النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ كِتَابُ الاعْتِكَافِ ولنا عمومُ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وعن حذيفة - رضي الله عنه -، أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَّ يقول: «الاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ إِمَامٌ وَمُؤَذّنٌ))(١) والمروي: أنه لاَ اعْتِكَافَ إِلاَّ في المَسْجِدِ الْحَرَام - إِن ثبت فهو على التناسخ، لأنه روي أن النبي ◌َّ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فصار منسوخاً بدلالة فعله؛ إذ فعل النبي ◌َّل يصلح ناسخاً لقوله، أو يحمل على بيان الأفضل، كقوله: ((لاَ صَلاَةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ)) أو على المجاورة على قول من لا يكرهها. وأما الحديث الآخر: إن ثبت فيحمل على الزيارة، أو على بيان الأفضل، فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، ثم في مسجد المدينة - وهو مسجد رسول الله بَّر - ثم في [المسجد الأقصى] (٢)، ثم في المسجد الجامع، ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها وعظم. أما المسجد الحرام، ومسجد رسول الله وَلَّل، فلما رُوِي عن النبي ◌َّل، أنه قال: ((صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، مَا خَلاَ الْمَسْجِد الْحَرَامِ» (٣)، ولأن عن النبي - 18 - قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد = الأقصى)). قال الطبراني: لم يروه عن سلمة إلا ابنه يحيى تفرد به ولده عنه. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٦/٤) وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى الكهيلي وهو ضعيف. - حديث المقدام وأبي أمامة : أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٣٠٨/٩) من طريق شريح بن عبيد عن المقدام بن معدي كرب وأبي أمامة قال: قال رسول الله - رَ له -: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى وإلى مسجدي هذا ولا تسافر امرأة مسيرة يومين إلا مع زوجها أو ذي محرم)). (١) أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (٢/ ٢٠٠): كتاب الصوم: باب الاعتكاف، حديث (٥)، وذكره المتقي الهندي في («كنز العمال)) (٥٣١/٨)، حديث (٢٤٠٠٩)، وعزاه للدار قطني عن حذيفة. (٢) في أ: مسجد بيت المقدس. (٣) ورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة وهم: أبو هريرة وعبد الله بن عمر وميمونة وجابر بن عبد الله وجبير بن مطعم وعبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين. - حديث أبي هريرة: أخرجه مالك (١٩٦/١) كتاب القبلة حديث (٩) أخرجه البخاري (٦٣/٣) كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة حديث (١١٩٠) ومسلم (١٠١٢/٢) كتاب الحج: باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة حديث (١٣٩٤/٥٠٧) والنسائي (٢١٤/٥) كتاب المناسك: باب فضل الصلاة في المسجد الحرام والترمذي (٢/ ١٤٧) أبواب الصلاة: باب ما جاء في أي المساجد أفضل حديث (٣٢٥) وابن ماجه (١/ ٤٥٠) كتاب إقامة الصلاة: باب فضل ما جاء في المسجد الحرام ومسجد النبي - رشيد - (١٤٠٤) وأحمد (٢٥٦/٢، ٣٨٦، ٤٦٨) والدارمي (٣٣٠/١) كتاب الصلاة : = ٢٢ كِتَابُ الاعتِكَافِ باب فضل الصلاة في مسجد النبي - ◌َله - وابن حبان (١٦١٦ - الإحسان) والبيهقي (٢٤٦/٥) كتاب = الحج: باب فضل الصلاة في مسجد النبي - وَ ل# - والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٤ /١٤٥) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢/ ١٠٣ - بتحقيقنا) من طرق عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - وَلثر -: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه مسلم (١٠١٢/٢) كتاب الحج: باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (١٣٩٤/٥٠٥) والحميدي (٤١٩/٢ - ٤٢٠) رقم (٩٤٠) وابن ماجه (١ / ٤٥٠) كتاب إقامة الصلاة باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي - ◌َطير - حديث (١٤٠٤) والدارمي (٣٣٠/١) كتاب الصلاة باب فضل الصلاة في مسجد النبي - وَ لَر - وأحمد (٢٧٧،٢٣٩/٢) وأبو يعلى (٢٤١/١٠) برقم (٥٨٥٧) وابن جميع في ((معجمه)) (ص - ١٣٧) رقم (٩٠) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به. وأخرجه مسلم (٢/ ١٠١٣) كتاب الحج: باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة حديث (٥٠٨/ ١٣٩٤) وأحمد (٤٧٣/٢) من طريق عبد الله بن قارظ عن أبي هريرة به. وأخرجه أحمد (٥٢٨،٣٩٧/٢) من طريق حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبي هريرة به مرفوعاً . ۔ حديث ابن عمر: أخرجه مسلم (٢/ ١٠١٣) كتاب الحج: باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة حديث (١٣٩٥/٥٠٩) وابن ماجه (٤٠٥/١) كتاب الإقامة: باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام حديث (١٤٠٥) والنسائي (٢١٣/٥) كتاب المناسك: باب فضل الصلاة في المسجد الحرام وأبو داود الطيالسي (٢٠٥/٢ - منحة) رقم (٢٧٣٢) وأحمد (١٦/٢، ١٠٢،١٠١) والبيهقي (٢٤٦/٥). والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (١٦٢/٤) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٩/٦) من طريق نافع عن ابن عمر عن النبي - رَّ - قال: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)» . - وله طريق آخر عن ابن عمر: أخرجه أحمد (١٥٥،٢٩/٢) وأبو يعلى (١٦٣/١٠) رقم (٥٧٨٧) والبيهقي (٢٤٦/٥) كتاب الحج: باب فضل الصلاة في مسجد رسول - رَطّل ـ وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٨/٦) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر. - حديث ميمونة : أخرجه مسلم (١٠١٤/٢) كتاب الحج: باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (١٣٩٦/٥١٠) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٠٢/١) وأحمد (٣٣٤/٦) وعبد الرزاق (٢١/٥) والنسائي (٣٣/٢) كتاب المساجد: باب فضل الصلاة في المسجد الحرام وأبو يعلى (٣٠/١٣ - ٣١) رقم (٧١١٣) والبيهقي (٨٣/١٠) كتاب النذور: باب من لم يرجو به من طريق نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس عن ميمونة أنها سمعت رسول الله - وَل ـ يقول: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. ۔ حديث جابر: = ٢٣ كِتَابُ الاغْتِكَافِ أخرجه أحمد (٣٩٧،٣٤٣/٣) وابن ماجه (١/ ٤٥٠ - ٤٥١) كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في فضل = الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي - وَلّر - حديث (١٤٠٦) من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر أن رسول الله - وَلَّه - قال: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)) . وصححه المنذري في ((الترغيب)» (١٧٢/٢) فقال: رواه أحمد وابن ماجه بإسنادين صحيحين - قلت بل هو سند واحد - والحديث ذكره الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (٥٥٣/١) وقال: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات . - حديث جبير بن مطعم: أخرجه أحمد (٨٠/٤) والبزار (٢١٣/١ - كشف) رقم (٤٢٣) وأبو يعلى (٤٠٦/١٣) رقم (٧٤١١) والطبراني في «الكبير)) (١٤٤/٢) رقم (١٦٠٦) من طريق حصين بن عبد الرحمن عن محمد بن طلحة عن جبير بن مطعم عن النبي - رَّليو - قال: ((صلاة مسجدي هذا تزيد على سواه من المساجد ألف صلاة ليس المسجد الحرام)). وقال البزار: لا نعلمه يروى عن جبير إلا من هذا الوجه ا. هـ. ومحمد بن طلحة عن جبير فيه انقطاع. قال العلائي في جامع التحصيل. (ص - ٢٦٥) رقم (٦٨٧): محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة روى عن جبير بن مطعم وذلك مرسل لم يدركه قاله في التهذيب . والحديث ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٨/٤) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير وإسناد الثلاثة مرسل وله في الطبراني إسناد رجاله رجال الصحيح. - وللحديث طريق آخر عن جبير: أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) رقم (١٥٦٢) من طريق محمد بن علي بن غراب الكوفي ويحيى الحماني قالا: ثنا قيس بن الربيع عن عبد الملك بن عمير عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٩/٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه يحيى الحماني وفيه كلام كثير. - حديث عبد الله بن الزبير: أخرجه أحمد (٥/٤) والبزار (٢١٤/١ - كشف) رقم (٤٢٥) وابن حبان (١٠٢٧ - موارد) والبيهقي (٥٪ ٢٤٦) كتاب الحج: باب فضل الصلاة في مسجد رسول الله - وَّل - وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند» (ص - ١٨٥) رقم (٥٢١) والحارث (٣٩٥ - بغية) من طرق عن حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - وَالـ: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في ذلك أفضل من منه صلاة في هذا)). قال البزار: اختلف على عطاء ولا نعلم أحداً قال: فإنه يزيد عليه منه إلا ابن الزبير ورواه عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر ورواه ابن خديج عن عطاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة ورواه ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ۔ والحديث صححه ابن حبان : وقال المنذري في («الترغيب)) (١٧٢/٢): إسناده صحيح وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٧/٤) وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح. = ٢٤ كِتَابُ الاغتِگافِ ۔ حدیث سعد بن أبي وقاص : = أخرجه أحمد (١٨٤/١) وأبو يعلى (١١٢/٢) رقم (٧٧٤) من طريق ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي عبد الله القراظ عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع النبي - وَّر - يقول: الصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٨/٤) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف ا. هـ. قلت: وفيه نظر لأن سند البزار ليس فيه ابن أبي الزناد فقد أخرجه (٢١٤/١ - كشف) رقم (٤٢٦) من طريق موسى بن عبيدة أبي عبد العزيزة الربذي عن عمر بن الحكم عن سعد بن أبي وقاص به وهذا سند ضعيف أيضاً فإن موسى بن عبيد الربذي ضعيف. - حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه أبو يعلى (٣٩٣/٢) رقم (١١٦٥) والبزار (٢١٥/١ - كشف) رقم (٤٢٩) من طريق جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن سهم بن منجاب عن قزعة عن أبي سعيد قال: ودع رسول الله - وَله - رجلاً فقال له أين تريد؟ قال: أريد بيت المقدس فقال رسول الله - رَّيه - صلاة في مسجدي أفضل من مائة في غيره إلا المسجد الحرام» . - واللفظ لأبي يعلى: قال الهيثمي في ((المجمع)) (٩/٤): رواه أبو يعلى والبزار بنحوه إلا أنه قال أفضل من ألف صلاة ورجال أبي يعلى رجال الصحيح وله طريق آخر عن أبي سعيد. أخرجه البزار (٢١٥/١ - كشف) رقم (٤٢٨) من طريق عبد الواحد بن زياد ثنا إسحاق بن شرقي عن عبد الله بن عبد الرحمن عن ابن عمر عن أبي سعيد به مرفوعاً. قال البزار: لا نعلمه عن ابن عمر عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد وإسحاق لا نعلم حديث عنه إلا عبد الواحد. - حديث أنس : أخرجه البزار (٢١٣/١ - كشف) رقم (٤٢٤) من طريق عبد الرحمن بن عثمان أبو بحر البكراوي ثنا عبيد الله بن أبي زياد عن جعفر عن أنس قال، قال رسول الله - وَلـ ـ صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف فيما سواه إلا المسجد الحرام. قال البزار: لا نعلم رواه عن جعفر إلا عبيد الله ولا عنه. إلا أبو بحر: وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٩/٤) وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه أبو بحر البكراوي وثقه أحمد وأبو داود وضعفه جماعة. - حديث علي: أخرجه البزار (٢١٦/١ - كشف) رقم (٤٣٠) ثنا عبد الصمد بن سليمان المروزي ثنا أبو نباتة ثنا سلمة بن وردان عن أبي سعيد بن المعلى عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة عن النبي - رَّ - قال: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وصلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. قال الهيثمي: حديث أبي هريرة في الصحيح بتمامه خلا لفظه ((القبر)) وحديث علي عند الترمذي خلا ذكر = ٢٥ كِتَابُ الاغْتِكَافِ للمسجد الحرام من الفضائل ما ليس لغيره؛ من كون الكعبة فيه، ولزوم الطواف به، ثم بعده مسجد المدينة؛ لأنه مسجد أفضل الأنبياء والمرسلين - صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم - ثم مسجد بيت المقدس؛ لأنه مسجد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ولإجماع المسلمين على أنه ليس بعد المسجد الحرام ومسجد رسول الله وَ لّ مسجد أفضل منه، ثم المسجد الجامع؛ لأنه مجمع المسلمين لإقامة الجمعة، ثم بعده المساجد الكبار؛ لأنها في معنى الجوامع لكثرة أهلها . وأما المرأة فذكر في الأصل؛ أنها لا تعتكف إلا في مسجد بيتها، ولا تعتكف في مسجد جماعة . وروى الحسن عن أبي حنيفة؛ أن للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة، وإن شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها، ومسجد حيها أفضل لها من المسجد الأعظم؛ وهذا لا يوجب اختلاف الروايات(١) بل يجوز اعتكافها/ في مسجد ٢١٧أ الجماعة على الروايتين جميعاً بلا خلاف بين أصحابنا، والمذكور في الأصل محمول على نفي الفضيلة لا على نفي الجواز؛ توفيقاً بين الروايتين، وهذا عندنا. وقال الشافعي: لا يجوز اعتكافها في مسجد بيتها. وجه قوله: إن الاعتكاف قربة خصت بالمساجد بالنص، ومسجد بيتها ليس بمسجد الصلاة وذكره في ((المجمع)) (٩/٤) وقال: رواه البزار وفيه سلمة بن وردان وهو ضعيف. = وأخرجه الحارث بن أبي أسامة (٣٩٤ - بغية) ثنا محمد بن عمر ثنا سلمة بن وردان قال: سمعت أبا سعيد بن المعلى قال: سمعت علياً يقول: قال رسول الله - رَ طير -: ((صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)). ومحمد بن عمر هو الواقدي متروك وسلمة بن وردان ضعيف كما تقدم. والحديث ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٣٧٣/٢) رقم (١٢٥٩) وعزاه للحارث. - حديث عائشة : أخرجه أبو يعلى (١٤٦/٨) رقم (٤٦٩١) من طريق جابر العلاف ثنا ابن الزبير عن عائشة قالت: ((قال رسول الله - رَّول -: صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه)). وأخرجه البزار (٥٦/٢ - كشف) رقم (١١٩٣) من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن داود بن مدرك عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله - رَلهلـ: («أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار ويشد إليه الرواحل المسجد الحرام ومسجدي، صلاة من مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام. وذكره الهيثمي في المجمع، (٩/٤) وقال: رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. (١) في أ: الرواية. ٢٦ كِتَابُ الاغْتِكَافِ حقيقة، بل هو اسم للمكان المعد للصلاة في حقها، حتى لا يثبت له شيء من أحكام المسجد؛ فلا يجوز إقامة هذه القربة فيه، ونحن نقول: بل هذه قربة خصت بالمسجد، لكن مسجد بيتها له حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف؛ لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة؛ لحاجتها إلى إحراز فضيلة الجماعة، فأعطى له حكم مسجد الجماعة في حقها، حتى كانت صلاتها في بيتها أفضل، على ما روي عن رسول الله وَلّر؛ أنه قال: ((صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدٍ بَيْتَها أَفْضَلُ مِنْ صَلاَها فِي مَسْجِدٍ دَارِهَا، وَصَلاَتُهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَئِهَا فِي مَسْجِدٍ حَيِّهَا))(١)، وإذا كان له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، فكذلك في حق الاعتكاف؛ لأن كل واحد منهما في اختصاصه بالمسجد سواء، وليس لها أن تعتكف في بيتها في غير مسجد، وهو الموضع المعد للصلاة، لأنه ليس لغير ذلك الموضع من بيتها حكم المسجد، فلا يجوز اعتكافها فيه، والله أعلم. فصل في ركن الاعتكاف ومحظوراته وأما ركن الاعتكاف، ومحظوراته وما يفسده وما لا يفسده، فركن الاعتكاف: هو اللبث والإقامة، يقال: اعتكف وعكف، أي: أقام، وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١]، أي: لن نزال عليه(٢) مقيمين، ويقال: فلان معتكف على حرام، أي: مقيم عليه، فسمي من أقام على العبادة في المسجد معتكفاً وعاكفاً . وإذا عرف هذا، فنقول لا يخرج (٣) المعتكف من معتكفه في الاعتكاف الواجب ليلاً ولا نهاراً، إلا لما لا بد له منه من الغائط، والبول، وحضور الجمعة لأن الاعتكاف لما كان لبثاً وإقامة، فالخروج يضاده، ولا بقاء للشي مع ما يضاده، فكان إبطالاً له، وإبطال العبادة حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، إلا أنا جوزنا له الخروج لحاجة الإنسان؛ إذ لا بد منها، وتعذر قضاؤها في المسجد، فدعت الضرورة إلى الخروج؛ ولأن في الخروج لهذه الحاجة تحقيق هذه القربة؛ لأنه لا يتمكن المرء من أداء هذه القربة إلا بالبقاء، ولا بقاء بدون (١) أخرجه أبو داود (١٥٦/١) كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد الحديث (٥٧٠) وابن خزيمة في صحيحه (٩٥،٩٤/٣) رقم (١٦٩٠،١٦٨٨) وعبد الرزاق في المصنف (١٥٠/٣) رقم (٥١١٦) والطبراني في الكبير (٣٤١/٩، ٣٤٢) رقم (٩٤٨٢، ٩٤٨٣) والبيهقي في السنن (١٣١/٣) كتاب الصلاة، باب خير مساجد النساء قصر بيوتهن . والبغوي في شرح السنة (٤٢٢/٢) رقم (٨٦٦ - بتحقيقنا) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٧/٢): ((رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح)) ا.هـ. (٢) في أ: فيه. (٣) في أ: يبرح. ٢٧ كِتَابُ الاغْتِكَافِ القوت عادة، ولا بد لذلك من الاستفراغ على ما عليه مجرى العادة، فكان الخروج لها من ضرورات الاعتكاف ووسائله، وما كان من وسائل الشيء كان حكمه حكم ذلك الشيء، فكان المعتكف في حال خروجه عن المسجد لهذه الحاجة، كأنه في المسجد. وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي ◌َّ ((كَانَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لَيْلاَ وَلاَ نَهَاراً إِلَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ))(١)، وكذا في الخروج في الجمعة ضرورة؛ لأنها فرض عين، ولا يمكن إقامتها في كل مسجد، فيحتاج إلى الخروج إليها؛ كما يحتاج إلى الخروج لحاجة الإنسان، فلم يكن الخروج إليها مبطلاً لاعتكافه وهذا عندنا، وقال الشافعي: إذا خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه. وجه قوله: إن الخروج في الأصل مضاد للاعتكاف ومناف له؛ لما ذكرنا أنه قرار وإقامة، والخروج انتقال وزوال؛ فكان مبطلاً له إلا فيما لا يمكن التحرز عنه كحاجة الإنسان، وكان يمكنه التحرز عن الخروج إلى الجمعة بأن يعتكف في المسجد الجامع. ولنا أن إقامة الجمعة فرض؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩] والأمر بالسعي إلى الجمعة أمر بالخروج من المعتكف، ولو كان الخروج إلى الجمعة مبطلاً للاعتكاف لما أمر به؛ لأنه يكون أمراً بإبطال الاعتكاف، وأنه حرام؛ ولأن الجمعة لما كانت فرضاً حقاً لله تعالى عليه، والاعتكاف قربة ليست هي عليه، فمتى أوجبه على نفسه بالنذر - لم يصح نذره في إبطال ما هو حقُّ الله تعالى عليه؛ بل (١) أخرجه البخاري (٢٧٣/٤): كتاب الاعتكاف: باب لا يدخل البيت إلا لحاجة، حديث (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٤٤/١): كتاب الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وطهارة سؤرها، والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه، حديث (٢٩٧/٦) والترمذي (٤٣٤/٣ - تحفة) أبواب الصوم: باب المعتكف يخرج لحاجته أم لا حديث (٨٠١) وابن ماجه (٥٦٥/١) كتاب الصيام: باب في المعتكف يعود المريض ويشهد الجنائز حديث (١٧٧٦) وابن الجارود (٤٠٩) من طريق عروة وعمرة عن عائشة به وأخرجه مالك (٣١٢/١) رقم (١) ومسلم (٢٩٧) وأبو داود (٧٤٨/١) كتاب الصيام: باب المعتكف يدخل البيت لحاجته (٢٤٦٧) وأحمد (١٠٤/٦) من طريق الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة وأخرجه النسائي (١/ ١٩٣) وأحمد (١٨١/٦) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة به. وأخرجه ابن ماجه (١/ ٥٦٥) كتاب الصيام: باب ما جاء في المعتكف يغسل رأسه ويرجله حديث (١٧٧٨) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به. وأخرجه أيضاً الحميدي (١٨٤) من هذا الطريق. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح هكذا رواه غير واحد عن مالك عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة ورواه بعضهم عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة والصحيح عن عروة وعمرة عن عائشة ا.هـ. ٢٨ كِتَابُ الاغتگافِ كان نذره عدماً في إبطال هذا الحق، ولأن الاعتكاف دون الجمعة؛ فلا يؤذن بترك الجمعة لأجله . وقد خرج الجواب عن قوله: إن الاعتكاف لبث، والخروج يبطله لما ذكرنا أن الخروج إلى الجمعة لا يبطله لما بينا. وأما وقت الخروج إلى الجمعة، ومقدار ما يكون في المسجد الجامع: فذكر الكرخي، وقال: ينبغي أن يخرج إلى الجمعة عند الأذان، فيكون في المسجد مقدار ما يصلي قبلها أربعاً، وبعدها أربعاً أو ستاً. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة مقدار ما يصلي قبلها أربعاً، وبعدها أربعاً، وهو على الاختلاف في سنة الجمعة بعدها؛ أنها أربع في قول أبي حنيفة، وعندهما ستة، على ما ذكرنا في ((كتاب الصلاة)). ٢١٧ب وقال محمد: إذا كان/ منزله بعيداً يخرج حين يرى أنه يبلغ المسجد عند النداء وهذا أمر يختلف بقرب المسجد(١) وبعده، فيخرج في أي وقت يرى أنه يدرك الصلاة والخطبة، ويصلي قبل الخطبة أربع ركعات؛ لأن إباحة الخروج إلى الجمعة إباحة لها بتوابعها، وسنتها من توابعها بمنزلة الأذكار المسنونة فيها . ولا ينبغي أن يقيم في المسجد الجامع بعد صلاة الجمعة إلا مقدار ما يصلي بعدها أربعاً أو ستاً على الاختلاف، ولو أقام يوماً وليلة لا ينتقض اعتكافه، لكن يكره له ذلك، أما عدم الانتقاض؛ فلأن الجامع لما صلح لابتداء الاعتكاف؛ فلأن يصلح للبقاء أولى؛ لأن البقاء أسهلُ من الابتداء، وأما الكراهة؛ فلأنه لما ابتدأ الاعتكاف في مسجد، فكأنه عينه للاعتكاف فيه، فيكره له التحول عنه مع إمكان الإتمام فيه. ولا يخرج لعيادة مريض، ولا لصلاة جنازة؛ لأنه لا ضرورة إلى الخروج؛ لأن عيادة المريض ليست من الفرائض، بل من الفضائل، وصلاة الجنازة ليست بفرض عين، بل فرض كفاية، تسقط عنه بقيام الباقين بها، فلا يجوز إبطال الاعتكاف لأجلها، وما روي عن النبي وَل ((مِنَ الرُّخْصَةِ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَصَلاَةِ الْجَنَازَةِ» فقد قال أبو يوسف: ذلك محمول عندنا على الاعتكاف الذي يتطوع به من غير إيجاب، فله أن يخرج متى شاء، ويجوز أن تحمل الرخصة على ما إذا كان خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الإنسان أو للجمعة، ثم عاد مريضاً، أو صلى على جنازة من غير أن كان خروجه لذلك قصداً؛ وذلك جائز. (١) في أ: البيت. ٢٩ كِتَابُ الاغْتِكَافِ أما المرأة إذا اعتكفت في مسجد بيتها، لا تخرج منه إلى منزلها إلا لحاجة الإنسان؛ لأن ذلك في حكم المسجد لها على ما بينا، فإن خرج من المسجد الذي يعتكف فيه لعذر بأن انهدم المسجد، أو أخرجه السلطان مكرهاً، أو غير السلطان، فدخل مسجداً آخر غيره من ساعته - لم يفسد اعتكافه استحساناً، والقياس أن يفسد، وجه القياس أنه وجد ضد الاعتكاف؛ وهو الخروج الذي هو ترك الإقامة فيبطل؛ كما لو خرج عن اختيار. وجه الاستحسان: أنه خرج من غير ضرورة، أما عند انهدام المسجد فظاهر؛ لأنه لا يمكنه الاعتكاف فيه بعد ما انهدم، فكان الخروج منه أمراً لا بد منه بمنزلة الخروج لحاجة الإنسان، وأما عند الإكراه، فلأن الإكراه من أسباب العذر في الجملة، فكان هذا القدر من الخروج ملحقاً بالعدم؛ كما إذا خرج لحاجة الإنسان وهو يمشي مشياً رفيقاً، فإن خرج من المسجد لغير عذر ـ فسد اعتكافه في قول أبي حنيفة وإن كان ساعة، وعند أبي يوسف ومحمد: لا يفسد حتى يخرج أكثر من نصف يوم، قال محمد: قول أبي حنيفة أقيس، وقول أبي يوسف أوسع. وجه قولهما: إن الخروج القليل عفو، وإن كان بغير عذر؛ بدليل أنه لو خرج لحاجة الإنسان - وهو يمشي متأنياً - لم يفسد اعتكافه، وما دون نصف اليوم فهو قليل فكان عفواً، ولأبي حنيفة أنه ترك الاعتكافَ باشتغاله بضده من غير ضرورة، فيبطل اعتكافه لفوات الركن، وبطلان الشيء بفوات ركنه يستوي فيه الكثير والقليل؛ كالأكل في باب الصوم، وفي الخروج لحاجة الإنسان ضرورة، وأحوال الناس في المشي مختلفة لا يمكن ضبطها، فسقط اعتبارُ صفة المشي، ولههنا لا ضرورة في الخروج. وعلى هذا الخلاف إذا خرج لحاجة الإنسان، ومكث بعد فراغه؛ أنه ينتقض اعتكافه عند أبي حنيفة، قل مكثه أو كثر، وعندهما: لا ينتقض ما لم يكن أكثر من نصف يوم، ولو صعد المئذنة لم يفسد اعتكافه بلا خلاف، وإن كان باب المئذنة خارج المسجد، لأن المئذنة من المسجد . ألا ترى أنه يمنع فيه كل ما يمنع في المسجد من البول ونحوه، ولا يجوز بيعها فأشبه زاوية من زوايا المسجد، وكذا إذا كان داره بجنب المسجد، فأخرج رأسه إلى داره - لا يفسد اعتكافه؛ لأن ذلك ليس بخروج؛ ألا ترى أنه لو حلف لا يخرج من الدار ففعل ذلك لا يحنث في يمينه. وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدٍ فَيَغْسِلُ رَأْسَهُ، وإن غسل رأسه في المسجد في إناء لا بأس به، إذا لم يلوث المسجد بالماء المستعمل، فإن كان بحيث يتلوث المسجد يمنع منه؛ لأن تنظيف المسجد واجب، ولو توضأ في المسجد في إناء فهو على هذا التفصيل. ٣٠ كِتَابُ الاغتِگَافِ وأما اعتكاف التطوع: فهل يفسد بالخروج لغير عذر؛ كالخروج لعيادة المريض، وتشييع الجنازة، فيه روايتان في رواية الأصل: لا يفسد. ١٢١٨ وفي رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: يفسد، بناء على/ أن اعتكاف التطوع غير مقدر على رواية الأصل؛ فله أن يعتكف ساعة من نهار، أو نصف يوم، أو ما شاء من قليل أو كثير، أو يخرج(١) فيكون معتكفاً ما أقام تاركاً ما خرج. وعلى رواية الحسن: هو مقدر بيوم كالصوم؛ ولهذا قال: إنه لا يصح بدون الصوم؛ كما لا يصح الاعتكاف الواجب بدون الصوم. وجه رواية الحسن: أن الشروع في التطوع موجب للاتمام على أصل أصحابنا؛ صيانة للمؤدي عن البطلان؛ كما في صوم الطوع وصلاة التطوع، ومست الحاجة إلى صيانة المؤدي لههنا؛ لأن القدر المؤدي انعقد قربة؛ فيحتاج إلى صيانته، وذلك بالمضي فيه إلى آخر اليوم. وجه رواية الأصل: أن الاعتكاف لبث وإقامة، فلا يتقدر بيوم كامل كالوقوف بعرفة؛ وهذا لأن الأصل في كل فعل تام بنفسه، في زمان اعتباره في نفسه، من غير أن يقف اعتباره على وجود غيره، وكل لبث وإقامة توجد فهو فعل تام في نفسه، فكان اعتكافاً في نفسه، فلا تقف صحته واعتباره عن وجود أمثاله إلى آخر اليوم، هذا هو الحقيقة، إلا إذا جاء دليل التغيير، فتجعل الأفعال المتعددة المتغايرة حقيقة متحدة حكماً كما في الصوم، ومن ادعى التغيير ههنا يحتاج إلى الدليل. وقوله الشروع فيه موجب، مسلم، لكن بقدر ما اتصل به الأداء، ولما خرج فما أُوجب إلا ذلك القدر؛ فلا يلزمه أكثر من ذلك، ولو جامع في حال الاعتكاف فسد اعتكافه؛ لأن الجماع من محظورات الاعتكاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قيل: المباشرة كناية عن الجماع؛ كذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن ما ذكر الله - عز وجل - في القرآن من المباشرة والرفث والغشيان فإنما عنى به الجماع، لكن الله تعالى حي كريم يكنى بما شاء، دلت الآية على أن الجماع محظور في الاعتكاف، فإن حظر الجماع على المعتكف ليس لمكان المسجد بل لمكان الاعتكاف، وإن كان ظاهر النهي عن المباشرة في حال الاعتكاف في المسجد بقوله - عز وجل - ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، لأن الآية الكريمة نزلت في قوم كانوا يعتكفون في المساجد، وكانوا يخرجون يقضون حاجتهم في الجماع، ثم يغتسلون، ثم يرجعون إلى معتكفهم، لا أنهم كانوا يجامعون في المساجد؛ لينهوا عن ذلك، بل المساجد في قلوبهم كانت أجل وأعظم من أن يجعلوها مكاناً لوطء نسائهم، فثبت أن النهي عن المباشرة في حال الاعتكاف؛ لأجل (١) في أ: ويخرج. ٣١ كِتَابُ الاعتكافِ الاعتكاف، فكان الجماع من محظورات الاعتكاف فيوجب فساده، وسواء جامع ليلاً أو نهاراً؛ لأن النص مطلق، فكان الجماع من محظورات الاعتكاف ليلاً ونهاراً، وسواء كان عامداً أو ناسياً بخلاف الصوم، فإن جماع الناس لا يفسد الصوم، والنسيان لم يجعل عذراً في باب الاعتكاف، وجعل عذراً في باب الصوم. والفرق من وجهين : أحدهما: أن الأصل ألا يكون عذراً؛ لأن فعل الناس مقدور الامتناع عنه في الجملة؛ إذ الوقوع فيه لا يكون إلا لنوع تقصير؛ ولهذا كان النسيان جائز المؤاخذة عليه عندنا، وإنما رفعت المؤاخذة ببركة دعاء النبي ◌ِّه بقوله: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذُنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٨٦]؛ ولهذا لم يجعل عذراً في باب الصلاة، إلا أنه جعل عذراً في باب الصوم بالنص؛ فيقتصر عليه . والثاني: أن المحرم في الاعتكاف عين الجماع، فيستوي فيه العمد والسهو، والمحرم في باب الصوم هو الإفطار لا عين الجماع، أو حرم الجماع؛ لكونه إفطاراً لا لكونه جماعاً؛ فكانت حرمته لغيره وهو الإفطار، والإفطار يختلف حكمه بالعمد والنسيان. ولو أكل أو شرب في النهار عامداً، فسد صومه، وفسد اعتكافه لفساد الصوم، ولو أكل ناسياً لا يفسد اعتكافه؛ لأنه لا يفسد صومه، والأصل أن ما كان من محظورات الاعتكاف، وهو ما منع عنه لأجل الاعتكاف لا لأجل الصوم [لا] (١) يختلف فيه العمد والسهو، والنهار والليل؛ كالجماع، والخروج من المسجد، وما كان من محظورات الصوم، وهو ما منع عنه لأجل الصوم - يختلف فيه العمد والسهو، والنهار والليل؛ [كالجماع، والخروج من المسجد](٢)؛ وكالأكل والشرب والفقه ما بينا. ولو باشر فأنزل فسد اعتكافه؛ لأن المباشرة منصوصٌ عليها في الآية. وقد قيل في بعض وجوه التأويل: إن المباشرةَ الجماع وما دونه؛ ولأن المباشرة مع الإنزال في معنى الجماع فيلحق به . وكذا لو جامع فيما دون الفرج فأنزل لما قلنا، فإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه؛ لأنه بدون الإنزال لا يكون في معنى الجماع، لكنه يكون حراماً، وكذا التقبيلُ والمعانقة واللمس إنه إن أنزل في شيء من ذلك - فسد اعتكافه، وإلا فلا يفسد/ لكنه يكون حراماً بخلاف الصوم، فإن ٢١٨ب في باب الصوم لا تحرم الدواعي إذا كان يأمن على نَفْسِهِ . (١) سقط في ط. (٢) سقط في أ. ٠٠ ٣٢ كِتَابُ الاعْتِكَافِ والفرق على نحو ما ذكرنا أن عين الجماع في باب الاعتكاف محرم، وتحريم الشيء يكون تحريماً لدواعيه؛ لأنها تفضي إليه، فلو لم تحرم لأدى إلى التناقض. وأما في باب الصوم: فعين الجماع ليس محرماً إنما المحرم هو الإفطار، أو حرم الجماع؛ لكونه إفطاراً، وهذا لا يتعدى إلى الدواعي، فهو الفرق. ولو نظر فأنزل لم يفسد اعتكافه؛ لانعدام الجماع صورة ومعنى، فأشبه الاحتلام. والله الموفق . ولا يأتي الزوج امرأته وهي معتكفة، إذا كانت اعتكفت بإذن زوجها؛ لأن اعتكافها إذا كان بإذن زوجها؛ فإنه لا يملك الرجوع عنه لما بينا فيما تقدم، فلا يجوز وطؤها؛ لما فيه من إفساد عبادتها، ويفسد الاعتكاف بالردة؛ لأن الاعتكاف قربة، والكافر ليس من أهل القربة؛ ولهذا لم ينعقد مع الكفر، فلا يبقى مع الكفر أيضاً، ونفس الإغماء لا يفسده بلا خلاف، حتى لا ينقطع التتابع، ولا يلزمه أن يستقبل الاعتكاف إذا أفاق. وإن أغمي عليه أياماً، أو أصابه لمم ـ فسد اعتكافه، وعليه إذا برأ أن يستقبل؛ لأنه لزمه متتابعاً، وقد فاتت صفة التتابع، فيلزمه الاستقبال؛ كما في صوم كفارة الظهار، فإن تطاول الجنون، وبقي سنين ثم أفاق، هل يجب عليه أن يقضي [أو يسقط] (١) عنه - ففيه روايتان: قياس واستحسان نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى، ولو سكر ليلاً لا يفسد اعتكافه عندنا، وعند الشافعي: يفسد وجه قوله: إن السكران كالمجنون، والجنون يفسد الاعتكاف؛ فكذا السكر. ولنا: أن السكر ليس إلا معنى له أثر في العقل مدة يسيرة، فلا يفسد الاعتكاف، ولا يقطع التتابع كالإغماء؛ ولو حاضت المرأة في حال الاعتكاف فسد اعتكافها؛ لأن الحيض ينافي أهلية الاعتكاف لمنافاتها الصوم؛ ولهذا منعت من انعقاد الاعتكاف؛ فتمنع من البقاء. ولو احتلم المعتكف لا يفسد اعتكافه؛ لأنه لا صنع له فيه، فلم يكن جماعاً ولا في معنی الجماع، ثم إن أمكنه الاغتسال في المسجد، من غير أن يتلوث المسجد ۔ فلا بأس به، وإلا فيخرج فيغتسل، ويعود إلى المسجد، ولا بأس للمعتكف أن يبيع ويشتري، ويتزوج ويراجع، ويلبس ويتطيب ويدهن، ويأكل ويشرب بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويتحدث ما بدا له بشرط ألا يكون مأثماً، وينام في المسجد، والمراد من ((البيع والشراء)) هو كلامُ الإيجاب والقبول من غير نقل الأمتعة إلى المسجد؛ لأن ذلك ممنوع عنه لأجل المسجد، لما فيه من اتخاذ المسجد متجراً، لا لأجل الاعتكاف. (١) في أ: ويسقط. 1 كِتَابُ الاعتكافِ ٣٣ وحكي عن مالك أنه لا يجوز البيع في المسجد، كأنه يشير إلى ما روي عن النبي وَّ أنه قال: ((جَنْبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ، وَبَيْعِكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَرَفْعَ أَضْوَاتِكُمْ، وَسَلَّ سُئُوفِكُمْ))(١). ولنا عمومات البيع والشراء من الكتاب الكريم، والسنة من غير فصل بين المسجد وغيره. وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال لابن أخيه جعفر: هَلاَّ اشْتَرَيْتَ خَادِماً؟ قَالَ: كُنْتُ مُعْتَكِفاً، قَالَ: وَمَاذَا عَلَيْكَ لَوِ اشْتَرَيْتَ؟ أشار إلى جواز الشراء في المسجد. وأما الحديث فمحمول على اتخاذ المساجد متاجر؛ كالسوق يباع فيها، وتنقل الأمتعة إليها، أو يحمل على الندب والاستحباب؛ توفيقاً بين الدلائل بقدر الإمكان. وأما النكاح والرجعة؛ فلأن نصوص النكاح والرجعة لا تفصل بين المسجد وغيره، من نحو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، ونحو ذلك. وكذا الأكل والشرب، واللبس والطيب، والنوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتِكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهُ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾ [النبأ: ٩]. وقد روي أن النبي ◌َ ﴿ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَالِ اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ، مع ما أن الأكل والشرب والنوم في المسجد في حال الاعتكاف - لو منع منه لمنع من الاعتكاف؛ إذ ذلك أمر لا بد منه . وأما التكلم بما لا مأثم فيه؛ فلقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب: ٧٠]. قيل في بعض وجوه التأويل: أي: صدقاً وصواباً، لا كذباً ولا فحشاً، وقد روي أن رسول الله وَ لَّ كَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَ أَصْحَابِهِ وَنِسَائِهِ - رضي الله عنهم - وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ(٢) . (١) أخرجه ابن ماجه (٢٤٧) كتاب المساجد والجماعات: باب: ((ما يكره في المساجد)) رقم (٧٥٠)، والطبراني في ((الكبير)) (١٥٦/٨) رقم (٧٦٠١)، وذكره الهندي في ((كنز العمال)) (٧/ ٦٦٧) رقم (٢٠٨٢٢) وذكره العجلوني في ((كشف الخفا ومزيل الإلباس ... )) (١/ ٣٣٤) رقم (١٠٧٧). (٢) ورد ذلك في أحاديث منها حديث صفية - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - وَلَّم - معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ثم جئت لأنقلب فقام معي يقلني وكان منزلها في دار أسامة بن زيد ورآنا رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي - بَله - قنعاً رؤوسهما فقال النبي - رَّم -: ((على رسلكما إنها صفية بنت حيي ... )) الحديث. أخرجه البخاري (٣٢٦/٤) كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف الحديث (٢٠٣٥)، وأطرافه في (٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٦٢١٩، ٧١٧١) ومسلم (١٧١٢/٤) كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رئي خالياً بامرأة الحديث (٢١٧٥). = بدائع الصنائع ج٣ - م٣ ٣٤ كِتَابُ الاغتِكَافِ فأما التكلم بما فيه مأثم؛ فإنه لا يجوز في غير المسجد ففي المسجد أولى، وله أن يحرم في اعتكافه بحج أو عمرة، وإذا فعل لزمه الإحرام، وأقام في اعتكافه إلى أن يفرغ منه، ثم يمضي في إحرامه، إلا أن يخاف فوت الحج فيدع الاعتكاف، ويحج ثم يستقبل الاعتكاف. أما صحة الإحرام في حال الاعتكاف؛ فلأنه لا تنافي بينهما؛ ألا ترى أن الاعتكاف ينعقد مع الإحرام؛ فيبقى/ معه أيضاً، وإذا صح إحرامه؛ فإنه يتم الاعتكاف، ثم يشتغل بأفعال الحج؛ لأنه یمکنه الجمع بينهما . وأما إذا خاف فوت الحج؛ فإنه يدع الاعتكاف؛ لأن الحج يفوت، والاعتكاف لا يفوت، فكان الاشتغال بالذي يفوت أولى؛ ولأن الحج آكد وأهم من الاعتكاف، فالاشتغال به أولى، وإذا ترك الاعتكاف يقضيه بعد الفراغ من الحج. والله أعلم. فصل في حكمه إذا فسد أما بيان حكمه إذا فسد، فالذي فسد لا يخلو إما أن يكون واجباً، وأعني به المنذور، وإما أن يكون تطوعاً، فإن كان واجباً يقضي إذا قدر على القضاء، إلا الردة خاصة؛ لأنه إذا فسد التحق بالعدم، فصار فَائتاً معنى فيحتاج إلى القضاء جبراً للفوات، ويقضي بالصوم؛ لأنه فاته مع الصوم فيقضيه مع الصوم، غير أن المنذور به إن كان اعتكاف شهر بعينه يقضي قدر ما فسد لا غير، ولا يلزمه الاستقبال كالصوم المنذور به في شهر بعينه، إذا أفطر يوماً؛ أنه يقضي ذلك اليوم، ولا يلزمه الاستئناف؛ كما في صوم رمضان؛ لما ذكرنا في كتاب الصوم، وإذا كان اعتكاف شهر بغير عينه يلزمه الاستقبال، لأنه يلزمه متتابعاً، فيراعي فيه صفة التتابع، وسواء فسد بصنعه من غير عذر؛ كالخروج والجماع، والأكل والشرب في النهار إلا الردة، أو فسد بصنعه لعذر، كما إذا مرض فاحتاج إلى الخروج فخرج، أو بغير صنعه رأساً، كالحيض، والجنون، والإغماء الطويل؛ لأن القضاء يجب جبراً للفائت، والحاجة إلى الجبر متحققة في الأحوال كلها، إلا أن سقوط القضاء في الردة عرف، بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وأبو داود (٣٣٣/٢) كتاب الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته الحديث (٢٤٧٠). = وابن ماجه (٥٦٥/١ - ٥٦٦) كتاب الصيام، باب في المعتكف يزوره أهله في المسجد الحديث (١٧٧٩). والدارمي (٢٧/٢) ورواه أحمد في المسند (٣٣٧/٦). وابن خزيمة في صحيحه رقم (٢٢٣٣، ٢٢٣٤) وابن حبان في صحيحه (٤٢٨/٨) رقم (٣٦٧١) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٢١/٤)، (٣٢٤/٤) والبغوي في ((شرح السنة)» (٣٩٦/٧ - ٣٩٧) رقم (٤١٠٣ - بتحقيقنا). ١٢١٩ ٣٥ كِتَابُ الاعْتِكَافِ وقول النبي ◌َّرَ: ((الإِسْلاَمُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ)(١). والقياس في الجنون الطويل؛ أن يسقط القضاء كما في صوم رمضان، إلا أن في الاستحسان يقضي؛ لأن سقوط القضاء في صوم رمضان إِنما كان لدفع الحرج؛ لأن الجنون إذا طال قلما يزول، فيتكرر عليه صوم رمضان، فيخرج في قضائه، وهذا المعنى لا يتحقق في الاعتكاف . وأما اعتكاف التطوع إذا قطعه قبل تمام اليوم - فلا شيء عليه في رواية الأصل، وفي رواية الحسن: يقضي بناء على أن اعتكاف التطوع غير مقدر(٢) في رواية محمد عن أبي حنيفة. وفي رواية الحسن عنه مقدرٌ بيوم. وقد ذكرنا الوجه للروايتين فيما تقدم. وأما حكمه إذا فات عن وقته المعين له؛ بأن نذر اعتكاف شهر بعينه أنه إذا فات بعضه قضاه لا غير؛ ولا يلزمه الاستقبال كما في الصوم، وإن فاته كله قضى الكل متتابعاً؛ لأنه لما لم يعتكف حتى مضي الوقت صار الاعتكاف ديناً في ذمته، فصار كأنه أنشأ النذر باعتكاف شهر بعينه، فإن قدر على قضائه فلم يقضه حتى أيس من حياته - يجب عليه أن يوصي بالفدية لكل يوم طعام مسكين؛ لأجل الصوم لا لأجل الاعتكاف؛ كما في قضاء رمضان، والصوم المنذور في وقت بعينه. وإن قدر على البعض دون البعض فلم يعتكف، فكذلك إن كان صحيحاً وقت النَّذْرِ، فإن كان مريضاً وقت النذر، فذهب الوقت وهو مريض حتى مات فلا شيء عليه، وإن صح يوماً فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في الصوم المنذور في وقت بعينه. وإذا نذر اعتكاف شهر بغير عينه، فجميع العمر وقته؛ كما في النذر بالصوم في وقت بغير عينه، وفي أي وقت أدى كان مؤدياً لا قاضياً؛ لأن الإيجاب حصل مطلقاً عن الوقت، (١) ورد من حديث ابن عمرو من طرق فأخرجه أحمد في المسند (٢٠٥/٤) حدثنا يحيى بن إسحاق أنا ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة أن عمرو بن العاص قال: ((لما ألقى الله عز وجل في قلبي الإسلام قال: أتيت النبي - رَ ليه - ليبايعني فبسط يده إلي فقلت: لا أبايعك يا رسول الله حتى تغفر لي ما تقدم من ذنبي قال: فقال لي رسول الله - و لو -: ((يا عمرو أما علمت أن الهجرة تجب ما قبلها من الذنوب يا عمرو أما علمت أن الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب)). ورواه أحمد أيضاً في المسند (٢٠٤/٤) ثنا الحسن قال ثنا ابن لهيعة قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب قال: أخبرني سويد بن قيس عن قيس بن شفي أنه عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي فقال رسول الله - رَله -: إن الإسلام يجب ما كان قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها . .. )) الحديث. (٢) في ط: معتد. ٣٦ كِتَابُ الاغْتِكَافِ وإنما يتضيق عليه الوجوب، إذا أيس من حياته، وعند ذلك يجب عليه أن يوصي بالفدية؛ كما في قضاء رمضان، والصوم المنذور المطلق، فإن لم يوص حتى مات - سقط عنة في [حق](١) أحكام الدنيا عندنا، حتى لا تأخذ من تركته، ولا يجب على الورثة الفدية إلا أن يتبرعوا به. وعند الشافعي: لا تسقط وتؤخذ من تركته، وتعتبر من جميع المال. والمسألة مَضَتْ في كتاب الزكاةِ. والله المُوَفْقُ. : (١) سقط في ط . كِتَابُ الْحَجِّ(١) الكتاب يشتملُ على فصلين: فصل في الحج، وفصل في العمرة، أما فصل الحج: (١) حِكمة مشروعيّة الحج والعمرة العادة أن النفوس لا تنقاد إلا لأشياء لها حكمة معقولة، وفائدة معروفة، والشرعية الإسلامية من الشرائع المعقولة والتشريع، إلا أن بعضاً من أحكامها أخفى الله عنا حكمته، ولم يظهر لنا سر تشريعه، وذلك ما يعرف عند الفقهاء بالأحكام التعبدية . وتكليف الله العباد بهذه الأحكام التعبدية؛ فيظهر كمال انقيادهم، وخضوعهم لإرادته، حتى يستحقوا رضاه ومغفرته . وليس بمستبعدٍ هذا، فإننا نشاهد أمثاله بين الناس في كل يوم، فإذا أراد رئيس مثلاً أن يختبر إخلاص مرؤوسيه وحبّهم له أمرهم بفعل أشياء غير مفهومة غايتها، ولا معروفة حقيقتها، وعندئذٍ يطيع المختص طاعة عمياء، ويتبرَّم غيره. فإذا أظهر هذا له، فإن الرئيس يجعل الأول محل عنايته وموضع برّه وعطفه ويترقّب الفرص للإيقاع بالثاني. كذلك من غير تشبيه، ولا تنظير يشرع المولى - جل شأنه - أحكاماً خفيت عنّا فائدتها؛ ليظهر كمال انقياد بعض العباد وخضوعهم وإذعانهم كما يظهر سخط غيرهم وألمهم وامتعاضهم. من هذه الأشياء التعبدية الحج والعمرة فإنه قد خفيت عنه حكمتهما، وإن كانت في الحقيقة لا تخلو عن حكمة؛ لأن المولى - جل شأنه - لا يعبث، بل يستحيل عليه العبث، لكن العقل الذي لم يحجر الدين عليه، ولم يحرمه من البحث والاستنتاج - اهتدى إلى أشياء يظنها حكمة، فمن الحكم التي اهتدى إليها العقل: أولاً: حمل النفس على تذكر الله، وخشوعها؛ لعظمته وجلاله، فإن رؤية شعائر الله - تعالى - والتزام الهيئات المشعرة بتعظيمه، والوقوف عند الحدود المفروضة؛ لإجلاله كل ذلك يُنبّه النفس تنبيهاً عظيماً، ويحملها على ذكر الله والرهبة من قدرته، والخضوع لجلاله وعظمته، وفي ذلك أجلّ المنافع وعظم الخيرات . وثانياً: تذكير المؤمنين بيوم الحشر الأكبر، والهول الأعظم، لأنهم يفارقون الأهل والمال، ويتركون أماكن الاستيطان، ويحشرون في صعيد واحد منقطعين عن علائق الدنيا، متندّمين على ما اجترحوا من السيئات، ومستشعرين الرهبة والرغبة يتساوى في ذلك عزيزهم وذليلهم، ومطيعهم وعاصيهم، لا هم لأحدهم غير الغفران، ولا غاية له سوى رحمة الرحمن. وثالثاً: إيجاد أمتن الأسباب بالنيل رحمة الرحيم التوّاب؛ لأنه إذا سالت الأودية بأقوام من حذافير المعمورة، وحُشِروا في صعيد واحد بقلوب متجهة إلى الله بإخلاص، ووجوهٍ شاخصة بضراعة، وأيد مرفوعة برجاء، وألسنة مشغولة بابتهال، وظنون حسنة في أرحم الراحمين، وفيهم المصطفون الأخيار، والمقرّبون = ٣٧ ٣٨ كِتَابُ الْحَجْ الأبرار، لا يخيّب الله لهم قصداً، ولا يمنّهم رفداً، ولا يحرمهم من رحمة تسعهم، وفضل يشملهم. = ورابعاً: نيل الموحّدين فضل الرهبانية التي ابتدعها من أهل الملل السابقة، ابتغاء رضوان الله من كفّوا عن اللذات، ورضوا بالضروري من الشهوات، وهجروا الأنس بالمخلوق طلباً للأنس بالخالق؛ فإن الحاج إلى بيت الله الحرام كافّ عن الملذات بعيد عن الشهوات هاجر وطنه وذويه، ومفارق صاحبته وبنيه، قاصد حرم مولاه، وطالب عفوه ورضاه؛ ولذا لمّا سئل الصادق الأمين - عليه الصلاة والسلام - عن الرهبانية والسياحة في دينه، قال: «أَبْدَلَنَا اللهُ بِهِمَا الجِهَادَ وَالتَّكْبِيرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ))، يعني بذلك: الحج. وخامساً: تقليل ظلم النّفوس، وكبح جماحها، وإيضاح ذلك أن الظلم من شيم النفوس، ومنعها منه أبداً شاق عليها، وتركها متوغّلة فيه مفسدة لا يحتملها الاجتماع البشري، ولا يقوى على رفعها إصلاح، فكان من الحكمة منع توغّلها في الظلم، وانقيادها للعدل؛ ولهذا خص الله أزمنة الحج، وأمكنته بمزيد الاحترام المفضي إلى تضييق الثواب، وتغليظ العقاب؛ ليكون الامتناع فيها عن الظلم والطغيان، والتمسك بالعدل والإحسان مؤدّياً إلى تقليل الظلم، وكبح جماح النفوس، بل ربما كان ذلك سبباً لمنع كثير ممن وفقهم الله - تعالى - عن اقتراف الآثام أبداً؛ وذلك لسببين : أولهما: أن تلبس المرء بالأمر في بعض الأحيان قد يصيّره عادة له، فإن امتنع الإنسان عن الجرائم في بعض الأزمنة أو الأمكنة؛ فراراً من تغليظ الجزاء - صار ذلك له عادة مألوفة وسجيّة ثابتة . وثانيهما: أن العامل العاقل يتجنّب إفساد عمله، ويتمسك ما أمكنه، بكل ما يحفظه من تطرّق الخلل إليه، ولعلم المؤمن أن المعصية تبطل الطاعة، وأن الله نهى عن ذلك بقوله: ﴿يَأْيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمُنِّ وَالأَذَى﴾ إذا عمل في بعض الأزمنة أو الأمكنة - طاعةً؛ رجاء مضاعفة ثوابها صانها عن الفساد بالمعصية، وتحرّج عن اجتراح السيئات، فكان ذلك داعياً إلى اجتناب المعاصي، والبعد عن الآثام. وسادساً: إرشادهم بما يعانونه من ألم البعد، وعناء السفر ومزايلة الملذّات إلى نعم الله عليهم من رفاهة الإقامة، والأنس بالأوطان، والأهل والأحزان، فيقومون بما يجب للمتفضل المنان من الشكر في كل آن ومكان. وسابعاً: غرس الشّفقة والرحمة في قلوبهم بما يقاسونه أثناء ذهابهم وإيابهم، من مشاق السفر ووحشة الغربة، فيقطفون على من مُنِي بأمثال ذلك من الطرّاق، وأبناء السبيل، ويقومون بحاجته، وما يسهل عليه قطع شقّته، فبقيت في قلوب المسلمين بناء الالفة والمودّة، ويتمكن منها حبّ المساعدة والمعاضدة، ويكونون إخواناً في الرخاء والشّدّة. وثامناً: إيجاد التعاضد والتآلف للمسلمين جميعاً؛ لأن في ذلك الحرم الآمن يجتمع في زمن واحد من جميع أنحاء المسكونة أقوام متحدون في الدين، والهمّ، والمقصد إخوان في الله، رحماء بينهم يمكنهم إن شاؤوا أو شاء رب العزّة أن يعرف كل منهم نبأ إخوانه المسلمين في أقطار المعمورة كافّة، وأن يتهادى الموجودون منهم النصائح المفيدة،، ويتبادلوا المعاونة ويمدّ كل منهم . للآخر يد المساعدة الممكنة، فتتحد كلمتهم، وتقوى شوكتهم، ويكونون بذلك يداً واحدة على من راحهم بسوء أو رماهم بمكروه. أضف إلى ذلك ما يترتّب على خروجه للحج من المعارف، وما يصحبه من الربح والكسب الماديين والأدبيين، فقد يكسب مريد الحج إذا هو اتجر - مكاسب لا يحصل عليها في وطنه، ومحلّ إقامته، ولم يحظر الشارع الاتجار ما دام القصد الحج، وقد جاء هو تبعاً، وقد يكون مريضاً فيشفى بتغيّر المناخ وما يحصل له من الأنس والانشراح بما يقع من نظره عليه من بلدان وبحار، ويكون السفر سبباً في ذهاب وحشةٍ لحقته بموت قريب أو زوج أو ولد. ٣٩ كِتَابُ الْحَجُ فالكلام فيه يقع في مواضع؛ في بيان فرضية الحج، وفي بيان كيفية فرضه(١)، وفي بيان شرائط الفرضية، وفي بيان أركان الحج، وفي بيان واجباته، وفي بيان سننه، وفي بيان الترتيب في أفعاله من الفرائض والواجبات والسنن، وفي بيان شرائط أركانه، وفي بيان ما يفسده، وبيان حكمه إذا فسد، وفي بيان ما يفوت الحج بعد الشروع فيه، وفي بيان حكمه إذا فات عن عمره أصلاً ورأساً. أما الأول: فالحج فريضة ثبتت فرضيته بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والمعقول. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَللهُ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، في الآية دليلُ وجوب الحج من وجهين: أحدهما: أنه قال: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ / ٢١٩ب حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وعلى كلمة إيجاب. والثاني: أنه قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦]، قيل في التأويل: ومن كفر بوجوب الحج، حتى روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال، أي: ومن كفر بالحج فلم ير حجه بِرّاً ولا تركه مأثماً، وقوله تعالى لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجْ﴾ [الحج: ٢٧]، [قيل](٢) أي: ادع الناس، ونادهم إلى حج البيت وقيل: أي أعلم الناس أن الله فرض عليهم الحج، دليله قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وأما السنة فقوله وَّ: ((بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمٍ رَمَضَانَ، وَحَجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(٣)، وَقَولِه ◌َ: ((اعْبُدُوا رَبَّكُمْ (١) في أ: فرضيته. (٢) سقط في ط . (٣) أخرجه البخاري (٦٤/١) كتاب الإيمان: باب دعاؤكم إيمانكم حديث (٨) ومسلم (٤٥/١) كتاب الإيمان: باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام حديث (١٦/١٩) والترمذي كتاب الإيمان: باب ما جاء في بني الإسلام على خمس حديث (٢٦١٢) والنسائي (١٠٧/٨ - ١٠٨) كتاب الإيمان: باب على كم بني الإسلام، وأحمد (١٢٠/٢، ١٤٣) والحميدي (٣٠٨/٢) رقم (٧٠٣) وابن خزيمة (٣٠٨، ٣٠٩) وأبو يعلى (١٦٤/١٠) رقم (٥٧٨٨) وابن حبان (١٥٨) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦٢/٣) والبيهقي (٨١/٤) كتاب الزكاة، والبغوي في ((شرح السنة)) (١ /٦٤ - بتحقيقنا) من طرق عن ابن عمر به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ۔ وللحدیث شاهد من حديث جرير: أخرجه أحمد (٣٦٣/٤) وأبو نعيم في («الحلية)) (٢٥١/٩) والطبراني في ((الكبير)) (٣٢٦/٢) رقم (٢٣٦٣، ٢٣٦٤) من طرق عن الشعبي عن جرير قال: قال رسول الله - وَلـ: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١/ ٥٠) وإسناد أحمد صحيح. ٤٠ كِتَابُ الْحَجْ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَحُجُوا بَيْتَ رَبُّكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيْبَةً بِهَا أَنفُسَكُمْ - تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبَّكُمْ)) (١)، وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حُجَّةَ الإِسْلاَم، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضْ حَابِسٌ، أَوْ عَدُوٌّ ظَاهِرٌ - فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيّاً، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيّاً أَوْ مَجُوسِيّا)(٢). وروي أنه قال: ((مَنْ مَلَكَ زَاداً، وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ الله الْحَرَامِ؛ فَلَمْ يَحُجَّ - فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيًا)»(٣). وأما الإجماع، فلأن الأمة أجمعت على فرضيته، وأما المعقول فهو أن العبادات وجبت (١) تقدم تخريجه. (٢) رواه الدارمي في سننه (٢٨/٢)، كتاب المناسك، باب: من مات ولم يحج، عن أبي أمامة مرفوعاً (من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهودباً وإن شاء نصرانياً) وله شاهد من حديث علي وأبي هريرة. - أما من حديث عليّ : أخرجه الترمذي (١٦٧/٣)، كتاب الحج، باب: ما جاء في التغليظ في ترك الحج، حديث (٨١٢)، من طريق الحارث عن عليّ، ولفظه (من ملك زاداً وراحلة تُبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً وذلك أن الله يقول في كتابه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾. وأخرجه الطبراني في تفسيره (٧/ ٤٢)، حديث (٧٤٨٩)، من طريق الحارث عن عليّ. وكذا والعقيلي في الضعفاء، (٣٤٨/٤)؛ حديث (١٩٥٥)، من طريق الحارث عن عليّ. - وأما حديث أبي هريرة: فرواه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٨٠)، من طريق أبو المهزم عن أبي هريرة، وفي إسناده عبد الرحمن القطامي وأبو المهزم وهما متروكان. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف: أخرجه الترمذي من رواية هلال بن عبد الله الباهلي: حدثنا أبو إسحاق عن الحارث عن علي رفعة ((من ملك زاداً وراحة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً)) وقال: غريب وفي إسناده مقالة هلال بن عبد الله مجهول، والحارث بضعيف. وأخرجه البزار من هذا الوجه. وقال: لا نعدمه عن علي إلا من مناكير الوجه وأخرجه ابن عدي والعقيلي في ترجمة هلال ونقلا عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال البيهقي في الشعب: تفرد به هلال. وله شاهد من حديث أبي أمامة، أخرجه الدارمي بلفظ: ((من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً. وإن شاء نصرانياً)) أخرجه من رواية شريك عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط عنه. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في الشعب. وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص عن ليث عن عبد الرحمن مرسلان لم يذكر أبا أمامة. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عديّ. وابن عديّ أورده في الكامل في ترجمة أبي المهزوم يزيد بن سفيان عن أبي هريرة مرفوعاً ونحوه. ونقل عن الفلاس أنه كذب أبا المهزم وهذا من غلط ابن الجوزي في نصرته لأن الطريق إلى أبي أمامة ليس فيه من اتهم بالكذب فضلاً عمن كذب. (٣) ينظر: تخريج حديث علي في الحديث السابق.