النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كِتَابُ الْحَجْ حرام)). والثاني: بقوله: ((لا تحل لأحد بعدي)) والثالث: بقوله: ((ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة» مطلقاً من غير فصل. وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لاَ يَحِلُّ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَام)»(١) ولأن هذه بقعة شريفة لها قدر وحظ (٢) عند الله - تعالى - فالدخول فيها يقتضي التزام عبّادة؛ إظهاراً لشرفها على سائر البقاع، وأهل مكة بسكناهم فيها جعلوا معظمين لها(٣)؛ بقيامهم بعمارتها وسدانتها وحفظها وحمايتها؛ لذلك أبيح لهم السكنى. وكلما قدم الإحرام على المواقيت هو أفضل، وروي عن أبي حنيفة: أن ذلك أفضل إذا كان يملك نفسه أن يمنعها ما يمنع منه الإحرام. وقال الشافعي: الإحرام من الميقات أفضل؛ بناء على أصله(٤): أن الإحرام ركن فيكون من أفعال الحج، ولو كان كما زعم لما جاز تقديمه على الميقات؛ لأن أفعال الحج لا يجوز تقديمها على أوقاتها، وتقديم الإحرام على الميقات جائز بالإجماع إذا كان في أشهر الحج؛ والخلاف في الأفضلية دون الجواز. ولنا: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وروي عن علي، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وروي عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - عن النبي وَلّ أنه قال: ((مَنْ أَخْرَمَ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بحجّ أَوْ عُمْرَةٍ غَفَرَ الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَوَجَبَثَ لَهُ الْجَنَّةِ))(٥) . فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلف السماوات والله فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه. ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ويختلي خلاها)) فقال العباس: يا رسول الله إلا الأذخر فإنه لقينهم وكبوتهم فقال: ((إلا الأذخر))، وهذا لفظ البخاري. (١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٠،٢٩/٥): كتاب الحج: باب من مرَّ بالميقات يريد حجاً أو عمرة فجاوزه غير محرم ثم أحرم دونه، وذكره الحافظ ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) (٢/ ٤٦٤، ٤٦٥)، حديث (١٠١٠)، وقال: رواه البيهقي من حديثه نحوه، وإسناده جيد عن ابن عباس، قال: ورواه ابن عدي مرفوعاً من وجهين ضعيفين . (٢) في ط: وخطر. (٣) في أ: إليها. (٤) في أ: على أصل. (٥) أخرجه أحمد (٢٩٩/٦)، وأبو داود (١٤٤،١٤٣/٢): كتاب المناسك (الحج): باب في المواقيت، حديث (١٧٤١)، وابن ماجه في («سننه» (٩٩٩/٢): كتاب المناسك: باب من أهل بعمرة من بيت المقدس، حديث (٣٠٠٢،٣٠٠١)، والدارقطني في ((سننه)) (٢٨٣/٢، ٢٨٤): كتاب الحج: باب = بدائع الصنائع ج٣ - م١١ ١٦٢ كِتَابُ الْحَجْ هذا إذا قصد مكة من هذه المواقيت؛ فأما إذا قصدها من طريق غير مسلوك؛ فإنه يحرم إذا بلغ موضعاً يحاذي ميقاتاً من هذه المواقيت؛ لأنه إذا حاذى [ذلك](١) الموضع ميقاتاً من المواقيت، صار في حكم الذي يحاذيه في القرب من مكة. ولو كان في البحر، فصار في موضع لو كان مكان البحر بر لم يكن له أن يجاوزه إلا بإحرام؛ فإنه يحرم؛ كذا قال أبو يوسف. ولو حصل في شيء من هذه المواقيت من ليس من أهلها، فأراد الحج أو العمرة أو دخول مكة - فحكمه حكم أهل ذلك الميقات الذي حصل فيه؛ [لقول النبي] (٢) وَ ((هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ(٣)، وَلِمَنْ مَرَّ بِهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ؛ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ))، وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((مَنْ وَقَّتْنَا لَهُ وَقْتَاً فَهُوَ لَهُ وَلِمَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ؛ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ، أَوِ الْعُمْرَةَ» (٤) ولأنه إذا مر به صار من أهله؛ فكان حكمه في المجاوزة حكمهم. ولو جاوز ميقاتاً من هذه المواقيت من غير إحرام، إلى ميقات آخر جاز له؛ لأن الميقات الذي صار إليه صار ميقاتاً له؛ لما روينا من الحديثين، إلا أن المستحب أن يحرم من الميقات الأول، هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال - في غير أهل المدينة إذا مروا على المدينة فجاوزوها إلى الجحفة -: فلا بأس بذلك، وأحب إليّ أن يحرموا من ذي الحليفة؛ لأنهم إذا حصلوا في الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته، فیکره لهم تركها. ولو جاوز ميقاتاً من المواقيت الخمسة يريد الحج أو العمرة، فجاوزه بغير إحرام، ثم عاد قبل أن يحرم، وأحرم من الميقات وجاوزه محرماً - لا يجب عليه دم بالإجماع؛ لأنه لما عاد إلى الميقات قبل أن يحرم وأحرم - التحقت تلك المجاوزة بالعدم، وصار هذا ابتداء إحرام منه. المواقيت، حديث (٢١٢)، والطبراني في «الكبير» (٣٦١/٢٣)، حديث (٨٤٩)، والبيهقي في ((السنن = الكبرى)) (٣٠/٥): كتاب الحج باب فضل من أهل من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وابن حبان في صحيحه (١٤،١٣/٩ - الإحسان) كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة، حديث (٣٧٠١)، وذكره الحافظ ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) (٤٣٨/٢)، حديث (٩٧٥)، وعزاه لأحمد وأبي داود وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه من حديث أم سلمة به. (١) سقط في أ. (٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: لقوله. (٣) في أ: لهن. (٤) أخرجه البخاري (١٦٥/٤ - فتح الباري)، كتاب الحج: باب مهل أهل الشام، حديث (١٥٢٦)، ومسلم (٣٣٨/٤ - نووي) كتاب الحج: باب مواقيت الحج والعمرة، حديث (١١٨١/١١)، وأبو داود (٢/ ١٤٣) كتاب المناسك (الحج): باب في المواقيت، حديث (١٧٣٨)، والنسائي (١٢٧،١٢٦/٥): كتاب المناسك: باب من كان أهله دون الميقات، حديث (٢٦٥٧)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٣٩،٢٥٢)، والبيهقي (٢٩/٥): كتاب الحج: باب من كان أهله دون الميقات فميقاته من حيث يخرج من أهله، من حديث عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس فذكره. ١٦٣ كِتَابُ الْحَجُ ولو أحرم بعد ما جاوز الميقات، قبل أن يعمل شيئاً من أفعال الحج، ثم عاد إلى الميقات ولبى سقط عنه الدم، وإن لم يلب لا يسقط(١)؛ وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو/ يوسف، ومحمد: ٢٤٣ب يسقط، لبى أو لم يلب. وقال زفر: لا يسقط، لبى أو لم يلب. وجه قول زفر: إن وجوب الدم بجنايته على الميقات بمجاوزته إياه من غير إحرام وجنايته لا تنعدم بعوده؛ فلا يسقط الدم الذي وجب. وجه قولهما: إن حق الميقات في مجاوزته إياه محرماً لا في إنشاء الإحرام منه؛ بدليل أنه لو أحرم من دويرة أهله، وجاوز الميقات ولم يلب - لا شيء عليه؛ فدل أن حق الميقات في مجاوزته إياه محرماً، لا في إنشاء الإحرام منه، وبعدما عاد إليه محرماً فقد جاوزه محرماً؛ فلا يلزمه الدم. ولأبي حنيفة: ما روينا عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال - للذي أحرم بعد الميقات -: ارجع إلى الميقات قلب، وإلا فلا حج لك. أوجب التلبية من الميقات؛ فلزم اعتبارها، ولأن الفائت بالمجاوزة هو التلبية، فلا يقع تدارك الفائت إلا بالتلبية؛ بخلاف ما إذا أحرم من دويرة أهله، ثم جاوز الميقات من غير إنشاء الإحرام؛ لأنه إذا أحرم من دويرة أهله صار ذلك ميقاتاً(٢)، وقد لبى منه فلا يلزمه تلبيةٌ [أُخرى](٣)، وإذا لم يحرم من دويرة أهله كان ميقاته المكان الذي تجب التلبية منه، وهو الميقات المعهود. وما قاله زفر: إن الدم إنما وجب عليه بجنايته على الميقات - مُسَلَّم، لكن (٤) لما عاد قبل دخوله في أفعال الحج فما جنى عليه، بل ترك حقه في الحال؛ فيحتاج إلى التدارك، وقد تداركه بالعود إلى التلبية، ولو جاوز الميقات بغير إحرام فأحرم، ولم يعد إلى الميقات حتى طاف شوطاً أو شوطين، أو وقف بعرفة، أو كان إحرامه بالحج ثم عاد إلى الميقات - لا يسقط عنه الدم؛ لأنه لما اتصل الإحرام بأفعال الحج تأكد عليه الدم؛ فلا يسقط بالعود، ولو عاد إلى ميقات آخر غير الذي جاوزه، قبل أن يفعل شيئاً من أفعال الحج - سقط عنه الدم؛ وعوده إلى هذا الميقات وإلى ميقات آخر سواء. وعلى قول زفر: لا يسقط، على ما ذكرنا. وروي عن أبي يوسف: أنه فصل في ذلك تفصيلاً فقال: إن كان الميقات الذي عاد إليه يحاذي الميقات الأول، أو أبعد من الحرم - يسقط عنه الدم، وإلا فلا؛ والصحيح: جواب ظاهر الرواية؛ لما ذكرنا: أن كل واحد من هذه المواقيت الخمسة ميقات لأهله ولغير أهله، بالنص مطلقاً عن اعتبار المحاذاة، ولو لم يعد إلى الميقات، لكنه أفسد إحرامه بالجماع قبل (١) في أ: لم يسقط. (٣) سقط في ط. (٢) في أ: ميقاته. (٤) في أ: لكنه. ١٦٤ كِتَابُ الْحَجْ طواف العمرة؛ إن كان إحرامه بالعمرة أو قبل الوقوف بعرفة؛ إن كان إحرامه بالحج سقط عنه ذلك الدم؛ لأنه يجب عليه القضاء، وانجبر ذلك كله بالقضاء، كمن سها في صلاته ثم أفسدها فقضاها؛ إنه لا يجب عليه سجود السهو. وكذلك(١) إذا فاته الحج؛ فإنه يتحلل بالعمرة، وعليه قضاء الحج، وسقط عنه ذلك الدم عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: لا يسقط، ولو جاوز الميقات يريد [دخول](٢) مكة أو الحرم من غير إحرام - يلزمه إما حجة وإما عمرة (٣)؛ لأن مجاوزة الميقات، على قصد دخول مكة أو الحرم بدون الإحرام، لما كان حراماً - كانت المجاوزة التزاماً للإحرام دلالة، كأنه قال: الله - تعالى - علي إحرامٌ، ولو قال ذلك يلزمه حجة أو عمرة؛ كذا إذا فعل ما يدل على الالتزام، كمن شرع في صلاة التطوع ثم أفسدها - يلزمه قضاء ركعتين، كما إذا قال: لله - تعالى - علي أن أصلي ركعتين. فإن أحرم بالحج أو بالعمرة قضاء لما عليه من ذلك؛ لمجاوزته الميقات، ولم يرجع إلى الميقات - فعليه دم؛ لأنه جنى على الميقات؛ لمجاوزته إياه من غير إحرام، ولم يتداركه - فيلزمه الدم جبراً، فإن أقام بمكة حتى تحولت السنة، ثم أحرم يريد قضاء ما وجب عليه بدخوله مكة بغير إحرام - أجزأه في ذلك ميقات أهل مكة في الحج بالحرم، وفي العمرة بالحل؛ لأنه لما أقام بمكة صار في حكم أهل مكة، فيجزئه إحرامه من ميقاتهم، فإن كان حين دخل مكة عاد في تلك السنة إلى الميقات، فأحرم بحجة عليه من حجة الإسلام، أو حجة نذر أو عمرة [نذر](٤) سقط ما وجب عليه؛ لدخوله مكة بغير إحرام استحساناً. والقياس: أَلاَّ يسقط إلا أن ينوي ما وجب عليه لدخول مكة؛ وهو قول زفر. ولا خلاف في أنه إذا تحولت السنة، ثم عاد إلى الميقات، ثم أحرم بحجة الإسلام؛ أنه لا يجزئه عما لزمه إلا بتعيين النية . وجه القياس: أنه قد وجب عليه حجة أو عمرة بسبب المجاوزة، فلا يسقط عنه بواجب آخر؛ كما لو نذر بحجة أنه لا تسقط عنه بحجة الإسلام، وكذا لو فعل ذلك بعدما تحولت السنة . وجه الاستحسان: أن لزوم الحجة أو العمرة ثبت تعظيماً للبقعة، والواجب عليه تعظيمها ١٢٤٤ بمطلق الإحرام، لا بإحرام على حدة؛ بدليل/ أنه يجوز دخولها ابتداء بإحرام حجة الإسلام؛ فإنه لو أحرم من الميقات ابتداءً بحجة الإسلام، أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، وعن حرمة (١) في أ: وكذا. (٣) في أ: أو عمرة. (٢) سقط في أ. (٤) سقط في أ. ١٦٥ كِتَابُ الْحَجْ الميقات، وصار كمن دخل المسجد، وأدى فرض الوقت - قام ذلك مقام تحية المسجد. وكذا لو نذر أن يعتكف شهر رمضان، فصام رمضان معتكفاً - جاز، وقام صوم رمضان مقام الصوم الذي هو شرط [جواز](١) الاعتكاف؛ بخلاف ما إذا تحولت السنة؛ لأنه لما لم يقض حق البقعة حتى تحولت السنة - صار مفوتاً حقها، فصار ذلك ديناً عليه، وصار أصلاً ومقصوداً بنفسه، فلا يتأدى بغيره، كمن نذر أن يعتكف شهر رمضان، فلم يصم ولم يعتكف حتى قضى شهر رمضان مع الاعتكاف ـ جاز، فإن صام رمضان ولم يعتكف فيه حتى دخل شهر رمضان القابل، فاعتكف فيه قضاء عما عليه - لا يجوز؛ لأن الصوم صار أصلاً ومقصوداً بنفسه؛ كذا هذا . وكذلك لو أحرم بعمرة منذورة في السنة [الثانية] (٢) لم يجزه؛ لأنه يكره تأخير العمرة إلى يوم النحر وأيام التشريق، فإذا صار إلى وقت يكره تأخير العمرة إليه - صار تأخيرها كتفويتها، فإن دخل مكة بغير إحرام ثم خرج فعاد إلى أهله، ثم عاد إلى مكة فدخلها بغير إحرام - وجب [عليه](٣) لكل واحد من الدخولين حجة أو عمرة؛ لأن كل واحد من الدخولين سبب الوجوب، فإن أحرم بحجة الإسلام، جاز عن الدخول الثاني إذا كان في سنته، ولم يجز عن الدخول الأول؛ لأن الواجب قبل الدخول الثاني صار ديناً؛ فلا يسقط إلا بتعيين النية. هذا إذا جاوز أحد هذه المواقيت الخمسة، يريد الحج أو العمرة، أو دخول مكة أو الحرم بغير إحرام، فأما إذا لم يرد ذلك؛ وإنما أراد أن يأتي بستان بني عامر أو غيره لحاجة - فلا شيء عليه؛ لأن لزوم الحج أو العمرة بالمجاوزة من غير إحرام لحرمة الميقات - تعظيماً للبقعة(٤)، وتمييزاً لها من بين سائر البقاع في الشرف والفضيلة؛ فيصير ملتزماً للإحرام منه، فإذا لم يرد البيت لم يصر ملتزماً للإحرام؛ فلا يلزمه شيء، فإن حصل في البستان أو ما وراءه من الحل، ثم بدا له أن يدخل مكة لحاجة من غير إحرام - فله ذلك؛ لأنه بوصوله إلى أهل البستان صار كواحد من أهل البستان، ولأهل البستان أن يدخلوا مكة لحاجة من غير إحرام؛ فكذا له. وقيل: إن هذا هو الحيلة في إسقاط الإحرام عن نفسه. وروي عن أبي يوسف: أنه لا يسقط عنه الإحرام، ولا يجوز له أن يدخل مكة بغير إحرام، ما لم يجاوز الميقات بنية أن يقيم بالبستان خمسة عشر يوماً فصاعداً؛ لأنه لا يثبت للبستان حكم الوطن في حقه إلا بنية مدة الإقامة، وأقل مدة الإقامة خمسة عشر يوماً. وأما الصنف الثاني: فميقاتهم للحج أو العمرة دويرة أهلهم، أو حيث شاؤوا من الحل (١) سقط في ط . (٢) سقط في أ. (٣) سقط في أ. (٤) في أ: تعظيماً للميقات. ١٦٦ كِتَابُ الْحَجُ الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم؛ لقوله عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وروينا عن علي، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا - حين سئلا عن هذه الآية -: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك، فلا يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة إلا محرمين، والحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم كشيء واحد؛ فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء الحل، كما يجوز إحرام الآفاقي من دويرة أهله إلى آخر أجزاء ميقاته، فلو جاوز أحد(١) منهم ميقاته يريد الحج أو العمرة فدخل الحرم من غير إحرام - فعليه دم. ولو عاد إلى الميقات قبل أن يحرم، أو بعد ما أحرم - فهو على التفصيل، والاتفاق والاختلاف الذي ذكرنا: في الآفاقي إذا جاوز الميقات بغير إحرام، وكذلك الآفاقي إذا حصل في البستان(٢)، أو المكي إذا خرج إليه فأراد أن يحج أو يعتمر - فحكمه حكم أهل البستان. وكذلك(٣) البستاني أو المكي إذا خرج إلى الآفاق صار حكمه حكم أهل الآفاق؛ لا تجوز مجاوزته ميقات أهل الآفاق، وهو يريد الحج أو العمرة إلا محرماً؛ لما روينا من الحديثين، ويجوز لمن كان من أهل هذا الميقات وما بعده دخول مكة لغير الحج أو العمرة بغير إحرام عندنا، ولا يجوز ذلك في أحد قولي الشافعي، وذكر في قوله الثالث: إذا تكرر دخولهم يجب عليهم الإحرام في كل سنة مرة؛ والصحيح: قولنا؛ لما روي عن النبي ◌َّ: أنه رخص للحطابين أن يدخلوا مكة بغير إحرام، وعادة الحطابين أنهم لا يتجاوزون الميقات. وروي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أنه خرج من مكة إلى قديد، فبلغه خبر فتنة بالمدينة، فرجع ودخل مكة بغير إحرام، ولأن البستان من توابع الحرم فيلحق به، ولأن ٢٤٤ب مصالح أهل البستان تتعلق بمكة/ فيحتاجون إلى الدخول في كل وقت، فلو منعوا من الدخول إلا بإحرام لوقعوا في الحرج؛ وإنه منفي شرعاً. وأما الصنف الثالث: فميقاتهم للحج الحرم، وللعمرة الحل، فيحرم المكي من دويرة أهله للحج، أو حيث شاء من الحرم، ويحرم للعمرة من الحل، وهو التنعيم أو غيره، أما الحج فلقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وروينا عن علي، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أنهما قالا: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك، إلا أن العمرة صارت مخصوصة في حق أهل الحرم، فبقي الحج مراداً في حقهم(٤). وروي: أن رسول الله ◌َّ لما أمر أصحابه بفسخ إحرام الحج بعمل العمرة، أمرهم يوم (١) في أ: واحد. (٢) بالبستان. (٣) في أ: وكذا. (٤) في أ: قولهم. ١٦٧ كِتَابُ الْحَجْ (١) التروية أن يحرموا بالحج من المسجد، وفسخ إحرام الحج بعمل العمرة وإن نسخ؛ فالإحرام من المسجد لم ينسخ، وإن شاء أحرم من الأبطح أو حيث شاء من الحرم، لكن من المسجد أولى؛ لأن الإحرام عبادة؛ وإتيان العبادة في المسجد أولى كالصلاة. وأما الإفاضة(٢)، فلما روي: أن رسول الله وَّر لما أراد الإفاضة من مكة دخل على عائشة - رضي الله تعالى عنها - وهي تبكي فقالت: أكلّ نسائك يرجعن بنسكين، وأنا أرجع بنسك واحد؟ فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر [الصديق](٣) - رضي الله تعالى عنهم - أن يعتمر(٤) بها من التنعيم(٥) ولأن من شأن الإحرام: أن يجتمع(٦) في أفعاله الحل والحرم، فلو أحرم المكي بالعمرة من مكة - وأفعال العمرة تؤدي بمكة - لم يجتمع في أفعالها الحل والحرم، بل يجتمع كل أفعالها في الحرم؛ وهذا خلاف عمل الإحرام في الشرع. والأفضل أن يحرم من التنعيم؛ لأن رسول الله وَلير أحرم منه؛ وكذا أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - كانوا يحرمون لعمرتهم منه، وكذلك من حصل في الحرم من غير أهله فأراد الحج أو العمرة؛ فحكمه حكم أهل الحرم؛ لأنه صار منهم، فإذا أراد أن يحرم للحج أحرم من دويرة أهله، أو حيث شاء من الحرم، وإذا أراد أن يحرم بالعمرة يخرج إلى التنعيم، ويهل بالعمرة في الحل، ولو ترك المكي ميقاته، فأحرم للحج من الحل، وللعمرة من الحرم - يجب عليه الدم إلا إذا عاد وجدد التلبية أو لم يجدد؛ على التفصيل والاختلاف الذي ذكرنا في الآفاقي، ولو خرج من الحرم إلى الحل ولم يجاوز الميقات، ثم أراد أن يعود إلى مكة - له أن يعود إليها من غير إحرام؛ لأن أهل مكة يحتاجون إلى الخروج إلى الحل للاحتطاب والاحتشاش والعود إليها، فلو ألزمناهم الإحرام عند كل خروج لوقعوا في الحرج. (١) في أ: فالأمر بالإحرام. (٢) في ط: العمرة. (٣) سقط في ط. (٤) في أ: بعمرها. (٥) أخرجه البخاري (٢٠٠،١٩٩/٤): كتاب الحج: باب كيف تهل الحائض والنفساء، حديث (١٥٥٦)، ومسلم (٤/ ٣٩٤ - نووي): كتاب الحج: باب بيان وجوه الإحرام، حديث (١٢١١/١١١)، وأبو داود (١٥٣/٢): كتاب المناسك (الحج): باب في إفراد الحج، حديث (١٧٨١)، والنسائي (١٦٦/٥): كتاب المناسك: باب المهلَّة بالعمرة تحيض وتخاف فوت الحج، حديث (٢٧٦٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٢٤٥/٦)، من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة به. (٦) في أ: يجمع. ١٦٨ كِتَابُ الْحَجْ فصل وأما بيان ما يحرم به: فما يحرم به في الأصل ثلاثة أنواع: الحج وحده، والعمرة وحدها، [والعمرة مع الحج](١) وعلى حسب تنوع المحرم به يتنوع المحرمون، وهم (٢) في الأصل أنواع ثلاثة: مفرد بالحج، ومفرد بالعمرة، وجامع بينهما. فالمفرد (٣) بالحج: هو الذي يحرم بالحج لا غير. والمفرد بالعمرة: هو الذي يحرم بالعمرة لا غير. وأما الجامع بينهما فنوعان: قارن، ومتمتع؛ فلا بد من بيان معنى القارن والمتمتع في عرف الشرع، وبيان ما يجب عليهما بسبب القران والتمتع، وبيان الأفضل من أنواع ما يحرم به؛ أنه الإفراد، أو (٤) القران، أو التمتع. أما القارن في عرف الشرع: فهو اسم لآفاقي يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج قبل وجود ركن العمرة؛ وهو الطواف كله أو أكثره، فيأتي بالعمرة أولاً، ثم يأتي بالحج قبل أن يحل من العمرة بالحلق أو التقصير، سواء جمع بين الإحرامين بكلام موصول أو مفصول، حتى لو أحرم بالعمرة، ثم أحرم بالحج بعد ذلك قبل الطواف للعمرة(٥) أو أكثره - كان قارناً؛ لوجود معنى القران، وهو الجمع بين الإحرامين وشرطه، ولو كان إحرامه للحج بعد طواف العمرة أو أكثره؛ لا يكون قارناً، بل يكون متمتعاً؛ لوجود معنى التمتع، وهو أن يكون إحرامه بالحج بعد وجود ركن العمرة كله؛ وهو الطواف سبعة أشواط، أو أكثره؛ وهو أربعة أشواط على ما نذكر في تفسير المتمتع، إن شاء الله تعالى. وكذلك(٦) لو أحرم بالحجة أولاً، ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة - يكون قارناً؛ لإتيانه بمعنى القران، إلا أنه يكره له ذلك؛ لأنه مخالفة السنة؛ إذ السنة تقديم إحرام العمرة على إحرام الحج (٧). ألا ترى أنه يقدم العمرة على الحجة في الفعل؛ فكذا في القول. ثم إذا فعل ذلك ينظر: إن أحرم بالعمرة قبل أن يطوف لحجته - عليه أن يطوف أولاً لعمرته ويسعى لها، ثم يطوف لحجته ويسعى لها، مراعاة للترتيب في الفعل، فإن لم يطف للعمرة ومضى إلى عرفات، ووقف بها - صار رافضاً لعمرته؛ لأن العمرة تحتمل الارتفاض لأجل الحجة في الجملة؛ لما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قدمت مكة معتمرة، فحاضت ١٢٤٥ فقال لها النبي ◌َّرل ـ: ((ارفضي عمرتك وأهلي بالحج، واصنعي/ في حجتك ما يصنع (١) في أ: والحج مع العمرة. (٣) في أ: فالمحرم. (٥) في أ: طواف العمرة. (٧) في أ: الحجة . (٢) في أ: وأنهم. (٤) في أ: أم. (٦) في أ: وكذا. ١٦٩ كِتَابُ الْحَجْ الحاج)»(١) ولههنا وجد دليل الارتفاض؛ وهو الوقوف بعرفة؛ لأنه اشتغال بالركن الأصلي للحج، فيتضمن ارتفاض العمرة ضرورة لفوات الترتيب في الفعل. وهل يرتفض بنفس التوجه إلى عرفات؟ ذكر في ((الجامع الصغير)): أنه لا يرتفض، وذكر في ((كتاب المناسك)): فيه القياس والاستحسان، فقال: القياس: أن يرتفض، وفي الاستحسان: لا يرتفض؛ عنى به القياس على أصل أبي حنيفة في باب الصلاة؛ فيمن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله، ثم خرج إلى الجمعة؛ أنه يرتفض ظهره عنده؛ كذا لههنا؛ ينبغي أن ترتفض عمرته بالقياس على ذلك، إلا أنه استحسن وقال: لا يرتفض ما لم يقف بعرفات، وفرق بين العمرة وبين الصلاة . ووجه الفرق له: أن السعي إلى الجمعة من ضرورات أداء الجمعة، وأداء الجمعة ينافي بقاء الظهر؛ فكذا ما هو من ضروراته؛ إذ الثابت ضرورة شيء ملحق به، ولههنا التوجه إلى عرفات، وإن كان من ضرورات الوقوف بها، لكن الوقوف لا ينافي بقاء العمرة صحيحة، فإن عمرة القارن والمتمتع تبقى صحيحة مع الوقوف بعرفة، وإنما الحاجة لههنا إلى مراعاة الترتيب في الأفعال، فما لم [توجد أركان](٢) الحج قبل أركان(٣) العمرة لا يوجد فوات الترتيب، وذلك هو الوقوف بعرفة، فأما التوجه فليس بركن؛ فلا يوجب فوات الترتيب في الأفعال. وإن كان طاف للحج ثم أحرم بالعمرة: فالمستحب له أن يرفض عمرته؛ لمخالفته السنة في الفعل؛ إذ السنة هي تقديم أفعال العمرة على أفعال الحج، فإذا ترك التقديم فقد تحققت البدعة، فيستحب له أن يرفض، لكن لا يؤمر بذلك حتماً؛ لأن المؤدي من أفعال الحج؛ وهو طواف اللقاء ليس بركن، ولو مضى عليها أجزأه؛ لأنه أتى بأصل النسك، وإنما ترك (٤) السنة بترك الترتيب في الفعل؛ وأنه يوجب الإساءة دون الفساد، وعليه دم القران؛ لأنه قارن لجمعه بين إحرام الحجة(٥) والعمرة؛ والقران جائز مشروع. ولو رفضها يقضيها؛ لأنها لزمته بالشروع فيها وعليه دم لرفضها؛ لأن رفض العمرة فسخ للإحرام بها، وأنه أعظم من إدخال النقص في الإحرام؛ وذا(٦) يوجب الدم فهذا أولى. والله - تعالى - أعلم. (١) أخرجه البخاري (١ /٤٠٧): كتاب الحيض: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، الحديث (٣٠٥)، ومسلم (٨٧٣/٢): كتاب الحج: باب بيان وجوه الإحرام، الحديث (١١٩ / ١٢١١) و (١٢١١/١٢٠)، وأحمد (٢٤٥/٦) من حديث عائشة. (٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: يوجد أداء ركن الحج. (٣) في أ: ركن. (٤) في أ: فإنما ترك. (٥) في أ: الحج. (٦) في أ: وأنه . ١٧٠ كِتَابُ الْحَجْ وأما المتمتع في عرف الشرع: فهو اسم لآفاقي يحرم بالعمرة، ويأتي بأفعالها من الطواف والسعي، أو يأتي بأكثر ركنها؛ وهو الطواف أربعة أشواط أو أكثر في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج في أشهر الحج، ويحج من عامه ذلك قبل أن يلم بأهله فيما بين ذلك إلماماً صحيحاً، فيحصل له النسكان في سفر واحد، سواء حل من إحرام العمرة بالحلق أو التقصير أو لم يحل، إذا كان ساق الهدي لمتعته؛ فإنه لا يجوز التحلل بينهما. ويحرم بالحج قبل أن يحل من إحرام العمرة؛ وهذا عندنا. وقال الشافعي: سوق الهدي لا يمنع من التحلل، فصار المتمتع نوعين؛ متمتع لم يسق الهدي، ومتمتع ساق الهدي، فالذي لم يسق الهدي يجوز له التحلل إذا فرغ من أفعال العمرة بلا خلاف، وإذا تحلل صار حلالاً كسائر المتحللين إلى أن يحرم بالحج؛ لأنه إذا تحلل من العمرة فقد خرج منها، ولم يبق عليه شيء فيقيم بمكة حلالاً، أي: لا يلم بأهله؛ لأن الإلمام بالأهل يفسد التمتع. وأما الذي ساق الهدي: فإنه لا يحل له التحلل إلا يوم النحر بعد الفراغ من الحج عندنا. وعند الشافعي: يحل له التحلل، وسوق الهدي لا يمنع من التحلل؛ والصحيح: قولنا؛ لما روي عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن النبي وَلّ لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلقوا إلا من كان معه الهدي. وفي حديث أسماء أن النبي وَ﴿ قال: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَذْيٌ فَلْيقِمُ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذِيٌّ فَلْيَخْلِقْ)) (١)، وروي: أنه لما أمر أصحابه أن يحلوا قالوا له: إنك لم تحل، فِقَال: ((إني سقتُ الهدي فَلاَ أحل مِنْ إِحْرَامِي إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ))، وقال ◌َ: ((لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَذْبَرْتُ لمَا سقتُ الهَذِيُ، وَتَحَلَّلْتُ كَمَا أحلو)»(٢)، فقد أخبر النبي ◌َّر أن الذي منعه من الحل سوق(٣) الهدي، ولأن لسوق الهدي أثراً في الإحرام حتى يصير به داخلاً في الإحرام؛ فجاز أن يكون له أثر في حال البقاء حتى يمنع من التحلل. (١) أخرجه أحمد في مسنده (٣٥٠/٦، ٣٥١) ومسلم (٤٧٩/٤ - نووي): كتاب الحج: باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى، حيث (١٢٣٦/١٩١)، والنسائي (٢٤٦/٥): كتاب المناسك: باب ما يفعل من أهل بعمرة وأهدى، حديث (٢٩٩٢)، وابن ماجه (٩٩٣/٢، ٩٩٤): كتاب المناسك: باب فسخ الحج، حديث (٢٩٨٣)، وأخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٩/٤): كتاب الحج: باب الرجل يحرم بالحج تطوعاً، من حديث أسماء بنت أبي بكر به. (٢) أخرجه أحمد في المسند (٣٢٠/٣)، والبخاري (٣١٣،٣١٢/٤ - فتح الباري): كتاب الحج: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، حديث (١٦٥١)، ومسلم (٤٠٦/٤ - نووي): كتاب الحج: باب بيان وجوه الإحرام، حديث (١٢١٦/١٤١)، وأبو داود (١٥٦/٢): كتاب المناسك: باب في إفراد الحج، حديث (١٧٨٩)، والنسائي (٢٠٢/٥)، حديث (٢٨٧٢) مختصراً، من حديث جابر به. (٣) في أ: سوقه. ١٧١ كِتَابُ الْحَجْ وسواء كان إحرامه للعمرة في أشهر الحج أو قبلها عندنا، بعد أن يأتي بأفعال العمرة أو ركنها أو بأكثر الركن في الأشهر؛ أنه يكون متمتعاً. وعند الشافعي: شرط كونه متمتعاً: الإحرام بالعمرة في الأشهر، حتى لو أحرم [بالعمرة](١) قبل الأشهر لا يكون متمتعاً، وإن أتى بأفعالها في الأشهر. والكلام فيه بناء على أصل قد ذكرناه فيما تقدم؛ وهو أن الإحرام عنده ركن؛ فكان من أفعال العمرة/، فلا بد من وجود أفعال العمرة في أشهر الحج ولم يوجد، بل ٢٤٥ب وجد بعضها في الأشهر(٢)، وعندنا ليس يركن، بل هو شرط فتوجد أفعال العمرة في الأشهر فيكون متمتعاً. وليس لأهل مكة، ولا لأهل داخل المواقيت التي بينها وبين مكة قران ولا تمتع. وقال الشافعي؛ یصح قرانهم وتمتعهم. وجه قوله: قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] من غير فصل بين أهل مكة وغيرهم. ولنا: قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦] جعل التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام على الخصوص؛ لأن اللام للاختصاص، ثم حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة، وأهل الحل الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة. وقال مالك: هم أهل مكة خاصة؛ لأن معنى الحضور لهم. وقال الشافعي: هم أهل مكة، ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ [لأنه إذا كان كذلك كان من توابع مكة وإلا فلا](٣)؛ والصحيح: قولنا؛ لأن الذين هم داخل المواقيت الخمسة منازلهم من توابع مكة؛ بدليل أنه يحل لهم أن يدخلوا مكة لحاجة بغير إحرام؛ فكانوا في حكم حاضري المسجد الحرام. وروي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران، ولأن دخول العمرة في أشهر الحج ثبت رخصة؛ لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] قيل في بعض وجوه التأويل: أي: للحج أشهر معلومات، و((اللام»: للاختصاص فيقتضي اختصاص هذه الأشهر بالحج، وذلك بألاً يدخل فيها غيره، إلا أن العمرة دخلت فيها رخصة للآفاقي، ضرورة تعذر إنشاء السفر للعمرة؛ نظراً له بإسقاط أحد السفرين، وهذا المعنى (١) سقط في ط. (٢) في أ: قبل الأشهر. (٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: قال مالك: هم أهل مكة خاصة لأنه إذا كان كذلك، كان من توابع مكة وإلا فلا. وقال الشافعي: هم أهل مكة، ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة لأن معنى الحضور لهم والصحيح: قولنا : .... الخ. ١٧٢ كِتَابُ الْحَجْ لا يوجد في حق أهل مكة ومن بمعناهم، فلم تكن العمرة مشروعة في أشهر الحج في حقهم؛ وكذا روي عن ذلك الصحابي أنه قال: كنا نعد العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر ثم رخص، والثابت بطريق الرخصة يكون ثابتاً بطريق الضرورة، والضرورة في حق أهل الآفاق لا في حق أهل مكة على ما بينا؛ فبقيت العمرة في أشهر الحج في حقهم معصية. ولأن من شرط التمتع: أن تحصل العمرة والحج للمتمتع في أشهر الحج، من غير أن يلم بأهله فيما بينهما، وهذا لا يتحقق في حق المكي؛ لأنه يلم بأهله فيما بينهما لا محالة؛ فلم يوجد (١) شرط التمتع في حقه. ولو جمع المكي بين العمرة والحج في أشهر الحج فعليه دم، لكن دم كفارة الذنب لا دم نسك؛ شكراً للنعمة عندنا، حتى لا يباح له أن يأكل منه، ولا يقوم الصوم مقامه إذا كان معسراً. وعنده: هو دم نسك، يجوز له أن يأكل منه ويقوم الصوم مقامه إذا لم يجد الهدي. ولو أحرم الآفاقي بالعمرة قبل أشهر الحج، فدخل مكة محرماً بالعمرة وهو يريد التمتع - فينبغي أن يقيم محرماً حتى تدخل أشهر الحج، فيأتي بأفعال العمرة، ثم يحرم بالحج ويحج من عامه ذلك؛ فيكون متمتعاً، فإن أتى بأفعال العمرة أو بأكثرها قبل أشهر الحج، ثم دخل أشهر الحج فأحرم بالحج وحج من عامه ذلك - لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يتم له الحج والعمرة في أشهر الحج. ولو أحرم بعمرة أُخرى، بعدما دخل أشهر الحج، لم يكن متمتعاً في قولهم جميعاً؛ لأنه صار في حكم أهل مكة؛ بدليل أنه صار ميقاتهم ميقاته، فلا يصح له التمتع إلا أن يعود إلى أهله، ثم يعود إلى مكة محرماً بالعمرة في قول أبي حنيفة. وفي قولهما: إلا أن يعود إلى أهله، أو إلى موضع يكون لأهله التمتع والقران على ما نذكر. ولو أحرم من لا تمتع له من المكي ونحوه بعمرة، ثم أحرم بحجة ـ يلزمه رفض أحدهما؛ لأن الجمع بينهما معصية، والنزوع عن المعصية لازم، ثم ينظر إن أحرم بعمرة ثم أحرم بحجة قبل أن يطوف لعمرته رأساً؛ فإنه يرفض العمرة؛ لأنها أقل عملاً والحج أكثر عملاً؛ فكانت العمرة أخف مؤنة من الحجة(٢)؛ فكان رفضها أيسر، ولأن المعصية حصلت بسببها؛ لأنها هي التي دخلت (٣) في وقت الحج؛ فكانت أولى بالرفض، ويمضي على حجته، وعليه لرفض عمرته دم، وعليه قضاء العمرة لما نذكر. (١) في أ: فلا يوجد. (٢) في أ: الحج. (٣) في أ: أدخلت. ١٧٣ كِتَابُ الْحَجْ وإن كان طاف لعمرته جميع الطواف أو أكثره، لا يرفض العمرة، بل يرفض الحج؛ لأن العمرة مؤداة، والحج غير مؤدى؛ فكان رفض الحج امتناعاً عن الأداء، ورفض العمرة إبطالاً للعمل، والامتناع عن العمل دون إبطال العمرة؛ فكان أولى. وإن كان طاف لها شوطاً أو شوطين أو ثلاثة يرفض الحج في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف، ومحمد: يرفض العمرة. وجه قولهما: أن [رفض] (١) العمرة أدنى وأخف مؤنة. ألا ترى أنها سميت الحجة الصغرى؛ فكانت أولى بالرفض، ولا عبرة بالقدر المؤدي منها؛ لأنه أقل، والأكثر غير مؤدي، والأقل بمقابلة الأكثر ملحق بالعدم؛ فكأنه لم يؤد شيئاً منها. والله - تعالى - أعلم. ولأبي حنيفة: أن رَفْضَ الحجة امتناع/ من العمل، ورفض العمرة إبطال للعمل، ١٢٤٦ والامتناع دون الإبطال؛ فكان أولى. وبيان ذلك: أنه لم يوجد للحج عمل؛ لأنه لم يوجد له إلا الإحرام، وأنه ليس من الأداء في شيء؛ لأنه شرط وليس بركن عندنا على ما بينا فيما تقدم، فلا يكون رفض الحج إبطالاً للعمل، بل يكون امتناعاً. فأما العمرة: فقد أدى منها شيئاً وإن قل، وكان رفضها إبطالاً لذلك القدر من العمل، فكان الامتناع أولى لما قلنا. وإذا رفض [الحجة عنه] (٢)، فعليه لرفضها دم وقضاء حجة وعمرة، وإذا رفض العمرة عندهما: فعليه لرفضها دم [وقضاء عمرة. والأصل في جنس هذه المسائل: أن كل من لزمه رفض عمرة فرفضها فعليه لرفضها دم؛ لأنه](٣) تحلل من قبل وقت التحلل، فيلزمه الدم كالمحصر، وعليه عمرة مكانها قضاء؛ لأنها قد وجبت عليه بالشروع، فإذا أفسدها يقضيها، وكل من لزمه رفض حجة فرفضها فعليه لرفضها دم، وعليه حجة وعمرة، أما لزوم الدم لرفضها: فلما ذكرنا في العمرة، وأما لزوم الحجة والعمرة: فأما الحجة: فلوجوبها بالشروع، وأما العمرة: فلعدم إتيانه بأفعال الحجة في السنة التي أحرم فيها؛ فصار كفائت الحج؛ فيلزمه العمرة كما يلزم فائت الحج. فإن أحرم(٤) بالحجة من سنته فلا عمرة عليه، وكل من لزمه رفض أحدهما فمضى فيها فعليه دم؛ لأن الجمع بينهما معصية، فقد أدخل النقص في أحدهما فيلزمه دم، لکنه یکون دم كفارة لا دم متعة، حتى لا يجوز له أن يأكل منه، ولا يجزئه الصوم إن كان معسراً. ومما يتصل بهذه المسائل: ما إذا أحرم بحجتين معاً، أو بعمرتين معاً، قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لزمتاه جميعاً. وقال محمد: لا يلزمه إلا إحداهما؛ وبه أخذ الشافعي. (١) سقط في أ. (٢) في أ: العمرة عنده. (٣) سقط في أ. (٤) في أ: فإذا أحرم. ١٧٤ كِتَابُ الْحَجْ وجه قول محمد: أنه إذا أحرم بعبادتين لا يمكنه المضي فيهما جميعاً، فلا ينعقد إحرامه بهما جميعاً، كما لو أحرم بصلاتين أو صومين؛ بخلاف ما إذا أحرم بحجة أو عمرة؛ لأن المضي فيهما ممكن فيصح إحرامه بهما، كما لو نوى صوماً وصلاةً. ولأبي حنيفة، وأبي يوسف: أنه أحرم بما يقدر عليه في وقتين فيصح إحرامه كما لو أحرم بحجة وعمرة معاً. وثمرة هذا الاختلاف تظهر في: وجوب الجزاء إذا قتل صيداً، عندهما: يجب جزاآن؛ لانعقاد الإحرام بهما جميعاً. وعنده: يجب جزاء واحد؛ لانعقاد الإحرام بإحداهما، ثم اختلف أبو حنيفة، وأبو يوسف في وقت ارتفاض إحداهما. عند أبي يوسف يرتفض عقيب الإحرام بلا فصل . وعن أبي حنيفة روايتان: في الرواية المشهورة عنه: يرتفض إذا قصد مكة. وفي رواية: لا يرتفض حتى يبتدىء بالطواف. ولو أحرم الآفاقي بالعمرة فأداها في أشهر الحج، وفرغ منها وحل من عمرته، ثم عاد إلى أهله حلالاً، ثم رجع إلى مكة وأحرم بالحج، وحج من عامه ذلك - لم يكن متمتعاً حتى لا يلزمه الهدي، بل يكون مفرداً بعمرة، ومفرداً بحجة؛ لأنه ألم بأهله بين الإحرامين إلماماً صحيحاً؛ وهذا يمنع التمتع. وقال الشافعي: لا أعرف الإلمام. ونحن نقول: إن كنت لا تعرف معناه لغة فمعناه في اللغة القرب. يقال: ألم به أي: قرب منه. وإن كنت لا تعرف حكمه شرعاً فحكمه: أن يمنع التمتع؛ لما روي عن عمر، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن المتمتع إذا أقام بمكة صح تمتعه، وإن عاد إلى أهله بطل تمتعه، وكذا روي عن جماعة من التابعين مثل سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابراهيم النخعي. وطاوس، وعطاء - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا كذلك؛ ومثل هذا لا يعرف رأياً واجتهاداً، فالظاهر سماعهم ذلك من (١) ولأن التمتع في حق الآفاقي ثبت رخصة ليجمع بين النسكين، ويصل أحدهما بالآخر في سفر واحد من غير أن يتخلل بينهما ما ينافي النسك، وهو الارتفاق، ولما ألم بأهله فقد حَصَلَ له مرافق الوطن؛ فبطل الاتِّصَالُ. والله تعالى - أعلم. ولو رجع إلى مكة بعمرة أُخرى وحج كان متمتعاً؛ لأن حكم العمرة الأولى قد سقط بإلمامه بأهله، فيتعلق الحكم بالثانية، وقد جمع بينهما وبين الحجة في أشهر الحج من غير إلمام فكان متمتعاً. ولو كان إلمامه بأهله بعدما طاف لعمرته قبل أن يحلق أو يقصر، ثم حج (١) في أ: عن. ١٧٥ كِتَابُ الْحَجْ من عامه ذلك قبل أن يحل من العمرة في أهله - فهو متمتع؛ لأن العود مستحق عليه لأجل الحلق؛ لأن [عند] (١) من جعل الحرم شرطاً لجواز الحلق - وهو أبو حنيفة، ومحمد - لا بد من العود، وعند من لم يجعله شرطاً - وهو أبو يوسف - كان العود مستحباً إن لم يكن مستحقاً . وأما الإلمام الفاسد الذي لا يمنع صحة التمتع: فهو أن يسوق الهدي، فإذا فرغ من العمرة عاد إلى وطنه، فلا يبطل تمتعه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ حتى لو عاد إلى مكة فأحرم بالحج وحج من عامه ذلك كان متمتعاً في قولهما. وعند(٢) محمد يبطل تمتعه؛ حتى لو حج من عامه ذلك لم يكن متمتعاً. وجه قول محمد: أن/ المانع من صحة التمتع - وهو الإلمام بالأهل - قد وجد، والعود ٢٤٦ب غير مستحق عليه؛ بدليل أنه لو بدا له من التمتع جاز له ذبح الهدي لههنا، وإذا لم يستحق عليه العود صار كأن (٣) لم يسق الهدي، ولو لم يسق الهدي يبطل تمتعه؛ كذا هذا. ولهما: أن العود مستحق عليه ما دام على نية التمتع، فيمنع صحة الإلمام فلا يبطل تمتعه، كالقارن إذا عاد إلى أهله، ثم ما ذكرنا من بطلان التمتع بالإلمام الصحيح إذا عاد إلى أهله . فأما إذا عاد إلى غير أهله؛ بأن خرج من الميقات، ولحق بموضع لأهله القران والتمتع كالبصرة مثلاً أو نحوها، واتخذ هناك داراً أو لم يتخذ، توطن بها أو لم يتوطن، ثم عاد إلى مكة وحج من عامه ذلك - فهل يكون متمتعاً؟ ذكر في ((الجامع الصغير)): أنه يكون متمتعاً ولم يذكر الخلاف. وذكر القاضي أيضاً: أنه يكون متمتعاً في قولهم. وذكر الطحاوي: أنه يكون متمتعاً في قول أبي حنيفة. وهذا وما إذا أقام بمكة ولم يبرح منها سواء، وأما في قول أبي يوسف ومحمد - فلا يكون متمتعاً ولحوقه بموضع لأهله التمتع والقران، ولحوقه بأهله سواء. وجه قولهما: إنه لما جاوز الميقات ووصل إلى موضع لأهله التمتع والقران؛ فقد بطل حكم السفر الأول، وخرج من أن يكون من أهل مكة؛ لوجود إنشاء سفر آخر، فلا يكون متمتعاً كما لو رجع إلى أهله. ولأبي حنيفة: أن وصوله إلى موضع لأهله القران، والتمتع لا يبطل السفر الأول ما لم يعد إلى منزله؛ لأن المسافر ما دام يتردد في سفره يعد ذلك كله - منه سفراً واحداً ما لم يعد إلى منزله، ولم يعد لههنا فكان السفر الأول قائماً، فصار كأنه لم يبرح من مكة فيكون متمتعاً، ويلزمه هدي المتعة. المنته (١) سقط في ط. (٣) في أ: كأنه. (٢) في أ: وفي قول. ١٧٦ كِتَابُ الْحَجْ ولو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم أفسدها وأتمها على الفساد، وحل منها ثم أحرم بالحج، وحج من عامه ذلك قبل أن يقضيها - لم يكن متمتعاً؛ لأنه لا يصير متمتعاً إلا بحصول العمرة والحجة، ولما أفسد العمرة فلم تحصل له العمرة والحجة فلا يكون متمتعاً، ولو قضى عمرته وحج من عامه ذلك: فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: فإن فرغ من عمرته الفاسدة، وحل منها ورجع إلى أهله، ثم عاد إلى مكة وقضى عمرته، وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك - فإنه يكون متمتعاً بالإجماع؛ لأنه لما لحق بأهله صار من أهل التمتع، وقد أتى به فكان متمتعاً. وإذا (١) فرغ من عمرته الفاسدة، وحل منها لكنه لم يخرج من الحرم، أو خرج منه لكنه لم يجاوز الميقات حتى قضى عمرته وأحرم بالحج - لا يكون متمتعاً بالإجماع؛ لأنه لما حل من عمرته الفاسدة صار كواحد من أهل مكة، ولا تمتع لأهل مكة؛ ويكون مسيئاً، وعليه لإساءته دم. وإن فرغ من عمرته الفاسدة وحل منها، [وخرج من الحرم](٢) وجاوز الميقات [حتى قضى عمرته](٣) ولحق بموضع لأهله التمتع والقران كالبصرة وغيرها، ثم رجع إلى مكة وقضى عمرته الفاسدة، ثم أحرم بحج وحج من عامه ذلك - لم يكن متمتعاً في قول أبي حنيفة، كأنه لم يبرح من مكة، وفي قول أبي يوسف، ومحمد: يكون متمتعاً كأنه لحق بأهله. وجه قولهما: إنه لما حصل في موضع لأهله التمتع والقران صار من أهل ذلك الموضع، [وبطل حكم ذلك السفر](٤)، ثم إذا قدم مكة كان هذا إنشاء سفر، وقد حصل له نسكان في هذا السفر؛ وهو عمرة وحجة؛ فيكون متمتعاً، كما لو رجع إلى أهله ثم عاد إلى مكة، وقضى عمرته في أشهر الحج وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك؛ أنه يكون متمتعاً؛ كذا هذا؛ بخلاف ما إذا اتخذ مكة داراً؛ لأنه صار من أهل مكة، ولا تمتع لأهل مكة. ولأبي حنيفة: أن حكم السفر الأول باقٍ؛ لأن الإنسان إذا خرج من وطنه مسافراً فهو على حكم السفر ما لم يعد إلى وطنه، وإذا كان حكم السفر الأول باقياً فلا عبرة بقدومه البصرة، واتخاذه داراً بها، فصار كأنه أقام بمكة لم يبرح منها حتى قضى عمرته الفاسدة، وإذا كان(٥) كذلك لم يكن متمتعاً ولم يلزمه الدم؛ لأنه لما أفسد العمرة لزمه أن يقضيها من مكة؛ وهو أن يحرم بالعمرة من ميقات أهل مكة للعمرة، وذلك دليل إلحاقه بأهل مكة؛ فصارت عمرته وحجته مكيتين؛ لصيرورة ميقاته للحج والعمرة ميقات أهل مكة؛ فلا يكون متمتعاً (١) في أ: وإن. (٣) سقط في أ. (٥) في أ: ولو كان. (٢) سقط في أ. (٤) سقط في أ. ١٧٧ كِتَابُ الْحَجْ لوجود الإلمام بمكة، كما فرغ من عمرته، وصار كالمكي إذا خرج إلى أقرب الآفاق وأحرم بالعمرة، ثم عاد إلى مكة (١) وأتى بالعمرة، ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك - لم يكن متمتعاً؛ كذا هذا. بخلاف ما إذا رجع إلى وطنه، لأنه إذا رجع إلى وطنه فقد قطع حكم السفر الأول بابتداء سفر آخر، فانقطع حكم كونه بمكة، فبعد ذلك إذا أتى مكة وقضى العمرة وحج فقد حصل له/ ١٢٤٧ النسكان في سفر واحد، فصار متمتعاً. هذا إذا [أحرم بالعمرة] (٢) في أشهر الحج، ثم أفسدها وأتمها على الفساد، فأما إذا أحرم بها قبل أشهر الحج، ثم أفسدها وأتمها على الفساد؛ فإن لم يخرج من الميقات حتى دخل أشهر الحج، وقضى عمرته في أشهر الحج، ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك - فإنه لا يكون متمتعاً بالإجماع، وحكمه كمكي تمتع؛ لأنه صار كواحد من أهل مكة لما ذكرنا؛ ويكون مُسِيْئاً، وعليه لإساءته دم. وإن عاد إلى أهله، ثم عاد إلى مكة محرماً بإحرام العمرة، وقضى عمرته في أشهر الحج، ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك - يكون متمتعاً بالإجماع لما مر. وإن عاد إلى غير أهله ولحق بموضع لأهله التمتع والقران، ثم عاد إلى مكة محرماً بإحرام العمرة، وقضى عمرته في أشهر الحج، ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك - فهذا على وجهين في قول أبي حنيفة: في وجه: يكون متمتعاً؛ وهو ما إذا رأى هلال شوال خارج الميقات، ثم عاد إلى مكة محرماً بإحرام العمرة، وقضى عمرته في أشهر الحاج، ثم أحرم بالحج وحج من عامه ذلك [في هذه الصورة يكون متمتعاً](٣) وفي وجه: لا يكون متمتعاً؛ وهو ما إذا رأى هلال شوال داخل الميقات. وعند أبي يوسف، ومحمد: يكون متمتعاً في الوجهين جميعاً. لهما: أن لحوقه بذلك الموضع بمنزلة لحوقه بأهله، ولو لحق بأهله يكون متمتعاً؛ فكذا هذا . ولأبي حنيفة: أن في الوجه الأول: أدركته أشهر الحج، وهو من أهل التمتع؛ لأنها أدركته خارج الميقات، وفي الوجه الثاني: أدركته وهو ليس من أهل التمتع؛ لكونه ممنوعاً شرعاً عن التمتع، ولا يزول المنع حتى يلحق بأهله. ولو اعتمر في أشهر الحج، ثم عاد إلى أهله قبل أن يحل من عمرته، وألم بأهله وهو محرم، ثم عاد إلى مكة بذلك الإحرام وأتم عمرته، ثم حج من عامه ذلك - فهذا على ثلاثة أوجه: (١) في أ: إلى أهله. (٣) سقط في ط. (٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: اعتمر. بدائع الصنائع ج٣ - م١٢ ١٧٨ كِتَابُ الْحَجْ فإن كان طَافَ لعمرته شَوْطاً أَوْ شَوْطَيْنِ أو ثلاثة أشواط، ثم عاد إلى أهله وهو محرم، ثم رجع إلى مكة بذلك الإحرام، وأتم عمرته وحج من عامه ذلك - فإنه يكون متمتعاً بالإجماع. وإن اعتمر وحل من عمرته، ثم عاد إلى أهله حلالا، ثم عاد إلى مكة وحج من عامه ذلك - لا يكون متمتعاً بالإجماع؛ لأن إلمامه بأهله صحيح؛ وإنه يمنع التمتع. وإن رجع إلى أهله بعدما طاف أكثر طواف عمرته أو كله، ولم يحل بعد ذلك، وألم بأهله محرماً ثم عاد وأتم بقية عمرته وحج من عامه ذلك - فإنه يكون متمتعاً في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. وفي قول محمد: لا يكون متمتعاً. وجه قوله: إنه أدى العمرة بسفرين(١)، وأكثرها حصل في السفر الأول؛ وهذا يمنع التمتع. ولهما: أن إلمامه بأهله لم يصح؛ بدليل أنه يباح له العود إلى مكة بذلك الإحرام من غير أن يحتاج إلى إحرام جديد؛ فصار كأنه أقام بمكة؛ وكذا (٢) لو اعتمر في أشهر الحج ومن نيته التمتع، وساق الهدي لأجل تمتعه، فلما فرغ منها عاد إلى أهله محرماً، ثم عاد وحَجَّ من عامه ذلك - فإنه يكون متمتعاً في قولهما؛ لأن إلمامه بأهله لم يصح؛ فصار كأنه أقام بمكة، وعند محمد: لا يكون متمتعاً، ولو خرج المكي إلى الكوفة فأحرم بها للعمرة ثم دخل مكة [فأحرم بها للحج](٣) لم يكن متمتعاً؛ لأنه حصل له الإلمام بأهله بين الحجة والعمرة فمنع التمتع، كالكوفي إذا رجع إلى أهله، وسواء ساق الهدي أو لم يسق - يعني: إذا أحرم بالعمرة بعدما خرج إلى الكوفة، وساق الهدي لم يكن متمتعاً - وسوقه الهدي لا يمنع صحة إلمامه؛ بخلاف الكوفي؛ لأن الكوفي إنما يمنع سوق الهدي صحة إلمامه؛ لأن العود مستحق عليه، فأما المكي فلا يستحق عليه العود، فصح إلمامه مع السوق كما يصح مع عدمه. ولو خرج المكي إلى الكوفة فقرن صح قرانه؛ لأن القران يحصل بنفس الإحرام، فلا يعتبر فيه الإلمام، فصار بعوده إلى مكة كالكوفي إذا قرن ثم عاد إلى الكوفة، وذكر ابن سماعة عن محمد: أن قران المكي بعد خروجه إلى الكوفة؛ إنما يصح إذا كان خروجه من مكة قبل أشهر الحج، فأما إذا دخلت عليه [أشهر الحج] (٤) وهو بمكة، ثم خرج إلى الكوفة فقرن ــ لم يصح قرانه؛ لأنه حين دخول الأشهر عليه كان على صفة لا يصح له التمتع ولا القران في هذه السنة؛ لأنه في أهله، فلا يتغير ذلك بالخروج إلى الكوفة. (١) في أ: بسفرها. (٢) في أ: وكذلك. (٣) سقط في أ. (٤) بدل ما بين المعكوفين في أ: الأشهر. ١٧٩ كِتَابُ الْحَجْ وفي (نوادر ابن سماعة)) عن محمد - رحمه الله - فيمن أحرم بعمرة في رمضان، وأقام على إحرامه إلى شَوَّال من قابل، ثم طاف لعمرته في العام/ القابل من شَوَّال، ثم حج في ذلك ٢٤٧ب العام - أنه متمتع؛ لأنه باق على إحرامه، وقد أتى بأفعال العمرة والحج في أشهر الحج؛ فصار كأنه ابتدأ الإحرام بالعمرة في أشهر الحج وحج من عامه ذلك، ولو فعل ذلك كان متمتعاً؛ كذا هذا . وبمثله من وجب عليه أن يتحلل من الحج بعمرة، فأخر إلى العام القابل، فتحلل بعمرة في شوال، وحج من عامه ذلك - لا يكون متمتعاً؛ لأنه ما أتى بأفعال العمرة لها، بل للتحلل عن إحرام الحج، فلم تقع هذه الأفعال معتدّاً بها عن العمرة، فلم يكن متمتعاً؛ بخلاف الفصل الأول. فصل فيما يجب على المتمتع والقارن وأما بيان ما يجب على المتمتع والقارن بسبب التمتع والقران: أما المتمتع: فيجب عليه الهدي بالإجماع، والكلام في الهدي في مواضع: في تفسير الهدي، وفي بيان وجوبه، وفي بيان شرط الوجوب، وفي بيان صفة الواجب، وفي بيان مكان إقامته، وفي بيان زمان الإقامة. أما الأول: فالهدي المذكور في آية التمتع اختلف فيه الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - روي عن علي، وابن عباس، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا: هو شاة. وعن ابن عمر، وعائشة - رضي الله تعالى عنهم - أنه بدنة أو بقرة. والحاصل: أن اسم الهدي يقع على الإبل والبقر والغنم، لكن الشاة - لههنا - مرادة من الآية الكريمة بإجماع الفقهاء، حتى أجمعوا على جوازها عن المتعة، والدليل عليه - أيضاً -: ما روي عن رسول الله وَالر - أنه سئل عن الهدي، فقال وَلّ: ((أَدْنَاهُ شَاةً))(١)، إلا أن البدنة أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من الشاة؛ لقول النبي وّ في تفسير الهدي: ((أَدْنَاهُ شَاةٌ)) ففيه إشارة إلى أن أعلاه البدنة والبقرة. وروي عنه ◌َّلية أنه قال: ((المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي شاة (٢) وكذا النبي وَلّ ساق البدن؛ ومعلوم أنه كان يختار من الأعمال أفضلها، ولأن (١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٦٠/٣): كتاب الحج: باب الهدي، وقال: غريب ولم أجده إلا من قول عطاء، ورواه البيهقي في ((المعرفة)) من طريق الشافعي فذكره. ا.هـ. كلام الزيلعي في ((النصب)). (٢) أخرجه مالك (١٠١/١) كتاب الجمعة: باب العمل في غسل يوم الجمعة، الحديث (١)، والبخاري (٢/ ٣٦٦): كتاب الجمعة: باب فضل الجمعة، الحديث (٨٨١)، ومسلم (٥٨٢/٢): كتاب الجمعة: باب الطيب والسواك يوم الجمعة، الحديث (٨٥٠/١٠)، وأبو داود (٢٤٩/١): كتاب الطهارة: باب الغسل يوم الجمعة، الحديث (٣٥١)، والترمذي (٥/٢): كتاب الجمعة: باب التبكير إلى الجمعة، الحديث = ١٨٠ كِتَابُ الْحَجْ البدنة أكثر لحماً وقيمةً من البقرة، والبقرة أكثر لحماً وقيمة من الشاة؛ فكان أنفع للفقراء، فكان أفضل. وأما وجوبه: فإنه واجب بالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [البقرة: ١٩٦]. أي: فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، كما في قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه فقدية﴾ [البقرة: ١٩٦]. الآية. أي: فحلق فعليه فدية، وقوله عز وجل: ﴿فمن كان منك مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] ومعناه: فأفطر فليصم في عدة من أيام أخر. وأما شرط وجوبه: فالقدرة عليه؛ لأن الله تعالى - أوجب ما استيسر من الهدي ولا وجوب إلا على القادر، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقوله عز وجل: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]. معناه: فمن لم يجد الهدي فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. ولا يجوز له أن يصوم ثلاثة أيام في أشهر الحج، قبل أن يحرم بالعمرة بلا خلاف. وهل يجوز له بعدما أحرم بالعمرة في أشهر الحج، قبل أن يحرم بالحج؟ قال أصحابنا: يجوز، سواء طاف لعمرته أو لم يطف بعد أن أحرم بالعمرة. وقال الشافعي: لا يجوز حتى يحرم بالحج؛ كذا ذكر الفقيه أبو الليث الخلاف. وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي - رحمه الله - أَلاَ يجوز ما لم يشرع في الحج؛ وهو قول زفر؛ لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] وإنما يكون في الحج بعد الشروع فيه وذلك بالإحرام، ولأن على أصل الشافعي دم المتعة دم كفارة وجب جبراً للنقص، وما لم يحرم بالحج لا يظهر النقص. ولنا: أن الإحرام بالعمرة سبب لوجود الإحرام بالحجة؛ فكان الصوم تعجيلاً بعد وجود السبب فجاز، وقبل وجود العمرة لم يوجد السبب فلم يجز، ولأن السنة في المتمتع: أن يحرم بالحج عشية التروية؛ كذا روي أن رسول الله وَالر أمر أصحابه بذلك، وإذا كانت السنة في حقه (٤٩٧)، النسائي (٩٩/٣): كتاب الجمعة: باب وقت الجمعة، وابن ماجه (٣٤٧/١): كتاب إقامة = الصلاة: باب التهجير إلى الجمعة، الحديث (١٠٩٢)؛ من حديث أبي هريرة أن رسول الله - وَل﴿ - قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنه قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)). والحديث أخرجه أيضاً ابن الجارود (٢٨٦) وأحمد (٢٣٩/٢، ٢٨٠،٢٥٩) وابن خزيمة (٣/ ١٣٣-١٣٤) والطيالسي (٢٣٨٤).