النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كِتَابُ الْحَجْ
والحديث ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٥٤/٣)، وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في
=
((الكبير)) ... ورجاله موثقون ا. هـ. وصححه ابن حبان.
۔ ومن طريق آخر عن جابر:
أخرجه ابن ماجه (١٠٠٢/٢): كتاب المناسك: باب الموقف بعرفات، حديث (٣٠١٢)، من طريق
القاسم بن عبد الله العمري، ثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله - وَلـ: ((كل عرفة
موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف، وارتفعوا عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ما
وراء العقبة)».
قال الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (٢٧/٣): هذا إسناد ضعيف القاسم بن عبد الله بن عمر قال فيه
أحمد بن حنبل: كان كذاباً يضع الحديث ترك الناس حديثه وقال البخاري: سكتوا عنه وقال أبو حاتم
وأبو زرعة والنسائي متروك الحديث ا. هـ وذكره مالك في ((الموطأ)) (٣٨٨/١) كتاب الحج: باب الوقوف
بعرفة والمزدلفة (١٦٦) بلاغاً .
- وللحديث طريق آخر عن محمد بن المنكدر مرسلاً:
أخرجه البيهقي (١١٥/٥) كتاب الحج: باب حيث ما وقف من عرفة أجزأه من طريق عبد الوهاب بن
عطاء عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن المنكدر به.
۔ حديث ابن عباس :
أخرجه الحاكم (٤٦٢/١): كتاب المناسك، والبيهقي (١١٥/٥): كتاب الحج: باب حيث ما وقف من
عرفة أجزأه، من طريق سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس
قال: قال رسول الله - رَلـ: ((عرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارفعوا
عن بطن محسر، وشعاب منى كلها منحر)).
وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وشاهده على شرط الشيخين صحيح إلا أن فيه
تقصيراً في سنده، ثم أخرجه من طريق يحيى القطان، عن ابن جريج. أخبرني عطاء، عن ابن عباس قال:
كان يقال: ((ارتفعوا عن محسر، وارتفعوا عن عرنات)).
- حديث أبي هريرة:
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٧١٦/٧) من جهة يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن داود بن فراهج،
عنه، والنوفلي ضعيف.
قال الذهبي في ((المغني)) (٧٥١/٢): مجمع على ضعفه.
وله طريق صحيح، ذكره ابن عبد البر كما في: ((تلخيص الحبير)) (٢٥٥/٢)، رواه عبد الرزاق. عن
معمر، عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة به .
- حديث حبيب بن خماشة:
أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٣٨٠ - بغية)، في مسنده، قال حدثنا محمد بن عمر، ثنا صالح بن
خوات عن يزيد بن رومان، عن حبيب بن عمير بن عدي، عن حبيب بن خماشة الجهني، قال: سمعت
رسول الله - ◌َ﴾ - يقول بعرفة: ((عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر))،
وذكره الحافظ في ((التلخيص)) (٢٥٥/٢)، وقال رواه ابن قانع في معجم الصحابة، وفي إسناده الواقدي.
وهو كذاب.
=

٦٢
كِتَابُ الْحَجْ
وهو قوله ◌َّ: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ)) (١)، فمن وقف بعرفة فقد تم حجه مطلقاً، من غير تعيين موضع
دون موضع، إلا أنه لا ينبغي أن يقف في بطن عرنة؛ لأن النبي وَّ نَهَى عن ذلك، وأخبر أنه
وادي الشيطان.
وأما زمانه، فزمان الوقوف من حين تزول الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني
من يوم النحر، حتى لو وقف بعرفة في غير هذا الوقت - كان وقوفه وعدم وقوفه سواء؛ لأنه
فرض مؤقت، فلا يتأدى في غير وقته كسائر الفرائض المؤقتة إلا في حال الضرورة، وهي حالُ
الاشتباه استحساناً على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وكذا الوقوف قبل الزوال لم يجز ما لم
يقف بعد الزوال، وكذا من لم يدرك عرفة بنهار، ولا بليل - فقد فاته الحج.
والأصلُ فيه ما روي أن النبي ◌ََّ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَقَالَ: ((خُذُوا عَنِّي
مَنَاسِكَكُمْ))(٢)، فكان بياناً لأول الوقت. وقال وَِّ (مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجّ، وَمَنْ فَاتَهُ
عَرَفَةُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَّهُ الْحَجُ))(٣)، وهذا بيان آخر الوقت، فدل أن الوقت يبقى ببقاء الليل، ويفوت
بفواته .
وهذا الذي ذكرنا قولُ عامة العلماء. وقال مالك: وقتُ الوقوفِ هو الليل، فمن لم يقف
=
۔ حديث ابن عمر:
أخرجه ابن عدي (١٥٩٠،١٥٨٩/٤)، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري.
تركوه واتهمه بعضهم .
وقال الحافظ: متروك.
ينظر المغني للذهبي (٣٨٢/٢) والتقريب (٤٨٧/١ - ٤٨٨).
(١) تقدم تخريج الحديث.
(٢) أخرجه أحمد (٣١٨/٣)، ومسلم (٩٤٣/٢): كتاب الحج: باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر،
الحديث (١٢٩٧/٣١٠)، وأبو داود (٤٩٥/٢): كتاب المناسك: باب في رمي الجمار، الحديث
(١٩٨٠)، والنسائي (٢٧٠/٥): كتاب المناسك: باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، وابن
ماجه (١٠٠٦/٢) كتاب المناسك: باب الوقوف بجمع حديث (٣٠٢٣)، والترمذي: (٢٣٤/٣): كتاب
الحج: باب ما جاء في الإفاضة من عرفات (٨٨٦) مختصراً.
وابن خزيمة (٢٧٧/٤ - ٢٧٨)، وأبو يعلى (١١١/٤)، رقم (٢١٤٧) وقال الترمذي: هذا حديث حسن
صحیح.
من حديث جابر بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله - وَّله - يرمي على راحلته، يعني يوم النحر، وهو
يقول: ((لتأخذوا مناسككم [فإني] لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)).
ولفظ النسائي: يا أيها الناس خذوا مناسككم.
(٣) عزاه الزيلعي في نصب الراية (٩٣/٣) لابن أبي شيبة في مصنفه عن عطاء مرسلاً وقال: وهذا مرسل .
ضعيف فإن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف لم يثبته ابن عدي ا. هـ.

٦٣
کِتَابُ الْحَجْ
في جزء من الليل لم يجز وقوفه. واحتج بما روي عن النبي وَّر أنه قال: ((مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَة بِلَيْلِ
فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ))(١)، علق إدراك الحج بإدراك عرفة بليل؛ فدل أن الوقوف بجزء من الليل هو
وقتُ الركن.
ولنا ما روي عن النبي ◌َّ؛ أنه قال: ((مَنْ وَقَفَ مَعَنَا هَذَا الْمَوْقِفَ، وَصَلَّى مَعَنَا هَذِهِ
الصَّلاَةَ، وَكَانَ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ سَاعَةٌ مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ وَقَضَى تَفَثَهُ))(٢)، أخبر
النبي ◌ِّر عن تمام الحج بالوقوف ساعة من ليل أو نهار، فدل أن ذلك هو وقت الوقوف غير
عين. وروينا عن النبي ◌ََّ؛ أنه قال: ((مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ))(٣)، مطلقاً عن الزمان،
إلا أن زمان ما قبل الزوال، وبعد انفجار الصبح من يوم النحر ليس بمراد بدليل، فبقي ما بعد
الزوال إلى انفجار الصبح مراداً؛ ولأن/ هذا نوع نسك، فلا يختص بالليل كسائر أنواع ٢٢٣ب
المناسك .
ولا حجة له في الحديث؛ لأن فيه: من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج، وليس فيه أن
من لم يدركها بليل ماذا حكمه؟ فكان متعلقاً بالمسكوت؛ فلا يصح.
ولو اشتبه على الناس هلال ذي الحجة، فوقفوا بعرفة بعد أن أكملوا عدة ذي القعدة
ثلاثين يوماً، ثم شهد الشهود؛ أنهم رأوا الهلال يوم كذا، وتبين أن ذلك اليوم كان يوم النحر .
فوقوفهم صحيح، وحجتهم تامة استحساناً، والقياس ألا يصح وجه القياس؛ أنهم وقفوا في
غير وقت الوقوف فلا يجوز؛ كما لو تبين أنهم وقفوا يوم التروية، وأي فرق بين التقديم
والتأخير، والاستحسان ما روي عن رسول الله وَلّه أنه قال: ((صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ
وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَخُونَ وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ)). وروي: ((وَحَجُكُمْ يَوْمَ تَحُجُونَ)).
فقد جعل النبي ◌َّ وقت الوقوف أو الحج وقتاً تقف أو تحج فيه الناس، والمعنى فيه
من وجهين :
أحدهما: ما قال بعضُ مشايخنا: إن هذه شهادة قامت على النفي، وهي نفي جواز
الحج، والشهادة على النفي باطلة .
والثاني: أن شهادتهم جائزة مقبولة، لكن وقوفهم جائز أيضاً؛ لأن هذا النوع من الاشتباه
(١) تقدم.
(٢) أخرجه النسائي (٢٦٤/٥) والدارمي (٥٩/٢) وأحمد (٢٦٢،٢٦١/٤) وابن حبان في صحيحه (٩ / ١٦١)
رقم (٣٨٥٠) والطيالسي رقم (١٢٨٢) والطحاوي (٢٠٨/٢) والحاكم (٤٦٣/١) والطبراني في معجمه
الكبير (١٥٠/١٧) رقم (٣٧٩) من حديث عروة بن مضرس.
(٣) تقدم.

٦٤
كِتَابُ الْحَجُ
مما يغلب، ولا يمكن التحرز عنه، فلو لم نحكم بالجواز لوقع الناس في الحرج، بخلاف ما
إذا تبين أن ذلك اليوم كان يوم التروية؛ لأن ذلك نادر غاية الندرة فكان ملحقاً بالعدم؛ [ولأنهم
بهذا التأخير بنوا](١) على دليل ظاهر واجب العمل به، وهو وجوب إكمال العدة، إذا كان
بالسماء علة فعذروا في الخطأ، بخلاف التقديم؛ فإنه خطأ غير مبني على دليل رأساً، فلم
يعذروا فيه .
نظيره إذا اشتبهت القبلة فتحرى، وصلى إلى جهة، ثم تبين أنه أخطأ جهة القبلة - جازت
صلاته، ولو لم ينحر وصلى، ثم تبين أنه أخطأ - لم يجز لما قلنا؛ كذا هذا وهل يجوز وقوفُ
الشهود. روى هشام عن محمد أنه يجوز وقوفهم وحجهم أيضاً، وقد قال محمد رحمه الله :
إذا شهد عند الإمام شاهدان عشية يوم عرفة برؤية الهلال؛ فإن كان الإمام لم يمكنه الوقوف في
بقية الليل مع الناس أو أكثرهم - لم يعمل بتلك الشهادة، ووقف من الغد بعد الزوال؛ لأنهم
وإن شهدوا عشية عرفة، لكن لما تعذر على الجماعة الوقوف في الوقت وهو ما بقي من الليل -
صاروا كأنهم شهدوا بعد الوقت، فإن كان الإمام يمكنه الوقوف قبل طلوع الفجر مع الناس أو
أكثرهم؛ بأن كان يدرك الوقوف عامة الناس، إلا أنه لا يدركه ضعفة الناس - جاز وقوفه، فإن
لم يقف فات حجه؛ لأنه ترك الوقوف في وقته، مع علمه به والقدرة عليه.
قال محمد: فإن اشتبه على الناس، فوقف الإمام والناس يوم النحر، وقد كان من رأى
الهلال وقف يوم عرفة - لم يجزه وقوفه، وكان عليه أن يعيد الوقوف مع الإمام؛ لأن يوم النحر
صار يوم الحج في حق الجماعة، ووقت الوقوف لا يجوز أن يختلف، فلا يعتد بما فعله
بانفراده. وكذا إذا أخر الإمام الوقوف لمعنى يسوغ فيه الاجتهاد - لم يجز وقوف من وقف
قبله .
فإن شهد شاهدان عند الإمام بِهِلاَلٍ ذي الحجة، فرد شهادتهما؛ لأنه لا علة بالسماء،
فوقف بشهادتهما قوم قبل الإمام - لم يجز وقوفهم؛ لأن الإمام أخر الوقوف بسبب. يجوز
العمل عليه في الشرع، فصار كما لو أخر بالاشتباه. والله تعالى أعلم.
وأما قدره: فنبين القدر المفروض والواجب، أما القدر المفروض من الوقوف فهو
كينونته بعرفة في ساعة من هذا الوقت، فمتى حصل إتيانها في ساعة من هذا الوقت - تأدى
فرض الوقوف، سواء كان عالماً بها أو جاهلاً، نائماً أو يقظان، مفيقاً أو مغمى عليه، وقف بها
أو مر وهو يمشي أو على الدابة أو محمولاً؛ لأنه أتى بالقدر المفروض، وهو حصوله كائناً
بها .
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ. ولأنه بنى التأخير.

٦٥
كِتَابُ الْحَجْ
والأصل فيه ما روينا عن النبي بَّه؛ أنه قال: ((مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ))(١)، والمشي
والسير لا يخلو عن وقفة، وسواء نوى الوقوف عند الوقوف أو لم ينو بخلاف الطواف، وسنذكر
الفرق في فصل الطواف إن شاء الله، وسواء كان محدثاً أو جنباً، أو حائضاً أو نفساءَ، لأن الطهارة
ليست بشرط لجواز الوقوف، لأن حديث الوقوف مطلق عن شرط الطهارة.
[ولنا ما](٢) روي عن النبي وَّر؛ أنه قال لعائشة - رضي الله عنها - حِينَ حَاضَتْ: ((افْعَلِي
مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُ، غَيْرَ أَنَّكِ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ))(٣) ولأنه نسك غير متعلق بالبيت، فلا تشترط له
الطهار كرمي الجمار، وسواء كان قد صلى الصلاتين أو لم يصل؛ لإطلاق الحديث؛ ولأن
الصلاتين، وهما الظهر والعصر لا تعلق لهما بالوقوف، فلا يكون تركهما مانعاً من الوقوف،
والله أعلم/ .
١٢٢٤
وأما القدر الواجب من الوقوف: فمن حين تزول الشمس إلى أن تغرب، فهذا القدر من
الوقوف - واجب عندنا، وعند الشافعي: ليس بواجب، بل هو سنة؛ بناء على أنه لا فرق عنده
بين الفرض والواجب، فإذا لم يكن فرضاً لم يكن واجباً، ونحن نفرق بين الفرض والواجب؛
كفرق ما بين السماء والأرض، وهو أن الفرض اسم لما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به،
والواجب اسم لما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة العدم، على ما عرف في أصول الفقه، وأصل
الوقوف ثبت بدليل مقطوع به، وهو النص المفسر من الكتاب، والسنة المتواترة المشهورة،
والإجماع على ما ذكرنا.
(١) تقدم.
(٢) في ط: وَلِمَا.
(٣) أخرجه مالك (٤١١/١) كتاب الحج: باب دخول الحائض مكة (٢٢٤) والبخاري (٥٠٤/٣) كتاب
الحج: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت حديث (١٦٥٠) ومسلم (٨٧٣/٢) كتاب
الحج: باب بيان وجوه الإحرام حديث (١٢١١/١١٩) والنسائي (١ / ١٨٠) كتاب الحيض والاستحاضة:
باب بدء الحيض وهل يسمى الحيض نفاساً وابن ماجه (٩٨٨/٢) كتاب المناسك: باب الحائض تقضي
المناسك إلا الطواف حديث (٢٩٦٣) والدارمي (٤٤/٢) كتاب المناسك: باب ما تصنع الحاجة إذا كانت
حائضاً والشافعي في الأم (٥٩/١) وفي («المسند» (٣٨٩/١) كتاب الحج: باب مسائل متفرقة من كتاب
الحج (١٠٠٢) وابن الجارود (٤٦٦) وابن خزيمة (٣٠٢/٤) وأحمد (٢٧٣/٦) والطيالسي (٢٠٤/١ -
منحة) رقم (٩٨٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار (٢٠٣/٢) والبيهقي (٣٠٨/١) والبغوي في ((شرح
السنة)) (٧٤/٤ - بتحقيقنا) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به وأخرجه الترمذي (٤/
١٣ - تحفة) أبواب الحج: باب ما جاء ما تقضي الحائض من المناسك (٩٥١) من طريق شريك عن
جابر بن يزيد الجعفي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: حضت فأمرني النبي - ◌َّ -
أن أقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وأخرجه الطيالسي (٢١٤/١ - منحة) رقم (١٠٣٧) من طريق
ابن أبي مليكة عن عائشة أنها حاضت فقال لها النبي - ◌َطير - اقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت.
بدائع الصنائع ج٣ - ٥٢

٦٦
كِتَابُ الْحَجْ
فأما الوقوف إلى جزء من الليل: فلم يقم عليه دليل قاطع، بل مع شبهة العدم، أعني:
خبر الواحد، وهو ما روي عن النبي ◌َّ، أنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجّ)) أو
غير ذلك من الآحاد التي لا تثبت بمثلها الفرائض؛ فضلاً عن الأركان.
وإذا عرفت أن الوقوف من حين زوال(١) الشمس إلى غروبها - واجب، فإن دفع منها قبل
غروب الشمس، فإن جاوز عرفة بعد الغروب - فلا شيء عليه؛ لأنه ما ترك الواجب، وإن
جاوزها قبل الغروب فعليه دم عندنا لتركه الواجب، فيجب عليه الدم؛ كما لو ترك غيره من
الواجبات، وعند الشافعي لا دم عليه، لأنه لم يترك الواجب؛ إذ الوقوف المقدر ليس بواجب
عنده، ولو عاد إلى عرفة قبل غروب الشمس، وقبل أن يدفع الإمام، ثم دفع منها بعد الغروب
مع الإمام - سقط عنه الدم عندنا؛ لأنه استدرك المتروك، وعند زفر لا يسقط، وهو على
الاختلاف في مجاوزة الميقات بغير إحرام، والكلام فيه على نحو الكلام في تلك المسألة،
وسنذكرها إن شاء الله في موضعها.
وإن عاد قبل غروب الشمس بعدما خرج الإمام من عرفة: ذكر الكرخي أنه يسقط عنه
الدم أيضاً، وكذا روى ابن شجاع عن أبي حنيفة: أن الدم يسقط عنه أيضاً؛ لأنه استدرك
المتروكِ، إذ المتروك هو الدفع بعد الغروب، وقد استدركه، وذكر في الأصل؛ أنه لا يسقط
عنه الدم، قال مشايخنا: اختلاف الرواية لمكان الاختلاف فيما لأجله يجب الدم، فعلى رواية
الأصل الدم: يجب لأجل دفعه قبل الإمام، ولم يستدرك ذلك، وعلى رواية ابن شجاع: يجب
لأجل دفعه قبل غروب الشمس، وقد استدركه بالعود.
والقدوري اعتمد على هذه الرواية، وقال: هي الصحيحة، والمذكور في الأصل
مضطرب، ولو عاد إلى عرفة بعد الغروب - لا يسقط عنه الدم بلا خلاف؛ لأنه لما غربت الشمس
عليه قبل العود - فقد تقرر عليه الدم الواجب، فلا يحتمل السقوط بالعود، والله الموفق.
وأما بيان حكمه إذا فات، فحكمه أنه بفوت الحج في تلك السنة، ولا يمكن استدراكه
فيها؛ لأن ركن الشيء ذاته، وبقاء الشيء مع فوات ذاته محال.
فصل في طواف الزيارة
وأما طواف الزيارة: فالكلام فيه في مواضع: في بيان أنه ركن، وفي بيان ركنه، وفي
بيان شرائطه وواجباته وسننه، وفي بيان مكانه، وفي بيان زمانه، وفي بيان مقداره، وفي بيان
حكمه إذا فات عن أيام النحر.
(١) في أ: نزول.

٦٧
كِتَابُ الْحَجْ
أما الأول: فالدليل على أنه ركن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]،
والمرادُ منه طواف الزيارة بالإجماع، ولأنه تعالى أمر الكل بالطواف، فيقتضي الوجوب على
الكل، وطواف اللقاء لا يجب أصلاً، وطواف الصدر لا يجب على الكل؛ لأنه لا يجب على
أهل مكة، فيتعين طواف الزيارة مراداً بالآية، وقوله تعالى: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل
عمران: ٩٧]، والحج في اللغة، هو: القصد، وفي عرف الشرع هو: زيارة البيت، والزيارة هي
القصد إلى الشيء للتقرب؛ قال الشاعر: [من الطويل]
أَلَمْ تَغْلَمِي يَا أُمَّ سَعْدٍ بِأَنَّمَا تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لأكْثِرَا
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةٌ يَحُجُّونَ بَيْتَ الزِّبِرِقَانِ المُزَعْفَرَا(١)
وقوله: يحجون، أي: [يقصدون ذلك البيت](٢) للتقرب، فكان حج البيت هو القصد
إليه للتقرب به، وإنما يقصد البيت للتقرب بالطواف به، فكان الطوافُ به ركناً (٣) والمراد به
طواف الزيارة لما بينا؛ ولهذا يسمى في عرف الشرع طواف الركن فكان ركناً، وكذا الأمة
أجمعت على كونه ركناً، ويجب على أهل الحرم وغيرهم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا
· بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله عز وجل: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾[آل عمران: ٩٧].
فصل في ركن الزيارة
وأما ركنه: فحصوله كائناً حول البيت، سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره، وسواء كان
عاجزاً عن الطواف بنفسه، فطاف به غيره بأمره أو بغير أمره، أو كان قادراً على الطواف/ ٢٢٤ب
بنفسه، فحمله غيره بأمره أو بغير أمره، غير أنه إن كان عاجزاً أجزأه ولا شيء عليه، وإن كان
قادراً أجزأه، ولكن يلزمه الدم، أما الجواز؛ فلأن الفرض حصوله كائناً حول البيت، وقد
حصل، وأما لزوم الدم؛ فلتركه الواجب، وهو المشي بنفسه مع القدرة عليه، فدخله نقص،
فيجب جبره بالدم؛ كما إذا طاف راكباً أو زحفاً، وهو قَادِرٌ على المَشْي، وإذا كان عاجزاً عن
المَشْي لا يلزمه شيء، لأنه لم يترك الواجب؛ إذ لا وُجُوبَ مع العَجْزِ.
(١) وهما للمخبّل السعدي ينظر ديوانه: ص (٢٩٤) ولسان العرب (٤٥٧/١) (سبب)، (٢٢٦/٢). (حجج)،
(١٣٨/١٠) (زيرق)؛ والتنبيه والايضاح (١٩٦،٩٢/١)، وتهذيب اللغة (٣٨٨/٣، ٣١٣/١٢)، وجمهرة
اللغة ص (٨٦) ومجمل اللغة (٣٢/٢) والمخصص (٤٦/٢، ١٧٩/١٣،٣٠٢/١٢) وتاج العروس (٣/
٣٦) (سبب)، (١٤٦٠/٥) (حجج)، وبلانسية في جمهرة اللغة ص (٧٠، ١٢٥٧) ومقاييس اللغة (٢/
٢٩) وديوان الأدب (٢٩/٣) وتاج العروس (٣٨٩/٢٥) (زيرق)، (هرى)، وأساس البلاغة (حجج).
(٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: يزورون بمعنى يقصدونه.
(٣) في أ: به واجباً.
.٠

٦٨
كِتَابُ الْحَجْ
ويجوز ذلك عن الحامل والمحمول جميعاً؛ لما ذكرنا أن الفرض حصوله كائناً حول
البيت، وقد حصل كل واحد منهما كائناً حول البيت، غير أن أحدهما حصل كائناً بفعل نفسه،
والآخر بفعل غيره.
فإن قيل: إن مشي الحامل فعل، والفعل الواحد كيف يقع عن شخصين :
فالجواب من وجهين :
أحدهما: أن المفروض ليس هو الفعل في الباب، بل حصول الشخص حول البيت
بمنزلة الوقوف بعرفة: أن المفروض منه حصوله كائناً بعرفة، لا فعل الوقوف على ما بينا فيما
تقدم.
والثاني: إن مشى الواحد جاز أن يقع عن اثنين في باب الحج؛ كالبعير الواحد إذا ركبه
اثنان فطافا عليه، وكذا يجوز في الشرع أن يجعل فعل واحد حقيقة كفعلين معنى؛ كالأب
والوصي إذا باع مال نفسه من الصغير، أو اشترى مال الصغير لنفسه، ونحو ذلك؛ كذا لههنا.
فصل في شرط طواف الزيارة وواجباته
وأما شرطه وواجباته: فشرطه النية، وهو أصل النية دون التعيين، حتى لو لم ينو أصلاً
بأن طاف هارباً من سبع، أو طالباً لغريم - لم يجز، فرق أصحابنا بين الطواف وبين الوقوف؛
أن الوقوف يصح من غير نية الوقوف عند الوقوف، والطواف لا يصح من غير نية الطواف عند
الطواف؛ كذا ذكره القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي))، وأشار القاضي في شرحه ((مختصر
الطحاوي)) إلى أن نية الطواف عند الطواف ليست بشرط أصلاً، وأن نية الحج عند الإحرام
كافية، ولا يحتاج إلى نية مفردة؛ كما في سائر أفعال الحج؛ وكما في أفعال الصلاة.
ووجه الفرق على ما ذكره القدوري: أن الوقوف ركن يقع في حال قيام نفس الإحرام؛
لانعدام ما يضاده، فلا يحتاج إلى نية مفردة، بل تكفيه النية السابقة وهي نية الحج، كالركوع،
والسجود في باب الصلاة، لأنه لا يحتاج إلى إفرادهما بالنية؛ لاشتمال نية الصلاة عليهما؛ كذا
الوقوف.
فأما الطواف: فلا يؤتى به في حال قيام نفس الإحرام؛ لوجود ما يضاده، لأنه تحليل؛
لأنه يقع به التحليل، ولا إحرام حال وجود التحليل؛ لأن الشيء حال وجوده موجود، ووجوده
يمنع الإحرام من الوجود، فلا تشتمل عليه نية الحج، فتقع الحاجة إلى الإفراد بالنية؛ كالتسليم
في باب الصلاة؛ إذ التسليم تحليل، أو نقول: إن الوقوف يوجد في حال قيام الإحرام
المطلق، لبقائه في حق جميع الأحكام، فيتناوله نية الحج، فلا يحتاج إلى نية على حدة، ولا

٦٩
كِتَابُ الْحَجْ
كذلك الطواف؛ فإنه يوجد حال زوال الإحرام من وجه؛ لوقوع التحلل قبله من وجه بالحلق أو
التقصير؛ ألا ترى أنه يحل له كُلُّ شيء إلا النساء، فوقعت الحاجة إلى نية على حدة.
فأما تعيين النية حال وجوده في وقته - فلا حاجة إليه، حتى لو نفر في النفر الأول،
فطاف، وهو لا يعين طوافاً - يقع عن طواف الزيارة لا عن الصَّدَر؛ لأن أيام النحر متعينة
لطواف الزيارة - فلا حاجة إلى تعيين النية، كما لو صام رمضان بمطلق النية، أنه يقع عن
رمضان، لكون الوقت متعيناً لصومه؛ كذا هذا.
وكذا لو نوى تطوعاً يقع عن طواف الزيارة؛ كما لو صام رمضان بنية التطوع، وكذلك
كل طواف واجب أو سنة يقع في وقته من طواف اللقاء وطواف الصدر؛ فإنما يقع عما يستحقه
الوقت، وهو الذي انعقد عليه الإحرام دون غيره، سواء عين ذلك بالنية أو لم يعين؛ فيقع عن
الأول، وإن نوى الثاني لا يعمل بنيته في تقديمه على الأول، حتى أن المحرم إذا قدم مكة
وطاف ـ لا يعين شيئاً؛ أو نوى التطوع؛ فإن كان محرماً بعمرة يقع طوافه للعمرة، وإن كان
محرماً بحجة يقع طوافه للقدوم؛ لأن عقد الإحرام انعقد عليه، وكذلك القارن إذا طاف لا يعين
شيئاً أو نوى التطوع - كان ذلك للعمرة، فإن طاف طوافاً آخر قبل أن يسعى - لا يعين شيئاً، أو
نوى تطوعاً كان ذلك للحج، والله أعلم.
فأما الطهارة عن الحدث والجنابة، والحيض والنفاس - فليست بشرط/ لجواز الطواف، ٢٢٥أ
وليست بفرض عندنا، بل واجبة حتى يجوز الطوافُ بدونها، وعند الشافعي: فرض لا يصح
الطواف بدونها، واحتج بما روي عن النبي وَّرَ، أنه قال: ((الطَّوَافُ صَلاةٌ، إِلاَّ أَنَّ الله تَعَالَى
أَبَاحَ فِيهِ الْكَلاَمَ» (١)، وإذا كان صلاةُ، فالصلاة لا جواز لها بدون الطهارة.
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٣/٣) كتاب الحج: باب ما جاء في الكلام في الطواف حديث (٩٦٧) والدارمي (٢/
٤٤) كتاب المناسك: باب الكلام في الطواف وابن الجارود (٤٦١) وابن خزيمة (٢٢٢/٤) رقم (٢٧٣٩)
وأبو يعلى (٤٦٧/٤) رقم (٢٥٩٩) وابن حبان (٩٩٨ - موارد) والحاكم (٤٥٩/١) والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار» (١٧٨/٢-١٧٩) والبيهقي (٨٧/٥) كتاب الحج: باب الطواف على الطهارة. وأبو نعيم في
((الحلية)) (١٢٨/٨) وابن عدي في ((الكامل)) (٢٠٠١/٥) من طرق عن عطاء بن السائب عن طاوس عن
ابن عباس مرفوعاً قال الترمذي: وقد روي عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفاً ولا
نعرفه إلا من حديث عطاء بن السائب وقال ابن عدي: لا أعلم روي هذا عن عطاء بن السائب غير هؤلاء
الذين ذكرتهم: موسى بن أعين وفضيل وجرير.
قلت: وقد روى سفيان عنه هذا الحديث أيضاً كما في رواية الحاكم وهذا الحديث صححه ابن خزيمة وابن
حبان. وصححه أيضاً ابن السكن كما في ((التلخيص)) (١٢٩/١). لكن اختلف في وقف ورفع هذا الحديث.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٥٨/٣): وقال الشيخ تقي الدين. في الإمام هذا الحديث روي مرفوعاً
وموقوفاً، أما المرفوع فله ثلاثة أوجه: أحدها رواية عطاء بن السائب، رواها عنه جرير، وفضيل بن =

٧٠
كِتَابُ الْحَجْ
عياض، وموسى بن أعين، وسفيان؛ أخرجها كلها البيهقي، الوجه الثاني: رواية ليث بن أبي سليم،
=
رواها عنه موسى بن أعين، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعاً باللفظ المذكور، أخرجها
البيهقي في ((سننه)) والطبراني في ((معجمه)).
الوجه الثالث: رواية الباغندي عن أبيه، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن
عباس مرفوعاً نحوه، رواه البيهقي أيضاً، فأما طريق عطاء، فإن عطاء من الثقات لكنه اختلط بآخره، قال
ابن معين، من سمع منه قديماً فهو صحيح، ومن سمع منه حديثاً فليس بشيء، وجميع من روى عنه
روى عنه في الاختلاط، إلا شعبة، وسفيان، وما سمع منه جرير وغيره، فليس من صحيح حديثه، وأما
طريق ليث فليث رجل صالح صدوق يستضعف، قال ابن معين، ليث بن أبي سليم ضعيف، مثل
عطاء بن السائب، وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقد يقال: لعل اجتماعه مع عطاء يقوى رفع
الحديث؛ وأما طريق الباغندي، فإن البيهقي لما ذكرها قال: ولم يصنع الباغندي شيئاً في رفعه لهذه
الرواية، فقد رواه ابن جريج، وأبو عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفاً ا. هـ.
وقال الحافظ ابن حجر في ((تلخيص الجبير)) (١٢٩/١-١٣٠): واختلف في رفعه ووقفه ورجح الموقوف
النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وزاد إن رواية الرفع ضعيفة وفي إطلاق ذلك نظر فإن
عطاء بن السائب صدوق وإذا روي عنه الحديث مرفوعاً تارة وموقوفاً أخرى فالحكم عند هؤلاء الجماعة
للرفع والنووي ممن يعتمد ذلك ويكثر منه ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة فيجيء على
طريقته أن المرفوع صحيح فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلط ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل
اختلاطه أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوري عنه والثوري ممن سمع منه قبل اختلاطه
باتفاق ... ا. هـ.
وللحديث طريق آخر عن ابن عباس يخرج الحفاظ من دائرة الخلاف في رفع ووقف الطريق الأول.
فأخرجه الحاكم (٢٦٧،٢٦٦/٢) كتاب التفسير من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس قال: قال الله لنبيه: ﴿طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود فالطواف قبل الصلاة﴾ وقد قال
رسول الله - 18 -: ((الطواف بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير)).
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وزاد: وإنما المشهور لحماد بن سلمة
عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الله تعالى لنبيه - وَل -: ﴿طهر بيتي
للطائفين والعاكفين والركع السجود فالطواف قبل الصلاة﴾.
قال ابن الملقن في ((تحفة المحتاج)) (١٥٦/١: والقاسم هذا ثقة كما قاله أبو داود وغيره.
وقال في ((خلاصة البدر المنير)) (٥٧/١): وهذا من طريق غريب عزيز لم يعثر به أحد من مصنفي
الأحكام وإنما ذكره الناس من الطريق المشهور في جامع الترمذي وقد أكثر الناس القول فيها وإن كان
أمرها آل إلى الصحة وهذه ليس فيها مقال. ا. هـ.
وصحح هذا الطريق أيضاً ابن حجر كما في ((التلخيص)) (١/ ١٣٠) وأخرجه أحمد (٤١٤/٣) والنسائي
(٢٢٢/٥) من طريق ابن جريج قال: أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبي - وَلير -
به مرفوعاً.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٣٠/١-١٣١) وهذه الرواية صحيحة وهي تعضد رواية عطاء بن السائب
وترجح الرواية المرفوعة والظاهر أن المبهم فيها هو ابن عباس.

٧١
كِتَابُ الْحَجّ
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، أمر بالطواف مطلقاً عن شرط
الطهارة، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، فيحمل على التشبيه؛ كما في قوله
تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] [أي: كأمهاتهم] (١) ومعناه: الطواف كالصَّلاة؛ إما في
الثواب، أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة؛ لأن كلام التشبيه لا عموم له، فيحمل على
المشابهة في بعض الوجوه، عملاً بالكتاب والسنة، أو نقول: الطواف يشبه الصلاة، وليس
بصلاة حقيقة، فمن حيث إنه ليس بصلاة حقيقة لا تفترض له الطهارة، ومن حيث إنه يشبه
الصلاة تجب له الطهارة؛ عملاً بالدليلين بالقدر الممكنُ.
وإن كانت الطهارة من واجبات الطواف، فإذا طاف من غير طهارة، فما دام بمكة تجب
عليه الإعادة؛ لأن الإعادة جبر له بجنسه، وجبر الشيء بجنسه أولى؛ لأن معنى الجبر، وهو
التلافي فيه - أتم، ثم إن أعاد في أيام النحر فلا شيء عليه، وإن أخره عنها فعليه دم في قول
أبي حنيفة، والمسألة تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها.
وإن لم يعد ورجع إلى أهله - فعليه الدم، غير أنه إن كان محدثاً فعليه شاة، وإن كان
جنباً فعليه بدنة؛ لأن الحدث يوجب نقصاناً يسيراً، فتكفيه الشاة لجبره؛ كما لو ترك شوطاً،
فأما الجنابة فإنها توجب نقصاناً متفاحشاً لأنها أكبر الحدثين؛ فيجب لها أعظم الجابرين.
وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: الْبَدَنَةُ تَجِبُ فِي الْحَجِّ فِي مَوْضِعَيْنِ.
أَحَدِهِمَا: إِذَا طَافَ جُنُباً .
والثاني: إِذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ.
وإِذا لم تكن الطهارة من شرائط الجواز، فإذا طاف وهو محدث أو جَنب وقع موقعه،
حتى لو جامع بعده لا يلزمه شيء؛ لأن الوطء لم يصادف الإحرام؛ لحصول التحلل بالطواف.
هذا إذا طاف بعد أن حلق أو قصر، ثم جامع، فأما إذا طاف ولم يكن حلق ولا قصر،
ثم جامع - فعليه دم؛ لأنه إذا لم يحلق ولم يقصر فالإحرام باق، والوطء إذا صادف الإحرام
يوجب الكفارة، إلا أنه يلزمه الشاة لا البدنة؛ لأن الركن صار مؤدى، فارتفعت الحرمة
المطلقة؛ فلم يبق الوطء جنابة محضة، بل خف معنى الجنابة فيه؛ فيكفيه أخف الجابرين.
فأما الطهارة عن النجس: فليست من شرائط الجواز بالإجماع، فلا يفترض تحصيلها،
ولا تجب أيضاً لكنه سنة، حتى لو طاف وعلى ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم - جاز، ولا
(١) سقط في أ.

٧٢
كِتَابُ الْحَجْ
يلزمه شيء إلا أنه يكره، وأما ستر العورة فهو مثل الطهارة عن الحدث الجنابة، أي: أنه ليس
بشرط الجواز، وليس بفرض، لكنه واجب عندنا، حتى لو طاف عرياناً فعليه الإعادة ما دام
بمكة فإن رجع إلى أهله فعليه الدم، وعند الشافعي شرط الجواز كالطهارة عن الحدث
والجنابة، وحجته ما روينا عن النبي وَّر؛ أنه قَالَ: ((الطَّوَافُ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنَّ الله أَبَاحَ فِيهِ الْكَلاَمَ»
وستر العورة من شرائط جواز الصلاة(١).
وحجتنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، أمر بالطواف مطلقاً عن شرط
الستر، فيجري على إطلاقه، والجواب عن تعلقه بالحديث على نحو ما ذكرنا في الطهارة،
والفرق بين ستر العورة وبين الطهارة عن النجاسة؛ أن المنع من الطواف مع الثوب النجس ليس
لأجل الطواف؛ بل لأجل المسجد، وهو صيانته عن إدخال النجاسة فيه؛ وصيانته عن تلويثه؛
فلا يوجب ذلك نقصاناً في الطواف، فلا حاجة إلى الجبر، فأما المنع من الطواف عرياناً؛
فلأجل الطواف، ولنهى النبي وَّ عَنِ الطَّوَافِ عُزْيَاناً؛ بقوله ◌ََّ: ((ألاَ لاَ يَطُوفَنَّ بَعْدَ عَامِي هَذَا
مُشْرِكٌ وَلاَ عُزْيَانٌ))(٢)، وإذا كان النهي لمكان الطواف تمكن فيه النقص؛ فيجب جبره بالدم،
لكن بالشاة لا بالبدنة؛ لأن النقص فيه كالنقص بالحدث لا كالنقص بالجنابة .
قال محمد: ومن طاف تطوعاً على شيء من هذه الوجوه فأحب إلينا، إن كان بمكة أن
يعيد الطواف، وإن كان قد رجع إلى أهله فعليه صدقة سوى الذي طاف، وعلى ثوبه نجاسة؛
لأن التطوع يصير واجباً بالشروع فيه، إلا أنه دون الواجب ابتداء بإيجاب الله تعالى؛ فكان
النقص فيه أقل؛ فيجبر بالصدقة .
ومحاذاة المرأة الرجل في الطواف لا تفسد عليه طوافه؛ لأن المحاذاة إنما عرفت مفسدة
في الشرع على خلاف القياس في صلاة مطلقة مشتركة، والطواف ليس بصلاة حقيقة ولا
اشتراك أيضاً، والموالاة/ في الطواف ليست بشرط، حتى لو خرج الطائف من طوافه لصلاة
جنازة أو مكتوبة، أو لتجديد وضوء، ثم عاد بنى على طوافه، ولا يلزمه الاستئناف؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] مطلقاً عن شرط الموالاة، وروي عن رَسُول
٢٢٥ب
(١) انظر السابق.
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٧/٤) كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، حديث (١٦٢٢).
ومسلم (١٢٦/٥) كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان حديث (١٣٤٧).
وذكره السيوطي في الدر (٣/ ٢١٠) تفسير سورة مريم: وعزاه أيضاً لابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في
الدلائل .
قال الحافظ ابن حجر في ((تخريج الكشاف)).
متفق عليه من رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه.

٧٣
كِتَابُ الْحَجْ
اللهَ وَِّ ((أنه خَرَجَ مِنَ الطَّوَافِ وَدَخَلَ السِّقَايَةَ فَاسْتَسْقَى فَسُقِي، فَشَرِبَ، ثُمَّ عَادَ وَبَنَى عَلَى
طَوَافِهِ))(١)، والله تعالى أعلم.
ومن واجبات الطواف أن يطوف ماشياً لا راكباً، إلا من(٢) عذر، حتى لو طاف راكباً من
غير عذرٍ فعليه الإعادة ما دام بمكة، وإن عاد إلى أهله يلزمه الدم، وهذا عندنا، وعند
الشافعي: ليس بواجب، فإذا طاف راكباً من غير عذر - لا شيء عليه، واحتج بما روي عن
رسول الله وَّ أَنَّهُ طَافَ رَاكِباً(٣).
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والراكب ليس بطائف حقيقة،
فأوجب ذلك نقصاً فيه؛ فوجب جبره بالدم، وأما فعل رسول الله # فقد روي أن ذلك كان
لعذر؛ كذا روي عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ مَا أَسَنَّ وَبَدَنَ،
ويحتمل أنه فعل ذلك لعذر آخر وهو التعليم؛ كذا روي عن جابر - رضي الله عنه - أن
النبي وَ طَافَ رَاكِباً لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَسْأَلُوهُ وَيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ(٤) وهذا عذر.
وعلى هذا أيضاً يخرج ما إذا طاف زحفاً؛ أنه إن كان عاجزاً عن المشي أجزأه ولا شيء
عليه؛ لأن التكليف بقدر الوسع، وإن كان قادراً عليه الإعادة إن كان بمكة، والدم إن كان رجع
إلى أهله؛ لأن الطواف مشياً واجب عليه، ولو أوجب على نفسه أن يطوف بالبيت زحفاً، وهو
قادر على المشي - عليه أن يطوف ماشياً، لأنه نذر إيقاع العبادة على وجه غير مشروع؛ فلغت
(١) أخرجه البيهقي (٨٥/٥) كتاب الحج، باب الشرب في الطواف ورواه في معرفة السنن (٤/ ٧٠) رقم
(٢٩٦٠) وابن حبان في صحيحه (١٤٤/٩) رقم (٣٨٣٧) وابن خزيمة في صحيحه (٢٢٦/٤-٢٢٧) رقم
(٢٧٥٠) والحاكم في المستدرك (١/ ٤٦٠) من حديث ابن عباس أن النبي - وَّرَ -: شرب ماء في الطواف
قال ابن التركماني في الجوهر النقي :
((وقد شهد له ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه فقال حدثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن منصور عن
خالد بن سعد عن أبي مسعود أنه عليه السلام استسقى وهو يطوف بالبيت فأتى بذنوب نبيذ السقاية
فشربه ... )).
(٢) في أ: عن.
(٣) أخرجه مسلم (٩٢٦/٢): كتاب الحج: باب جواز الطواف على بعير وغيره، واستلام الحجر بمحجن
ونحوه للراكب، حديث (٢٥٤/ ١٢٧٣)، وأبو داود (٤٤٢/٢، ٤٤٣)، كتاب المناسك (الحج): باب
الطواف الواجب، حديث (١٨٨٠)، والنسائي (٢٤١/٥)، كتاب الحج. باب: الطواف بين الصفا والمروة
على الراحلة، والبيهقي (١٠٠/٥)، كتاب الحج، باب الطواف راكباً، من حديث جابر، قال: ((طاف
رسول الله - رَطير - بالبيت وبالصفا والمروة في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنة لأن يراه
الناس وليشرف ويسألوه فإن الناس مشوه)).
(٤) ينظر تخريج الحديث السابق.

٧٤
كِتَابُ الْحَجْ
الجهة وبقي النذر بأصل العبادة؛ كما إذا نذر أن يطوف للحج على غير طهارة، فإن طاف زحفاً
أعاد إن كان بمكة، وإن رجع إلى أهله فعليه دم؛ لأنه ترك الواجب؛ كذا ذكر في الأصل.
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))؛ أنه إذا طاف زحفاً أجزأ؛ لأنه أدى ما
أوجب على نفسه فيجزئه؛ كمن نذر أن يصلي ركعتين في الأرض المغصوبة، أو يصوم يوم
النحر؛ أنه يجب عليه أن يصلي في موضع آخر، ويصوم يوماً آخر، ولو صلى في الأرض
المغصوبة، وصام يوم النحر - أجزأه، وخرج عن عهدة النذر؛ كذا هذا.
وعلى هذا أيضاً يخرج ما إذا طاف محمولاً؛ أنه إن كان لعذر جاز، ولا شيء عليه، وإن
كان لغير عذر جاز ويلزمه الدم، لأن الطواف ماشياً واجب عند القدرة على المشي، وترك
الواجب من غير عذر يوجب الدم.
فأما الابتداء من الحجر الأسود - فليس بشرط من شرائط جوازه، بل هو سنة في ((ظاهر
الرواية))، حتى لو افتتح من غيره(١) أجزأه مع الكراهة، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾
[الحج: ٢٩] مطلقاً عن شرط الابتداء بالحجر الأسود، إلا أنه لو لم يبدأ يكره؛ لأنه ترك السنة.
!
وذكر محمد - رحمه الله - في الرقيات: إذا افتتح الطواف من غير الحجر - لم يعتد بذلك
الشوط، إلا أن يصير إلى الحجر، فيبدأ منه الطواف، فهذا يدل على أن الافتتاح منه شرط
الجواز، وبه أخذ الشافعي، والدليل على أن الافتتاح من الحجر؛ إما على وجه السنة أو
الفرض - ما روي أن ابراهيم وَّ لما انْتَهَى فِي الْبِنَاءِ إِلَى مَكَانِ الْحَجَرِ قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ - عليه
الصلاة والسلام - اثْتِنِي بِحَجَرٍ أَجْعَلْهُ عَلاَمَةً لاِبْتِدَاءِ الطَّوَافِ، فَخَرَجَ وَجَاءَ بِحَجَرٍ، فَقَالَ: اثْتِنِي
بِغَيْرِهِ، فَأَتَاهُ بِحَجَرٍ آخَرُّ، فَقَالَ: انْتِنِي بِغَيْرِهِ، فَأَتَاهُ بِثَالِثٍ فَأَلْقَاهُ، وَقَالَ: جَاءَِّي بِحَّجَرٍ مَنْ أَغْنَانِي
عَنْ حَجَرِكَ فَرَأَى الْحَجَرَ الأَسْوَدَ فِي مَوْضِعِهِ.
وأما الابتداء من يمين الحجر لا من يساره: فليس من شرائط الجواز، بلا خلاف بين
أصحابنا، حتى يجوز الطواف منكوساً؛ بأن افتتح الطواف عن يسار الحجر ويعتد به، وعند
الشافعي: هو من شرائط الجواز لا يجوز بدونه، واحتج [الشافعي] (٢) بما روي أن رسول
اللهِ وَّ افْتَتَحَ الطَّوَافَ مِنْ يَمِينِ الحجَرِ لاَ مِنْ يَسَارِهِ، وذلك تعلیم منه - صلى الله عليه وسلم -
مناسك الحج، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))(٣)، فتجب البداية بما
بدأ به النبي وَلّد.
(١) في أ: من غير عذر.
(٢) سقط في ط.
(٣) تقدم.

٧٥
كِتَابُ الْحَجْ
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] مطلقاً [من غير] (١) شرط البداية
باليمين أو باليسار، وفعل رسول الله وَلّر محمول على الوجوب، وبه نقول: إنه واجب، كذا
ذكره الإمام القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))؛ أنه تجب عليه الإعادة ما دام بمكة، وإن
رجع إلى أهله يجب عليه الدم، وكذا ذكر في الأصل، ووجهه أنه ترك الواجب وهو قادر على
استداركه بجنسه، فيجب عليه ذلك، تلافياً للتقصير بأبلغ الوجوه، وإذا رجع إلى أهله فقد عجز
عن استدراكه الفائت بجنسه، فيستدركه بخلاف جنسه؛ جَبْراً للفائت بالقَدْرِ الممكن، على ما
هو الأصل في ضمان الفوائت في الشرع.
وذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) ما يدل على أنه سنة فإنه قال: أجزأه/ ١٢٢٦
الطواف ويكره؛ وهذا أمارة السنة .
[وأما سننه فنذكرها عند بيان سنن الحج.
ولا رمل في هذا الطواف إذا كان الطواف طواف اللقاء وسعي عقيبه، وإن كان لم يطف
طواف اللقاء، أو كان قد طاف لكنه لم يسع عقيبه، فإنه يرمل في طواف الزيارة، والأصل فيه
أن الرمل سنة طواف عقيبه سعى، وكل طواف يكون بعده سعي يكون فيه رمل، وإلا فلا؛ لما
نذكر إن شاء الله عند بيان سنن الحج، والترتيب بين أفعاله] (٢).
ويكره إنشاد الشعر والتحدث في الطواف؛ لما روي عن النبي وَلّره؛ أنه قال: ((الطَّوَافُ
بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ، فَاقِلُوا فِيهِ الْكَلاَم)»(٣)، وروي أنه قال ◌َ: ((فَمَنْ نَطَقَ فِيهِ فَلاَ يَنْطِقْ إِلاَّ بِخَيْرِ)) (٤)
.ولأن ذلك يشغله [وغيره] عن الدعاء، ويكره أن يرفع صوته [بالقرآن](٥)، لأنه يتأذى به غيره؛
لما يشغله ذلك عن الدعاء، ولا بأس بأن يقرأ القرآن في نفسه.
وقال مالك: يكره وأنه غير سديدٍ، لأن قراءة القرآن مندوب إليها في جميع الأحوال إلا
في حال الجنابة والحيض ولم يوجد، ومن المشايخ من قال: التسبيح أولى؛ لأن محمداً .
رحمه الله - ذكر لفظة لا بأس، وهذه اللفظة إنما تستعمل في الرخص.
ولا بأس أن يطوف، وعليه خفاه أو نعلاه، إذا كانا طاهرتين؛ لما روي عن النبي بَّر،
أَنَّهُ طَافَ مَعَ نَعْلَيْهِ(٦)، ولأنه تجوز الصلاة مع الخفين أو النعلين، مع أن حكم الصلاة أضيق؛
فلأن يجوز الطواف أولى.
(١) بدل ما بين المعكوفين في أ: عن. (٢) سقط في أ.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) سقط في أ.
(٦) لم أجده مرفوعاً.
وقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن عطاء قال: ((كانوا يكرهون أن يدخلوا البيت بالخف والنعل والعصب
تعظيماً للبيت)) ا. هـ.

٧٦
كِتَابُ الْحَجْ
ولا يرمل في هذا الطواف إذا كان طاف طواف اللقاء وسعي عقيبه، وإن كان لم يطف
طواف اللقاء، أو كان قد طاف، لكنه لم يسع عقيبه فإنه يرمل في طواف الزيارة، والأصل فيه
أن الرمل سنة طواف عقيبه سعى، فكل طواف بعده سعي يكون فيه رمل، وإلا فلا؛ لما نذكر
عند بيان سنن الحج، والترتيب في أفعاله إن شاء الله تعالى، وأما سننه فنذكرها عند بيان سنن
الحج إن شاء الله .
فصل
وأما مكان الطواف: فمكانه حول البيت؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:
٢٩]، والطواف بالبيت هو الطواف حوله، فيجوز الطواف في المسجد الحرام قريباً من البيت أو
بعيداً عنه، بعد أن يكون في المسجد، حتى لو طاف من وراء زمزم قريباً من حائط المسجد -
أجزأه؛ لوجود الطواف - بالبيت؛ لحصوله حول البيت، ولو طاف حول المسجد وبينه وبين
البيت حيطان المسجد - لم يجز؛ لأن حيطان المسجد حاجزة، فلم يطف بالبيت؛ لعدم
الطواف حوله، بل طاف بالمسجد؛ لوجود الطواف حوله لا حول البيت؛ ولأنه لو جاز
الطواف حول المسجد مع حيلولة حيطان المسجد - لجاز حول مكة والحرم، وذا لا يجوز؛
كذا هذا.
ويطوف من خارج الخَطِيم؛ لأن الحطيم من البيت على لسان رسول الله ◌َّر فإنه روي
عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي ◌َّ قال لها: إنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، فَقَصَّرُوا
الْبَيْتَ عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ - عليه الصلاة والسلام -، وَأَنَّ الحطيم مِنَ الْبَيْتِ، وَلَوْلاَ حِدْثَانُ
عَهْدِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ لَرَدَدّته إِلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنٍ، بَاباً شَرْقِيّاً وَبَاباً غَرْبِيّاً(١) .
(١) أخرجه مالك (٣٦٣/١): كتاب الحج: باب ما جاء في بناء الكعبة. حديث (١٠٤)، والبخاري (٨)
١٧٠): كتاب التفسير: باب قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا
إنك أنت السميع العليم﴾، حديث (٤٤٨٤)، ومسلم (٩٦٩/٢): كتاب الحج، باب نقض الكعبة
وبنائها، حديث (١٣٣٣/٣٩٩)، والنسائي (٢١٤/٥، ٢١٥): كتاب الحج: باب بناء الكعبة، والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)) (٢/ ١٨٥): كتاب مناسك الحج: باب ما يستلم من الأركان في الطواف، وأحمد
(١٧٦/٦، ١٧٧)، كلهم من طريق مالك، عن سالم بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي
الله عنه - أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة أن النبي - وَ ليزر - قال: ((ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة
اقتصروا على قواعد إبراهيم؟)) قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله
- وَلّ -: ((لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت))، قال: فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا
من رسول الله - ◌َّ - ما أرى قواعد إبراهيم.
=

٧٧
كِتَابُ الْحَجْ
ورُوي أن رجلاً نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ رُكْعَتَيْنِ فَأَمَرَهُ النبيُّ وَّرِ أَنْ يُصَلِّي فِي الْحَطِيمِ
رُكْعَتَيْنِ.
وروي أن عائشة - رضي الله عنها - نَذَرَتْ بِذَلِكَ فَأَمَرَهَا النبيُّ نَّهِ أَنْ تُصَلِّي فِي الْحَطِيم
رُكْعَتَين. فإن قيل: إذا كان الحطيم من البيت، فلم؛ لا يجوز التوجه إليه في الصلاة؟ -
فالجواب أن كون الحطيم من البيت ثبت بخبر! الواحد، ووجوب التوجه إلى البيت ثبت بنص
الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ولا
يجوز ترك العمل بنص الكتاب بالآحاد، وليس في الطواف من وراء الحطيم عملاً بخبر الواحد
- ترك العمل بنص الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، بل
فيه عمل بهما جميعاً، ولو طاف في داخل الحجر - فعليه أن يعيد؛ لأن الحطيم لما كان من
البيت فإذا طاف في داخل الحطيم فقد ترك الطواف ببعض البيت، والمفروض هو الطواف بكل
- وللحديث طرق أخرى عن عائشة:
=
فأخرجه البخاري (٢٧١/١) كتاب العلم: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض
الناس ... حديث (١٢٦) والترمذي (٥٢٢/٣-٥٢٣ - تحفة) أبواب الحج: باب ما جاء في كسر الكعبة
حديث (٨٧٦) من طريق أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد أن ابن الزبير قال له: حدثني بما كانت تفضي
إليك أم المؤمنين يعني عائشة فقال: حدثتني أن رسول الله - رَ*و - قال لها: لولا أن قومك حديثو عهد
بالجاهلية لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين فلما ملك ابن الزبير هدمها وجعل لها بابين.
- قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح:
وأخرجه البخاري (٥١٣/٣-٥١٤) كتاب الحج: باب فضل مكة وبنيانها (١٥٨٤) ومسلم (٢/ ٩٧٣) كتاب
الحج: باب جدر الكعبة وبابها (١٣٣٣/٤٠٥) والطيالسي (٢١٥/١ - منحة) رقم (١٠٤١) والنسائي (٥/
٢١٥) كتاب المناسك والدارمي (٥٤/٢) كتاب المناسك: باب الحجر في البيت من طريق الأسود بن
يزيد عن عائشة.
وأخرجه البخاري (٢/ ٥١٤) كتاب الحج: باب فضل مكة وبنيانها (١٥٨٥) ومسلم (٩٦٨/٢) كتاب
الحج: باب نقض الكعبة وبنائها حديث (١٣٣٣/٣٩٨) وأحمد (٥٧/٦) والنسائي (٢١٥/٥) كتاب
المناسك باب في بناء الكعبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله - روضالفر -:
لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشاً حين بنت البيت
استقصرت ولجعلت لها خلفاً وأخرجه البخاري (٥١٤/٣) كتاب الحج: باب فضل مكة وبنيانها حديث
(١٥٨٦) والنسائي (٢١٤/٥) كتاب الحج: باب بناء الكعبة من طريق يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة
به.
وأخرجه أحمد (٦/ ١٨٠) ومسلم (٩٦٩/٢-٩٧٠) كتاب الحج: باب نقض الكعبة وبنائها وأبو يعلى (٨/
٩٢) رقم (٤٦٢٨) وابن خزيمة (٣٣٥/٤) رقم (٣٠١٩) من طريق سعيد بن ميناء عن عبد الله بن الزبير
قال: حدثتني خالتي (يعني عائشة) قالت: قال: رسول الله - وَ لَّه -: ((يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد
بشرك لهدمت الكعبة فالزقتها بالأرض وجعلت لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً ... ))

٧٨
كِتَابُ الْحَجْ
البيت لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والأفضل أن يعيد الطواف كله مراعاة
للترتيب، فإن أعاد على الحجر خاصة أجزأه؛ لأن المتروك هو لا غير وقد استدركه، ولو لم
يعد حتى عاد إلى أهله يجب عليه الدم؛ لأن الحطيم ربع البيت، فقد ترك من طوافه ربعه.
فصل فى وقت الطواف
وأما زمان هذا الطواف وهو وقته - فأوله حين يطلع الفجر الثاني من يوم النحر، بلا
خلاف بين أصحابنا، حتى لا يجوز قبله، وقال الشافعي: أول وقته منتصف ليلة النحر، وهذا
غير سديد؛ لأن ليلة النحر وقت ركن آخر وهو الوقوف بعرفة؛ فلا يكون وقتاً للطواف؛ لأن
الوقت الواحد لا يكون وقتا لركنين، وليس لآخره زمان معين موقت به فرضاً، بل جميع الأيام
والليالي وقته فرضاً بلا خلاف بين أصحابنا، لكنه موقت بأيام النحر وجوباً في قول أبي حنيفة،
حتى لو أخره عنها فعليه دم عنده، وفي قول أبي يوسف ومحمد: غير موقت أصلاً، ولو أخره
عن أيام النحر/ لا شيء عليه، وبه أخذ الشافعي.
٢٢٦ب
واحتجوا بما روي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرَ سُئِلَ عَمَّنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَقَال: ارْم وَلاَ
حَرَجَ(١)، وما سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ قُدِّمَ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ أُخْرَ إِلَّ قَالَ: افْعَلْ وَلاَ حَرَجْ،
(١) أخرجه مالك (٤٢١/١). كتاب الحج: باب جامع الحج، حديث (٢٤٢) والبخاري (٥٦٩/٣): كتاب
الحج: باب الفتيا على الدابة عند الجمرة، حديث (١٧٣٦)، ومسلم (٩٤٨/٢): كتاب الحج، باب من
حلق قبله النحر، أو نحر قبل الرمي، حديث (١٣٠٦/٣٢٧)، وأبو داود (٥١٧،٥١٦/٢)، كتاب
المناسك (الحج): باب فيمن قدم شيئاً قبل شيء في حجه، حديث (٢٠١٤)، والترمذي (٢٥٨/٣)،
كتاب الحج: باب ما جاء فيمن حلق قبل أن يذبح، أو نحر قبل أن يرمي، حديث (٩١٦)، وابن ماجه
(١٠١٤/٢)، كتاب المناسك: باب من قدم نسكاً قبل نسك، حديث (٣٠٥١)، والشافعي (٣٧٨/١):
كتاب الحج: الباب السابع في الإفراد والقرآن والتمتع، حديث (٩٧٤)، والطيالسي (٢٢٤/١)، كتاب
الحج والعمرة: باب النحر والحلق والتقصير وحل ما يحرم على المحرم بعد ذلك ما عدا النساء، حديث
(١٠٨٣)، وأحمد (١٥٩/٢)، والدارمي (٦٤/٢). كتاب المناسك: باب من قال ليس على النساء حلق،
وابن الجارود (ص: ١٠١٤): كتاب المناسك، حديث (٤٨٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/
٢٣٧): كتاب مناسك الحج: باب من قدم من حجه نسكاً قبل نسك، والبيهقي (١٤١/٥): كتاب الحج:
باب التقديم والتأخير في عمل يوم النحر والحميدي (٢٦٤/١) رقم (٥٨٠) والنسائي في الكبرى (٢)
٤٤٧) من طرق عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو أن النبي - وَلير - سأله رجل
فقال: إذا ذبحت قبل أن أحلق قال أحلق ولا حرج فسأله آخر فقال: حلقت قبل أن أذبح قال: اذبح ولا
حرج قال آخر: ذبحت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج».
وقال الترمذي : حسنه صحيح.
وفي الباب أيضاً عن جابر، وعلي، وأسامة بن شريك، وأبي سعيد الخدري:
=

٧٩
كِتَابُ الْحَجْ
فهذا ينفي توقيت آخره، وينفي وجوب الدم بالتأخير؛ ولأنه لو توقت آخره لسقط بمضي آخره
كالوقوف بعرفة؛ فلما لم يسقط دل أنه لم يتوقت.
ولأبي حنيفة أن التأخير بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر؛ بدليل أن من جاوز الميقات
بغير إحرام، ثم أحرم يلزمه دم، ولو لم يوجد منه إلا تأخير النسك، وكذا تأخير الواجب في
باب الصلاة بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر، وهو سجدتا السهو، فكان الفقه في ذلك أن
أداء الواجب كما هو واجب، فمراعاة محل الواجب واجب، فكان التأخير تركاً للمراعاة
الواجبة وهي مراعاته في محله، والترك تركاً لواجبين: أحدهما: أداء الواجب في نفسه،
والثاني: مراعاته في محله، فإذا ترك هذا الواجب يجب جبره بالدم.
وإذا توقت هذا الطواف بأيام النحر وجوباً عنده فإذا أخره عنها فقد ترك الواجب،
فأوجب ذلك نقصاناً فيه؛ فيجب جبره بالدم، ولما لم يتوقت عندهما ففي أي وقت فعله فقد
فعله في وقته، فلا يتمكن فيه نقص؛ فلا يلزمه شيء، ولا حجة لهما في الحديث؛ لأن فيه
نفي الحرج وهو نفي الإثم، وانتفاء الإثم لا ينفي وجوب الكفارة؛ كما لو حلق رأسه لأذى
فيه؛ أنه لا يأثم وعليه الدم؛ كذا ههنا.
=
- أمَّا حديث علي:
أخرجه أحمد (٧٦/١)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٥/٢، ٢٣٦): كتاب مناسك الحج: باب
من قدم في حجه نسكاً قبل نسك، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
قال: أتى رسول الله - ◌َل﴾ - رجل، فقال: يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق: قال: ((احلق ولا
حرج)).
قال: وجاءه آخر فقال: يا رسول الله إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: ((ارم ولا حرج)).
۔ وحديث جابر:
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٦/٢)، والبيهقي (١٤٣/٥). كتاب الحج: باب التقديم
والتأخير في عمل يوم النحر، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله أن رجلاً قال: يا رسول الله ذبحت قبل أن
أرمي، قال: ((ارم ولا حرج)).
قال آخر: يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح، قال: ((اذبح ولا حرج)) قال آخر: يا رسول الله، طفت
بالبيت قبل أن أُذبح، قال: «اذبح ولا حرج).
- وأمَّا حديث أسامة بن شريك، وأبي سعيد:
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار» (٢٣٦/٢): كتاب مناسك الحج: باب من قدم في حجه نسكاً
قبل نسك، عن أسامة بن شريك، قال: حججنا مع رسول الله - وَّر - فسئل عمن حلق قبل أن يذبح أو
ذبح قبل أن يحلق فقال ((لا حرج)).
فلما أكثروا عليه قال: ((يا أيها الناس، قد رفع الحرج إلا من اقترض من أخيه شيئاً ظلماً، فذلك الحرج)).

٨٠
كِتَابُ الْحَجْ
وقولهما: إنه لا يَسْقُطُ بمضي آخر الوقت - مسلم، لكن هذا لا يمنع كونه موقتاً وواجباً
في الوقت؛ كالصلوات المكتوبات؛ أنها لا تسقط بخروج أوقاتها، وإن كانت موقتة حتى
تقضي، كذا هذا، والأفضل هو الطواف في أول أيام النحر؛ لقوله وَله: ((أيّامُ النَّخْرِ ثَلاثَةٌ أَوَّلُهَا
أَفْضَلُهَا)» وقد روي أنه تَِّ ((طَافَ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ النَّخْرِ))، ومعلوم أنه كان يأتي بالعبادات في أفضل
أوقاتها؛ ولأن هذا الطواف يقع به تمام التحلل، وهو التحلل من النساء، فكان في تعجيله
صيانة نفسه عن الوقوع في الجماع، ولزوم البدنة؛ فكان أولى.
فصل في مقدار الطواف
وأما مقداره: فالمقدار المفروض منه هو أكثر الأشواط، وهو ثلاثة أشواط، وأكثر الشوط
الرابع، فأما الإكمال فواجب وليس بفرض، حتى لو جامع بعد الإتيان بأكثر الطواف قبل
الإتمام - لا يلزمه البدنة، وإنما تلزمه الشاة وهذا عندنا، وقال الشافعي: الفرض هو سبعة
أشواط لا يتحلل بما دونها.
وجه قوله: إن مقادير العبادات لا تعرف بالرأي والاجتهاد، وإنما تعرف بالتوقيف،
ورسول الله وَلّ طَافَ سَبْعَةَ أَشْوَاطِ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِمَا دُونَهَا.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والأمر المطلق لا يقتضي
التكرار، إلا أن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثبت بدليل آخر وهو الإجماع، ولا
إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط، ولأنه أتى بأكثر الطواف، والأكثر يقوم مقام الكل فيما
يقع به التحلل في باب الحج؛ كالذبح إذا لم يستوف قطع العروق الأربعة، وإنما كان
المفروض هذا القدر، فإذا أتى به فقد أتى بالقدر المفروض، فيقع به التحلل، فلا يلزمه البدنة
بالجماع بعد ذلك؛ لأن ما زاد عليه إلى تمام السبعة فهو واجب، وليس بفرض، فيجب بتركه
الشاة دون البدنة كرمي الجمار، والله تعالى أعلم.
فصل في حكم الطواف إذا فات
وأما حكمه إذا فات عن أيام النحر، فهو أنه لا يسقط، بل يجب أن يأتي به؛ لأن سائر
الأوقات وقته، بخلاف الوقوف بعرفة؛ أنه إذا فات عن وقته يسقط؛ لأنه مؤقت بوقت
مخصوص، ثم إن كان بمكة يأتي به بإحرامه الأول؛ لأنه قائم؛ إذ التحلل بالطواف ولم يوجد،
وعليه لتأخيره عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة، وإن كان رجع إلى أهله، فعليه أن يرجع(١) إلى
(١) في أ: يعود.