النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ كِتَاب الصَّوم وقال زفر: صوم رمضان في حق المقيم جائز بدون النية. واحتج بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أمر بصوم الشهر مطلقاً عن شرط النية، والصوم هو الإمساك، وقد أتى به فيخرج عن العهدة؛ ولأن النية إنما تشترط للتعيين، والحاجة إلى التعيين عند المزاحمة، ولا مزاحمة، لأن الوقت لا يحتمل إلا صوماً واحداً في حق المقيم وهو صومُ رمضان، فلا حاجة إلى التعيين بالنية. ولنا: قولُ النبيِّ - وَ -: ((لاَ عَمَلَ لِمَنْ لاَ نِيَّةَ لَهُ»(١)، وقوله: («الأَعْمَالُ بِالنَّاتِ، وَلِكُلِّ آمْرِىءٍ مَا نَوَى))(٢)، ولأن صوم رمضان عبادة، والعبادة اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصاً لله تعالى بأمره، والاختيار والإخلاص لا يتحققان بدون النية، وأما الآية فمطلق اسم الصوم ينصرف إلى الصوم الشرعي، والإمساك لا يصير صوماً شرعاً بدون الينة لما بيّنا. وأما قوله: إن النية شرط للتعيين، وزمان رمضان متعين لصوم رمضان فلا حاجة إلى النية فنقول: لا حاجة إلى النية لتعيين الوصف، لكن تقع الحاجة إلى النية لتعيين الأصل. بيانه: أن أصل الإمساك متردد بين أن يكون عادة أو حمية، وبين أن يكون الله تعالى، بل الأصل أن يكون فعل كل فاعل(٣) لنفسه ما لم يجعله لغيره، فلا بد من النية ليصير الله تعالى، ثم إذا صار أصل الإمساك الله تعالى في هذا الوقت بأصل النية، والوقت متعين لفرضه - يقع عن الفرض، من غير الحاجة إلى تعيين الوصف. وأما الثاني في كيفية النية: فإن كان الصوم عيناً وهو صوم رمضان وصوم النفل خارج رمضان، والمنذور به في وقت بعينه - يجوز بنية مطلقة عندنا. وقال الشافعي: صوم النفل(٤) يجوز بنية مطلقة، فأما الصوم الواجب فلا يجوز إلا بنية معينة . وجه قوله: إن هذا صوم مفروض فلا يتأدى إلا بنية الفرض كصوم القضاء والكفارات والنذور المطلقة؛ وهذا لأن الفرضية صفة زائدة على أصل الصوم يتعلق بها زيادة الثواب، فلا بد من زيادة النية، وهي نيةُ الفرض. ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا قد شهد الشهر وصامه فيخرج عن العهدة؛ ولأن النية لو شرطت إنما تشترط، إما ليصير الإمساك لله تعالى، (١) تقدم تخريج الحديث. (٢) تقدم تخريج الحديث . (٣) في أ: عامل. (٤) في أ: التطوع. ٥٨٢ كِتَاب الصَّوم ١٢٠٥ وإما للتمييز بين نوع ونوع، ولا وجه للأول؛ لأن مطلق النية كان لصيرورة الإمساك/ لله تعالى؛ لأنه يكفي لقطع التردد؛ ولقول النبي - وَ لَهـ: ((وَلِكُلِّ أَمْرِىءٍ مَا نَوَى))، وقد نوى أن يكون إمساكه لله تعالى، فلو لم يقع لله تعالى لا يكون له ما نوى؛ وهذا خلاف النص. ولا وجه للثاني؛ لأن مشروع لوقت واحد لا يتنوع، فلا حاجة إلى التمييز بتعيين النية، بخلاف صوم القضاء والنذر(١) والكفارة؛ لأن مشروع الوقت وهو خارج رمضان متنوع، فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية؛ فهو الفرق. وقوله: هذا صوم مفروض مسلم، ولكن لم لا يتأدى نية الفرض بدون نية الفرض، وقوله: الفرضية صفة للصوم، زائدة عليه، فتفتقر إلى نية زائدة - ممنوع لأنها صفة زائدة على الصوم؛ لأن الصوم صفة، والصفة لا تحتمل صفة زائدة عليها قائمة بها، بل هو وصف إضافي فيسمى الصوم مفروضاً وفريضة؛ لدخوله تحت فرض الله تعالى، [لا لفرضية قامت به](٢)، وإذا لم يكن صفة قائمة بالصوم لا يشترط له نية الفرض، وزيادة الثواب لفضيلة الوقت لا لزيادة صفة العمل - والله أعلم. ولو صام رمضان بنية النفل أو صام المنذور بعينه بنية النفل - يقع صومه عن رمضان وعن المنذور عندنا . وعند الشافعي: لا يقع، وكذا لو صام رمضان بنية واجب آخر من القضاء والكفارات والنذور - يقع عن رمضان عندنا، وعنده: لا يقع، هو يقول: لما نوى النفل فقد أعرض عن الفرض، والمعرض عن فعل لا يكون آتياً به، ونحن نقول: إنه نوى الأصل والوصف، والوقت قابل للأصل، غير قابل للوصف، فبطلت نية الوصف، وبقيت نية الأصل، وأنها كافية الصيرورة الإمساك لله تعالى، على ما بينا في المسألة الأولى. ولو نوى في النذر المعين واجباً آخر - يقع عما نوى بالإجماع بخلاف صوم رمضان. وجه الفرق: أن كل واحد من الوقتين وإن تعين لصومه، إلا أن أحدهما وهو شهر رمضان معين بتعيين من له الولاية على الإطلاق وهو الله تعالى، فثبت التعيين على الإطلاق، فيظهر في حق فسخ سائر الصيامات، والآخر تعين بتعيين من له ولاية قاصرة وهو العبد، فيظهر تعيينه فيما عينه له، وهو صومُ التطوع دون الواجبات التي هي حقُّ الله تعالى في هذه الأوقات؛ فبقيت الأوقات محلاًّ(٣) لها؛ فإذا نواها صَحَّ. (١) في أ: النذور. (٢) بدل ما بين المعكوفين في أ: لأن الفرضية قائمة به. (٣) في أ: قابلة. ٥٨٣ كِتَاب الصَّوم هذا الذي ذكرنا في حق المقيم، فأما المسافر: فإن صام رمضان بمطلق النية فكذلك يقع صومه عن رمضان بلا خلاف بين أصحابنا، وإن صام بنية واجب آخر يقع عما نوى في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يقع عن رمضان، وإن صام بنية التطوع، فعندهما يقع عن رمضان. وعن أبي حنيفة فيه روايتان: روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يقع عن التطوع. وروی الحسن عنه: أنه یقع عن رمضان. قال القدوري: الرواية الأولى هي الأصح. وجه قولهما: إن الصوم واجب على المسافر وهو العزيمة، والإفطار له رخصة فإذا اختار العزيمة وترك الرخصة - صار هو والمقيم سواء؛ فيقع صومه عن رمضان كالمقيم، ولأبي حنيفة أن الصوم وإن وجب عليه لكن رخص له في الإفطار نظراً له؛ فلأن يرخص له إسقاط ما في ذمته والنظر له فيه أكثر - أولى. وأما إذا نوى التطوع: فوجه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان، بدليل أنه يباح له الفطر(١)، فأشبه خارج رمضان، ولو نوى التطوع خارج رمضان يقع عن التطوع كله؛ كذا في رمضان. وجه رواية الحسن عنه: أن صوم التطوع لا يفتقر إلى تعيين نية المتطوع بل [له](٢) نية الصوم فيه كافية، فتلغو نية التعيين، ويبقى أصل النية فيصير صائماً في رمضان بنية مطلقة، فيقع عن رمضان. وأما قوله: إن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان - فممنوع، بل هو واجب إلا أنه يترخص فيه فإذا لم يترخص ولم ينو واجباً آخر - بقي صوم رمضان واجباً عليه؛ فيقع صومه عنه، وأما المريض الذي رخص له في الإفطار: فإن صام بنية مطلقة يقع صومه عن رمضان بلا خلاف، وإن صام بنية التطوع: فعامة مشايخنا قالوا: إنه يقع صومه عن رمضان؛ لأنه لما قدر على الصوم صار كالصحيح، والكرخي سَوَّى بين المريض والمسافر، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يقع عن التطوع. ويشترط لكل يوم من رمضان نية على حدة عند عامة العلماء، وقال مالك: يجوز صوم جميع الشهر بنية واحدة. (١) في أ: الإفطار. (٢) سقط في ط. ٥٨٤ كِتَاب الصَّوم [وجه قوله: إن الواجب صوم الشهر](١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] والشهر اسم لزمان واحد فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة كالصلاة والحج؛ فيتأدى بنية واحدة. ٢٠٥ب ولنا: أن صوم كل يوم عبادة على حدة غير متعلّقة باليوم / الآخر؛ بدليل أن ما يفسد أحدهما لا يفسد الآخر، فيشترط لكل يوم منه نية على حدة؛ وقوله: ((الشهر)) اسم لزمان واحد - ممنوع، بل هو اسم لأزمنة مختلفة، بعضها محل للصوم وبعضها ليس بوقت له، وهو الليالي، فقد تخلل بين كل يومين ما ليس بوقت لهما فصار صوم كل يومين عبادتين مختلفتين کصلاتین ونحو ذلك. وإن كان الصوم ديناً وهو صوم القضاء والكفارات والنذور المطلقة - لا يجوز إلا بتعيين النية، حتى لو صام بنية مطلق الصوم - لا يقع عما عليه، لأن زمان خارج رمضان متعين للنفل شرعاً عند بعض مشايخنا، والمطلق ينصرف إلى ما تعين له الوقت. وعند بعضهم هو وقت للصيامات كلها على الإبهام، فلا بد من تعيين الوقت للبعض بالنية لتتعين له، لكنه (٢) عند الإطلاق ينصرف إلى التطوع؛ لأنه أدنى، والأدنى متيقن به فيقع الإمساك عنه. ولو نوى بصومه قضاء رمضان والتطوع، كان عن القضاء في قول أبي يوسف. وقال محمد: يكون عن التطوع. وجه قوله: إنه عين الوقت لجهتين مختلفتين متنافيتين فسقطتا للتعارض، وبقي أصل النية وهو نية الصوم، فيكون عن التطوع، ولأبي يوسف: أن نية التعيين في التطوع لغو، فلغت وبقي أصل النية، فصار كأنه نوى قضاء رمضان والصوم، ولو كان كذلك يقع عن القضاء؛ كذا هذا. فإن نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار، قال أبو يوسف: يكون عن القضاء استحساناً، والقياس أن يكون عن التطوع؛ وهو قول محمد. وجه القياس على نحو ما ذكرنا في المسألة الأولى أن جهتي التعيين تعارضتا للتنافي، فسقطتا بحكم التعارض؛ فبقي نية مطلق الصوم فيكون تطوعاً . (١) سقط في أ. (٢) في أ: يكن. ٥٨٥ كِتَاب الصَّوم وجه الاستحسان: أن الترجيح لتعيين جهة القضاء، لأنه خلف عن صوم رمضان، وخلف الشيء يقوم مقامه كأنه هو، وصوم رمضان أقوى الصيامات حتى تندفع به نية سائر الصيامات؛ ولأنه بدل صوم وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء وصوم كفارة الظهار وجب بسبب وجد من جهة العبد، فكان القضاء أقوى فلا يزاحمه الأضعف. وروى ابن سماعة عن محمد فيمن نذر صوم يوم بعينه فصامه ينوي النذر وكفارة اليمين - فهو عن النذر لتعارض النيتين فتساقطا، وبقي نية الصوم مطلقاً، فيقع عن النذر المعين، والله أعلم. وأما الثالث: وهو وقت النية فالأفضل في الصيامات كلها أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكنه ذلك أو من الليل؛ لأن النية عند طلوع الفجر. تقارن أول جزء من العبادة حقيقة، ومن الليل. نقارنه تقديراً، وإن نوى بعد طلوع الفجر، فإن كان الصوم ديناً لا يجوز بالإجماع، وإن كان عيناً وهو صومُ رمضان وصوم التطوع خارج رمضان والمنذور المعين - يجوز. وقال زفر: إن كان مسافراً لا يجوز صومه عن رمضان بنية من النهار. وقال الشافعي: لا يجوز بنية من النهار إلا التطوع. وقال مالك: لا يجوز التطوع أيضاً، ولا يجوز صوم التطوع بنية من النهار بعد الزوال عندنا، وللشافعي فيه قولان(١) . (١) قال الشافعي والأصحاب: لا يصح صوم رمضان، ولا غيره من الصوم الواجب، أو المنذور إلا بالنية، وقال أبو حنيفة: لا يشترط النية في رمضان، واستدل هؤلاء على عدم وجوب النية في رمضان، بقوله تعالى ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فإن الله سبحانه وتعالى أمر بالصوم ولم يأمر بالنية. وقالوا أيضاً: أن شهر رمضان مستحق بالصوم يمنع من إيقاع غيره فيه، فلم يفتقر إلى نية، كالعيدين، وأيام التشريق، فإنه لما كان الفطر فيهما مستحقاً، لم يحتج إلى نية. والمذهب الأول: وهو وجوب النية في صوم شهر رمضان، لقوله تعالى ﴿وما لأحد عنده من نعمةٍ تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ فإن الله سبحانه وتعالى: أخبر أن المجازاة لا تقع بمجرد الفعل، حتى يبتغي به الفاعل وجه الله، بل لا بدَّ من إخلاص النية، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات)» فإنه وَّ نفى العمل بدون النية، وقال أيضاً ((لا يقبل الله عملاً بدون النية)). وأيضاً: الصوم عبادة محضة، فلا يصح من غير نية، كالصلاة، ثم إن محل النية القلب، ولا يشترط النطق بالنسان بلا خلاف، ولا يكفي عنه نية القلب، بلا خلاف أيضاً، لكن يستحب أن ينطق بها ليساعد اللسان القلب. ويمكن الرد على من قال: إن النية ليست واجبة بما يأتي: أما عن الآية: فإنها لا تدل على سقوط النية، لأنها مجملة وقد ورد بيانها، وهي الأخبار الواردة في وجوب النية، وأما عن قوله بأن صوم رمضان = ٥٨٦ كِتَاب الصَّوم مستحق بالصوم، فيمنع من إيقاع غيره فيه، فيجاب عنه بأنه فاسد بمن بقي عليه من وقت الصلاة قدر ما = يؤديها فيه، فقد استحقّ زمانها عليه، ومنع من إيقاع غيرها فيه على أن النّية فيها واجبة ويجب لكل يوم سواء رمضان، وغيره نية، وهذا لا خلاف فيه عندنا، لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة يدخل وقتها لطلوع الفجر، ويخرج وقتها بغروب الشمس، لا يفسد بفساد ما قبله، ولا بفساد ما بعده، فلم يكفه نية واحدة کالصلوات الخمس. فلو نوى أول ليلة من رمضان صوم الشهر كله، لم تصح هذه النية؛ لغير اليوم الأول. وقال بعضهم: لا تصح لليوم الأول، ومن قال به الشيخ أبو محمد الجويني وعلّل ذلك بأن النية قد فسد بعضها، والمذهب الأول. ولا بدَّ في صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب من تبييت النية، أي: إيقاعها ليلاً، لما روت حفصة رضي الله عنها أن النبي ◌َّرَ قال: ((من لم يُبَيِّتِ الصيام من الليل، فلا صيام له)) فلا يصح صوم رمضان أداء أو قضاء ولا صوم الكفارة، ولا فدية الحج، ولا غير ذلك من الصوم الواجب بنية من النهار، بلا خلاف .. وفي صوم النذر طريقان، المذهب وبه قطع الجمهور، وهو المنصوص عليه في المختصر: لا يصح بنيّة من النهار، ولا يشترط في تثبيت النية الجزء الأخير من الليل، للإطلاق في الحديث المتقدم. وقيل: يُشْتَرط أنْ تكُون النية في النصف الأخير من الليل قياساً على آذان الصبح، والدفع من المزدلفة؛ ولأنه لمّا تعذر اقترانها بالعبادة وجب أن تقترن منها بقدر الطاقة. ورُدَّ بأنّه في اشتراط النية في النصف الأخير من الليل فوق كونه منافٍ لظاهر الحديث المتقدم، فيه مشقة، وحرج في الدين، وقد قال تعالى ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وأيضاً لو أوحينا عليهم إيقاع النبة في النصف الأخير، لضاق عليهم ذلك؛ لأنهم ربما ينامون فيفوت عليهم الصيام ولا تبطل النية بالاتيان بمناف بعدها، فمن نوى الصوم بالليل، ثم أكل أو شرب أو جامع، أو أتى بغير ذلك من منافيات الصوم، لم تبطل نيته على الأصح. وكذا لو نوى، ونام بعد النية، ثم استيقظ قبل الفجر، فلا تبطل نيته، ولا يجب عليه تجديدها، خلافاً لأبي إسحاق، فإنه قال: من أتى بمنافٍ بعد النية بطُلَتْ نيته؛ لأن الأكل ونحوه منافٍ للصوم، فتبطل النية به، ويلزم تجديدها تحرزاً عن تخلل المنافي بينها، وبين العبادة. وكذا من نام بعد النية، واستيقظ قبل الفجر، فقد بطلت نيته، ووجب عليه تجديدها. ولقد أنكر الأصحاب هذا القول من أبي إسحاق حتى إن بعضهم أفتى بأنه خرق للإجماع، قال: ويستتاب أبو إسحاق وقيل: إن أبا إسحاق رجع عن هذا القول عام أن حج، وأشهد على نفسه بذلك. أما صوم النفل: فلا يجب فيه تبييت النية، بل يصح بنية نهاراً قبل الزوال. وهذا هو قول الشافعي والأصحاب، وشذ عن الأصحاب المزني وأبو يحيى البلخي، فإنهما قالا: لا يصح إلا بنية من الليل كالفرض، وهذا شاذ ضعيف، والمعتمد الأول لما رُوِيّ أن النبي ◌َّ دخل على السيدة عائشة ذات يوم، فقال: ((هل عندكم من غذاء؟ قالت: لا. قال عليه السلام: فإني إذا أصوم))، والغذاء اسم لما يؤكل قبل الزوال، ومنه ما يسمى الآن بالإفطار. والمعنى: ابتدىء بنيّة الصيام. = ٥٨٧ كِتَاب الصَّوم وصوم النفل مخالف لصوم الفرض، لأن النَّفْل أخفُّ منه؛ لأنه يجوز ترك الصوم، والقبلة في النفل مع = القدرة، ولا يجوز في الفرض. واختلف في أنه هل يصح صوم النفل بنية بعد الزوال أم لا؟ فقال بعضهم: يجوز لأنه جزء من النهار فجازت نية النَّل فيه، كالنصف الأوَّل، وهو قول حرملة: وقيل: لا يجوز، لأن النية لم تصحب معظم العبادة، فأشبه ما إذا نوى مع غروب الشمس، ويخالف النصف الأول، فإن النية فيه صحبت معظم العبادة، ومعظم الشيء يجوز أن يقوم مقام كل الشيء؛ ولهذا لو أدرك معظم الركعة مع الإمام جعل مدركاً لها، ولو أدرك دون المعظم لم يكن مدركاً لها. وهذا هو المعتمد المتفق عليه من الأصحاب، والمنصوص عليه من الشافعي، رضي الله عنه في معظم كتبه، ثم إذا نوى النفل قبل الزوال أو بعده عند القائل بصحته، فهل هو صائم من وقت النية فقط، ولا يحسب له ثواب ما قبله، أم صائم من طلوع الفجر، فيثاب على جميع النهار؟ فيه وجهان مشهوران. أصحهما عند الأصحاب: أنه صائم من طلوع الفجر، فيُثَابُ على جميع النهار، لأنه لو كان صائماً من وقت النية لم يضره الأكل والشرب قبلها . وقال أبو إسحاق المروزي لا يُثاب إلا من وقت النية؛ لأن ما قبل النية لم يوجد فيه قصد القربة، فلم يجعل صائماً فيه، واتفق الجميع على تضعيفه. وقال الماوردي والقاضي أبو الطيب: هو غلطة، لأن الصوم لا يتبعَّض، وعدم قصد العبادة قبل النيّة لا أثر له فقد يُدرك الشخص بعض العبادة، ويُثاب عليها، كالمسبوق يدرك الإمام راكعاً، فیحصل له ثواب جميع الركعة، باتفاق الأصحاب. وعلى القول الصحيح، وهو أنه يثاب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يشترط لصحة صومه جميع شروط الصوم من أوَّل النهار، فإن أكل أو شرب أو جامَعَ أو فَعَلَ غير ذلك من منافيات الصوم بعد الفجر، فلا يصح صومه . أما على القول بأنه يُثاب من وقت النية، ففي اشتراط خلو أوَّل النهار عن الأكل والشرب، وكل ما ينافي الصوم وجهان: أصحهما: الاشتراط، وهو المنصوص. والثاني: لا يُشترط فلو أكل أو شرب أو جامع أو فعل ما ينافي الصوم ثم نوى الصوم بعد ذلك، صحّ صومه ويُثاب من حيث النيّة، وهذا القول مخليُّ عن أبي العباس بن سريج وغيره. ويجب أن تكون نيّة الصيام الواجب رمضان، وغيره من الكفارات والنذر معينةً. قال الشافعي والأصحاب: لا يصحُّ صوم رمضان أداءً أو قضاءً، ولا صوم الكفارة أو النذر إلاَّ بتعيين النية، لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، ومن المعلوم أن هذه الهاء كناية عن الشهر، وعائدة إليه . فيصير تقدير الكلام ((فليَتْوِ الصيام له))، ولو أراد جنس الصوم، لقال: فليَصُمْ، فلما قيل: بالهاء دلَّ على وجوب تعيين النيّة . ويَدُلُّ على تعيين النية قول النبي وَّ: ((وإنَّما لكل امرئ ما نوى))، لأنه ظاهر في اشتراط تعيين النية؛ لأن أصل النية قد فُهِمَ اشتراطه من أوّل الحديث ((إنما الأعمال بالنيّات))؛ ولأنه قربة مضافة إلى وقتها، فوجب = ٥٨٨ كِتَاب الصَّوم أما الكلام مع مالك فوجه قوله: إن التطوع تَبَع للفرض، ثم لا يجوز صوم الفرض بنية من النهار، فكذا التطوع. ولنا: ما روي عن ان عَبَّاس - رضي الله عنها أنه قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ الله - وَّهِ - يُصْبِحُ لاَ يَنْوِي الصَّوْمَ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ، فَيَصُومُ))، وعن عائشة - رضي الله عنها -: ((أَنَّ رَسُولُ اللهِوَلَ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمْ))(١)، وصوم تعيين الوقت في نيَّتها، كالصلوات؛ ولأنه عبادة يُفْتَقِرُ قضاؤها إلى تعيين النية، فوجب أن يَفْتَقِرَ أداؤها إلى = تعيين النِّيَّة، فلا يصح صوم رمضان، ولا غيره من الصوم الواجب بنية مطلقة، بل لا بدَّ من أن ينوي الصوم عن رمضان، أو عن النذر، أو عن الكفارة. نعم لا يشترط في الكفارة تعيين سببها، بل يكفي أن يقصد الصوم عن الكفارة، لكن لو عيَّن، وأخطأ لم يجزئه. ووقت النية من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني؛ للأحاديث السابقة. فإن قيل: فلِمَ أَجَزْتُمْ تقديم النّة على الصوم، ومنعتم تقديمها في سائر العبادات؟ قلنا: لأمرين: أحدهما: أنَّ الصوم يدخل فيه بمرور الزمان، فيشق على الصائم مراعاة النِّيَّة في الابتداء به، وسائر العبادات يدخل وقتها بفعله، فلم تلحقه المشقة في مراعاة أوَّلِهَا. الثاني: أن ابتداء الصوم طلوع الفجر، وطلوعه يخفى على كثير من الناس، مع كونهم نيام، فلو كُلِّفُوا مراعاته؛ لشقَّ عليهم ذلك. أما صوم النفل فيصح بنية مطلقة . قال في ((شرح المهذب)): هكذا أطلقه الأصحاب. وينبغي أن يُشترط التعيين في الصوم الراتب، أي: الذي له سبب، أو وقت، كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، ونحوهما، كما يُشْتَرط ذلك في الرواتب من نوافل الصلاة. ورُدَّ هذا الاشتراط بأنَّ الصَّوْمَ في الأيّامِ المذكورة مُنْصَرِفٌ إليها، بل لو نوى غيرها حصلت، كتحية المسجد، فأنها تحصل بأي صلاة كانت عند دخول المسجد، إذْ مقصود الشارع من ندب صومها وجود صوم فيها، وقد وجد فما ذكر من قياسها على الرواتب من نوافل الصلاة قياس مع الفارق. والحق ما قاله الأصحاب ولا يشترط في صحة تعيين النية أن يعين اليوم، أو السنة. فإن عيَّن وأخطأ كأن ينوي صوم الغد ملاحظاً أنه الثلاثاء، وهو الاثنين صح صومه؛ لأن الوقت متعيِّن، والخطأ في النية لا يضرُّ. (١) أخرجه مسلم (٨٠٩/٢): كتاب الصيام: باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وجواز فطر الصائم نفلاً من غير عذر، الحديث (١٧٠ / ١١٥٤)، وأبو داود (٨٢٤/٢، ٨٢٥): كتاب الصوم: باب في الرخصة في ذلك [في النية]، حديث (٢٤٥٥)، والترمذي (١١٨/٢): كتاب الصوم: باب ما جاء في إفطار الصائم المتطوع، حديث (٧٢٩، ٧٣٠)، والنسائي (١٩٤/٤، ١٩٥): كتاب الصيام: باب النية في الصيام والاختلاف على طلحة بن يحيى بن طلحة في خبر عائشة فيه، والدارقطني (١٧٦/٢، ١٧٧): كتاب الصيام: باب تبييت النية من الليل وغيره، حديث (٢١)، والبيهقي (٢٧٤/٤، ٢٧٥): كتاب الصيام: باب صيام التطوع والخروج منه قبل تمامه . والشافعي في ((المسند)) ص (٨٤) وعبد الرزاق (٧٧٩٣) وأحمد (٢٠٧/٦) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٩/٢) وأبو يعلى (٤٩/٨ - ٤٧) رقم (٤٥٦٣) وابن خزيمة (٢١٤٣) وابن حبان (٣٦٣٤ - ٣٦٣٠) من طريق طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة به. ٥٨٩ كِتَاب الصَّوْم التطوع بنية من النهار قبل الزوال مروي عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي طلحة رضي الله عنهم. وأما الكلام فيما بعد الزوال فبناء على أن صوم النفل عندنا غير متجزىء كصوم الفرض. وعند الشافعي في أحد قوليه: متجزىء، حتى قال: يصير صائماً من حين نوى، لكن بشرط الإمساك في أول النهار. وحجته ما روينا عن ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما - مطلقاً، من غير فصل بين ما قبل الزوال وبعده. وأما عندنا فالصوم لا يتجزأ، فرضاً كان أو نفلاً، ويصير صائماً من أول النهار لكن بالنية الموجودة وقت الركن وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف لما نذكر، فإذا نوى بعد الزوال فقد خلا بعض الركن عن الشرط، فلا يصير صائماً شرعاً، والحديثان محمولان علی ما قبل الزوال بدلیل ما ذكرنا . وأما الكلام مع الشافعي في صوم رمضان فهو يحتجُّ بما رُوِيّ عن النبيِّ ◌َّ؛ أنه قال: ((لاَ صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَعْزِمِ الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلِ))(١)، ولأن الإمساك من أول النهار إلى آخره ركن، فلا (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٢٣، ٨٢٤): كتاب الصوم: باب النية في الصيام، حديث (٢٤٥٤)، والترمذي (١١٦/٢، ١١٧): كتاب الصوم: باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل حديث (٧٢٦)، والنسائي (٤ / ١٩٦، ١٩٧): كتاب الصيام: باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك وابن ماجة (٥٤٢/١): كتاب الصيام: باب ما جاء في فرض الصوم من الليل، والخيار في الصوم، حديث (١٧٠٠)، وأحمد (٢٨٧/٦)، والدارمي (٦/٢، ٧): كتاب الصوم: باب من لم يجمع الصيام من الليل، والطحاوي في (شرح معاني الآثار)) (٢/ ٥٤): كتاب الصيام: باب الرجل ينوي الصيام بعدما يطلع الفجر. والدار قطني (١٧٢/٢٠): كتاب الصيام: باب تبييت النية من الليل وغيره، حديث (٢، ٣، ٤)، والبيهقي (٢٠٢/٤): كتاب الصيام: باب الدخول في الصوم بالنية، والخطيب (٩٢/٣، ٩٣). من طريق عبد الله بن عمر عن حفصة أن النبي وَّير قال: من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له .. واللفظ للنسائي ولفظ أبي داود والترمذي: من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له. وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله: وهو أصح. قال الحافظ ابن حجر في ((تلخيص الحبير» (١٨٨/٢). واختلف الأئمة في رفعه ووقفه فقال ابن أبي حاتم عن أبيه لا أدري. أيهما أصح يعني رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم ورواية إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم بغير وساطة الزهري لكن الوقف أشبه وقال أبو داود: لا يصح رفعه وقال الترمذي: الموقوف أصح ونقل في ((العلل)) عن البخاري أنه قال: هو خطأ وهو حديث فيه اضطراب والصحيح عن ابن عمر موقوف، وقال النسائي الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه وقال أحمد: ما له عندي ذلك الإسناد وقال الحاكم في الأربعين صحيح على شرط الشيخين وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري، رقال البيهقي: رواته ثقات إلا أنه روي موقوفاً، وقال الخطابي اسنده عبد الله بن أبي بكر وزيادة الثقة : ٥٩٠ كِتَاب الصَّوم ١٢٠٦ بد له من النية ليصير لله تعالى، وقد انعدمت في أول/ النهار فلم يقع الإمساك في أول/ النهار الله تعالى لفقد شرطه، فكذا الباقي؛ لأن صوم الفرض لا يتجزأ؛ ولهذا لا يجوز صوم القضاء والكفارات والنذور المطلقة بنية من النهار؛ وكذا صوم رمضان. ولنا: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامَ الرَّفَثُ ... ﴾ - إلى قوله - ﴿ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخراً عنه؛ لأن كلمة (ثُمَّ) للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمراً بالصوم متراخياً عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنية؛ إذ لا صحة للصوم شرعاً بدون النية، فكان أمراً بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، وقد أتى به فقد أتى بالمأمور به، فيخرج عن العهدة، وفيه دلالة أن الإمساك في أول النهار يقع صوماً، وجدت فيه النية أو لم توجد؛ لأن إتمام الشيء يقتضي سابقية وجود بعض منه؛ ولأنه صام رمضان في وقت متعين شرعاً لصوم رمضان، لوجود ركن الصوم مع شرائطه التي ترجع إلى الأهلية والمحلية. ولا كلام في سائر الشرائط، وإنما الكلام في النية ووقتها وقت وجود الركن، وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف، والإمساك في أول النهار شرط وليس بركن؛ لأن ركن العبادة ما يكون شاقاً على البدن مخالفاً للعادة وهو النفس، وذلك هو الإمساك وقت الغداء المتعارف، فأما الإمساك في أول النهار فمعتاد، فلا يكون ركناً، بل يكون شرطاً؛ لأنه وسيلة إلى تحقيق معنى الركن، إلا أنه لا يعرف كونه وسيلة للحال؛ لجواز ألا ينوي وقت الركن، فإذا نوى ظهر كونه وسيلة من حين وجوده، والنية تشترط لصيرورة الإمساك الذي هو ركن عبادة لا لما يصير عبادة بطريق الوسيلة، على ما قررنا في الخلافيات. وأما الحديث: فهو من الآحاد؛ فلا يصلُحُ ناسخاً للكتاب، لكنَّه يصلُحُ مكملاً له، مقبولة وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة. وقال الدارقطني: كلهم ثقات. = وفي الباب عن عائشة: أخرجه الدارقطني (١٧١/٢ - ١٧٢) كتاب الصيام: باب تبييت النية من الليل والبيهقي (٢٠٣/٤) كتاب الصيام: باب الدخول في الصوم بالنية. قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٨٩/٢): وفيه عبد الله بن عباد وهو مجهول وقد ذكره ابن حبان في الضعفاء . وفي الباب أيضاً عن ميمونة بنت سعد: أخرجه الدارقطني (١٧٣/٢) كتاب الصيام: باب تبييت النية من الليل (٥) بلفظ: من أجمع الصوم من الليل فليصم ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم. وفيه محمد بن عمر الواقدي وهو متروك. ٥٩١ كِتَاب الصَّوم فيحمل على نفي الكمال؛ كقوله: ((لاَ صَلاَةَ لَجَارِ المَسْجِدِ إلَّ فِي المَسْجِدِ)) (١)، ليكون عملاً بالدليلين بقدر الإمكان. وأما صيام القضاء والنذور والكفارات: فما صامها في وقت متعين لها شرعاً؛ لأن خارج رمضان متعين للنفل موضوع له شرعاً، إلا أن يعينه لغيره، فإذا لم ينو من الليل صوماً آخر - بقي الوقت متعيناً للتطوع شرعاً، فلا يملك تغييره، فأما ههنا فالوقت متعين لصوم رمضان، وقد صامه لوجود ركن الصوم وشرائطه على ما بينا. وأما الكلام مع زفر في المسافر إذا صام رمضان بنية من النهار: فوجه قوله: إن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان حتماً، ألا ترى أن له أن يفطر، والوقت غير متعين لصوم رمضان في حقه، فإن له أن يصوم عن واجب آخر، فأشبه صوم القضاء خارج رمضان، وذا لا يتأدى بنية من النهار؛ كذا هذا. ولنا: أن الصوم واجب على المسافر في رمضان وهو العزيمة في حقه، إلا أن له أن يترخص بالإفطار، وله أن يصوم عن واجب آخر عند أبي حنيفة بطريق الرخصة والتيسير أيضاً؛ لما فيه من إسقاط الفرض عن ذمته، على ما بينا فيما تقدم، فإذا لم يفطر ولم ينو واجباً آخر - بقي صوم رمضان واجباً عليه، وقد صامه فيخرج عن العهدة كالمقيم سواء. ويتصل بهذين الفصلين وهو بيان كيفية النية، ووقت مسألة الأسير في يد العدو إذا اشتبه عليه شهر رمضان، فتحرى وصام شهراً عن رمضان، وجملة الكلام فيه: أنه إذا صام شهراً عن رمضان لا يخلو: إما إن وافق شهر رمضان، أو لم يوافق؛ بأن تقدم أو تأخر، فإن وافق جاز، وهذا لا يشكل، لأنه أدى ما عليه. وإن تقدم لم يجز؛ لأنه أدى الواجب قبل وجوبه، وقبل وجود سبب وجوبه، وإن تأخر فإن وافق شوال يجوز، لكن يراعى فيه موافقة الشهرين في عدد الأيام، وتعيين النية ووجودها من الليل. وأما موافقة العدد؛ فلأن صوم شهر آخر بعده يكون قضاء، والقضاء يكون على قدر الفائت، والشهر قد يكون ثلاثين يوماً، وقد يكون تسعة وعشرين يوماً. وأما تعيين النية ووجودها من الليل؛ فلأن صوم القضاء لا يجوز بمطلق النية ولا بنية من النهار، لما ذكرنا فيما تقدم، وهل تشترط نية القضاء. ذكر القدوري في ((شرحه مختصر الكرخي)»: أنه لا يشترط. وذكر القاضي في ((شرحه مختصر الطحاوي)»: أنه يشترط، والصحيح ما ذكره القدوري؛ لأنه نوى ما عليه من صوم رمضان وعليه القضاء؛ فكان ذلك منه تعيين نية القضاء. (١) تقدم تخريج الحديث. ٥٩٢ كِتَاب الصَّوم وبيان هذه الجملة أنه إذا وافق صومه شهر شوال، ينظر إن كان رمضان كاملاً وشوال كاملاً - قضى يوماً واحداً لأجل يوم الفطر؛ لأن صوم القضاء لا يجوز فيه، وإن كان رمضان ٢٠٦ب كاملاً وشوال ناقصاً - قضى يومين: يوماً/ لأجل يوم الفطر، ويوماً لأجل النقصان؛ لأن القضاء يكون على قدر الفائت، وإن كان رمضان ناقصاً وشوال كاملاً - لا شيء عليه؛ لأنه أكمل عدد الفائت، وإن وافق صومه هلال ذي الحجة، فإن کان رمضان كاملاً وذو الحجة كاملاً - قضى أربعة أيام: يوماً لأجل يوم النحر، وثلاثة أيام لأجل أيام التشريق؛ لأن القضاء لا يجوز في هذه الأيام، وإن كان رمضان كاملاً وذو الحجة ناقصاً قضى خمسة أيام: يوماً للنقصان، وأربعة أيام ليوم النحر وأيام التشريق؛ وإن كان رمضان ناقصاً وذو الحجة كاملاً - قضى ثلاثة أيام؛ لأن الفائت ليس إلا هذا القدر، وإن وافق صومه شهراً آخر سوى هذين الشهرين - فإن كان الشهران كاملين أو ناقصين، أو كان رمضان ناقصاً والشهر الآخر كاملاً - فلا شيء عليه. وإن كان رمضان كاملاً والشهر الآخر ناقصاً - قضى يوماً واحداً، لأن الفائت يوم واحد. ولو صام بالتحري سنين كثيرة، ثم تبين أنه صام في كل سنة قبل شهر رمضان - فهل يجوز صومه في السنة الثانية عن الأولى، وفي الثالثة عن الثانية، وفي الرابعة عن الثالثة. هكذا قال بعضهم: يجوز؛ لأنه في كل سنة من الثانية والثالثة والرابعة صام صوم رمضان الذي عليه، وليس عليه إلا القضاء، فيقع قضاء عن الأول، وقال بعضهم: لا يجوز، وعليه قضاء الرمضانات، لأنه صام في كل سنة عن رمضان قبل دخول رمضان. وفصل الفقيه أبو جعفر الهندواني - رحمه الله - في ذلك تفصيلاً، فقال: إن صام في السنة الثانية عن الواجب عليه، إلا أنه ظن أنه من رمضان - يجوز. وكذا في الثالثة والرابعة؛ لأنه صام عن الواجب عليه، والواجب عليه قضاء صوم رمضان الأول دون الثاني، ولا يكون عليه إلا قضاء رمضان الأخير خاصة؛ لأنه ما قضاه فعليه قضاؤه. وإن صام في السنة الثانية عن الثالثة، وفي السنة الثالثة عن الرابعة - لم يجز؛ وعليه قضاء الرمضانات كلها. أما عدم الجواز عن الرمضان الأول؛ فلأنه ما نوى عنه، وتعيين النية في القضاء شرط، ولا يجوز عن الثاني؛ لأنه صام قبله متقدماً عليه، وكذا الثالث والرابع. وضرب له مثلاً، وهو رجل اقتدى بالإمام على ظن أنه زيد فإذا هو عمرو - صح اقتداؤه به، ولو اقتدى بزيد فإذا هو عمرو - لم يصح اقتداؤه به؛ لأنه في الأول نوى الاقتداء بالإمام، إلا أنه ظن أن الإمام زيد فأخطأ في ظنه - فهذا لا يقدح في صحة اقتدائه بالإمام، وفي الثاني نوى الاقتداء بزيد، فإذا لم يكن زيداً تبين أنه ما اقتدى بأحد، كذلك ههنا إذا نوى في صوم كل سنة عن الواجب عليه - تعلقت نيّته بالواجب عليه، لا بالأول والثاني إلا أنه ظن أنه الثاني فأخطأ في ظنه، فيقع عن الواجب عليه لا عما ظن، والله أعلم. ٥٩٣ كِتَاب الصَّوْم وأما الشرائط التي تخص بعض الصيامات دون بعض، وهي شرائط الوجوب؛ فمنها الإسلام، فلا يجب الصوم على الكافر في حق أحكام الدنيا بلا خلاف، حتى لا يخاطب بالقضاء بعد الإسلام. وأما في حق أحكام الآخرة فكذلك عندنا، وعند الشافعي يجب. ولقب المسألة أن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا خلافاً له. وهي تعرف في ((أصول الفقه))، وعلى هذا يخرج الكافر إذا أسلم في بعض شهر رمضان أنه لا يلزمه قضاء ما مضى؛ لأن الوجوب لم يثبت فيما مضى، فلم يتصور قضاء الواجب. وهذا التخريج على قول من يشترط لوجوب القضاء سابقة وجوب الأداء من مشايخنا. وأما على قول من لا يشترط ذلك منهم؛ فإنما لا يلزمه قضاء ما مضى لمكان الحرج؛ إذ لو لزمه ذلك للزمه قضاء جميع ما مضى من الرمضانات في حال الكفر؛ لأن البعض ليس بأولى من البعض، وفيه من الحرج ما لا يخفى. وكذا إذا أسلم في يوم من رمضان قبل الزوال - لا يلزمه صوم ذلك اليوم، حتى لا يلزمه قضاؤه . وقال مالك: يلزمه، وأنه غير سديد؛ لأنه لم يكن من أهل الوجوب في أول اليوم، أو لما في وجوب القضاء من الحرج على ما بينا. ومنها: البلوغ فلا يجب صوم رمضان على الصبي، وإن كان عاقلاً حتى لا يلزمه القضاء بعد البلوغ، لقول النبي - بَّهَلـ: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَن الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَنْقِظَ)» (١) ولأن الصبي لضعف بنيته وقصور عقله واشتغاله باللهو واللعب - يشق عليه تفهم الخطاب وأداء الصوم، فأسقط الشرع عنه العبادات نظراً له، فإذا لم يجب عليه الصوم في حال الصبا لا يلزمه القضاء؛ لما بينا أنه لا يلزمه لمكان الحرج؛ لأن مدة الصبا [مدة](٢) مديدة، فكان في إيجاب القضاء عليه بعد البلوغ حرج. وكذا إذا بلغ في يوم من رمضان قبل الزوال - لا يجزئه صوم ذلك اليوم وإن نوى، وليس عليه قضاؤه؛ إذ لم يجب عليه في أول اليوم لعدم أهلية الوجوب فيه، والصوم لا يتجزأ وجوباً وجوازاً، ولما فيه من الحرج على ما ذكرنا. وروي/ عن أبي يوسف في الصبي يبلغ قبل الزوال أو أسلم الكافر - أن عليهما القضاء، ٢٠٧أ ووجهه أنهما أدركا وقت النية، فصار كأنهما أدركا من الليل، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ (١) تقدم تخريج الحديث. (٢) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٢ - م٣٨ ٥٩٤ كِتَاب الصَّوم لما ذكرنا أن الصوم لا يتجزأ وجوباً، فإذا لم يجب عليهما البعض لم يجب الباقي، أو لما في إيجاب القضاء من الحرج. وأما العقل: فهل هو من شرائط الوجوب، وكذا الإفاقة واليقظة، قال عامة مشايخنا: إنها ليست من شرائط الوجوب، ويجب صوم رمضان على المجنون والمغمى عليه والنائم، لكن أصل الوجوب لا وجوب الأداء، بناء على أن عندهم الوجوب نوعان: أحدهما: أصل الوجوب وهو اشتغال الذمة بالواجب، وأنه ثبت بالأسباب لا بالخطاب، ولا تشترط القدرة لثبوته، بل ثبت جبراً من الله تعالى، شاء العبد أو أبى. والثاني: وجوب الأداء وهو إسقاط ما في الذمة وتفريغها من الواجب، وأنه ثبت بالخطاب، وتشترط له القدرة على فهم الخطاب، وعلى أداء ما تناوله الخطاب؛ لأن الخطاب لا يتوجه إلى العاجز عن فهم الخطاب، ولا على العاجز عن فعل ما تناوله الخطاب، والمجنون لعدم عقله أو لاستتاره، والمغمى عليه والنائم لعجزهما عن استعمال عقلهما - عاجزون عن فهم الخطاب، وعن أداء ما تناوله الخطاب، فلا يثبت وجوب الأداء في حقهم، ويثبت أصل الوجوب في حقهم؛ لأنه لا يعتمد القدرة بل يثبت جبراً. وتقرير هذا الأصل معروف في أصول الفقه، وفي الخلافيات. وقال أهل التحقيق من مشايخنا بما وراء النهر: إن الوجوب في الحقيقة نوع واحد، وهو وجوب الأداء، فكل من كان من أهل الأداء كان من أهل الوجوب، ومن لا فلا، وهو اختيار أستاذي الشيخ [الإمام](١) الأجل الزاهد علاء الدين رئيس أهل السنة محمد بن أحمد السمرقندي - رضي الله عنه - لأن الوجوب المعقول هو وجوب الفعل؛ كوجوب الصوم والصلاة وسائر العبادات، فمن لم يكن من أهل أداء الفعل الواجب، وهو القادر على فهم الخطاب، والقادر على فعل ما يتناوله الخطاب لا يكون من أهل الوجوب ضرورة، والمجنون والمغمى عليه والنائم - عاجزون عن فعل الخطاب بالصوم وعن أدائه، إذ الصوم الشرعي هو الإمساك لله تعالى، ولن يكون ذلك بدون النية، وهؤلاء ليسوا من أهل النية فلم يكونوا من أهل الأداء؛ فلم يكونوا من أهل الوجوب. والذي دعا الأولين إلى القول بالوجوب في حق هؤلاء ما انعقد الإجماع عليه من وجوب القضاء على المغمى عليه والنائم بعد الإفاقة والانتباه، بعد مضي بعض الشهر أو كله، وما قد صح من مذهب أصحابنا - رحمهم الله - في المجنون إذا أفاق في بعض شهر رمضان؛ أنه (١) سقط في ط . ٥٩٥ كِتَاب الصَّوم يجب عليه قضاء ما مضى من الشهر، فقالوا: إن وجوب القضاء يستدعي فوات الواجب المؤقت عن وقته، مع القدرة عليه وانتفاء الحرج، فلا بد من الوجوب في الوقت ثم فواته، حتى يمكن إيجاب القضاء فاضطرهم ذلك إلى إثبات الوجوب في حال الجنون والإغماء والنوم. وقال الآخرون: إن وجوب القضاء لا يستدعي سابقيه الوجوب لا محالة، وإنما يستدعي فوت العبادة عن وقتها، والقدرة على القضاء من غير حرج؛ ولذلك اختلفت طرقهم في المسألة. وهذا الذي ذكرنا في المجنون إذا أفاق في بعض شهر رمضان؛ أنه يلزمه قضاء ما مضى جواب الاستحسان، والقياس ألا يلزمه، وهو قول زفر والشافعي. وأما المجنون جنوناً مستوعباً بأن جن قبل دخول شهر رمضان، وأفاق بعد مضيه - فلا قضاء عليه عند عامة العلماء، وعند مالك: يقضي. وجه القياس: أن القضاء هو تسليم مثل الواجب، ولا وجوب على المجنون؛ لأن الوجوب بالخطاب، ولا خطاب عليه لانعدام القدرتين؛ ولهذا لم يجب القضاء في الجنون المستوعب شهراً. وجه قول أصحابنا: أما من قال بالوجوب في حال الجنون - يقول: فاته الواجب عن وقته، وقدر على قضائه من غير حرج، فيلزمه قضاؤه قياساً على النائم والمغمى عليه، ودليل الوجوب لهم وجود سبب الوجوب وهو الشهر؛ إذ الصوم يضاف إليه مطلقاً، يقال: صوم الشهر، والإضافة دليل السببية وهو قادر على القضاء، من غير حرج، وفي إيجاب القضاء عند الاستيعاب حرج. وأما من أبى القول بالوجوب في حال الجنون - يقول: هذا شخص فاته صوم شهر رمضان، وقدر على قضائه من غير حرج، فيلزمه قضاؤه قياساً على النائم والمغمى عليه، ومعنى قولنا: فاته صوم شهر رمضان، أي: لم يصم شهر رمضان، وقولنا: من غير حرج؛ فلأنه لا حرج في قضاء نصف الشهر، وتأثيرها من وجهين: أحدهما: أن الصوم عبادة، والأصل في العبادات وجوبها على الدوام بشرط الإمكان وانتفاء/ الحرج؛ لما ذكرنا في الخلافيات، إلا أن الشرع عيَّن شهر رمضان من السنة في حق ٢٠٧ب القادر على الصوم؛ فبقي الوقت المطلق في حق العاجز عنه وقتاً له. والثاني: أنه لما فاته صوم شهر رمضان فقد فاته الثواب المتعلق به، فيحتاج إلى استدراكه بالصوم في عدة من أيام أخر؛ ليقوم الصوم فيها مقام الفائت، فينجبر الفوات بالقدر الممكن، ٥٩٦ كِتَاب الصَّوم فإذا قدر على قضائه من غير حرج - أمكن القول بالوجوب عليه فيجب كما في المغمى عليه والنائم، بخلاف الجنون المستوعب، فإن هناك في إيجاب القضاء حرجاً؛ لأن الجنون [المستوعب](١) قلَّما يزول، بخلاف الإغماء والنوم إذا استوعب؛ لأن استيعابه نادر، والنادر ملحق بالعدم، بخلاف الجنون؛ فإن استيعابه ليس بنادر. ويستوي الجواب في وجوب قضاء ما مضى عند أصحابنا في الجنون العارض، ما إذا أفاق في وسط الشهر أو في أوله، حتى لو جن قبل الشهر، ثم أفاق في آخر يوم منه - يلزمه قضاء جميع الشهر، ولو جن في أول يوم من رمضان فلم يفق إلا بعد مضي الشهر - يلزمه قضاء كل الشهر، إلا قضاء اليوم الذي جن فيه، إن كان نوى الصوم في الليل، وإن كان لم ينو قضى جميع الشهر، ولو جن في طرفي الشهر، وأفاق في وسطه - فعليه قضاء الطرفين. وأما المجنون الأصلي وهو الذي بلغ مجنوناً، ثم أفاق في بعض الشھر - فقد روي عن محمد: أنه فرق بينهما، فقال: لا يقضي ما مضى من الشهر. وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه سوى بينهما، وقال: يقضي ما مضى من الشهر، وهكذا روى هشام عن أبي يوسف في صبي له عشر سنين جن، فلم يزل مجنوناً حتى أتى عليه ثلاثون سنة أو أكثر، ثم صح في آخر يوم من شهر رمضان - فالقياس أنه لا يجب عليه قضاء ما مضى؛ لكن استحسن أن يقضي ما مضى في هذا الشهر. وجه قول محمد: أن زمان الإفاقة في حيز زمان ابتداء التكليف، فأشبه الصغير إذا بلغ في بعض الشهر، بخلاف الجنون العارض، فإن هناك زمان التكليف سبق الجنون، إلا أنه عجز عن الأداء بعارض، فأشبه المريض العاجز عن أداء الصوم إذا صح. وجه رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف: ما ذكرنا من الطريقين في الجنون العارض، ولو أفاق المجنون جنوناً عارضاً في نهار رمضان قبل الزوال، فنوى الصوم - أجزأه عن رمضان والجنون الأصلي على الاختلاف الذي ذكرنا، ويجوز في الإغماء والنوم بلا خلاف بين أصحابنا . وعلى هذا الطهارة من الحيض والنفاس؛ أنها شرط الوجوب عند أهل التحقيق من مشايخنا؛ إذ الصوم الشرعي لا يتحقق من الحائض والنفساء، فتعذر القول بوجوب الصوم عليهما في وقت الحيض والنفاس، إلا أنه يجب عليهما قضاء الصوم؛ لفوات صوم رمضان عليهما، ولقدرتهما على القضاء في عدة من أيام أخر من غير حرج، وليس عليهما قضاء (١) في أ: إذا استوعب. ٥٩٧ كِتَاب الصَّوم الصلوات؛ لما فيه من الحرج؛ لأن وجوبها يتكرر في كل يوم خمس مرات، ولا يلزم الحائض في السنة إلا قضاء عشرة أيام ولا حرج في ذلك. وعلى قول عامة المشايخ ليس بشرط، وأصل الوجوب ثابت في حالة الحيض والنفاس، وإنما تشترط الطهارة لأهلية الأداءِ، والأصل فيه مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ - رَضِيَ الله عَنْهَا - فَقَالَتْ: لَمْ تَقْضَ الحَائِضُ الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاَةَ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ الله عَنْهَا - للسَّائِلَةِ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ هَكَذَا كُنَّ النِّسَاءُ يَفْعَلْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - رَّ ـ(١) أشارت إلى أن ذلك ثبت تعبِّداً محضاً، والظاهر أن فتواها بلغ الصحابة، ولم ينقل أنه أنكر عليها منكر؛ فيكون إجماعاً من الصحابة - رضي الله عنهم. ولو طهرتا بعد طلوع الفجر قبل الزوال - لا يجزيهما صوم ذلك اليوم، لا عن فرض ولا عن نفل؛ لعدم وجوب الصوم عليهما، ووجوده في أول اليوم فلا يجب، ولا يوجد في الباقي لعدم التجزي، وعليهما قضاؤه مع الأيام الأخر لما ذكرنا، وإن طهرتا قبل طلوع الفجر - ينظر، إن كان الحيض عشرة أيام والنفاس أربعين يوماً - فعليهما قضاء صلاة العشاء، ويجزيهما صومهما من الغد عن رمضان إذا نوتا قبل طلوع الفجر لخروجهما عن الحيض والنفاس بمجرد انقطاع الدم، فتقع الحاجة إلى النية لا غير، وإن كان الحيض دون العشرة، والنفاس دون الأربعين - فإن بقي من الليل مقدار ما يسع للاغتسال، ومقدار ما يسع النية بعد الاغتسال ـ فكذلك. وإن بقي من الليل دون ذلك - لا يلزمهما قضاء صلاة العشاء، ولا يجزيهما صومهما من الغد، وعليهما قضاء ذلك اليوم كما لو طهرتا بعد طلوع الفجر؛ لأن مدة الاغتسال فيما دون العشرة والأربعين من الحيض بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، ولو أسلم الكافر قبل طلوع الفجر بمقدار ما يمكنه النية - فعليه صوم الغد وإلا فلا، وكذلك الصبي إذا بلغ، وكذلك المجنون جنوناً أصليًّا على/ قول محمد، لأنه بمنزلة الصبا عنده. ١٢٠٨ فصل أركان الصيام وأما ركنه: فالإمساك عن الأكل والشرب والجماع، لأن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَامِ الرَّفَتُ ... ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: حتى يتبين لكم ضوءُ النهار من ظلمة الليل من (١) تقدم تخريج الحديث. ٥٩٨ كِتَاب الصَّوم الفجر، ثم أمر بالإمساك عن هذه الأشياء في النهار بقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فدل أن ركن الصوم ما قلنا، فلا يوجد الصوم بدونه. وعلى هذا الأصل ينبني بيان ما يفسد الصوم وينقضه؛ لأن انتقاض الشيء عند فوات ركنه أمر ضروري؛ وذلك بالأكل والشرب والجماع، سواء كان صورة ومعنى، أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة، وسواء كان بغير عذر أو بعذر، وسواء كان عمداً أو خطأ، طوعاً أو كرهاً، بعد أن كان ذاكراً لصومه لا ناسياً، ولا في معنى الناسي، والقياس أن يفسد وإن كان ناسياً، وهو قولُ مالك لوجود ضد الركن، حتى قال أبو حنيفة: لولا قول الناس لقلت: يقضي، أي: لولا قول الناس أن أبا حنيفة خالف [الأثر](١) لقلت: يقضي، لكنا تركنا القياس بالنص، وهو ما روي عن أبي هريرة، عن النبيِّ - وَ ◌ّ - أنَّ قَال: ((مَنْ نَسَي وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيتمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ))(٢)، حكم ببقاء صومه، وعلل بانقطاع نسبة فعله عنه بإضافته إلى الله تعالى؛ لوقوعه من غير قصده. (١) في ط: الأمر. (٢) أخرجه البخاري (١٥٥/٤) كتاب الصوم: باب الصائم إذا أكل وشرب ناسياً حديث (١٩٣٣) ومسلم (٢/ ٨٠٩) كتاب الصيام: باب أكل الناس وشربه وجماعه لا يفطر حديث (١١٥٥/١٧١) وأبو داود (٧٨٩/٢ - ٧٩٠) كتاب الصوم: باب من أكل ناسياً حديث (٢٣٩٨) والترمذي (١١٢/٢) كتاب الصيام: باب ما جاء في الصائم يأكل ويشرب ناسياً حديث (٧١٧) والدارمي (٣٤٦/١) وأحمد (٣٩٥/٢) والدارقطني (١٧٨/٢) كتاب الصيام: باب الشهادة على رؤية الهلال (٢٧) وابن خزيمة (٢٣٨/٣) والبيهقي (٢٢٩/٤) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الدراقطني: إسناد صحيح وكلهم ثقات. وأخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٣٨٩) من طريق خلاس بن عمرو عن أبي هريرة به. وأخرجه البخاري (٥٥٨/١١) كتاب الأيمان والنذور: باب إذا حنث ناسياً في الإيمان حديث (٦٦٦٩) والترمذي (١١٢/٢) كتاب الصيام: باب ما جاء في الصائم يأكل ويشرب ناسياً حديث (٧١٨) وابن ماجة (٥٣٥/١) كتاب الصيام: باب ما جاء فيمن أفطر ناسياً حديث (١٦٧٣) وأحمد (٣٩٥/٢) والدارقطني (٢/ ١٨٠) والبيهقي (٣٢٩/٤) من طريق محمد بن سيرين وخلاس بن عمرو عن أبي هريرة. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الدارقطني: هذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن الجارود (٣٩٠) وأحمد (٤٨٩/٢) والدارقطني (١٧٩/٢) من طريق قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة. وأخرجه ابن خزيمة (٣٣٩/٣) رقم (١٩٩٠) وابن حبان (٩٠٦ - موارد) والحاكم (٤٣٠/١) والبيهقي (٤/ ٢٢٩) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. = ٥٩٩ كِتَاب الصَّوم وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا قضاء على النَّاسي؛ للأثر المروي عن النبي - وَّ -، والقياس أن يقضي ذلك، ولكن اتباع الأثر أولى إذا كان صحيحاً، وحديث صححه أبو حنيفة لا يبقى لأحد فيه مطعن، وكذا انتقده أبو يوسف؛ حيث قال: وليس حديث شاذ نجترىء على ردِّه، وكان من صيارفة الحديث، وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم - مثل مذهبنا؛ ولأن النسيان في باب الصوم مما يغلب وجوده، ولا يمكن دفعه إلا بحرج، فجعل عذراً دفعاً للحرج. وعن عطاء، والثوري؛ أنهما فرقاً بين الأكل والشرب، وبين الجماع ناسياً، فقالا: يفسد صومه في الجماع، ولا يفسد في الأكل والشرب؛ لأن القياس يقتضي الفساد في الكل؛ لفوات ركن الصوم في الكل، إلا أنا تركنا القياس بالخبر، وأنه ورد في الأكل والشرب؛ فبقي الجماع على أصل القياس. وإنا نقول: نعم، الحديث ورد في الأكل والشرب، لكنه معلول بمعنى يوجد في الكل، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيض بقوله: ((فِإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ)» قطع ومحمد بن عمرو روی له مسلم متابعة وهو حسن الحديث. = وقال البيهقي: تفرد به الأنصاري عن محمد بن عمرو وكلهم ثقات. قلت. وفي الباب عن أبي سعيد وأم إسحاق الغنوية والحسن مرسلاً. أما حديث أبي سعيد: قال المباركفوري في ((التحفة)) (٣٣٩/٣) لم أقف عليه وقد وقفنا عليه في ((مجمع الزوائد)) (١٦٠/٣) فذكره الهيثمي عنه قال: سئل رسول الله وَّل عن صائم أكل وشرب ناسياً فلم يأمره بالقضاء وقال: إنما ذلك طعام أطعمه الله . قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن عبد الله العزرمي وهو ضعيف. حديث أم إسحاق الغنوية: أخرجه أحمد (٣٦٧/٦) من طريق بشار بن عبد الملك قال: حدثتني أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها كانت عند رسول الله وي ليه فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ومعه ذو اليدين فناولها رسول اللهِ وَّ عرقاً فقال: يا أم إسحاق أصيبي من هذا فذكرت أني كنت صائمة فرددت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها فقال النبي ◌َّر: ما لك؟ قالت: كنت صائمة فنسيت. فقال ذو اليدين الآن بعدما شبعت فقال النبي بَّرَ أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك. وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٦٠/٣) وقال: رواه أحمد والطبراني في ((الكبير)) وفيه أم حكيم ولم أجد لها ترجمة . مرسل الحسن : أخرجه أحمد كما في («مجمع الزوائد» (١٦٠/٣) عنه قال: بلغني أن رسول الله وَّر قال: إذا كان أحدكم صائماً فنسي فأكل أو شرب فليتم صومه فإن الله عز وجل أطعمه وسقاه. قال الهيثمي: رواه أحمد وهو مرسل صحيح الإسناد. ٦٠٠ كِتَاب الصَّوم إضافته عن العبد؛ لوقوعه فيه من غير قصده واختياره، وهذا المعنى يوجد في الكل، والعلة إذا كانت منصوصاً عليها - كان الحكم منصوصاً عليه، ويتعمم الحكم بعموم العلة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكل. ولو أكل فقيل له: إنك صائم، وهو لا يتذكر أنه صائم، ثم علم بعد ذلك - فعليه القضاء في قول أبي يوسف. وعند زفر والحسن بن زياد: لا قضاء عليه. وجه قولهما: إنه لما تذكر أنه كان صائماً. تبين أنه أكل ناسياً؛ فلم يفسد صومه، ولأبي يوسف أنه أكل متعمداً؛ لأن عنده أنه ليس بصائم، فيبطل صومه، ولو دخل الذباب حلقه لم يفطره؛ لأنه لا يمكنه الاحتراز عنه، فأشبه الناسي، ولو أخذه فأكله فطره؛ لأنه تعمد أكله وإن لم يكن مأكولاً كما لو أكل التراب. ولو دخل الغبار أو الدخان أو الرائحة في حلقه - لم يفطره لما قلنا، وكذا لو ابتلع البلل الذي بقي بعد المضمضة في فمه مع البزاق، أو ابتلع البزاق الذي اجتمع في فمه لما ذكرنا. ولو بقي بين أسنانه شيء فابتلعه ذكر في ((الجامع الصغير)): أنه لا يفسد صومه، وإن أدخله حلقه متعمداً، روي عن أبي يوسف؛ أنه إن تعمد عليه القضاءُ ولا كفارة عليه، ووفق ابن أبي مالك فقال: إن كان مقدار الحمصة أو أكثر - يفسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة؛ كما قال أبو يوسف - رحمه الله تعالی. وقول أبي يوسف محمول عليه، وإن كان دون الحمصة لا يفسد صومه كما ذكر في ((الجامع الصغير))، والمذكور فيه محمول عليه وهو الأصح. ووجهه أن ما دون الحمصة يسير يبقى بين الأسنان عادة، فلا يمكن التحرز عنه، بمنزلة الريق، فيشبه الناسي، ولا كذلك قدر الحمصة فإن بقاءه بين الأسنان غير معتاد، فيمكن الاحتراز عنه، فلا يلحقه بالناسي وقال زفر: عليه القضاء والكفارة. وجه قوله: إنه أكل ما هو مأكول في نفسه، إلا أنه متغير؛ فأشبه اللحم المنتن. ولنا: أنه أكل ما لا يؤكل عادة، إذ لا يقصد به الغذاء ولا الدواء، فإن تثاءب فرفع رأسه إلى السماء، فوقع في حلقه قطرة مطر، أو ماء صب في ميزاب - فطره؛ لأن الاحتراز عنه ٢٠٨ب ممكن، وقد وصل الماء إلى جوفه. ولو / أكره على الأكل أو الشرب، فأكل أو شرب بنفسه مکرهاً، وهو ذاکر لصومه ـ فسد صومه بلا خلاف عندنا . وعند زفر والشافعي : لا يفسد.