النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
كِتَاب الصَّوم
وروي عن أبي يوسف فيمن امتص سكرة بفيه في رمضان متعمداً، حتى دخل الماء حلقه
- عليه القضاء والكفارة؛ لأن السكر هكذا يؤكل، ولو مص إهليلجة فدخل الماء حلقة قال: لا
يفسد صومه، ذكره في ((الفتاوى))، ولو خرج من بين أسنانه دم فدخل حلقه أو ابتلعه، فإن
كانت الغلبة للدم فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة عليه وإن كانت للبزاق الغلبة فلا شيء
عليه. وإن كانا سواء فالقياس ألا يفسد، وفي الاستحسان يفسد احتياطاً .
ولو أخرج البُزَاق من فيه، ثم ابتلعه - فعليه القضاء، ولا كفارة عليه، كذا إذا ابتلع بُزَاق
غيره؛ لأن هذا مما يعاف منه حتى لو ابتلع لعاب حبيبه أو صديقه، ذكر الشيخ الإمام الزاهد
شمس الأئمة الحلواني: أن عليه القضاء والكفارة؛ لأن الحبيب لا يعاف ريق حبيبه أو صديقه،
ولو أكل لحماً قديداً - فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه يؤكل في الجملة، ولو أكل شحماً قديداً
اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا كفارة عليه؛ لأنه لا يؤكل، وقال الفقيه أبو الليث: إن
عليه القضاء والكفارة كما في اللحم؛ لأنه يؤكل في الجملة كاللحم القديد.
ولو أكل ميتة فإن كانت قد أنتنت ودودت ـ فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وإن كانت غير
ذلك - فعليه القضاء والكفارة، ولو أولج ولم ينزل فعليه القضاء والكفارة؛ لوجود الجماع
صورة ومعنى؛ إذ الجماع هو الإيلاج، فأما الإنزال ففراغ من الجماع فلا يعتبر، ولو أنزل فيما
دون الفرج فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ لقصور في الجماع؛ لوجوده معنى لا صورة، وكذلك
إذا وطىء بهيمة فأنزل؛ لقصور في قضاء الشهوة؛ لسعة المحل ونبوة الطبع.
ولو أخذ لقمة من الخبز ليأكلها وهو ناس، فلما مضغها تذكر أنه صائم، فابتلعها وهو
ذاكر .
ذكر في ((عيون المسائل)) أن في هذه المسألة أربعة أقوال للمتأخرين:
قال بعضهم: لا كفارة عليه.
وقال بعضهم: عليه الكفارة.
وقال بعضهم: إن ابتلعها قيل أن يخرجها فلا كفارة عليه، فإن أخرجها من فيه ثم أعادها
فابتلعها - فعليه الكفارة.
وقال بعضهم: إن ابتلعها قبل أن يخرجها - فعليه الكفارة، وإن أخرجها من فيه ثم
أعادها - فلا كفارة عليه.
قال الفقيه أبو الليث: هذا القول أصح؛ لأنه لما أخرجها صار بحال يعاف منها، وما
دامت في فيه فإنه يتلذذ بها .

٦٢٢
كِتَاب الصَّوم
ولو تَسَخَّرَ؛ على ظن أن الفجر لم يطلع، فإذا هو طالع، أو أفطر؛ على ظن أن الشمس
قد غربت، فإذا هي لم تغرب - فعليه القضاء، ولا كفارة عليه؛ لأنه لم يفطر متعمداً بل خاطئاً؛
ألا ترى أنه لا إثم عليه ولو أصبح صائماً في سفره، ثم أفطر متعمداً - فلا كفارة عليه؛ لأن
السَّبَبَ المُبِيح من حيث الصورة قائم؛ وهو السفر فأورث شبهة. وهذه الكفارة لا تجب مع
الشبهة. والأصل فيه: أن الشبهة إذا استندت إلى صورة دليل؛ فإن لم يكن دليلاً في الحقيقة،
بل من حيث الظاهر اعتبرت في منع وجوب الكفارة وإلاَّ فلا، وقد وجدت ههنا وهي صورة
السفر؛ لأنه مرخص أو مُبيحٌ في الجملة.
ولو أكل، أو شَرب؛ أو جامع ناسياً، أو ذَرَعَهُ القَيْءُ، فظن أن ذلك يفطره، فأكل بعد
ذلك متعمداً - فعليه القضاء ولا كفارة عليه، لأن الشبهة ههنا استندت إلى ما هو دليل في
الظاهر، لوجود المضاد للصوم في الظاهر، وهو الأكل والشرب والجماع، حتى قال مالك
بفساد الصوم بالأكل ناسياً.
وقال أبو حنيفة: لولا قول الناس لقلت له: يقضي. وكذا القيء؛ لأنه لا يخلو عن عود
بعضه من الفم إلى الجوف، فكانت الشبهة في موضع الاشتباه فاعتبرت قال محمد: إلا أن
يكون بلغه، أي: بلغه الخبر أن أكل الناسي والقيء لا يفطران، فتجب الكفارة؛ لأنه ظن في
غير موضع الاشتباه فلا يعتبر.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا كفارة عليه، سواء بلغه الخبر، وعلم أن صومه لم
يفسد، أو لم يبلغه ولم يعلم، فإن احتجم فظن أن ذلك يفطره فأكل بعد ذلك متعمداً إن
استفتى فقيهاً فأفتاه بأنه قد أفطر - فلا كفارة عليه، لأن العامي يلزمه تقليد العالم، فكانت الشبهة
مستندة إلى صورة دلیل.
وإن بلغه خبر الحجامة، وهو المروي عن رسول الله - وَ الله -: ((أَفْطَرَ الحَاجِمُ
وَالمَحْجُومُ)). روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا كفارة عليه؛ لأن ظاهر الحديث واجب العمل
به في الأصل، فأورث شبهة.
وروي عن أبي يوسف: أنه تجب عليه الكفارة، لأن الواجب على العامي الاستفتاء من
المفتي، لا العمل بظواهر الأحاديث؛ لأن الحديث قد يكون منسوخاً، وقد يكون ظاهره
٢١٤ب متروكاً، فلا يصير ذلك شبهة، وإن لم يستفت فقيهاً ولا بلغه الخبر - فعليه القضاء والكفارة/ ؛
لأن الحجامة لا تنافي ركن الصوم في الظاهر وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، فلم
تكن هذه الشبهة مستندة إلى دليل أصلاً .
ولو لمس امرأة بشهوة أو قبلها أو ضاجعها، ولم ينزل، فظن أن ذلك يفطره؛ فأكل بعد
ذلك متعمداً - فعليه الكفارة؛ لأن ذلك لا ينافي ركن الصوم في الظاهر، فكان ظنه في غير

٦٢٣
كِتَاب الصَّوم
موضعه، فكان ملحقاً بالعدم، إلا إذا تأول حديثاً أو استفتى فقيهاً، فأفطر على ذلك - فلا كفارة
عليه، وإن أخطأ الفقيه ولم يثبت الحديث؛ لأن ظاهر الحديث والفتوى يصير شبهة.
ولو اغتاب إنسان فظن أن ذلك يفطره، ثم أكل بعد ذلك متعمداً - فعليه الكفارة، وإن
استفتى فقيهاً أو تأول حديثاً؛ لأنه لا يعتد بفتوى الفقيه، ولا بتأويله الحديث ههنا؛ لأن ذلك
مما لا يشتبه على من له سمة من الفقه، وهو لا يخفى على أحد أن ليس المراد من المَزويِّ:
((الغيبَةُ تُفَطِّرُ الصَّائِمَ))(١) حقيقة الإفطار؛ فلم يصر ذلك شبهة، وكذا لو دهن شاربه، فظن أن
ذلك يفطره؛ فأكل بعد ذلك متعمداً - فعليه الكفارة، وإن استفتى فقيهاً أو تأول حديثاً لما قلنا
- والله أعلم -.
ولو أفطر وهو مقيم فوجبت عليه الكفارة، ثم سافر في يومه ذلك - لم تسقط عنه
الكفارة، ولو مرض في يومه ذلك مرضاً يرخص الإفطار أو يبيحه - تسقط عنه الكفارة.
ووجه: الفرق أن في المرض معنى يوجب تغيير الطبيعة عن الصحة إلى الفساد؛ وذلك
المعنى يحدث في الباطن، ثم يظهر أثره في الظاهر، فلما مرض في ذلك اليوم علم أنه كان
موجوداً وقت الإفطار، لكنه لم يظهر أثره في الظاهر؛ فكان المرخص أو المبيح موجوداً وقت
الإفطار، فمنع انعقاد الإفطار موجباً للكفارة، أو وجود أصله أورث شبهة في الوجوب، وهذه
الكفارة لا تجب مع الشبهة، وهذا المعنى لا يتحقق في السفر؛ لأنه اسم للخروج، والانتقال
من مكان إلى مكان، وأنه يوجد مقصوراً على حال وجوده، فلم يكن المرخص أو المبيح
موجوداً وقت الإفطار - فلا يؤثر في وجوبها .
وكذلك إذا أفطرت المرأة، ثم حاضت في ذلك اليوم، أو نفست - سقطت عنها الكفارة؛
لأن الحيض دم مجتمع في الرحم يخرج شيئاً فشيئاً، فكان موجوداً وقت الافطار، لكنه لم
يبرز؛ فمنع وجوب الكفارة، ولو سافر في ذلك اليوم مكرهاً لا تسقط عنه الكفارة عند أبي
يوسف، وعند زفر: تسقط، والصحيح قول أبي يوسف؛ لما ذكرنا أن المرخص أو المبيح
وجد مقصوراً على الحال، فلا يؤثر في الماضي، ولو جرح نفسه فمرض مرضاً شديداً
مرخصاً (٢) للإفطار أو مبيحاً(٣) - اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يسقط، وقال بعضهم: لا
يسقط، وهو الصحيح؛ لأن المرض هنا حدث من الجرح(٤)؛ وأنها وجدت مقصورة على
الحال، فكان المرض مقصوراً على حال حدوثه، فلا يؤثر في الزمان الماضي. والله أعلم.
(١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٨٣/٢) وعزاه إلى ابن الجوزي في الموضوعات.
(٢) في أ: يرخص.
(٣) في أ: يبيح.
(٤) في أ: الجراح.

٦٢٤
كِتَاب الصَّوم
ومن أصبح في رمضان لا ينوي الصوم، فأكل أو شرب أو جامع - عليه قضاء ذلك
اليوم، ولا كفارة عليه عند(١) أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: عليه الكفارة بناء على أن صوم
رمضان يتأدى بدون النية عنده، فوجد إفساد صوم رمضان بشرائطه، وعندنا: لا يتأدى فلم
يوجد الصوم، فاستحال الإفساد.
وروي عن أبي يوسف: إن أكل قبل الزوال - فعليه القضاء والكفارة، وإن أكل بعد
الزوال فلا كفارة عليه، كذا ذكر القدوري الخلاف بين أبي حنيفة ومحمد، وبين أبي يوسف في
[مختصر] (٢) شرحه ((مختصر الكرخي)).
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) - الخلاف بين أبي حنيفة وبين صاحبيه.
وجه قول من فصل بين ما قبل الزوال أو بعده: أن الإمساك قبل الزوال كان بفرض أن
يصير صوماً قبل الأكل والشرب والجماع؛ لجواز أن ينوي، فإذا أكل فقد أبطل الفرضية،
وأخرجه من أن يصير صوماً فكان إفساداً للصوم معنى، بخلاف ما بعد الزوال؛ لأن الأكل بعد
الزوال لم يقع إبطالاً للفرضية، لبطلانها قبل الأكل. وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن أصبح
لا ينوي صوماً، ثم نوى قبل الزوال، ثم جامع في بقية يومه - فلا كفارة عليه، وروي عن أبي
يوسف: أن عليه الكفارة.
وجه قوله: أن صوم رمضان يتأدى بنية من النهار قبل الزوال عند أصحابنا، فكانت النية
من النهار والليل سواء.
وجه ((ظاهر الرواية)): أنه لو جامع في أول النهار - لا كفارة عليه، فكذا إذا جامع في
آخره؛ لأن اليوم في كونه محلاً للصوم لا يتجزأ، أو يوجب ذلك شبهة في آخر اليوم، وهذه
الكفارة لا تجب مع الشبهة .
وذكر في ((المنتقى)) فيمن أصبح ينوي الفطر، ثم عزم على الصوم، ثم أكل متعمداً؛ أنه
١٢١٥ لا كفارة عليه عند/ أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف: عليه الكفارة، والكلام من الجانبين على نحو ما ذكرنا.
ولو جامع في رمضان متعمداً مراراً، بأن جامع في يوم، ثم جامع في اليوم الثاني، ثم
في الثالث، ولم يكفر - فعليه لجميع ذلك كله كفارة واحدة عندنا، وعند الشافعي: عليه لكل
يوم كفارة.
(١) في أ: قول.
(٢) سقط في ط.

٦٢٥
كِتَاب الصَّوم
ولو جامع في يوم ثم كفر، ثم جامع في يوم آخر - فعليه كفارة أخرى في ((ظاهر
الرواية)» .
وروى زفر عن أبي حنيفة: أنه ليس عليه كفارة أخرى، ولو جامع في رمضانين ولم يكفر
للأول - فعليه لكل جماع كفارة في ظاهر الرواية، وذكر محمد في ((الكيسانيات))، أن عليه
كفارة واحدة. وكذا حكى(١) الطحاوي عن أبي حنيفة.
وجه قول الشافعي: أنه تكرر سبب وجوب الكفارة، وهو الجماع عنده، وإفساد الصوم
عندنا، والحكم يتكرر بتكرر سببه وهو الأصل إلا في موضع فيه ضرورة؛ كما في العقوبات
البدنية وهي الحدود؛ لما في التكرر من خوف الهلاك، ولم يوجد ههنا فيتكرر الوجوب؛
ولهذا تكرر في سائر الكفارات، وهي كفارة القتل، واليمين، والظهار.
ولنا: حديث الأعرابي، أنه لما قال: واقعت امرأتي، أمره رسولُ الله - وَ - بِاعْتَاقِ رَقَبَةٍ
وَاحِدَةٍ، بقوله: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً)). وإن كان قوله: ((واقعت)) يحتمل المرة والتكرار ولم يستفسر،
فدل أن الحكم لا يختلف بالمرة والتكرار؛ ولأن معنى الزجر لازم في هذه الكفارة، أعني:
كفارة الإفطار، بدليل اختصاص وجوبها بالعمد المخصوص في الجناية الخالصة الخالية عن
الشبهة، بخلاف سائر الكفارات، والزجر يحصل بكفارة واحدة، بخلاف ما إذا جامع فكفر، ثم
جامع، لأنه لما جامع بعد ما كفر؛ علم أن الزجر لم يحصل بالأول.
ولو أفطر في يوم فأعتق، ثم أفطر في اليوم الثاني فأعتق، ثم أفطر في اليوم الثالث
فأعتق، ثم استحقت الرقبة الأولى - فلا شيء عليه؛ لأن الثانية تجزى عن الأولى، وكذا لو
استحقت الثانية، لأن الثالثة تجزى عن الثانية، ولو استحقت الثالثة - فعليه إعتاق رقبة واحدة؛
لأن ما تقدم لا يجزىء عما تأخر، ولو استحقت الثانية أيضاً فعليه إعتاق رقبة واحدة لليوم
الثاني والثالث.
ولو استحقت الأولى أيضاً فعليه كفارة واحدة؛ لأن الإعتاق بالاستحقاق يلتحق بالعدم،
وجعل كأنه لم يكن وقد أفطر في ثلاثة أيام ولم يكفر لشيء منها؛ فتكفيه (٢) كفارة واحدة، ولو
استحقت الأولى والثالثة دون الثانية أعتق رقبة واحدة لليوم الثالث؛ لأن الثانية أجزأت عن
الأولى، والأصل في هذا الجنس أن الإعتاق الثاني يجزىء عما قبله، ولا يجزىء عما بعده.
وأما صيام غير رمضان: فلا يتعلق بإفساد شيء منه وجوب الكفارة؛ لأن وجوب الكفارة
بإفساد صوم رمضان عرف بالتوقيف، وأنه صوم شريف في وقت شريف لا يوازيهما غيرهما من
(١) في أ: روى.
(٢) في أ: فعليه.
بدائع الصنائع ج٢ - ٤٠٣

٦٢٦
كِتَاب الصَّوم
الصيام، والأوقات في الشرف والحرمة، فلا يلحق به في وجوب الكفارة، وأما وجوب
القضاء: فأما الصيام المفروض فإن كان الصوم متتابعاً كصوم الكفارة، والمنذور متتابعاً - فعليه
الاستقبال؛ لفوات [الشرط] (١) وهو التتابع، ولو لم يكن متتابعاً كصوم قضاء رمضان، والنذر
المطلق عن الوقت، والنذر في وقت بعينه - فحكمه ألا يعتد به عما عليه ويلحق بالعدم، وعليه
ما كان قبل ذلك في قضاء رمضان، والنذر المطلق، وفي المنذور في وقت بعينه - عليه قضاء
ما فسد .
وأما صوم التطوع: فعليه قضاؤه عندنا خلافاً للشافعي، وقد روي عن عائشة - رضي الله
عنها؛ أنها قالت: أصبحتُ أنا وحفصةُ صائمتين متطوعتين، فأهدي إلينا حيس فأكلنا منه،
فسألت حفصةُ رسولَ اللهِ وَّرِ فَقَالَ: ((اقْضِيَا يَوْماً مَكَانَهُ)).
والكلام في وجوب القضاء مبني على الكلام في وجوب المضي، وقد ذكرناه في ((كتاب
الصلاة))، واختلف أصحابنا في الصوم المظنون إذا أفسده؛ بأن شرع في صوم أو صلاة على
ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه، فأفطر متعمداً .
قال أصحابنا الثلاثة: لا قضاء عليه، لكن الأفضل أن يمضي فيه.
وقال زفر: عليه القضاء. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة فيمن شرع في صلاة يظن أنها
عليه مثل قول زفر. وعلى هذا الخلاف: إذا شرع في صوم الكفارة، ثم أيسر في خلاله؛ فأفطر
متعمداً. وجه قول زفر: إنه لما تبين أنه ليس عليه تبين أنه شرع في النفل؛ ولهذا ندب إلى
المضي فيه، والشروع في النفل ملزم على أصل أصحابنا، فيلزمه المضي فيه، ويلزمه القضاء
إذا أفسد كما لو شرع في النفل ابتداء؛ ولهذا كان الشروع في الحج المظنون ملزماً. كذا
الصوم.
ولنا: أنه شرع مسقطاً لا موجباً، فلا يجب عليه المضي؛ ودليل ذلك أنه قصد بالشروع
٢١٥ب إسقاط ما في ذمته، فإذا تبين أنه ليس في / ذمته شيء من ذلك - لم يصح قصداً، والشروع في
العبادة لا يصحُّ من غير قصد، إلا أنه استحب له أن يمضي فيه لشروعه في العبادة في زعمه،
وتشبهه(٢) بالشارع في العبادة؛ فيثاب عليه كما يثاب المتشبه بالصائمين بإمساك بقية يومه، إذا
أفطر بعذر [لأن الشك](٣) والاشتباه مما يكثر وجوده في باب الصوم، فلو أوجبنا عليه القضاء
لوقع في الحرج، بخلاف الحج؛ فإن وقوع الشك والاشتباه في باب الحج نادر غاية الندرة؛
فكان ملحقاً بالعدم، فلا يكون في إيجاب القضاء عليه حرج. والله أعلم.
(١) في ط: الشرائط.
(٢) في أ: ولتشبهه.
(٣) سقط في ط.

٦٢٧
كِتَاب الصَّوم
فصل
في حكم الصوم المؤقت
وأما حكم الصوم المؤقت إذا فات عن وقته: فالصوم المؤقت نوعان: صوم رمضان،
والمنذور في وقت بعينه.
أما صوم رمضان: فيتعلق بفواته أحكام ثلاثة :
وجوب إمساك بقية اليوم تشبهاً بالصائمين في حال.
ووجوب القضاء في حال. ووجوب الفداء في حال. أما وجوب الإمساك تشبهاً
بالصائمين: فكل من كان له عذر في صوم رمضان في أول النهار مانع من الوجوب أو مبيح
للفطر، ثم زال عذره، وصار بحال لو كان عليه في أول النهار - لوجب عليه الصوم ولا يباح له
الفطر؛ كالصبي إذا بلغ في بعض النهار وأسلم الكافر، وأفاق المجنون وطهرت الحائض،
وقدم المسافر مع قيام الأهلية - يجب عليه إمساك بقية اليوم، وكذا من وجب عليه الصوم في
أول النهار؛ لوجود سبب الوجوب والأهلية ثم تعذر عليه المضي فيه بأن أفطر متعمداً، أو
أصبح يوم الشك مفطراً، ثم تبين أنه من رمضان، أو تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع ثم تبين
له أنه طلع - فإنه يجب عليه الإمساك في بقية اليوم تشبهاً بالصائمين، وهذا عندنا.
وأما عند الشافعي: فكل من وجب عليه الصوم في أول النهار، ثم تعذر عليه المضي مع
قيام الأهلية - يجب عليه إمساك بقية اليوم تشبهاً، ومن لا فلا، فعلى قوله: لا يجب الإمساك
على الصبي إذا بلغ في بعض النهار، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والحائض إذا
طهرت، والمسافر إذا قدم مصرهٍ، لأنه لم يجب عليهم الصوم في أول النهار.
وجه قوله: إن الإمساك تشبهاً يجب خلفاً عن الصوم، والصوم لم يجب، فلم يجب
الإمساك خلفاً، ولهذا لو قال: لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم بعدما أكل
الناذر فيه - أنه لا يجب الإمساك. كذا ههنا.
ولنا ما روي عن النبيِّ - وَ ﴿ه - أنه قال فِي يَوْمِ عَاشُورَاء: ((أَلاَ مَنْ أَكَلَ، فَلاَ يَأْكُلَنَّ بَقِيَةَ
يَومِهِ))(١) .
وصوم عاشوراء كان فرضاً يومئذٍ، ولأن زمان رمضان وقت شريف، فيجب تعظيم هذا
الوقت بالقدر الممكن، فإذا عجز عن تعظيمه بتحقيق الصوم فيه - يجب تعظيمه بالتشبه
(١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٨٣/٢) وعزاه إلى ابن الجوزي في الموضوعات.

٦٢٨
كِتَاب الصَّوم
بالصائمين، قضاء لحقه بالقدر الممكن، إذا كان أهلاً للتشبه، ونفياً لتعريض نفسه للتهمة، وفي
حق هذا المعنى الوجوب في أول النهار وعدم الوجوب سواء.
وقوله: التشبه وجب خلفاً عن الصوم - ممنوع، بل يجب قضاء لحرمة الوقت بقدر
الإمكان، لا خلفاً بخلاف مسألة النذر؛ لأن الوقت لا يستحق التعظيم حتى يجب قضاء حقه
بإمساك بقية اليوم، وههنا بخلافه.
وأما وجوب القضاء: فالكلام في قضاء صوم رمضان يقع في مواضع، في بيان أصل
وجوب القضاء، وفي بيان شرائط وجوب القضاء، وفي بيان وقت وجوبه وكيفية الوجوب،
وفي بيان شرائط جوازه.
أما أصل الوجوب؛ فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ
أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] [أي] (١): فأفطر فعدة من أيام أخر؛ ولأن الأصل في العبادة المؤقتة إذا فاتت
عن وقتها أن تقضى لما ذكرنا في كتاب الصلاة، وسواء فاته صوم [من] (٢) رمضان بعذر أو بغير
عذر؛ لأنه لما وجب على المعذور؛ فلأن يجب على المقصر أولى؛ ولأن المعنى يجمعهما،
وهو الحاجة إلى جبر الفائت، بل حاجة غير المعذور أشد.
وأما بيان شرائط وجوبه(٣) فمنها: القدرة على القضاء حتى لو فاته صوم رمضان بعذر
المرض أو السفر، ولم يزل مريضاً أو مسافراً حتى مات - لقي الله ولا قضاء عليه؛ لأنه مات
قبل وجوب القضاء عليه، لكنه إن أوصى بأن يطعم عنه صحت وصيته، وإن لم يجب عليه،
ويطعم عنه من ثلث ماله؛ لأن صحة الوصية لا تتوقف على الوجوب؛ كما لو أوصى بثلث ماله
للفقراء أنه يصح، وإن لم يجب عليه شيء، كذا هذا، فإن برأ المريض أو قدم المسافر، وأدرك
من الوقت بقدر ما فاته - يلزمه قضاء جميع ما أدرك؛ لأنه قدر على القضاء لزوال العذر، فإن
لم يصم حتى أدركه الموت - فعليه أن يوصي بالفدية، وهي أن يطعم عنه لكل يوم مسكيناً؛
لأن القضاء قد وجب عليه، ثم عجز عنه بعد وجوبه بتقصير منه؛ فيتحول الوجوب إلى بدله
وهو الفدية .
والأصل فيه: ما روى أَبُو مَالِكِ الأَشْجَعِيُّ(٤)، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ الله ◌ِالرََّ - عَنْ رَجُلٍ
١٢١٦
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في ط.
(٣) في أ: الوجوب.
(٤) سعد بن طارق الأشجعي أبو مالك الكوفي - عن أبيه وأنس. وعنه شعبة والثوري. وثقه أحمد وابن معين
بقي إلى حدود الأربعين ومائة. ينظر الخلاصة (٣٦٩/١).

٦٢٩
كِتَاب الصَّوم
أَذْرَكَهُ رَمَضَانُ، وَهُوَ شَدِيدُ المَرَضِ لاَ يُطِيقُ الصَّوْمَ، فَمَاتَ، هَلْ يَقْضِي عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله -
وَه ـ: ((إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُطِيقَ الصِّيَّامَ، فَلاَ يَقْضِي عَنْهُ، وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ مَرِيضٌ)) - وَقَدْ أَطَاقَ الصِّيَامَ
فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ فَلْيَقْضٍ عَنْهُ)) والمراد منه القضاءُ بالفدية لا بالصوم، لما روي عن ابنِ عُمَر - رِضي
الله تعالى عنه - موقوفاً عليه ومرفوعاً إلى رسول الله - وَ ل﴾ - أنه قال: ((لاَ يَصُومَنَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ،
وَلاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ)) ولأن ما لا يحتمل النيابة حالة الحياة لا يحتمل بعد الموت كالصلاة.
وروي عن النبيِّ - وَ﴿ - مُفَسَّراً أنه قال: ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ، أَطْعَمَ عَنْهُ
وَلِيُّهُ))(١)، وهو محمولٌ على ما إذا أوصى، أو على الندب إلى غير ذلك، وإذا أوصى بذلك
يعتبر من الثلث، وإن لم يوص فتبرع به الورثة جاز، وإن لم يتبرعوا لم يلزمهم، وتسقط في
حق أحكام الدنيا عندنا.
وعند الشافعي: يلزمهم من جميع المال، سواء أوصى به أو لم يوص، والاختلاف فيه
كالاختلاف في الزكاة، والصحيح قولنا؛ لأن الصوم عبادة، والفدية بدل عنها، والأصل لا
يتأدى بطريق النيابة فكذا البدل، والبدل لا يخالف الأصل والأصل فيه أنه لا يجوز أداء العبادة
عن غيره بغير أمره؛ لأنه يكون جبراً، والجبر ينافي معنى العبادة على ما بيّنا في كتاب الزكاة.
هذا إذا أدرك من الوقت بقدر ما فاته، فمات قبل أن يقضي، فأما إذا أدرك بقدر ما يقضي
فيه البعض دون البعض، بأن صح المريض أياماً ثم مات - ذكر في الأصل أنه يلزمه القضاء
بقدر ما صح، ولم يذكر الخلاف حتى لو مات، لا يجب عليه أن يوصي بالإطعام لجميع
الشهر، بل لذلك القدر الذي لم يصمه، وإن صامه فلا وصية عليه رأساً.
وذكر الطحاوي هذه المسألة على الاختلاف، فقال في قول أبي حنيفة: يلزمه قضاء
الجميع إذا صح يوماً واحداً، حتى يلزمه الوصية بالإطعام لجميع الشهر إن لم يصم ذلك اليوم،
وإن صامه لم يلزمه (٢) شيء بالإجماع، وعند محمد: يلزمه بقدر ما أدرك.
وذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) أن ما ذكره محمد في الأصل قول جميع
(١) أخرجه البخاري (١٩٢/٤) كتاب الصيام: باب من مات وعليه صوم حديث (١٩٥٢) ومسلم (٨٠٣/٢)
كتاب الصيام: باب قضاء الصيام عن الميت حديث (١١٤٧/١٥٣) وأبو داود (٧٩١-٧٩٢) كتاب الصوم:
باب فيمن مات وعليه صيام حديث (٢٤٠٠) والنسائي في ((الكبرى)) (١٧٥/٢) رقم (٢٩١٩) وأحمد (٦/
٩٦) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٩٤٣) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٤٠/٣-١٤١) وأبو يعلى
(٣٩١/٧) رقم (٤٤١٧) وابن خزيمة (٢٠٥٢) وابن حبان (٣٥٧٤ - الإحسان) والدارقطني (٢/
١٩٤-١٩٥) والبيهقي (٢٥٥/٤) كتاب الصيام: باب من قال: يصوم عنه وليه والبغوي في ((شرح السنة))
(٥٠٩/٣ - بتحقيقنا) وابن حزم في ((المحلى)) (٢/٧) من حديث عائشة.
(٢) في أ: فلا يلزمه.

٦٣٠
كِتَاب الصَّوم
أصحابنا، وما أثبته الطحاوي من الاختلاف في المسألة - غلط، وإنما ذلك في مسألة النذر،
وهي أن المريض إذا قال: لله عليَّ أن أصوم شهراً، فإن مات قبل أن يصح - لا يلزمه شيء،
وإن صح يوماً واحداً - يلزمه أن يوصي بالإطعام لجميع الشهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وعند محمد: لا يلزمه إلا مقدار ما يصحُ(١) على ما ذكره القدوري.
وإن كان مسألة القضاء على الاتفاق على ما ذكره القدوري - فوجه هذا القول ظاهر، لأن
القدرة على الفعل شرط وجوب الفعل، إذ لو لم يكن لكان الإيجاب تكليف ما لا يحتمله
الوسع، وأنه محال عقلاً وموضوع شرعاً، ولم يقدر إلا على صوم بعض الأيام، فلا يلزمه إلا
ذلك القدر. فإن صام ذلك القدر فقد أتى بما عليه فلا يلزمه شيء آخر، وإن لم يصم فقد قصر
فيما وجب عليه، فيلزمه أن يوصي بالفدية لذلك القدر لا غير، إذ لم يجب عليه من الصوم إلا
ذلك القدر.
وإن كانت المسألتان على الاختلاف على ما ذكره الطحاوي - فوجه قول محمد في
المسألتين ما ذكرنا، وهو لا يحتاج إلى الفرق بينهما؛ لأن قوله فيهما واحد، وهو أنه لا يلزمه
من صوم القضاء والصوم المنذور به إلا قدر أيام الصحة، حتى لا يلزمه الوصية بالإطعام فيهما
إلا لذلك القدر.
وأما وجه قولهما: فهو أن قدر ما يقدر عليه من الصوم يصلح له الأيام كلها على طريق
البدل؛ لأن كل يوم صالح للصوم، فيجعل كأنه قدر على الكل، فإذا لم يصم لزمته الوصية
بالفدية للكل، وإذا صام فيما قدر، وصار قدر ما صام مستحقاً للوقت، فلم يبق صالحاً لوقت
آخر - فلم يكن القول بوجوب الكل على البدل، فلا يلزمه الوصية بالفدية للكل، ومنها ألا
يكون في القضاء حرج؛ لأن الحرج منفي بنص الكتاب.
وأما وجوب الأداء في الوقت: فهل هو شرط وجوب القضاء خارج الوقت؟ فقد ذكرنا
اختلاف المشايخ في ذلك، وخرجنا ما يتصل به من المسائل على القولين ما فيه اتفاق وما فيه
اختلاف .
وأما وقت وجوبه فوقت أدائه، وقد ذكرناه وهو سائر الأيام خارج رمضان سوى الأيام
الستة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعَدَّةٌ مِنْ أَيَّامِ أَخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أمر
بالقضاء مطلقاً عن وقت معين، فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل.
والكلام في كيفية وجوب القضاء؛ أنه على الفور أو على التراخي كالكلام في كيفية
(١) في أ: صح.

٦٣١
كِتَاب الصَّوم
الوجوب في الأمر المطلق عن الوقت أصلاً؛ كالأمر بالكفارات والنذور المطلقة ونحوها،
وذلك على التراخي عند عامة مشايخنا، ومعنى التراخي عندهم؛ أنه يجب في مطلق الوقت/ ٢١٦
غير عين، وخيار التعيين إلى المكلف، ففي أي وقت شرع فيه تعين ذلك الوقت للوجوب،
وإن لم يشرع يتضيق الوجوب عليه في آخر عمره في زمان يتمكن فيه من الأداء قبل موته.
وحكى الكرخي عن أصحابنا أنه على الفور، والصحيح هو الأول.
وعند عامة أصحاب الحديث، الأمر المطلق يقتضي الوجوب على الفور، على ما عرف
في أصول الفقه، وفي الحج اختلاف بين أصحابنا، نذكره في ((كتاب الحج)) إن شاء الله تعالى.
وحكى القدوري عن الكرخي؛ أنه كان يقول في قضاء رمضان أنه مؤقت بما بين
رمضانين، وهذا غير سديد، بل المذهب عند أصحابنا أن وجوب القضاء لا يتوقت (١) لما ذكرنا
أن الأمر بالقضاء مطلق عن تعيين بعض الأوقات دون بعض، فيجري على إطلاقه؛ ولهذا قال
أصحابنا: إنه لا يكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع، ولو كان الوجوب على الفور - لكره
له التطوع قبل القضاء؛ لأنه يكون تأخيراً للواجب عن وقته المضيق وأنه مكروه، وعلى هذا قال
أصحابنا: إنه إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر - فلا فدية عليه.
وقال الشافعي: عليه الفدية؛ كأنه قال بالوجوب على الفور مع رخصة التأخير إلى
رمضان آخر، وهذا غير سديد لما ذكرنا أنه لا دلالة في الأمر على تعيين الوقت، فالتعيين
يكون تحكماً على الدليل، والقول بالفدية باطل؛ لأنها تجب خلفاً عن الصوم عند العجز عن
تحصيله عجزاً، لا ترجى معه القدرة عادة، كما في حق الشيخ الفاني ولم يوجد العجز؛ لأنه
قادر على القضاء، فلا معنى لإيجاب الفدية.
وأما شرائط جواز القضاء فما هو شرط جواز أداء صوم رمضان فهو شرط جواز قضائه
إلا الوقت، وتعيين النية من الليل؛ فإنه يجوز القضاء في جميع الأوقات إلا الأوقات
المستثناة، ولا يجوز إلا بنية معينة من الليل بخلاف الأداء، ووجه الفرق ما ذكرنا والله الموفق.
وأما وجوب الفداء فشرطه العجز عن القضاء عجزاً لا ترجى معه القدرة في جميع عمره،
فلا يجب إلا على الشيخ الفاني، ولا فداء على المريض والمسافر، ولا على الحامل
والمرضع، وكل من يفطر لعذر ترجى معه القدرة؛ لفقد شرطه، وهو العجز المستدام؛ وهذا
لأن الفداء خلف عن القضاء، والقدرة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف كما في سائر
الأخلاف مع أصولها، ولهذا قلنا: إن الشيخ الفاني إذا فدى، ثم قدر على الصوم - بطل
الفداء .
(١) في أ: غير مؤقت.

٦٣٢
كِتَاب الصَّوم
وأما الصوم المنذور في وقت بعينه فهو كصوم رمضان في وجوب القضاء، إذا فات عن
وقته، وقدر على القضاء، وإن فات بعضه: يلزمه قضاء ما فاته لا غير، ولا يلزمه الاستقبال
كصوم رمضان، بخلاف ما إذا أوجب على نفسه صوم شهر متتابعاً فأفطر يوماً أنه يلزمه
الاستقبال، والفرق بينهما قد تقدم.
ولو مات قبل ممر الوقت فلا قضاء عليه؛ لأن الايجاب مضاف إلى زمان متعين، فإذا
مات قبله لم يجب عليه؛ فلا يلزمه شيء، كما لو مات قبل دخول رمضان، وكذلك إذا أدرك
الوقت وهو مريض، ثم مات قبل أن يبرأ - فلا قضاء عليه، فإن برأ قبل الموت - فعليه القضاء
كما في صوم رمضان.
ولو نذر وهو صحيح، وصام بعض الشهر وهو صحيح، ثم مرض فمات قبل تمام الشهر
- يلزمه أن يوصي بالفدية لما بقي من الشهر، ولو نذر وهو مريض، ثم مات قبل أن يصح - لا
يلزمه شيء بلا خلاف، ولو صح يوماً يلزمه أن يوصي بالفدية لجميع الشهر في قول أبي حنيفة
وأبي يوسف، وعند محمد: بقدر ما صح، وقد ذكرنا المسألة والله أعلم.
فصل
فيما يُسْتَحَبُّ للصائم وما يكره
وأما بيان ما يسن، وما يستحب للصائم، وما يكره له أن يفعله - فنقول: يسن للصائم
السحور، لما روي عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - عن النبيِّ - وَّرَ - أنه قال: ((إِنَّ فَضْلاً
بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامَ أَهْلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ السُّحُورِ))(١) ولأنه يستعان به على صيام النهار، وإليه أشار
النبيُّ - نَّه - في النذب إلى السحورِ، فقال: ((أَسْتَعِينُوا بِقَائِلَةِ النَّهَارِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَبِأَكْلِ
السُّحُورِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ))(٢) والسنة فيها هو التأخير لأن معنى الاستعانة فيه أبلغ، وقد روي
عن رسول الله وَ لَّ أنه قال: ((ثَلاَثْ مِنْ سُتَنِ المُرْسَلِينَ: تَأَخِيرُ السُّحُورِ، وَتَعْجِيلُ الإِفْطَارِ،
وَوَضْعُ اليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ فِي الصَّلاَةِ»(٣). وفي رواية قال: ((ثَلاَثْ مِنْ أَخْلاَّقٍ
المُرْسَلِينَ)) .
ولو شك في طلوع الفجر فالمستحب له ألا يأكل، هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة
(١) أخرجه مسلم (٢ / ٧٧٠)، كتاب الصيام: باب فضل السحور وتأكيد استحباب تأخيره (٤٦-١٠٩٦)
والترمذي: (٨٨/٣)، كتاب الصيام: باب ما جاء في فضل السحور (٧٠٨).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٤٠) كتاب الصيام: باب ما جاء في السحور، حديث (١٦٩٣) والحاكم (١/
٤٢٥).
(٣) تقدم.

٦٣٣
كِتَاب الصَّوم
أنه قال: إذا شك في الفجر فأحب إليّ أن يدع الأكل؛ لأنه يحتمل أن الفجر قد طلع، فيكون
الأكل إفساداً للصوم فيتحرز عنه، والأصل فيه ما روي عن النبيِّ - وَ﴿ِ - أَنَّهُ قَالَ لِوَابِصَة بْن
مَعْبَد(١): ((الحَلاَلُ بَيَّنْ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ؛ فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لاَ
يَرِيُبَكَ))(٢)، ولو أكل وهو شاك لا يحكم عليه بوجوب القضاء عليه؛ لأن فساد الصوم مشكوك
فيه؛ لوقوع الشك في طلوع الفجر، مع/ أن الأصل هو بقاءُ الليل، فلا يثبت النهار بالشك، ٢١٧أ
وهل يكره الأكل مع الشك؟ روى هشام عن أبي يوسف: أنه يكره، وروى ابن سماعة عن
محمد: أنه لا يكره؛ والصحيح قول أبي يوسف، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ أنه إذا
شَكَّ فلا يأكل، وإن أكل فقد أساء؟ لما رُوي عَنْ رَسُولِ الله - بِّهِ - أنه قال: ((أَلاَ إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ
حِمَى؛ أَلاَ وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، فَمَنْ حَامَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ»(٣)، والذي يأكل
مع الشك في طلوع الفجر يحوم حول الحمى، فيوشك أن يقع فيه فكان بالأكل معرضاً صومه
للفساد؛ فیکره له ذلك.
وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه لو ظهر على أمارة الطلوع من ضرب الدبداب والأذان
- يكره، وإلا فلا، ولا تعويل على ذلك؛ لأنه مما يتقدم ويتأخر.
هذا إذا تسحر وهو شاك في طلوع الفجر، فأما إذا تسحر وأكبر رأيه أن الفجر طالع،
فذكر في الأصل، وقال: إن الأحب إلينا أن يقضي.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقضي.
وذكر القدوري أن الصحيح: أنه لا قضاء عليه.
وجه رواية الأصل أنه على يقين من الليل، فلا يبطل إلا بيقين مثله (٤).
(١) وابصة بن معبد بن مالك بن عبيد، وقيل: وابصة بن معبد بن عتبة بن الحارث أبو سالم الأسدي. قال
ابن الأثير: له صحبة سكن الكوفة ثم تحول إلى الرقة فأقام بها إلى أن مات بها. روي عن النبي وَل
أحاديث. روى عنه ابناه عمرو. وسالم. والشعبي. وزياد بن أبي الجعد وغيرهم ... وتوفي وابصة بالرقَّة
وقبره عند منارة المسجد الجامع بالرافقة .
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٤٢٧/٥)، الإصابة (٣٠٩/٦)، الثقات (٤٣١/٣)، تجريد أسماء الصحابة
(١٢٥/٢)، الاستيعاب (١٥٦٣/٤)، تقريب التهذيب (٣٢٨/٢)، تهذيب التهذيب (١٠٠/١١)، تهذيب
الكمال (١٤٥٧/٣)، الجرح والتعديل (٤٧/٩)، الطبقات الكبرى (٢٩٢٨/١)، التاريخ الكبير (٨/
١٨٧)، حلية الأولياء (٢٣/٢).
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) في أ: اليقين إلّ بمثله.

٦٣٤
كِتَاب الصَّوم
وجه رواية الحسن: أن غالب الرأي دليل واجب العمل به، بل هو في حق وجوب
العمل في الأحكام بمنزلة اليقين، وعلى رواية الحسن اعتمد شيخنا - رحمه الله - ويسن تعجيل
الإفطار إذا غربت الشمس، هكذا روي عن أبي حنيفة؛ أنه قال: وتعجيل الإفطار إذا غربت
الشمس أحب إلينا؛ لما روينا من الحديث، وهو قوله وََّ: ((ثَلاَثْ مِنْ سُتَنِ المُرْسَلِينَ، وَذَكَرَ
مِنْ جُمْلَتِهَا تَعْجِيلَ الإِفْطَارِ))، وَرُوِيَ عَنِ النّبِيِّ نَّهِ أنه قال: ((لاَ تَزَالُ أُمَّتِي بَخَيْرِ مَا لَمْ يَنْتَظِرُوا
لِلإِقْطَارِ طُلُوعَ النُّجُوم))(١)، والتأخير يؤدي إليه، ولو شك في غروب الشمس لا ينبغي له أن
يفطر، لجواز أن الشمس لم تغرب؛ فكان الإفطار إفساداً للصوم.
ولو أفطر وهو شاك في غروب الشمس، ولم يتبين الحال بعد ذلك؛ أنها غربت أم لا
- لم يذكره في الأصل، ولا القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)».
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))؛ أنه يلزمه القضاء، فرق بينه وبين التسحر.
ووجه الفرق: أن هناك الليل أصل فلا يثبت النهار بالشك؛ فلا يبطل المتيقن به
بالمشكوك فيه، وههنا النهار أصل فلا يثبت الليل بالشك - فكان الإفطار حَاصِلاً فيما له حكم
النهار، فيجب قضاؤه، ويجوز أن يكون ما ذكره القاضي جواب الاستحسان احتياطاً، فأما في
الحكم المرويُ هو القياس ألا يحكم بوجوب القضاء؛ لأن وجوب القضاء حكم حادث لا
(١) أخرجه أحمد (١٤٧/٥)، من حديث ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن
عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ويلهو: ((لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار
وأخروا السحور)».
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٥٧/٣) وقال: وفيه سليمان بن أبي عثمان قال أبو حاتم: مجهول.
وأخرجه البخاري (١٩٨/٤): كتاب الصوم: باب تعجيل الإفطار، حديث (١٩٥٧)، ومسلم (٢/ ٧٧١):
كتاب الصيام: باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر، حديث (٤٨/
١٠٩٨)، والترمذي (١٠٣/٢): كتاب الصيام: باب ما جاء في تعجيل الإفطار، حديث (٦٩٥)، ومالك
(٢٨٨/١): كتاب الصيام: باب ما جاء في تعجيل الفطر، حديث (٦)، وأحمد (٣٣١/٥)، والدارمي
(٧/٢): كتاب الصوم: باب في تعجيل الإفطار.
وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١/ ٥٤١) كتاب الصيام: باب ما جاء في تعجيل الإفطار حديث (١٦٩٧) وعبد
الرزاق (٢٢٦/٤) رقم (٧٥٩٢) وابن أبي شيبة (٣/٣) وأبو يعلى (٥٠١/١٣) رقم (٧٥١١) وابن خزيمة
(٢٧٤/٣) رقم (٢٠٥٩) وابن حبان (٣٥٠٦ - الإحسان) والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٦٨/٣ - بتحقيقنا)
كلهم من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول ال* # قال: لا يزال الناس بخير ما
عجلوا الفطر.
وقال الترمذي: حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح.

٦٣٥
كِتَاب الصَّوم
يثبت إلا بسبب حادث، وهو إفساد الصوم، وفي وجوده شك، وعلى هذا يحمل اختلاف
الروايتين(١) في مسألة التسحر بأن تسحر، وأكبر رأيه أن الفجر طالع.
ولو أفطر وأكبر رأيه أن الشمس قد غربت - فلا قضاء عليه؛ لما ذكرنا أن غالب الرأي
حجة موجبة للعمل به، وأنه في الأحكام بمنزلة اليقين، وإن كان غالب(٢) رأيه أنها لم تغرب
- فلا شك في وجوب القضاء عليه؛ لأنه انضاف إلى غلبة الظن حكم الأصل، وهو بقاء النهار
فوقع إفطاره في النهار، فيلزمه القضاء. واختلف المشايخ في وجوب الكفارة.
قال بعضهم: تجب لما ذكرنا أن غالب الرأي نزل منزلة اليقين في وجوب العمل، كيف
وقد انضم إليه شهادة الأصل وهو بقاء النهار.
وقال بعضهم: لا تجب، وهو الصحيح؛ لأن احتمال الغروب قائم، فكانت الشبهة
ثابتة، وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة، والله أعلم.
ولا بأس أن يكتحل الصائم بالإثمد وغيره فعل لا يفطره وإن وجد طعمه في حلقه عند
عامة العلماء؛ لما روينا أن رسول الله - ر18َّ - اكتحل وهو صائم، ولما ذكرنا أنه ليس للعين
منفذاً إلى الجوف، وإن [ما](٣) وجده في حلقه فهو أثره لا عينه، ولا بأس أن يدهن لما قلنا،
وكره أبو حنيفة - رحمه الله - أن يمضغ الصائم العلك؛ لأنه لا يؤمن أن ينفصل شيء منه،
فيدخل حلقه؛ فكان المضغ تعريضاً لصومه للفساد، فيكره، ولو فعل لا يفسد صومه؛ لأنه لا
يعلم وصول شيء منه إلى الجوف، وقيل: هذا إذا كان معجوناً، فأما إذا لم يكن يفطره؛ لأنه
يتفتت، فيصل شيء منه إلى جوفه (٤) ظاهراً وغالباً.
[ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيتها طعاماً وهي صائمة؛ لأنه لا يؤمن أن يصل شيء منه إلى
جوفها](٥) إلا إذا كان لا بد لها من ذلك؛ فلا يكره للضرورة.
ويكره للصائم أن يذوق العسل أو السمن أو الزيت ونحو ذلك بلسانه؛ ليعرف أنه جيد أو
رديء، وإن لم يدخل حلقه ذلك، وكذا يكره للمرأة أن تذوق المرقة لتعرف طعمها؛ لأنه
يخاف وصول شيء منه إلى الحلق(٦) فتفطر، ولا بأس للصائم أن يستاك، سواء كان السواك
يابساً أو رطباً، مبلولاً أو غير مبلول، وقال أبو يوسف: إذا كان مبلولاً يكره.
(١) في أ: الرواية.
(٢) في أ: أكبر.
(٣) سقط في ط.
(٤) في أ: جوفها.
(٥) سقط في أ.
(٦) في أ: الجوف.

٦٣٦
كِتَاب الصَّوم
وقال الشافعي: يكره [السّواك] (١) في آخر النهار كيفما كان.
واحتج بما روي عن النبيِّ وَّر أنه قَالَ: ((لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحٍ
المِسْكِ))(٢)، والاستياك يزيل الخلوف فيكره.
وجه قول أبي يوسف: أن الاستياك بالمبلول من/ السواك إدخال الماء في الفم من غير
حاجة؛ فيكره.
٢١٧ب
ولنا ما روي عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((خَيْرُ خِلاَلِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ))(٣)، والحديث حجة
على أبي يوسف والشافعي؛ لأنه وصف الاستياك بالخيرية مطلقاً، من غير فصل بين المبلول
وغير المبلول، [وبين أن يكون في أول النهار وآخره؛ لأن المقصود منه تطهير الفم، فيستوي
فيه المبلول وغيره](٤) وأول النهار وآخره كالمضمضة.
وأما الحديث: فالمراد منه تفخيم شأن الصائم، والترغيب في الصوم، والتنبيه على كونه
محبوباً لله تعالى ومرضيه، ونحن به نقول، أو يحمل على أنهم كانوا يتحرجون عن الكلام مع
الصائم؛ لتغير فمه بالصوم، فمنعهم عن ذلك ودعاهم إلى الكلام.
ولا بأس للصائم أن يقبل ويباشر إذا أمن على نفسه ما سوى ذلك؛ أما القبلة فلما روي
أن عُمَرَ - رضي الله عنه - سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - وَهَ ـ عَنِ القُبْلَةِ لِلصَّائِم؟ فَقَالَ: ((أَرَأَنْتَ لَوْ
تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ، ثُمَّ مَجَجْتَهُ، أَكَانَ يَضُرُّكَ))؟! قَالَ: ((فَصَّمْ إِذَنْ))(٥) .
وفي رواية أخرى عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أنه قال: ((هَشَشْتُ إِلَى أَهْلِي، ثُمَّ أَتَيْتُ
رَسُولَ الله ◌ِ وََّ - فَقُلْتُ: إِنِّي عَمِلْتُ(٦) اليَوْمَ عَمَلاً عَظِيماً، إِنِّي قَبَّلْتُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ:
أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ، أَكَانَ يَضُرُّكَ؟! قُلْتُ. لاَ، قَالَ: فَصُمْ إِذَنْ))(٧) .
(١) سقط في أ.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٥٣٦/١) كتاب الصيام: باب ما جاء في السواك والكحل للصائم حديث (١٦٧٧).
(٤) سقط في أ.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٣٨٥) وأحمد (٥١،٢١/١).
(٦) في أ: أعمل.
(٧) ينظر الحديث السابق.

٦٣٧
كِتَاب الصَّوْم
وعن عائشة - رضي الله عنها - أَنها قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يُقَبِّلُ، وَهُوَ صَائِمٌ))(١)،
وروي أن شاباً وشيخاً سأَلاَ رَسُولَ اللهِ - وَهُ - عَنِ القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَنَهَى الشَّابَّ وَرَخَّصَ لِلشَّيْخِ،
وَقَالَ: الشَّيْخُ، أَمْلَكُ لِإِزْبِهِ، وَأَنَا أَمْلَكُكُمْ لإِزْبِي))، وفي رواية: ((الشَّيْخُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ))(٢)، وأما
المباشرة، فلما رُوِيَ عَن عَائِشَةَ - رضي الله عنها - ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ،
وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِزْبِهِ)(٣)، وروي عن أبي حنيفة، أنه كره المباشرة.
(١) ورد عن عائشة وأم سلمة، حديث عائشة أخرجه البخاري (١٤٩/٤) كتاب الصوم: باب المباشرة للصائم
حديث (١٩٢٧) ومسلم (٧٧٧/٢) كتاب الصيام: باب بيان أن القُبلة في الصوم ليست محرمة على من
ترك شهوته حديث (١١٠٦/٦٥) وابن ماجه (٥٣٨/١) كتاب الصيام: باب ما جاء في المباشرة للصائم
حديث (١٦٨٧) والطيالسي (١٣٩١) وابن خزيمة (٢٣٠/٤) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٢/٢)
وأحمد (٢٣٠،٢١٦،٤٢/٦) من طريق الأسود ومسروق عن عائشة قالت: كان النبي وَ ل يقبل ويباشر
وهو صائم وكان أملککم لإربه.
وأخرجه مسلم (٢/ ٧٧٧) كتاب الصيام: باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من ترك
شهوته، وأبو داود (٧٢٥/١) كتاب الصيام: باب القبلة للصائم حديث (٢٣٨٢) والترمذي (١٠٧/٣)
كتاب الصوم: باب ما جاء في مباشرة الصائم حديث (٧٢٩) وأحمد (٦/
٤٠، ٤٢، ١٢٦، ١٧٤، ٢٠١، ٢٦٦) والطيالسي (١٨٧/١ - منحة) رقم (٨٩٤) وابن الجارود في ((المنتقى))
رقم (٨٩٤) والحميدي (١٩٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٢/٢) والبيهقي (٢٢٩/٤-٢٣٠)
والبغوي في ((شرح السنة)) (٤٧٩/٣ - بتحقيقنا) من طريق علقمة وزاد آخرون عنه وعن الأسود عن
عائشة .
وقال الترمذي: حسن صحيح.
حديث أم سلمة:
أخرجه البخاري (١٥٢/٤): كتاب الصوم: باب القبلة للصائم، حديث (١٩٢٨)، ومسلم (٢٤٣/١):
كتاب الحيض: باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، حديث (٢٩٦/٥)، قالت: ((بينما أنا مع
رسول الله 9 في الخميلة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: ما لك؟ أنفست؟ قلت:
نعم. فدخلت معه في الخميلة، وكانت هي ورسول الله وَّل* يغتسلان من إناء واحد، وكان يقبّلها وهو
صائم».
وأخرجه مسلم (٧٧٩/٢): كتاب الصيام: باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرّمة على من لم تحرك
شهوته، حديث (١١٠٨/٧٤)، من حديث عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله وَله أيقبّل الصائم؟ فقال
له رسول الله وله: ((سل هذه لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله ولو يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله قد
غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله وَلّر: أما والله إني لأتقاكم وأخشاكم له)).
وأخرج مسلم (٧٧٩،٧٧٨/٢): كتاب الصيام: باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم
تحرك شهوته، حديث (١١٠٧/٧٣)، من حديث حفصة. قالت: ((كان رسول الله وَ﴿ يقبّل وهو صائم)).
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.

٦٣٨
كِتَاب الصَّوْم
ووجه هذه الرواية أن عند المباشرة لا يؤمن على ما سوى ذلك ظاهراً وغالباً بخلاف
القبلة، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - إشارة إلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرَ كَانَ مَخْصُوماً بِذَلِكَ
حَيْثُ قَالَتْ: ((وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِزْبِهِ»(١) .
قال أبو يوسف: ويكره للصائم أن يتمضمض لغير الوضوء؛ لأنه يحتمل أن يسبق الماء
إلى حلقه، ولا ضرورة فيه، وإن كان للوضوء لا يكره؛ لأنه محتاج إليه لإقامة السنة، وأما
الاستنشاق والاغتسال، وصب الماء على الرأس، والتلفف بالثوب المبلول - فقد قال أبو
حنيفة: إنه يكره.
وقال أبو يوسف: لا يكره، واحتجَّ بما روي: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ - وَلَ ـ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ مَاءٌ
مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وَهُوَ صَائِمٌ)).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يبل الثوب ويتلفف به وهو صائم؛ ولأنه ليس
فيه إلا دفع أذى الحر؛ فلا يكره كما لو استظل، ولأبي حنيفة أن فيه إظهار الضجر من العبادة،
والامتناع عن تحمل مشقتها، وفعل رسول الله ولو محمول على حال مخصوصة، وهي حال
خوف الإفطار من شدة الحر، وكذا فعل ابن عمر - رضي الله عنه - محمول على مثل هذه
الحالة ولا كلام فيه.
ولا تكره الحجامة للصائم؛ لما رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاس - رضي الله عنهما ـ ((أَنَّ رَسُولَ
اللهِ وَّ أَخْتَجَمَ، وَهُوَ صَائِمٌ))(٢).
(١) تقدم.
(٢) أخرجه البخاري (١٧٤/٤): كتاب الصوم: باب الحجامة والقيء للصائم حديث (١٩٣٨، ١٩٣٩)، وأبو
داود (٢/ ٧٧٣): كتاب الصوم: باب في الرخصة في ذلك، حديث (٢٣٧٢، ٢٣٧٣)، والترمذي (٢/
١٣٧): كتاب الصوم: باب ما جاء في الرخصة في ذلك [الحجامة]، حديث (٧٧٢)، والبيهقي (٤/
٢٦٨)، كتاب الصيام: باب ما يستدل به على نسخ الحديث.
وابن أبي شيبة (٢/ ١٦٣) والطحاوي ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٣٥٠) من طريق عكرمة عن ابن عباس به.
وفي لفظ البخاري: احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم.
وأخرجه أبو داود (١/ ٧٢٣) كتاب الصيام: باب في الرخصة في ذلك أي الحجامة للصائم - حديث
(٢٣٧٣) والترمذي (١٤٧/٣) كتاب الصوم: باب ما جاء في الرخصة في ذلك (٧٧٧) وابن ماجه (١/
٥٣٧) كتاب الصيام: باب ما جاء في الحجامة للصائم (١٦٨٢) وأحمد (٢٨٦/١) والشافعي في ((المسند))
(٢٥٥/١) وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٤٤٥/١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠١/٢)
والطيالسي (٢٧٠٠) والبيهقي (٢٦٣/٤) من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس به.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح - أي لطرقه فإن يزيد بن أبي زياد ضعفه غير واحد.
وللحديث طريق آخر عنه:
أخرجه أحمد (٢٨٦،٤٤٤/١) والطيالسي (٢٠٩٨) وابن سعد في ((الطبقات)) (٤٤٤/١) وابن الجارود
(٣٨٨) من طريق شعبة عن الحكم عن مقسم به وله طريق آخر.
=

٦٣٩
كِتَاب الصَّوم
أخرجه الترمذي (١٤٧/٣) كتاب الصيام: باب ما جاء في الرخصة لذلك حديث (٧٧٨) من طريق
=
ميمون بن مهران عنه أن النبي ◌َ ◌ّر احتجم وهو صائم.
وقال الترمذي: حسن غريب:
وقال النسائي في ((الكبرى)) (٢٣٦/٢): هذا منكر ولا أعلم أحداً رواه عن حبيب غير الأنصاري ولعله أراد
أن النبي ◌ُّر تزوج ميمونة.
قال الترمذي وفي الباب عن أبي سعيد وجابر:
أما حديث أبي سعيد فأخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٢٣٧/٢) عنه قال رخص النبي ◌َّ في القبلة للصائم
ورخص في الحجامة .
حديث جابر:
أخرجه النسائي في («الكبرى» (٢٣٦/٢) من طريق أبي قتيبة عن هشام عن أبي الزبير عن جابر أن
النبي ◌َّ احتجم وهو صائم وقال النسائي: خالفه خالد بن الحارث.
ثم أخرجه من طريقه عن هشام به بلفظ: احتجم رسول الله وَّ وهو محرم من وث حجم بظهره أبو
بوركه قلت وفي الباب أيضاً عن جماعة من الصحابة وهم معاذ بن جبل وأنس وعبد الله بن سفيان وابن
عباس وثوبان وعبد الله الصنابحي.
أما حديث معاذ بن جبل :
أخرجه البزار (٤٧٨/١ - كشف) رقم (١٠١٤) من طريق الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهرية عن
جبير بن نفير عن معاذ بن جبل أن النبي ◌َّر احتجم وهو صائم.
قال البزار: لا نعلمه من طريق معاذ مرفوعاً إلا من هذا الوجه.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٧٣/٣) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه الأحوص بن حكيم
وفیہ کلام وقد وثق ا.هـ.
وقال الحافظ في ((التقريب)) (٤٩/١): ضعيف الحفظ وكان عابداً.
حديث أنس :
أخرجه البزار (١ / ٤٧٧ - كشف) رقم (١٠١١) من طريق الربيع بن بدر عن الأعمش عن أنس قال: مربنا أبو طيبة -
أحسبه قال - بعد العصر في رمضان فقال: حجمت رسول الله وَّ قال البزار: تفرد به الربيع وهو ليست الحديث.
ذكر الهيثمي في ((المجمع)) (١٧٣/٣) وقال: رواه البزار .... والربيع بن بدر متروك ا. هـ.
والربيع بن بدر: قال الدارقطني وغيره: متروك وضعفه أبو داود.
وقال الحافظ: متروك.
ينظر: المغني (٢٢٧/١) والتقريب (٢٤٣/١).
وله طريق آخر :
أخرجه أبو يعلى (٢٢٦/٧) رقم (٤٢٢٥) من طريق شريك عن ليث عن عبد الوارث عن أنس قال: مر بنا
أبو طيبة في رمضان فقلنا من أين جئت قال: حجمت رسول الله وَالله .
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٧٣/٣) وزاد نسبته إلى الطبراني في الكبير وقال: وفيه ليث بن أبي
سلیم وهو ثقة لكنه مدلس .
=

٦٤٠
كِتَاب الصَّوم
وعن أنس - رضي الله عنه -: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ أَحْتَجَمَ، وَهُوَ صَائِمٌ))(١) [مُخْرِمٌ]، ولو
احتجم لا يفطره عند عامة العلماء، وعند أصحاب الحديث يفطره، واحتجُوا بما رُوِيَ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَِّ مَرَّ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ (٢)، وَهُوَ يَخْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((أَفْطَرَ الحَاجِمُ
وَالْمَحْجُومُ)) (٣).
= وله طريق آخر بلفظ آخر:
ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٧٣/٣) وعنه بلفظ أن النبي ◌َّ احتجم في رمضان.
وقال الهيثمي: وفيه يوسف بن خالد السمتي وهو ضعيف ا. هـ. بل هو كذاب.
حدیث عبد الله بن سفيان:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)» (١٧٣/٣) وعنه قال: أن النبي ◌َّر احتجم وهو صائم.
وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام.
حديث ابن عباس :
أخرجه البزار (٤٧٨/١ - كشف) رقم (١٠١٦)، (١٠١٧) عنه بلفظ ثلاث لا يفطرن من الصائم: القيء
والحجامة والاحتلام.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٧٣/٣) وقال: رواه البزار بإسنادين وصحح أحدهما وظاهره الصحة.
حديث ثوبان:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٧٣/٣) عنه بلفظ: ثلاث لا يمنعن الصائم الحجامة والقيء والاحتلام.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ولثوبان في الأوسط ثلاث لا يفطرن الصائم فذكره وإسنادهما
ضعيف .
حديث عبد الله الصنابحي :
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٧٣/٣ -١٧٤) عنه قال: قال رسول الله وَلقر: من أصبح صائماً فاحتلم
واحتجم أو ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء.
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو بلال الأشعري وهو ضعيف.
(١) ينظر السابق.
(٢) معقل بن يسار المدني أبو علي بايع تحت الشجرة. له أربعة وثلاثون حديثاً. اتفقا على حديث وانفرد
البخاري بآخر، ومسلم بحديثين، وعنه عمران بن حصين. مات في خلافة معاوية. ينظر الخلاصة (٣/
٤٥).
(٣) أخرجه أحمد (٤٧٤/٣، ٤٨٠) والنسائي في ((الكبرى)) (٢٢٣/٢) كتاب الصيام: باب الاختلاف على
عطاء بن السائب فيه حديث (٣١٦٦) والبزار (٤٧٤/١ - كشف) رقم (١٠٠٢،١٠٠١) من طرق عن
عطاء بن السائب عن الحسن عن معقل بن يسار مرفوعاً قال النسائي: عطاء بن السائب كان قد اختلط ولا
نعلم أحداً روى هذا الحديث عنه غير هذين على اختلافهما عليه فيه يعني ابن فضيل وسليمان بن معاذ.
وتعقبه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤٧٤/٢): برواية أحمد من طريق عمار بن زريق عن عطاء به.
وقال البزار: تفرد به عطاء وقد أصابه اختلاط ولا يجب الحكم بحديثه إذا انفرد به .
والحديث ذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد» (١٧٢/٣) وقال: رواه البزار والطبراني في ((الكبير)) وفيه
عطاء بن السائب وقد اختلط.