النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كِتَابُ الْحَجُ
الكتاب الكريم، والسنن المشهورة تقتضي الجواز؛ لأنها تقتضي كون الوقت وقتاً لها، وأنها
مطلقة عن المكان.
وحديث أسامة - رضي الله تعالى عنه - يقتضي عدم الجواز، وأنه من أخبار الآحاد، ولا
يجوز العمل بخبر الواحد على وجه يتضمن بطلان العمل بالكتاب والسنن المشهورة، فيجمع
بينهما، فيعمل بخبر الواحد فيما قبل طلوع الفجر، ويؤمر بالإعادة، ويعمل بالكتاب العزيز
والسنن المشهورة فيما بعد طلوعه؛ فلا نأمره بالإعادة؛ عملاً بالدلائل بقدر الإمكان.
هذا إذا كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر، فأما إذا خشي أن يطلع الفجر قبل
أن يصل إلى مزدلفة لأجل ضيق الوقت؛ بأن كان في آخر الليل، بحيث يطلع الفجر قبل أن
يأتي مزدلفة - فإنه يجوز بلا خلاف. هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن بطلوع الفجر
يفوت وقت الجمع، فكان في تقديم الصلاة صيانتها عن الفوات، فإن كان لا يخشى الفوات
لأجل ضيق الوقت، ولكنه ضَلَّ عن الطريق - لا يصلي؛ بل يؤخر إلى أن يخاف طلوع الفجر
[لو لم] (١) يصل، فعند ذلك يصلي لما ذكرنا والله الموفق.
ويبيت ليلة المزدلفة بمزدلفة؛ لأن رسول الله وَ ل﴿ بَاتَ بِهَا، فَإِنْ مَرَّ بِهَا مَارّاً بعد طلوع
الفجر، من غير أن يبيت بها - فلا شيء عليه ويكون مسيئاً، وإنما لا يلزمه شيء؛ لأنه أتىَ
بالركن، وهو كينونته بمزدلفة بعد طلوع الفجر، لكنه يكون مسيئاً لتركه السنة وهي البيتوتة بها،
فإذا طلع الفجر صلى الإمام بهم صلاة الفجر بغلس؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي
الله تعالى عنه - أنه قال: ((مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَّى صَلاَةً لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا، إِلَّ صَلاَةَ الْعَصْرِ
بِعَرَفَةَ وَصَلاَةَ الْمَغْرِبِ بِجَمْع وَصَلاَةُ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ؛ فَإِنَّهُ صَلاَّهَا قَبْلَ وَقْتِهَا بِغَلَسٍ))(٢) أي: صلاها
قبل وقتها المستحب بغلسّ؛ ولأن الفائت بالتغليس فضيلة الإسفار، وإنها ممكن الاستدراك في
كل يوم، فأما فضيلة الوقوف فلا تستدرك في غير ذلك اليوم، فإذا صلى الإمام بهم وقف
بالناس ووقفوا وراءه أو معه، والأفضل أن يكون موقفهم على الجبل الذي يقال له: ((قزح))،
(١) في أ: ولم.
(٢) أخرجه أحمد (٣٨٤/١-٤٢٦-٤٣٤)، والبخاري (٣٤٦/٤) كتاب ((الحج)) باب ((من يصلي الفجر بجمع))
حديث (١٦٨٢)، ومسلم (٣٤٩/٤) كتاب ((الحج)) باب ((استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر
بالمزدلفة، والمبالغة فيه بعد تحقق طلوع الفجر)) حديث (١٢٨٩/٢٩٢)، وأبو داود (١٩٣/٢) كتاب
((المناسك)) باب ((الصلاة بجمع)) حديث (١٩٣٤)، والنسائي (٢٩٠/٥) كتاب ((المناسك)) باب ((الوقت
الذي يصلي فيه الصبح بالمزدلفة)) حديث (٣٠٣٨)، والنسائي (٣١٧/١، ٣١٨) كتاب ((المواقيت)) باب
((الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة)) حديث (٦٠٧)، والحميدي (٦٣/١) حديث (١١٤)، وابن خزيمة
(٢٦٩/٤) كتاب ((الحج)) باب ((التغليس بصلاة الفجر يوم النحر بالمزدلفة)) حديث (٢٨٥٤).

١٤٢
كِتَابُ الْحَجُ
وهو تأويل ابن عباس للمشعر الحرام؛ أنه الجبل وما حوله. وعند عامة أهل التأويل: المشعر
الحرام هو: ((مزدلفة))، فيقفون(١) إلى أن يسفر جدّاً يدعون الله تعالى ويكبرون(٢) ويهللون
ويحمدون الله تعالى ويثنون عليه، ويصلون على النبي ◌ّر ويسألون حوائجهم، ثم يدفع منها
إلى منى قبل طلوع الشمس؛ لما روي عن النبي وَّر أنه قال: ((إِنَّ الْجَاهِلِيَةَ كَانَتْ تَثْفِرُ مِنْ هَذَا
الْمُقَامِ، وَالشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ؛ فَخَالِفُوهُمْ))(٣) فأفاض قبل طلوع الشمس، وقد كانت
الجاهلية تقول بمزدلفة: أشرق ثبير كيما نغير، وهو جبل عال تطلع عليه الشمس قبل كل
موضع، فخالفهم رسول الله وَّرَ فَدَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وإن دفع بعد طلوع الشمس، قبل أن يصلي الناس الفجر - فقد أساء، ولا شيء عليه. أما
الإساءة؛ فلأن السنة أن يصلي الفجر ويقف، ثم يفيض، فإذا لم يفعل فقد ترك السنة؛ فيكون
مسيئاً، وأما عدم لزوم شيء؛ فلأنه وجد منه الركن، وهو الوقوف ولو ساعة، وإذا أفاض من
جمع دفع على هينته؛ لأن النبي وَ# كذا فعل، ويأخذ حصا الجمار من مزدلفة، أو من
الطريق؛ لما روي أن النبي ◌َِّ ((أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما - أنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِنْ
مُزْدَلِفَةَ))(٤) وعليه فعل المسلمين وهو أحد نوعي الإجماع، وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة -
أجزأه وقد أساء. وقال مالك: لا تجزئه(٥): لأنها حصى مستعملة .
ولنا قوله وَلّ: ((ازم وَلاَ حَرَجَ))(٦) مطلقاً، وتعليل مالك لا يستقيم على أصله؛ لأن الماء
المستعمل عنده طاهر وطهور، حتى يجوز الوضوء به، فالحجارة المستعملة أولى، وإنما كره
ذلك عندنا؛ لما روي أنه سئل ابن عباس فقيل له: ((إِنَّ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام - إِلَى
(١) في أ: ويقفون.
(٢) في أ: فيكبرون.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٥/١)، والنسائي (٢٩٦/٥) كتاب ((الحج)) باب ((التقاط الحصى)) حديث (٣٠٥٧)،
وابن ماجه (١٠٠٨/٢) كتاب ((المناسك)): باب ((قدر حصى الرمي)) حديث (٣٠٢٩)، وابن خزيمة (٤/
٢٧٤) كتاب ((الحج)): باب ((التقاط الحصى لرمي الجمار من المزدلفة)) حديث (٢٨٦٧)، وابن حبان (٩/
١٨٣) كتاب ((الحج)): باب ((رمي جمرة العقبة)) حديث (٣٨٧١)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢/
١٥٦، ١٥٧) (١٢٧٤٧ - ١٢٧٤٨)، والحاكم (٤٦٦/١)، والبيهقي (١٢٧/٥) كتاب ((الحج)): باب ((أخذ
الحصى لرمي جمرة العقبة وكيفية ذلك)) بلفظ أن ابن عباس قال: ((قال لي رسول الله - رَلو - غداة العقبة
وهو على راحلته: هات السقط لي، فلقطت له حصيات من حصى الحذف، فلما وضعتهن في يده، قال
بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)).
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٤) تقدم.
(٥) في أ: لا يجزئه.
(٦) تقدم تخريجه.

١٤٣
كِتَابُ الْحَجْ
يَوْمِنَا هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلاَمِ يَزْمِي النَّاسُ)) وليسَ هُهنا إلا هَذَا القدر، فقال: كُلُّ حصاةٍ
تقبل؛ فإنها ترفع، وما لا يقبل؛ فإنه يبقى(١)، ومثل هذا لا يعرف إلا سماعاً من رسول الله وَل
فيكره أن يرمي بحصاة لم تقبل، فيأتي منى فيرمي جمرة العقبة سبع حصيات؛ لما روي أن
رسول الله وَّ ((لَمَّا أَتَى مِنَّى لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ)).
ويقطع التلبية مع أول حَصَاة يرمي بها جمرة العقبة؛ لما روى أسامة بن زيد، والفضل/ ٢٢٣٩
ابن عباس؛ أن النبي ◌َِّ ((قَطَعَ التَّلْبِيَّةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ رَمَى بِهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ))، وَكَانَ أُسَامَةُ
رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ وََّ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَالْفَضْلُ كَانَ رَدِيفَهُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنى)»(٢).
وروي أَنَّ ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - سئل عن ذلك، فقال: أخبرني أخي
الفضل؛ أن النبي ◌ََّ «قَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ رَمَى بِهَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ
الله وَليتر)(٣) وسواء كان في الحج الصحيح، أو في الحج الفاسد؛ أنه يقطع التلبية مع أول
حصاة يرمي بها جمرة العقبة؛ لأن أعمالها لا تختلف، فلا يختلف وقت قطع التلبية، وسواء
كان مفرداً بالحج، أو قارناً، أو متمتعاً؛ لأن القارن والمتمتع كل واحد منهما محرم بالحج؛
فکان کالمفرد به.
ولا يقطع القارن (٤) التَّلبية إذا أخذ؛ في طواف العمرة؛ لأنه محرم بإحرام الحَجِّ(٥)، وإنما
يقطع عندما يقطع المفرد بالحجة؛ لأنه بعد إتيانه بالعمرة كالمفرد بالحج(٦) فأما المحرم بالعمرة
المفردة؛ فإنه يقطع التلبية إذا استلم [الحجر](٧) وأخذ في طواف العمرة، والفرق بين المحرم
بالحج وبين المحرم بالعمرة المفردة - ذكرناه فيما تقدم وقال مالك في المفرد بالعمرة: يقطع
التلبية إذا رأى البيت. وهذا غير سديد؛ لأن قطع التلبية يتعلق بفعل هو نسك؛ كالرمي في حق
المحرم بالحج، ورؤية البيت ليس بنسك؛ فلا يقطع عندنا .
(١) أخرجه الحاكم (٤٧٦/١)، والدارقطني (٣٠٠/٢) كتاب ((الحج)) باب («المواقيت)) حديث (٢٨٨) من
حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: قلنا يا رسول الله: هذه الجمار التي رمى بها كل
عام، فنحسب أنها تنقص. وقال: ((إنه ما يقبل منها رفع، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال)).
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، يزيد بن سنان ليس بالمتروك، وتعقبه، بأن يزيد ضعفوه.
(٢) تقدم.
(٣) ينظر: السابق.
(٤) في أ: المقارن.
(٥) في أ: الحجة.
(٦) في أ: بالحجة.
(٧) سقط في أ.

١٤٤
كِتَابُ الْحَجْ
فأما استلام الحجر فنسك كالرمي، فيقطع عنده لا عند الرؤية. قال محمد - رحمه الله -
إن فائت الحج إذا تحلل بالعمرة يقطع التلبية حين يأخذ في الطواف [لأن فائت الحج يتحلل
بأفعال العمرة، وكان بمنزلة المحرم بالعمرة، فإنه يقطع التلبية حين يأخذ في الطواف](١) وكذا
هذا (٢).، والقارن إذا فاته الحج يقطع التلبية في الطواف، الثاني الذي يتحلل به من حجته؛ لأن
العمرة ما فاتته؛ إذ ليس لها وقت معين، فيأتي بها فيطوف ويسعى؛ كما كان يفعل لو لم يفته
الحج، وإنما فاته الحج، فيفعل ما يفعله فائت الحج، وهو أن يتحلل بأفعال العمرة، وهي
الطواف والسعي كالمقيم، فيقطع التلبية إذا أخذ في طواف الحج.
والمحصر يقطع التلبية إذا ذبح عنه هديه؛ لأنه إذا ذبح [هديه](٣) فقد تحلل، ولا تلبية
بعد التحلل، فإن حلق الحاج قبل أن يرمي جمرة العقبة - يقطع التلبية؛ لأنه بالحلق تحلل من
الإحرام، لما روينا عن النبي وَ لِ؛ أنه قَالَ لِمَنْ حَلَقَ قَبْلَ الرَّمْي: ((ارْم وَلاَ حَرَجَ)) فثبت أن
التحلل من الإحرام يحصل بالحلق قبل الرمي، ولا تلبية بعد التحلل، فَإن زار البيت قبل أن
يرمي ويحلق ويذبح - قطع التلبية في قول أبي حنيفة.
وروي عن أبي يوسف: إنه يلبي ما لم يحلق، أو تزول الشمس من يوم النحر وعن
محمد ثلاث روايات: في رواية مثل قول أبي حنيفة، وروى هشام عنه، وروى ابن سماعة
عنه؛ أن من لم يرم قطع التلبية إذا غربت الشمس من يوم النحر، وروى هشام عنه رواية
أُخرى؛ أنه يقطع التلبية إذا مضت أيام النحر؛ فظاهر روايته مع أبي حنيفة.
وجه قول أبي يوسف: إنه وإن طاف فإحرامه قائم، لم يتحلل بهذا الطواف إذا لم
يحلق، بدليل أنه لا يباح له الطيب واللبس، فالتحق الطواف بالعدم، وصار كأنه لم يطف فلا
يقطع التلبية إلا إذا زالت الشمس؛ لأن من أصله أن هذا الرمي مؤقت بالزوال، فإذا زالت
الشمس يفوت وقته، ويفعل بعده قضاء، فصار فواته عن وقته بمنزلة فعله في وقته، [وعند فعله
في وقته](٤) يقطع التلبية؛ كذا عند فواته عن وقته، بخلاف ما إذا حلق قبل الرمي؛ لأنه تحلل
بالحلق، وخرج عن إحرامه حتى يباح له الطيب واللبس؛ لذلك افترقا.
ولهما: أن الطواف وإن كان قبل الرمي والحلق والذبح - فقد وقع التحلل به في حق
النساء؛ بدليل أنه لو جامع بعده لا يلزمه بدنة، فكان التحلل بالطواف كالتحلل بالحلق، فيقطع
التلبية به؛ كما يقطع بالحلق، وقد خرج الجواب عن قوله: إن إحرامه قائم بعد الطواف؛ لأنا
(١) سقط في ط.
(٢) في أ: هو.
(٣) سقط في أ.
(٤) سقط في أ.

١٤٥
كِتَابُ الْحَجْ
نقول: نعم، لكن في حق الطيب واللبس، لا في حق النساء؛ فلم يكن قائماً مطلقاً، والتلبية لم
تشرع إلا في الإحرام المطلق.
ولو ذبح قبل الرمي يقطع التلبية في قول أبي حنيفة، إذا كان قارناً أو متمتعاً، وهو إحدى
الروايتين عن محمد، وإن كان مفرداً بالحج لا يقطع؛ لأن الذبح من القارن والمتمتع محلل
كالحلق، ولا تلبية بعد التحلل، فأما المفرد فتحلله لا يقف على ذبحه؛ ألا ترى أنه ليس
بواجب عليه، فلا يقطع عنده التلبية، وروى ابن سماعة عن محمد؛ أنه لا يقطع التلبية،
والتحلل لا يقع بالذبح على هذه الرواية عنده/ وإنما يقع بالرمي أو بالحلق.
٢٣٩ب
ويرمي سبع حصيات مثل حصى الخزف (١)؛ لما روي عن النبي ◌َّ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ
عَبَّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما - ((اثْتِنِي بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ مِثْلِ حَصَى الْخَزَفِ)) (٢) فَآتَاهُ بِهِنَّ فَجَعَلَّ
يُقَلْبُهْنَّ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: ((مِثْلُهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ. لاَّ تَغْلُّوا، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ))(٣)
وقد قالوا: لا يزيد على ذلك؛ لما روي عن معاذ - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: ((خَطَبَنَا
رَسُولُ اللهِ وَّهَ بِمِنَى وَعَلَّمَنَا الْمَنَاسِكَ وَقَالَ: ((ارْمُوا سَبْعَ حَصَيَاتٍ مَثْلِ حَصَى الْخَزَفِ))(٤)
وَوَضَعَ إِحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى الأَخْرَىْ كَأَنَّهُ يَخْذِفُ(٥)، ولأنه لو كان أكبر من ذلك، فلا يؤمن إن
يصيب غيره لازدحام الناس فيتأذى به.
ويرمي من بطن الوادي، ويكبر مع كل حصاة يرميها(٦) لما روي عن عبد الله بن مسعود
- رضي الله تعالى عنه - أنه رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي يُكبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ
يَزْمِيهَا، فَقِيلَ لَّهُ: إِنَّ نَاساً يَرْمُونَ مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ عَبْدُ الله - رضي الله تعالى عنه - هَذَا وَالَّذِي لا
إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أَنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وكذا روي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -
((أنه كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ(٧) حَصَيَاتٍ يُتْبَعُ كُلَّ حَصَاةً بِتَكْبِيرَةٍ (٨) وَيَقُولُ: إِنَّ النبيَّ ◌َِل
كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ».
وعن ابنه سالم بن عبد الله؛ ((أنه اسْتَبْطَنَ الْوَادِي، فَرَمَى الْجَمْرَةَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ
مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْروراً، وَذَنْباً مَغْفُوراً، وَعَمَلاً
مَشْكُوراً)، وقال: حدثني أبي؛ أن النبي ◌ََّ «كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَيَقُولُ
كُلَّمَا رَمَىْ بِحَصَاةٍ(٩) مِثْلَ مَا قُلْتُ؛ وَإِنْ رَمَى مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ)) أجزأه لكن السنة ما ذكرنا،
وكذا لو جعل بدل التكبير تسبيحاً أو تهليلاً - جاز، ولا يكون مسيئاً، وقد قالوا إذا (١٠) رمى
(١) في ط: الخزف. والصواب ما أثبتناه.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) في ط: الخزف. والصواب ما أثبتناه.
(٥) تقدم.
(٦) في أ: منها.
(٧) في أ: سبع.
(٨) في أ: تكبيرة.
(٩) في أ: حصاة.
(١٠) في أ: لو.
بدائع الصنائع ج٣ - م١٠

١٤٦
كِتَابُ الْحَجْ
للعقبة (١) يجعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويقوم فيها حيث يرى موقع حصاة، لما
روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - ((أنه لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَىُ جَعَلَ
الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنِّى عَنْ يَمِينِهِ)).
وبأي شيء رمى أجزأه، حجراً كان أو طيناً، أو غيرهما مما هو من جنس الأرض، وهذا
عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالحجر.
وجه قوله: إن هذا أمر يعرف بالتوقيف، والتوقيف ورد بالحصى، والحصى هي الأحجار
الصغار.
ولنا: ما روينا عن النبي بَّ؛ أنه قال: ((ازْمِ وَلاَ حَرَجَ)) وروي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال:
(أَوَّلُ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا الرَّمْيُ، ثُمَّ الذَّبْحُ، ثُمَّ الْخَلْقُ))(٢)، وروي عنه وَّ؛ أنه قَالَ: ((مَنْ رَمَى
وَذَبَحَ وَحَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ))(٣) مطلقاً عن صفة الرمي، والرمي بالحصى من
النبي ◌َّر [وأصحابه، - رضي الله تعالى عنهم -] (٤) محمول على الأفضلية لا الجواز؛ توفيقاً
بين الدلائل؛ لما صح من مذهب أصحابنا: أن المطلق لا يحمل على المقيد، بل يجري
المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده ما أمكن، وههنا أمكن بأن(٥) يحمل المطلق على
أصل الجواز، والمقيد على الأفضلية.
ولا يقف عند(٦) هذه الجمرة للدعاء، بل ينصرف إلى رحله، والأصل: أن كل رمي
ليس بعده رمي في ذلك اليوم - لا يقف عنده، وكل رمي بعده رمي في ذلك اليوم يقف عنده؛
لأن النبي وَّ ((لَمْ يَقِفْ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَوَقَفَ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ))، ثُمَّ الرَّميُ مَاشِياً أَفْضَلُ أَوْ
رَاكِباً، فقد روي عن أبي يوسف أنه فصل في ذلك تفصيلاً، فإنه حكي أن ابراهيم بن الجراح
دخل على أبي يوسف، وهو مريض في المرض الذي مات فيه، فسأله أبو يوسف، فقال:
أيهما أفضل الرمي ماشياً أو راكباً؟ فقال: ماشياً، فقال: أخطأت، ثم قال: راكباً، فقال:
أخطأت، وقال: كل رمي بعده رمي فالماشي أفضل، وكل رمي لا رمي بعده فالراكب أفضل،
قال: فخرجت من عنده فسمعت النَّاعي بموته قبل أن أبلغ الباب.
ذكرنا هذه الحكايةَ؛ ليعلم أنه بلغ حرصه في التعليم، حتى لم يسكت عنه في رمقه،
فيقتدي به في التحريض على التعليم، وهذا لما ذكرنا أن كل رمي بعده رمي، فالسنة فيه هو
(١) في أ: الكبرى.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) سقط في أ.
(٥) في أ: بل.
(٦) في أ: في.

١٤٧
كِتَابُ الْحَجْ
الوقوف للدعاء، والماشي أمكن للوقوف(١) والدعاء، وكل رمي لا رمي بعده، فالسنة فيه هو
الانصراف لا الوقوف، والراكب أمكن من الانصراف.
فإن قيل: أليس أنه روي عن النبي ◌ِّهِ؛ أنه رَمَى رَاكِباً، وقال - ◌َّرَ: ((خُذُوا عَنِّي
مَنَاسِكَكُم، وَلا أَدْرِي لَعَلِّي لاَ أَحُجَّ بَعْدَ عَامِي هَذَ))(٢).
فالجواب أن ذلك محمول على رمي لا رمي بعده، أو على التعليم؛ ليراه الناس،
فيتعلموا منه مناسك الحج، فإن رمى إحدى الجمار بسبع حصيات [جميعا](٣) دفعة واحدة،
فهي عن واحدة، ويرمي ستة أخرى؛ لأن التوقيف ورد بتفريق الرميات فوجب اعتباره، وهذا
بخلاف الاستنجاء؛ أنه إذا استنجى بحجر واحد وأنقاه - كفاه، ولا يراعى فيه العدد عندنا؛ لأن
وجوب الاستنجاء/ ثبت معقولاً بمعنى التطهير، فإذا حصلت الطهارة بواحد اكتفى به، فأما ٢٤٠أ
الرمي فإنما وجب تعبداً محضاً، فيراعى فيه مورد التعبد، وأنه ورد بالتفريق فيقتصر عليه.
فإن رمى أكثر من سبع حصيات لم تضره الزيادة؛ لأنه أتى بالواجب وزيادة، والسنة أن
يرمي بعد طلوع الشمس - من يوم النحر قبل الزوال؛ لما روى جابر - رضي الله تعالى عنه - ((أن
النبي ◌ََّ [لَمْ يَرْم](٤) يَوْمَ النَّخْرِ ضُحَى وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ))(٥)، ولو رمى قبل طلوع
الشمس بعد انفجار الصبح - أجزأه خلافاً لسفيان، والمسألة ذكرناها فيما تقدم، ولا يرمي يومئذٍ
غيرها، لما روي أن النبي ◌ََّ ((لَمْ يَزْمِ يَوْمَ النَّخْرِ إِلاَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ).
فإذا فرغ من هذا الرَّمي لا يقف، وينصرف إلى رحله، فإن كان منفرداً(٦) بالحج يحلق أو
يقصر، والحلق أفضل لما ذكرنا فيما تقدم، ولا ذبح عليه، وإن كان قارناً أو متمتعاً يجب عليه
أن يذبح ويحلق، ويقدم الذبح على الحلق؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ
بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَتَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] رتب قضاء التفث
وهو الحلق على الذبح.
وروي عن النبي وَّر، أنه قال: ((أَوَّلُ نُسُكِنَا فِي [يَوْمِنَا هَذَا](٧) - الرَّمْيُ ثُمَّ الذَّبْحُ ثُمَّ
الْحَلْقُ)) (٨)، وروي عنه وََّ؛ أنه رَمَى ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ دَعَا بِالْحَلاَّقَ (٩)، فإن حلق قبل الذبح من غير
(١) في أ: من الوقوف.
(٢) تقدم.
(٣) سقط في أ.
(٤) في أ: رمى.
(٥) جزء من حديث جابر الطويل.
(٦) في أ: مفرداً.
(٧) بدل ما بين المعكوفين في أ: هذا اليوم.
(٨) تقدم.
(٩) تقدم.

١٤٨
كِتَابُ الْحَجْ
إحصار - فعليه لحلقه قبل الذبح دم في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد وجماعة من
أهل العلم: إنه لا شيء عليه .
وأجمعوا على أن المحصر إذا حلق قبل الذبح؛ أنه تجب عليه الفدية، احتج من خالفه
بما روي عن النبي ◌َِّ؛ ((أنه سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ)) فَقَالَ: ((اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ))(١) ولو
كان الترتيب واجباً - لكان في تركه حرج.
ولأبي حنيفة الاستدلال بالمحصر إذا حلق قبل الذبح لأذى في رأسه؛ أنه تلزمه(٢) الفدية
بالنص، فالذي يحلق رأسه بغير أذى به أولى؛ ولهذا قال أبو حنيفة بزيادة التغليظ في حق من
حلق رأسه قبل الذبح بغير أذى، حيث قال: لا يجزئه غير الدم، وصاحب الأذى مخير بين
الدم، والطعام، والصيام؛ كما خيره الله تعالى، وهذا هو المعقول؛ لأن الضرورة سبب
لتخفيف الحكم وتيسيره، فالمعقول أن يجب في حال الاختيار بذلك السبب زيادة غلظ لم
يكن(٣) في حال العذر، فأما أن يسقط من الأصل في غير حالة العذر، ويجب في حالة العذر -
فممتنع .
ولا حجة لهم في الحديث؛ لأن قوله: ((لاَ حَرَجَ)) المراد منه الإثم لا الكفارة، وليس من
ضرورة انتفاء الإثم انتفاء الكفارة؛ ألا ترى أن الكفارة تجب على من حلق رأسه لأذى به ولا
إثم عليه، وكذا يجب على الخاطىء.
فإذا حلق الحاج أو قصر حل له كل شيء حظر عليه الإحرام إلا النساء عند عامة
العلماء، لما ذكرنا فيما تقدم، ثم يزور البيت من يومه ذلك، أو من الغد، أو بعد الغد، ولا
يؤخرها عنها، وأفضلها أولها؛ لما روي أن النبي ◌َّ (طَافَ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ النَّخْرِ فَيَطُوفُ
أُسْبُوعاً؛ لأنَّ النبيِ وَ هَكَذَا طَافَ)) وعليه عملُ المسلمين، ولا يرمل في هذا الطواف؛ لأنه لا
سعي عقيبه؛ لأنه قد طاف طواف اللقاء، وسعى عقيبه، حتى لو لم يكن طاف طواف اللقاء ولا
سعى، فإنه يرمل في طواف الزيارة.
ويسعى بين الصفا والمروة عقيب طواف الزيارة، ولو أخره عن أيام النحر فعليه دم في
قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا شيء عليه، والمسألة قد مضت، فإذا طاف طواف
الزيارة كله أو أكثره - حل له النساء أيضاً؛ لأنه قد خرج من العبادة، وما بقي عليه شيء من
أركانها، والأصل أن في الحج إحلالين، الإحلال الأول بالحلق أو بالتقصير، ويحل به كل
(١) تقدم.
(٢) في أ: يلزمه.
(٣) في أ: تكن.

١٤٩
كِتَابُ الْحَجْ
شيء إلا النساء، والإحلال الثاني بطواف الزيارة [ويحل به النساء أيضاً](١) ثم يرجع إلى منى،
ولا يبيت بمكة ولا في الطريق هو السنة، لأن النبي وَ ر هكذا فعل، ويكره أن يبيت في غير
منى في أيام منى، فإن فعل لا شيء عليه ويكون مسيئاً؛ لأن البيتوتة بها ليست بواجبة بل هي
سنة، وعند الشافعي: يجب عليه الدم، لأنها واجبة عنده، واحتج بفعل النبي ◌َّر، وأفعاله
على الوجوب في الأصل(٢).
ولنا ما روي أن رسول الله وَ﴾ ((أَزخَصَ للعباس أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لِلسِّقَايَةِ» ولو كان ذلك
واجباً لم يكن العباس يترك الواجب لأجل السقاية، ولا كان النبي وَِّ يُرَخْصُ لَهُ فِي ذَلِكَ،
وفعل النبي ◌َّ محمول على السنة؛ توفيقاً بين الدليلين.
وإذا بات بمنى/ فإذا كان من الغد، وهو اليوم الأول من أيام التشريق والثاني من أيام ٢٤٠ب
الرمي؛ فإنه يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في ثلاث مواضع: أحدها: المسمى بالجمرة
الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف وهو مسجد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فيرمي
عندها سبع حصيات مثل حصى الخزف يكبر مع كل حصاة، فإذا فرغ منها يقف عندها فيكبر
ويهلل ويحمد الله تعالى ويثني عليه، ويصلي على النبي وَّر، ويسأل الله تعالى حوائجه.
ثم يأتي الجمرة الوسطى فيفعل بها مثل ما فعل بالأولى، ويرفع يديه عند الجمرتين
بسطاً، ثم يأتي جمرة العقبة فيفعل مثل ما فعل بالجمرتين الأولتين، إلا أنه لا يقف للدعاء بعد
هذه الجمرة، بل ينصرف إلى رحلة، لما روي أن رسول الله وَلَّ ((رَمَى الْجِمَارَ الثَّلاَثَ فِي أَيَّامِ
التَّشْرِيقِ، وابتدأ بالتي تلي مسجد الخيف ووقف عند الجمرتين، ولم يقف عند الثالثة)) وأما رفعَ
اليدين؛ فلقول النبي ◌ِّرَ: ((لاَ تُرْفَعُ الأَيْدِي إِلَّ فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ))، وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا: ((وَعِنْدَ
الْمَقَامَيْنِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ)»(٣).
فإذا كان اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث من أيام الرمي رمى (٤) الجمار
الثلاث بعد الزوال، ففعل مثل ما فعل أمس؛ فإذا رمى فإن أراد أن ينفر من منى، ويدخل مكة
- نفر قبل غروب الشمس، ولا شيء عليه لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾
[البقرة: ٢٠٣]، وإن أقام ولم ينفر حتى غربت الشمس - يكره له أن ينفر حتى [تطلع الشمس] (٥)
من اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو اليوم الرابع من أيام الرمي، ويرمي الجمار الثلاث، ولو
نفر قبل طلوع الفجر - لا شيء عليه وقد أساء.
(١) سقط في أ.
(٣) تقدم.
(٢) في أ: هو الأصل.
(٤) في أ: أتى.
(٥) بدل ما بين المعكوفين في أ: يطلع الفجر.

١٥٠
كِتَابُ الْحَجْ
أما الجواز؛ فلأنه نفر في وقت لم يجب فيه الرمي بعد؛ بدليل أنه لو رمى فيه عن اليوم
الرابع لم يجز، فجاز فيه النفر؛ كما لو رمى الجمار في الأيام كلها ثم نفر. وأما الإساءة، فلأنه
ترك السنة فإذا طلع الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق - رمى الجمار الثلاث ثم ينفر، فإن
نفر قبل الرمي فعليه دم، لأنه ترك الواجب، وإذا أراد أن ينفر في النفر الأول، أو في النفر
الثاني؛ فإنه يحمل ثقله معه، ويكره تقديمه؛ لما روي عن النبي وَ لَّ، أنه قال: ((الْمَرْءُ مِنْ
حَيْثُ رَخْلُهُ)) وروي: ((الْمَرْءُ مِنْ حَيْثُ أَهْلُهُ)). ولأنه لو فعل ذلك يشتغل قلبه بذلك، ولا يخلو
من ضرر. وقد روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ عَلَى ذَلِكَ.
وحكي عن ابراهيم النخعي؛ أَنَّ عمر - رضي الله تعالى عنه - إِنَّمَا كَانَ يَضْرِبُ عَلَى تَقْدِيمِ
الثقلِ مَخَافَةَ السَّرِقَةِ.
ثم يأتي الأبطح ويسمي المحصب، وهو موضع بين منى وبين مكة، فينزل به ساعة، فإنه
سنة عندنا؛ لما روي عن نافع عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهم - أن النبي وَ لَّ وأبًا
بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم - نَزَلُوا بِالأَبْطَحِ، ثم يدخل مكة، فيطوف طواف
الصدر توديعاً للبيت؛ ولهذا يسمى طواف الوداع، وأنه واجب على أهل الآفاق عندنا، لما
ذكرنا فيما تقدم، فيطوف سبعة أشواط لا رمل فيها؛ لأنه طواف لا سعي بعده، ويصلي ركعتين
ثم يرجع إلى أهله؛ لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان والواجبات؛ كذا ذكر في الأصل.
وذكر الطحاوي في ((مختصره)) عن أبي حنيفة: أنه إذا فرغ من طواف الصدر، يأتي المقام
فيصلي عنده ركعتين، ثم يأتي زمزم فيشرب من مائها، ويصب على وجهه ورأسه، ثم يأتي
الملتزم؛ وهو ما بين الحجر الأسود والباب، فيضع صدره وجبهته عليه، ويتشبث بأستار الكعبة
ويدعو ثم يرجع، وذكر في ((العيون)) كذلك، إلا أنه قال في آخره: ويستلم الحجر ويكبر ثم
يرجع. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: إن دخل البيت فحسن، وإن لم يدخل لم يضره (١)،
ويقول عند رجوعه: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده. والله الموفق والمعين.
فصل في شرائط أركانه
وأما شرائط أركانه: فمنها: الإسلام؛ فإنه كما هو شرط الوجوب فهو شرط جواز الأداء؛
لأن الحج عبادة، والكافر ليس من أهل أداء العبادة. ومنها: العقل؛ فلا يجوز أداء الحج من
المجنون، والصبي الذي لا يعقل، كما لا يجب عليهما. فأما البلوغ والحرية: فليسا من شرائط
(١) في أ: لا يضره.

١٥١
كِتَابُ الْحَجْ
الجواز، فيجوز حج الصبي العاقل بإذن وليه، والعبد الكبير بإذن مولاه، لكنه لا يقع عن حجة
الإسلام؛ لعدم الوجوب [ومنها: النية؛ لأن العبادة لا تصح بدون النية؛ لانعدام معناها بدونها،
وهو الإخلاص](١). ومنها: الإحرام عندنا. والكلام في الإحرام يقع في مواضع: في بيان أنه
شرط، وفي بيان ما يصير به محرماً، وفي بيان زمان الإحرام، وفي بيان مكانه، وفي بيان ما
يحرم/ به، وفي بيان حكم المحرم إذا منع عن المضي في موجب الإحرام، وفي بيان ما ١٢٤١
يحظره الإحرام وما لا يحظره، وفي بيان ما يجب بفعل المحظور منه.
أما الأول: فالإحرام شرط جواز أداء أفعال الحج عندنا. وعند الشافعي: ركن، وعنى
به: أنه جزء من أفعال الحج، وهو على الاختلاف في تحريمة الصلاة، ويتضمن الكلام في
هذا الفصل: بيان زمان الإحرام؛ أنه جميع السنة عندنا. وعنده: أشهر الحج؛ حتى يجوز
الإحرام قبل أشهر الحج عندنا، لكنه يكره. وعنده: لا يجوز رأساً، وينعقد إحرامه للعمرة لا
للحجة عنده. وعندنا: ينعقد للحجة.
ووجه البناء على هذا الأصل: أن الإحرام لما كان شرطاً لجواز أداء أفعال الحج عندنا
جاز وجوده قبل هجوم وقت أداء الأفعال، كما تجوز الطهارة قبل دخول وقت الصلاة. ولما
كان ركناً عنده لم يجز سابقاً على وقته؛ لأن أداء أفعال العبادة المؤقتة قبل وقتها - لا يجوز،
كالصلاة وغيرها؛ فنتكلم في الْمَسْأَلَةِ بناء وابتداءً، أما البناء: فوجه قول الشافعي: أن الذي
أحرم بالحج يؤمر بإتمامه؛ وكذا المحرم للصلاة يؤمر بإتمامها لا بالابتداء، فلو لم يكن الإحرام
من [أفعال الحج](٢) لأمر بالابتداء لا بالإتمام؛ فدل أنه ركن في نفسه، وشرط لجواز [أداء] (٣)
ما بقي من الأفعال.
ولنا: أن ركن الشيء ما يأخذ الاسم منه، ثم قد يكون بمعنى واحد، كالإمساك في باب
الصوم، وقد يكون معاني مختلفة، كالقيام والقراءة والركوع والسجود في باب الصلاة،
والإيجاب والقبول في باب البيع ونحو ذلك. وشرطه: ما يأخذ الاعتبار منه، كالطهارة
للصلاة(٤) والشهادة في النكاح وغير ذلك. والحج يأخذ الاسم من الوقوف بعرفة وطواف
الزيارة، لا من الإحرام، قال الله تعالى ﴿وَللهُ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً﴾ [آل
عمران: ٩٧] وحج البيت: هو زيارة البيت [على ما مر](٥)، وقال النبي ◌َّير: ((الحج عرفة)) أي:
الوقوف بعرفة، ولم يطلق اسم الحج على الإحرام؛ وإنما به اعتبار الركنين؛ فكان شرطاً لا
ركناً. ولهذا جعله الشافعي شرطاً لأداء ما بقي من الأفعال.
(١) سقط في ط.
(٣) سقط في أ.
(٥) سقط في ط.
(٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: من الأفعال.
(٤) في أ: في الصلاة.

١٥٢
كِتَابُ الْحَجْ
وأما قوله: إنه(١) يؤمر بالإتمام بعد الإحرام - ممنوع، بل لا يؤمر به ما لم يؤد بعد
الإحرام شَيْئاً من أفعال الحج. وأما الابتداء: فالشافعي احتج بقوله تعالى: ﴿الحج أشهر
معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: وقت الحج أشهر معلومات؛ إذ الحج نفسه لا يكون أشهراً؛ لأنه
فعل، والأشهر أزمنة، فقد عين الله أشهراً معلومة وقتاً للحج، والحج في عرف الشرع اسم
لجملة من الأفعال مع شرائطها، منها: الإحرام؛ فلا يجوز تقديمه على وقته.
ولنا: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]
ظاهر الآية يقتضي: أن تكون الأشهر كلّها وقتاً للحج؛ فيقتضي جواز الإحرام بأداء(٢) أفعال
الحج في الأوقات كلها، إلا أنا عرفنا تعيين هذه الأشهر لأداء الأفعال بدليل آخر؛ وهو قوله:
﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧] فيعمل بالنصين، فيحمل ما تلونا على الإحرام الذي هو
شرط، ويحمل ما تلوتم على نفس الأعمال(٣)؛ عملاً بالنص [بالقدر الممكن] (٤)، ولأن الحج
يختص بالمكان والزمان. ثم يجوز الإحرام من غير مكان الحج بالإجماع؛ فيجوز في غير زمان
الحج إلا أنه يكره؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: من سنة الحج
أَلاَ يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، ومخالفة السنة مكروهة.
ثم اختلفوا في: أن الكراهة لأجل الوقت أم لغيره؟ منهم من قال: الكراهة ليست لأجل
الوقت؛ بل لمخافة الوقوع في محظورات الإحرام، حتى إن من أمن ذلك لا يكره له. ومنهم
من قال: إن الكراهة لنفس الوقت؛ فإن ابن سماعة روى عن محمد أنه قال: أكره الإحرام قبل
الأشهر ويجوز [ما يجوز](٥) إحرامه وهو لابس أو جالس في خلوق أو طيب، وهذا الإطلاق
يدل على أن الكراهة لنفس الوقت، والله - عز وجل - أعلم.
فصل في بیان ما يصير به محرمًا
وأما بيان ما يصير به محرماً: فنقول ـ وبالله التوفيق -: لا خلاف في أنه: إذا نوى وقرن
النية بقول أو (٦) فعل هو من خصائص الإحرام أو دلائله - أنه يصير محرماً؛ بأن لبى ناوياً به
الحج إن أراد [به](٧) الإفراد بالحج، أو العمرة إن أراد (٨) الإفراد بالعمرة، أو العمرة والحج إن
أراد القران؛ لأن التلبية من خصائص الإحرام، وسواء تكلم بلسانه ما نوى بقلبه أو لا؛ لأن
النية عمل القلب لا عمل اللسان، لكن يستحب أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه، فيقول: اللهم
إني أريد كذا فيسره لي وتقبله مني؛ لما ذكرنا في بيان سنن الحج، وذكرنا التلبية المسنونة/ .
٢٤١ب
(١) في أ: إنما.
(٣) في أ: الأفعال.
(٥) سقط في ط.
(٧) سقط في أ.
(٢) في أ: وأداء.
(٤) سقط في أ.
(٦) في ط: وفعل.
(٨) في أ: أو أراد.

١٥٣
كِتَابُ الْحَجْ
ولو ذكر مكان التلبية التهليل أو التسبيح أو التحميد أو غير ذلك مما يقصد به تعظيم الله -
تعالى - مقروناً بالنية - يصير محرماً، وهذا على أصل أبي حنيفة، ومحمد في باب الصلاة؛ أنه
يصير شارعاً في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص الله - تعالى - يراد به تعظيمه لا غير، وهو
ظاهر الرواية عن أبي يوسف لههنا، وفرق بين الحج والصلاة، وروي عنه: أنه لا يصير محرماً
إِلا بلفظ التلبية، كما لا يصير شارعاً في الصلاة إلا بلفظ التكبير، فأبو حنيفة، ومحمد مرا على
أصلهما: أن الذكر الموضوع لافتتاح الصلاة لا يختص بلفظ دون لفظ؛ ففي باب الحج أولى.
ووجه الفرق لأبي يوسف على ظاهر الرواية عنه: أن باب الحج أوسع من باب الصلاة،
فإن أفعال الصلاة لا يقوم بعضها مقام بعض، وبعض الأفعال يقوم مقام البعض [في الحج](١)
كالهدي؛ فإنه يقوم مقام كثير من أفعال الحج في حق المحصر.
وسواء كان بالعربية أو غيرها وهو يحسن العربية أو لا يحسنها؛ وهذا على أصل أبي
حنيفة وأبي يوسف في الصلاة ظاهر، وهو ظاهر الرواية عن محمد في الحج، وروي عنه: أنه
لا يصير محرماً إلا إذا كان لا يحسن العربية، كما في باب الصلاة فهماً مرا على أصلهما،
ومحمد على ظاهر الرواية عنه فرق بين الصلاة والحج.
ووجه الفرق له على نحو ما ذكرنا لأبي يوسف في الْمَسْأَلَةِ الأولى. وتجوز النيابة في
التلبية عند العجز بنفسه [بأمره](٢) بلا خلاف، حتى لو توجه يريد حجة الإسلام، فأغمي عليه
فلبي عنه أصحابه؛ وقد كان أمرهم بذلك حتى لو عجز عنه بنفسه - يجوز بالإجماع، فإن لم
يأمرهم بذلك نصاً فأهلوا عنه جاز - أيضاً - في قول أبي حنيفة. وعند أبي يوسف، ومحمد: لا
يجوز؛ فلا خلاف في أنه تجوز النيابة في أفعال الحج عند عجزه عنها بنفسه من الطواف
والسعي والوقوف، حتى لو طيف به وسعى ووقف جاز بالإجماع.
وجه قولهما: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ولم يوجد منه
السعي في التلبية؛ لأن فعل غيره لا يكون فعله حقيقة، وإنما يجعل فعلاً له [تقديراً بأمره](٣)؛
ولم يوجد؛ بخلاف الطواف ونحوه؛ فإن الفعل هناك ليس بشرط، بل الشرط حصوله في ذلك
الموضع على ما ذكرنا؛ وقد حصل، والشرط لههنا هو التلبية، وقول غيره لا يصير قولاً له إلا
بأمره؛ ولم يوجد.
ولأبي حنيفة: أن الأمر لههنا موجود دلالة، وهي دلالة عقد المرافقة؛ لأن كل واحد من
(١) سقط في ط .
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في أ.

١٥٤
كِتَابُ الْحَجْ
رفقائه المتوجهين إلى الكعبة يكون آذناً للآخر بإِعانته فيما يعجز عنه من أمر الحج؛ فكان الأمر
موجوداً دلالة، وسعى الإنسان جاز أن يجعل(١) سعياً لغيره بأمره، فقلنا بموجب الآية بحمد الله
تعالی .
ولو قلد بدنة يريد به الإحرام بالحج أو بالعمرة أو بهما، وتوجه معها - يصير محرماً؛
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمنوا لا تحلوا شَعَائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد﴾
[المائدة: ٢]، ثم ذكر تعالى بعده: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، والحل يكون بعد
الإحرام، ولم يذكر الإحرام في الأول، وإنما ذكر التقليد بقوله عز وجل: ﴿ولا القلائد﴾ فدل
أن التقليد منهم مع التوجه كان إحراماً، إلا أنه زيد عليه النية بدليل آخر.
وعن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - منهم: علي، وابن مسعود، وابن
عمر، وجابر - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا: إذا قلد فقد أحرم؛ وكذا روي عن ابن عباس
- رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: إذا قلد وهو يريد الحج أو العمرة فقد أحرم، ولأن التقليد
مع التوجه من خصائص الإحرام، فالنية اقترنت بما هو من خصائص الإحرام فأشبه التلبية .
فإن قيل: أليس أنه روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: لا يحرم إلا من
أهلّ ولبى؛ فهذا يقتضي أنه لا يصير محرماً بالتقليد.
فالجواب: أن ذلك محمول على ما إذا قلد ولم يخرج معها، [توفيقاً بين الدلائل؛ وبه
نقول: إن بمجرد التقليد لا يصير محرماً على](٢) ما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها -
أنها قالت: ((كان رسول الله وَل يبعث بهديه ويقيم فلا يحرم عليه شيء. والتقليد: هو تعليق
القلادة على عنق البدنة، من عروة مزادة أو شراك نعل، من أدم أو غير ذلك من الجلود، وإن
قلد ولم يتوجه، ولم يبعث على يد غيره لم يصر محرماً، وإن بعث على يد غيره؛ فكذلك عند
عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم ..
وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أنه يصير محرماً بنفس التوجيه من غير توجه؛
والصحيح قول عامة العلماء؛ لما روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: إني كنت
لأفتل قلائد بدن رسول الله ◌َ ل# فيبعثها ويمكث عندنا حلالاً بالمدينة، لا يجتنب ما يجتنبه
المحرم، ولأن التوجيه/ من غير توجه ليس إلا أمر بالفعل؛ فلا يصير به محرماً، كما لو أمر
غيره بالتلبية .
١٢٤٢
(١) في أ: يحصل.
(٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: بدليل.

١٥٥
كِتَابُ الْحَجْ
ولو توجه بنفسه بعدما قلد وبعث: لا يصير محرماً ما لم يلحقها ويتوجه معها، فإذا
لحقها وتوجه معها عند ذلك يصير محرماً، إلا في هدي المتعة؛ فإن هناك يصير محرماً بنفس
التوجه قبل أن يلحقه، والقياس أَلاَّ يصير محرماً، ثم أيضاً ما لم يلحق ويتوجه معه؛ لأن السير
بنفسه بدون البدنة ليس من خصائص الإحرام؛ ولا (١) دليل أنه يريد الإحرام؛ فلا يصير به
محرماً، إلا أنا تركنا القياس واستحسنا في هدي المتعة؛ لما أن لهدي [المتعة](٢) فضل تأثير
في البقاء على الإِخرام ما ليس لغيره؛ بدليل أنه لو ساق الهدي لا يجوز له أن يتحلل، وإن لم
يسق جاز له التحلل، فإذا كان له فضل تأثير في البقاء على الإحرام جاز أن يكون له تأثير في
الابتداء، وقد قالوا: إنه يصير محرماً بنفس التوجه في أثر هدي المتعة - وإن لم يلحق الهدي -
إذا كان في أشهر الحج، فأما في غير أشهر الحج: فلا يصير محرماً حتى يلحق الهدي؛ لأن
أحكام التمتع لا تثبت قبل أشهر الحج؛ فلا يصير هذا الهدي للمتعة قبل أشهر الحج؛ فكان
هدي التطوع.
ولو جلل البدنة ونوى الحج (٣) - لا يصير محرماً، وإن توجه معها؛ لأن التجليل ليس من
خصائص الحج؛ لأنه إنما يفعل ذلك لدفع الحر والبرد عن البدنة، أو للتزيين. ولو قلد الشاة
[ينوي به الحج](٤) وتوجه معها - لا يصير محرماً، وإن نوى الإحرام؛ لأن تقليد الغنم ليس
بسنة عندنا؛ فلم يكن من دلائل الإحرام؛ فضلاً عن أن يكون من خصائصه، والدليل على أن
الغنم لا تقلد: قوله تعالى: ﴿ولا الهدي ولا القلائد﴾ [المائدة: ٢] عطف القلائد على الهدي،
والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، واسم الهدي يقع على الغنم والإبل والبقر جميعاً؛ فهذا
يدل على أن الهدي نوعان: ما يقلد وما لا يقلد، ثم الإبل والبقر يقلدان بالإجماع؛ فتعين أن
الغنم لا تقلد؛ ليكون عطف القلائد على الهدي عطف الشيء على غيره فيصح.
ولو أشعر بدنته وتوجه معها - لا يصير محرماً؛ لأن الإشعار مكروه عند أبي حنيفة؛ لأنه
مثلة، وإيلام الحيوان من غير ضرورة؛ لحصول المقصود بالتقليد؛ وهو الإعلام بكون المشعر
هدياً؛ لئلا يتعرض له لو ضل، والإتيان بفعل مكروه لا يصلح دليل الإحرام.
واختلف المشايخ على قول أبي يوسف، ومحمد، قال بعضهم: إن أشعر وتوجه معها
يصير محرماً عندهما؛ لأن الإشعار سنة عندهما كالتقليد، فيصلح أن يكون دليل الإحرام
كالتقليد. وقال بعضهم: لا يصير محرماً عندهما - أيضاً - لأن الإشعار ليس بسنة عندهما، بل
هو مباح؛ فلم يكن قربة؛ فلا يصلح دليل الإحرام.
(١) في أ: فلا.
(٣) في أ: الإحرام.
(٢) سقط في ط.
(٤) سقط في أ.

١٥٦
كِتَابُ الْحَجْ
وذكر في ((الجامع الصغير)): أن الإشعار عندهما حسن، ولم يسمه سنة؛ لأنه من حيث
إنه إكمال لما شرع له التقليد؛ وهو إعلام المقلد بأنه هدي؛ لما أن تمام الإعلام تحصل (١) به
سنة؛ ومن حيث إنه مثلة بدعة؛ فتردد بين السنة والبدعة فسماه حسناً.
وعند الشَّافعي: الإِشْعَارُ سنة، واحتج بما روي: أن رسول الله وَّر أشعر، والجواب:
أن ذلك كان في الابتداء حين كانت المثلة مشروعة، ثم لما نهى عن المثلة انتسخ بنسخ المثلة،
وذلك أَنَّ النبي ◌َّ فعل ذلك قطعاً لأيدي المشركين عن التعرُّض للهدايا لو ضلَّت؛ لأنهم
[كانوا ما](٢) يتعرضون للهدايا والتقليد لما كان يدل دلالة تامة أنها هدي؛ فكان يحتاج إلى
الإشعار ليعلموا أنها هدي، وقد زال هذا المعنى في زماننا فانتسخ بانتساخ المثلة .
ثم الإشعار: هو الطعن في أسفل السنام؛ وذلك من قبل اليسار عند أبي يوسف. وعند
الشافعي: من قبل اليمين. وكل ذلك مروي عن النبي ◌َّ فإنه كان يدخل بين بعيرين من قبل
الرؤوس وكان يضرب أولاً الذي عن يَسَارِهِ من قبل يسار سنامه، ثم يعطف على الآخر فيضربه
من قبل يمينه، اتفاقاً للأول لا قصداً؛ فصار الطعن على الجانب الأيسر أصلياً، والآخر اتفاقياً،
بل الاعتبار الأصلي أولى. والله - عز وجل - أعلم.
هذا الذي ذكرنا: في أن الإحرام لا يثبت [بمجرد النية](٣)، ما لم يقترن بها قول أو فعل
هو من خصائص الإحرام أو دلائله - ظاهر مذهب أصحابنا.
وروي عن أبي يوسف: أنه يصير محرماً بمجرد النية؛ وبه أخذ الشافعي، وهذا يناقض
قوله: إن الإحرام ركن؛ لأنّه جعل نية الإحرام إحراماً، والنية ليست بركن؛ بل هي شرط؛
لأنها عزم على الفعل، والعزم على فعل ليس ذلك الفعل بل هو عقد على أدائه، وهو أن تعقد
٢٤٢ ب قلبك عليه أنك فاعله لا محالة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ / الأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١] أي جد الأمر،
وفي الحديث: ((خَيْرُ الأُمُورِ عَوَازِمُهَا))(٤) أي: ما وكدت رأيك عليه، وقطعت التردد عنه؛
وكونه ركناً يشعر بكونه من أفعال الحج فكان تناقضاً.
ثم جعل الإحرام عبارة عن مجرد النية مخالف للغة؛ فإن الإحرام في اللغة هو الإهلال،
يقال: أحرم: أي: أهل بالحج، وهو موافق لمذهبنا، أي: الإهلال لا بد منه، إما بنفسه أو بما
(١) في أ: محصل.
(٢) في أ: ما كانوا.
(٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: بالنية.
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢٢٤/٢، ٢٢٥)، وعزاه للبيهقي في ((دلائل النبوة)) عن عقبة بن عامر من
حديث طويل قال: خرجنا مع رسول الله - وَلير - في غزوة تبوك ... فذكره.

١٥٧
كِتَابُ الْحَجِّ
يقوم مقامه على ما بينا، والدليل على أن الإهلال شرط: ما روي عن رَسُول الله وَّل أنه قال
لعائشة - رضي الله تعالى عنها - وقد رآها حزينة -: ((ما لك؟)) فقالت(١): أنا قضيت عمرتي
وألقاني الحج عاركاً. فقال النبي ◌َّ: ((ذاك شيء كتبه الله - تعالى - على بنات آدم، حجي
وقولي مثل ما يقول الناس في حجهم)) (٢) فدل قوله: ((قولي ما يقول الناس في حجهم)) على
لزوم التلبية؛ لأَنَّ الناس يقولونها، وفيه إشارة إلى أن إجماع المسلمين حجة يجب اتباعها؛
حيث أمرها باتباعهم بقوله: ((قولي ما يقول الناس(٣) في حجهم)).
وروينا عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: ((لا يحرم إِلاَّ من أهل ولبى)) ولم
يرو عن غيرها خلافة؛ فيكون (٤) إجماعاً، ولأن مجرد النيّة لا عبرة به في أحكام الشرع؛ عرفنا
ذلك بالنص والمعقول.
أما النص: ما روي عن النبي بَّ أنه قال: ((إن الله - تعالى - عَفَا عَنْ أمَّتِي مَا تَحَدَّثَتْ بِهِ
أنفُسَهُمْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَفْعَلُوا))(٥).
(١) من أ: قالت.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في مسنده (٢٤٥/٦) وبلفظ إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم.
أخرجه مالك (٤١١/١) كتاب الحج: باب دخول الحائض مكة (٢٢٤) والبخاري (٥٠٤/٣) كتاب
الحج: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت حديث (١٦٥٠) ومسلم (٢/ ٨٧٣) كتاب
الحج: باب بيان وجوه الإحرام حديث (١٢١١/١١٩) والنسائي (١ / ١٨٠) كتاب الحيض والاستحاضة:
باب بدء الحيض وهل يسمى الحيض نفاساً وابن ماجه (٩٨٨/٢) كتاب المناسك: باب الحائض تقضي
المناسك إلا الطواف حديث (٢٩٦٣) والدارمي (٤٤/٢) كتاب المناسك: باب ما تصنع الحاجة إذا كانت
حائضاً والشافعي في الأم (٥٩/١) وفي ((المسند)) (٣٨٩/١) كتاب الحج: باب مسائل متفرقة من كتاب
الحج (١٠٠٢) وابن الجارود (٤٦٦) وابن خزيمة (٣٠٢/٤) وأحمد (٢٧٣/٦) والطيالسي (٢٠٤/١ -
منحة) رقم (٩٨٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٣/٢) والبيهقي (٣٠٨/١) والبغوي في ((شرح
السنة)) (٧٤/٤ - بتحقيقنا) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به وأخرجه الترمذي (٤/
١٣ - تحفة) أبواب الحج: باب ما جاء ما تقضي الحائض من المناسك (٩٥١) من طريق شريك عن
جابر بن يزيد الجعفي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: حضت فأمرني النبي - وَّة -
أن أقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وأخرجه الطيالسي (٢١٤/١ - منحة) رقم (١٠٣٧) من طريق
ابن أبي مليكة عن عائشة أنها حاضت فقال لها النبي - ◌َطير - اقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت
فذكرت الحديث.
(٣) في أ: المسلمون.
(٤) في أ: فكان.
(٥) أخرجه البخاري (٤٠٠/١٣ - فتح الباري): كتاب الأيمان والنذور: باب إذا حنث ناسياً في الأيمان،
حديث (٦٦٦٤)، ومسلم (٤٢٣/١ - نووي): كتاب الأيمان: باب تجاوز الله عن حديث النفس، حديث
(١٢٧/٢٠١)، وأبو داود (٢٦٤/٢): كتاب الطلاق: باب في الوسوسة بالطلاق، حديث (٢٢٠٩)، وابن =

١٥٨
كِتَابُ الْحَجْ
وأما المعقول: فهو أن النية وضعت لتعيين جهة الفعل في العبادة، وتعيين المعدوم(١) محال.
ولو أحرم بالحجٍ، ولم يعين حجة الإسلام وعليه حجة الإسلام - يقع عن حجة الإسلام
استحساناً، والقياس ألاَّ يقع عن حجة الإسلام إلا بتعيين النية.
وجه القياس: أن الوقت يقبل الفرض والنفل؛ فلا بد من التعيين بالنية؛ بخلاف صوم
رمضان؛ أنه يتأدى بمطلق النية؛ لأن الوقت هناك لا يقبل صوماً آخر، فلا حاجة إلى التعيين
بالنية. والاستحسان: أن الظاهر من حال من عليه حجة الإسلام؛ أنه لا يريد بإحرام الحج
حجة التطوع، ويبقى نفسه في عهده الفرض، فيحمل على حجة الإسلام بدلالة حاله؛ فكان
الإطلاق فيه تعييناً كما في صوم رمضان.
ولو نوى التطوع يقع عن التطوع؛ لأنا إنما أوقعناه عن الْفَرْضِ عند إطلاق النية بدلالة حاله،
والدلالة لا تعمل مع النص بخلافه، ولو لبى ينوي الإحرام، ولا نية له في حج (٢) ولا عمرة مضى (٣)
في أيهما شاء؛ ما لم يطف بالبيت شوطاً [واحداً](٤) فإن طاف شوطاً(٥) كان إحرامه عن العمرة.
والأصل في انعقاد الإحرام بالمجهول: ما روي أَنَّ عليّاً، وأبا موسى الأشعري - رضي
الله تعالى عنهما - لما قدما من اليمن في حجة الوداع قال لهما النبي وَل: ((بماذا أهللتما؟))
فقالا: ((بإهلال كإهلال رسول الله ◌َّلتر))(٦)، فصار هذا أضلاً في انعقاد الإحرام بالمجهول،
ولأن الإخرَام شرط جواز الأداء عندنا، وليس بأداء؛ بل هو عقد على الأداء؛ فجاز أن ينعقد
مجملاً ويقف على البيان.
ماجه في سننه (٦٥٨/١)، كتاب الطلاق: باب من طلق في نفسه ولم يتكلم به، حديث (٢٠٤٠)،
=
والنسائي (١٥٧/٦): كتاب الطلاق: باب من طلق في نفسه، حديث (٣٤٣٥)، وأخرجه أحمد في مسنده
(٢٩٣/٢)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٢/٢)، حديث (٨٩٨)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧)
٢٠٩): كتاب النكاح: باب من عقد النكاح مطلقاً لا بشرط فيه فالنكاح ثابت وإن كانت بينهما أو نية
أحدهما التحليل، وذكره البغوي في شرح السنة (١٥٦/٥): كتاب الطلاق: باب الجمع بين الطلقات
الثلاث وطلاق النية، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - نحوه.
(١) في أ: العدم.
(٣) في أ: بقي.
(٥) سقط في ط.
(٢) في أ: حجة.
(٤) سقط في ط .
(٦) أخرجه البخاري (٢٠١/٤ - فتح الباري) كتاب الحج: باب من أهل في زمن النبي - رَّر - كإهلال النبي
- زَلّ - حديث (١٥٥٩،١٥٥٨)، ومسلم (٤ /٤٥٦ - نووي): كتاب الحج: باب في نسخ التحلل من
الإحرام والأمر بالتمام، حديث (١٢٢١/١٥٤)، والترمذي (٢٨١/٣): كتاب الحج: باب (١٠٩)، حديث
(٩٥٦)، والنسائي (١٥٦/٥): كتاب الحج: باب الحج بغير نية يقصده المحرم، حديث (٢٧٤٢)،
وأخرجه أحمد (٣٩١١، ٢٥٤)، والبيهقي (٣٣٨/٤): كتاب الحج: باب الرجل يحرم بالحج تطوعاً،
والبغوي في (شرح السنة)) (٥٣/٤، ٥٤): كتاب الحج: باب القران، حديث (١٨٨٢)، من حديث عليّ
وأبي موسى الأشعري. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه.

١٥٩
كِتَابُ الْحَجِّ
وإذا(١) انعقد إحرامه جاز له أن يؤدي به حجة أو عمرة، وله الخيار في ذلك يصرفه إلى
أيهما شاء، ما لم يطف بالبيت شوطاً [واحداً](٢)، فإذا طاف بالبيت شوطاً [واحداً](٣) كان
إحرامه للعمرة؛ لأن الطواف ركن في العمرة، وطواف اللقاء في الحج ليس بركن بل هو سنة؛
فإيقاعه عن الركن أولى، وتتعين(٤) العمرة بفعله كما تتعين بقصده. قال الحاكم في ((الأصل)):
وكذلك لو لم يطف حتى جامع أو أحصر - كانت عمرة؛ لأن القضاء قد لزمه، فيجب عليه
الأقل؛ إذ الأقل متيقن به وهو العمرة. والله - تعالى - أعلم.
فصل
وأما بيان مكان الإحرام: فمكان الإحرام هو المسمى بالميقات، فنحتاج إلى بيان
المواقيت، وما يتعلق بها من الأحكام فنقول ـ وبالله التوفيق -:
المواقيت تختلف باختلاف الناس، والناس في حق المواقيت أصناف ثلاثة: صنف منهم
يسمون أهل الآفاق، وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقت لهم رسول الله وَّر وهي
خمسة(٥)؛ كذا روي في الحديث: أن رَسُولَ اللهِ وَّر وقت لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل
الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن، ولأهل اليمن: يلملم، ولأهل العراق ذات عرق،
وقال رََّ: ((هُنَّ لأَهْلِهْنَّ، وَلِمَنْ مَرَّ بِهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجّ أو العُمْرَةَ»(٦) وصنف
(٢) سقط في أ.
(١) في أ: فإذا.
(٣) سقط في أ.
(٤) في أ: يتعين.
(٥) في أ: وهم خمسة.
(٦) في أ: والعمرة. والحديث أخرجه البخاري (٣٨٧/٤) كتاب الحج: باب ميقات أهل المدينة ولا يهلوا
قبل ذي الحليفة حديث (١٥٢٥) ومسلم (٨٣٩/٢) كتاب الحج: باب مواقيت الحج والعمرة حديث
(١١٨٢/١٣) والنسائي (١٢٥/٥) كتاب مناسك الحج: باب ميقات أهل نجد (٢٦٥٥) وابن ماجه (٩٧٢)
كتاب المناسك: باب مواقيت أهل الآفاق حديث (٢٩١٤) والدارمي (٢٨٩/١) ومالك (٣٣٠/١) رقم
(٢٢) والشافعي (٢٨٩/١) وابن الجارود (٤١٢) وأحمد (٤٨/٣) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(١١٨/٢) وابن خزيمة (١٦٠/٤) وأبو نعيم في «الحلية)) (٩٣/٤-٩٤) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤/
٢١-٢٢ - بتحقيقنا) من طرق عن ابن عمر وأخرجه البخاري (٣٨٨٣٨٧/٤) كتاب الحج: باب مهل أهل
الشام (١٥٢٦) ومسلم (٨٣٨/٢) كتاب الحج: باب مواقيت الحج والعمرة حديث (١١٨١/١١) وأبو
داود (١٧٣٨) والنسائي (١٢٣/٥-١٢٤) والدارمي (٣٦١/١-٣٦٢) وأحمد (٢٣٨/١) والطيالسي (٢٦٠٦)
وابن خزيمة (١٥٨/٤-١٥٩) والدار قطني (٢٣٨٢٣٧/٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١١٧/٢)
والبيهقي (٢٩/٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٢/٤ - بتحقيقنا) من طرق عن طاوس عن ابن عباس.

١٦٠
كِتَابُ الْحَجْ
منهم يسمون أهل [الحل] (١) وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم، كأهل
بستان بني عامر وغيرهم، وصنف منهم أهل الحرم؛ وهم أهل مكة. أما الصنف الأول:
فميقاتهم: ما وقت لهم رسول الله وَّر لا يجوز لأحد منهم أن يجاوز ميقاته إذا أراد الحج أو
١٢٤٣ العمرة إلا محرماً؛ لأنه لما وقت لهم ذلك فلا بد/ وأن يكون الوقت مقيداً، وذلك إما المنع
من تقديم الإحرام عليه، وإما المنع من تأخيره عنه، والأول ليس بمراد؛ لإجماعنا على جواز
تقديم الإحرام عليه؛ فتعين الثاني؛ وهو المنع من تأخير الإحرام عنه.
وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلاً سأله وقال: ((إني أحرمت بعد
الميقات؟ فقال له: ارجع إلى الميقات فَلَبِّ، وإلا فلا حج لك؛ فإني سمعت رسول الله وَل
يقول: ((لا يجاوز أحد الميقات إلا محرمً))(٢))) وكذلك لو أراد بمجاوزة هذه المواقيت دخول
مكة - لا يجوز له أن يجاوزها إِلاَّ محرماً، سواء أراد بدخول مكة النسك من الحج أو العمرة،
أو التجارة أو حاجة أُخرى عندنا. وقال الشافعي: إن دخلها للنسك وجب عليه الإحرام، وإن
دخلها لحاجة جاز دخوله من غير إحرام.
وجه قوله: إنه تجوز السكنى بـ(مكة)) من غير إحرام؛ فالدخول أولى؛ لأنه دون السكنى.
ولنا: ما روي عن النبي وَ ليل أنه قال: ((أَلاَ إِنَّ مكة حرام منذ خلقها الله - تعالى - لم
تحل(٣) لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي؛ وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراماً إلى
يوم القيامة))(٤) الحديث، والاستدلال به من ثلاثة أوجه: أحدها: بقوله وَالر: ((ألا إن مكة
(١) في أ: الحرم.
(٢) ذكره الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين)) (٢٩١/٤)، وعزاه لابن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس
مرفوعاً، وقال: وأخرجه الشافعي موقوفاً، وأخرج إسحاق بن راهويه من وجه آخر عنه موقوفاً أيضاً
والمرفوع سنده ضعيف والموقوف قوي، وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٤١١/٣): كتاب الحج:
باب من قال لا يجاوز أحد الوقت إلا محرم، رقم (١٥٤٦٣) قال: حدثنا عبد السلام بن حرب عن
خصيف بن سعيد بن جبير أن النبي - حضّر - قال: فذكره.
(٣) في أ: لا تحل.
(٤) أخرجه البخاري (٤٦، ٤٧): كتاب جزاء الصيد: باب لا يحل القتال بمكة، حديث (١٨٣٤)، ومسلم
(٩٨٦/٢، ٩٨٧)، كتاب الحج: باب تحريم مكة وصيدها وحلالها وشجرها ولقطتها إلا لمنشر، على
الدوام، حديث (١٣٥٣/٤٤٥). وأبو داود (٦/٢) كتاب الجهاد: باب في الهجرة هل انقطعت حديث
(٢٤٨٠) والنسائي (١٤٦/٧) كتاب الجهاد: باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة والترمذي (١٢٦/٤)
كتاب السير: باب ما جاء في الهجرة حديث (١٥٩٠) والدارمي (٢٣٩/٢) كتاب السير: باب لا هجرة
بعد الفتح وعبد الرزاق (٣٠٩/٥) رقم (٩٧١٣) وابن الجارود (١٠٣٠) وابن حبان (٤٨٤٥ - الإحسان)
والبيهقي (١٩٥/٥)، والطبراني في ((الكبير)) رقم (١٠٩٤٤)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٥٢٠/٥ -
بتحقيقنا) من طريق منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - رَليو - يوم الفتح =