا أن شهادته على المسلم خصت من عموم الحديث،
فبقيت شهادته للمسلم داخلة تحته؛ ولأن الشهادة من باب الولاية لما بينا، والكافر الشاهد
يصلح ولياً في هذا العقد بولاية نفسه، ويصلح قابلاً لهذا العقد بنفسه ويصلح(١) شاهداً، وكذا
يجوز للقاضي الحكم بشهادته هذه للمسلم؛ لأنه محل الاجتهاد على ما نذكر، ولو قضى لا
ينفذ قضاؤه، فينفذ(٢) النكاح بحضوره.
وأما الحديث: فقد قيل: إنه ضعيف، ولئن ثبت فنحمله على نفي الندب والاستحباب؛
توفيقاً بين الدلائل.
وأما قوله: العقد خلا عن الإشهاد في جانب الزوج؛ لأن شهادة الكافر ليست بحجة في
حق المسلم، فنقول: شهادة الكافر إن لم تصلح حجة للكافر على المسلم، فتصلح حجة
للمسلم على الكافر؛ لأنها إنما لا تصلح حجة على المسلم؛ لأنها من باب الولاية، وفي
جعلها حجة على المسلم إثبات الولاية للكافر على المسلم، وهذا لا يجوز، وهذا المعنى لم
١٤ب يوجد لههنا؛ لأنا إذا جعلناها/ حجة للمسلم ما كان فيه إثبات الولاية للكافر، وهذا جائز، على
أنا إن سلمنا قوله: ليس بحجة في حق المسلم، لكن حضوره على(٣) أن قوله: حجة ليس
بشرط لانعقاد النكاح، فإنه ينعقد بحضور(٤) من لا تقبل شهادته [عليه](٥) على ما نذكر إن شاء
الله تعالى، وهل يظهر نكاح المسلم الذمية بشهادة ذميين عند الدعوى، ينظر في ذلك إن كانت
المرأة هي المدعية للنكاح على المسلم، والمسلم منكر - لا يظهر بالإجماع؛ لأن هذه شهادة
الكافر على المسلم، وأنها غير مقبولة، وإن كان الزوج هو المدعي والمرأة منكرة - فعلى أصل
أبي حنيفة وأبي يوسف يظهر، [سواء قال الشاهدان: كان معنا عند العقد رجلان مسلمان، أو
لم يقولا ذلك](٦).
واختلف المشايخ على أصل محمد، قال بعضهم: يظهر كما قالا، وقال بعضهم. لا
يظهر، [سواء قالا: كان معنا رجلان مسلمان، أو لم يقولا ذلك، وهو الصحيح من مذهبه،
ووجهه أن هذه شهادة قامت على نكاح فاسد، وعلى إثبات فعل المسلم؛ لأنهما إن](٧) شهدا
(١) في ط: قابلاً لهذا العقد بنفسه فيه صلح شاهداً.
(٢) في أ: فينعقد.
(٤) في أ: بحضرة.
(٣) في أ: سماع من.
(٥) سقط في أ.
(٦) سقط في أ.
(٧) بدل ما بين المعكوفين في أ: ووجهه أن الأمر لا يخلو إما أن يشهدا على نكاح حضراه، وإما أن يشهدا
على نكاح حضرا ومسلمان أيضاً غيرهما فإن ...