النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كِتَابُ الْحَجْ
وليس على الحاج إذا حلق أن يأخذ من لحيته شيئاً، وقال الشافعي: إذا حلق ينبغي أن
يأخذ من لحيته شيئاً لله تعالى، وهذا ليس بشيء؛ لأن الواجب حلق الرأس بالنص الذي تلونا؛
ولأن حلق اللحية من باب المثلة؛ لأن الله تعالى زين الرجال باللحى، والنساء بالذوائب على ما
روي في الحديث ((إِنَّ لله تَعَالَى مَلاَئِكَةً تَسْبِيحُهُمْ: سُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللّحَى، وَالنِّسَاءَ
بِالذَّوَائِبِ))(١) ولأن ذلك تشبه بالنصارى فيكره.
فصل في مقدار الواجب في الحلق
وأما مقدار الواجب: فأما الحلق فالأفضل حلق جميع الرأس، لقوله عز وجل:
﴿مُحَلْقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾ [الفتحِ: ٢٧]، والرأس اسم للجميع، وكذا روي؛ أن رسول الله وَّهَ حَلَقَ
جَمِيعَ رَأْسِهِ (٢)، فإنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ رَمَى ثُمَّ ذَبَحَ، ثُمَّ دَعَا بِالْحَلاَّقِ، فَأَشَارَ إِلَى شِقْهِ الأَيْمَنِ فَحَلَقَهُ،
وَفَرَّقَ شَعَرَهُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الأَيْسَرِ، فَحَلَقَّهُ وَأَعْطَاهُ لِأُمُّ سُلَمَّ (٣)، وروي أنه قال ◌َُّ
أَوَّلُ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا الرَّمْيَ ثُمَّ الذِّبْحُ ثُمَّ الْخَلق(٤)، والحلق المطلق يقع على حلق/ جميع ١٢٣١
الرأس، ولو حلق بعض الرأس، فإن حلق أقل من الربع لم يجزه، وإن حلق ربع الرأس -
أجزأه ويكره، أما الجواز؛ فلأن ربع الرأس يقوم مقام كله في القرب المتعلقة بالرأس؛ كمسح
ربع الرأس في باب الوضوء.
وأما الكراهة؛ فلأن المسنون هو حلقُ جميع الرأس لما ذكرنا، وترك المسنون مكروه،
وأما التقصير: فالتقدير فيه بالأنملة؛ لما روينا من حديث عمر - رضي الله عنه - لكن أصحابنا
قالوا: يجب أن يزيد في التقصير على قدر الأنملة لأن الواجب هذا القدر من أطراف جميع
الشعر، وأطراف جميع الشعر لا يتساوى طولها عادة، بل تتفاوت، فلو قصر قدر الأنملة لا
يصير مستوفياً قدر الأنملة من جميع الشعر، بل من بعضه، فوجب أن يزيد عليه حتى يستيقن
باستيفاء قدر الواجب؛ فيخرج عن العهدة بيقين.
(١) قال العجلوني في كشف الخفا (٥٣٨/١) ((رواه الحاكم عن عائشة وذكره في تخريج أحاديث مسند
الفردوس للحافظ ابن حجر في أثناء حديث بلفظ ملائكة السماء يستغفرون لذوائب النساء ولحى الرجال
يقولون: سبحان الذي زين الرجال باللحى والنساء الذوائب ـ أسنده عن عائشة)» ا. هـ.
(٢) انظر التالي.
(٣) أخرجه مسلم (٦٠/٥) كتاب الحج، باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر الحديث (١٣٠٥)
وأبو داود (٢٠٣/٢) كتاب المناسك، باب الحلق والتقصير الحديث (١٩٨١).
والترمذي (٢٤٦/٣) كتاب الحج، باب ما جاء بأي جانب الرأس يبدأ في الحلق الحديث (٩١٢) من
حديث أنس وقد عزاه الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٨٠) للجماعة إلا ابن ماجه.
والحديث لم أجده عند البخاري في صحيحه فلينظر وأيضاً ليس فيه ذكر أم سليم وإنما أعطاه لأبي طلحة .
(٤) قال الزيلعي في نصب الراية (٧٩/٣): غريب ويدل على معناه حديث أنس السابق.

١٠٢
كِتَابُ الْحَجْ
فصل في بيان زمانه ومكانه
وأما بيان زمانه ومكانه، فزمانه أيام النحر ومكانه الحرم، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه
الله - أن الحلق يختصُّ بالزمان والمكان، وقال أبو يوسف: لا يختص بالزمان ولا بالمكان،
وقال محمد: يختص بالمكان لا بالزمان، وقال زفر: يختص بالزمان لا بالمكان، حتى لو أخر
الحلق عن أيام النحر، أو حلق خارج الحرم - يجب عليه الدمُ في قول أبي حنيفة، وعند أبي
يوسف: لا دم عليه فيهما جميعاً، وعند محمد: يجب عليه الدم في المكان، ولا يجب في
الزمان؛ وعند زفر: يجب في الزمان، ولا يجب في المكان.
احتج زفر بما روي؛ أن رسول الله وَّ﴾ ((حَلَقَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَلْقِ))(١)،
وحديبية من الحل، فلو اختَصَّ بالمكان وهو الحرم - لما جاز في غيره، ولو كان كذلك لما
فعل بنفسه ولما أمر أصحابه، فدل أن الحلق لا يختص جوازه بالمكان وهو الحرم، وهذا أيضاً
حجة أبي يوسف في المكان.
ولأبي يوسف ومحمد في أنه لا يختص بزمان - ما روي أن رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ◌َِهُ
- فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ رََّ اذْبِخْ وَلاَ حَرَجَ، وَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ
أَزْمِيَ، فَقَالَ: ارْمٍ وَلاَ حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ تَقْدِيمِ نُسُكٍ وَتَأْخِيرِهِ، إِلَّ قَالَ: افْعَلْ
وَلاَ حَرَجَ(٢).
ولأبي حنيفة أنه وَّ حَلَقَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فِي الْحَرَم، فصار فعلُه بياناً لمطلق الكتاب،
ويجب عليه بتأخيره دم عنده؛ لأن تأخير الواجب بمنزلةَ الترك في حق وجوب الجابر؛ لما
ذكرنا في طواف الزيارة.
وأما حديث الحديبية: فقد ذكرنا أن الحديبية بعضها من الحل، وبعضها من الحرم،
فيحتمل أنهم حلقوا في الحرم، فلا يكون حجة مع الاحتمال، مع ما أنه روي أن النبي وَّ
(كَانَ نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَّةِ فِي الْحِلِّ وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ))، فالظاهر أنه لم يحلق في الحل، وله
سبيل الحلق في الحرم.
وأما الحديث الآخر: فنقول بموجبه: إنه لا حرج في التأخير عن المكان والزمان وهو
الإِثم، لكن انتفاء الإثم لا يوجب انتفاء الكفارة، كما في كفارة الحلق عند(٣) الأذى، وكفارة
(١) أخرجه البخاري (٣٠٥/٥) كتاب الصلح باب الصلح مع المشركين حديث (٢٧٠١) وأحمد (١٢٤/٢)
من حديث ابن عمر .
(٢) تقدم.
(٣) في أ: عن.

١٠٣
كِتَابُ الْحَجِّ
قتل الخطأ، ولو لم يحلق حتى خرج من الحرم، ثم عاد إلى الحرم، فحلق أو قصر - فلا دم
عليه؛ لوجود الشرط على قول من يجعل المكان شرطاً.
فصل في حكم الحلق
وأما حكم الحلق: فحكمه حصول التحلل، وهو صيرورته حلالاً يباح له جميع ما حظر
عليه الإحرام إلا النساء، وهذا قول أصحابنا، وقال مالك: إلا النساء والطيب، وقال الليث:
إلا النساء والصيد، وقال الشافعي: يحل له بالحق الوطء فيما دون الفرج والمباشرة، احتجَّ
مالك بما روي عن النبي ◌َ﴿، أنه قَالَ: ((إِذَا حَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ
وَالطِّيبَ))(١)، والصحيح قولنا؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي ◌ِّ؛ أنه قال:
((مَنْ رَمَى ثُمَّ ذَبَحَ ثُمَّ حَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاء))(٢)، والحديث حجة على الكل؛ لأن
النبي وَّ أخبر أنه حَلَّ له كلّ شيء، واستثنى النساء؛ فبقي الطيب والصيد داخلين تحت فصل
المستثنى منه، وهو إحلال ما سوى النساء، وخرج الوطء فيما دون الفرج والمباشرة عن
الإحلال بنص الاستثناء.
وأما حديث عمر: فقد قيل: إنه لما بَلَغَ عائشةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: ((يَغْفِرُ الله لِهَذَا
الشَّيْخِ لَقَدْ طَيِّبْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿َ حِينَ حَلَقَ)).
فصل حكم تأخيره عن زمانه ومكانه(٣)
وأما حكم تأخيره عن زمانه ومكانه: فوجوب الدم عند أبي حنيفة، وأبو يوسف خالفه
في الزمان والمكان، ومحمد وافقه في المكان لا في الزمان، وزفر وافقه في الزمان لا في
المكان، على ما ذكرنا، والله أعلم.
فصل في طواف الصدر
وأما طوافُ الصدرِّ(٤). فالكلام فيه يقع في مواضع: في بيان وجوبه، وفي بيان شرائطه،
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢٣٤/١، ٣٦٩،٣٤٤) من حديث ابن عباس، وأخرجه أيضاً في المسند (٦/
١٤٣) من حديث عائشة، كما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢٠٤/٥) من حديث عمر بن الخطاب،
وذكره المتقي الهندي في الكنز (٨١/٥) وعزاه لأحمد عن ابن عباس وعائشة، (١٢١٤٣، ١٢١٤٤).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢٠٤/٥)، والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (٣٠/٢)،
(١١٣٢)، وله أثر موقوف على ابن عمر وفيه إلا النساء أخرجه أبو يعلى كما في مجمع الزوائد (٣/
٢٦٣)، وذكره المتقي الهندي في الكنز (٨١/٥)، (١٢١٤٢) وعزاه للبزار عن ابن عمر.
(٣) في أ: قول.
(٤) في أ: العذر.

١٠٤
كِتَابُ الْحَجِّ
وفي بيان قدره [وكيفيته، وما يسن له أن يفعله بعد فراغه منه، وفي بيان وقته وفي بيان مكانه
وحكمه، إذا نفر ولم يطف](١).
٢٣١ ب
أما الأول: فطواف الصدر: واجب عندنا/ وقال الشافعي: سنة.
وجه قوله مبني على أنه لا يفرق بين الفرض والواجب، وليس بفرض بالإجماع؛ فلا
يكون واجباً، لكنه سنة لفعل رسول الله وَّله إياه على المواظبة، وأنه دليل السنة، ثم دليل عدم
الوجوب أنا أجمعنا [على](٢) أنه لا يجب على الحائض والنفساء، ولو كان واجباً لوجب
عليهما كطواف الزيارة، ونحن نفرق بين الفرض والواجب على ما عرف، ودليل الوجوب ما
روي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافُ))(٣)، ومطلق
الأمر لوجوب العمل، إلا أن الحائض خصت عن هذا العموم بدليل، وهو ما روي أن
النبي ◌َّهَ رَخْصَ لِلنَّسَاءِ الْحَيَّضِ تَرْكَ طَوَافِ الصَّدَرِ لِعُذْرِ الْخَيْضِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُنَّ بِإِقَامَةِ شَيْءٍ آخَرَ
مُقَامَهُ وَهُوَ الدَّمُ، ((وهذا أصلُّ عندنا في كل نسك جاز تركه لعذر؛ أنه لا يجب بتركه [من
المَعْذُر](٤) كفارة، والله تعالى أعلم.
فصل في بيان شرائطه
وأما شرائطه فبعضها شرائط الوجوب، وبعضها شرائط الجواز، [أما شرائط الوجوب](٥)
فمنها: أن يكون من أهل الآفاق، فليس على أهل مكة، ولا من كان منزله داخل المواقيت إلى
مكة - طوافُ الصدر إذا حجوا؛ لأن هذا الطواف إنما وجب توديعاً للبيت، ولهذا يسمى طواف
الوداع، ويسمى طواف الصدر؛ لوجوده عند صدور الحجاج (٦) ورجوعهم إلى وطنهم، وهذا
لا يوجد في أهل مكة؛ لأنهم في وطنهم، وأهل داخل المواقيت في حكم أهل مكة، فلا يجب
عليهم؛ كما لا يجب على أهل مكة، وقال أبو يوسف: أحب إليّ أن يطوف المَكِّي طواف
الصدر؛ لأنه وضع لختم أفعال الحج، وهذا المعنى يوجد في أهل مكة.
ولو نوى الآفاقي الإقامة بمكة أبداً؛ بأن توطن بها، واتخذها داراً، فهذا لا يخلو من أحد
وجهين؛ إما إن نوى الإقامة بها قبل أن يحل النفر الأول، وإما إن نوى بعدما حل النفر الأول،
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: بيان حكم تأخره عن مكانه.
(٢)
سقط في أ.
(٣)
تقدم .
(٤)
سقط في أ.
بدل ما بين المعكوفين في أ: فأما شرائط وجوبه.
(٥)
(٦) في أ: الحاج.

١٠٥
كِتَابُ الْحَجْ
فإن نوى الإقامة قبل أن يحل النفر - سقط عنه طواف الصدر، أي: لا يجب عليه بالإجماع،
وإن نوى بعد ما حل النفر الأول - لا يسقط، وعليه طواف الصدر في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: يسقط عنه [في الحاليْن](١) إلا إذا كان شُرع فيه.
ووجه قوله: [أنه لما نوى الإقامة صار كواحد من أهل مكة، وليس على أهل مكة طواف
الصدر](٢) إلا إذا شرع فيه؛ لأنه وجب عليه بالشروع، فلا يجوز له تركه؛ بل يجب عليه
المضي فيه .
ووجه قول أبي حنيفة: أنه إذا حَلَّ له النفر، فقد وجب عليه الطواف لدخول وقته، [إلا
أنه مرتب على طواف الزيارة كالوتر مع العشاء] (٣)، فنية الإقامة بعد ذلك لا تعمل؛ كما إذا
نوى الإقامة بعد خروج وقت الصلاة.
ومنها: الطهارةُ من الحَيْضِ والنفاس، فلا يَجِبُ على الحائض والنفساء، حتى لا يجب
عليهما الدم بالترك؛ لما روي أن رسولَ الله ◌َّهَ رَخَّصَ لِلحيَّضِ تَرْكَ هَذَا الطَّوَافِ لاَ إِلَى بَدَلٍ،
فدل أنه غير واجب عليهن؛ إذ لو كان واجباً لما جاز تركه لا إلى بدل وهو الدم، فأما الطهارة
عن الحدث والجنابة: فليست بشرط للوجوب، ويجب على المحدث والجنب؛ لأنه يمكنهما
إزالة الحدث والجنابة، فلم يكن ذلك عذراً والله أعلم.
فصل في شرائط جوازه
وأما شرائط جوازه: فمنها النية؛ لأنه عبارة، فلا بد له من النية، فأما تعيين النية فليس
بشرط، حتى لو طاف بعد طواف الزيارة لا يعين شَيْئاً، أو نوى تطوعاً - كان للصدر؛ لأن
الوقت تعين له، فتنصرف مطلق النية إليه؛ كما في صوم رمضان، ومنها: أن يكون بعد طواف
الزيارة، حتى إذا نفر في النفر الأول، فطاف طوافاً لا ينوي شيئاً، أو نوى تطوعاً، أو الصدر
يقع عن الزيارة لا عن الصدر؛ لأن الوقت له طواف، وطواف الصدر مرتب عليه، فأما النفر
على فور الطواف: فليس من شرائط جوازه، حتى لو طاف للصدر، ثم تشاغل بمكة بعده - لا
يجب عليه طواف آخر.
فإن قيل: أليس أن النبي بَّ قال: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آَخِرَ عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافُ))،
(١) سقط في ط .
(٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: أن طواف الصدر غير مؤقت، ففي أي وقت نوى الإقامة فقد نوى الطواف،
فتعمل كما إذا نوى الإقامة في وقت الصلاة.
(٣) بدل ما بين المعكوفين في أ: وجوباً متكرراً.

١٠٦
كِتَابُ الْحَجُ
فقد أمَر أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت، ولما تشاغل بعده لم يقع الطواف آخر عهده به،
فيجب ألا يجوزان؛ إذ لم يأت بالمأمور به.
فالجواب أن المراد منه آخر عهده بالبيت نسكاً لا إقامة، والطواف آخر مناسكه بالبيت،
وإن تشاغل بغيره، وروي عن أبي حنيفة؛ أنه قال: إذا طاف للصدر، ثم أقام إلى العشاء -
فأحب إليّ أن يطوف طوافاً آخر؛ لئلا يحول بين طوافه وبين نفره - حائل.
وكذا الطهارة عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجوازه، فيجوز طوافه إذا كان محدثاً أو
٢٣٢أ جنباً ويعتد به، والأفضل أن يعيد طاهراً؛ فإن لم يعد جاز، وعليه شاة إن كان جنباً/ لأن
النقص كثير، فيجبر بالشاة؛ كما لو ترك أكثر الأشواط وإن كان محدثاً ففيه روايتان عن أبي
حنيفة: في رواية: عليه صدقة، وهي الرواية الصحيحة، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن
النقص يسير، فصار كشوط أو شوطين، وفي رواية: عليه شاة؛ لأنه طواف واجب، فأشبه
طواف الزيارة، وكذا ستر عورته(١)، ليس بشرط للجواز، حتى لو طاف مكشوف العورة قدر ما
لا تجوز به الصلاة - جاز، ولكن يجب عليه الدم؛ وكذا الطهارة عن النجاسة، إلا أنه يكره ولا
شيء عليه، والفرق ما ذكرنا في طواف الزيارة، والله أعلم.
فصل في بيان قدره وكيفيته
وأما قدره وكيفيته: فمثل سائر الأطوفة، ونذكر السنن التي تتعلق به في بيان سنن الحج
إن شاء الله تعالى.
فصل في بيان وقته
وأما وقته: فقد روي عن أبي حنيفة؛ أنه قال: ينبغي للإنسان إذا أراد السَّفر؛ أن يطوف
طواف الصدر حين يريد أن ينفر، وهذا بيان الوقت المستحب، لا بيان أصل الوقت، ويجوز
في أيام النحر وبعدها، ويكون أداء لا قضاء، حتى لو طاف طواف الصدر، ثم أطال الإقامة
بمكة، ولم ينو الإقامة بها، ولم يتخذها داراً - جاز طوافه، وإن أقام سنة بعد الطواف، إلا أن
الأفضل أن يكون طوافه عند الصدر لما قلنا، ولا يلزمه شيء بالتأخير عن أيام النحر بالإجماع.
فصل في بيان مكانه
وأما مكانه فحول البيت لا يجوز إلا به لقول النبي ◌ََّ: (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ آخِرَ
(١) في أ: العورة.

١٠٧
كِتَابُ الْحَجْ
عَهْدِهِ بِهِ الطَّوَافُ))، والطواف بالبيت هو الطواف حوله، فإن نفر ولم يطف - يجب عليه أن
يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات(١)؛ لأنه ترك طوافاً واجباً، وأمكنه أن يأتي به من غير
الحاجة إلى تجديد الإحرام، فيجب عليه أن يرجع ويأتي به، وإن جاوز الميقات لا يجب عليه
الرجوع؛ لأنه لا يمكنه الرجوع إلا بالتزام عمرة بالتزام إحرامها، ثم إذا أراد أن يمضي مضى
وعليه دم. وإن أراد أن يرجع أحرم بعمرة ثم رجع، وإذا رجع يبتدىء بطواف العمرة، ثم
بطواف الصدر، ولا شيء عليه لتأخيره عن مكانه، وقالوا: الأولى ألا يرجع، ويريق دماً مكان
الطواف؛ لأن هذا أنفع للفقراء وأيسر عليه؛ لما فيه من دفع مشقة السفر، وضرر التزام
الإحرام، والله أعلم.
فصل في بيان سنن الحج والترتيب في أفعاله
وأما بيان سنن الحج، وبيان الترتيب في أفعاله من الفرائض، والواجبات، والسنن،
فنقول وبالله التوفيق :
إذا أراد أن يحرم اغتسل أو توضأ، والغسل أفضل؛ لما روي أن رسول الله وَّوَ لَمَّا بَلَغَ
ذَا الْحُلَيْفَةِ اغْتَسَلَ لإِخْرَامِهِ (٢)، وسواء كان رجلاً أو امرأة، والمرأة طاهرة عن الحيض
والنفاس، أو حائض أو نفساء؛ لأن المقصود من إقامة هذه السنة النظافة، فيستوي فيها الرجل
والمرأة، وحال طهر المرأة وحيضها ونفاسها.
والدليل عليه أيضاً ما روي أن رسول الله وَ ◌ّرَ لَمَّا نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَة فِي بَيْعَةِ الرّضْوَانِ أَتَاهُ
أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه - وقال له: إِنَّ أَسْمَاءَ قَدْ نَفَسَتْ، وَكَانَتْ وَلَّدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي
بَكْرٍ - رضي الله عنه - فقال له النبي ◌ََّ: ((مُزْهَا فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُخْرِمُ بِالْحَجْ))(٣) .
(١) في أ: المواقيت.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤٤٧/١) بلفظ: ((اغتسل رسول الله - وَّل ــ ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا
الحليفة صلى ركعتين ... )) الحديث وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد فإن يعقوب بن عطاء بن
أبي رباح من جمع أئمة الإسلام حديثه ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وذكره الزيلعي في نصب الراية (٣/
١٧) وعزاه للحاكم في المستدرك.
(٣) أخرجه النسائي (١٢٧/٥): كتاب الحج: باب الغسل للاهلال، ومالك (٣٢٢/١): كتاب الحج: باب
الغسل للإهلال، حديث (١)، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن أسماء به .
وأخرجه مسلم (٨٦٩/٢): كتاب الحج: باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا
الحائض، حديث (١٢٠٩/١٠٩)، وأبو داود (٣٥٧/٢) كتاب المناسك (الحج): باب الحائض تهل
بالحج، حديث (١٧٤٣)، وابن ماجه (٩٧١/٢): كتاب المناسك: باب النفساء والحائض تهل بالحج،
حديث (٢٩١١)، والبيهقي (٣٢/٥): كتاب الحج جماع أبواب الاحرام والتلبية: باب الغسل للإهلال، =

١٠٨
كِتَابُ الْحَجُ
وكذا روي أن عائشة - رضي الله عنها - حَاضَتْ، فَأَمَرَهَا بِالاغْتِسَالِ، وَالإِهْلاَلِ بِالْحَجُ(١)
والأمر بالاغتسال في الحديثين على وجه الاستحباب دون الإيجاب؛ لأن الاغتسال عن الحيض
والنفاس لا يجب حال قيام الحيض والنفاس، وإنما كان الاغتسال أفضل؛ لأن النبي وَل
اخْتَارَهُ عَلَى الْوُضُوءِ لإِخْرَامِهِ، وكان يختارُ من الأعمال أفضلها، وكذا أمر به عائشة، وأسماء -
رضي الله عنهما - ولأن معنى النظافة فيه أتم وأوفر.
من طريق عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة، قالت: ((نفست أسماء بنت
=
عميس بمحمد بن أبي بكر فأمر رسول الله - وَلجر - أبا بكر ... ))، الحديث، قال البيهقي: ((جوَّزهُ
عبيد الله بن عمر عن عبد الرحمن، وهو حافظ ثقة، ورواه مالك عن عبد الرحمن، بن القاسم، عن أبيه
مرسلاً دون ذكر عائشة، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد، عن أبيه، عن أبي بكر
الصديق - رضي الله عنه - أنه خرج حاجاً فذكره)).
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٢٥/٢-٢٢٦): وقال الدارقطني في العلل: الصحيح قول مالك ومن وافقه،
يعني مرسلاً.
وأخرجه النسائي (١٢٨،١٢٧/٥) كتاب الحج: باب الغسل للإهلال. وابن ماجه (٩٧٢/٢): كتاب
المناسك: باب النفساء والحائض تهل بالحج، حديث (٢٩١٢)، كلاهما من رواية خالد بن مخلد، عن
سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد أنه سمع القاسم بن محمد يحدث عن أبيه، عن أبي بكر فذكره،
وفيه: «فأمره رسول الله - ◌َّ - أن يأمرها أن تغتسل ثم تهل بالحج وتصنع ما يصنع الناس إلا أنها لا
تطوف بالبيت))، وهذا أيضاً منقطع.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٣٦/٢): وهو مرسل أيضاً لأن محمد لم يسمع من النبي - وَّ - ولا من
أبيه، نعم يحتمل أن يكون سمع ذلك من أمه لكن قيل إن القاسم أيضاً لم يسمع من أبيه، وقد أخرجه
مسلم في حديث جابر الطويل، قال: فخرجنا حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس فأرسلت إلى
رسول الله - بَير - كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستشفري بثوب وأحرمي ... )).
(١) أخرجه مالك (١/ ٤١١) كتاب الحج: باب دخول الحائض مكة (٢٢٤) والبخاري (٥٠٤/٣) كتاب
الحج: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت حديث (١٦٥٠) ومسلم (٢/ ٨٧٣) كتاب
الحج: باب بيان وجوه الإحرام حديث (١٢١١/١١٩) والنسائي (١ / ١٨٠) كتاب الحيض والاستحاضة:
باب بدء الحيض وهل يسمى الحيض نفاساً وابن ماجه (٩٨٨/٢) كتاب المناسك: باب الحائض تقضي
المناسك إلا الطواف حديث (٢٩٦٣) والدارمي (٤٤/٢) كتاب المناسك: باب ما تصنع الحاجة إذا كانت
حائضاً والشافعي في الأم (٥٩/١) وفي ((المسند)) (٣٨٩/١) كتاب الحج: باب مسائل متفرقة من كتاب
الحج (١٠٠٢) وابن الجارود (٤٦٦) وابن خزيمة (٣٠٢/٤) وأحمد (٢٧٣/٦) والطيالسي (٢٠٤/١ -
منحة) رقم (٩٨٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٠٣/٢) والبيهقي (٣٠٨/١) والبغوي في ((شرح
السنة)) (٧٤/٤ - بتحقيقنا) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به وأخرجه الترمذي (٤/
١٣ - تحفة) أبواب الحج: باب ما جاء ما تقضي الحائض من المناسك (٩٥١) من طريق شريك عن
جابر بن يزيد الجعفي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: حضت فأمرني النبي - ◌َّر -
أن أقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وأخرجه الطيالسي (٢١٤/١ - منحة) رقم (١٠٣٧) من طريق
ابن أبي مليكة عن عائشة أنها حاضت فقال لها النبي - ◌َّالرَ ـ اقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت.

١٠٩
كِتَابُ الْحَجُ
ويلبس ثوبين إزاراً ورداء (١)؛ لأنه روي أن النبي وَّ (لَبِسَ ثَوْبَيْنِ إِزَاراً وَرِدَاء))(٢)، ولأن
المحرم ممنوع عن لبس المخيط، ولا بد من ستر العورة، وما يتقي به الحر والبرد، وهذه
المعاني، تحصُل بإزار ورداء، جديدين كانا أو غسيلين؛ لأن المقصود يحصل بكل واحد
منهما، إلا أن الجديد أفضل؛ لأنه أنظف، وينبغي لولي من أحرم من الصبيان العقلاء أن يجرده
ويلبسه ثوبين إزاراً ورداء؛ لأن الصبي في مراعاة السنن كالبالغ، ويدهن بأي دهن شاء،
ويتطيب بأي طيب شاء، سواء كان طيباً تبقى عينه بعد الإحرام، أو لا تبقى في قول أبي حنيفة
وأبي يوسف، وهو قول محمد أولاً، ثم رجع وقال: يكره له أن يتطيب بطيب تبقى عينه بعد
الإحرام، وحكي عن محمد في سبب رجوعه؛ أنه قال: كنت لا أرى به بأساً، حتى رأيت قوماً
أحضروا طيباً كثيراً، ورأيت أمراً شنيعاً فكرهته؛ وهو قول مالك.
(١) اختلف أهل العلم في وقت الإحرام، فمذهب أبي حنيفة وأحمد والشافعي في القديم: أن الإحرام عند
صلاة الركعتين، وذهب الشافعي في الجديد وبه قال مالك: أنه يستحب ابتداء السير وانبعاث الراحلة، قال
الشافعي في الأم:
إذا أراد الرجل أن يبتدىء الاحرام أحببت له أن يصلي نافلة ثم يركب راحلته فإذا استقلت به قائمة
وتوجهت للقبلة سائرة أحرم، وإن كان ماشياً، فإذا توجه ماشياً أحرم، روى جابر أن النبي - بَّ - قال
لهم: ((فإذا رحتم متوجهين إلى منى فأهلوا)) وروى عمر عن النبي - وَ ل ـ أنه لم يره يهل حتى تنبعث به
راحلته. قال الشافعي: فإن أهل قبل ذلك أو أهل في إثر مكتوبة إذا صلى أو في غير إثر صلاة فلا بأس
إن شاء الله تعالى.
- وقال الخرشي من المالكية:
السنة الإحرام عقب نفل، والفرض مجز، والمستحب أن يكون إثر نافلة، ليكون للإحرام صلاة تخصه،
وبعد الفراغ من الصلاة، يحرم الراكب إذا استوى على دابته، ولا يتوقف على مشي راحلته على
المشهور، والماشي إذا مشى، ولا ينتظر أن يخرج إلى البيداء، ثم إن قوله يحرم إذا استوى، بيان للوقت
الذي يحرم فيه، وما تقدم بيان لما ينعقد به، والظاهر أن هذا على جهة الأولوية، وأنه لو أحرم الراكب
قبل أن يستوي، وأحرم الماشي قبل مشيه كفاه ذلك، قال الدسوقي: مع الكراهة. انظر: شرح الخرشي
٣٢٣/٢-٣٢٤ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٩/٢ الشرح الصغير ١١/٢ مواهب الجليل وهامشه
١٠٥/٣-١٠٦ شرح منح الجليل ١/ ٤٨٠ شرح الزرقاني ٢٧٣/٢ الكافي ١٣٧ ١٣٨ الثمر الداني في
تقريب المعاني ٣٦٢-٣٦٣.
وقال الحافظ في الفتح - بعد ذكره ما اختلف فيه من رواية في وقت إحرامه - وَ طير -: وقد اتفق فقهاء
الأمصار على جواز جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل.
ينظر: الفتح (٤٠١/٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٨٦/٤-١٨٧): كتاب الحج: باب ما يلبس المحرم من الثياب والأروية والأزر،
(١٥٤٥) عن كريب عن ابن عباس، وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) وقال: أخرجه البخاري عن كريب
عن ابن عباس.

١١٠
كِتَابُ الْحَجْ
احتج محمد بما روي؛ أن النبي ◌َّ قَالَ لِلأَغْرَابِيِّ: (اغْسِلْ عَنْكَ هَذَا الْخَلُوفَ))(١) وروي
عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - أنهما كرها ذلك؛ ولأنه إذا بقي عينه ينتقل من الموضع
الذي طيبه إلى موضع آخر، فيصير كأنه طيب ذلك الموضع ابتداء بعد الإحرام.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ((طَيِّبْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّ لِإِخْرَامِهِ حِينَ أخْرَمَ، وَلِإِحْلاَلِهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَّ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ
وَبِيصَ الطَّيْبَ فِي مَفَّارِقِ رَسُولِ الله ◌ِّرَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ))(٢)، ومعلوم أن وبيص الطيب إنما يتبين مع
بقاء عينه، فدل أن الطيب كان بحيث تبقى عينه بعد الإحرام؛ ولأن التطيب به(٣) حصل مباحاً
في الابتداء؛ لحصوله في غَيْرِ حَالِ الإِحْرَامِ، والبقاء على التطيُّبِ لا يسمى تطيباً، فلا يكره؛
كما إذا حلق رأسه، ثم أحرم.
وأما حديث الأعرابي: فهو مَحْمُولٌ على ما إذا كان عليه ثَوْبٌ مزعفر، والرجل يمنع من
المزعفر في غير حَالِ الإحرام؛ ففي حَالِ الإحرام أَوْلَى، حملناه على هذا؛ توفيقاً بين الحديثين
بقدر الإمكان.
وأما حديث عمر وعثمان: فقد روي عن ابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهما - بخلافه،
فوقع التعارض فسقط الاحتجاج بقولهما.
وما ذكر من معنى الانتقال إلى مكان آخر - غير سديد؛ لأن اعتباره يوجب الجزاء لو
انتقل، وليس كذلك بالإجماع، ولو ابتدأ الطيب بعد الإحرام، فوجبت عليه الكفارة، فكفر
(١) أخرجه البخاري (١٧٢/٤): كتاب الحج باب غسل الخلوف ثلاث مرات من الثياب، (١٥٣٦) وأطرافه
في (١٧٨٩، ١٨٤٧، ٤٣٢٩، ٤٩٨٥)، ومسلم (٣٣٢/٤): كتاب الحج باب ما يباح للمحرم بحج أو
عمرة، (١١٨٠)، وأبو داود (١٦٤/٢): كتاب المناسك ((الحج)): باب الرجل يحرم في ثيابه، (١٨١٩)،
والترمذي (١٨٧/٣): كتاب الحج: باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة، (٨٣٥)، وأخرجه
النسائي (١٣٠/٥): كتاب الحج: باب الجبة في الإحرام، (٢٦٦٨)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٢٤)،
وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٩/٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٥/٤): كتاب الحجج: باب الطيب عند الإحرام، وما يلبس إذا أراد أن يحرم
ويترجل ويدهن، حديث (١٥٣٧، ١٥٣٨)، وأطرافه في (١٧٥٤، ٥٩٢٢، ٥٩٢٨، ٥٩٣٠)، ومسلم (٤/
٣٥٥ نووي): كتاب الحجج: باب الطيب للمحرم عند الإحرام، (١١٨٩)، والنسائي (١٣٦/٥ -١٣٧):
كتاب الحج: باب إباحة الطيب عند الإحرام عن سفيان عن الزهري عن عائشة به (٢٦٨٧)، كما أخرجه
النسائي (١٣٩/٥): كتاب الحج: باب موضع الطيب، (٢٦٩٥) عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن
عائشة به، وأحمد (٢٥٨/٦، ٢٣٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٣٠/٢)، وذكره الزيلعي مي
(نصب الراية)) (١٨/٣) وقال: أخرجه البخاري ومسلم عن الأسود عن عائشة.
(٣) في ط: بعد

١١١
كِتَابُ الْحَجْ
وبقي عليه، هل يلزمه كفارة أخرى ببقاء الطيب عليه؟ اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يلزمه
كفارة أُخرى؛ لأن ابتداء الإحرام(١) كان محظوراً؛ لوجوده في حال الإحرام، فكذا البقاء عليه
بخلاف المسألة الأولى، وقال بعضهم: لا يلزمه كفارة أخرى؛ لأن حكم الابتداء قد سقط عنه
بالكفارة، والبقاء على الطيب لا يوجب الكفارة؛ كما في المسألة الأولى.
ثم يصلي ركعتين؛ لما روي عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّ وَأَنَا بِالْعَقِيقِ،
وَقَالَ لِي صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ رَكْعَتَيْنٍ؛ وَقُلْ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ))(٢)، لأنه كان قارناً،
ثم ينوي الإحرام، ويستحب له أن يتكلم بلسانه ما نوى بقلبه، فيقول: إذا أراد أن يحرم
بالحج: ((اللهم إني أريد الحج، فيسره لي وتقبله مني))؛ وإذا أراد أن يحرم بالعمرة يقول:
((اللهم إني أريد العمرة، فيسرها لي وتقبلها مني))، وإذا أراد القرآن يقول: ((اللهم إني أريد
العمرة، والحج، فيسرهما لي وتقبلهما مني))؛ لأن الحج عبادة عظيمة فيها كلفة ومشقة شديدة،
فيستحب الدعاء بالتيسير والتسهيل، وبالقبول بعد التحصيل؛ إذ لا كل عبادة تقبل.
ألا ترى أن ابراهيم واسماعيل - عليهما الصلاة والسلام - لما بنيا البيت على الوجه الذي
أمرا ببنائه سألا ربهما قبول ما فعلا، فقالا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[البقرة: ١٢٧]، ويستحب أن يذكر الحج والعمرة، أو هما في إهلاله، ويقدم العمرة على الحج
في الذكر إذا أهل بهما، فيقول: لبيك بعمرة، وحجة؛ لما روينا عن النبي بَّ؛ أنه قَالَ:
(أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَأَنَا بِالْعَقِيقِ، فَقَالَ: صَلُّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ رَكْعَتَيْنِ، وَقُلْ لَبِّئِكَ بِعُمْرَةٍ
وَحَجَّةٍ)) (٣)، وإنما يقدم العمرة على الحج في الذكر؛ لأن النبي ◌َّ أمر أن يقول كذلك، ولأن
العمرة تقدم على الحج في الفعل؛ فكذا في الذكر.
ثم يلبي في دبر كل صلاة وهو الأفضل عندنا، وقال الشافعي: الأفضل أن يلبي بعدما
استوى على راحلته، وقال مالك: بعدما استوى على البيداء(2) وإنما اختلفوا فيه؛ لاختلاف
الرواية في أول تلبية النبي ◌َّ روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ((أنَّهُ لَبَّى دُبُرَ صَلاَتِهِ)).
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه لبى حين ما استوى على راحلته، وروى
جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه وَ لَبَّى حِينَ اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ، وأصحابنا أخذوا
برواية ابن عباس - رضي الله عنه -؛ لأنها محكمة في الدلالة على الأولية، ورواية ابن عمر
(١) في أ: الاستعمال.
(٢) سيأتي تخريجه.
(٣) سيأتي تخريجه.
(٤) ينظر ((الموطأ)) للإمام مالك (٣٣٣،٣٣٢/١) كتاب الحج: باب العمل في الإهلال، حديث
(٣٢،٢٩، ٣٣).

١١٢
كِتَابُ الْحَجْ
وجابر - رضي الله عنهما - محتملة لجواز أن ابن عمر - رضي الله عنه - لم يشهد تلبية النبي وَيّ
دبر الصلاة، وإنما شهد تلبيته حال استوائه على الراحلة، فظن أن ذلك أول تلبيته، فروى ما
رأى، وجابر لم ير تلبيته إلا عند استوائه على البيداء، فظن أنه أول تلبيته، فروى ما رأى.
١٢٣٣
والدليلُ على صحةِ هذا التأويل ما روي عن سعيد بن جبير، أنه قال: قلت لابن عباس:
كيف اخْتَلَفَ أَصْحَابُ رسول اللهِ وَّهَ فِي إِهْلاَلِهِ؟ فقال أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهَ فِي
مَسْجِدٍ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَكَانَتْ نَاقَتُهُ مُسَرجَةً عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَابْنُ عُمَرَ
عِنْدَهَا، فَرَآهُ قَوْمٌ فَقَالُوا: أَهَلَّ عَقِيبَ الصَّلاَةِ/ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَهَلَّ، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ
أَرْسَالاً فَأَدْرَكَهُ قَوْمٌ، فَقَالُوا: إِنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ عَلَى الْبَيْدَاءِ فَأَهَلَّ
فَأَدْرَكَهُ قَوْمٌ، فَقَالُوا: إِنَّمَّا أَهَلَّ حِينَ ارْتَفَعَ عَلَى الْبَيْدَاءِ، وَأَيْمُ الله لَقَدْ أوْجَبَهُ فِي مُصَلاَّهُ.
ويكثر التلبية بعد ذلك في أدبار الصلوات، فرائض كانت أو نوافل، وذكر الطحاوي؛ أنه
يكثر(١) في أدبار المكتوبات دون النوافل، والفوائت، وأجراها مجرى التكبير في أيام التشريق،
والمذكور في ظاهر الرواية في أدبار الصلوات عاماً من غير تخصيص؛ ولأن فضيلة التلبية
عقيب الصلاة لاتصالها بالصلاة التي هي ذكر الله - عز وجل - إذ الصلاة من أولها إلى آخرها
ذكر الله تعالى، وهذا يوجد في التلبية عقيب كل صلاة، وكلما علا شرفاً، وكلما هبط وادياً،
وكلما لقى ركباً(٢) وكلما استيقظ من منامه، وبالأسحار؛ لما روي أن أصحاب رسول الله وقلم
كَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ .
ويرفع صوته بالتلبية، لما روي عن النبي بَّرَ، أَنَّهُ قَالَ: ((أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَُّ)) (٣)،
(١) في أ: يكثرها.
(٢) في أ: ركباناً.
(٣) أخرجه الترمذي (١٨٩/٣) كتاب الحج: باب ما جاء في فضل التلبية والنحر حديث (٨٢٧) وابن ماجه
(٩٧٥/٢) كتاب المناسك: باب رفع الصوت بالتلبية حديث (٢٩٢٤) والدارمي (٣١/٢) كتاب المناسك:
باب أي الحج أفضل، وأبو يعلى (١٠٨/١-١٠٩) رقم (١١٧) والبيهقي (٤٢/٥) كتاب الحج: باب رفع
الصوت بالتلبية، والحاكم (١/ ٤٥١) كلهم من طريق محمد بن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن
محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن يربوع عن أبي بكر الصديق قال: سئل رسول الله - صل * -: أي
العمل أفضل؟ قال: العج والثج.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال الترمذي: حديث أبي بكر حديث غريب لا
نعرفه إلا من حديث ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان ومحمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن
يربوع وقد روى محمد بن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن بن یربوع عن أبيه غير هذا الحدیث وروی أبو
نعيم ضرار بن صرد هذا الحديث عن ابن أبي فديك عن الضحاك عن عثمان عن محمد بن المنكدر عن سعيد
ابن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه عن أبي بكر عن النبي - رَّر - وأخطأ فيه ضرار.
=

١١٣
كِتَابُ الْحَجْ
والعج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج هو سيلان الدم، وعن خلاد بن السائب الأنصاري عن
أبيه - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّ؛ أنه قال: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ وَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي؛
أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجْ)) (١) أمر برفع الصوت في التلبية، وأشار إلى
قال أبو عيسى: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل من قال (في هذا الحديث) عن
=
محمد بن المنكدر عن ابن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه فقد أخطأ .
وقال: وسمعت محمداً يقول: وذكرت له حديث ضرار بن صرد عن ابن أبي فديك فقال: هو خطأ
فقلت: قد رواه غيره عن ابن أبي فديك أيضاً مثل روايته فقال: لا شيء، إنما رووه عن ابن أبي فديك
ولم يذكروا فيه عن سعيد بن عبد الرحمن ورأيته يضعف ضرار بن صرد ا. هـ.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٤/٣_٣٥): وهذه الرواية التي خطأها أحمد والبخاري هي عند ابن أبي
شيبة في ((مسنده)) فقال: حدثنا محمد بن عمر الواقدي ثنا ربيعة عن عثمان والضحاك جميعاً عن
محمد بن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن أبي بكر الصديق سئل رسول الله - وَمالية -...
الحديث وذكر شيخنا الذهبي في ((ميزانه)» عبد الرحمن بن يربوع فقال: ما روى عنه سوى ابن المنكدر
وهذا غلط فإن البزار قال في ((مسنده)) عقيب ذكره لهذا الحديث عن عبد الرحمن بن يربوع قديم حدث
عنه عطاء بن يسار ومحمد بن المنكدر وغيرهما وأظن أن الذي أوقع الذهبي في ذلك كون المزي في
((كتابه)) لم يذكر راوياً عنه غير ابن المنكدر وكثيراً ما وقع له مثل ذلك في كتبه والله أعلم. وقال الدار قطني
في ((كتاب العلل)»: هذا حديث يرويه محمد بن المنكدر واختلف عنه فرواه ابن أبي فديك عن
الضحاك بن عثمان عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن يربوع عن أبي بكر، وقال: ضرار بن
صرد عن ابن أبي فديك عن الضحاك عن ابن المنكدر عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه ورواه
الواقدي عن ربيعة بن عثمان والضحاك جميعاً عن محمد بن المنكدرعن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع
عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقال الواقدي أيضاً: عن المنكدر عن محمد عن أبيه عن عبد
الرحمن بن سعيد بن يربوع عن جبير بن الحويرث عن أبي بكر والقول الأول أشبه بالصواب وقال أهل
النسب: إنه عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع ومن قال سعيد بن عبد الرحمن فقد وهم ا. هـ.
وللحديث شواهد كثيرة من حديث ابن مسعود وجابر وابن عمر.
۔ حديث ابن مسعود:
أخرجه أبو حنيفة في ((مسنده)) رقم (٢٢٣) عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عبد الله بن
مسعود قال: قال رسول الله - ﴿لـ: أفضل الحج العج والثج وأخرجه أبو يعلى (١٩/٩) رقم (٥٠٨٦)
حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا أبو أسامة حدثنا أبو حنيفة به.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٢٧/٣) وقال: رواه أبو يعلى وفيه رجل ضعيف.
(١) أخرجه مالك (٣٣٤/١) كتاب الحج: باب رفع الصوت بالإهلال (٣٤) وأبو داود (٤٠٥/٢) كتاب
المناسك: باب كيف التلبية (١٨١٤) والنسائي (١٦٢/٥) كتاب الحج: باب رفع الصوت بالإهلال
والترمذي (١٩١/٣) كتاب الحج: باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية (٨٢٩) وابن ماجه (٩٧٥/٢)
كتاب المناسك: باب رفع الصوت بالتلبية (٢٩٢٢) وأحمد (٥٦/٤) والشافعي في ((المسند)) (٣٠٦/١)
كتاب الحج: باب فيما يلزم المحرم عند تلبية بالإحرام (٧٩٤) والدارمي (٢/ ٣٤) كتاب الحج: باب رفع
الصوت بالتلبية والحميدي (٣٧٧/٢) رقم (٨٥٣) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٥٠/٤) وابن خزيمة =
بدائع الصنائع ج٣ - م٨

١١٤
كِتَابُ الْحَجْ
(١٧٣/٤) رقم (٢٦٢٥، ٢٦٢٧) وابن حبان (٤٢/٦) رقم (٣٧٩١) والحاكم (٤٥٠/١) وابن الجارود
=
رقم (٤٣٤) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣١/٤-٣٢ - بتحقيقنا) من طريق عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر عن خلاد بن السائب عن أبيه.
قال الترمذي: حسن صحيح وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد عن النبي
- ◌َ * - ولا يصح والصحيح هو خلاد بن السائب عن أبيه وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد
الأنصاري ا. هـ. والذي أشار إليه الترمذي وهو حديث خلاد بن السائب عن زيد بن خالد.
أخرجه أحمد (١٩٢/٥) وابن ماجه (٩٧٥/٢) كتاب المناسك: باب رفع الصوت بالتلبية (٢٩٢٣) وابن
خزيمة (١٧٤/٤) رقم (٢٦٢٨) والحاكم (٤٥٠/١) وابن حبان (٤٣/٦ - الإحسان) رقم (٣٧٩٢)
والبيهقي (٤٢/٥) من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد
الجهني عن رسول الله - رَ ﴾ - قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية
فإنها من شعار الحج. وصححه الحاكم.
وقال ابن حبان: سمع هذا الخبر خلاد بن السائب من أبيه ومن زيد بن خالد الجهني ولفظاهما مختلفان
وهما طريقان محفوظان قال البيهقي (٤٢/٥): بعد أن أورد الحديثين: ورواه ابن جريج قال: كتب إلى
عبد الله بن أبي بكر فذكره ولم يذكر أبا خلاد في إسناده والصحيح رواية مالك وابن عيينة عن عبد الله بن
أبي بكر عن عبد الملك عن خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول الله - وَل ـ.
- كذلك قاله البخاري وغيره:
ورواه المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهني قال: جاء جبريل
عليه السلام إلى رسول الله - بَل ـ فقال: مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج.
حدثنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي إملاء أنبأنا أبو حامد بن الشرقي ثنا محمد بن يحيى
الذهلي ثنا عبد الرزاق أنبأنا الثوري عن أبي لبيد عن المطلب بن حنطب فذكره.
وكذلك رواه شعبة عن عبد الله بن أبي لبيد إلا أنه قال: قال رسول الله - وَليه -: أتاني جبريل.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس الأصم ثنا العباس الدوري ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا شعبة فذكره،
وکذلك قاله وکیع عن الثوري. ا. هـ.
- وللحديث شاهد عن أبي هريرة:
أخرجه أحمد (٣٢٥/٢) والحاكم (٤٥٠/١) وابن خزيمة (١٧٤/٤) رقم (٢٦٣٠) والبيهقي (٤٢/٥) من
طريق ابن وهب عن أسامة بن زيد أن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وعبد الله بن أبي لبيد أخبراه
عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - رَّم -: أمرني جبريل
برفع الصوت بالإهلال فإنه من شعار الحج.
قال الحاكم: هذه الأسانيد كلها صحيحة وليس يعلل واحد منها الآخر فإن السلف - رضي الله عنهم - كان
يجتمع عندهم الأسانيد لمتن واحد كما يجتمع عندنا الآن. وصححه ابن خزيمة أيضاً.
- وللحديث شاهد أيضاً من حديث ابن عباس:
أخرجه أحمد (٣٢١/١) عنه أن رسول الله - وَ لجر - قال: أتاني جبريل فأمرني أن أعلن بالتلبية.
وللحافظ البوصيري كلام في ((زوائد ابن ماجه)) حول حديث خلاد بن السائب عن زيد سنذكره.
قال رحمه الله (١٤/٣): رواه مالك في الموطأ، وأصحاب السنن الأربعة، من حديث خلاد بن السائب،

١١٥
كِتَابُ الْحَجْ
المعنى أنها من شعائر الحج، والسبيل في أذكار هي من شعائر الحج أمر برفع الصوت في
(١)
التلبية، وأشار إلى المعنى أنها من شعائر الحج، والسبيل في أذكار هي من شعائر الحج"
إشهارها وإظهارها؛ كالأذان ونحوه.
والسنة: أن يأتي بتلبية رَسُولِ اللهِ وَ لَه وهي أن يقول: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَيْكَ لاَ شَرِيكَ
لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ، لاَ شَرِيكَ لَكَ))(٢) كذا روي عن ابن مسعود، وابن
عمر هذه الألفاظ في تلبية رسول الله وَ ر فالسنة أن يأتي بها، ولا ينقص شيئاً منها، وإن زاد
عليها فهو مستحب عندنا، وعند الشافعي: لا يزيد عليها كما لا ينقص منها، وهذا غير سديد؛
لأنه لو نقص منها لترك شيئاً من السنة، ولو زاد عليها فقد أتى بالسنة وزيادة، والدليل عليه ما
روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أَنَّهُمْ كَانُوا يَزِيدُونَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللهِ وَّ؛
عن أبيه السائب بن خلاد. خلا قوله: فإنها من شعار الحج، وهو المحفوظ، فإن كان ابن أسير حفظه،
=
فيحتمل أن يكون خلاد سمعه من أبيه، وعن زيد بن خالد جميعاً.
ورواه الحاكم في المستدرك، عن عبد الله بن محمد بن موسى، عن إسماعيل بن قتيبة، عن وكيع به
ورواه أيضاً عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه، عن بشر بن موسى، عن الحميدي، عن سفيان، عن
عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك هشام، عن خلاد بن السائب، عن أبيه، عن النبي - وَّةٍ - به.
ثم رواه من طريق أبي هريرة، وقال: هذه الأسانيد كلها صحيحة، وليس يعلل واحد منها الآخر، ورواه
البيهقي في سنته الكبرى عن الحاكم.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن وكيع به، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من هذا
الوجه .
ورواه عبد بن حميد في مسنده، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان. فذكره، ورواه أبو يعلى الموصلي في
مسنده، عن أبي خيثمة، عن وکیع به .
وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه الحاكم أيضاً، وعنه رواه البيهقي ا. هـ. وقع للحافظ الزيلعي في
((نصب الراية)) (٣٥/٣) وهم، حيث عزا حديث خلاد بن السائب عن أبيه إلى الستة، وهو وهم،
فالحديث عند أصحاب السنن فقط .
(١) في أ: الإسلام.
(٢) أخرجه البخاري (١٩١/٤) كتاب الحج، باب التلبية الحديث (١٥٤٩).
ومسلم (٣٤٤/٤) كتاب الحج، باب التلبية وصفتها الحديث (١١٧٤) وأبو داود (١٦٢/٢) كتاب
المناسك، باب كيفية التلبية الحديث (١٨١٢).
والترمذي (١٧٨/٣) كتاب الحج، ما جاء في التلبية الحديث (٨٢٥) والنسائي (١٦٠/٥) كتاب مناسك
الحج، باب كيفية التلبية وابن ماجه (٩٧٤/٢) كتاب المناسك، باب التلبية الحديث (٢٩١٨) وأحمد (٢/
٣، ٢٨، ٣٤، ٤١، ٤٣، ٤٧، ٤٨، ٥٣، ٧٧، ٧٩، ١٣١،١٢٠) وابن حبان في صحيحه (١٠٨/٩) رقم
(٣٧٩٩) وابن خزيمة رقم (٢٢٦١)، (٢٢٦٢) والبيهقي (٤٤/٥) كتاب الحج، باب كيفية التلبية
والطحاوي (١٢٤/٢) والدارقطني (٢٢٥/٢) والبغوي (٢٩/٤) الحديث (١٨٥٨ - بتحقيقنا).

١١٦
كِتَابُ الْحَجّ
كَانَّ ابْنُ مَسْعُودٍ - رضي الله تعالى عنه - يَزِيدُ ((لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ، لَبَيْكَ لَبِّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، لَبَّيْكَ
لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ))، وكان ابن عمر يزيد: (لَبَّيْكَ وَسَعْدَنَّكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ
وَالرّغْبَاءُ إِلَيْكَ)) ويروى: ((وَالْعَمَلُ وَالرّغْبَاءُ إِلَيْكَ))؛ ولأن هذا من باب الحمد لله تعالى، والثناء
عليه، فالزيادة عليه تكون مستحبة لا مكروهة.
ثم اختلفت الرواية في تلبية رسول الله بَّرَ في هذه الكلمة، وهي قوله: ((لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ
وَالتّعْمَةَ لَكَ)) رويت بالكسر والفتح، والكسر أصح، وهكذا ذكر محمد في الأصل؛ أن الأفضل
أن يقول بالكسر، وإنما كان، كذلك؛ لأن معنى الفتح فيها يكون على التفسير أو التعليل، [أي:
ألبي] (١) بأن الحمد لك، أو ألبي؛ لأن الحمد لك، أي: لأجل أن الحمد لك، وإذا كسرتها صار
ما بعدها ثناء وذكراً مبتدأ، لا تفسيراً ولا تعليلاً، فكان أبلغ فى الذكر والثناء؛ فكان أفضل.
((وإذا قدم مكة فَلاَ يَضُرُّهُ لَيلاً دخلها أو نهاراً؛ لما روي أن النبي وَ﴿ دَخَلَهَا نَهَاراً(٢)،
وروي أنه دخلها ليلاً، وكذا روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها دَخَلَتْهَا لَيْلاً)).
وروي أن الحسن والحسين - رضي الله عنهما - دخلاها ليلاً، وما روي عن عمر - رضي
الله تعالى عنه - أنه نهى عن دخول مكة ليلاً، فهو محمول على نهي الشفقة مخافة السرقة، كذا
أوله ابراهيم النخعي؛ ولأنه إذا دخل ليلاً لا يعرف موضع النزول، فلا يدري أين ينزل(٣)،
وربما نزل في غير موضع النزول فيتأذى به، ويدخل المسجد الحرام.
والأفضل أن يدخل من باب بني شيبة، ويقول: ((اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وأَعِذْنِي مِنَ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيم))، وإذا وقع نظره على البيت يقول ويخفي: ((سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلاَ إِلَّهَ إِلاَّ
الله، وَالله أَكْبَرُ،َ اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ عَظَّمْتَهُ وَشَرَّفْتَهُ وَكَرَّمْتَهُ، فَزِدْهُ تَعْظِيماً، وَتَشْرِيفاً وَتَكْرِيماً، وَيَبْدَأ
بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فإذَا اسْتَقْبَلَهُ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ: كَمَا يَرْفَعُهُمَا فِي الصَّلاَةِ، لَكِنْ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ)) لما روي
عن مكحول أن النبي ◌َّ لما دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَدأَ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَاسْتَقْبَلَهُ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ (٤).
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: أن لبى.
(٢) روى الشافعي في الأم (١٤٦/٢).
والبيهقي في المعرفة (٤٥/٤) رقم (٢٩٠٥) مرسلاً عن عروة أن رسول الله - وس لو - بات بذي طوى حتى
صلى الصبح ثم اغتسل بها ودخل مكة.
(٣) في أ: نزل.
(٤) في بعض ألفاظ حديث جابر في الحج: ((أن رسول الله - وَلقر - لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى
على يمينه مزمل ثلاثاً ومشى أربعاً، رواه مسلم (٤٥٣/٤) كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف
الحديث (١٢١٨/١٥٠) والنسائي (٢٢٨/٥) كتاب المناسك، باب كيف يطوف أول ما يقدم وعلى أي
شقیه یأخذ.
والترمذي (٢٠٢/٣) كتاب الحج، باب ما جاء كيف الطواف الحديث (٨٥٦).

١١٧
كِتَابُ الْحَجْ
وروينا عن النبي ◌َّ في كتاب الصلاة؛ أنه قال: ((لاَ تُزْفَعُ الأَيْدِي إِلاَّ فِي سَبْعِ مَوَاطِن،
وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا عِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ))(١) ثم يرسلهما ويستلم الحجر إن أمكنه ذلك من
غير أن/ يؤذي أحداً .
٢٣٣ب
والأفضل أن يقبله؛ لما روي أن عمر - رضي الله عنه - الْتَزَمَهُ وَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ
اللهَ وَّ بِكَ حَفِيّاً، وروي أنه قال: ((وَالله إِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ [وأنك](٢) لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ،
وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يُقَبْلُكَ(٣) مَا قَبَلْتُكَ)) (٤)، وفي رواية أُخرى قال: ((لَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ يَسْتَلِمُكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ، ثُمَّ اسْتَلَمَهُ)).
(١) رواه الطبراني (٣٨٥/١١) رقم (١٢٧٢) وقال الهيثمي في المجمع (١٠٣/٢) وفيه محمد بن أبي ليلى
وهو ضعيف لسوء حفظه وقد وثق.
وقال الزيلعي نصب الراية (٣٨/٣):
((وليس فيه استلام الحجر)" ا. هـ.
(٢) سقط في ط .
(٣) في أ. قبلك.
(٤) أخرجه البخاري (٤٦٢/٣) كتاب الحج: باب ما ذكر في الحجر الأسود حديث (١٥٩٧) ومسلم (٢/
٩٢٥-٩٢٦) كتاب الحج: باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف حديث (١٢٧٠/٢٥١) وأبو
داود (٥٧٧/٢) كتاب المناسك باب في تقبيل الحجر حديث (١٨٧٣) والنسائي (٢٢٧/٥) كتاب الحج:
باب تقبيل الحجر والترمذي (٥٠٧/٣ - تحفة) أبواب الحج: باب ما جاء في تقبيل الحجر حديث (٨٦٢)
وأحمد (٧٦/١) والبيهقي (٧٤/٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٦٨/٤ - بتحقيقنا) من طريق عابس بن
ربيعة عن عمر وقال الترمذي: حسن صحيح.
وأخرجه مسلم (٩٢٥/٢) كتاب الحج: باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف حديث (٢٤٨/
١٢٧٠) والنسائي في ((الكبرى)) (٤٠٠/٢) كتاب الحج: باب تقبيل الحجر رقم (٣٩١٩) وابن الجارود
(٤٥٢) وابن خزيمة (٢١٢/٤) رقم (٢٧١١) من طريق ابن وهب عن يونس وعمرو بن الحارث عن
الزهري عن سالم عن أبيه أنه حدثه قال: قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: أما والله لقد علمت أنك
حجر ولولا أني رأيت رسول الله - # - يقبلك ما قبلتك. أخرجه البخاري (٥٥٥/٣) كتاب الحج: باب
تقبيل الحجر حديث (١٦١٠) من طريق زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر.
أخرجه مسلم (٩٢٥/٢) كتاب الحج: باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف حديث (٢٤٩/
١٢٧٠) والدارمي (٥٢/٢-٥٣) كتاب المناسك: باب في تقبيل الحجر من طريق حماد بن زيد عن أيوب
عن نافع عن ابن عمر عن عمر وأخرجه مسلم (٩٢٥/٢) كتاب الحج: باب استحباب تقبيل الحجر
الأسود في الطواف حديث (٢٥٠/ ١٢٧٠) وابن ماجه (٩٨١/٢) كتاب المناسك: باب استلام الحجر
حديث (٢٩٤٣) والنسائي ((الكبرى)) (٢/ ٤٠٠) كتاب الحج: باب تقبيل الحجر رقم (٣٩١٨) وأحمد (٣٥/١)
والحميدي (٧/١) رقم (٩) والطيالسي (٢١٦/١ - منحة) رقم (١٠٤٥) من طريق عاصم الأحول عن
عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصلع (يعني عمر بن الخطاب) يقبل الحجر ويقول: والله إني لأقبلك وإني
أعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله - ◌َّ - قبلك ما قبلتك. واللفظ لمسلم.
=

١١٨
كِتَابُ الْحَجْ
وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله وَّ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ
وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ فَبَكَى طَوِيلاً، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ الله، رَأَيْتُكَ تَبْكِي فَبَكَيْتُ لِبُكَائِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: (هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ))(١).
وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: ((طَافَ رَسُولُ اللهِ وَّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ
ولفظ ابن ماجه والحميدي: رأيت الأصلع بالتصغير وأخرجه مسلم (٩٢٥/٢) كتاب الحج: باب
=
استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف حديث (١٢٧١/٢٥٢) والنسائي (٢٢٧/٥) كتاب الحج: باب
استلام الحجر الأسود وأحمد (٣٩/١) والطيالسي (٢١٦/١ - منحة) رقم (١٠٤٤) وأبو يعلى (١٦٩/١)
رقم (١٨٩) والبيهقي (٧٤/٥) من طريق سويد بن غفلة قال: رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر
ويقول: ((إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكني رأيت رسول الله - وَلّ - بك حفياً)).
وأخرجه الدارمي (٥٣/٢) كتاب الحج: باب في تقبيل الحجر والطيالسي (٢١٥/١ - منحة) (١٠٤٣) وابن
خزيمة (٢١٣/٤) رقم (٢٧١٤) والحاكم (٤٥٥/١) والبيهقي (٧٤/٥) من طريق جعفر بن عبد الله بن
عثمان قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر يستلم الحجر ثم يقبله ويسجد عليه فقلت له ما هذا فقال: رأيت
خالك عبد الله بن عباس يفعله ثم قال: رأيت عمر فعله ثم قال: إني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول
الله - رَ﴾ - يفعل هذا وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وصححه أيضاً ابن خزيمة
وأخرجه البزار (٢٣/٢ - كشف) رقم (١١١٤) وأبو يعلى (١٩٢/١) رقم (٢١٩) من طريق جعفر بن محمد
المخزومي قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه وقال: رأيت عمر بن الخطاب يقبل
الحجر ويسجد عليه وقال: رأيت رسول الله - وَ ل * - يفعله)) قال البزار: لا نعلمه عن عمر إلا بهذا الإسناد
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٤٤/٣) وقال: رواه أبو يعلى بإسنادين وفي أحدهما جعفر بن محمد
المخزومي وهو ثقة وفيه كلام وبقية رجاله رجال الصحيح وللحديث طرق أخرى عند أبي يعلى.
فأخرجه (١٩١/١ -١٩٢) من طريق ابن أبي ليلى عن عطاء عن يعلى بن أمية عن عمر به.
وأخرجه أيضاً (١/ ١٩٣) من طريق هشام بن حبيش الأشقر عنه وهشام بن حبيش ذكره ابن أبي حاتم في
((الجرح والتعديل)) (٩/ ٥٣) وقال: لم يرو عنه إلا ابنه حزام ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وأخرجه مالك (٢٦٤/١ - تنوير) كتاب الحج: باب تقبيل الركن الأسود في الاستلام عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عمر.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث مرسل وهو يستند من وجوه صحاح منها طريق الزهري عن سالم عن أبيه
وذكر البزار أن هذا الحديث رواه عن عمر مسنداً أربعة عشر رجلاً وفي الباب عن أبي بكر الصديق.
أخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني في ((العلل)) كما في ((تحفة الأحوذي)) (٥٠٧/٣) عنه أنه وقف عند الحجر
ثم قال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله - وَل ــ يقبلك ما قبلتك.
(١) أخرجه ابن ماجه (٩٨٢/٢) كتاب المناسك، باب استلام الحجر الحديث (٢٩٤٥). والحاكم (٤٥٤/١)
وابن خزيمة (٢١٢/٤) رقم (٢٧١٢) من حديث ابن عمر.
وقال البوصيري في الزوائد (١٨/٣): ((هذا إسناد ضعيف: محمد بن عون ضعفه ابن معين وأبو حاتم
وأبو زرعة والبخاري والنسائي وغيرهم رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصحح إسناده ومن طريقه
البيهقي وقال تفرد به محمد بن عون ورواه عبد بن حميد في مسنده عن يعلى به)) ا. هـ.

١١٩
كِتَابُ الْحَجْ
عَلَى بَعِيرِ يَسْتَلِمُ الرُكْنَ بِمِحْجَنٍ، ثُمَّ يُردُّهُ إِلَى فِيهِ»(١) وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -
عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((لِيَبْعَثُنَّ الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ
بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَتْطِقُ بِهِ، فَيَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالْحَقِّ»(٢).
وروي أي أصحاب رسول الله وَِّ ((كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْحَجَرَ ثُمَّ يُقَبِّلُونَه))، فيلتزمه ويقبله إن
أمكنه ذلك، من غير أن يؤذي أحداً، لما روي عن رسول الله وَليل؛ أنه قال لعمر يَا أَبَا حَفْص،
إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، وإِنَّكَ تُؤْذِي الضَّعِيفَ، فَإِذا وَجَدْتَ مَسْلَكاً فَاسْتَلِمْ وَإِلَّ فَدَعْ وَكَبِرْ وَهَلِّلْ(٢).
ولأن الاستلام سنة، وإيذاء المسلم حرام، وترك الحرام أولى من الإتيان بالسنة، وإذا لم يمكنه
ذلك من غير أن يؤذي استقبله، وكبر وهلل وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ◌َّ كما
يصلى عليه في الصلاة.
ولم يذكر عن أصحابنا فيه دعاء بعينه؛ لأن الدعوات لا تحصى، وعن مجاهد؛ أنه كان
يقول؛ إِذَا أَتَيْتَ الرُّكْنَ فَقُلْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِجَابَةَ دَعْوَتِكَ، وابْتِغَاءَ رِضْوَانِكَ وَاتْبَاعَ سُنَّةٍ
نَبِّكَ)).
وعن عطاء - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول الله وَّهَ إذا مَرَّ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ، ((قَال
أَعُوذُ بِرَبِّ هَذَا الْحَجرِ مِنَ الدَّيْنِ، وَالْفَقْرِ، وَضِيقِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ)) ولا يقطع التلبية عند
استلام الحجر، ويقطعها في العمرة، لما نذكر إن شاء الله، ثم يفتح الطواف، وهذا الطواف
يسمى طواف اللقاء، وطواف التحية وطواف أول عهد بالبيت، وأنه سنة عند عامة العلماء،
وقال مالك : إنه فرض.
واحتج بظاهر قوله - عز وجل: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أمر بالطواف
بالبيت؛ فدل على الوجوب والفرضية.
ولنا: أنه لا يجب على أهل مكة بالإجماع، ولو كان ركناً لوجب عليهم؛ لأن الأركان لا
(١) تقدم.
(٢) أخرجه أحمد (٢٩١/١، ٣٠٧، ٣٧١) والترمذي (٢٨٥/٣) كتاب الحج، باب ما جاء في الحجر الأسود
الحديث (٩٦١) وابن حبان (٢٥/٩-٢٦) رقم (٣٧١٢) وابن خزيمة (٢٢٠/٤) رقم (٢٧٣٥) والطبراني
في الكبير (٦٣/١٢) رقم (١٢٤٧٩).
(٣) أخرجه أحمد (٢٨/١) وعبد الرزاق (٣٦/٥) الحديث (٨٩١٠) والطحاوي في شرح المعاني (١٧٨/٢)
والبيهقي في السنن الكبرى (٨٠/٥) والدارقطني في العلل (٢٥٢/٢) رقم (٢٥١) من حديث أبي يعفور
العبدي عن رجل من خزاعة عن عمر.
قال الدارقطني: ذكروا أنه عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث. وانظر تحريمه في نصب الراية (٣/
٣٩).

١٢٠
كِتَابُ الْحَجْ
تختلف بين أهل مكة وغيرهم كطواف الزيارة، فلما لم يجب على أهل مكة دل أنه ليس بركن،
والمراد من الآية طواف الزيارة؛ لإجماع أهل التفسير ولأنه خاطب الكل بالطواف بالبيت،
وطواف الزيارة هو الذي يجب على الكل، فأما طواف اللقاء؛ فإنه لا يجب على أهل مكة، دل
على أن المراد هو طواف الزيارة، وكذا سياق الآية دليل عليه؛ لأنه أمرنا بذبح الهدايا بقوله -
عز وجل: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]،
وأمر بقضاء التفث، وهو الحلق والطّواف بالبيت عقيب ذبح الهدي؛ لأن كلمة ثَم للترتيب مع
التعقيب، فيقتضي أن يكون الحلق والطواف مرتبين على الذبح، والذبح يختص بأيام النحر لا
يجوز قبلها؛ فكذا الحلق والطواف وهو طواف الزيارة.
فأما طواف اللقاء: فإنه يكون سابقاً على أيام النحر، فثبت أن المراد من الآية الكريمة
طواف الزيارة؛ وبه نقول: إنه ركن.
وإذا افتتح الطواف يأخذ عن يمينه مما يلي الباب، فيطوف بالبيت سبعة أشواط، يرملُ
في الثلاثةِ الأَوَلِ، ويمشي على هِيَنتِهِ في الأربعة الباقية، والأصل فيه ما روي عنٍ رسول
اللهِ وَِّ(أَنَّهُ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَخَذَ عَنْ يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ))(١) .
وأما الرمل: فالأصل فيه أن كل طواف بعده سعي، فمن سننه الاضطباع والرمل في
الثلاثة الأشواط الأول منه، وكل طواف ليس بعده سعي ـ فلا رمل فيه، وهذا قَوْلُ عامة
الصَّحَابة - رضي الله تَعَالَى عنهم - إلا ما حكي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ((أَنَّ
الرَّمَلَ في الطَّوَافِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ)) .
وجه قوله: إن النبي ◌َّل﴿ إنما رَمَلَ وندب أصحابه إليه؛ لإظهار الجلد للمشركين وإبداء
القوة لهم من أنفسهم، فإنه روي؛ ((أَنَّهُ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ وَكُفَّارُ قُرَيْشِ قَدْ
صَفَّتْ عِنْدَ دَارِهِ الَّذْوَةِ، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَيَسْتَضْعِفُونَهُمْ، وَيَقُولُونَ: أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ/ فَلَمَّا
دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ المَسْجِدَ اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ وَرَمَلَ))، ثُمَّ قَالَ: ((رَحِمَ الله امْرَأَ أَبْدَى مِنْ نَفْسِهِ
جَلَدًا))(٢) وروي أنه وَّ قال: ((رَحِمَ الله امْرَأَ أَرَاهُمُ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً))(٣)، وذلك المعنى قد
١٢٣٤
(١) تقدم.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩/٤) كتاب الحج، باب كيف كان بدء الرمل الحديث (١٦٠٢) ومسلم (١٣/٥)
كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة الحديث (١٢٦٦).
وأبو داود (١٧٨/٢) كتاب المناسك، باب في الرمل الحديث (١٨٨٦) والنسائي (٢٣٠/٥) كتاب
المناسك، باب العلة التي من أجلها سعى النبي - رَّر - بالبيت.
(٣) انظر السابق.