النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كِتَابُ الْحَجْ
يطعم الأغنياء؛ لأن القربة كانت في ذبحه إذا بلغ محله، فإذا لم يبلغ [محله](١) كانت القربة في
التصدق، ولا يجب عليه مكانه(٢) آخر؛ لأنه لم يكن واجباً عليه، ويتصدق بجلالها(٣)
وخطامها؛ لما روي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال لعلي - رضي الله تعالى عنه - ((تَصَدَّقْ بجَلالها(٤)
وخطامها وَلاَ تُعْطِ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيئاً»(٥) ولا يجوز له أن يأكل من دم النذر شيئاً.
وجملة الكلام فيه أن الدماء نوعان: نوع يجوز لصاحب الدم أن يأكل منه، وهو دم
المتعة والقران والأضحية وهدي التطوع إذا بلغ محله، [ونوع لا يجوز له أن يأكل منه وهو دم
النذر والكفارات، وهدي الإحصار وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله](٦)؛ لأن الدم في النوع
الأول دم شكر، فكان نسكاً؛ فكان له أن يأكل منه، ودم النذر دم صدقة.
وكذا دم الكفارة في معناه؛ لأنه وجب تكفير الذنب.
وكذا دم الإحصار لوجود التحلل، والخروج من الإحرام قبل أوانه، وهدي التطوع إذا لم
يبلغ محله بمعنى القربة في التصدق به، فكان دم صدقة، وكل دم يجوز له أن يأكل منه لا
يجب عليه التصدق بلحمه بعد الذبح؛ لأنه لو وجب عليه التصدق به - لما جاز أكله؛ لما فيه
من إبطال حق الفقراء، وكل ما (٧) لا يجوز له أن يأكل منه يجب عيه التصدق به بعد الذبح؛
لأنه إذا لم يجز له أكله، ولا يتصدق به يؤدي إلى إضاعة المال.
وكذا لو هلك المذبوح بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين؛ لأنه لا صنع له في
الهلاك، وإن استهلكه بعد الذبح، فإن كان مما يجب عليه التصدق به - يضمن قيمته فيتصدق
بها؛ لأنه تعلق به حق الفقراء، فبالاستهلاك تعدى على حقهم؛ فيضمن قيمته ويتصدق بها؛
لأنها بدل أصل مال واجب التصدق به، وإن كان مما لا يجب التصدق به لا يضمن شيئاً؛ لأنه
لم يوجد منه التعدي بإتلاف حق الفقراء؛ لعدم تعلق حقهم به.
(١) سقط في: ط.
(٢) في أ: مكان.
(٣) في أ: بلجامها.
(٤) في أ: بلجامها.
(٥) أخرجه البخاري (٤/ ٣٨٠ - فتح الباري): كتاب الحج: باب يُتَصَدَّق بِجِلال البدن، حديث (١٧١٨)،
ومسلم (٧٣/٥ - نووي): كتاب الحج: باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها، حديث (٣٤٨/
١٣١٧)، وأبو داود (١٤٩/٢): كتاب المناسك (الحج): باب كيف تنحر البدن، حديث (١٧٦٩)، وابن
ماجه (١٠٣٥/٢): كتاب المناسك: باب من جلل البدنة، حديث (٣٠٩٩)، وأخرجه أحمد (١/
١٢٣،٧٩)، والحميدي (٢٤/١) حديث (٤١)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٩٥/٤)، حديث (٢٩١٩)،
والبغوي في ((شرح السنة)) (١١٠/٤): كتاب الحج: باب الهدي وقسمة لحومها وجلودها، حديث
(١٩٤٤)، وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٦٥/٣)، ولحديث الثامن، وقال: رواه الجماعة إلا
الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، فذكره.
(٦) سقط في أ.
(٧) في أ: دم.

٣٠٢
كِتَابُ الْحَجْ
ولو باع اللحم يجوز بيعه في النوعين جميعاً؛ لأن ملكه قائم إلا أن [فيما لا](١) يجوز له
أكله، ويجب عليه التصدق به يتصدق بثمنه؛ لأن ثمنه مبيعٌ واجبُ التصدق به؛ لتعلق حَقِّ
الفقراء به، فيتمكّن في ثمنه حنث(٢)، فكان سبيله التصدق به، والله تعالى أعلم.
فصل في بيان العمرة
وأما العمرة: فالكلامُ فيها يقع في مواضع: في بيان صفتها؛ أنها واجبة أم لا، وفي بيان
شرائط وجوبها إن كانت واجبة، وفي بيان ركنها، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان
واجباتها، وفي بيان سننها، وفي بيان ما يفسدها، وفي بيان حكمها إذا فسدت.
أما الأول: فقد اختلف فيها، قال أصحابنا: إنها واجبة؛ كصدقة الفطر، والأضحية،
والوتر، ومنهم من أطلق اسم السنة، وهذا الإطلاق لا ينافي الواجب، وقال الشافعي: إنها
فريضة، وقال بعضهم: هي تطوع.
واحتجَّ هؤلاء بما رُوي عن النبي ◌ِّه؛ أنه قال: ((الْحَجُّ مَكْتُوبٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوَّعْ)) (٣)، وهذا
وعن جابر - رضي الله تعالى عنه - أن رجلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الْعُمْرَةُ أَهِيَ وَاجِبَةٌ؟
نص.
(١) في أ: ما.
(٢) في أ: خبث.
(٣) أخرجه الشافعي (١/ ٢٨١): كتاب الحج: الباب الأول فيما جاء في فرض الحج وشروطه، (٧٣٧)،
والبيهقي (٣٤٨/٤): كتاب الحج: باب من قال: العمرة تطوع، من طريقه عن سعيد بن سالم، عن
سفيان الثوري أخبره، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، أن رسول الله - رَلو - قال: ((الحج
جهاد، والعمرة تطوع)). قال الشافعي: فقلت له: أثبت مثل هذا عن رسول الله - وَّرـ؟ فقال: هو
منقطع، قال البيهقي: وقد روي من حديث شعبة عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
موصولاً، والطريق فيه إلى شعبة طريق ضعيف، ورواه محمد بن الفضل بن عطية عن سالم الأفطس،
عن ابن جبير عن ابن عباس مرفوعاً ومحمد هذا متروك.
- وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله:
أخرجه ابن ماجه (٩٩٥/٢): كتاب المناسك: باب العمرة، حديث (٣٩٨٩) من طريق عمر بن قيس،
أخبرني طلحة بن يحيى، عن عمه إسحاق بن طلحة، عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله - وَل ـ
يقول: ((الحج جهاد والعمرة تطوع)).
قال البوصيري في ((الزوائد» (٢٤/٣): هذا إسناد ضعيف عمر بن قيس المعروف بسندل ضعفه أحمد
وابن معين والفلاس وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم والحسن الراوي عنه
ضعيف.

٣٠٣
كِتَابُ الْحَجُ
قَالَ: لاَ، وَإِنْ تَعْتَمِرْ خَيْرٌ لَكَ، واحتجَّ الشافعيُّ بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾
[البقرة: ١٩٦] والأمر للفرضية.
وروي عن النبي وَّرِ؛ أنه قال: ((الْعُمْرَةُ هِيَ الْحَجَّةُ الصُّغْرَىُ))(١) وقد ثَبَتَ فَرضية الحج
بنص الكتاب العزيز.
ولنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل
عمران: ٩٧]، ولم يذكر العمرة؛ لأن مطلق اسم الحج لا يقع على العمرة، فمن قال: إنها
فريضة فقد زاد على النص، فلا يجوز إلا بدليل.
وكذا حديث الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله وَلقوله وسأله عن الإيمان والشَّرائع، فبين ٢٢٧٥
له الإيمان، وبيَّن له الشرائع، ولم يذكر فيها العمرة، فقال الأعرابي: هَلْ عَلَيَّ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟
فَقَّالَ النَِّي ◌َّرَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ(٢)، فظاهره يقتضي انتفاء فريضة العمرة.
وأما الآية الكريمة: فلا دلالة فيها على فرضية العمرة؛ لأنها قرئت برفع العمرة والعمرة
الله، وأنه كلام تام بنفسه غير معطوف على الأمر بالحج، أخبر الله تعالى أن العمرة لله ردّاً لزعم
الكفرة؛ لأنهم كانوا يجعلون العمرة للأصنام على ما كانت عبادتهم (٣) من الإشراك.
وأما على قراءة العامة: فلا حجة له فيها أيضاً؛ لأن فيها أمراً بإتمام العمرة، وإتمام
الشيء يكون بعد الشروع فيه، وبه نقول: إنها بالشروع تصير(٤) فريضة، مع ما أنه روي عن
علي وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا في تأويل الآية: إتمامهما أن تحرك بهما
من دويرة أهلك، عل أن هذا إن كان أمراً بإنشاء العمرة، فما الدليل على أن مطلق الأمر يفيد
الفرضية، بل الفرضية عندنا ثبتت بدليل زائد وراء نفس الأمر، وإنما يحمل على الوجوب
احتياطاً، وبه نقول: إن العمرة واجبة، ولكنها ليست بفريضة، وتسميتها حجة صغرى في
الحديث يحتملُ أن يكون في حكم الثواب؛ لأنها ليست بحجة حقيقة.
(١) أخرجه الدارقطني في سننه (٢٨٥/٢)، حديث (٢٢١)، وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٤٨/٣):
كتاب الحج: باب الفوات، وعزاه لابن الجوزي في ((التحقيق))، وللدارقطني، عن سليمان بن داود عن
الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي - ◌َ لّ - كتب إلى أهل اليمن
كتاباً ومقامه مع عمرو بن حزم، وفيه أن العمرة الحج الأصغر، ونقل الزيلعي عن صاحب ((التنقيح)) قال:
وسليمان بن داود هذا قال فيه غير واحد من الأئمة أنه سليمان بن أرقم، وهو متروك، انتهى.
(٢) تقدم في الصلاة.
(٣) في أ: عادتهم.
(٤) في أ: تعتبر.

٣٠٤
كِتَابُ الْحَجْ
ألا ترى أنها عطفت على الحجة في الآية، والشيء لا يعطف على نفسه في الأصل،
ويقال: حج فلان وما اعتمر، على أن وصفها بالصغر دليل انحطاط رتبتها عن الحج، فإذا كان
الحج فرضاً؛ فيجب أن تكون هي واجبة ليظهر الانحطاط، إذا الواجب دون الفرض، وإطلاق
اسم التطوع عليها في الحديث يصلح حجة على الشافعي لا علينا؛ لأنه يقول بفرضية العمرة،
والتطوع لا [يحتمل أن](١) يكون فرضاً، ونحن نقول بوجوب العمرة، والواجب ما يحتمل أن
يكون فرضاً، ويحتمل أن يكون تطوعاً؛ فكان إطلاق اسم التطوع صحيحاً على أحد
الاحتمالين، وليس للفرض هذا الاحتمال؛ فلا يصح الاطلاق، وقول السائل في الحديث
السابق: أهي واجبة؟ محمول عل الفرض؛ إذ هو الواجب على الإطلاق عملاً واعتقاداً عيناً،
فقول النبي ◌َّير: ((لا)) نفي له؛ وبه نقول.
وأما شرائط وجوبها: فهي شرائط وجوب الحج؛ لأن الواجب ملحق بالغرض في حق
الأحكام، وقد ذكرنا ذلك في فصل الحج.
وأما ركنها: فالطواف؛ لقوله عز وجل: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ولإجماع
الأمة عليه، وأما شرائط الركن فما ذكرنا في الحج إلا الوقت؛ فإن السنة كلها وقت العمرة،
وتجوز في غير أشهر الحج، وفي أشهر الحج، لكنه يكره فعلها في يَوم [عرفة ويوم](٢) النحر
وأيام التشريق، أما الجواز في الأوقات كلها؛ فلقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾
[البقرة: ١٩٦] مطلقاً عن الوقت.
وقد روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: ((مَا اغْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَلَةِ عُمْرَةً
إِلَّ شَهِدْتُهَا، وَمَا اغْتَمَرَ إِلاَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ»(٣) .
وعن عمران بْنِ حُصَيْن - رضي الله تعالى عنه - أن النبي ◌ََّ: ((اعْتَمَرَ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِهِ
فِي عَشْره ذِي الْحِجَّةِ)) (٤)، فدل الحديثان على أن جوازها في أشهر الحج، وما روي عن عمر -
رضي الله تعالى عنه -؛ أنه كَانَ يَنْهَى عَنْهَا في أَشْهُرِ الْحَجِّ، فهو محمول على نهي الشفقة على
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في أ.
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه (٩٩٧/٢): كتاب المناسك: باب العمرة في ذي القعدة، حديث (٢٩٩٧)، من
طريق مجاهد عن حبيب عن عروة عن عائشة قالت: لم يعتمر رسول الله - زَّو - عمرة إلا في ذي القعدة.
(٤) أخرجه من هذا الطريق وبهذا اللفظ البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٤٤/٤): كتاب الحج: باب العمرة في
أشهر الحج، وقال: أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الجريري وزاد: ((ولم فيه عنه حتى مضى
لوجهه».
وهو عند مسلم من حديث ابن عباس (٤/ ٤٨٤-٤٨٥- نووي): كتاب الحج: باب جواز العمرة في أشهر
الحج، حديث (١٢٤٠).

٣٠٥
كِتَابُ الْحَجْ
أهل الحرم؛ لئلا يكون الموسم في وقت واحد من السنة، بل في وقتين؛ لتوسع (١) المعيشة
على أهل الحرم، إلا أنه يكره في الأيام الخمسة عندنا في ظاهر الرواية.
وروي عن أبي يوسف: أنه لا يكره (٢) يوم عرفة قبل الزوال، وقال الشافعي: لا يكره في
هذه الأيام أيضاً، واحتج بما تلونا من [هذه](٣) الآية، وبما روينا من الحديثين؛ لأنه دخل يوم
عرفة ويوم النحر فيها.
وجه رواية أبي يوسف: أن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقت الوقوف؛ فلا يشغله
عن الوقوف في وقته.
ولنا: ما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: ((وَقْتُ الْعُمْرَةِ السَّنَةُ كُلُهَا،
إِلَّ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ))، والظاهر أنها قالت سماعاً من رسول الله وَلِّ؛ لأنه
باب لا يدرك بالاجتهاد، ولأن هذه الأيام أيام شغل الحاج(٤) بأداء الحج، والعمرة فيها تشغلهم
عن ذلك، وربما يقع الخَلَلُ فيه، فيكره ولا حجة له فيما ذكر؛ لأن ذلك يدل على الجواز؛ وبه
نقول، وإنما الكلام في الكراهة، والجَوَازُ لا ينفيها، وقد قام دليلُ الكراهة وهو ما ذكرنا، وكذا
يختلفان في الميقات في حق أهل مكة، فميقاتهم للحج من دويرة أهلهم، وللعمرة من الحل
التنعيم أو غيره، ومحظورات العمرة ما هو محظورات الحج، وحكم ارتكابها في العمرة ما هو
الحكم في الحج، وقد مضى بيان ذلك كله في الحج.
وأما واجباتها: فشيئان: السعي بين الصفا والمروة/، والحلق أو التقصير، فأما طواف ٧٥
الصدر فلا يجب على المعتمر، وقال الحسن بن زياد: يجب عليه؛ كذا ذكر الكرخي، وجه
قوله: إن طواف الصدر طواف الوداع، والمعتمر يحتاج إلى الوداع كالحاج، ولنا: أن الشرع
علق طواف الصدر بالحج يقول النبي ◌ََّ ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافُ))(٥).
وأما سننها. فما ذكرنا في الحج، غير أنه إذا استلم الحجر يقطع التلبية عند أول شوط من
الطواف عند عامة العلماء، وقال مالك: إن كان إحرامه للعمرة من المدينة يقطع التلبية إذا دخل
الحرم، وإن كان إحرامه لها من مكة يقطع إذا وقع بصره على البيت، والصحيحُ قولُ العامة؛ لما روي
عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي وَّلَ كَانَ يُلَبِّي فِي الْعُمْرَةِ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ (٦).
(١) في أ: لتوسع.
(٣) سقط في أ.
(٢) في أ: أنها لا تكره.
(٤) في أ: الحج.
(٥) تقدم تخريجه قريباً.
(٦) أخرجه أبو داود (١٦٣/٢): كتاب المناسك (الحج): باب متى يقطع المعتمر التلبية؟، حديث (١٨١٧)،
والترمذي (٢٥٢/٣): كتاب الحج: باب ما جاء متى تقطع التلبية في العمرة؟، حديث (٩١٩)، وابن
خزيمة في ((صحيحه)) (٢٠٦/٤، ٢٠٧)، حديث (٢٦٩٦)، من حديث ابن عباس.
قال أبو عيسى الترمذي: حديث ابن عباس حسن صحيح.
بدائع الصنائع ج٣ - م٢٠

٣٠٦
كِتَابُ الْحَجْ
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله تعالى عنهم - أن النبي وَّ اغْتَمَرَ
ثَلاَثَ عُمَرٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ(١) وكان يلبي في ذلك حتى يستلم الحجر؛ ولأن استلام الحجر
نسك، ودخول الحرم ووقوع البصر على البيت. ليس بنسك، فقطع التلبية عند ما هو نسك
أولى؛ ولهذا يقطع التلبية في الحج عند الرمي؛ لأنه نسك؛ كذا هذا والله أعلم.
وأما بيان ما يفسدها، وبيان حكمها إذا فسدت: فالذي يفسدها الجماع، لكن عند وجود
شرط كونه مفسداً وذلك شيئان: أحدهما: الجماع في الفرج؛ لما ذكرنا في الحج.
والثاني: أن يكون قبل الطواف كله أو أكثره، وهو أربعة أشواط؛ لأن ركنها الطواف،
فالجماع حصل قبل أداء الركن فيفسدها؛ كما لو حصل قبل الوقوف بعرفة في الحج، وإذا
فسدت يمضي فها ويقضيها، وعليه شاة؛ لأجل الفساد عندنا. وقال الشافعي(٢): بدنة كما في
الحج، فإن جامع بعدما طاف أربعة أشواط، أو بعد ما طاف الطواف كلها قبل السعي، أو بعد
الطواف والسعي قبل الحلق - لا تفسد عمرته؛ لأن الجماع حصل بعد أداء الركن، وعليه دم؛
الحصول الجماع في الإحرام. وإن جامع بعد الحلق لا شيء عليه؛ لخروجه عن الإحرام
بالحلق، فإن جامع ثم جامع ـ فهو على التفصيل، والاتفاق والاختلاف الذي ذكرنا في الحج،
والله الموفق.
(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٠)، من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، فذكره بهذا
اللفظ .
(٢) في أ: وعند الشافعي.

كِتَابُ النِّكَاحِ(١)
(١) النكاح في اللغة: الضم والتداخل، ومنه نكحت البرّ في الأرض، إذا حرثتها وبذرته فيها، ونكح المَطَرُ
الأرض إذا خالط ثَرَاها، ونكحت الحَصَى أخفاق الإبل إذا دخلت فيها، ويكون التداخل حسبياً، كما
ذكر، ومعنوياً كنكح النُّعَاس العين ويطلق في اللغة على الوَطْء حقيقة، وعلى العقد مجازاً. قال المطرزي
والأزهري هو الوَطْءُ حقيقة، ومنه قول الفرزدق: [البسيط]
إِذَا سَقَى الله قَوْماً صَوْبَ غَادِيَةٍ فَلاَ سَقَى الله أَرْضَ الْكُوفَةِ المَطَرًا
الثَّارِكِينَ عَلَى طُهْرِ نِسَاءِ هُمُو وَالنَّاكِحِينَ بِشَطْ دِجْلَةِ البَقَرَا
وهو مجاز في العقد، لأن العقد فيه ضم، والنكاح هو الضم حقيقة .
قال الشاعر: [الطويل]
ضَمَمْتُ إِلَى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِهَا كَمَّا نَكَحَتْ أُمُ الغُلاَمِ حَبِيبَهَا
أي: كما ضمت، ولأنه سببه، فجازت الاستعارة لذلك.
وقيل: إن حقيقة في العقد، مجاز في الوطء.
وقيل: هو مشترك بين العقد والوطء اشتراطاً لفظياً، ويتعين المقصود بالقرائن، فإذا قالوا: نكح فلأن بنت
فلان أو أخته، أرادوا تزوجها، وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا الوطء، لأن
بذكر المرأة أو الزوجة يستغني عن العقد.
ومن هنا نشأ الاختلاف بين الفقهاء، هل النكاح حقيقة في الوطء، والعقد أو هو حقيقة في أحدهما،
مجاز في الآخر؟ فذهب جماعة إلى القول بأن لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد، فيكون حقيقة
فيهما.
ودليلهم على هذا أن شاع الاستعمال في الوطء تارة، وفي العقد تارة أخرى بدون قرنية، والأصل في كل
ما استعمل في شيء أن يكون حقيقة فيه، إما بالوضع الأصلي، أو يعرف الاستعمال، فالقول بالمجازية
فيهما، أو في أحدهما خلاف الأصل.
وقد قال بعض الحنابلة: الأشبه بأصلنا أن النكاح حقيقة في الوطء والعقد جميعاً، لقولنا بتحريم موطوءة
الأب من غير تزويج، لدخولها في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النِّسَاءِ﴾.
وذهب الشافعية والمالكية، وجمهور الفقهاء إلى القول بأن النّكَاحَ حقيقة في العَقْدِ، مجاز في الوطء.
وذهب الحنفية إلى العكس.
والقول بأن النكاح حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر أَوْلَى من الذَّهَاب إلى الاشتراك اللفظي، وذلك لما
هو متقرر في كتب الأصول، من أنه إذا دار لفظ بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أَوْلَى، لأنه أبلغ
وأغلب.
والمشترك يخل بالأفهام عند خفاء القرنية عند من لا يجيز حَمْلَهُ على معانيه، بخلاف المجاز، فإنه عند =
٣٠٧

٣٠٨
كِتَابُ التّحَاح
خفاء القرينة يحمل على الحقيقة، فكونه حقيقة في أحدهما، مجازاً في الآخر أَوْلَى.
=
ثم الظاهر مذهب الجمهور القائل بأن النكاح حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، وذلك أولاً: لكثرة
استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسُّنة، حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلاَّ للعقد، ولا يرد
قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقها فلا تحلُّ له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ لأن شرط الوَطْءِ في التحليل
إنما ثبت بالسُّنة وذلك للحديث المتفق عليه في قصة امرأة رفاعة لما بتّ طلاقها، وتزوَّجها عبد الرحمن
ابن الزبير، فقال لها رسول الله - رَ﴾هـ: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عُسَيْلَتَهُ، ويذوق
عُسَيْلتك)) فيكون معنى قوله تعالى: ﴿حتى تنكح﴾ حتى تتزوّج، ويعقد عليها، وقد بينت السُّنة أنه لا بد
مع العَقْدِ من ذوق العُسَيْلَة .
وثانياً: أنه يصح نفي النكاح عن الوطء، فيقال: هذا الوطء ليس نكاحاً، ولو كان النكاح حقيقة في
الوطء، لما صح نفيه عنه.
وتظهر ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حرمة موطوءة الأب من الزنا، فلما كان النكاح عند الحنفية .
حقيقة في الوطء الشامل للوطء الحلال والحرام، قالوا بِحُزْمَةٍ موطوءة الأب من الزنا، ولما كان عند
الجمهور حقيقة في العقد قالوا: لا تحرم موطوءة الأب من الزنا. عرفه الشافعية بقولهم: عقد يتضمن
إباحة وطء بلفظ الإنكاح والتزويج، وما اشتق منهما - فقولهم: ((عقد)) جنس في التعريف، وقولهم:
(يتضمن إباحة وطء)) خرج به ما لا يتضمّن إباحة الوطء كالإجارة وغيرها. وقولهم: ((بلفظ الإنكاح
والتزويج) خرج به ما لم يكن بهذا اللفظ كالهبة والتمليك.
وعرفه العلامة الدردير - رحمه الله - في ((أقرب المسالك)) حيث قال: هو عقد لحل تمتع بأنثى غير محرم
ومجوسية وأمة كتابية بصيغة.
فالعقد مصدر عقد، أي: تمسك وتوثق، والمراد به هنا ارتباط أحد الكلامين بالآخر، أي ارتباط كلام
الزوج بكلام وَلِيّ الزوجة، على وجه يسمى باعتباره عقداً شرعياً يستعقب أحكامه.
وقوله: ((عقد)» جنس في التعريف يشمل النكاح وغيره من العقود.
وقوله: ((لحل تمنع)) الخ ... علة باعثة على العقد، وهو فصل مخرج لكل عقد ليس لذلك، ومنه شراء
الأمة للتلذُّذ بها؛ إذ ليس الأصل فيه حل التمتع بخصوصه، بل الانتفاع العام وملك الرقبة.
وخرج بقوله: ((غير محرم ومجوسية وأمة كتابية)) المحرم بنسب أو رضاع أو صهر، والمجوسيات والإيماء
الكتابيات، فلا يصح العقد على واحدة منهن، ولا يقال: إن هذا التعريف غير مانع؛ لأنه يدخل فيه
الملاعنة والمبتوتة والمعتدة من الغير والمحرمة بحج أو عمرة، لأنه قصد بما ذكره إخراج من قام به مانع
أصلي، وأما الملاعنة، وما عطف عليها فمانعهن عرضي طارىء بعد الحل بخلاف المحرم والمجوسية
والأمة الكتابية، فإن مانعهن ذاتي لا عرضي وقوله: ((بصيغة)) متعلق بعقد، وهو من تمام التعريف؛ لأن
الصيغة أحد أركان النكاح وقد عرفه الكمال بن الهمام من الحنفية بقوله: «عقد وضع لتملك المتعة بالأنثى
قصداً فقوله: ((عقد)) جنس في التعريف يشمل سائر العقود.
وقوله: ((وضع لتملك المتعة بالأنثى)) يخرج به العقد على المنافع كالإجارة، وعلى الذوات كالبيع والهبة،
والمراد: وضع الشارع لا وضع المتعاقدين.
وقوله: ((قصدا)) يحترز به عن عقد تملك به المتعة ضمناً كما في البيع والهيئة، لأن المقصود فيهما ملك
الرقبة، ويدخل ملك المتعة فيهما ضمناً إذا لم يوجد ما يمنعه.
=

٣٠٩
كِتَابُ النّكَاحِ
الكلام في هذا الكتاب في الأصل في أربعة مواضع: في بيان صفة النكاح المشروع،
وفي بيان ركن النكاح، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان حكم النكاح (١).
عرفه الحنفية بأنه: عقد يفيد ملك المتعة قَضْداً.
=
عرفه الحنابلة بأنه: عَقْدُ التزويج، فهو حقيقة في العقد، مجاز في الوَطْءِ على الصحيح.
ينظر الصحاح (٤١٣/١)، لسان العرب (٦٢٥/٢)، المصباح المنير (٩٦٥/٢)، القاموس المحيط (١/
٢٦٣)، معجم مقاييس اللغة (٤٧٥/٥)، المطلع (٣١٨).
وينظر: تبيين الحقائق (٩٤/٢)، بدائع الصنائع (١٣٢٤/٣)، مغني المحتاج (١٢٣/٣)، منح الجليل (٢/
٣)، الفواكه الدواني (٢١/٢)، الكافي (٥١٩/٢)، الانصاف (٤/٨)، المغني (٣/٧).
مَشْروعية النكاح أَمَّا الكتاب: فقول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿فَأَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ
وَرُبَاعَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنّكَحُوا الأَيَّامَى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ووجه الدلالة فيهما أن -
الله تعالى - أمر فيهما بالنكاح، فَدَلَّ ذلك على مشروعيته، إذ لو لم يكن مشروعاً لما أمر به الله .
وأما السنة: فقوله - وَّرَ -: ((يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فإِنَّهُ أغضُّ لْلبَصَرِ وأَخْصَنُ
لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلِيَصُوْمَ فإن الصوم لَهُ وِجَاءَة)».
وهو سنة من سنن الرسول الله - رَال ـ: ((النكاح سنَّتي فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
بل هو سنة من سنن الأنبياء السابقين قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية﴾.
وقد كان الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أعظم قدوة للخلق في الزواج، كما في غيره من الأفعال
المحمودة، فأكدوا من الزواج وأوصوا به، ولم يذكر المؤرخون أن أحداً من الأنبياء عاش بلا زواج سوى
يحيى وعيسى عليهما وعلى نبينا أفضل السلام.
وقد قيل: إن السبب في عدم زواج عيسى - عليه السلام - فساد نساء بني إسرائيل في زمنه، فلم يجد فيهن
امرأة صالحة تليق لعشرته لأنه بعث في زمن انحطاط بني إسرائيل.
حكمة مشروعيته: شرع الله سبحانه وتعالى النكاح لحكم كثيرة، ومصالح جمة ومتاع عديدة، من ذلك أن
إرادة الله اقتضت أن يكون النوع الإنساني في خليفته في الأرض لإصلاحها، ولإقامة الشرائع فيها، وهذه
الأغراض التي أحبَّها الله، وأحب أن تكون لا يمكن أن تتحقق إلا إذا بنيت على أسس متينة، ودعائم قوية
ثابتة، ألا وهي النكاح، فإن النسل يمكن أن يوجد بمجرد اجتماع الرجل بالمرأة بأي طريقة .
(١) ذهب الجمهور إلى القول بأن النكاح مندوب وذهب داود الظاهري إلى القول بوجوبه على القادر على
الوطء إن وجد ما يتزوج به وعجز عن التسري. قال ابن حزم: وفرض على كل قادر على الوطء إن وجد
ما يتزوج به أو يتسرى أن يفعل أحدهما فإن عجز عن ذلك فليكثر من الصوم.
- استدل داود بالكتاب والسنة:
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَأَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النَّسَاءِ مثنى وثلاث ورباع﴾. ووجه الدلالة من
هذه الآية الكريمة أن الله أمر فيها بالنكاح، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب فيكون النكاح واجباً.
وأما السنة فقوله - بَّه -: وأما السُّنَّةُ فقوله وََّ: ((يَا مَعْشَرِ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعِ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ
أَغَضَّ لْلبَصَرِ وَأَخْصَنُ لِلْفَرَجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بَالصَّوَمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءة)) إلى غيره من الأحاديث الحاثة
على النكاح. وقد حملوا الأمر في الحديث أيضاً على الوجوب.
وأما الجمهور فقد قالوا: إن الأمر كهذا ليس للوجوب وإنما هو محمول على الندب. أما الآية فإن الله
تعالى حين أمر بالنكاح علقه على الاستطابة بقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ والواجب لا يتوقف على =

٣١٠
كِتَابُ النّكَاحِ
الاستطابة. وقال: ﴿مثنى وثلاث﴾ ولا يجب ذلك بالاتفاق، فدل ذلك على أن الأمر فيها للندب لا
=
للوجوب وأيضاً فإن الله سبحانه وتعالى خير بين النكاح وملك اليمين في قولهم: ﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا
فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾، وملك اليمن ليس بواجب بالإجماع ولا يصح التخيير بين واجب وما
ليس بواجب، لأن ذلك مخرج للواجب عن الوجوب. وعليه فيحمل الأمر في الآية على الندب.
وأما الحديث فإن أمر فيه من لم يستطع النكاح بالصوم، والصوم ليس بواجب في هذه الحال، فكذلك
النكاح. أو نقول: إن الأمر فيه محمول على من يخشى على نفسه الوقوع في محظور بترك النكاح،
فیلزمه حينئذٍ إعفاف نفسه.
وعليه فالراجح ما ذهب الجمهور إليه من عدم الوجوب، وخصوصاً أن كان في الصحابة من لم تكن له
زوجة مع قدرته على النكاح ورسول الله - وَّير - يعلم ذلك، ولم ينكر عليهم، كما أنه كان في عصر
الخلفاء، ومن بعدهم من لم يتزوج، ولم ينقل إلينا عن أحدٍ من الخلفاء أنه حتم على من ليست له زوجة
أن يتزوج، ولو وقع ذلك لنقل إلينا بالتواتر، لأن هذا مما تعم به البلوى، قلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك
عن النبي - رَّر - وخلفائه دل ذلك على أن النكاح ليس بواجب.
ثم إن قول الجمهور أن النكاح مندوب أن الأصل فيه الندب بشرط أن يكون قادراً على ما تحتاج إليه
المرأة من مهر ونفقة ووطء، ولم يخف على نفسه الزنا بعدمه وقد يخرج عن هذا الأصل لعارض إلى
سائر الأحكام.
فيجب إن خاف على نفسه الزنا إن ترك النكاح وعجز عن التسري ولم يكفه الصوم لأنه يلزمه إعفاف نفسه
وصونها عن الحرام، ولو أدَّى به ذلك إلى الإنفاق عليها من حرام أو أدى إلى عدم الإنفاق عليها كما
صرح بذلك المالكية وذلك ارتكاباً لأخفّ الضررين، خصوصاً أن النفقة من حق الزوجة فلها إسقاطها أو
يغنيه الله من فضله كما قال تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله﴾ وليس هذا من باب دفع
الحرام بمثله الممنوع شرعان لأن المفسرة بترك النكاح محققة منه بحصول الزنا، والإنفاق عليها من حرام
محتمل، فلا ترك وقع المفسرة المحققة الأخرى محتملة.
ويحرم عند عجزه عن الوطء أو النفقة أو تصنيعه واجباً إذا لم يخف على نفسه الزنا، ويكره عند عدم
الرغبة فيه إن عطله عن تطوع ولو رجا النسل ويباح عند عدم الرغبة فيه ولم يرج نسلاً ولم يعطله عن
تطوع الإنسان فلم توجب عليه النكاح إلا إذا خشي على نفسه الزنا، وهي في ذلك قد راعت أيضاً
مصلحة المجتمع حتى لا يكثر الفساد في الأرض. وأما من لم يخف على نفسه الزنا فلم توجب عليه
النكاح، فقد لا تكون له رغبة فيه فإلزامه إياه في هذه الحالة تضييق وتعسير، وإن كان يندب له النكاح
لتكثير النسل.
أما الشريعة المسيحية، فإنها حين رأت أن الرهبانية أفضل من النكاح، راعت في ذلك انقطاع الإنسان
للعبادة، والزهد في الدنيا. أما أمر النسل: فقد تركته للطبيعة إذ إن الكثير من الناس لا يستطيعون
الاستغناء عن الزواج بحكم طبيعتهم، ويستتبع ذلك إيحاء النسل الذي به عمارة الكون.
- أفضليته على التخلي للعبادة:
اختلف الفقهاء فيمن له شهوة يأمن معها على نفسه الوقوع في الزنا، هل الاشتغال بالعبادة أفضل في حقه
من الزواج، أو العكس؟
فذهب الشافعية إلى القول بأن التخلي لنوافل العبادة أفضل له من النكاح، وذهب الجمهور إلى القول بأن =

٣١١
كِتَابُ النّكَاحِ
أما الأول: فنقول: لا خلاف أن النكاح فرض حالة التوقان، حتى إن من تاقت نفسه إلى
النساء، بحيث لا يمكنه الصبر عنهن وهو قادر على المهر والنفقة ولم يتزوج - يأثم، واختلف
فيما إذا لم تتق نفسه إلى النساء على التفسير الذي ذكرنا، قال نفاه القياس؛ مثل داود بن علي
الأصفهاني، وغيره من أصحاب الظواهر: إنه فرض عين بمنزلة الصوم والصلاة وغيرهما من
فروض الأعيان، حتى إن من تركه مع القدرة على المهر والنفقة والوطء - يأثم (١).
وقال الشافعي: إنه مباح كالبيع والشراء، واختلف أصحابنا فيه.
وقال بعضهم: إنه مندوب ومستحب، وإليه ذهب من أصحابنا الكرخي.
وقال بعضهم: إنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين بمنزلة الجهاد وصلاة
الجنازة.
النكاح أفضل له من التخلي لنوافل العبادة، وقد استدل الشافعية بما يأتي:
=
أولاً: بقوله تعالى في مدح يحيى - عليه السلام -: ﴿وَسَيَّداً وَحَصُوراً﴾ والحصور هو الذي لا يأتي النساء
مع القدرة على إتيانهن فمدحه الله به، ولو كان النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة لما مدحه الله
بتركه، ويرد هذا بأنه ليس في مدح حال يحيى - عليه السلام - ما يدل على أنه أفضل من النكاح، فإن
مدح الصفة في ذاتها لا يقتضي ذم غيرها؛ إذ إننا لا ننكر فضل التخلي للعبادة، واستحقاق المدح عليه،
ولكن نقول: إن الاشتغال بالنكاح أفضل، وأيضاً فإن ذلك كان في شريعة سيدنا يحيى - عليه السلام -
وشرعنا وارد بخلافه فهو أولى.
وثانياً قالوا: النكاح عقد معاوضة، فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع، ويرد هذا بأن فرق بين البيع
والنكاح، فإن إنما كان التخلي للعبادة أفضل من البيع، لأن البيع لا يشمل على مصالح النكاح ولا
يقاربها، لذلك كان التخلي للعبادة أفضل منه. وأما الجمهور فقد استدلوا - بأمر الله تعالى به ورسوله
وعنهما عليه.
وأيضاً فقد تمسكوا بما روي في ((الصحيحين)) من أن نفراً من أصحاب رسول الله - وم ليه - سألوا أزواجه عن
عمله في السر، فقال بعضهم: الا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام
على فراش، فبلغ ذلك النبي - وَال ـ فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني
أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
ووجه الدلالة من هذا: أن النبي - وَلقره ـ ذم هذه الحال، وتبرأ منها، ولوا، يتخلى للعبادة أفضل، كما قيل
لأقرهم على ذلك.
ونحن إذا تأملنا ما يشتمل عليه النكاح من مصالح جزمنا بأن الاشتغال به أفضل من التخلي النوافل العبادة.
على أن النكاح لا يمنع من العبادة، وهذا رسولنا - ليزر - استكثر من الزوجات، ولم يشغله ذلك عن عبادة
ربه طرفة عين، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، لا سيما أننا لو قلنا: إن التخلي للعبادة أفضل من النكاح؛
لكان في ذلك ذريعة الإعراض كثير من الناس عن النكاح بحجة التخلي للعبادة فيضعف النسل، ويكثر
الفساد، خصوصاً في هذا الزمن الذي كثر فيه الإعراض عن الزواج وقد قال رسول الله - عزَ﴾و -: ((لا
رهبانية في الإسلام)) وقال: ((لعن الله المتبتلين والمتبتلات)) ومعناه التاركين للنكاح استناناً وتشرعاً.
(١) في أ: الركن.

٣١٢
كِتَابُ النّكَاحِ
وقال بعضهم: إنه واجب، ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في كيفية الوجوب، قال
بعضهم. إنه واجب على سبيل الكفاية كرد السلام.
وقال بعضهم: إنه واجب عيناً، لكن عملاً لا اعتقاداً على طريق التعيين؛ كصدقة الفطر
والأضحية والوتر.
احتج أصحاب الظواهر بظواهر النصوص من نحو قوله عز وجل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ
لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقوله عز وجل: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ
وَأَمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
وقول النبي ◌َّ: (تَزَوَّجُوا وَلاَ تُطَلْقُوا؛ فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَهْتَزُّ لَهُ عَزْشُ الرَّحْمَنِ))(١)،
وقوله وََّ: (تَنَاكَحُوا تَكَثُرُوا فَإِنِّي أَبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))(٢) أمر الله عز وجل بالنكاح
(١) أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٩١/١٢) من حديث علي.
قال العجلوني في ((كشف الخفا)) (٣٦١/١): قال الصنعاني: موضوع. لكن عزاه في الجامع الصغير لابن
عدي بسند ضعيف عن علي بلفظ تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش.
وقال ابن الجوزي: حديث موضوع. ا.هـ. من الكشف. قال الشوكاني في ((الفوائد الموضوعة)) (ص:
١٣٩): في إسناده عمرو بن جميع يروي الموضوعات عن الإتيان.
قال ابن عراق في («تنزيه الشريعة)) (٢٠٢/٢): لا يصح؛ فيه عمرو بن جميع.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٥٩٩/١) كتاب النكاح: باب تزويج الحرائر والولود حديث (١٨٦٣) من طريق
طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - وَّر -: انكحوا فإني مكاثر
بکم.
وقال البوصيري في ((الزوائد)) (٧٣/٢): هذا إسناد ضعيف لضعف طلحة بن عمرو المكي الحضرمي
ا. هـ.
- وطلحة بن عمرو:
قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه وقال أحمد: لا شيء متروك الحديث.
وقال البخاري: ليس بشيء.
النسائي: متروك الحديث.
وكذلك ضعفه ابن حبان وغيره ينظر التهذيب. وله لفظ آخر بإسناد آخر.
أخرجه أبو داود (٥٤٢/٢) كتاب النكاح: باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء حديث (٢٠٥٠)
والنسائي (٦٥/٦ - ٦٦) كتاب النكاح: باب كراهية تزويج العقيم والحاكم (١٦٢/٢) وأبو نعيم في
(الحلية)) (٦٢/٣) من حديث معقل بن يسار قال: قال رسول الله - رَّالله -: ((تزوجوا الودود الولود فإني
مكاثر بكم الأمم)). وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وأخرجه أيضاً ابن حبان (١٢٢٩ - موارد) والبيهقي (٨١/٧) كتاب النكاح: باب استحباب التزويج بالودود
الولود.
وأخرجه أحمد (٢٤٥،١٥٨/٣) وسعيد بن منصور (١٦٤/١) رقم (٤٩٠) وابن حبان (١٢٢٨ - موارد) =

٣١٣
كِتَابُ النّكَاحِ
مطلقاً، والأمر المطلق للفرضية والوجوب قطعاً، إلا أن يقوم الدليل بخلافه؛ ولأن الامتناع من
الزنا واجب، ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يكون واجباً
[ضرورة].
واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
أخبر عن إحلال النكاح، والمحلل والمباح من الأسماء المترادفة، ولأنه قال؛ ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ﴾
[النساء: ٢٤]، ولفظ ﴿لكم﴾ [النساء: ٢٤] يستعمل في المباحاتِ، ولأن النكاح سبب يتوصل به إلى
قضاء الشهوة، فيكون مباحاً كشراء الجارية للتسري بها؛ وهذا لأن قضاء الشهوة إيصال النفع إلى
نفسه، وليس يجب على الإنسان(١) إيصال النفع إلى نفسه، بل هو مباح في الأصل كالأكل
والشرب، وإذا كان مباحاً لا يكون واجباً؛ لما بينهما من التنافي، والدليل على أن النكاح ليس
بواجب قوله تعالى: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وهذا خرج مخرج
المدح ليحيى - عليه الصلاة والسلام - بكونه حصوراً، والحَصُور الذي لا يأتي النساء مع القدرة،
ولو كان واجباً لما استحق المدح بتركه؛ لأن ترك الواجب، لأن يذم عليه - أولى من أن يمدح.
والبيهقي (٧/ ٨١-٨٢) كتاب النكاح: باب استحباب التزوج بالودود الولود والقضاعي في ((مسند الشهاب))
=
رقم (٦٧٥) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٩/٤) من حديث أنس بلفظ: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر
بكم الأنبياء.
۔ وصححه ابن حبان:
والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٦١/٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في ((الأوسط)) وإسناده
حسن.
وأخرجه ابن عديّ في ((الكامل)) (٦/ ٢١٤٧) ومن طريقه البيهقي (٧٨/٧) من حديث أبي أمامة بلفظ:
تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ولا تكونوا كرهبانية النصارى.
وفيه محمد بن ثابت البصري وهو ضعيف قاله الحافظ في ((التقريب)) (١٤٨/٢).
وأخرجه ابن ماجه (٥٩٢/١) كتاب النكاح: باب ما جاء في فضل النكاح حديث (١٨٤٦) من طريق
عيسى بن ميمون عن القاسم عن عائشة قالت: قال رسول الله - وَ لـ: ((النكاح من سنتي فمن لم يعمل
بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ومن كان ذا طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإن
الصوم له وجاءةِ)).
قال البوصيري في ((الزوائد» (٦٥/٢): هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون ا.هـ.
وضعفه الحافظ ابن حجر في ((تلخيصه)) (١٠٢/٢)، وقال: ضعيف.
وأخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣٧٧/١٢) من حديث ابن عمر بلفظ: تزوجوا الودود الولود فإني
مكاثر بكم الأمم يوم القيامة .
وأخرجه عبد الرزاق (١٧٣/٦) رقم (١٠٣٩١) عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً.
والحديث صححه الألباني في ((الصحيحة)) برقم (١٧٨٢).
(١) في أ: إنسان.

٣١٤
كِتَابُ التّكَاحِ
واحتج من قال من أصحابنا: إنه مندوب إليه ومستحب بما روي عن النبي وَّر: أنه
قال: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ))(١) فإن الصوم له وجاء، أقام
الصوم مقام النكاح، والصوم ليس بواجب، فدل أن النكاح ليس بواجب أيضاً؛ لأن غير
الواجب لا يقوم مقام الواجب، ولأن في الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من لم تكن له
زوجة، ورسول الله وَّر علم منه بذلك ولم ينكر عليه، فدل أنه ليس بواجب.
(٢): إنه فرض أو واجب على سبيل الكفاية، احتج بالأوامر الواردة في
باب النكاح، والأمر المطلق للفرضية والوجوب قطعاً، والنكاح لا يحتمل ذلك على طريق
التعيين؛ لأن كل واحد من آحاد الناس لو تركه لا يأثم، فيحمل على الفرضية والوجوب على
طريق(٣) الكفاية؛ فأشبه الجهاد وصلاة الجنازة ورد السلام.
ومن قال منهم(٤): إنه واجب عيناً، لكن عملاً لا اعتقاداً على طريق التعيين - يقول:
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٤٢) كتاب الصوم: باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة حديث (١٩٠٥)،
(٨/٩) كتاب النكاح: باب قول النبي - وَ لر - ((من استطاع منكم الباءة فليتزوج)) حديث (٥٠٦٥) ومسلم
(١٠١٨/٢) كتاب النكاح باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه .. حديث (١/ ١٤٠٠) وأبو داود
(٦٢٤/١) كتاب النكاح: باب التحريض على النكاح حديث (٢٠٤٦) والنسائي (٤ /١٧١) كتاب الصوم:
باب فضل الصيام، (٥٦/٦) كتاب النكاح: باب الحث على النكاح وابن ماجه (٥٩٢/١) كتاب النكاح:
باب ما جاء في فضل النكاح حديث (١٨٤٥) والدارمي (١٣٢/٢) كتاب النكاح: باب الحث على
التزويج، وأحمد (٣٧٨/١، ٤٤٧) والطيالسي (٣٠٣/١ - منحة) رقم (١٥٤٥) وأبو يعلى (٩/ ٤٦-٤٧)
رقم (٥١١٠) والبيهقي (٧/ ٧٧) كتاب النكاح: باب الرغبة في النكاح، وفي ((شعب الإيمان)) (٤٨٠/٤)
رقم (٥٤٧٦) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٥٦/٣) كلهم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود
مرفوعاً.
وأخرجه البخاري (١٢/٩) كتاب النكاح: باب من لم يستطع الباءة فليصم حديث (٥٠٦٦) ومسلم (٢/
١٠١٩) كتاب النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه حديث (٣، ١٤٠٠/٤) والترمذي (٣/
٣٩٢) كتاب النكاح: باب ما جاء في فضل التزويج والحث عليه حديث (١٠٨١) والنسائي (٤/
١٦٩-١٧٠) كتاب الصيام: باب فضل الصيام، (٥٨٥٧/٦) كتاب النكاح: باب الحث على النكاح،
والدارمي (١٣٢/٢) كتاب النكاح: باب الحث على التزويج، وأحمد (٤٢٤/١، ٤٢٥، ٤٣٢) وعبد
الرزاق (١٦٩/٦) رقم (١٠٣٨٠) والحميدي (٦٣/١) رقم (١١٥) وابن حبان (٤٠٣٤) والبيهقي (٧٧/٧)
كتاب النكاح: باب الرغبة في النكاح والبغوي في ((شرح السنة)) (٣/٥ - بتحقيقنا) كلهم من طريق الأعمش
عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود مرفوعاً وقال الترمذي: حديث حسن
صحیح .
في أ: ومنهم من قال.
(٢)
(٣) في أ: سبيل.
(٤) في أ: ومنهم من قال.

٣١٥
كِتَابُ النَّاحِ
صيغة الأمر المطلقة عن القرينة تحتمل الفرضية، وتحتمل الندب؛ لأن الأمر دعاء وطلب،
ومعنى الدعاء والطلب موجود في كل واحد منهما، فيؤتى بالفعل لا محالة، وهو تفسير وجوب
العمل، ويعتقد على الإبهام على أن ما أراد الله تعالى بالصيغة من/ الوجوب القطعي، أو ١٢
الندب - فهو حق؛ لأنه إن كان واجباً عند الله، فخرج عن العهدة بالفعل فيأمن الضرر، وإن
كان مندوباً يحصل له الثواب، فكان القول بالوجوب على هذا الوجه أخذاً بالثقة والاحتياط،
واحترازاً عن الضرر بالقدر الممكن، وأنه واجب شرعاً وعقلاً.
وعلى هذا الأصل بنى أصحابنا من قال منهم: إن النكاح فرض أو واجب؛ لأن الاشتغال
به مع أداء الفرائض والسنن أولى من التخلي لنوافل العبادات (١) مع ترك النكاح، وهو قول
أصحاب الظواهر؛ لأن الاشتغال بالفرض والواجب كيف ما كان أولى من الاشتغال بالتطوع.
ومن قال منهم(٢): إنه مندوب ومستحب؛ فإنه يرجحه على النوافل من وجوه أخر:
أحدها: أنه سنة، قال النبي وَلّ: ((النِّكَاحُ سُنَّتِي)) (٣)، والسنن مقدمة على النوافل
بالإجماع؛ ولأنه أوعد على ترك السنة بقوله: ((فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))(٤)، ولا وعيد
على ترك النوافل.
والثاني: أنه فعله رسول الله وَّر وواظب عليه، أي: داوم وثبت عليه بحيث لم
يخل عنه، بل كان يزيد عليه حتى تزوج عدداً مما أبيح له من النساء، ولو كان التخلي
للنوافل أفضل لما فعل؛ لأن الظاهر أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يتركون
الأفضل فيما له حد معلوم؛ لأن ترك الأفضل فيما له حد معلوم عد زلة منهم، وإذا
ثبت أفضلية النكاح في حق النبي وَّر ثبت في حق الأمة؛ لأن الأصل في الشرائع هو
(١) في أ: العبادة.
(٢) في أ: ومنهم من قال.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) عرفة أبو الحسين البصري في ((المعتمد)) بقوله: ((هو اللفظ المستغرق لما يصلح له)). وزاد الإمام الرازي
على هذا التعريف في ((المحصول)): (( ... بوضع واحد))، وعليه جرى البيضاوي في ((منهاجه)).
وعرَّفه إمام الحرمين الجويني في ((الورقات)) بقوله: ((العام: ما عمَّ شيئين فصاعداً). وإلى ذلك أيضاً ذهب
الإمام الغزالي؛ حيث عرَّفه بأنه: ((اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعداً)).
ويرى سيف الدين الآمدي العام هو: ((اللفظ الواحد الدال على قسمين فصاعداً مطلقاً معاً».
واختار ابن الحاجب أن العام: ((ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقاً ضربة)).
ويرى أبو بكر الجصاص من الحنفية أن العام: ((ما ينتظم جمعاً من الأسماء أو المعاني)).
وعرفه الإمام فخر الدين البزدوي بأنه: ((كل لفظ ينتظم جمعاً من الأسماء لفظاً أو معنى)).
ويرى الإمام النسفي أنه: ((ما يتناول أفراداً منَّفقة الحدود؛ على سبيل الشُّمول)».

٣١٦
كِتَابُ النّكَاحِ
العموم(١) والخصوص(٢) بدليل.
ينظر: البرهان لإمام الحرمين: (٣١٨/١)، والبحر المحيط للزركشي: ٥/٣، والإحكام في أصول
الأحكام للآمدي: ٢/ ١٨٥، وسلاسل الذهب للزركشي (ص ٢١٩)، والتمهيد للأسنوي (ص ٢٩٧)،
ونهاية السول له: ٣١٢/٢، وزوائد الأصول له (ص ٢٤٨)، ومنهاج العقول للبدخشي: ٧٥/٢، وغاية
الوصول للشيخ زكريا الأنصاري (ص ٦٩)، والتحصيل من المحصول للأرموي: ٣٤٣/١، والمنخول
للغزالي (ص ١٣٨)، والمستصفى له: ٣٢/٢، وحاشية البناني: ٣٩٢/١، والإبهاج لابن السبكي: ٢/
٨٢، والآيات البينات لابن قاسم العبادي: ١٥٤/٢، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص
٣٢٦)، وحاشية العطار على جمع الجوامع: ٥٠٥/١، والمعتمد لأبي الحسين: ١٨٩/١، وإحكام
الفصول في أحكام الأصول للباجي (ص ٢٣٠)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٣٧٩/٣،
والتحرير لابن الهمام (ص ٦٤)، وتيسير التحرير لأمير بادشاه: ١٩١/١، وميزان الأصول للسمر قندي:
٣٨٥/١، وكشف الأسرار للنسفي: ١٥٩/١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: ٢/
١٠١، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٣٨/١، وحاشية نسمات
الأسحار لابن عابدين (ص ٦٨)، وشرح المنار لابن ملك (ص ٤٥)، والوجيز للكراماستي (ص ١١)،
والموافقات للشاطبي: ٢٦٠/٣، وتقريب الوصول لابن جُزَيّ (ص٧٥)، وإرشاد الفحول للشوكاني (ص
١١٢)، وشرح مختصر المنار للكوراني (ص٤٥)، ونشر البنود للشنقيطي: ٢٢٢/١، وفواتح الرحموت
لابن نظام الدين الأنصاري: ١/ ٢٥٥، وشرح الكوكب المنير للفتوحي (ص٣٤٣).
(١) عَرَّف الإمام أبو الحسين الخاص: بأنه إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه. وذهب سيف الدين الآمدي
إلى أن المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة، إنما هو الخصوص، وذلك على مذهب أرباب العموم.
أما على مذهب أرباب الاشتراك، فهو المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص ويرى أكثر الشافعية أن
الخاص: هو قصر العام على بعض مسمياته مطلقاً. وذهبت الحنفية إلى أنه قصر العام على بعض مسمياته
بكلام مستقل موصول.
ينظر: البحر المحيط للزركشي: ٢٤٠/٣، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٢٥٨/٢، وسلاسل
الذهب للزركشي (ص ٢١٩)، والتمهيد للأسنوي (ص ٣٦٨)، ونهاية السول له (٣٧٤/٢)، وزوائد
الأصول له (ص ٢٤٨)، ومنهاج العقول للبدخشي: ١٠٤/٢، والتحصيل من المحصول للأرموي: ١/
٣٦٦، والمستصفى للغزالي: ٣٢/٢، وحاشية البناني: ٢/٢، والإبهاج لابن السبكي: ١١٩/٢،
والآيات البينات لابن قاسم العبادي: ٢/٣، وحاشية العطار على جمع الجوامع: ٣١/٢، والمعتمد لأبي
الحسين: ١٨٩/١، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي (ص ٢٦١)، والإحكام في أصول
الأحكام لابن حزم: ٣٧٩/٣، والتحرير لابن الهمام (ص ١٠١)، وميزان الأصول للسمرقندي: ١/
٤٣٥، وكشف الأسرار للنسفي: ٢٦/١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: ١٢٩/٢،
وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: ٣٤/١، وحاشية نسمات الأسحار
لابن عابدين (ص١٦)، والوجيز للكراماستي (ص١٠)، والموافقات للشاطبي: ٢٦٠/٣، وتقريب
الوصول لابن جُزَيٌّ (ص ٧٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني (ص١٤١)، ونشر البنود للشنقيطي: ٢٢٦/١،
وفواتح الرحموت لابن نظام الدين الأنصاري: ٣٠٠/٢، وشرح الكوكب المنير للفتوحي (ص ٣٨٧)،
وينظر: كشف الأسرار: ٣٠/١، والحدود للباجي (٤٤)، والمغني (٩٣)، والمدخل (٢٤٧).

٣١٧
كِتَابُ النّكَاحِ
والثالث: أنه سبب يتوصل به إلى مقصود هو مفضل على النوافل؛ لأنه سبب لصيانة
النفس عن الفاحشة، وسبب لصيانة نفسها عن الهلاك بالنفقة والسكنى واللباس لعجزها عن
الكسب، وسبب لحصول الولد الموحد، وكل واحد من هذه المقاصد مفضل على النوافل،
فكذا السبب لما وصل إليه كالجهاد والقضاء. وعند الشافعي: التخلي [للنوافل] أولى وتخريج
المسألة [على أصله] (١) ظاهر؛ لأن النوافل مندوب إليها، فكانت مقدمة على المباح، وما ذكره
من دلائل الإباحة والحل، فنحن نقول بموجبها: إن النكاح مباح وحلال في نفسه، لكنه واجب
لغيره، أو مندوب ومستحب لغيره؛ من حيث إنه صيانة للنفس من الزنا، ونحو ذلك على ما
بينا، ويجوز أن يكون الفعل الواحد حلالاً بجهة واجباً أو مندوباً إليه بجهة، إذ لا تنافي عند
اختلاف الجهتين، وأما قوله عز وجل: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]
فاحتمل أن التخلي للنوافل كان أفضل من النكاح في شريعته، ثم نسخ ذلك في شريعتنا بما
ذكرنا من الدلائل، والله أعلم.
فصل في ركن النكاح
وأما ركن النكاح فهو: الإيجاب والقبول، وذلك بألفاظ مخصوصة، أو ما يقوم مقام
اللفظ، فيقع الكلام في هذا الفصل في أربعة مواضع:
أحدها: في بيان اللفظ الذي ينعقد النكاح به بحروفه.
والثاني: في بيان صيغة ذلك اللفظ .
والثالث: في بيان أن النكاح هل ينعقد بعاقد واحد، أو لا ينعقد إلا بعاقدين.
والرابع: في بيان صفة الإيجاب والقبول.
أما بيان اللفظ الذي ينعقد به النكاح بحروفه فنقول ـ وبالله التوفيق: لا خلاف في أن
النكاح ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج، وهل ينعقد بلفظ البيع والهبة والصدقة والتمليك؛ قال
أصحابنا - رحمهم الله: ينعقد.
وقال الشافعي: لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج.
واحتج بما روي عن النبي وَّ، أنه قال: ((اتَّقُوا الله في النِّسَاءِ(٢)؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ
(١) سقط في أ.
(٢) أخرجه البخاري ٤١٨/٦ في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٣١) و(١٦٠/٩) في النكاح،
باب المداراة مع النساء. (٥١٨٤)، وباب الوصاة بالنساء (٥١٨٦) ومسلم (٢/ ١٠٩٠ - ١٠٩١) في =

٣١٨
كِتَابُ النّكَاحِ
اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله وَاسْتَخْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله)) وكَلِمته التي أَحل بها الفروج في كتابه
الكريم لفظ الإنكاح والتزويج فقط، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقال
سبحانه وتعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ ولأن الحكم الأصلي للنكاح هو الازدواج،
والملك يثبت وسيلة إليه، فوجب اختصاصه بلفظ يدل على الازدواج، وهو لفظ التزويج
والإنكاح لا غير.
ولنا أنه انعقد نكاح رسول الله وَل ري بلفظ الهبة(١)، فينعقد به نكاح أمته ودلالة الوصف
الرضاع، باب الوصية بالنساء (١٤٦٨) والترمذي ٤٩٣/٣ - ٤٩٤ في الطلاق، باب ما جاء في مداراة
=
النساء (١١٨٨) وأحمد ٤٢٨/٢، ٤٤٩، ٤٩٧ والدارمي (١٤٨/٢) في النكاح، باب مداراة الرجل أهله
من طرق عن أبي هريرة رفعه - واللفظ لمسلم - إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة،
فإن استمتعت بها استمتعت بها لها عوج وإن ذهبت، تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)).
وقال الترمذي: حسن صحيح وإسناد جيد.
شهد له حديث سمرة رواة أحمد (٨/٥)، وحديث أبي ذر وعند أحمد (٥/ ١٥٠ - ١٥١)، والدارمي (٢/
١٤٧ - ١٤٨) وحديث عائشة رواه أحمد (٢٧٩/٦).
(١) أخرجه البخاري ٦/ ٤١٨ في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (٣٣٣١) و١٦٠٢٩ في النح، باب
المداراة مع النساء (٥١٨٤)، وباب الوصاة بالنساء (٥١٨٦) ومسلم ٩٠/٢ ١٠٠٠٠ - ٩١ - ١ في
الرضاع، باب الوصية بالنساء (١٤٦٨) والترمذيس
.. (٢) اختلف الفقهاء في انعقاد النكاح بلفظ الهبة. فذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية إلى القول بأنه لا ينعقد
النكاح بلفظ الهبة وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري وربيعة.
وذهب الحنفية والمالكية إلى القول بانعقاد النكاح بلفظ الهبة، إلا أن المالكية قالوا: ينعقد بها النكاح
بشرط ذكر المهر، ويظهر أنهم إنما اشترطوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة ذكر المهر لأن إسقاط المهر
عندهم يؤثر في النكاح، ولما كان النكاح بلفظ الهبة يشعر بإسقاط المهر نظراً إلى أن لفظ الهبة من ألفاظ
التبرعات، لذلك قالوا ينعقد بها النكاح مع ذكر المهر.
وقد استدل الشافعية ومن وافقهم على عدم انعقاد النكاح بلفظ الهبة بالكتاب والسنة والعقول.
أما الكتاب فقول الله تبارك وتعالى في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي - وََّ -: ((وامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِن
وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَِّّ إِنْ أَرَادَ النَِّيُّ يَسْتَنْكِجَهَا خَالِصَةٌ لَكَ مِن دُونِهِ المُؤْمِنِينَ)).
ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قال: ((خَالِصَةٌ لَكَ))، فدل ذلك على أن الانعقاد بلفظ
الهبة من خصوصياته - يوليو - وأما السنة فما روي أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: ((اتّقُوا الله فِي
النِّسَاءِ فإِنَّكم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمانَةِ الله واسْتَخْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَة الله)).
ووجه الدلالة من الحديث أنهم قالوا: إن الكلمة التي أحل الله بها الفروج في كتابه إنما هي الإنكاح
والتزويج فقط، أخذا من الكتاب والسنة بالاستقراء دون الهبة .
وأما المعقول فقد قالوا فيه: إن الهية من ألفاظ الطلاق حتى أنه ليقع الطلاق يقوله لزوجته: وهبتك لأهلك
فلا يكون موجباً لضده.
وقد نوقشت هذه الأدلة بما يأتي:
=

٣١٩
كِتَابُ النّكَاحِ
قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةُ مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّيِ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةٌ لَكَ﴾ [الأحزاب:
٥٠]، معطوفاً على قوله، ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أخبر الله تعالى أن المرأة
المؤمنة التي وهبت نفسها للنبي / ◌َلو - عند استنكاحه إياها حلال له، وما كان مشروعاً في حق ٢ب
النبي ◌َّ - يكون مشروعاً في حق أمته، هو الأصل حتى يقوم دليل الخصوص.
فإن قيل: قد قام دليل الخصوص لههنا، وهو قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَكَ مِنْ دُونٍ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فالجواب أن المراد منه: ((خالصة لك من دون المؤمنين)) بغير أجر،
فالخلوص يرجع إلى الأجر لا إلى لفظ الهبة لوجوه.
أحدها: ذكره عقيبه، وهو قوله عز وجل: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾
[الأحزاب: ٥٠]، فدلّ أن خُلُوصَ تلك المرأة له كان بالنكاح بلا فرض منه.
والثاني: أنه قال تعالى: ﴿لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ومعلوم أنه لا حَرَجَ
كان يلحقه في نفس العبارة، وإنما الحرج في إعطاء البدل.
والثالث: أن هذا خرج مخرج الامتنان عليه وعلى أمته في لفظ الهبة، ليست تلك في
لفظة التزويج، فدل أن المنة فيما صارت له بلا مهر، فانصرف الخلوص إليه؛ ولأن الانعقاد
أما الآية فقد قيل لهم فيها: إن قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَكَ مِن دُون المُؤْمِنِينَ﴾ ليس معناه أن انعقاد النكاح
=
بلفظ الهبة مختص به - ط# - بل المراد أن الاختصاص والخلوص في سقوط المهر خاص به - وَلير -
ويؤيد هذا المراد أمور:
الأمر الأول: أنها مقابلة بمن آتَى مهرها في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الْلاِي أَتَّيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى
قوله: ((وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً)) .
الأمر الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾، ومن المعلوم أنه لا حرج يلحقه في نفس
العبارة، وإنما الحرج بلزوم المهر دون لفظ التزويج.
الأمر الثالث: أن الله سبحانه وتعالى أمتن على نبيه بقوله: ﴿خَالِصَةٌ لَكَ﴾، والمنة إنما تظهر بنفي المهر لا
بإقامة مقام لفظ .
ويقال لهم في الحديث: إن قولهم أن الكلمة التي أحل الله بها الفروج في كتابه هي لفظ الانكاح والتزويج
فقط غير مسلم، بل جاء لفظ الهبة أيضاً في الكتاب العزيز قال تعالى: ﴿وامْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ الآية. وقد بينا أن
الخلوص في الآية راجع إلى إسقاط المهر.
ويقال لهم في المعقول: إن قولكم: إن الهبة من ألفاظ الطلاق، فلا يكون موجباً لضده منتفض بقول
الرجل لزوجته: تزوجي، فإن الفرق تقع به أن نوى به الطلاق.
واستدل المالكية والحنفية على انعقاد النكاح بلفظ الهبة بنفس الآية التي استدل بها الشافعية، ووجه الدلالة
منها أنهم قالوا: إن هذا اللفظ انعقد به نكاح النبي - رَّهر - فوجب أن ينعقد به نكاح أمنه كلفظ الإنكاح
والتزويج .

٣٢٠
كِتَابُ النكاح
بلفظ النكاح(١) والتزويج؛ لكونه لفظاً موضوعاً لحكم أصل النكاح شرعاً، وهو الازدواج، وإنه
لم يشرع بدون الملك، فإذا أتى به يثبت الازدواج باللفظ، ويثبت الملك الذي يلازمه شرعاً،
ولفظ التمليك موضوع لحكم آخر أصلي للنكاح وهو الملك، وأنه غير مشروع في النكاح بدون
الازدواج، فإذا أتى به وجب أن يثبت به الملك، ويثبت الازدواج الذي يلازمه شرعاً؛ استدلالاً
لأحد اللفظين بالآخر؛ وهذا لأنهما حكمان متلازمان شرعاً، ولم يشرع أحدهما بدون الآخر،
فإذا ثبت أحدهما ثبت الآخر ضرورة، ويكون الرضا بأحدهما رضا بالآخر.
وأما الحديث: فنقول بموجبه، لكن لم قلتم: إن استحلال الفروج بهذه الألفاظ
استحلال بغير كلمة الله، فيرجع الكلام إلى تفسير الكلمة المذكور، فنقول: كلمة الله تعالى
تحتمل حكم الله عز وجل؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الشورى: ١٤]، فلم
قلتم بأن جواز النكاح بهذه الألفاظ ليس حكم الله تعالى، والدليل على أنه حكم الله تعالى ما
ذكرنا من الدلائل، مع ما أن كل لفظ جعل علماً على حكم شرعي فهو حكم (٢) الله تعالى،
وإضافة الكلمة إلى الله تعالى باعتبار أن الشارع هو الله تعالى، فهو الجاعل اللفظ سبباً لثبوت
هذا الحكم شرعاً؛ فكان كلمة الله، تعالى من هذا الوجه على أن الاستحلال بكلمة الله لا
ينفي(٣) الاستحلال لا بكلمة الله تعالى فكان مسكوتاً عنه، فلا يصح الاحتجاج به .
ولا ينعقد النكاح بلفظ الإجارة عند عامة مشايخنا، والأصل عندهم أن النكاح لا ينعقد
إلا بلفظ موضوع لتمليك العين، هكذا روى ابن رستم عن محمد - رحمه الله - أنه قال: كل
لفظ يكون في اللغة تمليكاً للرقبة؛ فهو في الحرة نكاح(٤).
(١) في أ: الإنكاح.
في أ: كلمة.
(٢)
(٣) في أ: تبقى.
اختلف الفقهاء أيضاً في انعقاد النكاح بلفظ التمليك. فمنهم من يرى عدم انعقاده وهم الشافعية والحنابلة،
(٤)
ومنهم من يرى انعقاده وهم المالكية والحنفية وإليه ذهب ابن حزم في المحلى.
الأدلة: استدل الشافعية ومن وافقهم بما يأتي:
أولاً: يقول - رَله -: ((اتقوا الله في النساء)) الخ ...
ثانياً: قالوا: إن لفظ التمليك ليس بصريح في النكاح فلا ينعقد به، وذلك لأن الشهادة شرط في النكاح،
والكناية إنما نعلم بالنية، ولا يمكن الشهادة على النية لعدم اطلاعهم عليها فيجب ألا ينعقد النكاح بلفظ
التمليك .
وقد نوقشت هذه الأدلة بما يأتي :
أما الحديث فيقال لهم فيه أن قوله - وَ ال ◌َرَ -: ((وَاسْتَخْلَلْتُمْ فُرُوجَهْنَّ بِكَلِمَةِ الله)) لا يدل على حصر انعقاد
النكاح في لفظ الانكاح والتزويج. فقد جاء في حديث ما يدل على انعقاده بلفظ التمليك، فقد قال النبي
- وَلّ - للرجل الذي خطب المرأة التي عرضت نفسها عليه ((قَدْ مَلَّكَتْكَهَا)).
=