النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كِتَابُ الزَّكَاةِ وروي عن أبي يوسف؛ أنه قال: عشر قدر البقل على البائع، وعشر الزيادة على المشتري، وكذلك حكم الثمار على هذا التفصيل، وكذا عدم الدين ليس بشرط لوجوب العشر؛ لأن الدين لا يمنع وجوب العشر في ظاهر الرواية، بخلاف الزكاة المعهودة، وقد مضى الفرقُ فيما تقدم. والله أعلم. فضل في شرائط المحلية وأما شرائط المحلية فأنواع: منها أن تكون الأرض عشرية، فإن كانت خراجية يجب فيها الخراج، ولا يجب في الخارج منها العشر، فالعشر مع الخراج لا يجتمعان في أرض واحدة عندنا، وقال الشافعي: يجتمعان، فيجب في الخارج من أرض الخراج العشر، حتى قال بوجوب العشر في الخارج من أرض السواد. وجه قوله: إنهما حَقَّانٍ مختلفان ذاتاً ومحلاً وسبباً فلا يتدافعان، أما اختلافهما ذاتاً فلا شك فيه، وأما المحل؛ فلأن الخراج يجب في الذمة، والعشر يجب في الخارج، وأما السبب؛ فلأن سبب وجوب الخراج الأرض النامية، وسبب وجوب العشر الخارج حتى لا يجب بدونه، والخراج يجب بدون الخارج، وإذا ثبت اختلافهما ذاتاً ومحلاً وسبباً - فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر. ولنا: ما روي عن ابن مسعود عن النبي - وَّ - أنه قال: ((لاَ يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضٍ مُسْلِم)»(١)، ولأن أحداً من أئمة العدل، وولاة الجور لم يأخذ من أرض السواد عشراً إلى يومنا هذا،َ فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع؛ فيكون باطلاً(٢)، ولأن سبب وجوبهما واحد، وهو الأرض النامية؛ فلا يجتمعان في أرض واحدة؛ كما لا يجتمع زكاتان في مال واحد، وهي زكاة السائمة والتجارة. والدليل على أن سبب وجوبهما الأرض النامية؛ أنهما يضافان إلى الأرض، يقال: خراج الأرض، وعشر الأرض (وهي خراجية بخلاف العشرية](٣)، والإضافة تدل على السببية، فثبت أن سبب الوجوب فيهما هو الأرض النامية، إلا أنه إذا لم يزرعها وعطلها - يجب الخراج؛ لأن (١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٧١٠)، والبيهقي (١٣٢/٤) والخطيب (١٦٢/١٤)، وابن الجوزي في الموضوعات (١٥١/٢). (٢) في أ: وأنه باطل. (٣) سقط في ط. ٥٠٢ كِتَابُ الزَّكَاةِ انعدام النماء كان لتقصير من قبله، فيجعل موجوداً تقديراً، حتى لو كان الفوات لا بتقصيره بأن هلك - لا يجب، [وإنما لا يجب](١) العشر بدون الخارج حقيقة؛ لأنه متعين(٢) ببعض الخارج، فلا یمکن إیجابه بدون الخارج. وعلى هذا قال أصحابنا: فيمن اشترى أرض عشر للتجارة، أو اشترى أرض خراج للتجارة أن فيها العشر أو الخراج، ولا تجب زكاة التجارة مع أحدهما، هو الرواية المشهورة عنهم . وروي عن محمد؛ أنه يجب العشر والزكاة، أو الخراج والزكاة. وجه هذه الرواية: أن زكاة التجارة تجب في الأرض، والعشر يجب في الزرع، وأنهما مالان مختلفان؛ فلم يجتمع الحقان في مال واحد. وجه ظاهر الرواية أن سبب الوجوب في الكل واحد وهو الأرض. ألا ترى أنه يضاف الكل إليها، يقال: عشر الأرض، وخراج الأرض، وزكاة الأرض، وكل واحد من ذلك حَقُّ الله تعالى، وحقوق الله تعالى المتعلقة بالأموال النامية - لا يجب فيها حقان منها بسبب مال واحد؛ كزكاة السائمة مع التجارة، وإذا ثبت أنه لا سبيل إلى اجتماع العشر والزكاة، واجتماع الخراج والزكاة - فإيجاب العشر أو الخراج أولى؛ لأنهما أعم وجوباً؛ ألا ترى أنهما لا يسقطان بعذر الصبا والجنون، والزكاة تسقط به؛ فكان إيجابهما أولى. وإذا عرف أن كون الأرض عشرية من شرائط وجوب العشر، لا بدّ من بيان الأرض العشرية . وجملة الكلام فيه أن الأراضي نوعان: عشرية، وخراجية، أما العشرية: فمنها أرض العرب كلها، قال محمد - رحمه الله - وأرض العرب من العذيب(٣) إلى مكة، وعدن (٤) أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة. (١) سقط في أ. (٢) في أ: مقدر. (٣) تصغير العذب: ماء عن يمين القادسية، لبني تميم، بينه وبين القادسية أربعة أميال، منه إلى مفازة القرون في طريق مكة. والعُذَيْب: ماء قرب الفرما من أرض مصر، في وسط الرمل. والعُذّيب: موضع بالبصرة. ينظر مراصد الاطلاع (٩٢٥/٢). (٤) بالتحريك، وآخره نون: مدينة مشهورة على ساحل بحر اليمن. ينظر مراصد الاطلاع (٢/ ٩٢٣). ٥٠٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ وذكر الكرخي: هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية، وإنما كانت/ ١١٩١ هذه أرض عشر، لأن رسول الله - وَهه ـ والخلفاء الراشدين بعده لم يأخذوا من أرض العرب خَرَاجاً، فدل أنها عشرية؛ إذ الأرض لا تخلو عن إحدى المؤنتين؛ ولأن الخراج يشبه الفيء، فلا يثبت في أرض العرب؛ كما لم يثبت في رقابهم، والله أعلم. ومنها: الأرض التي أسلم عليها أهلها طوعاً، ومنها الأرض التي فتحت عنوة وقهراً، وقسمت بين الغانمين المسلمين؛ لأن الأراضي لا تخلو عن مؤنة، إما العشر؛ وإما الخراج، والابتداء بالعشر في أرض المسلم أولى؛ لأن في العشر معنى العبادة، وفي الخراج معنى الصغار. ومنها: دار المسلم إذا اتخذها بستاناً لما قلنا، وهذا إذا كان يسقى بماء العشر، فإن كان يسقى بماء الخراج فهو خراجي. وأما ما أحياه المسلم من الأرض الميتة بإذن الإمام. فقال أبو يوسف: إن كانت من حيز أرض العشر - فهي عشرية، وإن كانت من حيز أرض الخراج - فهي خراجية . وقال محمد: إن أحياها بماء السماء، أو ببئر استنبطها، أو بماء الأنهار العظام التي لا تملك؛ مثل دجلة والفرات - فهي أرض عشر، وإن شق لها نهراً من أنهار الأعاجم؛ مثل نهر الملك، ونهر يزدجرد ۔ فهي أرض خراج. وجه قول محمد: إن الخراج لا يبتدأ بأرض المسلم، لما فيه من معنى الصغار كالفيء، إلا إذا التزمه، فإذا استنبط عيناً، أو حفر بئراً، أو أحياها بماء الأنهار العظام، فلم يلتزم الخراج - فلا يوضع عليه، وإذا أحياها بماء الأنهار المملوكة - فقد التزم الخراج؛ لأن حكم الفيء يتعلق بهذه الأنهار، فصار كأنه اشترى أرض الخراج. ولأبي يوسف: أن حيز الشيء في حكم ذلك الشيء؛ لأنه من توابعه كحريم الدار من توابع الدار، حتى يجوز الانتفاع به؛ ولهذا لا يجوز إحياء ما في حيز القرية؛ لكونه من توابع القرية، فكان حقاً لأهل القرية، وقياس قول أبي يوسف أن تكون البصرة خراجية؛ لأنها من حيز أرض الخراج، وإن أحياها المسلمون؛ إلا أنه ترك القياس بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - حيث وضعوا عليها العشر. وأما الخراجية فمنها: الأراضي التي فُتحت عنوة وقهراً، فمن الإمام عليهم، وتركها في يد أربابها، فإنه يضع على جماعتهم الجزية إذا لم يسلموا، وعلى أراضيهم الخراج، أسلموا أو لم يسلموا، وأرض السواد كلها أرض خراج، وحد السواد من العذيب إلى عقبة حلوان، ومن العلث إلى عبادان؛ لأن عمر - رضي الله عنه - لما فتح تلك البلاد، ضرب عليها الخراج بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فأنفذ عليها حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، فمسحاها ووضعا عليها الخراج. ٥٠٤ كِتَابُ الزَّكَاةِ ولأن الحاجة إلى ابتداء الإيجاب على الكافر، والابتداء بالخراج الذي فيه معنى الصغار على الكافر - أولى من العشر الذي فيه معنى العبادة، والكافر ليس بأهل لها. وكان القياس أن تكون مكة خراجية؛ لأنها فتحت عنوة وقهراً، وتركت على أهلها ولم تقسم، لكنا تركنا القياس بفعل النبي - بَّر - حيث لم يضع عليها الخراج، فصارت مكة مخصوصة بذلك تعظيماً للحرم. وكذا إذا منّ عليهم، وصالحهم من جماجمهم وأراضيهم على وظيفة معلومة من الدراهم أو الدنانير، أو نحو ذلك - فهي خراجية؛ لما روي: ((أن رسول الله - وَلّ - صَالَحَ نَصَارَى بَنِي نَجْرَانَ مِنْ جِزْيَةِ رُؤُوسِهِمْ وَخَرَاجٍ أَرَاضِيهِمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ))، وفي رواية: ((عَلَى أَلْفَيْ وَمَاتَتَيْ حُلَّةٍ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي وَقْتَيْنِ لِكُلِّ سَنَةٍ؛َ نِصْفُهَا فِي رَجَبٍ، وَنِصْفُهَا فِي المُحَرَّمِ». وكذا إذا أجلاهم ونقل إليها قوماً آخرين من أهل الذمة؛ لأنهم قاموا مقام الأولين، ومنها: أرض نصارى بني تغلب؛ لأن عمر - رضي الله عنه - صالحهم على أن يأخذ من أراضيهم العشر مضاعفاً؛ وذلك خراج في الحقيقة حتى لا يتغير بتغير حال المالك كالخراجي. ومنها الأرض الميتة التي أحياها المسلم، وهي تسقى بماء الخراج، وماء الخراج هو ماء الأنهار الصغار التي حفرتها الأعاجم؛ مثل نهر الملك، ونهر يزدجرد، وغير ذلك، مما يدخل تحت الأيدي، وماء العيون، والقنوات المستنبطة من ماء بيت المال، وماء العشر هو ماء السماء، والآبار والعيون، والأنهار العظام التي لا تدخل تحت الأيدي، كسيحون(١) وجيحون(٢)، ودجلة(٣) والفرات(٤)، ونحوها؛ إذ لا سبيل إلى إثبات اليد عليها، وإدخالها تحت الحماية . (١) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وحاء مهملة، وآخره نون: نهر مشهور بما وراء النهر، قرب خُجَنْد، بعد سَمَرْقَند يجمد في الشتاء ثلاثة أشهر حتى تجوز على جمده القوافل، في حدود بلاد الترك. ينظر مراصد الاطلاع (٢ / ٧٦٤). (٢) بالفتح، ثم السكون، وحاء، وواو ونون، وهو وادي خُراسان، وعليه مدينة اسمها جيحان، ينسب إليها مخرجه من جبل يقال له: ربوساران يتَّصِل بناحية السند والهند وكابل، ومنه عين تخرج من موضع يقال له عندمس، في أوله عدة أنهار تجتمع فيكون منها هذا النهر العظيم، ويمرُّ بعدة بلاد حتى يصل إلى خوارزم، ثم يصبّ في بحيرة تعرف ببحيرة خوارزم. ينظر مراصد الاطلاع (٣٦٥/١). (٣) النهر العظيم المشهور الذي يشقّ بغداد. قيل: هي معرّبة عن ديلة، ولها اسمان آخران وهما إربل رود وكودك دَرْيا أي البحر الصغير، مخرَجُها من عين تسمَّى عين دجلة. ينظر مراصد الاطلاع (٥١٥/٢). (٤) الفرات: بالضم ثم التخفيف، وآخره تاء مثناة من فوق، وهو النهر المعروف. ينظر مراصد الاطلاع (٣/ ١٠٢١). ٥٠٥ كِتَابُ الزَّكَاةِ وروي عن أبي يوسف: أن مياه هذه الأنهار خراجية؛ لإمكان إثبات اليد عليها، وإدخالها تحت الحماية في الجملة؛ بشد السفن بعضها على بعض، حتى تصير شبه القنطرة. ومنها: أرض الموات التي أحياها ذمي، وأرض الغنيمة التي رضخها الإمام لذمي كان يقاتل مع المسلمين، ودار الذمي التى اتخذها بستاناً أو كرماً؛ لما ذكرنا أن عند الحاجة إلى ابتداء ضرب المؤنة على أرض الكافر - الخراج أولى لما بينا. ومنها: أي: من شرائط المحلية: وجود/ الخارج، حتى إن الأرض لو لم تخرج شيئاً لم ١٩١ب يجب العشر؛ لأن الواجب جزء من الخارج، وإيجاب جزء من الخارج ولا خارج - محال. ومنها: أن يكون الخارج من الأرض مما يقصد بزراعته نماء الأرض، وتستغل الأرض به عادة، فلا عشر في الحطب والحشيش والقصب الفارسي؛ لأن هذه الأشياء لا تستنمي بها الأرض؛ ولا تستغل بها عادة؛ لأن الأرض لا تنمو بها بل تفسد، فلم تكن نماء الأرض، حتى قالوا في الأرض إذا اتخذها مقصبة، وفي شجرة الخلاف التي يقطع في كُلُ ثلاث سنين، أو أربع سنين: إنه يجب فيها العشر؛ لأن ذلك غلة وافرة. ويجب في قصب السكر، وقصب الذريرة؛ لأنه يطلب بهما نماء الأرض، فوجد شرط الوجوب فيجب، فأما كون الخارج مما له ثمرة باقية - فليس بشرط لوجوب العشر، بل يجب، سواء كان الخارج له ثمرة باقية، أو ليس له ثمرة باقية، وهي الخضراوات، كالبقول، والرطاب، والخيار، والقثاء، والبصل، والثوم، ونحوها في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: لا يجب إلا في الحبوب، وما له ثمرة باقية. واحتجا بما روي عن النبي -ٍ وَلَّهِ؛ أنه قال: ((لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ)) - وهذا نص - ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيْبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وأحق ما تتناوله هذه الآية الخضراوات؛ لأنها هي المخرجة من الأرض حقيقة . وأما الحبوب؛ فإنها غير مخرجة من الأرض حقيقة، بل من المخرج من الأرض، ولا يقال المراد من قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، أي: من الأصل الذي أخرجنا لكم؛ كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِيَ سَوْآَتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، أي: أنزلنا الأصل الذي يكون منه اللباس، وهو الماء لا عين اللباس، إذ اللباس كما هو غير منزل من السماء؛ وكقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابِ﴾ [فاطر: ١١]، أي: خلق أصلكم وهو آدم - عليه السلام، كذا هذا؛ لأنا نقول الحقيقة ما قلنا، والأصل اعتبار الحقيقة، ولا يجوز العدول عنها إلا بدليل قام دليل العدول هناك، فيجب العمل بالحقيقة فيما وراءه؛ ولأن فيما قاله أبو حنيفة عملاً بحقيقة الإضافة؛ لأن الإخراج من الأرض، والإنبات - محض صنع الله تعالى، لا صنع للعبد فيه. ٥٠٦ كِتَابُ الزَّكَاةِ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، فأما بعد الإخراج والإنبات فللعبد فيه صنع من السقي والحفظ، ونحو ذلك، فكان الحمل على النبات عملاً بحقيقة الإضافة - أولى من الحمل على الحبوب. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والحصاد: القطع، وأحق ما يحمل الحق عليه الخضراوات؛ لأنها هي التي يجب إيتاء الحق منها يوم القطع، وأما الحبوب فيتأخر الإيتاء فيها إلى وقتِ التنقية، وقول النبي - وَلَهـ: ((مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ))(١)، من غير فصل بين الحبوب والخضراوات؛ ولأن سبب الوجوب هو الأرض النامية بالخارج، والنماء بالخضر أبلغ؛ لأن ريعها أوفر، وأما الحديث فغريب، فلا يجوز تخصيص الكتاب، والخبر المشهور بمثله، أو يحمل على الزكاة، أو يحمل قوله: ((لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ))(٢)، على أنه ليس فيها صدقة تؤخذ، بل أربابها هم الذين يؤدونها بأنفسهم، فكان هذا نفي ولاية الأخذ للإمام؛ وبه نقول، والله أعلم. وكذا النصاب ليس بشرط لوجوب العشر، فيجب العشر في كثير الخارج وقليله، ولا يشترط فيه النصاب عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: لا يجب فيما دون خمسة أوسق إذا كان مما يدخل تحت الكيل؛ كالحنطة والشعير، والذرة والأرز، ونحوها، والوَسْقُ سِتُونَ صاعاً بصاع النبيِّ وََّ، والصَّاعُ ثمانيةُ أرطالٍ جملتها نصف من وهو أربعةُ أَمْنَانٍ، فَيَكُونُ جُمْلَتُهُ أَلْفاً وَمائَتَيْ مَنٌّ، وقال أبو يوسفَ: الصاع خمسة أرطال وثلث رطل، واحتجًّا في المسألة بما روي عن النبيِّ رَِّ؛ أنه قال: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ))(٣). (١) تقدم. (٢) تقدم. (٣) أخرجه البخاري (٣١٠/٣): كتاب الزكاة: باب زكاة الورق، حديث (١٤٤٧)، ومسلم (٦٧٤/٢): كتاب الزكاة، حديث (٩٧٩/٥١)، وأبو داود (٢٠٨/٢): كتاب الزكاة: باب ما تجب فيه الزكاة، حديث (١٥٥٨)، والترمذي (٦٩/٢): كتاب الزكاة: باب ما جاء في صدقة الزرع والثمر والحبوب، حديث (٦٢٢)، والنسائي (١٧/٥): كتاب الزكاة: باب زكاة الإبل، وابن ماجه (٥٧١/١): كتاب الزكاة: باب ما تجب فيه الزكاة من الأموال، حديث (١٧٩٣)، ومالك (٢٤٤/١، ٢٤٥): كتاب الزكاة: باب ما تجب فيه الزكاة، حديث (٢)، والشافعي (٢٣٢،٢٣١/١): كتاب الزكاة: الباب الثاني فيما يجب أخذه من رب المال من الزكاة وما لا ينبغي أن يؤخذ، حديث (٦٤٢،٦٣٦)، وابن أبي شيبة (١١٧/٣، ١٢٤، ١٣٧)، كتاب الزكاة: باب من قال ليس في أقل من مائتي درهم زكاة وباب من قال ليس فيما دون الخمس من الإبل صدقة، وأحمد (٦/٣)، وعبد الرزاق (٧٢٥٢، ٧٢٥٣، ٧٢٥٤، ٧٢٥٥)، وابن الجارود (ص ١٢٤، ١٢٥): كتاب الزكاة، حديث (٣٤٠)، والدارقطني (٩٣/٢): كتاب الزكاة: باب وجوب زكاة الذهب والورق والماشية والثمار والحبوب، حديث (٥)، والبيهقي (٨٤/٤): كتاب الزكاة: باب العدد الذي إذا بلغته الإبل كانت فيها صدقة . = ٥٠٧ كِتَابُ الرَّكَاةِ ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله عز وجل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقول النبي - وَلَّلــ: ((مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ))، من غير فصل بين القليل والكثير؛ [ولأن سبب الوجوب وهي الأرض النامية بالخارج - لا يوجب التفصيل بين القليل والكثير](١). وأما الحديث: فالجواب عن التعلق به من وجهين : أحدهما: أنه من الآحاد، فلا يقبل في معارضة الكتاب والخبر المشهور. فإن قيل: ما تلوتم من الكتاب، ورويتم من السنة - يقتضيان (٢) الوجوب من غير التعرض والحميدي (٣٢٢/٢) رقم (٧٣٥) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٤/٢-٣٥): وأبو يعلى (٢/ = ٢٦٨) رقم (٩٧٩). وابن حبان (٣٢٦٥ - الإحسان) وأبو عبيد القاسم بن سلام في ((الأموال)) (ص - ٤٣٠) رقم (١٤٢١) والطبراني في الصغير (٢٣٥/١)، من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ◌َلير: ((ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس زود من الإبل صدقة ولیس فیما دون خمس أوسق من التمر صدقه)). حديث جابر: وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وابن عمر. أخرجه مسلم (٦٧٥/٢) كتاب الزكاة حديث (٩٨٠/٦) وأحمد (٢٩٦/٣) وابن ماجه (٥٧٢/١) كتاب الزكاة: باب ما تجب فيه الزكاة من الأموال رقم (١٧٩٤) وابن خزيمة (٢٣٠٤، ٢٣٠٥) وعبد بن حميد (ص - ٣٣٢) رقم (١٠١٣) والبيهقي (١٢١/٤) بمثل حديث أبي سعيد. حديث أبي هريرة: أخرجه أحمد (٤٠٢/٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٥/٢) كتاب الزكاة: باب زكاة ما يخرج من الأرض. حديث ابن عمر: أخرجه أحمد (٩٢/٢)، والبزار (٤٢٠/١ - كشف)، رقم (٨٨٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٣٥)، والبيهقي (١٢١/٤)، من طريق ليث بن أبي سليم، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ◌َّو قال: ((ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة)». وذكره الهيثمي (٧٣/٣)، وقال: رواه أحمد والبزار، والطبراني في الأوسط، وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة لكنه مدلس ا. هـ. وقد تابعه عبد الرحمن بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ◌ّ قال: ليس فيما دون خمسة أوساق، ولا خمس أواق صدقة، أخرجه البزار (٨٨٧ - كشف). وقال الهيثمي في المجمع (٧٢/٣)، وفي إسناده ضعف. (١) سقط في أ. (٢) في أ: فيتقضي. ٥٠٨ كِتَابُ الزَّكَاةِ لمقدار الموجب منه، وما روينا يقتضي المقدار، فكان بياناً لمقدار ما يجب فيه العشر، والبيان بخبر الواحد جائز؛ كبيان المجمل، والمتشابه. ١١٩٣ فالجواب أنه لا يمكن حمله على البيان؛ لأن ما تمكنا به عامٌّ/ يتناول ما يدخل تحت الوسق وما لا يدخل، وما رويتم من خبر المقدار خاص فيما يدخل تحت الوسق؛ فلا يصلح بياناً للقدر الذي يجب فيه العشر؛ لأن من شأن البيان أن يكون شاملاً لجميع ما يقتضي البيان، وهذا ليس كذلك على ما بينا، فعلم(١) أنه لم يرد مورد البيان. والثاني: أن المراد من الصدقة الزكاة؛ لأن مطلق اسم الصدقة لا ينصرف إلا إلى الزكاة المعهودة، ونحن به نقول: إن ما دون خمسة أوسق من طعام أو تمر للتجارة - لا يجب فيه الزكاة، ما لم يبلغ قيمتها مائتي درهم، أو يحتمل الزكاة، فيحمل عليها عملاً بالدلائل بقدر الإمكان . ثم نذكر فروع مذهب أبي يوسف ومحمد في فصلي الخلاف، وما فيه من الخلاف بينهما في ذلك والوفاق، فنقول: عندهما يجب العُشْرُ في العنب؛ لأن المجفف منه يبقى من سنة إلى سنة؛ وهو الزَّبِيبُ؛ فيخرص العنب جافاً فإن بلغ مقدار ما يجيء منه الزبيب خمسة أوسق - يجب في عنبه العشر، أو نصف العشر، وإلا فلا شيء فيه. وروي عن محمد: أن العنب إذا كان رقيقاً يصلح للماء، ولا يجيء منه الزبيب - فلا شيء فيه، وإن كثر؛ لأن الوجوب فيه باعتبار حال الجفاف، وكذا قال أبو يوسف في سائر الثمار: إذا كان يجيء منها ما يبقى من سنة إلى سنة بالتجفيف؛ أنه يخرص ذلك جافاً، فإن بلغ نصاباً وجب، وإلا فلا؛ كالتِّينِ، والإجّاص، والكمثري، والخوخ؛ ونحو ذلك؛ لأنها إذا جففت تبقى من سنة إلى سنة؛ فكانت كالزبيب. وقال محمد: لا عشر في التين، والإجاص، والكمثري، والخوخ، والتفاح، والمشمش، والنبق، والتوت، والموز، والخروب؛ لأنها وإن كان ينتفع بها بعضها بالتجفيف، وبعضها بالتشقيق والتجفيف - فالانتفاع بها بهذا الطريق ليس بغالب، ولا يفعل ذلك عادة، ويجب العشر في الجوز واللوز والفستق؛ لأنها تبقى من السنة إلى السنة(٢)، ويغلب الانتفاع بالجاف منها؛ فأشبهت الزبيب. وروي عن محمد: أن في البصل العشر؛ لأنه يبقى من سنة إلى سنة، ويدخل في الكيل، ولا عشر في الآس والورد والوسمة؛ لأنها من الرياحين، ولا يعم الانتفاع بها . (١) في أ: فعلمنا. (٢) في أ: من سنة إلى سنة. ٥٠٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ وأما الحناء: فقال أبو يوسف: فيه العشر. وقال محمد: لا عشر فيه؛ لأنه من الرياحين فأشبه الآس والورد، ولأبي يوسف أنه يدخل تحت الكيل، وينتفع به منفعة عامة بخلاف الآس والعصفر والكتان، إذا بلغ القرطم والحب خمسة أوسق ـ وجب فيه العشر؛ لأن المقصود من زراعتها الحب، والحب يدخل تحت الوسق؛ فيعتبر فيه الأوسق، فإذا بلغ ذلك يجب العشر، ويجب في العصفر والكتان أيضاً على طريق التبع، وقالا في بزر القُنَّبِ: إذا بلغ خمسة أوسق ففيه العشر؛ لأنه يبقى ويقصد بالزراعة، والانتفاع به عامٌّ، ولا شيء في القنب؛ لأنه لحاء الشجر (١) فأشبه لحاء سائر الأشجار، ولا عشر فيه فكذا فيه، وقالا في حب الصنوبر: إذا بلغ الأوسق ففيه العشر؛ لأنه يقبل الادخار، ولا شيء في خشبة؛ كما لا شيء في خشب سائر الشجر. ويجب في الكراويا والكزبرة والكمون والخردل لما قلنا، ولا يجب في السَّعْتَر(٢) والشونيز والحلبة؛ لأنها من جملة الأدوية، فلا يعم الانتفاع بها، وقصب السكر إذا كان مما يتخذ منه السكر، فإذا بلغ ما يخرج منه خمس أفراق (٣) - وجب فيه العشر، كذا قال محمد؛ لأنه يبقى وينتفع به انتفاعاً عاماً، ولا شيء في البلوط؛ لأنه لا تعم المنفعة به، ولا عشر في بزر البطيخ والقثاء والخيار والرطبة، وكل بزر لا يصلح إلا للزراعة بلا خلاف بينهما؛ لأنه لا يقصد بزراعتها نفسها، بل ما يتولد منها، وذا لا عشر الشعير فيه عندهما. ومما يتفرع على أصلهما ما إذا أخرجت الأرض أجناساً مختلفة؛ كالحنطة والشعير والعدس، كل صنف منها لا يبلغ النصاب، وهو خمسة أوسق؛ أنه يعطي كل صنف حكم نفسه، أو يضم البعض إلى البعض في تكميل النصاب، وهو خمسة أوسق، روى محمد عن أبي يوسف؛ أنه لا يضم البعض إلى البعض، بل يعتبرُ كل جنس بانفراده، ولم يرو عنه ما إذا أخرجت نوعين من جنس. وروى الحسن بن زياد، وابن أبي مالك عنه: أن كل نوعين لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً؛ كالحنطة البيضاء والحمراء ونحو ذلك، يضم أحدهما إلى الآخر، سواء خرجا من أرض واحدة، أو أراض مختلفة، ويكمل به النصاب، وإن كانا مما يجوز بيع أحدهما بالآخر (١) في أ: الشجرة. (٢) في أ: الشعير. والسَّعْتَر: قال الجوهري: السَّعْتَر نَبْتْ، وبعضهم يكتبه بالصاد، وفي كتب الطّب لئلا يلتبس بالشَّعير. أفاده في ((اللسان)) ٢٠١١/٣ وعليه فما في (أ) غيره. (٣) في أ: أواق، والفَزْق: إناء يأخذ ستة عشر مداً، وذلك ثلاثة أصوع قال ابن الأثير: الفرق بالتحريك، ميكال يسع ستة عشر رطلاً وهي اثنا عشر مداً وثلاثة آصع عند أهل الحجاز. ينظر اللسان ٣٤٠١/٥ (فرق). ٥١٠ كِتَابُ الزَّكَاةِ متفاضلاً؛ كالحنطة والشعير - لا يضم، وإن خرجا من أرض واحدة، وتعين(١) كل صنف منهما بانفراده، ما لم يبلغ خمسة أوسق - لا شيء فيه، وهو قول محمد. وروى ابن سماعة عنه أن الغلتين إن كانتا تدركان في وقت واحد - تضم إحداهما إلى الأخرى، وإن اختلفت أجناسهما؛ وإن كانتا لا تدركان في وقت واحد - لا تضم. ١٩٣ب وجه رواية اعتبار الإدراك أن الحق يجب في المنفعة، وإن/ كانتا تدركان في مكان(٢) واحد - كانت منفعتهما واحدة؛ فلا يعتبر فيه اختلاف جنس الخارج؛ كعروض التجارة في باب الزكاة، وإذا كان إدراكهما فى أوقات مختلفة - فقد اختلفت منفعتهما؛ فكانا كالأجناس المختلفة . وجه رواية اعتبار التفاضل، وهو قول محمد: أنه لا عبرة لاختلاف النوع فيما لا يجوز فيه التفاضل، إذا كان الجنس متحداً كالدراهم السود والبيض في باب الزكاة؛ أنه يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب. وإن كان النوع مختلفاً: فأما فيما لا يجري فيه التفاضل - فاختلاف الجنس معتبر في المنع من الضم كالإبل مع البقر في باب الزكاة، وهو رواية محمد عن أبي يوسف. وقال أبو يوسف: إذا كان لرجل أَرَاضٍ مختلفة في رساتيق مختلفة، والعامل واحد - ضم الخارج من بعضها إلى بعض، وكمل الأوسق به، وإن اختلف العامل لم يكن لأحد العاملين مطالبة، حتى يبلغ ما خرج من الأرض التي في عمله خمسة أوسق، وقال محمد: إذا اتفق(٣) المالك، ضم الخارج بعضه إلى بعض، وإن اختلفت الأرضون والعمال؛ وهذا لا يحقق الخلاف؛ لأن كل واحد منهما أجاب في غير ما أجاب به (٤) الآخر؛ لأن جواب أبي يوسف في سقوط المطالبة عن المالك، ولم يتعرض لوجوب الحق على المالك فيما بينه وبين الله تعالى، وهو فيما بينه وبين الله تعالى مخاطبٌ بالأداء؛ لاجتماع النصاب في ملكه، وأنه سقطت المطالبة عنه، وجواب محمد في وجوب الحق، ولم يتعرض لمطالبة العامل، فلم يتحقق الخلاف بينهما . ومما يتفرع على قولهما الأرض المشتركة إذا أخرجت خمسة أوسق؛ أنه لا عشر فيها حتى تبلغ حصةُ كل واحد منهما خمسةً أوسق، وروى الحسن عن أبي يوسف: أن فيها العشر. (١) في أ: يعتبر. (٢) في أ: وقت. (٣) في أ: أنفق . (٤) في أ: أجابه. ٥١١ كِتَابُ الزَّكَاةِ وجه هذه الرواية: أن المالك ليس بشرط لوجوب العشر؛ بدليل أنه يجب في الأرض الموقوفة، وأرض المكاتب، وأرض المأذون، وإنما الشرط كمال النصاب وهو خمسة أوسق؛ وقد وجد، والصحيح هو الأول؛ لأن النصاب عندهما شرط الوجوب؛ فيعتبر كماله في حَقٌ كل واحد منهما؛ كما في مال الزكاة على ما بينًّا. هذا الذي ذكرنا من اعتبار الأوسق عندهما فيما يدخل تحت الكيل، وأما ما لا يدخل تحت الكيل؛ كالقطن، والزعفران - فقد اختلفا فيما بينهما. قال أبو يوسف: يعتبر فيه القيمة، وهو أن يبلغ قيمة الخارج قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوسق من الحبوب، وقال محمد: يعتبر خمسة أمثال [من] (١) أعلى ما يقدر به ذلك الشيء، فالقطن يعتبر بالأحمال، فإذا بلغ خمسة أحمال يجب، وإلا فلا، ويعتبر كل حمل ثلاثمائة منّ، فتكون جملته ألفاً وخمسمائة مناً. والزعفران يعتبر بالأمنان، فإذا بلغ خمسة أمنان يجب، وإلا فلا، وكذلك في السكر: يعتبر خمسة أمنان. وجه قول محمد: إن التقدير بالوسق في الموسوقات؛ لكون الوسق أقصى ما يقدر به في بابه، وأقصى ما يقدر به في غير الموسوق ما ذكرنا، فوجب التقدير به، ولأبي يوسف: أن الأصل هو اعتبار الوسق؛ لأن النص ورد به، غير أنه إن أمكن اعتباره صورة ومعنى - يعتبر، وإن لم يمكن يجب اعتباره معنى، وهو قيمة الموسوق. وأما العسل: فقد ذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي)) عن أبي يوسف؛ أنه اعتبر فيه قيمة خمسة أوسق، فإن بلغ ذلك يجب فيه العشر، وإلا فلا؛ بناء على أصله من اعتبار قيمة الأوسق فيما لا يدخل تحت الكيل، وما روي عنه؛ أنه يعتبر فيه خمسة أوسق، فإنما أراد به قدر خمسة أوسق؛ لأن العسل لا يكال. وروي عنه أنه قدر ذلك بعشرة أرطال، وروي؛ أنه اعتبر خمس قرب، كل قربة خمسون مناً، فيكون جملته مائتين وخمسين منّاً، ومحمد اعتبر فيه خمسة أفراق، كل فرق ستة وثلاثون رطلاً، فيكون ثمانية عشر مناً، فتكون جملته تسعين مناً؛ بناء على أصله من اعتبار خمسة أمثال من أعلى ما يقدر به كل شيء. وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))؛ أن أبا يوسف [اعتبر](٢) في نصاب العسل عشرة أرطال، ومحمد اعتبر خمسة أفراق في رواية، وخمس قرب في رواية، وخمسة أمنان في روایة . (١) سقط في ط. (٢) سقط في ط. ٥١٢ كِتَابُ الزَّكَاةِ ثم وجوب العشر في العسل مذهب أصحابنا - رحمهم الله، وقال الشافعي: لا عُشْرَ فيه، وزعم أن ما روي في وجوب العشر في العسل - لم يثبت. وجه قوله: إن سبب الوجوب وهو الأرض النامية بالخارج - لم يوجد؛ لأنه ليس من نماء الأرض، بل هو متولد من حيوان، فلم تكن الأرض نامية بها، ونحن نقول: إن لم يثبت عندك وجوب العشر في العسل - فقد ثبت عندنا؛ ألا ترى إلَى مَا رُوِيَ أَنَّ أبا سَيَّارَةَ(١) جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - وََّ - فَقَالَ: إِنَّ لِي نَحْلاً، فَقَّالَ النَّبِيُّ - وَ -: ((أَدّ عُشْرَهَا))(٢)، فقال أبو سَيَّارَة: أَخْمِهَا لي/ يَا رَسُولَ الله، فَحَمَاهَا لَهُ. ١١٩٤ وَرَوَى عمرو بن شُعَيْبٍ عنِ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ بَطْنَاً مِنْ فِهْرٍ كَانُوا يؤدُّونَ إِلَى رَسُولِ الله - وَّهَ ـ مِنْ نَحْلِ لَهُمُ العُشْرَ مِنْ كُلِّ عِشْرِ قِرَبِ قِرْبَةٌ، وَكَانَ يَحْمِي لَهُمْ وَادِيَيْنٍ، فلما كان عمر - رضي الله عنه - استعْمَلَ عَلَى مَا هُنَاكُ سُفْيَّانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيّ، فَأَبُوا أَنَّ يُؤَدّوا إِلَيْهِ شَيْئاً، وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانَ شَيْئاً نُؤَدِّيهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَرَ - فَكَتَبَ ذَلِكَ سُفْيَانُ إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ الله عَنْهُ - فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ الله عَنْهُ - إِنَّمَا النَّخْلُ ذُبَابُ غَيْثٍ (٣) يَسُوقُهُ الله تَعَالَى رِزْقاً إِلَى مَنْ يَشَاءُ، فَإِنْ أَدَّوْا إِلَيْكَ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهَِّ فَاخْمٍ لَهُ (٤) وادِيَهُمْ وَإِلاَّ فَخَلْ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا؛ فَأَدُوا إِلَيْهِ. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبيَّ - وَ -: ((كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ العَسَلِ العُشْرُ))(٥)، وعن عمر - رضي الله عنه؛ أنه كان يأخذ من العسل العشر، من كُلُ عشر قرب قربة، وكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما؛ أنه كان يفعل ذلك حين كان والياً بالبصرة. (١) أبو سيارة المتعي. القيسي، وقيل اسمه: عمر، وقيل: عمير بن الأعلم قال ابن حجر في الاصابة: ذكره ابن السكن وغيره في الصحابة، وأخرج حديثه أحمد والبغوي وابن ماجه وغيرهم من طريق سليمان بن موسى عن أبي سيارة المتعي قال: أتيت النبي وَّ بعشور نخل لي .. الحديث. وسليمان لم يدرك أحد من الصحابة فهذا منقطع. ينظر ترجمته في: أسد الغابة (١٦١/٦)، الإصابة (٩٤/٧)، تجريد أسماء الصحابة (١٧٦/٢)، الاستيعاب (١٦٨٦/٢)، تقريب التهذيب (٤٣٣/٢)، تهذيب التهذيب (١٢٥/٢٢)، الجرح والتعديل (٣٨٦/٩). (٢) أخرجه ابن ماجه (٥٨٤/١) كتاب: الزكاة، باب: زكاة العسل، حديث (١٨٢٣)، وأحمد (٢٣٦/٤). (٣) في أ: غيب. (٤) في أ: لهم. (٥) له شاهد من حديث ابن عمر بلفظ: ((في كل عشرة أزق رزق)). أخرجه الترمذي (٧١/٢): كتاب الزكاة: باب ما جاء في زكاة العسل، حديث (٦٢٩). وقال: في إسناده مقال، وابن عدي (١٣٩٣/٤)، والبيهقي (١٢٦/٤): كتاب الزكاة: باب ما ورد في العسل، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٧٠)، والطبراني في الأوسط. كما في المجمع (٨٠/٣)، كلهم من حديث = ٥١٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ وأما قوله: ليس من نماء الأرض؛ فنقول: هو مُلْحَقٌ بنمائها؛ لاعتبار الناس إعداد الأرض لها، ولأنه يتولد من نوار (١) الشجر؛ فكان كالثمر. ثم إنما يجب العشر في العسل إذا كان في أرض العشر؛ فأما إذا كان في أرض الخراج فلا شيء فيه؛ لما ذكرنا أن وجوب العشر فيه؛ لكونه بمنزلة الثمر؛ لتولده من أزهار الشجر، ولا شيء في ثمار أرض الخراج؛ ولأن أرض الخراج يجب فيها الخراج، فلو وجب العشر في العسل - لاجتمع العشر والخراج في أرض واحدة؛ ولا يجتمعان عندنا. ويجب العشر في قليله وكثيره في قول أبي حنيفة؛ لأنه ملحق بالثمار (٢) أو (٣) يجري مجرى الثمار، والنصاب ليس بشرط في ذلك عنده، وعندهما: شرط، وقد ذكرنا اختلاف الرواية عنهما في ذلك. وما يوجد في الجبال من العسل والفواكه: فقد روى محمد عن أبي حنيفة؛ أن فيه العشر، وروى أصحاب ((الإملاء)) عن أبي يوسف؛ أنه لا شيء فيه. وجه قول أبي يوسف: إن هذا مباح غير مملوك، فلا يجب فيه العشر؛ كالحطب، والحشيش، ولأبي حنيفة عمومات [آي] (٤) العشر، إلا أن ملك الخارج شرط، ولما أخذه فقد ملكه؛ فصار كما لو كان في أرضه. صدقة بن عبد الله السمين، عن موسى بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّر به، زاد = الطبراني: وليس فيما دون ذلك شيء. وقال الترمذي: وفي إسناده مقال: وقال في العلل (ص - ١٠٢) رقم (١٧٥) سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هو عن نافع عن النبي ◌ّل مرسل وليس في زكاة العسل شيء يصح. وقال البيهقي (١٢٦/٤): تفرد به هكذا صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف قد ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما . وقال النسائي: هذا حديث منكر كما في ((التلخيص)) (٢/ ١٦٧). وقال ابن حبان: صدقة بن عبد الله كان ممن يروي الموضوعات عن الإثبات لا يشتغل بروايته إلا عند التعجب ثم ذكر له هذا الحديث. والحديث ذكره الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (٣/ ٨٠). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وقد رواه الترمذي باختصار وفيه صدقة بن عبد الله وفيه كلام كثير. (١) نوار الشجر أي: زهره، ينظر: المعجم الوسيط (٢/ ٩٧١). (٢) في ط: بالنماء. (٣) في ط : و. (٤) سقط في ط. بدائع الصنائع ج٢ - م٣٣ ٥١٤ كِتَابُ الزَّكَاةِ والحول ليس شرط لوجوب العشر، حتى لو أخرجت الأرض في السنة مراراً - يجب العشر في كل مرة؛ لأن نصوص العشر مطلقة عن شرط الحول؛ ولأن العشر في الخارج حقيقة فيتكرر الوجوب بتكرر الخارج، وكذلك خراج المقاسمة؛ لأنه في الخارج، فأما خراج الوظيفة فلا يجب في السنة إلا مرة واحدة؛ لأن ذلك ليس في الخارج، بل في الذمة، عرف ذلك بتوظيف عمر - رضي الله عنه - وما وظف في السنة إلا مرة واحدة. فضل في مقدار الواجب وأما بيان مقدار(١) الواجب: فالكلام في هذا الفصل في موضعين: أحدهما: في بيان قدر الواجب من العشر. والثاني: في بيان قدر الواجب من الخراج. أما الأول: فما سقي بماء السماء، أو سقي سَيْحاً: ففيه عشر كامل، وما سُقِيَ بغرب، أو دالية، أو سانية - ففيه نصف العشر؛ والأصل فيه ما رُوِيَ عن رسول الله - وَله - أنه قال: ((مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَرْبٍ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ))(٢) . وعن أنس - رضي الله عنه - عَن رَسُولِ اللهِ - رََّ - أنه قَالَ: ((فِيمَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ أَوِ العَيْنُ أَوْ كَانَ بَعْلاً: العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالرِّشَاءِ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ))(٣)؛ ولأن العشر وجب مؤنة الأرض، فيختلف الواجب بقلة المؤنة وكثرتها. ولو سقي الزرع في بعض السنة سيحاً، وفي بعضها بآلة - يعتبر في ذلك الغالب؛ لأن للأكثر حكم الكل؛ كما في السوم في باب الزكاة على ما مر، ولا يحتسب لصاحب الأرض ما أنفق على الغلة من سقي، أو عمارة، أو أجر الحافظ، أو أجر العمال، أو نفقة البقر، لقوله - وَّم -: ((مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ فَفِيهِ العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِغَرْبِ أَوْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةِ - فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ))، أوجب العشر ونصف العشر مطلعاً عن احتساب هذه المؤن؛ ولأن النبي - بَلَّ - أوجب الحق على التفاوت؛ لتفاوت المؤن، ولو رفعت المؤن لارتفع التفاوت. وأما الثاني: وهو بيان قدر الواجب من الخراج، فالخراج نوعان: خراج وظيفة، وخراج (١) في أ: قدر. (٢) تقدم. (٣) تقدم. ٥١٥ كِتَابُ الزَّكَاةِ مقاسمة، أما خراج الوظيفة فما وظفه عمر - رضي الله عنه - ففي كل جريب أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يزرع فيها ودرهم، القفيز صاع، والدرهم وزن سبعة، والجريب أرض طولها ستون ذراعاً، وعرضها ستون ذراعاً بذراع كسرى، يزيد على ذراع العامة بقصبة، وفي جريب الرطبة خمسة دراهم، وفي جريب الكرم عشرة دراهم، هكذا وظفه عمر بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد؛ ومثله يكون إجماعاً . وأما جريب/ الأرض التي فيها أشجار مثمرة بحيث لا يمكن زراعتها - لم يذكر في ظاهر ١٩٤ب الرواية، وروي عن أبي يوسف؛ أنه قال إذا كانت النخيل ملتفة جعلت عليها الخراج بقدر ما تطيق، ولا أزيد على جريب الكرم عشرة دراهم، وفي جريب الأرض التي يتخذ فيها الزعفران قدر ما تطيق، فينظر إلى غلتها؛ فإن كانت تبلغ غلة الأرض المزروعة يؤخذ منها قدر خراج الأرض المزروعة، وإن كانت تبلغ غلة الرطبة يؤخذ منها قدر خراج أرض الرطبة؛ هكذا لأن مبنى الخراج على الطاقة . ألا ترى أن حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف(١) - رضي الله عنهما - لما مسحا سواد العراق بأمر عمر - رضي الله عنه - ووضعا على كُلِّ جريب يصلح [للزراعة قفيزاً ودرهماً، وعلى كل جريب يصلح للرطبة خمسة دراهم، وعلى كل جريب] (٢) يصلح للكرم عشرة دراهم، فقال لهما عمر - رضي الله عنه: لعلكما حملتما [الأرض] (٣) ما لا تطيق، فقالا: بل حَملناها (٤) ما تطيق، ولو زدنا لأطاقت(٥). فدل الحديثُ على أن مبنى الخراج على الطاقة، فيقدر بها فيما وراء الأشياء الثلاثة المذكورة في الخبر، فيوضع على أرض الزعفران، والبستان في أرض الخراج بقدر ما تطيق، (١) عثمان بن حنيف بن وهب الأنصاري الأوسي، أبو عمرو والد، من الصحابة. شهد أحداً وما بعدها. وولاء عمر السواد، ثم ولاه على البصرة. ولما نشبت فتنة الجمل (بين عائشة وعلي) دعاه أنصار عائشة إلى الخروج على معهم عليّ، فامتنع، فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه، واستأذنوا به عائشة فأمرتهم بإطلاقه، فلحق بعلي. وحضر معه الوقعة ثم سكن الكوفة، وتوفي في خلافة معاوية. انظر: الاعلام (٤/ ٢٠٥)، الإصابة ت ٥٤٣٧، وتهذيب التهذيب (١١٢/٧). (٢) سقط في أ. (٣) سقط في ط. (٤) في ط: حملنا. (٥) في أ: لطاقت. ٥١٦ كِتَابُ الزَّكَاةِ وقالوا: نهاية الطاقة قدر نصف الخارج لا يزاد عليه، وقالوا - فيمن له أرض زعفران، فزرع مكانه الحبوب من غير عذر: إنه يؤخذ منه خراج الزعفران؛ لأنه قصر، حيث لم يزرع الزعفران مع القدرة عليه، فصار كأنه عطل الأرض، فلم يزرع فيها [شيئاً](١)، ولو فعل ذلك يؤخذ منه خراج الزعفران؛ كذا هذا. وكذا إذا قطع كرمه من غير عذر، وزرع فيه الحبوب؛ أنه يؤخذ منه خراج الكرم لما قلنا، وإن أخرجت أرض الخراج قدر الخراج لا غير - يؤخذ نصف الخراج، وإن أخرجت مثلي الخراج فصاعداً - يؤخذ جميع الخراج الموظف عليها، وإن كانت لا تطيق لدر خراجها الموضوع [عليها] (٢) ينقض، ويؤخذ منها قدر ما تطيق بلا خلاف، واختلف فيما إذا كانت تطيق أكثر من الموضوع، أنه هل تزاد أم لا؟ قال أبو يوسف: لا تزاد، وقال محمد: تزاد. وجه قول محمد: إن مبنى الخراج على الطاقة على ما بينا، فتجوز الزيادة على القدر الموظف إذا كانت تطيقه، ولأبي يوسف أن معنى الطاقة إنما يعتبر فيها وراء المنصوص والمجمع عليه، والقدر الموضوع من الخراج الموظف - منصوص ومجمع عليه على ما بينا، فلا تجوز الزيادة عليه بالقياس. وأما خراج المقاسمة، فهو أن يفتح الإمام بلدة فيمنُّ على أهلها، ويجعل على أراضيهم خراج مقاسمة، وهو: أن يؤخذ منهم نصف الخارج أو ثلثه أو ربعه، وأنه جائز؛ لما روي أن رسول الله - بَ﴿ - هَكَذَا فَعَلَ لَمَّا فَتَحَ خَيْبَرَ، ويكون حكم هذا الخراج حكم العشر، ويكون ذلك في الخارج كالعشر، إلا أنه يوضع موضع الخراج؛ لأنه خراج في الحقيقة، والله أعلم. فضل في بيان صفة الواجب وأما صفة الواجب: فالواجب جزء من الخارج؛ لأنه عشر الخارج، أو نصف عشره وذلك جزؤه، إلا أنه واجب من حيث إنه مال، لا من حيث إنه جزء عندنا، حتى يجوز أداء قیمته عندنا . وعند الشافعي: الواجب عين الجزء، ولا يجوز غيره، وهي مسألة دفع القيم، وقد مرت فيما تقدم. (١) سقط في أ. (٢) في أ: فيها. ٥١٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ فصل في وقت الوجوب وأما وقت الوجوب فوقته وقت (١) خروج الزرع، وظهور الثمر عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف وقت الإدراك. وعند محمد: وقت التنقية والجذاذ؛ فإنه قال: إذا كان الثمر قد حصد في الحظيرة، وذرى البر(٢)، وكان خمسة أوسق، ثم ذهب بعضه - كان في الذي بقي منه العشر، فهذا يدل على أن وقت الوجوب عنده هو وقت التصفية في الزرع، ووقت الجذاذ في الثمر، هو يقول: تلك الحال هي حال تناهي عظم الحب والثمر، واستحكامها؛ فكانت هي حال الوجوب، وأبو يوسف يحتج بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ويوم حصاده هو: يوم إدراكه؛ فكان هو وقت الوجوب. ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أمر الله تعالى بالإنفاق مما أخرجه من الأرض، فدلَّ أن الوجوب متعلِّق بالخروج، ولأنه كما خرج حصل مشتركاً كالمال المشترك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، جعل الخارج للكل؛ فيدخل فيه الأغنياء والفقراء. وإذا عرفت وقت الوجوب على اختلافهم فيه، ففائدة هذا الاختلاف على قول أبي حنيفة لا تظهر إلا في الاستهلاك، فما كان منه بعد الوجوب يضمن عشره، وما كان قبل الوجوب: لا یضمن. وأما عند أبي يوسف ومحمد: فتظهر ثمرة الاختلاف في الاستهلاك، وفي(٣) الهلاك أيضاً في حَقِّ تكميل النصاب بالهالك، فما هلك بعد الوجوب يعتبر الهالك مع الباقي في تَكْمِيلِ النِّصَابِ، وما هلك قبل الوجوب - لا يعتبر. وبيان هذه الجملة: إذا أتلف إنسان الزرع أو الثمر قبل الإدراك، حتى ضمن - أخذ صاحب المال من المتلف ضمان المتلف وأدى عشره، وإن أتلف البعض دون البعض أدى قدر عشر المتلف من ضَمَانِهِ، وما بقي فعشره في الخارج/، وإن أتلفه صاحبه أو أكله - يضمن ١٩٥ ب عشره، ويكون ديناً في ذمته، وإن أتلف البعض دون البعض - يضمن قدر عشر ما أتلف، (١) في أ: فوقت الوجوب هو. (٢) في أ: البذور. (٣) في أ: وعندهما أي: وعلى قولهما. ٥١٨ كِتَابُ الزَّكَاةِ ويكون ديناً في ذمته، وعشر الباقي يكون في الخارج، وهذا على أصلٍ أبي حنيفة؛ لأن الإتلاف حصل بعد الوجوب؛ لثبوت الوجوب بالخروج والظهور، فكان الحقُّ مضموناً عليه، كما لو أتلف مال الزكاة بعد حولان الحول. وأما على قولهما فلا يضمن عشر المتلف؛ لأن الإتلاف حَصَلَ قبل وقت وجوب الحق، ولو هلك بنفسه فلا عشر في الهالك بلا خلاف، سواء هلك كله أو بعضه؛ لأن العشر لا يضمن بالهلاك، سواء كان قبل الوجوب أو بعده، ويكون عشر الباقي فيه، قل أو كثر في قول أبي حنيفة؛ لأن النصاب عنده ليس بشرط، وكذلك عندهما، إن كان الباقي نصاباً وهو خمسة أوسق، وإن لم يكن نصاباً: لا يعتبر قدر الهالك في تكميل النصاب في الباقي عندهما، بل إن بلغ الباقي بنفسه نصاباً - يكون فيه العشر، وإلا فلا. هذا إذا هلك قبل الإدراك أو استهلك، فأما بعد الإدراك والتنقية والجذاذ، أو بعد الإدراك قبل التنقية والجذاذ؛ فإن هلك سقط الواجب، بلا خلاف بين أصحابنا؛ كالزكاة تسقط إذا هلك النصاب، وعند الشافعي: لا تسقط، وقد ذكرنا المسألة، وإن هلك بعضه سَقَطَ الواجبُ بقدره، وبقي عشر الباقي فيه، قليلاً كان أو كثيراً عند أبي حنيفة؛ لأن النصاب ليس بشرط عنده، وعندهما: يكمل نصاب الباقي بالهالك، ويحتسب به في تمام الخمسة الأوسق، وروي عن أبي يوسف؛ أنه لا يعتبر الهالك في تمام الأوسق، بل يعتبر التمام في الباقي؛ فإن كان في نفسه(١) نصاباً - يكون فيه العشر، وإلا فلا. وإن استهلك فإن استهلكه المالك ضمن عشره، ويكون ديناً في ذمته، وإن استهلك بعضه، فقدر عشر المستهلك - يكون ديناً في ذمته، وعشر الباقي في الخارج، وإن استهلكه غير المالك - أخذ الضمان منه، وأدى عشره؛ لأنه هلك إلى خلف وهو الضمان، فكان قائماً معنى، وإن استهلك بعضه أخذ ضمانه، وأدى عشر القدر المستهلك، وعشر الباقي منه لما قلنا . وإن أكل صاحب المال من الثمر، أو أطعم غيره - يضمن عشره، ويكون دَيْناً في ذمته، وعشر ما بقي يكون فيه(٢)، وهذا على قول أبي حنيفة - رحمه الله، وروي عن أبي يوسف، أن ما أكل أو أطعم بالمعروف - لا يضمن عشره، لكن يعتد به في تكميل النصاب وهو الأوسق؛ فإذا بلغ الكل نصاباً أدى عشر ما بقي. (١) في أ: بقيته. (٢) في أ: منه. ٥١٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ احتجٍ أبو يوسف بما روي عن سهل بن أبي خيثمة عن النبيِّ - وَ ل9 - أنه قال: ((إِذَا خَرَضْتُمْ فَجُذُّوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا القُّلُثَ فَالرَّبُعِ))(١) . وروي أن النبيَّ - وََّ - كَانَ بَعَثَ أَبَا خَيْثَمَةَ خَارِصاً فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا خَيْئَمَةَ، زَادَ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّر: ((إِنَّ أَبْنَ عَمِّكَ يَزْعُمُ أَنَّكَ قَدْ زِدْتَّ عَلَيْهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَقَدْ تَرَكْتُ لَهُ قَدْرَ عَرِيَّةِ أَهْلِهِ وَمَا يُطْعِمُ المَسَاكِينَ وَمَا يُصِيبُ الرِّيحُ، فَقَالَ وَهُ: (لَقَدْ زَادَكَ أَبْنُ عَمْكَ وَأَنْصَفَكَ))(٢)؛ وعنه وَِّ أنه قال: ((خَفِّفُوا في الخَرْصِ؛ فَإِنَّ فِي المَالِ العَرِيَّةَ وَالوَصِيَّةَ))(٣)، والمراد من العرية الصدقة، أمر بالتخفيف في الخرص، وبين المعنى وهو أن في المال عرية ووصية، فلو ضمن عشر ما تصدق، أو أكل هو وأهله - لم يتحقق التخفيف؛ ولأنه لو ضمن ذلك لامتنع من الأكل، خوفاً من العشر، وفيه حرج، إلا أنه يعتد بذلك في تكميل النصاب، لأن نفي وجوب الضمان عنه تخفيفاً عليه نظراً له، وفي عدم الاعتداد به في تمام الأوسق - ضرر به وبالفقراء؛ وهذا لا يجوز. ولأبي حنيفة النصوص المقتضية لوجوب العشر في كُلِّ خارج، من غير فصل بين المأكول والباقي. فإن قيل: أليس الله تعالى قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد، فلا يجب الحق فيما أخذ منه قبل الحصاد، يدل عليه قرينة الآية (٤) وهي قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وهذا يدل على أن قدر المأكول عفو ولو لم (١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٤/٣): كتاب الزكاة: باب ما ذكر في خرص النخل، وأبو عبيد في الأموال (ص ٥٨٥): كتاب الصدقة وأحكامها وسننها: باب خرص الثمار للصدقة والعرايا والسنة في ذلك، وأحمد (٤٤٨/٣)، وأبو داود (٢٥٩/٢): كتاب الزكاة: باب الخرص، حديث (١٦٠٥)، والترمذي (٢/ ٧٧): كتاب الزكاة: باب ما جاء في الخرص، حديث (٦٣٨)، والنسائي (٤٢/٥): كتاب الزكاة: باب كم يترك الخارص، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٣٩/٢): كتاب الزكاة: باب الخرص، والحاكم (١/ ٤٠٢): كتاب الزكاة، والبيهقي (١٢٣/٤): كتاب الزكاة: باب من قال لا يترك لرب الحائط قدر ما يأكل هو وأهله وما يعرى المساكين منها لا يخرص عليه. وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص ٩٧) رقم (٣٥٢) وابن خزيمة (٤٢/٤) رقم (٢٣١٩) وابن حبان (٧٩٨ - موارد) والطبراني في «الكبير» (٩٩/٦) رقم (٥٦٢٦) وابن حزم في المحلى (٢٥٥/٥)، من رواية عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، قال: ((جاء سهل بن أبي خثمة إلى مجلسنا))، فقال: أمرنا رسول الله الخل قال: ((إذا خرصتم)) وذكره، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان . (٢) أخرجه الدارقطني (١٣٤/٢، ١٣٥). (٣) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٦/ ٤٧٢). (٤) في أ: الأمر. ٥٢٠ كِتَابُ الزَّكَاةِ يكن عفواً(١) لم يكن لقوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] فائدة؛ لأن كل أحد يعلم أن الثمرة تؤكل، ولا تصلح لغير الأكل. فالجوابُ أن الآية لازمة له؛ لأن الحصاد هو القطع، فيقتضي أن كل ما قطع منه شيء - لزمه إخراج عشره، من غير فصل بين ما إذا كان المقطوع مأكولاً أو باقياً، على أنا نقول بموجب الآية؛ أنه يجب إيتاء حقه يوم حصاده، لكن ما حقه يوم حصاده، أداء العشر عن الباقي فحسب أم عن الباقي والمأكول، والآية لا تتعرض لشيء من ذلك، فكان تمسكاً بالمسکوت؛ وأنه لا يصحُ. وأما قوله: لا بد وأن يكون لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] فائدة ١٩٥ ب فنقول: يحتمل أن يكون له فائدة سوى ما قلتم/، وهو إباحة الانتفاع؛ ردّاً لاعتقاد الكفرة تحريم الانتفاع بهذه الأشياء بجعلها للأصنام، فرد ذلك عليهم بقوله عز وجل: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾، أي: انتفعوا بها، ولا تضيعوها بالصرف إلى الأصنام؛ ولذلك قال: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وأما الأحاديث فقد قيل: إنها وردت قبل حديث العشر، ونصف العشر؛ فصارت منسوخة به، والله تعالى أعلم. فضل في بيان ركن هذا النوع وأما بيان ركن هذا النوع وشرائط الركن، أما ركنه فهو التمليك؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، والإيتاء هو التمليك؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣ وغيرها] فلا تتأدى بطعام الإباحة، وبما ليس بتمليك رأساً من بناء المساجد، ونحو ذلك مما ذكرنا في النوع الأول، وبما ليس بتمليك من كل وجه، وقد مر بیان ذلك كله. وأما شرائط الركن: فإننا (٢) ذكرناها في النوع الأول مما يرجع بعضها إلى المؤدِّي، وبعضها إلى المؤذَّى، وبعضها إلى المؤذَّى إليه؛ فلا معنى للإعادة، والله تعالى أعلم. فصل في بيان ما يسقط بعد الوجوب وأما بيان ما يسقط بعد الوجوب، فمنها هلاك الخارج من غير صنعه؛ لأن الواجب في الخارج، فإذا هلك يهلك بما فيه كهلاك نصاب الزكاة بعد الحول، وهذا عندنا. (١) في ط: على أن قدر المأكول أفضل، إذ لو لم يكن أفضل. (٢) في أ: أشياء.