النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كِتَابُ الْحَجْ الإحرام بالحج(١) عشية التروية، فلا يمكنه صيام الثلاثة الأيام بعد ذلك، وإنما بقي له يوم واحد؛ لأن أيام النحر والتشريق قد نهى عن الصيام فيها؛ فلا بد من الحكم بجواز الصوم بعد إحرام العمرة، قبل الشروع في الحج. وأما الآية: فقد قيل في تأويلها: إن المراد منها وقت الحج؛ وهو الصحيح؛ إذ الحج لا يصلح ظرفاً للصوم، والوقت يصلح ظرفاً له؛ فصار تقدير الآية الشريفة: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج كما [قيل](٢) في قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]. أي: وقت الحج أشهر معلومات، وعلى هذا صارت الآية الشريفة حجة لنا عليه؛ لأن الله تعالى أوجب على المتمتع صيام ثلاثة أيام في وقت الحج، وهو أشهر الحج، وقد صام في أشهر الحج فجاز، إِلاَّ أن زمان ما قبل/ الإحرام صار مخصوصاً من النصر. ١٢٤٨ والأفضل: أن يصوم ثلاثة أيام، آخرها يوم عرفة؛ بأن يصوم قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية ويوم عرفة؛ لأن الله - تعالى - جعل صيام ثلاثة أيام بدلاً عن الهدي، وأفضل أوقات البدل وقت اليأس عن الأصل؛ لما يحتمل القدرة على الأصل قبله؛ ولهذا كان الأفضل تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاة؛ لاحتمال وجود الماء قبله، وهذه الأيام آخر وقت هذا الصوم عندنا، فإذا مضت ولم يصم فيها فقد فات الصوم، وسقط عنه وعاد الهدي، فإن(٣) لم يقدر عليه يتحلل، وعليه دمان: دم التمتع، ودم التحلل قبل الهدي. وعند الشافعي: لا يفوت بمضي هذه الأيام، ثم له قولان: في قول: يصومها في أيام التشريق، وفي قول: يصومها بعد أيام التشريق؛ والصحيح: قولنا؛ لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: في وقت الحج؛ لما بينا عين وقت الحج لصوم هذه الأيام، إِلاَّ أن يوم النحر خرج من أن يكون وقتاً لهذا الصوم بالإجماع، وما رواه ليس وقت الحج؛ فلا يكون محلاً لهذا الصوم . وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: المتمتع إنما يصوم قبل يوم النحر. وعن عمر - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلاً أتاه يوم النحر وهو متمتع لم يصم، فقال له عمر - رضي الله تعالى عنه -: اذبح شاة. فقال الرجل: ما أجدها. فقال له عمر: سل قومك. فقال ليس لهُهنا منهم أحد. فقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: يا مغيث، أعطه عني ثمن شاة. والظاهر: أنه قال ذلك سماعاً من رسول الله وَلّر لأن مثل ذلك لا يعرف رأياً واجتهاداً. (١) في أ: بالحجة . (٢) سقط في ط. (٣) في أ: وإن. ١٨٢ كِتَابُ الْحَجُ وأما صوم السبعة: فلا يجوز قبل الفراغ من أفعال الحج بالإجماع، وهل يجوز بعد الفراغ من أفعال الحج بمكة قبل الرجوع إلى الأهل؟ قال أصحابنا: يجوز. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد الرجوع إلى الأهل، إلا إذا نوى الإقامة بمكة فيصومها بمكة؛ فيجوز، واحتج بقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: إذا رجعتم إلى أهليكم. ولنا: هذه الآية بعينها؛ لأنه قال عز وجل: ﴿إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] مطلقاً؛ فيقتضي أنه إذا رجع من ((منى)) إلى ((مكة)) وصامها يجوز. وهكذا قال بعض أهل التأويل: إذا رجعتم من منى. وقال بعضهم: إذا فرغتم من أفعال الحج. وقيل: إذا أتى وقت الرجوع. ولو وجد الهدي قبل أن يشرع في صوم ثلاثة أيام، أو في خلال الصوم، أو بعدما صام فوجده في أيام النحر قبل أن يحلق أو يقصر - يلزمه الهدي، ويسقط حكم الصوم عندنا. وقال الشافعي: لا يلزمه الهدي، ولا يبطل حكم الصوم. والصحيح: قولنا: لأن الصوم بدل عن الهدي، وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل؛ فبطل حكم البدل، كما لو وجد الماء في خلال التيمم. ولو وجد الهدي [في أيام الذبح، أو](١) بعدما حلق أو قصر، فحل قبل أن يصوم السبعة - صح صومه، ولا يجب عليه الهدي؛ لأن المقصود من البدل وهو التحلل قد حصل، فالقدرة على الأصل بعد ذلك لا تبطل حكم البدل، كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء. واختلف أبو بكر الرازي، وأبو عبد الله الجرجاني في صوم السبعة: قال الجرجاني: إنه ليس ببدل؛ بدليل أنه يجوز مع وجود الهدي بالإجماع، ولا جواز للبدل مع وجود الأصل، كما في التراب مع الماء ونحو ذلك. وقال الرازي: إنه بدل؛ لأنه لا يجب إلا حال العجز عن الأَصْلِ، وجوازه حال وجود الأصل لا يخرجه عن كونه بدلاً. ولو صام ثلاثة أيام ولم يحل حتى مضت أيام الذبح، ثم وجد الهدي - فصومه ماضٍ، ولا هدي عليه؛ كذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، ذكره الكرخي في ((مختصره))؛ لأن الذبح يتوقت بأيام الذبح عندنا، فإذا مضت فقد حصل المقصود؛ وهو إباحة التحلُّل، فكأنه تَحَلَّلَ ثم وجد الهدي. وأما صفة الواجب: فقد اختلف فيها، قال أصحابنا: إنه دم نسك، وجب شكراً لما وفق للجمع بين النسكين بسفر واحد، فله أن يأكل منه ويطعم من شاء، غنياً كان المطعم أو فقيراً، ويستحب له أن يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث لأقربائه وجيرانه، سواء كانوا (١) سقط في أ. ١٨٣ كِتَابُ الْحَجْ فقراء أو أغنياء، كدم الأضحية؛ لقوله عز وجل: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨]. وقال الشافعي: إنه دم كفارة، وجب جبراً للنقص بترك إحدى السفرتين؛ لأن الإفراد أفضل عنده، لا يجوز للغني أن يأكل منه، وسبيله سبيل دماء الكفارات. وأما القارن: فحكمه حكم المتمتع في وجوب الهدي عليه إن وجد، والصوم إن لم يجد، وإباحة الأكل من لحمه للغني والفقير؛ لأنه في معنى المتمتع فيما لأجله وجب الدم، وهو الجمع بين الحجة والعمرة في سفر واحد. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَرَ كَانَ قَارِناً فَنَحَرَ البدن، / وَأَمَرَ عليّاً - رَضِيَ الله عَنْهُ - فَأَخَذَ ٢٤٨ ب مِنْ كُلِّ بدنة قطعة فطبخها، وأكل رسول الله وَلَّ من لحمها، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا. وأما مكان هذا الدم: فالحرم، لا يجوز في غيره؛ لقوله تعالى: ﴿والهدي معكوفاً أن يبلغ محله﴾ [الفتح: ٢٥] ومحله: الحرم، والمراد منه: هدي المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] والهدي: اسمٌ لما يهدي إلى بيت الله الحرام؛ أي: يبعث وينقل إليه. وأما زمانه: فأيام النحر، حتى لو ذبح قبلها لم يجز؛ لأنه دم نسك عندنا، فيتوقت بأيام النحر كالأضحية. وأما بيان أفضل أنواع ما يحرم به: فظاهر الرواية عن أصحابنا: أن القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد. وروي عن أبي حنيفة: أن الإفراد أفضل من التمتع؛ وبه أخذ الشافعي. وقال مالك: التمتع أفضل. وذكر محمد في كتاب ((الرد على أهل المدينة)): أن حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل. احتج الشافعي بما روي: أن رسول الله ◌َّ﴿ أفرد بالحج عام حجة الوداع؛ فدل أن الإفراد أفضل؛ إذ هو ◌َ﴿ كان يختار من الأعمال أفضلها. ولنا: أن المشهور: أن النبي رَّ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (١) رواه عمر، وعلي، وابن (١) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه في سننه (٢/ ٩٩٠): كتاب المناسك: باب من قرن الحج والعمرة، حديث (٢٩٧١)، وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١١١/٣): كتاب الحج: باب القران، وقال: وليس فيه ذكر الطواف ولا السعي، قال البوصيري في الزوائد: في إسناده حجاج بن أرطأة، ضعيف ومدلّس، وقد رواه بالعنعنة . من رواية حجاج عن الحسن بن سعد عن ابن عباس، قال: أخبرني أبو طلحة أن رسول الله - وَل﴾ - قرن الحج والعمرة. وأخرجه الترمذي (٢٧٤/٣): كتاب الحج: باب ما جاء أن القارن يطوف طوافاً واحداً، حديث (١٩٤٧)، والنسائي (٥٢٦/٥): كتاب المناسك: باب طواف القارن، حديث (٢٩٣٢)، وذكر الطواف في الحديث، من حديث جابر وابن عمر، وقال الترمذي: حديث جابر حديث حسن. ١٨٤ كِتَابُ الْحَجْ عباس، وجابر، وأنس - رضي الله تعالى عنهم - وروي عنه وَّر أنه قال: ((أتاني آت من ربي وأنا بالعقيق، فقال: قم فصل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل: لبيك بعمرة في حجة))(١) حتى روي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي وَّ كان يصرخ بها(٢) صراخاً، ويقول: (لبيك بعمرة في حجة))؛ فدل أنه وَي كان قارناً، وروي عنه وَلل أنه قال: ((تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإن المتابعة بينهما تزيد في العمر، وتنفي الفقر)) (٣) ولأن القران والتمتع جمع بين عبادتين بإحرامين؛ فكان أفضل من إتيان عبادة واحدة بإحرامٍ واحدٍ. وإنما كان القران أفضل من التمتع؛ لأن القارن حجته وعمرته آفاقيتان؛ لأنه يحرم بكل واحدة منهما من الآفاق، والمتمتع عمرته آفاقية وحجته مكية؛ لأنه يحرم بالعمرة من الآفاق، وبالحجة من مكة، والحجة الآفاقية أفضل من الحجة المكية؛ لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وروينا عن علي، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك. [وما كان أتم] (٤) فهو أفضل. وأما ما رواه الشافعي: فالمشهور: ما روينا، والعمل بالمشهور أولى، مع ما أن فيما روينا زيادة ليست في روايته؛ والزيادة برواية العدل مقبولة، على أنا نجمع بين الروايتين على ما (١) أخرجه البخاري (٨/ ٧٠): كتاب المغازي: باب بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، حديث (٤٣٥٣، ٤٣٥٤)، ومسلم (٩٠٥/٢): كتاب الحج: باب في الإفراد والقران بالحج والعمرة، حديث (١٢٣٢/١٨٥)، وأبو داود (٣٩١/٢): كتاب المناسك (الحج): باب في القران، حديث (١٧٩٥) والنسائي (١٥٠/٥) كتاب الحج: باب القران، وابن ماجه (٩٨٦/٢): كتاب المناسك باب من قرن الحج والعمرة، حديث (٢٩٦٨، ٢٩٦٩)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٢/٢): كتاب مناسك الحج: باب ما كان النبي - وَالله - به محرماً في حجة الوداع، والبيهقي (٩/٥): كتاب الحج: باب من اختار القران وزعم أن النبي - وَالر - كان قارناً، وأحمد (٩٩/٣)، والحاكم (٤٧٢/١)، والحميدي (٥١٠/٢)، رقم (١٢١٥)، وابن الجارود، رقم (٤٣٠)، وابن خزيمة (٤/ ١٧٠)، والطبراني في ((الصغير)) (٢/ ٨٢٨١)، والدولابي في الكنى (١٩٨/١)، وأبو نعيم في الحلية (١٤/٣) من طرق كثيرة، عن أنس به. (٢) في أ: به. (٣) أخرجه النسائي (١١٥/٥) في الحج، باب فضل المتابعة بين الحج والعمرة، والترمذي (٣٧٥/٣) في الحج، باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة (٨١٠) عن عبد الله بن مسعود وأخرجه ابن ماجه (٢ / ٩٦٤) في المناسك، باب فضل الحج والعمرة (٢٨٨٧)، وأحمد (٢٥/١) والحميدي (١٧)، وأبو يعلى (١٩٨) من حديث ابن عمر. وأخرجه النسائي (١١٥/٥) في الحج عن ابن عباس. وأخرجه أحمد (٤٤٦/٣-٤٤٧) عن عامر بن ربيعة. (٤) بدل ما بين المعكوفين في أ: وما ذكرتم. ١٨٥ كِتَابُ الْحَجْ هو الأصل، عند تعارض الدليلين، أنه يعمل بهما بالقدر الممكن فنقول: كان رسول الله وَلهم قارناً، لكنه كان يسمي العمرة والحجة في التلبية بهما مرة، وكان ◌َّ يلبي بهما، لكنه كان يسعى بإحداهما مرة؛ إذ تسمية ما يحرم به في التلبية ليس بشرط لصحة التلبية، فراوي الإفراد سمعه يسعى الحجة في التلبية، فبنى الأمر على الظاهر، فظنه مفرداً فروى الإفراد، وراوي القران وقف على حقيقة الحال فروى القران. فصل في بيان الإحصار وأما بيان حكم المحرم إذا منع عن المضي في الإحرام؛ وهو المسمى بـ(المحصر)) في عرف الشرع؛ فالكلام في الإحصار - في الأصل - في ثلاث مواضع: في تفسير الإحصار أنه ما هو؟ ومم يكون؟ وفي بيان حكم الإحصار، وفي بيان حكم زوال الإحصار. أما الأول: فالمحصر في اللغة: هو الممنوع، والإحصار: هو المنع، وفي عرف الشرع: هو اسمٌ لمن أحرم ثم منع عن المضي في موجب الإحرام، سواء كان المنع من العدو، أو المرض، أو الحبس، أو الكسر، أو العرج، وغيرها من الموانع من إتمام ما أحرم به حقيقة أو شرعاً، وهذا قول أصحابنا. وقال الشافعي: لا إحصار إلا من العدو(١)، ووجه قوله: إن آية (١) اختلف العلماء فيمن شرط التحلل من الإحرام بمرض وغيره قال الشافعي في القديم وأصح قولي الجديد في حكاية أصحابه على صحة شرط التحلل وبه قال الحنابلة، وقال المالكية بعد صحة الشرط وحملوا الحديث على أنها قضية عين، قال النووي في المجموع (٣٠١/٨): فقال أصحابنا إذا مرض المحرم، ولم يكن شرط التحلل، فليس له التحلل بلا خلاف. قالوا: بل يصبر حتى يبرأ، فإن كان محرماً بعمرة أتمها، وإن كان بحج وفاته تحلل بعمل عمرة، وعليه القضاء، وأما إذا شرط في إحرامه أنه إن مرض تحلل، فقد نص الشافعي في القديم على صحة الشرط، لحديث ضباعة، ونص في كتاب المناسك من الجديد على أنه لا يتخلل، وروى الشافعي حديث ضباعة مرسلاً فقال: ((عن عروة بن الزبير أن رسول الله - وَ ليو - قال لضباعة)) الحديث قال الشافعي: لو ثبت حديث عروة لم أعده إلى غيره، لأنه لا يحل عندي خلاف ما ثبت عن النبي - وَّر - قال البيهقي: وثبت هذا الحديث من أوجه عن النبي - ◌َّليو - ثم روى الأحاديث الصحيحة السابقة فيه هذه نصوص الشافعي. وأما الأصحاب فلهم في المسألة طريقان حكاهما المصنف والأصحاب أشهرها وبه قال الأكثرون: يصح الاشتراط في قوله القديم، وفي الجديد قولان: أصحهما: الصحة، والثاني: المنع. والطريق الثاني: قاله الشيخ أبو حامد وآخرون: يصح الاشتراط قولاً واحداً لصحة الحديث فيه، قالوا: وإنما توقف الشافعي لعدم وقوفه على صحة الحديث، وقد صرح الشافعي بهذا الطريق في نصه الذي حكيته الآن عنه، وهو قوله (لو صح حديث عروة لم أعده) فالصواب الجزم بصحة الاشتراط للأحاديث. قال أصحابنا: ولو شرط التحلل لغرض آخر كضلال الطريق، وفراغ النفقة والخطأ في العدد ونحو ذلك فله حكم اشتراط التحلل بالمرض. فيصح على المذهب هكذا قطع به أصحابنا العراقيون والبغوي = ١٨٦ كِتَابُ الْحَجْ الإحصار؛ وهي قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] نزلت في [بعض] (١) أصحاب رسول الله وَ ﴿ حين أحصروا من العدو، وفي آخر الآية الشريفة دليل عليه؛ وهو قوله عز وجل: ﴿فإذا أمنتم﴾ [البقرة: ١٩٦] والأمان من العدو يكون، وروي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا: لا حصر إلا [من عدو. ولنا: عموم قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] والإحصار: هو المنع، والمنع كما يكون](٢) من العدو، يكون من المرض وغيره، والعِبْرَةُ بعموم اللفظ - عندنا - لا بخصوص السبب؛ إذ الحكم (٣) يتبع اللفظ لا السبب. وعن الكسائي، وأبي معاذ: أن الإحصار من المرض، والحصر من العدو؛ فعلى هذا كانت الآية خاصة في الممنوع بسبب المرض، وأما قوله عز وجل: ﴿فإذا أمنتم﴾ [البقرة: ١٩٦] فالجواب عن التعلق به من وجهين : أحدهما: أن الأمن كما يكون من العدو يكون من زوال المرض؛ لأنه إذا زال مرض الإنسان أمن الموت منه، أو أمن زيادة المرض؛ وكذا بعض الأمراض قد تكون أماناً من ١٢٤٩ البعض، / كما قال النبي ◌َّلـ: ((الزكام أمان من الجذام)). والثاني: أن هذا يدل على: أن المحصر من العدو مراد من الآية الشريفة، وهذا لا ينفي كون المحصر من المرض مراداً منها . وما روي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أنه إن ثبت فلا يجوز أن وجمهور الخراسانيين. وذكر إمام الحرمين هذا عن العراقيين قال: قالوا: بأن كل منهم يحل محل المرض = الثقيل يجري فيه الخلاف المذكور في المرض قال: وكان شيخي يقطع بأن الشرط لاغ، وأنه لا يجوز التحلل على القول إلا بالمرض للحديث، والله تعالى أعلم. ومن شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى مرض، أو ضاعت نفقته، أو نفدت ونحوه كمتى ضل الطريق (أو قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. فله التحلل بجميع ذلك) لحديث ضباعة بنت الزبير السابق. وقوله - رَ ﴿ه -: ((فإنَّ لَكِ عَلى ربِّك مَا اشْتَرَطْتِ)) ولأن للشرط تأثيراً في العبادات. بدليل: إن شفى الله مريضي صمت شهراً ونحوه (وليس عليه هدي، ولا صوم، ولا قضاء، ولا غيره) لظاهر حديث ضباعة. ولأنه إذا شرط شرطاً كان إحرامه الذي فعله إلى حين وجود الشرط. فصار بمنزلة من أكمل أفعال الحج وله البقاء على إحرامه حتى يزول عذره ويتم نسكه (فإن قال: إن مرضت ونحوه، فأنا حلال، فمتى وجد الشرط حل بوجوده) لأنه شرط صحيح. فكان على ما شرط. (١) سقط في ط. (٢) سقط في أ. (٣) في أ: لأن الحكم. ١٨٧ كِتَابُ الْحَجْ ينسخ به مطلق الكتاب، كيف وإنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنة، وقد روي أن رسول الله وَله قال: ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل))(١)، وقوله: حل: أي: جاز له أن يحل بغير دم؛ لأنه لم يؤذن له بذلك شرعاً، وهو كقول النبي وَلّر -: ((إذا أقبل الليل من لههنا، وأدبر القهار من لههنا - فقد أفطر الصائم))(٢) ومعناه: أي: حل له الإفطار؛ فكذا لههنا معناه: حل له أن يحل، ولأنه إنما صار محصراً من العدو، ومن خصاله التحلل لمعنى هو موجود في المرض وغيره؛ وهو الحاجة إلى الترفيه والتيسير؛ لما يلحقه من الضرر والحرج بإبقائه على الإحرام مدة مديدة، والحاجة إلى الترفيه والتيسير متحققة في المريض ونحوه، فيتحقق الإحصار، ويثبت موجبه بل أولى؛ لأنه يملك دفع شر العدو عن نفسه بالقتال، فيدفع الإحصار عن نفسه، ولا يمكنه دفع المرض عن نفسه، فلما جعل ذلك عذراً - فلأن يجعل هذا عذراً أولى. والله أعلم. وسواء كان العدو المانع كافراً أو مسلماً لتحقق الإحصار منهما؛ وهو المنع عن المضي في موجب الإحرام - فيدخل تحت عموم الآية، وكذا ما ذكرنا من المعنى الموجب لثبوت حكم الإحصار؛ وهو إباحة التحلل(٣) وغيره - لا يوجب الفصل بين الإحصار من المسلم ومن (١) أخرجه أبو داود (٤٣٣/٢): كتاب المناسك (الحج) باب الإحصار، حديث (١٨٦٢) والترمذي (٣/ ٢٧٧)، كتاب الحج. باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج، حديث (٩٤٠)، والنسائي (٢/ ١٩٨): كتاب الحج، باب فيمن أحصر بعدو، وابن ماجه (١٠٢٨/٢): كتاب المناسك: باب المحصر، حديث (٣٠٧٧)، والحاكم (١/ ٤٧٠)، كتاب المناسك، والبيهقي (٢٢٠/٥): كتاب الحج. باب من رأى الإحلال بالإحصار بالمرض . وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٥٨٣٥٧/١) وابن سعد في ((الطبقات)) (٢٣٨/٤) والطبراني في ((الكبير)) (٣/ ٢٥٣) والدارقطني (٢٧٨/٢) كتاب الحج: باب المواقيت من طريق عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله - نَّه ـ من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى. قال عكرمة فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس فقالا: صدق قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (٢) أخرجه البخاري (٢٣١/٤) كتاب الصوم: باب متى يحل فطر الصائم حديث (١٩٥٤) ومسلم (٢/ ٧٧٢) كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار حديث (١١٠٠/٥١) والترمذي (٨١/٣١) كتاب الصوم: باب ما جاء إذا أقبل الليل وأدبر النهار حديث (٦٩٨) وأحمد (٢٨/١، ٤٨،٣٥) وعبد الرزاق (٧٥٩٥) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٣٩٣) وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٧١/٨-٣٧٢) والبيهقي (٢١٦/٤) كتاب الصيام: باب الوقت الذي يحل فيه فطر الصائم، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٧١/٣ - بتحقيقنا) كلهم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن عمر به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) في أ: إباحته التحليل. ١٨٨ كِتَابُ الْحَجْ الكافر. ولو سرقت نفقته، أو هلكت راحلته؛ فإن كان لا يقدر على المشي فهو محصر؛ لأنه منع من المضي في موجب الإحرام؛ فكان محصراً، كما لو منعه المرض، وإن كان يقدر على المشي فليس بمحصر؛ لأنه قادر على المضي في موجب الإحرام، فلا يجوز له التحلل، ويجب عليه المشي إلى الحج إن كان محرماً بالحج، ويجوز ألاَّ يجب على الإنسان المشي إلى الحج ابتداءً، ويجب عليه بعد الشروع فيه، كالفقير الذي لا زاد له ولا راحلة شرع في الحج؛ إنه يجب عليه المشي، وإن كان لا يجب عليه ابتداء قبل الشروع؛ كذا هذا. قال أبو يوسف: فإن قدر على المشي في الحال، وخاف أن يعجز - جاز له التحلل؛ لأن المشي الذي لا يوصله إلى المناسك وجوده والعدم بمنزلة واحدة؛ فكان محصراً فيجوز له التحلل، كما لو لم يقدر على المشي أصلاً، وعلى هذا تخرج المرأة إذا أحرمت ولا زوج لها، ومعها محرم فمات محرمها، أو أحرمت ولا محرم معها ولكن معها زوجها فمات زوجها؛ أنها محصرة؛ لأنها ممنوعة شرعاً من المضي في موجب الإحرام بلا زوج ولا محرم، وعلى هذا يخرج ما إذا أحرمت بحجة التطوع، ولها محرم وزوج، فمنعها زوجها؛ إنها محصرة؛ لأن للزوج أن يمنعها من حجة التطوع، كما أن له أن يمنعها عن صوم التطوع؛ فصارت ممنوعة شرعاً بمنع الزوج؛ فصارت محصرة، كالممنوع حقيقة بالعدو وغيره. وإن أحرمت ومعها محرم، وليس لها زوج فليست بمحصرة؛ لأنها غير ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام حقيقةً وشرعاً، وكذلك إذا كان لها محرم ولها زوج، فأحرمت بإذن الزوج؛ إنها لا تكون محصرة، وتمضي في إحرامها؛ لأن الزوج أسقط حق نفسه بالإذن. وإن أحرمت وليس لها محرم، فإن لم يكن لها زوج فهي محصرة؛ لأنها ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام بغير زوج ولا محرم. وإن كان لها زوج، فإن أحرمت بغير إذنه فكذلك؛ لأنها ممنوعة من المضي بغير إذن الزوج، وإن أحرمت بإذنه لا تكون محصرة؛ لأنها غير ممنوعة، وإن أحرمت بحجة الإسلام ولا محرم لها ولا زوج - فهي محصرة؛ لأنها ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام لحق الله - تعالى - وهذا المنع أقوى من منع العباد. وإن كان لها محرم وزوج، ولها استطاعة عند خروج أهل بلدها - فليست بمحصرة؛ لأنه ليس للزوج أن يمنعها من الفرائض، كالصلوات المكتوبة وصوم رمضان، وإن كان لها زوج ولا محرم معها، فمنعها الزوج - فهي محصرة في ظاهر الرواية؛ لأن الزوج لا يجبر على الخروج، ولا يجوز لها الخروج بنفسها، ولا يجوز للزوج أن يأذن لها بالخروج، ولو أذن لا يفيد (١) إذنه؛ فكانت محصرة. وهل للزوج أن يحللها؟ روي عن أبي حنيفة: أن له أن يحللها؛ (١) في ط: لا يعمل. ١٨٩ كِتَابُ الْحَجْ لأنها لما صارت محصرة ممنوعة عن الخروج والمضي بمنع الزوج - صار هذا كحج التطوع، وهناك للزوج أن يحللها؛ فكذا هذا. ولو أحرم العبد والأمة بغير إذن المولى - فهو محصر؛ لأنه ممنوع عن المضي بغير إذنه، وللمولى أن يحلله، وإن كان بإذنه فللمولى أن يمنعه، إلا أنه يكره له ذلك؛ لأنه خلف في الوعد. ولا يكون الحاج محصراً بعدما وقف بعرفة ويبقى محرماً عن / النساء إلى أن يطوف ٢٤٩ب طواف الزيارة، وإنما قلنا: إنه لا يكون محصراً؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فإن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة؛ لأنه مبني على قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وقد تم حجه بالوقوف؛ لقوله ◌َّير: ((الحج عرفة)) فمن وقف بعرفة فقد تم حجه، وبعد تمام الحج لا يتحقق الإحصار، ولأن المحصر اسم لفائت الحج، وبعد وجود الركن الأصلي - وهو الوقوف - لا يتصور الفوات، فلا يكون محصراً، ولكنه يبقى محرماً عن النساء إلى أن يطوف طواف الزيارة؛ لأن التحلل عن النساء لا يحصل بدون طواف الزيارة . فإن منع حتى مضى أيام النحر والتشريق، ثم خلى سبيله - يسقط عنه الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار، وعليه دم لترك الوقوف بمزدلفة، ودم لترك الرمي؛ لأن كل واحد منهما واجبٌ، وعليه أن يطوف طواف الزيارة، وطواف الصدر، وعليه لتأخير طواف الزيارة عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة، وكذا عليه لتأخير الحلق عن أيام النحر دم عنده. وعندهما: لا شيء عليه، والْمَسْأَلَةَ مضت في موضعها. ولا إحصار بعدما قدم مكة أو الحرم، إن كان لا يمنع من الطواف، ولم يذكر في الأصل: أنه إن منع من الطواف ماذا حكمه. وذكر الجصاص: أنه إن قدر على الوقوف والطواف جميعاً، أو قدر على أحدهما - فليس بمحصر، وإن لم يقدر على واحد منهما فهو محصر. وروي عن أبي يوسف: أنه لا يكون الرجل محصراً بعدما دخل الحرم، إلا أن يكون بمكة عدو غالب يحول بينه وبين الدخول إلى مكة، كما حال المشركون بين رسول الله وَ# وبين دخول مكة، فإذا كان كذلك فهو محصر . وروي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة: هل على أهل مكة إحصار؟ فقال: لا . فقلت: كان رسول الله وَّ أحصر بالحديبية؟ فقال: كانت مكة إذ ذاك حرباً، وهي اليوم دار إسلام، وليس فيها إحصار. والصحيح: ما ذكره الجصاص من التفصيل: أنه إن كان يقدر على الوقوف أو على ١٩٠ كِتَابُ الْحَجْ الطواف لا يكون محصراً، وإن لم يقدر على واحدٍ منهما يكون محصراً، أما إذا كان يقدر على الوقوف فلما ذكرنا. وأما إذا كان يصل إلى الطواف؛ فلأن التحلل بالدم إنما رخص للمحصر؛ لتعذر الطواف قائماً مقامه بدلاً، عنه بمنزلة فائت الحج أنه يتحلل بعمل العمرة؛ وهو الطواف، فإذا قدر على الطواف فقد قدر على الأصل؛ فلا يجوز التحلل، وأما إذا لم يقدر على الوصول إلى أحدهما؛ فلأنه في حكم المحصر في الحل؛ فيجوز له أن يتحلل والله عز وجل أعلم. ثم الإحصار كما يكون عن الحج يكون عن العمرة عند عامة العلماء. وقال بعضهم: لا إحصار عن العمرة. وجه قوله: إن الإحصار لخوف الفوت، والعمرة لا تحتمل الفوت؛ لأن سائر الأوقات وقت لها، فلا يخاف فوتها؛ بخلاف الحج، فإنه يحتمل الفوت، فيتحقق الإحصار عنه. ولنا: قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] عقيب قوله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] فكان المراد منه، والله أعلم -: فإن أحصرتم عن إتمامهما فما استيسر من الهدي. وروي: أن رسول الله وَ ظله وأصحابه - رضي الله تعالى عنهم - حصروا بالحديبية، فحال كفار قريش بينهم وبين البيت، وكانوا معتمرين فنحروا هديهم، وحلقوا رُؤُوسَهُمْ، وقضى رسول الله وَّه وأصحابه عمرتهم في العام القابل؛ حتى سميت عمرة القضاء، ولأن التحلل بالهدي في الحج لمعنى هو موجود في العمرة؛ وهو ما ذكرنا من التضرر بامتداد الإحرام. والله أعلم. فصل في حكم الإحصار وأما حكم الإحصار: فالإحصار يتعلق به أحكام، لكن الأصل فيه حكمان: أحدهما: جواز التحلل عن الإحرام. والثاني: وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل. أما جواز التحلل: فالكلام فيه في مواضع: في تفسير التحلل، وفي بيان جوازه، وفي بيان ما يتحلل به، وفي بيان مكانه، وفي بيان زمانه، وفي بيان حكم التحلل. أما الأول: فالتحلل: هو فسخ الإحرام والخروج منه بالطريق الموضوع له شرعاً. وأما دليل جوازه: فقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَخْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [البقرة: ١٩٦] وفيه إضمار، ومعناه - والله أعلم -: فإن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة، وأردتم أن تحلوا - فاذبحوا ما تيسر من الهدي؛ إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي. ألا ترى أن له ألاَّ يتحلل، ويبقى محرماً كما كان إلى أن يزول المانع فيمضي في موجب ١٩١ كِتَابُ الْحَجْ الإحرام، وهو كقوله تعالى: ﴿فمن كان منك مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية﴾ [البقرة: ١٩٦] معناه: فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه فحلق ففدية، وإلا فكون الأذى في رأسه لا يوجب الفدية، وكذا قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٩٦] معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر، وإلا فنفس المرض والسفر لا يوجب الصوم في عدة من أيام أخر، وكذا/ قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عادٍ فلا إثم عليه﴾ ١٢٥٠ [البقرة: ١٧٣] معناه: فأكل فلا إثم عليه، وإلا فنفس الاضطرار لا يوجب الإثم؛ كذا لههنا، ولأن المحصر محتاج إلى التحلل؛ لأنه منع عن المضي في موجب الإحرام، على وجه لا يمكنه الدفع، فلو لم يجز له التحلل لبقي محرماً، لا يحل له ما حظره الإحرام(١)، إلى أن يزول المانع، فيمضي في موجب الإحرام، وفيه من الضرر والحرج ما لا يخفى؛ فمست الحاجة إلى التحلل والخروج من الإحرام دفعاً للضرر والحرج، وسواء كان الإحصار عن الحج أو عن العمرة أو عنهما، عند عامة العلماء لما ذكرنا. والله - عز وجل - أعلم. وأما بيان ما يتحلل به: فالمحصر نوعان: نوع لا يتحلل إلا بالهدي، ونوع يتحلل بغير الهدي. أما الذي لا يتحلل إلا بالهدي: فكل من منع من المضي في موجب الإحرام حقيقة، أو منع منه شرعاً حقاً لله - تعالى - لا لحق العبد على ما ذكرنا - فهذا لا يتحلل إلا بالهدي، وهو أن يبعث بالهدي أو بثمنه ليشتري به هدياً فيذبح عنه، وما لم يذبح لا يحل، وهذا قول عامة العلماء، سواء كان شرط عند الإحرام الإحلال بغير ذبح عند الإحصار أو لم يشترط. وقال بعض الناس: المحصر يحل بغير هدي؛ إلا إذا كان معه هدي فيذبحه ويحل. وقيل: إنه قول مالك. وقال بعضهم: إن كان لم يشترط عند الإحرام الإحلال عند الإحصار من غير هدي - لا يحل إلا بالهدي، وإن كان شرط عند الإحرام الإحلال عند الإحصار من غير هدي - لا يحل إلا بالهدي. احتج من قال بالتحلل من غير هدي: بما روي أن رسول الله وَله حل عام الحديبية عن إحصاره بغير هدي؛ لأن الهدي الذي نحره كان هدياً ساقه لعمرته لا لإحصاره، فنحر هديه على النية الأولى، وحل من إحصاره بغير دم؛ فدل أن المحصر يحل بغير هدي. يحقق ما قلنا: إنه ليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين، وإنما نحر دماً واحداً، ولو كان المحصر لا يحل إلا بدم لنحر دمين؛ وإنه غير منقول. ولنا: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رُؤُوْسَكُمْ حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] معناه: حتى يبلغ الهدي محله فيذبح. نهى عز وجل عن حلق الرأس قبل ذبح الهدي في محله - وهو الحرم - من غير فصل بين ما إذا كان معه هدي وقت الإحصار أم لا، شرط المحصر عند (١) في أ: ما حظر عليه الإحرام. ١٩٢ كِتَابُ الْحَجْ الإحرام الإحلال عند الإحصار أو لم يشرط؛ فيجري على إطلاقه، ولأن شرع التحلل ثبت بطريق الرخصة؛ لما فيه من فسخ الإحرام، والخروج منه قبل أوانه(١)، فكان ثبوته بطريق الضرورة، والضرورة تندفع بالتحلل بالهدي، فلا يثبت التحلل بدونه. وأما الحديث: فليس فيه ما يدل على أن النبي ◌ُّ حل عام الحديبية عن إحصاره بغير هدي؛ إذ لا يتوهم على النبي ◌ّل أن يكون حل من إحصاره بغير هدي، والله - تعالى - أمر المحصر ألاَّ يحل حتى ينحر هديه بنص الكتاب العزيز. ولكن وجه ذلك - والله أعلم؛ وهو معنى المروي في حديث صلح الحديبية: أنه نحر دماً واحداً -: أن الهدي الذي كان ساقه النبي ◌َّير كان هدي متعة أو قران، فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران؛ فجاز له أن يجعله من دم الإحصار. فإن قيل: كيف قلتم: إن النبي ◌َّر صرف الهدي عن سبيله، وأنتم تزعمون: أن من باع هدية التطوع فهو مسيء؛ لما أنه صرفه عن سبيله؟ فالجواب: أنه لا مشابهة بين الفصلين؛ لأن الذي باعه صرفه عن (٢) سبيل التقرب به إلى الله - تعالى - رأساً، فأما النبي وَّر فلم يصرف الهدي عن سبيل التقرب أصلاً ورأساً، بل صرفه(٣) إلى ما هو أفضل؛ وهو الواجب، وهو دم الإحصار. ومما يدل على أن النبي ◌َّ جعل الهدي(٤) لإحصاره: ما روي: أنه لم يحلق حتى نحر هديه، وقال: ((أيها النّاس، انحروا وحلوا)) والله - عز وجل - أعلم. وإذا لم يتحلل إلا بالهدي، وأراد التحلل - يجب أن يبعث الهدي أو ثمنه؛ ليشتري به الهدي فيذبح عنه، ويجب أن يواعدهم يوماً معلوماً يذبح فيه(٥)، فيحل بعد الذبح ولا يحل قبله، بل يحرم عليه كما يحرم على المحرم غير المَحصَر؛ فلا يحلق رأسه، ولا يفعل شيئاً من محظورات الإحرام حتى يكون اليوم الذي واعدهم فيه، ويعلم أن هديه قد ذبح؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رُؤُوسَكُمْ حتى يبلغِ الْهَديُ محله﴾ [البقرة: ١٩٦] حتى لو فعل شيئاً من محظورات الإحرام قبل ذبح الهدي - يجب عليه ما يجب على المحرم إذا لم يكن محصراً، وسنذكر ذلك - إن شاء الله - تعالى - في موضعه. حتى لو حلق قبل الذبح تجب عليه الفدية، سواء حلق لغير عذر أو لعذر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَوْ بِهِ أَذِى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فمن كان منكم مريضاً، أو به أذى من رأسه - ففدية من صيام ٢ب أو صدقة/ أو نسك، كقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فأفطر فعدة من أيام أخر. (١) في أ: إتمامه. (٣) في أ: يصرفه. (٥) في أ: يذبح عنه. (٢) في أ: في. (٤) في أ: الدم. ١٩٣ كِتَابُ الْحَجْ وعن كعب بن عجرة قال: فيَّ نزلت الآية؛ وذلك أن النبي وَّر مر بي والقمل يتناثر على وجهي، فقال ◌َّير: ((أيؤذيك هوام رأسك؟)) فقلت: نعم يا رسول الله. فقال ◌َله: ((أحلق وأطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من حنطة، أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة)) فنزلت الآية، والنسك: جمع نسيكة، والنسيكة: الذبيحة، والمراد منه: الشاة؛ لإجماع المسلمين على أن الشاة مجزئة في الفدية . وفي بعض الروايات: أن رسول الله وَّر قال لكعب بن عجرة: ((انسك شاة)) وإذا وجبت الفدية عليه إذا حلق رأسه لأذى بالنص - فيجب عليه إذا حلق لا لأذى بدلالة النص؛ لأن العذر سبب تخفيف الحكم في الجملة، فلما وجب في حال الضرورة؛ ففي حال الاختيار أولى، ولا يجزىء دم الفدية إلا في الحرم، كدم الإحصار ودم المتعة والقران. أما الصدقة والصوم: فإنهما يجزيان حيث شاء. وقال الشافعي: لا تجزىء الصدقة إلا بمكة. وجه قوله: أن الهدي يختص بمكة؛ فكذا الصدقة، والجامع بينهما: أن أهل الحرم ينتفعون بذلك. ولنا: قوله تعالى: ﴿ففدية من صِيَام أو صدقةٍ أو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] مطلقاً عن المكان، إلا أن النسك قيد بالمكان بدليل، فمن ادعى تقييد الصدقة فعليه الدليل، وأما قوله: إن الهدي إنما اختص بالحرم؛ لينتفع به أهل الحرم؛ فكذا الصدقة - فنقول: هذا الاعتبار فاسد؛ لأنه لا خلاف في أنه لو ذبح الهدي في غير الحرم، وتصدق بلحمه في الحرم - أنه لا يجوز، ولو ذبح في الحرم، وتصدق به على غير أهل الحرم - يجوز. والدليل على التفرقة بين الهدى والإطعام: أن من قال: لله علي أن أهدي، ليس له أن يذبح إلا بمكة. ولو قال: لله علي إطعام عشرة مساكين، أو الله علي عشرة دراهم صدقة - له أن يطعم ويتصدق حيث شاء؛ فدل على التفرقة بينهما. ولو حل على ظن أنه ذبح عنه، ثم تبين أنه لم يذبح فهو محرم، كما كان لا يحل ما لم يذبح عنه؛ لعدم شرط الحل وهو ذبح الهدي، وعليه لإحلاله تناول محظور إحرامه دم؛ لأنه جنى على إحرامه، فيلزمه الدم كفارة لذنبه، ثم الهدي بدنة أو بقرة أو شاة، وأدناه شاة لما روينا، ولأن الهدي في اللغة: اسم لما يهدي، أي: يبعث وينقل، وفي [عرف](١) الشرع: اسم لما يهدي إلى الحرم، وكل ذلك مما يهدي إلى الحرم. والأفضل: هو البدنة، ثم البقرة؛ لما ذكرنا في المتمتع، ولما روي أن رسول الله وَل لما أحصر بالحديبية نحر البدن، وكان يختار من الأعمال أفضلها. وإن كان قارناً لا يحل إلا بدمين (١) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٣ - م١٣ ٠٠ ١٩٤ كِتَابُ الْحَجْ عندنا. وعند الشافعي: يحل بدم واحدٍ، بناء على أصل ذكرناه فيما تقدم: أن القارن محرم بإحرامين، فلا يحل إلا بهديين. وعنده: محرم بإحرام واحد، ويدخل إحرام العمرة في الحجة فيكفيه دمٌ واحدٌ، ولو بعث القارن بهديين، ولم يبين: أيهما للحج وأيهما للعمرة - لم يضره، لأن الموجب لهما واحد، فلا يشترط فيه تعيين النية، كقضاء يومين من رمضان. ولو(١) بعث القارن بهدي واحدٍ ليتحلل من الحج، ويبقى في إحرام العمرة - لم يتحلل من واحدٍ منهما؛ لأن تحلل القارن من أحد الإحرامين متعلق بتحلله من الآخر؛ لأن الهدي بدل عن الطواف، ثم لا يتحلل بأحد الطوافين عن أحد الإحرامين؛ فكذا بأحد الهديين. ولو كان أحرم بشيء واحد لا ينوي حجة ولا عمرة، ثم أحصر - يحل بهدي واحد، وعليه عمرة استحساناً؛ لأن الإحرام بالمجهول صحيح؛ لما ذكرنا فيما تقدم، وكان البيان إليه، إن شاء صرفه إلى الحج، وإن شاء إلى العمرة؛ لأنه هو المجمل؛ فكان البيان إليه كما في الطلاق وغيره. والقياس: أَلاَّ تتعين العمرة بالإخصَار؛ لعدم التعيين قولاً ولا فعلاً؛ لأن ذلك أن يأخذ في عمل أحدهما، ولم يوجد إِلاَّ أنهم استحسنوا، وقالوا: تتعين العمرة بالإحصار؛ لأن العمرة أقلهما وهو متيقن. ولو كان أحرم بشيءٍ واحدٍ وسماه، ثم نسيه وأحصر يحل بهدي واحد، وعليه حَجَّة وعمرة(٢). أما الحل بهدي واحد؛ فلأنه محرم بإحرام واحد، وأيهما كان فإنه يقع التحلل منه (١) في أ: فإن. (٢) اختلف العلماء فيمن أحرم بنسك ونسيه فبمذهب أبي حنيفة، قال الشافعية - رضي الله عنهم - وعندهم تفضيل وقال المالكية: ينوي الحج الآن ويعمل على القران للاحتياط وقال الحنابلة: يجعله عمرة على سبيل الاستحباب، قال النووي في المجموع (٢٤٥/٧): إذا أحرم بنسك، ثم نسيه وشك هل هو حج أم عمرة أم حج وعمرة؟ فقد قال الشافعي في القديم: أحب أن يقرن، وإن تحرى رجوت أن يجزئه. وقال في كتبه الجديدة: هو قارن. وفي المسألة طريقان حكاهما الرافعي أحدهما: القطع بجواز التحري، وتأويل الجديد على ما إذا شك هل أحرم بأحد النسكين أم قرن؟ والطريق الثاني: وهو الصحيح المشهور وهو الذي اقتصر عليه المصنف والجمهور أن المسألة على قولين: أحدهما: قوله القديم: يجوز التحري ويعمل بظنه وأصحهما: وهو نصه في كتبه الجديدة لا يجوز التحري بل يقرن، وهذا نص الشافعي في الأم والإملاء، قال المحامي: هو نصه في كتبه الجديدة والإملاء والمختصر. قال أصحابنا: فإذا قلنا بالقديم تحرى، فإن غلب على ظنه أحدهما بأمارة عمل بمقتضى ذلك، سواء كان الذي ظنه حجاً أو عمرة، قالوا: ولا يحتاج إلى نية، بل يعمل على ما أدى إليه اجتهاده، قال أصحابنا: وعلى هذا القديم يستحب أن لا يتحرى، بل ينوي القران، هكذا صرح به أصحابنا في الطريقتين، ونص عليه الشافعي في القديم، فإنه قال في القديم: إذا أحرم بنسك ثم نسيه، فأحب أن يقرن لأن القرآن يشتمل على ما فعله، قال: فإن تحرى رجوت أن يجزئه إن شاء الله تعالى، هذا نصه، وكذا نقله المحاملي في كتابيه والبغوي وآخرون عن القديم، قال الشافعي والأصحاب: فإذا قلنا بالقديم فتحرى = ١٩٥ كِتَابُ الْحَجْ .. فأدى اجتهاده إلى شيء عمل بمقتضاه وأجزأه ذلك النسك، هذا هو الصواب تفريعاً على القديم، وحكى = جماعة منهم الرافعي وجهاً أنه لا يجزئه النسك، بل فائدة التحري التخلص من الإحرام وهذا إسناد ضعيف جداً. أما إذا قلنا بالجديد فللشك حالان أحدهما: أن يعرض قبل عمل شيء من أفعال الحج، فلفظ الشافعي أنه قارن، قال الأصحاب: معناه أنه ينوي القران ويصيّر نفسه قارناً، ولا بد من نية، هذا هو الصواب، وبه قطع المصنف والجماهير، وفيه قول إنه يصير قارناً بلا نية، وهو ظاهر نص الشافعي الذي ذكرناه، وكذا نقله المزني عن الشافعي في المختصر فقال: إذا لبى بأحدهما ثم نسيه فهو قارن، وكذا لفظ المصنف في التنبيه فإنه قال: يصير قارناً، وتأول الجمهور نقل المزني على أنه يه " نفسه قارناً بأن ينوي القران، وكذا يتأول كلام المصنف في التنبيه. قال أصحابنا: ثم إذا نوى القران، وأتى بالأعمال تحلل من إحرامه، وبرئت ذمته من الحج بيقين وأجزأه عن حجة الإسلام، لأنه إن كان محرماً بالحج لم يضره تجديد نية العمرة بعده، سواء قلنا: يصح إدخالها عليه أم لا، وإن كان محرماً بالعمرة، فإدخال الحج عليها قبل الشروع في أعمالها جائز فثبت له الحج بلا خلاف (وأما) العمرة فإن جوزنا إدخالها على الحج أجزاته أيضاً عن عمرة الإسلام وإلا فوجهان أصحهما: تجزئه، والثاني لا تجزئه، قال أبو إسحاق المروزي وقد ذكر المصنف دليلهما وزيف الأصحاب قول أبي إسحاق المروزي هذا، وبالغوا في إبطاله« ولم يذكره المتولي والبغوي وآخروه فإن قلنا: يجزئه العمل لزمه دم القران، فإن لم يجده لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع وإن قلنا: لا يجزئه الدم فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح لا يلزمه والثاني: يلزمه، ووجهه مع شدة ضعفه أن نية القران وجدت، وهي موجبة للدم إلا أنا لم نعتد بالعمرة احتياطاً للعبادة والاحتياط في الدم وجوبه، وهذا الاستدلال أحسن من استدلال المصنف. واعلم أن قول الأصحاب: يجعل نفسه قارناً ليس المراد تحتم وجوب القران، فإنه لا يجب بلا خلاف، وإنما الواجب نية الحج، قال إمام الحرمين لم يذكر الشافعي رحمه الله القران على معنى أنه لا بد منه، بل ذكره ليستفيد به الشاك التحلل مع براءة الذمة من النسكين، قال: فلو اقتصر بعد النسيان على الإحرام بالحج وأتى بأفعاله حصل التحلل قطعاً، وتبرأ ذمته من الحج، ولا تبرأ من العمرة لاحتمال أنه أحرم ابتداء بالحج، وكذا قال المتولي: لو لم ينو القران، ولكن قال: صرفت إحرامي إلى الحج حسب له الحج لأنه إن كان محرماً بالحج فقد حدد إحراماً به فلا يضره، وإن كان محرماً بالعمرة فقد أدخل الحج عليها قبل الطواف . وقال الخرشي من المالكية (٣٠٧/٢): إن أحرم بشيء معين ثم نسي ذلك فلم يدر أهو حج مفرد، أو عمرة، أو قران فإنه ينوي الحج، أي يحدث له الآن نية الحج ويعمل على القران للاحتياط فيطوف ويسعى ويهدي بناء على أنه قارن، ويبرأ من الحج فقط، وأما العمرة فلم يبرأ منها، لاحتمال أنه أحرم أولاً مفرداً، فيأتي بالعمرة بعد ذلك، ونية الحج محلها إذا كان الشك في زمن يصح فيه الإرداف، كما لو وقع قبل الطواف، أو في أثنائه، أو بعده وقبل الركوع في ركعتي الطواف، أما لو وقع بعد الركوع، أو في أثناء السعي فلا ينوي الحج، إذ لا يصح إردافه على العمرة إذ ذاك، بل يستمر على ما هو عليه، فإذا فرغ من سعيه أحرم بالحج وكان متمتعاً إن كان في أشهر الحج، وكذلك إن كان إحرامه بعد السعي، وينبغي أن يهدي احتياطاً لخوف تأخير الحلاق. = ١٩٦ كِتَابُ الْحَجْ بدم واحدٍ. وأما لزوم حجة وعمرة، فلأنه يحتمل: أنه كان قد أحرم بحجة، ويحتمل بعمرة، فإنّ كان إحرامه بحجة: فالعمرة [لا تنوب منابها](١)، وإن كان بالعمرة: فالحجة [لا تنوب منابها](٢)، فيلزمه أن يجمع بينهما احتياطاً؛ ليسقط الفرض عن نفسه بيقين، كمن نسي صلاة من الصلوات الخمس؛ إنه يجب عليه إعادة خمس صلوات؛ ليسقط الفرض عن نفسه بيقين؛ كذا هذا. ١٢٥١ وكذلك إن لم يحصر ووصل، فعليه حجة وعمرة،/ ويكون عليه ما على القارن؛ لأنه جمع بين الحج والعمرة على طريق النسك. وأما مكان ذبح الهدي: فالحرم عندنا. وقال الشافعي: له أن يذبح في الموضع الذي أحصر فيه. احتج بما روي: أن رسول الله وَلو نحر الهدي عام الحديبية، ولم يبلغنا أنه نحر في الحرم، ولأن التحلل بالهدي ثبت رخصة وتيسيراً، وذلك في الذبح في أي موضع كان. ولنا: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رُؤُوْسَكُمْ حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] ولو كان كل موضع محلاً له لم يكن لذكر المحل فائدة، ولأنه عز وجل قال: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ١٢٩] أي: إلى البقعة التي فيها البيت؛ بخلاف قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ١٢٩] أن المراد منه نفس البيت؛ لأن هناك ذكر: بالبيت، ولههنا ذكر: إلى البيت. وأما ما روي من الحديث: فقد روي في رواية أخرى: أنه نحر هديه عام الحديبية في الحرم، فتعارضت الروايات، فلم يصح الاحتجاج به. قال المرداوي في الإنصاف (٤٥٠/٣): = ﴿وَإِنْ أَخْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ: جَعَلَهُ عُمْرَةً﴾. هذا الصحيح من المذهب. وعليه أكثر الأصحاب. ونقله أبو داود. وجزم به في الوجيز وغيره. وقدمه في الفروع، والفائق وغيرهما. قال ابن منجا في شرحه: هذا المذهب. وقال القاضي: يصرفه إلى أيهما شاء. وهو رواية عن أحمد. وقطع به جماعة. وحمل القاضي نص أحمد على الاستحباب. وقدمه في الشرح. قلت: وهو الصواب، لأنه على كل تقدير جائز. قال في المحرر: ومن أحرم بنسك فأنسيه، أو أحرم به مطلقاً، ثم عينه بتمتع أو إفراد أو قران: جاز: وسقط عنه فرضه إلا الناسي لنسكه إذا عينه بقران، أو بتمتع وقد ساق الهدي. فإنه يجزيه عن الحج دون العمرة. وأطلق جماعة وجهين: هل يجعله عمرة أو ما شاء؟. (١) في أ: لا تقوم مقامها. (٢) في أ: لا تقوم مقامها. ١٩٧ كِتَابُ الْحَجْ وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله و لو نزل الحديبية، فحال المشركون بينه وبين دخول مكة، فجاء سهيل بن عمرو يعرض عليه الصلح، وأن يسوق البدن(١) وينحر حيث شاء، فصالحه رسول الله وَل ولا يحتمل أن ينحر رسول الله وَّل بدنه في الحل مع إمكان النحر في الحرم، وهو بقرب الحرم بل هو فيه. وروي عن مروان، والمسور بن مخرمة قالا: نزل رسول الله وَلو بالحديبية في الحل، وكان يصلي في الحرم؛ فهذا يدل على أنه كان قادراً على أن ينحر بدنه في الحرم؛ حيث كان يصلي في الحرم، ولا يحتمل أن يترك نحر البدن في الحرم وله سبيل النحر في الحرم، ولأن الحديبية مكان يجمع الحل والحرم جميعاً، فلا يحتمل أن ينحر في الحل مع كونه قادراً على النحر [في الحرم](٢)، ولو حل من إحرامه على ظن أنهم ذبحوا عنه في الحرم، ثم ظهر أنهم ذبحوا في غير الحرم - فهو على إحرامه، ولا يحل منه إلا بذبح الهدي في الحرم؛ لفقد شرط التحلل - وهو الذبح في الحرم - فبقي محرماً كما كان، وعليه لإحلاله في تناوله محظورات(٣) إحرامه - دم لما قلنا. وكذلك(٤) لو بعث الهدي، وواعدهم أن يذبحوا عنه في الحرم في يوم بعينه، ثم حل من إحرامه على ظن أنهم ذبحوا عنه فيه، ثم تبين أنهم لم يذبحوا - فإنه يكون محرماً لما قلنا. ولو بعث هديين وهو مفرد؛ فإنه يحل من إحرامه بذبح الأول منهما، ويكون الآخر تطوعاً؛ لوجود شرط الحل عند وجود ذبح الأول منهما. ولو كان قارناً لا يحل إلا بذبحهما، ولا يحل بذبح الأول؛ لأن شرط الحل في حقه الزمان، فما لم يوجد لا يحل، ولو أراد أن يتحلل بالهدي، فلم يجد هدياً يَبْعَثْ(٥) ولا ثَمَنَّهُ - هل يحل بالصوم ويكون الصوم بدلاً عنه؟ قال أبو حنيفة، ومحمد: لا يحل بالصوم، وليس الصوم بدلاً عن هدي المحصر؛ وهو ظاهر قول أبي يوسف، ويقيم حراماً حتى يذبح الهدي عنه في الحرم، أو يذهب إلى مكة فيحل من إحرامه بأفعال العمرة؛ وهو الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر كما يفعله إذا فاته الحج؛ وهو أحد قولي الشافعي. [وقال عطاء بن أبي رباح في المحصر لا يجد الهدي: قوم الهدي طعاماً وتصدق به على المساكين، فإن لم يكن عنده طعام صام لكل نصف صاع يوماً؛ وهو مروي عن أبي يوسف. وقال الشافعي:](٦) في قول: إن الهدي للإحصار بدلاً، واختلف قوله في ماهية البدل فقال في قول: البدل: هو الصوم، مثل صوم المتعة، وفي قول: البدل: هو الإطعام، وهل يقوم الصوم(٧) مقامه؟ له فيه قولان. (١) في أ: الهدي. (٣) في أ: محظور. (٥) في أ: لا يبعث. (٧) في أ: الصدقة. (٢) سقط في أ. (٤) في أ: وكذا. (٦) سقط في أ. ١٩٨ كِتَابُ الْحَجْ وجه قول من قال: إن له بدلاً: أن هذا دم يقع به التحلل، فجاز أن يكون له بدل كدم المتعة . ولنا: قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: حتى يبلغ الهدي محله فيذبح، نهى الله عن حلق الرأس ممدوداً إلى غاية ذبح الهدي، والحكم الممدود إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية؛ فيقتضي ألاَّ يتحلل ما لم يذبح الهدي، سواءٌ صام أو أطعم أَوْلاً، ولأن التحلل بالدم قبل إتمام موجب الإحرام عرف بالنص؛ بخلاف القياس فلا يجوز إقامة غيره مقامه بالرأي. وأما الحلق: فليس بشرط للتحلل، ويحل المحصر بالذبح بدون الحلق في قول أبي حنيفة، ومحمد، وإن حلق فحسن. وقال أبو يوسف: أرى عليه أن يحلق، فإن لم يفعل فلا شيء عليه. وروي عنه أنه قال: هو واجب لا يسعه تركه، وذكر الجصاص وقال: إنما لا يجب الحلق عندهما إذا أحصر في الحل؛ لأَن الحلق يختص بالحرم. فأما إذا أحصر في الحرم يجب الحلق عندهما. احتج أبو يوسف؛ بما روي؛ أن رسول الله وَ ر حلق عام الحديبية، وأمر أصحابه بالحلق؛ فدل أن الحلق واجب. ولهما (١): قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] معناه: فإن أحصرتم، وأردتم أن تحلوا - فاذبحوا ما استيسر من الهدي؛ ٢٥١ب جعل ذبح الهدي في حق المحصر إذا أراد الحل كل موجب الإحصار، فمن أوجب الحلق/ فقد جعله بعض الموجب؛ وهذا خلاف النص، ولأن الحلق للتحلل عن أفعال الحج، والمحصر لا يأتي بأفعال الحج؛ فلا حلق عليه. وأما الحديث: فعلى ما ذكره الجصاص: لا حجة فيه؛ لأن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم؛ فيحتمل أنه أحصر في الحرم فأمر بالحلق. وأما على جواب المذكور في الأصل: فهو محمول على الندب والاستحباب. وأما زمان ذبح الهدي: فمطلق الوقت، لا يتوقت بيوم النحر، سواء كان الإحصار عن الحج أو عن العمرة؛ وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف، ومحمد: إن المحصر عن الحج لا يذبح عنه إِلاَّ في أيام النحر، لا يجوز في غيرها، ولا خلاف في المحصر عن العمرة: أنه يذبح عنه في أي وقت كان. وجه قولهما: أن هذا الدم سبب للتحلل من إحرام الحج، فيختص بزمان التحلل كالحلق؛ بخلاف العمرة؛ فإن التحلل من إحرامها بالحلق لا يختصر بزمان؛ فكذا بالهدي. ولأبي حنيفة: أن (١) في أ: ولنا. ١٩٩ كِتَابُ الْحَجْ التحلل من المحصر تحلل قبل أوان التحلل، [يباح](١) لضرورة دفع الضرر ببقائه محرماً رخصةً وتيسيراً، فلا يختص بيوم النحر، كالطواف الذي يتحلل به فائت الحج؛ إذ المحصر فائت الحج. والله أعلم. وأما حكم التحلل: فصيرورته حلالاً يباح له تناول جميع ما حظره الإحرام؛ لارتفاع الحاظر، فيعود حلالاً كما كان قبل الإحرام. وأما الذي يتحلل [به] (٢) بغير ذبح الهدي: فكل محصر منع عن المضي في موجب الإحرام شرعاً لحق العبد، كالمرأة والعبد الممنوعين شرعاً لحق الزوج والمولى؛ بأن أحرمت المرأة بغير إذن زوجها، أو أحرم(٣) العبد بغير إذن مولاه، فللزوج والمولى أن يحللهما في الحال من غير ذبح الهدي، فيقع الكلام في هذا في موضعين: أحدهما: في جواز هذا النوع من التحلل. والثاني: في بيان ما يتحلل به. أما الجواز: فلأن منافع بضع المرأة حق الزوج وملكه عليها، فيحتاج إلى استيفاء حقه، ولا يمكنه ذلك مع قيام الإحرام فيحتاج إلى التحلل، ولا سبيل إلى توقيفه على ذبح الهدي في الحرم؛ لما فيه من إبطال حقه للحال؛ فكان له أن يحللها للحال. وعلى المرأة أن تبعث الهدي أو ثمنه إلى الحرم [ليذبح عنها](٤) لأنها تحللت بغير طواف، وعليها حجة وعمرة، كما على الرجل المحصر إذا تحلل بالهدي؛ بخلاف ما إذا أحرمت بحجة الإسلام ولا زوج لها ولا محرم، أو كان لها زوج أو محرم فمات - أنها لا تتحلل إلا بالهدي؛ لأن المنع هناك لحق الله - تعالى - لا لحق العبد؛ فكان تحللها جائزاً لاحقاً مستحقاً عليها لأحد. ألا ترى أن لها أن تبقى على إحرامها ما لم تجد محرماً أو زوجاً؛ فكان تحللها بما هو الموضوع للتحلل في الأصل؛ وهو ذبح الهدي، فهو الفرق، وكذا العبد بمنافعه ملك المولى، فيحتاج إلى تصريفه في وجوه مصالحه، ولا يمكنه ذلك مع قيام الإحرام؛ فيحتاج إلى التحلل في الحال(٥)؛ لما فيه من التوقيف على ذبح الهدي في الحرم من تعطيل مصالحه، فيحلله المولى للحال. وعلى العبد إذا عتق هدي الإحصار، وقضاء حجة وعمرة؛ لأن الحج وجب عليه بالشروع؛ لكونه مخاطباً أهلاً، إلا أنه تعذر عليه المضي لحق المولى، فإذا عتق زال حقه، وتجب عليه العمرة لفوات الحج في عامه ذلك. ولو كان أحرم العبد بإذن مولاه يكره للمولى أن يحلله بعد ذلك؛ لأنه رجوع عما وعد، وخلف في الوعد فيكره، ولو حلله جاز؛ لأن العبد بمنافعه ملك المولى. (١) سقط في أ. (٣) في أ: وأحرم. (٥) في أ: للحال. (٢) سقط في أ. (٤) سقط في أ. ٢٠٠ كِتَابُ الحَجْ وروي عن أبي يوسف، وزفر: أن المولى إذا أذن للعبد في الحج ليس له أن يحلله؛ لأنه لما أذن له فقد [أسقط حقه](١) بالإذن فأشبه الحر؛ والصحيح: جواب ظاهر الرواية؛ لأن المحلل بعد الإذن قائم وهو الملك، إلا أنه يكره لما قلنا، وإذا حلله لا هدي عليه؛ لأن المولى لا يجب عليه لعبده شيء. ولو أحصر العبد بعدما أحرم بإذن المولى: ذكر القدوري في ((شرحه مختصر الكرخي)»: أنه لا يلزم المولى إنفاذ هدي؛ لأنه لو لزمه للزمه لحق العبد، ولا يجب للعبد على مولاه حق؛ فإن أعتقه وجب عليه أن يبعث الهدي؛ لأنه إذا أعتق صار ممن يثبت له عليه حق، فصار كالحر إذا حج عن غيره فأحصر؛ أنه يجب على المحجوج عنه أن يبعث الهدي. وذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)): أن على المولى أن يذبح عنه هدياً في الحرم فيحل؛ لأن هذا الدم وجب لبلية ابتلى بها العبد بإذن المولى؛ فصار بمنزلة النفقة، والنفقة على المولى؛ وكذا دم الإحصار، ولهذا كان دم الإحصار في مال الميت إذا أحصر الحاج عن الميت لا عليه؛ كذا هذا. ولو أحرم العبد أو الأمة بإذن المولى، ثم باعهما - يجوز البيع، وللمشتري أن يمنعهما ويحللهما في قول أصحابنا الثلاثة. وفي قول زفر: ليس له ذلك، وله أن يردهما بالعيب، ١٢٥٢ وعلى هذا الخلاف المرأة إذا أحرمت بحجة التطوع ثم تزوجت/ فللزوج أن يحللها. وعند زفر: ليس له ذلك؛ كذا حكى القاضي الخلاف في ((شرحه مختصر الطحاوي)). وذكر القدوري في ((شرحه مختصر الكرخي)): الخلاف بين أبي يوسف، وزفر. وجه قول زفر: أن الذي انتقل إلى المشتري هو ما كان للبائع، ولم يكن للبائع أن يحلله عنده؛ لما ذكرنا أنه أسقط حق نفسه بالإذن؛ كذا المشتري. ولنا: أن الإحرام لم يقع بإذن المشتري؛ فصار كأنه أحرم في ملكه ابتداء بغير إذنه، ولو كان كذلك كان له أن يحلله(٢)؛ كذا هذا. وقال محمد: إذا أذن الرجل لعبده في الحج ثم باعه - لا أكره للمشتري أن يحلله؛ لأن الكراهة في حق البائع لما فيه من خلف الوعد، ولم يوجد ذلك من المشتري. وروى ابن سماعة عن محمد: في أمة لها زوج، أذن لها مولاها في الحج فأحرمت - ليس لزوجها أن يحللها؛ لأن التحلل إنما ثبت للزوج (٣) بمنعها من السفر ليستوفي حقه منها، ومنع الأمة من (١) بدل ما بين المعكوفين في أ: سقط حق نفسه. (٢) في أ: يجللها. (٣) في أ: زوجها.