النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كِتَابُ الرَّكَاةِ فضل في مقدار الواجب في السَّوَائِم وأما مقدار الواجب في السوائم: فقد ذكرناه في بيان مقدار نصاب السوائم من الإبل والبقر والغنم، وهو الأسنان المعروفة من بنت المخاض، وبنت اللبون، والحقة، والجذعة، والتبيع، والمسنة، والشاة، ولا بدّ من معرفة معاني هذه الأسماء، فبنت المخاض: هي التي تمت لها سنة، ودخلت في الثانية، سميت بذلك، لأن أمها صارت حاملاً بولد آخر بعدها، [فبنت](١) الماخض اسم للحامل من النوق، وبنت اللبون: هي التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة، سميت بذلك؛ لأن أمها حملت بعدها وولدت، فصارت ذات لبن، واللبون هي ذات اللبن، والحقة: هي التي تمت لها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة؛ سميت بذلك إما لاستحقاقها الحمل والركوب، أو لاستحقاقها الضراب. والجذعة: هي التي تمت لها أربع سنين وطعنت في الخامسة، ولا اشتقاق لاسمها، والذكور منها ابن مخاض وابن لبون، وحق وجذع، ووراء هذه أسنان من الإبل من الثني والسديس والبازل، لكن لا مدخل لها في باب الزكاة، فلا معنى لذكر معانيها في كتب الفقه، والتبيع: الذي تم له حول ودخل في الثاني، والأنثى منه التبيعة، والمسنة: التي تمت لها سنتان وطعنت في الثالثة، والذكر منه المسن. وأما الشاة: فذكر في الأصل عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز إلا الثني فصاعداً، والثني من الشاة هي التي دخلت في السنة الثانية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجوز الجذع من الضأن والثني من المعز، وهو قول أبي يوسف ومحمد، والشافعي، وما ذكره الطحاوي يقتضي أن يجوز أخذ الجذع [من الضأن، والثني من المعز](٢)؛ لأنه قال: ولا يؤخذ في الصدقة إلا ما يجوز في الأضحية، والجذع من الضأن يجوز في الأضحية، وقول الطحاوي يؤيد رواية الحسن. والجذع من الغنم الذي أتى عليه ستة أشهر، وقيل: الذي أتى عليه أكثر السنة، ولا خلاف في أنه لا يجوز من المعز إلا الثني. وجه رواية الحسن ما روي عن النبي - وَلجر؛ أنه قال: ((إِنَّمَا حَقُّنَا فِي الجَذْعَةِ وَالثَِّيَّةِ))، ولأن الجذع يجوز في الأضاحي، فلأن يجوز في الزكاة أولى؛ لأن الأضحية أكثر شروطاً من الزكاة، فالجواز هناك يدل على الجواز ههنا من طريق الأولى. (١) سقط في ط. (٢) سقط في أ. ٤٤٢ كِتَابُ الزَّكَاةِ ١١ ب وجه ظاهر الرواية ما روي عن علي - رضي الله عنه/ أنه قال: ((لاَ يُجْزِىءُ فِي الزَّكَاةِ إِلاَّ الثَّنِي مِنَ المَعْزِ فَصَاعِدً»، ولم يُزْوَ عن غيره من الصحابة خلافه؛ فيكون إجماعاً من الصحابة مع مَا أن هذا باب لا يدرك بالاجتهاد، فالظاهر أنه قال ذلك سماعاً من رسول الله - وَال ـ، والله أعلم. فضل في صفة الواجب في السوائم وأما صفة الواجب في السوائم: فللواجب فيها صفات لا بدّ من معرفتها، منها الأنوثة في الواجب في الإبل من جنسها من بنت المخاض وبنت اللبون، والحقة والجذعة، ولا يجوز الذكور منها وهو ابن المخاض وابن اللبون، والحق والجذع، إلا بطريق القيمة؛ لأن الواجب فيها إنما عرف بالنص، والنص ورد فيها بالإناث؛ فلا يجوز الذكور إلا بالتقويم؛ لأن دفع القيم في باب الزكاة جائز عندنا . وأما في البقر: فيجوز فيها الذكر والأنثى؛ لورود النص بذلك، وهو قول النبي - ◌َمليار -: (وَفِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ))(١)، وكذا في الإبل فيما دون خمس وعشرين؛ لأن النص ورد باسم الشاة، وإنها تقع على الذكر والأنثى، وكذا في الغنم عندنا يجوز في زَكَاتِهَا الذِّكَرُ والأنثى. وقال الشافعي: لا يؤخذ(٢) الذكر إلا إذا كانت كلُّها ذكوراً، وهذا فاسد؛ لأن الشرع ورد فيها باسم الشاة، قال النبي - وَ لجر -: ((فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ)). واسم الشاة يقع على الذكر والأنثى في اللغة . ومنها أن يكون وسطاً؛ فليس للساعي أن يأخذ الجيد ولا الرديء، إلا من طريق التقويم برضا صاحب المال؛ لما روي عن رسول الله - وَ﴿ - أنه قال للسعاة: ((إِيَّاكُمْ وَحَرَزَاتِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَخُذُوا مِنْ أَوْسَاطِهَا)(٣)، وروي أنه قال للساعي: ((إِيَّكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَخُذْ مِنْ حَوَاشِيهَا، وَأَتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ))(٤) . وفي الخبر المعروف: أنه رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فَغَضِبَ عَلَى السَّاعِي وَقَالَ: ((أَلَمْ (١) تقدم. (٢) في ط: يجوز. (٣) تقدم. (٤) تقدم. ٤٤٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ أَنْهَكُمْ عَنْ أَخْذِ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ؟)) حتى قال الساعي: أَخَذْتُهَا بِبَعِيرَيْنِ يَا رَسُولَ الله؛ ولأن مبنى الزكاة على مراعاة الجانبين، وذلك في أخذ الوسط؛ لما في أخذ الخيار من الإضرار بأرباب الأموال، وفي أخذ الأرذال من الأضرار بالفقراء؛ فكان نظر الجانبين في أخذ الوسط، والوسط هو أن يكون أدون من الأرفع، وأرفع من الأدون، كذا فسره محمد - رحمه الله - في ((المنتقى)). ولا يؤخذ في الصدقة [الرُّبى - بضم الراء]، ولا الماخض، ولا الأكيلة، ولا فحل الغنم، قال محمد: هي الربى التي تربي ولدها، والأكيلة التي تسمن للأكل، والماخض التي في بطنها ولد. ومن الناس من طعن في تفسير محمد الربى والأكيلة، وزعم أن الربى المرباة، والأكيلة المأكولة، وطعنه مردود عليه، وكان من حقه تقليد محمد؛ إذ هو كما كان إماماً في الشريعة - كان إماماً في اللغة، واجب التقليد فيها كتقليد نقلة اللغة؛ كأبي عبيد، والأصمعي، والخليل، والكسائي(١)، والفراء(٢)، وغيرهم، وقد قلده أبو عبيد القاسم بن(٣) سلام - مع جلالة(٤) قدره - واحتج بقوله. وسئل أبو العباس ثعلب(٥) عن الغزالة، فقال: هي عين الشمس، ثم قال: أما ترى أن (١) علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن الكسائي: إمام في اللغة والنحو والقراءة. من تصانيفه ((معاني القرآن)) و((المصادر)) و((الحروف)) و((القراءات)) و(النوادر)) و((المتشابه في القرآن)) و(ما يلحن فيه العوام))، توفي بالري - في العراق - سنة ١٨٩ انظر: ابن خلكان ٣٣٠/١، تاريخ بغداد ٤٠٣/١١، الأعلام ٢٨٣/٤. (٢) الحسين بن مسعود بن محمد الفرَّاء، أو ابن الفراء أبو محمد ويلقّب بمحي السنة البغوي، فقيه محدث، مفسر، نسبته إلى ((بغا)) من قرى خراسان، بين هراة ومرو، له ((التهذيب)) في فقه الشافعية؟ و((شرح السنة)) في الحديث، و((لباب التأويل في معالم التنزيل)) في التفسير، وغير ذلك، توفي بمرو الروز سنة ٥١٠هـ. ينظر الأعلام (٢٥٩/٢)، وفيات الأعيان (١٤٥/١). (٣) القاسم بن سلام: أبو عبيد البغدادي، أحد أئمة الإسلام فقهاً، ولغة وأدباً، أخذ العلم عن الشافعي، والقراءات عن الكسائي وغيره. قال ابن الأنباري: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثاً، فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويصنف ثلثه. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: عرضت كتاب ((الغريب)) لأبي عبيد على أبي فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيراً. توفي سنة ٢٢٤. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ٦٧/١، ط ابن سعد ٣٥٥/٧، وانباه الرواة ١٢/٣. وطبقات الشافعية للأسنوي ص١١، تهذيب الأسماء واللغات ٣٠/٢، طبقات الفقهاء للعيادي ص ٢٥. (٤) في أ: جلال. (٥) أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار، الشيباني ولاءً، المعروف بـ(ثعلب))، ولد سنة ٢٠٠ هـ بـ((بغداد)». كان إماما الكوفيين في النحو واللغة، رواية للشعر، محدثاً، مشهوراً بالحفظ وصدق اللهجة، ثقة حجة، من كتبه: ((الفصيح))، و((مجالس ثعلب)) توفي بـ((بغداد)) سنة ٢٩١هـ. ينظر: نزهة الألبا ٢٩٣، وابن خلكان ١/ ٣٠، وتذكرة الحفاظ، ٢١٤ وطبقات ابن أبي يعلى ٨٣/١، وإنباه الرواة ١٣٨/١. ٤٤٤ كِتَابُ الزَّكَاةِ محمد بن الحسن قال لغلامه يوماً: انظر هل دلكت الغزالة؟ يعني: الشمس، وكان ثعلب يقول: محمد بن الحسن عندنا من أقران سيبويه (١)، وكان قولُه حجة في اللغة، فكان على الطاعن تقليده فيها، كيف وقد ذكر صاحب ((الديوان))، ومجمل اللغة ما يوافق قوله في الربى. قال صاحب ((الديوان)): الربى التي وضعت حديثاً؛ أي: هي قريبة العهد بالولادة، وقال صاحب ((المجمل)): الربى الشاة التي تُحبس في البيت للبن، فهي مربية لا مرباة، والأكيلة وإن فسرت في بعض كتب اللغة بما قاله الطاعن، لكن تفسير محمد أولى وأوفق للأصول؛ لأن الأصل أن المفعول إذا ذكر بلفظ فعيل - يستوي فيه الذكر والأنثى، ولا يدخل فيه هاء التأنيث؛ يقال: امرأة قتيل وجريح، من غير هاء التأنيث، فلو كانت الأكيلة المأكولة - لما أدخل فيها الهاء على اعتبار الأصل، ولما أدخل الهاء دل أنها ليست باسم للمأكولة؛ بل لما أعد للأكل كالأضحية أنها اسم لما أعد للتضحية، والله أعلم. وسواء كان النصاب من نوع واحد، أو من نوعين؛ كالضأن، والمعز، والبقر، والجواميس، والعراب، والبخت؛ أن المصدق يأخذ منها واحدة وسطاً على التفسير الذي ذكرنا. وقال الشافعي - في أحد قوليه: يأخذ من الغالب، وقال في القول الآخر: إنه يجمع بين قيمة شاة من الضَّأن وشاة من المعز، وينظر في نصف القيمتين؛ فيأخذ شاة بقيمة ذلك من أي النوعين كانت، وهو غير سديد؛ لما روينا عن النبي - وَ لَه؛ ((أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَخْذِ كَرَائِم أَمْوَالِ ١٧٩أ النَّاسِ وَحَرَزَاتِهَا، وَأَمَرَ بِأَخْذِ / أَوْسَاطِهَا)) من غير فصل بين ما إذا كان النصاب من نوع واحد أو نوعین. ولو كان له خمس من الإبل كلها بنات مخاض، أو كلها بنات لبون، أو حقاق، أو جذاع - ففيها شاة واحدة وسط؛ لقوله - بَّرَ -: ((فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ»، وإن كانت عجافاً فإن كان فيها بنت مخاض وسط أو أعلى سناً منها - ففيها أيضاً شاةً وسط، وكذلك إن كانت خمساً وعشرين - ففيها بنت مخاض وسط؛ أنه يجب فيها بنت مخاض؛ وتؤخذ تلك؛ لقوله - وَّم -: ((فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ))، وإن كانت جيدة لا يأخذ المصدق (١) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقّب سيبويه: إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو. ولد في إحدى قرى شيراز، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد ففاقه، وصنف كتابه المسمى ((كتاب سيبويه)) في النحو، لم يصنع قبله ولا بعده مثله. ورحل إلى بغداد، فناظر الكسائي. وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم. وعاد إلى الأهواز فتوفي بها سنة ١٨٠هـ. وكانت في لسانه حبسة، وسيبويه بالفارسية، رائحة التفاح. ينظر الأعلام ٨١/٥، ابن خلكان ٣٨٥/١، تاريخ بغداد ١٩٥/١٢، وطبقات النحويين ٦٦-٧٤. ٤٤٥ كِتَابُ الزَّكَاةِ الجيدة، ولكن يأخذ قيمة بنت مخاض وسط، وإن أخذ الجيدة (١) يرد الفضل، وإن كانت كلها عجافاً ليس فيها بنت مخاض، ولا ما يساوي قيمتها قيمة بنت مخاض، بل قيمتها دون قيمة بنت مخاض أوساط - ففيها شاة بقدرها. وطريق معرفة ذلك أن تجعل بنت مخاض وسطاً حكماً في الباب، فينظر إلى قيمتها، وإلى قيمة أفضلها من النصاب، إن كانت قيمة بنت مخاض وسط مثلاً مائة درهم، وقيمة أفضلها خمسين - تجب شاة قيمتها قيمة نصف شاة، وكذلك لو كان التفاوت أكثر من النصف أو أقل - فكذلك يجب على قدره، وهي من مسائل الزيادات تعرف هناك، ثم إذا وجب الوسط في النصاب، فلم يوجد الوسط، ووجد سن أفضل منه أو دونه. قال محمد في الأصل: إن المصدق بالخيار؛ إن شاء أخذ قيمة الواجب، وإن شاء أخذ الأدون، وأخذ تمام قيمة الواجب من الدراهم، وقيل: ينبغي أن يكون الخيار لصاحب السائمة إن شاء دفع القيمة، وإن شاء دفع الأفضل واسترد الفضل من الدراهم، وإن شاء دفع الأدون ودفع الفضل من الدراهم؛ لأن دفع القيمة في باب الزكاة جائز عندنا، والخيار في ذلك لصاحب المال دون المصدق، وإنما يكون الخيار للمصدق في فصل واحد، وهو ما إذا أراد صاحب المال أن يدفع بعض العين لأجل الواجب؛ فالمصدق بالخيار بين أنه لا يأخذ، وبين أنه يأخذ؛ بأن كان الواجب بنت لبون، فأراد صاحب المال أن يدفع بعض الحقة بطريق القيمة، أو كان الواجب حقة فأراد أن يدفع بعض الجذعة بطريق القيمة - فالمصدق بالخيار إن شاء قبل، وإن شاء لم يقبل؛ لما فيه من تشقيص العين، والشقص في الأعيان عيب، فكان له ألا يقبل، فأما فيما سوى ذلك فلا خيار له، وليس له أن يمتنع من القبول، والله أعلم. فضل في زكاة الخيل وأما حكم الخيل: فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو؛ إما أن تكون علوفة، أو سائمة، فإن كانت علوفة بأن كانت تعلف للركوب، أو للحمل، أو للجهاد في سبيل الله - فلا زكاة فيها؛ لأنها مشغولة بالحاجة، ومال الزكاة هو المال النامي الفاضل عن الحاجة؛ لما بينا فيما تقدم، وإن كانت تعلف للتجارة ففيها الزكاة بالإجماع؛ لكونها مالاً نامياً فاضلاً عن الحاجة؛ لأن الإعداد للتجارة دليل النماء، والفضل عن الحاجة. وإن كانت سائمة فإن كانت تسام للركوب والحمل، أو للجهاد والغزو - فلا زكاة فيها لما (١) في أ: الجيد. ٤٤٦ كِتَابُ الزَّكَاةِ بينا، وإن كانت تسام للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف، وإن كانت تسام للدر والنسل؛ فإن كانت مختلطة ذكوراً وإناثاً، فقد قال أبو حنيفة: تجب الزكاة فيها قولاً(١) واحداً، وصاحبها بالخيار إن شاء أدَّى من كل فرس ديناراً، وإن شاء قوَّمها، وأدى من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وإن كانت إناثاً منفردة ففيها روايتان عنه، ذكرهما الطحاوي. وإن كانت ذكوراً منفردة ففيها روايتان عنه أيضاً، ذكرهما الطحاوي في ((الآثار)). وقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة فيها كيفما كانت، وبه أخذ الشافعي؛ احتجُوا بما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ وََّ - [أنه قال: ((عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ))(٢) إلا أن في الرقيق صدقة الفطر. وروي عنه ◌ََّ أنه قال: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ))(٣)؛ وكل ذلك نص في الباب؛ ولأن زكاة السائمة لا بدّ لها مَن نصاب مقدر؛ كالإبل، والبقر، والغنم، والشرع لم [يرد] (٤) بتقدير النصاب في السائمة منها، فلا يجب(٥) فيها زكاة السائمة كالحمير. ولأبي حنيفة ما روي عن جابر عن رسول الله - وَالرِ؛ أنه قال: ((فِي كُلْ فَرَسٍ سَائِمَةِ دِينَارٌ، وَلَيْسَ فِي الرَّابِطَةِ شَيْءٌ)) . (١) في أ: حولاً. (٢) تقدم من حديث علي رضي الله عنه. (٣) أخرجه البخاري (٣٢٧/٣): كتاب الزكاة: باب ليس على المسلم في فرسه صدقة، حديث (١٤٦٣)، ومسلم (٦٧٦/٢): كتاب الزكاة باب لا زكاة على مسلم في عبده وفرسه، حديث (٩/ ٩٨٢)، وأبو داود (٢٥/٢، ٢٥٢): كتاب الزكاة: باب صدقة الرقيق، حديث (١٥٩٥)، والترمذي (٢/ ٧٠): كتاب الزكاة: باب ما جاء ليس في الخيل والرقيق صدقة، حديث (٦٢٤)، والنسائي (٣٥/٥): كتاب الزكاة: باب زكاة الخيل، وابن ماجه (٥٧٩/١): كتاب الزكاة: باب صدقة الخيل والرقيق، حديث (١٨١٢)، وابن أبي شيبة (١٥١/٣): كتاب الزكاة: باب ما قالوا في زكاة الخيل، وأحمد (٢٤٩/٢)، والدارقطني (٢] ١٢٧): كتاب الزكاة: باب مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق، حديث (٥)، والبيهقي (١١٧/٤): كتاب الزكاة: باب لا صدقة في الخيل. ومالك (٢٧٧/١) كتاب الزكاة: باب ما جاء في صدقة الرقيق والخيل والعسل (٣٧) والشافعي في («المسند» (ص - ٩١) وعبد الرزاق (٣٣/٤) رقم (٦٨٧٨) والحميدي (٢/ ٤٦٠) رقم (١٠٧٣) والطيالسي (١٧٤/١ - منحة) رقم (٨٢٥) والدارمي (٢٨٤/١) كتاب الزكاة: باب ما لا تجب فيه الصدقة من الحيوان وأبو يعلى (٥٢٢/١٠) رقم (٦١٣٨) وابن حبان (٣٢٦٩،٣٢٦٨) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٣٥/٣ - بتحقيقنا). كلهم من حديث أبي هريرة. وقال: هذا حديث حسن صحيح. (٤) سقط في أ. (٥) في أ: تجب. ٤٤٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - في صدقة الخيل: أن خير أربابها فإن شاءوا أدوا من كُلِّ فرس ديناراً، وإلا قومها وخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، وروي عن السائب بن زيدٍ - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين أَمَرَهُ أن يأخذ من كل فرس شاتين، أو عشرة دراهم؛ ولأنها مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية؛ فتجب فيها الزكاة كما لو كانت للتجارة. وأما قولُ النبي - وَرَ -: ((عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ))(١)، فالمراد / منها الخيل ١٧٩ المعدة للركوب والغزو، لا للإسامة؛ بدليل أنه فرق بين الخيل وبين الرقيق، والمراد منها عبيدُ الخدمة . ألا ترى أنه أوجب فيها صدقة الفطر، وصدقة الفطر إنما تجب في عبيد الخدمة، أو يحتمل ما ذكرنا؛ فيحمل عليه عملاً بالدليلين(٢) بقدر الإمكان، وهو الجوابُ عن تعلقهم بالحديث الآخر. وأما إذا كان الكل إناثاً أو ذكوراً - فوجه رواية الوجوب الاعتبار بسائر السوائم من الإبل والبقر والغنم؛ أنه تجب الزكاة فيها، وإن كان كلها إناثاً أو ذكوراً كذا ههنا، والصحيح: أنه لا زكاة فيها لما ذكرنا أن مال الزكاة هو المالُ النامي، ولا نماء فيها بالدر والنسل، ولا لزيادة اللحم؛ لأن لحمها غير مأكول عنده، بخلاف الإبل، والبقر، والغنم؛ لأن لحمها مأكول؛ فكان زيادة اللحم فيها بالسمن بمنزلة الزيادة بالدر والنسل، والله أعلم. وأما البغال والحمير فلا شيء فيها، وإن كانت سائمة؛ لأن المقصود منها الحمل والركوب عادة، لا الدر والنسل، لكنها قد تسام في غير وقت الحاجة؛ لدفع مؤنة العلف، وإن كانت للتجارة تجب الزكاة فيها . فضل في من له المطالب بأداء الواجب وأما بيان من له المطالبة بأداء الواجب في السوائم والأموال الظاهرة - فالكلام فيه يقع في مواضع: في بيان مَنْ له ولاية الأخذ، وفي بيان شرائط(٣) ثبوت ولاية الآخذ، وفي بيان القدر المأخوذ. (١) تقدم. (٢) في أ: الدلائل. (٣) في أ: شرط. ٤٤٨ كِتَابُ الزَّكَاةِ أما الأول: فمال الزكاة نوعان: ظاهر وهو المواشي، والمال الذي يمر به التاجر على العاشر، وباطن وهو الذهب والفضة، وأموال التجارة في مواضعها، أما الظاهر: فللإمام ونوابه وهم المصدقون، من السعاة والعشار - ولاية الأخذ، والساعي هو الذي يسعى في القبائل؛ ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها، والعاشر هو الذي يأخذ الصدقة من التاجر الذي يمر عليه، والمصدق اسم جنس، والدليل على أن للإمام ولاية الأخذ في المواشي والأموال الظاهرة - الكتاب، والسنة، والإجماع، وإشارة الكتاب. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] والآية نزلت في الزكاة. عليه عامة أهل التأويل، أمر الله - عز وجل - نبيه بأخذ الزكاة، فدل أن للإمام المطالبة بذلك والأخذ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٣٤] فقد بين الله - تعالى - ذلك بياناً شافياً، حيث جعل للعاملين عليها حقاً، فلو لم يكن للإمام أن يطالب أرباب الأموال بصدقات الأنعام في أماكنها؛ وكان أداؤها إلى أرباب الأموال - لم يكن لذکر العاملین وجه. وأما السنة: فإن رسول الله - وَّلَّ - كَانَ يَبْعُثُ الْمُصَدّقِينَ إِلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَالْبُلْدَانِ وَالْأُفَاقِ؛ لِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْمَوَاشِي فِي أَمَاكِنِهَا؛ وعلى ذلك فعل الأئمة من بعده من الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وَعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم - حتى (١) قال الصديق - رضي الله عنه - لما امتنعت العرب عن أداء الزكاة: ((والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله - (وَلقوله - لحاربتهم عليه))، وظهر العمال بذلك من بعدهم إلى يومنا هذا. وكذا المال الباطن إذا مر به التاجر على العاشر كان له أن يأخذ في الجملة؛ لأنه لما سافر به وأخرجه من العمران - صار ظاهراً والتحق بالسوائم؛ وهذا لأن الإمام إنما كان له المطالبة بزكاة المواشي في أماكنها لمكان الحماية؛ لأن المواشي في البراري لا تصير محفوظة إلا بحفظ السلطان وحمايته، وهذا المعنى موجود في مال يمر به التاجر على العاشر؛ فكان كالسوائم، وعليه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإن عمر - رضي الله عنه - نصب العشار، وقال لهم: ((خذوا من المسلم ربعَ العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر))، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليه واحد منهم؛ فكان إجماعاً . وروي عن عمر بن عبد العزيز؛ أنه كتب إلى عماله بذلك، وقال: أخبرني بهذا مَنْ سمعه من رسول الله - گچ۔ ۔۔ (١) في أ: حين. ٤٤٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ وأما المالُ الباطن الذي يكون في المصر؛ فقد قال عامة مشايخنا: إن رسولَ الله - دَله . طالب بزكاته، وأبو بكر وعمر طالباً، وعثمان طالب زماناً، ولما كثرت أموال الناس، ورأى أن في تتبعها حرجاً على الأمة، وفي تفتيشها ضرراً بأرباب الأموال - فوض الأداء إلى أربابها . وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي - رحمه الله - وقال: لم يبلغنا أن النبي - وَّيه - بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة، ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومنهم من كان يحمل إلى الأئمة، فيقبلون منه ذلك، ولا يسألون أحداً عن مبلغ ماله، ولا يطالبونه بذلك إلا ما كان من توجيه عمر - رضي الله/ عنه - العشار إلى الأطراف، ١١٨٠ وكان ذلك منه عندنا - والله أعلم - عمن بَعْدَ داره، وَشَقَّ عليه أن يحمل صدقته إليه، وقد جعل في كل طرف من الأطراف عاشر التجار أهل الحرب والذمة، [وأمر أن](١) يأخذوا من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه، وكان ذلك من عمر تخفيفاً على المسلمين، إلا أن على الإمام مطالبة أرباب الأموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة إليهم، سوى المواشي والأنعام، وأن مطالبة ذلك إلى الأئمة، إلا أن يأتي أحدهم إلى الإمام بشيء من ذلك فيقبله، ولا يتعدى عما جرت به العادة والسنة إلى غيره. وأما سلاطين زماننا الذين إذا أخذوا الصدقات والعشور والخراج، لا يضعونها مواضعها - فهل تسقط هذه الحقوق عن أربابها؟ اختلف المشايخ فيه، ذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني؛ أنه يسقط ذلك كله، وإن كانوا لا يضعونها فى أهلها؛ لأن حَقَّ الأخذ لهم، فيسقط عنا بأخذهم، ثم إنهم إن لم يَضَعُوها مواضعها - فَالوَبَالُ عليهم. وقال الشيخ أبو بكر بن سعيد: إن الخَرَاجَ يسقط، ولا تسقط الصدقات؛ لأن الخراج يصرف إلى المقاتلة، وهم يصرفون إلى المقاتلة ويقاتلون العدو؛ ألا ترى أنه لو ظهر العدو، فإنهم يقاتلون ويذبُّون عن حريم المسلمين، فأما الزكوات والصدقات، فإنهم لا يضعونها في أهلها . وقال أبو بكر الإسكاف: إن جميع ذلك يسقط(٢) ويعطي ثانياً؛ لأنهم لا يضعونها مواضعها، ولو نوى صاحب المال وقت الدفع؛ أنه يدفع إليهم ذلك عن زكاة ماله - قيل: يجوز؛ لأنهم فقراء في الحقيقة؛ ألا ترى أنهم لو أدوا ما عليهم من التبعات والمظالم - صاروا فقراء . (١) في أ: أحد منهم. (٢) في أ: لا يسقط. بدائع الصنائع ج٢ - م٢٩ ٤٥٠ كِتَابُ الزَّكَاةِ وروي عن أبي مطيع البلخي؛ أنه قال: تجوزُ الصدقة لعلي بن عيسى بن ماهان(١) [وكان] (٢) والي خراسان، وإنما قال ذلك لما ذكرنا، وحكي أن أميراً ببلخ سأل واحداً من الفقهاء عن كفارة يمين لزمته، فأمره بالصيام، فبكى الأمير وعرف أنه يقول: لو أديت ما عليك من التبعات والمظلمة - لم يبقَ لك شيء، وقيل: إن السلطان لو أخذ مالاً من رجل بغير حق مصادرة، فنوى صاحب المال وقت الدفع؛ أن يكون ذلك عن زكاة ماله وعشر أرضه - يجوز ذلك، والله أعلم. فضل في شرط ولاية الآخذ وأما شرطُ ولاية الآخذ فأنواع: منها وجود الحماية من الإمام، حتى لو ظهر أهل البغي على مدينة من مدائن أهل العدل، أو قرية من قراهم، وغلبوا عليها، فأخذوا صدقات سوائمهم، وعشور أراضيهم وخراجها، ثم ظهر عليهم إمام العدل - لا يأخذ منهم ثانياً؛ لأن حق الأخذ للإمام لأجل الحفظ والحماية ولم يوجد، إلا أنهم يفتون فيما بينهم وبين ربهم؛ أن [يؤدوا الزَّكَاةَ] (٣) والعشور ثانياً. وسكت محمد عن ذكر الخَرَاج. واختلف مشايخنا قال بعضهم: عليهم أن يعيدوا الخراج [كالزكاة والعشور](٤)، وقال بعضهم: ليس عليهم الإعادة؛ لأن الخراج يصرف إلى المقاتلة وأهل البغي يقاتلون العدو، ويذبُون عن حريم الإسلام. ومنها: وجوب الزكاة؛ لأن المأخوذ زكاة، والزكاة في عرف الشرع اسم للواجب، فلا بدّ من تقويم الوجوب، فتراعي له شرائط الوجوب، وهي ما ذكرنا من الملك المطلق وكمال النصاب، وكونه معدّاً للنماء، وحولان الحول وعدم الدين المطالب به من جهة العباد، وأهلية الوجوب ونحو ذلك. (١) علي بن عيسى بن ماهان: من كبار القادة في عصر الرشيد والأمين العباسيين، وهو الذي حرض الأمين على خلع المأمون من ولاية العهد، وسيره الأمين لقتال المأمون بجيش كبير، وولاه إمارة الجبل وهمذان وأصبهان وقمّ، وتلك البلاد، فخرج من بغداد في أربعين ألف فارس، فتلقاه طاهر بن الحسين قائد جيش المأمون في الريّ، فقتل ابن ماهان وهزم أصحابه. ينظر: الاعلام (٣١٧/٤)، والنجوم الزاهرة (١٤٩/٢)، والكامل لابن الأثير (٧٩/٦)، والبداية والنهاية (٢٢٦/١٠). (٢) سقط في أ. (٣) في أ: يؤدون الزكوات. (٤) في أ: كالزكوات والعشر. ٤٥١ كِتَابُ الزَّكَاةِ ومنها: ظهور المال وحضور المالك، حتى لو حضر المالك ولم يظهر ماله - لا يطالب بزكاته؛ لأنه إذا لم يظهر ماله لا يدخل تحت حماية السلطان، وكذا إذا ظهر المال ولم يحضر المالك، ولا المأذون من جهة المالك؛ کالمستبضع ونحوه ـ لا يطالب بزكاته. وبيان هذه الجملة إذا جاء الساعي إلى صاحب المواشي في أماكنها؛ يريد أخذ الصدقة، فقال: ليست هي مالي، أو قال: لم يحل عليها الحول، أو قال: عليَّ دين يحيط بقيمتها - فالقول قوله؛ لأنه ينكر وجوب الزكاة ويستحلف؛ لأنه تعلق به حق العبد، وهو مطالبة الساعي؛ فيكون القول قوله مع يمينه. ولو قال: أديت إلى مصدق آخر، فإن لم يكن في تلك السنة مصدق آخر لا يصدق، لظهور كذبه بيقين، وإن كان في تلك السنة مصدق آخر يصدق مع اليمين، سواء أتى بخط وبراءة، أو لم يأتِ به في ظاهر الرواية . وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يصدق ما لم يأتِ بالبراءة، وجه هذه الرواية [أن خبره يحتمل الصدق والكذب، فلا بدّ من مرجح، والبراءة أمارة رجحان الصدق. وجه ظاهر الرواية] (١) أن الرجحان ثابت بدون البراءة؛ لأنه أمين؛ إذ له أن يدفع إلى المصدق، فقد أخبر عن الدفع إلى من جعل له الدفع إليه، فكان كالمودع إذا قال: دفعت الوديعة إلى المودع، والبراءة ليست بعلامة صادقة؛ لأن الخط يشبه الخط، وعلى هذا إذا أتى بالبراءة على خلاف اسم ذلك المصدق؛ أنه يقبل قوله مع يمينه، على جواب ظاهر الرواية؛ لأن البراءة ليست بشرط، فكان الإتيان بها والعدم بمنزلة واحدة، وعلى رواية الحسن/ لا ١٨٠ب يقبل؛ لأن البراءة شرط، فلا تقبل بدونها . ولو قال: أديت زكاتها إلى الفقراء - لا يصدق، وتؤخذ منه عندنا، وعند الشافعي: لا تؤخذ . وجه قوله: إن المصدق لا يأخذ الصدقة لنفسه، بل ليوصلها إلى مستحقيها وهو الفقير، وقد أوصل بنفسه. ولنا: أن حق الأخذ للسلطان، فهو بقوله: أديت بنفسي، أراد إبطال حق السلطان فلا يملك ذلك، وكذلك العشر على هذا الخلاف، وكذا الجواب فيمن مَرَّ على العاشر بالسوائم، أو بالدراهم أو الدنانير، أو بأموال التجارة في جميع ما وصفنا؛ إلا في قوله: أديت زكاتها بنفسي إلى الفقراء فيما سوى السوائم؛ أنه يقبل قوله، ولا يؤخذ ثانياً؛ لأن أداء زكاة الأموال الباطنة مفوض إلى أربابها، إذا كانوا يتحرون بها في المضر، فلم يتضمن الدفع بنفسه إبطال حق أحد. (١) سقط في أ. ٤٥٢ كِتَابُ الزَّكَاةِ ولو مر على العاشر بمائة درهم، وأخبر العاشر أن له مائة أخرى، قد حال عليها الحول - لم يأخذ منه زكاة هذه المائة التي مر بها؛ لأنَّ حق الأخذ لمكان الحماية، وما دون النصاب قليل لا يحتاج إلى الحماية، والقدر الذي في بيته لم يدخل تحت الحماية، فلا يؤخذ من أحدهما شيء، ولو مر عليه بالعروض، فقال: هذه ليست للتجارة، أو قال: هذه بضاعة، أو قال: أنا أجير فيها - فالقول قوله مع اليمين؛ لأنه أمين، ولم يوجد ظاهر یكذبه. وجميع ما ذكرنا؛ أنه يصدق فيه المسلم يصدق فيه الذمي؛ لقول النبي - وََّ -: ((إِذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ))(١)، ولأن الذمي لا يفارق المسلم في هذا الباب، إلا في قدر المأخوذ، وهو أنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم؛ كما في التغلبي؛ لأنه يؤخذ منه بسبب الحماية وباسم الصدقة، وإن لم تكن صدقة حقيقة، ولا يصدق الحربي في شيء من ذلك، ويؤخذ منه العشر؛ إلا في جوار يقول: هن أمهات أولادي، أو في غلمان يقول: هم أولادي؛ لأن الأخذ منه لمكان الحماية والعصمة(٢) لما في يده، وقد وجدت فلا يمنع شيء من ذلك من الأخذ، وإنما قبل قوله في الاستيلاد والنسب؛ لأن الاستيلاد والنسب؛ كما يثبت في دار الإسلام، يثبت في دار الحرب. وعلل محمد - رحمه الله - فقال: الحربي لا يخلو إما أن يكون صادقاً وإما أن يكون كاذباً: فإن كان صادقاً فقد صدق؛ وإن كان كاذباً، فقد صارت بإقراره في الحال أم ولد له، ولا عشر في أم الولد. ولو قال: هم مُدَبَّرُونَ، لا يلتفت إلى قوله؛ لأن التدبير لا يصح في دار الحرب، ولو مرّ على عاشر بمال، وقال: هو عندي بضاعة، أو قال: أنا أجير فيه (٣) فالقول قوله ولا يعشره، ولو قال: هو عندي مضاربة فالقول قوله أيضاً، وهل يعشره، كان أبو حنيفة أولاً يقول: يعشره، ثم رجع، وقال: لا يعشره، وهو قول أبي يوسف ومحمد. ولو مر العبد المأذون بمال من كسبه وتجارته، وليس عليه دين، واستجمع شرائط وجوب الزكاة فيه - فإن كان معه مولاه عشره بالإجماع، وإن لم يكن معه مولاه - فكذلك يعشره في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: لا يعشره، وقال أبو يوسف: لا [أعلم] (٤) أنه رجع في العبد أم لا، وقيل: إن الصحيح أن رجوعه في المضارب رجوع في العبد المأذون. وجه قوله الأول في المضارب: إن المضارب بمنزلة المالك؛ لأنه يملك التصرف في المال؛ ولهذا يجوز بيعه من رَبِّ المال. (١) سيأتي تخريجه والكلام عليه. (٢) في أ: الغنيمة. (٣) في أ: منه. (٤) سقط في أ. ٤٥٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ وجه قوله الأخير، وهو قولهما: إن الملك شرط الوجوب، ولا ملك له فيه، ورب المال لم يأمره بأداء الزكاة؛ لأنه لم يأذن له بعقد المضاربة، إلا بالتصرف في المال، [وقد خرج الجواب عن قوله: إنه بمنزلة المالك؛ لأنا نقول: نعم، لكن في ولاية التصرف في المال](١) لا في أداء الزكاة كالمستبضع، والعبد المأذون في معنى المضارب في هذا المعنى؛ ولأنه لم يؤمر إلا بالتصرف؛ فكان الصحيحُ هو الرجوع. ولا يؤخذ من المسلم إذا مر على العاشر في السنة، إلا مرة واحدة؛ لأن المأخوذ منه زكاة، والزكاة لا تجب في السنة إلا مرة واحدة، وكذلك الذمي؛ لأنه بقبول عقد الذمة - صار له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين؛ ولأن العاشر يأخذ منه باسم الصدقة، وإن لم تكن صدقة حقيقة كالتغلبي، فلا يؤخذ منه في الحول إلا مرة واحدة، وكذلك الحربي إلا إذا عشره، فرجع إلى دار الحرب، ثم خرج؛ أنه يعشره ثانياً، وإن خرج من يومه ذلك؛ لأن الأخذ من أهل الحرب؛ لمكان حماية ما في أيديهم من الأموال، وما دام هو في دار الإسلام - فالحماية متحدة ما دام الحول باقياً، فيتحد حق الأخذ، وعند دخوله دار الحرب، ورجوعه إلى دار الإسلام - تتجدد الحماية، فيتجدد حق الأخذ. وإذا مر الحربي على العاشر، فلم يعلم حتى عاد إلى دار الحرب، ثم رجع ثانياً فعلم به - لم يعشره لما مضى؛ لأن ما مضى سقط لانقطاع حق الولاية عنه بدخوله دار الحرب، ولو اجتاز المسلم والحربي (٢)، ولم يعلم بهما العاشر، ثم علم بهما في الحول الثاني - أخذ منهما؛ لأن الوجوب قد ثبت، ولم يوجد(٣) ما يسقطه، ولو مر على العاشر بالخضراوات/، ١١٨١ وبما لا يبقى حولاً كالفاكهة ونحوها ـ لا يعشره في قول أبي حنيفة، وإن كانت قيمته مائتي درهم، وقال أبو يوسف ومحمد: يعشره. وجه قولهما: إن هذا مال التجارة، والمعتبر في مال التجارة معناه، وهو ماليته وقيمته لا عينه، فإذا بلغت قيمته نصاباً تجب فيه الزكاةُ؛ ولهذا وجبت الزكاة فيه، إذا كان يتجر فيه في المصر. (١) سقط في أ. (٢) في أ: والذمي. (٣) في أ: يؤخذ. ٤٥٤ كِتَابُ الزَّكَاةِ ولأبي حنيفة ما رُوِيَ عن رسول الله - وََّ - أنه قال: ((لَيْسَ في الخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ))(١) والصدقة إذا أطلقت يُراد بها الزكاة، إلا أن ما يتجر بها في المصر صار مخصوصاً بدليل. أو يحمل على أنه ليس فيها صدقة تؤخذ، أي: ليس للإمام أن يأخذها، بل صاحبها يؤديها بنفسه؛ ولأن الحول شرط وجوب الزكاة، وأنها لا تبقى حولاً، والعاشر إنما يأخذ منها بطريق الزكاة؛ ولأن ولاية الأخذ بسبب الحماية، وهذه الأشياء لا تفتقر إلى الحماية؛ لأن أحداً لا يقصدها، ولأنها تهلك في يد العاشر في المفازة؛ فلا يكون أخذها مفيداً. وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي))؛ أنه تجب الزكاة على صاحبها بالإجماع، وإنما الخلاف في أنه هل للعاشر حق الأخذ، وذكر الكرخي؛ أنه لا شيء فيه في قول أبي حنيفة، وهذا الإطلاق يدل على أن الوجوب مختلف فيه، والله أعلم. ولا يعشر مال الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل وجوب الزكاة عليهما عندهما، ولو مر صبي وامرأة من بني تغلب على العاشر - فليس على الصبي شيء، وعلى المرأة ما على الرجل؛ لأن المأخوذ من بني تغلب يسلك به مسلك الصدقات، لا يفارقها إلا في التضعيف، والصدقة لا تؤخذ من الصبي، وتؤخذ من المرأة. ولو مر على عاشر الخوارج في أرض غلبوا عليها فعشره، ثم مر على عاشر أهل العدل - يعشره ثانياً؛ لأنه بالمرور على عاشرهم ضيع حق سلطان أهل العدل، وحق فقراء أهل العدل بعد دخوله تحت حماية سلطان أهل العدل؛ فيضمن. ولو مر ذمي على العاشر بخمر للتجارة أو خنازير - يأخذ عشر ثمن الخمر، ولا يعشر الخنازير في ظاهر الرواية. (١) أخرجه الدارقطني (٩٥/٢) كتاب الزكاة حديث (١) ومن طريقه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٢/ ٤٩٨) من طريق أحمد بن الحارث عن الصقر بن حبيب السلولي قال: سمعت أبا رجاء العطاردي يحدث عن ابن عباس عن علي أن النبي ◌َّه قال: ليس في الخضراوات زكاة. قال الزيلعي في «نصب الراية)) (٣٥٧/٢): قال ابن حبان في («كتاب الضعفاء ليس هو من كلام رسول الله ◌َّ وإنما يعرف بإسناد منقطع فقلبه الصقر على أبي رجاء وهو يأتي بالمقلوبات. انتهى وأحمد بن الحارث الراوي عن الصقر هو الغساني قال أبو حاتم الرازي: هو متروك الحديث وله شاهد من حديث أنس. أخرجه الدارقطني (٩٦/٢) كتاب الزكاة حديث (٦) من طريق محمد بن مروان السنجاري ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَلّ: ليس في الخضراوات صدقة. قال الدار قطني : مروان السنجاري ضعيف. ٤٥٥ كِتَابُ الزَّكَاةِ وروي عن أبي يوسف؛ أنه يعشرهما، وهو قول زفر، وعند الشافعي: لا يعشرهما. وجه قول الشافعي أن الخمر والخنزير ليسا بمال أصلاً، والعشر إنما يؤخذ من المال. وجه قول زفر: إنهما مالان متقومان في حق أهل الذمة، فالخمر عندهم كالخل عندنا، والخنزير عندهم كالشاة عندنا؛ ولهذا كانا مضمونين على المسلم بالإتلاف، وجه ظاهر الرواية، وهو الفرقُ بين الخمر والخنزير من وجهين: أحدهما: أن الخمر من ذوات الأمثال والقيمة فيما له مثل من جنسه، لا يقوم مقامه - فلا يكون أخذ قيمة الخمر كأخذ عين الخمر، والخنزير من ذوات القِيم، لا من ذوات الأمثال، والقيمة فيما لا مثل له يقوم مقامه - فكان أخذ قيمته كأخذ عينه؛ وذا لا يجوز للمسلم. والثاني: أن الأخذ حق للعاشر بسبب الحماية، وللمسلم ولاية حماية الخمر في الجملة؛ ألا ترى أنه إذا ورث الخمر - فله ولاية حمايتها عن غيره بالغصب، ولو غصبها غاصب له أن يخاصمه، ويستردها منه للتخليل، فله ولاية حماية خمر غيره عند وجود سبب ثبوت الولاية، وهو ولاية السلطنة، وليس للمسلم ولاية حماية الخنزير رأساً، حتى لو أسلم وله خنازير ليس له أن يحميها، بل يسيبها فلا يكون له ولاية حماية خنزير غيره. فضل في بيان القدر المأخوذ مما يمر به التاجر وأما القدر المأخوذ مما يمر به التاجر على العاشر؛ فالمار لا يخلو؛ إما إن كان مسلماً، أو ذميّاً، أو حربياً، فإن كان مسلماً يأخذ منه في أموال التجارة ربع العشر؛ لأن المأخوذ منه زكاة، فيؤخذ على قدر الواجب من الزكاة في أموال التجارة، وهو ربع العشر، ويوضع موضع الزكاة، ويسقط عن ماله زكاة تلك السنة، وإن كان ذمياً يأخذ منه نصف العشر، ويؤخذ على شرائط الزكاة، لكن يوضع موضع الجزية والخراج، ولا تسقط عنه جزية رأسه في تلك السنة، غير نصارى بني تغلب؛ لأن عمر - رضي الله عنه - صالحهم من الجزية على الصدقة المضاعفة، فإذا أخذ العاشر منهم ذلك سقطت الجزية عنهم، وإن كان حربياً يأخذ منه ما يأخذونه من المسلمين، فإن علم أنهم يأخذون منا ربع العشر - أخذ منهم ذلك القدر، وإن كان نصفاً فنصف، وإن كان عشراً فعشر؛ لأن ذلك ادعى لهم إلى المخالطة بدار الإسلام، فيروا محاسن الإسلام؛ فيدعوهم ذلك إلى الإسلام. فإن كان لا يعلم ذلك يأخذ منه العشر، وأصله ما روينا عن عمر - رضي الله عنه؛ أنه كتب إلى العشار في الأطراف: أن خذوا من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم، ولم يخالفه أحد ٤٥٦ كِتَابُ الزَّكَاةِ ١ب منهم؛ فيكون إجماعاً منهم على ذلك، وروي أنه قال: خذوا/ منهم ما يأخذون من تجارنا، فقيل له: إن لم نعلم ما يأخذون من تجارنا، فقال: خذوا منهم العشر، وما يؤخذ منهم فهو في معنى الجزية، والمؤنة توضع مواضع الجزية، وتصرف إلى مصارفها. فضل في ركن الزكاة وأما ركن الزكاة فركن الزكاة هو إخراجُ جزء من النصاب إلى الله تعالى، وتسليم ذلك إليه يقطع المالك يده عنه بتمليكه من الفقير وتسليمه إليه، أو إلى يد من هو نائب عنه وهو المُصَدِّقُ، والملك للفقير يثبت من الله تعالى، وصاحب المال نائب عن الله تعالى في التمليك والتسليم إلى الفقير؛ والدليلُ عَلَى ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقول النبي ◌ََّ: ((الصَّدَقَةُ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّحْمُنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الفَقِيرِ))(١)، وقد أمر الله تعالى الملاك(٢) بإيتاء الزكاة، لقوله عز وجل: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والإيتاء هو التمليك؛ ولذا سمى الله تعالى الزكاة صدقة بقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، والتصدق تمليك، فيصير المالك مخرجاً قدر الزكاة إلى الله تعالى بمقتضى التمليك سابقاً عليه، ولأن الزكاة عبادة على أصلنا، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى. وذلك فيما قلنا: إن عند التسليم إلى الفقير تنقطع نسبةُ [قدر](٣) الزكاة عنه بالكلية، وتصير خالصة لله تعالى، ويكون معنى القربة في الإخراج إلى الله تعالى بإبطال ملكه عنه، لا في التمليك من الفقير، بل التمليك من الله تعالى في الحقيقة، وصاحب المال نائب عن الله تعالى، غير أن عند أبي حنيفة الركن هو إخراج جزء من النصاب من حيث المعنى دون الصورة؛ وعندهما صورة ومعنى، لكن يجوز إقامة الغير مقامه من حيث المعنى، ويبطل اعتبار الصورة بإذن صاحب الحق، وهو الله تعالى، على ما بينا فيما تقدم، وبينا اختلاف المشايخ في السَّوائم على قول أبي حنيفة . وعلى هذا يخرج صرف الزكاة إلى وجوه البر؛ من بناء المساجد، والرباطات، والسقايات، وإصلاح القناطر، وتكفين الموتى ودفنهم؛ أنه لا يجوز؛ لأنه لم يوجد التمليك (١) تقدم، وفيه: إلا كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه. (٢) في أ: المالك. (٣) سقط في أ. ٤٥٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ أصلاً، وكذلك إذا اشترى بالزكاة طعاماً فأطعم الفقراء غداء وعشاء، ولم يدفع عين الطعام إليهم - لا يجوز لعدم التمليك، وكذا لو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة؛ لأنه لم يوجد التمليك من الفقير لعدم قبضه . [ولو قضى دين حي فقير، إن قضى بغير أمره - لم يجز؛ لأنه لم يوجد التمليك من الفقير](١) لعدم قبضه، وإن كان بأمره يجوز عن الزكاة؛ لوجود التمليك من الفقير؛ لأنه لما أمره به صار وكيلاً عنه في القبض، فصار كأن الفقير قبض الصدقة بنفسه، وملكه من الغريم(٢)، ولو أعتق عبده بنية الزكاة - لا يجوز؛ لانعدام التمليك؛ إذ الاعتاق ليس بتمليك، بل هو إسقاط الملك، وكذا لو اشترى بقدر الزكاة عبداً فأعتقه - لا يجوز عن الزكاة عند عامة العلماء . وقال مالك: يجوز، وبه تأول قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وهو أن يشتري بالزكاة عبداً فيعتقه . ولنا: أن الواجب هو التمليكُ، والإعتاق إزالة الملك فلم يأتِ بالواجب، والمراد من قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ إعانة المكاتبين بالزكاة لما نذكره، ولو دفع زكاته إلى الإمام، أو إلى عامل الصدقة - يجوز؛ لأنه نائب عن الفقير في القبض، فكأن قبضه كقبض الفقير، وكذا لو دفع زكاة ماله إلى صبي فقير، أو مجنون فقير، وقبض له وليه أبوه أو جده، أو وصيهما - جاز؛ لأن الولي يملك قبض الصدقة عنه، وكذا لو قبض عنه بعض أقاربه، وليس ثمة أقرب منه، وهو في عياله - يجوز، وكذا الأجنبي الذي هو في عياله؛ لأنه في معنى الولي في قبض الصدقة؛ لكونه نفعاً محضاً؛ ألا ترى أنه يملك قبض الهبة له، وكذا الملتقط إذا قبض الصدقة عن اللقيط؛ لأنه يملك القبض له، فقد وجد تمليك الصدقة من الفقير. وذكر في ((العيون)) عن أبي يوسف: أن من عال يتيماً، فجعل يكسوه ويطعمه، وينوي به عن زكاة ماله - يجوز، وقال محمد: ما كان من كسوة يجوز، وفي الطعام لا يجوز إلا ما دفع إليه، وقيل: لا خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن مراد أبي يوسف ليس هو الإطعام على طريق الإباحة، بل على وجه التمليك، ثم إن كان اليتيم عاقلاً يدفع إليه، وإن لم يكن عاقلاً يقبض عنه بطريق النيابة، ثم يكسوه ويطعمه؛ لأن قبض الولي كقبضه لو كان عاقلاً. ولا يجوز قبض الأجنبي للفقير البالغ العاقل إلا بتوكيله؛ لأنه لا ولاية له عليه، فلا بدّ من أمره كما في قبض الهبة، وعلى هذا أيضاً يخرج الدفع إلى عبده، ومدبره، وأم ولده؛ أنه (١) سقط في أ. (٢) في أ: الفقير. ٤٥٨ كِتَابُ الزَّكَاةِ لا يجوز لعدم التمليك؛ إذ هم(١) لا يملكون شيئاً، فكان الدفع إليهم دفعاً إلى نفسه، ولا يدفع إلى مكاتبه لأنه عبد ما بقى عليه درهم؛ ولأن كسبه متردد بين أن يكون له؛ أو لمولاه؛ لجواز أن يعجز نفسه. ولا يدفع إلى والده - وإن علا - ولا إلى ولده - وإن سفل؛ لأنه ينتفع بملكه؛ فكان ١٨٢أ الدفع إليه دفعاً إلى نفسه من وجه، فلا يقع تمليكاً مطلقاً؛ ولهذا لا تقبل شهادة/ أحدهما لصاحبه؛ ولا يدفع أحد الزوجين زكاته إلى الآخر. وقال أبو يوسف، ومحمد: تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها؛ احتجًا بما روي أن امرأةً عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - سألَتْ رَسُولَ اللهِ - رََّ - عن الصدقة عَلَىْ زَوْجِهَا عَبْدِ الله؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ◌ََّ -: ((لَكِ أَجْرَانِ: أَجْرُ الصَّدَقَةِ، وَأَجْرُ الصَّلَةِ))(٢)، ولأبي حنيفة أن أَحَدَ الزوجين ينتفع بمال صاحبه؛ كما ينتفع بمال نفسه عرفاً وعادة، فلا يتكامل معنى التمليك؛ ولهذا لم يجز للزوج أن يدفع إلى زوجته كذا الزوجة (وهو محمول على صدقة النقل](٣)، وتخرج هذه المسائل على أصل آخر سنذكره، والله تعالى أعلم. فضل في شرائط الركن وأما شرائط الركن فأنواع: بعضها يرجع إلى المؤدّي، وبعضها يرجع إلى المؤدَّى، وبعضها يرجع إلى المؤدی إلیه. أما الذي يرجع إلى المؤدي؛ فنية الزكاة. والكلام في النية في موضعين: في بيان أن النية شرط جواز أداء الزكاة، وفي بيان وقت نية الأداء. أما الأول: فالدليل عليه قولُه ـ وََّ -: ((لاَ عَمَلَ لِمَنْ لاَ نِيَّةَ لَهُ»(٤)، وقوله: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))(٥)، ولأن الزكاة عبادة مقصودة فلا تتأدَّى بدون النية كالصوم والصلاة، ولو تصدق بجميع ماله على فقير، ولم ينوِ الزكاة - أجزأه عن الزكاة استحساناً، والقياس ألا يجوز. (١) في أ: هؤلاء. (٢) أخرجه البخاري (٣٨٤/٣_٣٨٥): كتاب ((الزكاة)): باب ((الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر))، حديث (١٤٦٦)، ومسلم (٦٩٤/٢-٦٩٥) كتاب ((الزكاة)): باب: ((فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج))، حديث (٤٥ / ١٠٠٠). (٣) سقط في ط. (٤) تقدم. (٥) تقدم. ٤٥٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ وجه القياس: ما ذكرنا أن الزكاة عبادة مقصودة، فلا بدّ لها من النية. وجه الاستحسان: أن النية وجدت دلالة؛ لأن الظاهر أن مَنْ عليه الزكاة لا يتصدق بجميع ماله، ويغفل عن نية الزكاة، فكانت النية موجودة دلالة، وعلى هذا إذا وهب جميع النصاب من الفقير، أو نوى تطوعاً. وروي عن أبي يوسف؛ أنه إن نوى أن يتصدق بجميع ماله، فتصدق شيئاً فشيئاً - أجزأه عن الزكاة لما قلنا، وإن لم ينو أن يتصدق بجميع ماله فجعل يتصدق حتى أتى عليه ضمن الزكاة؛ لأن الزكاة بقيت واجبة عليه بعد ما تصدَّق ببعض المال، فلا تسقط بالتصدق بالباقي، ولو تصدق ببعض ماله من غير نية الزكاة حتى لم يجزئه عن زكاة الكل - فهل يجزئه عن زكاة القدر الذي تصدَّق به . قال أبو يوسف: لا يجزئه، وعليه أن يزكي الجميع . وقال محمد: يجزئه عن زكاة [قدر] (١) ما تصدق به، ويزكي ما بقي، حتى إنه لو أدى خمسة من مائتين لا ينوي الزكاة، أو نوى تطوعاً - لا تسقط عنه زكاة الخمسة في قول أبي يوسف، وعليه زكاة الكل، وعند محمد: تسقط عنه زكاة الخمسة، وهو ثمن درهم، ولا يسقطُ [عنه](٢) زكاة الباقي. وكذا لو أدى مائة لا ينوي الزكاة، ونوى تطوعاً - لا تسقط زكاة المائة، وعليه أن يزكي الكل عند أبي يوسف. وعند محمد: يسقط عنه زكاة ما تصدق وهو درهمان ونصف، ولا يسقط عنه زكاة الباقي. كذا ذكر القدوري الخلاف في شرحه ((مختصر الكرخي)). وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)): أنه يسقط عنه زكاة القدر المؤدى، ولم يذكر الخلاف. وجه قول محمد: اعتبار البعض بالكل، وهو أنه لو تصدق بالكل لجاز عن زكاة الكل، فإذا تصدَّق بالبعض يجوز عن زكاته؛ لأن الواجب شائع في جميع النصاب، ولأبي يوسف: أن سقوط الزكاة بغير نية لزوال ملكه على وجه القربة عن المال الذي فيه الزكاة، ولم يوجد ذلك في التصدق بالبعض، ولو تصدق بخمسة ينوي بجميعها الزكاة والتطوع - كانت من الزكاة في قَوْلٍ أبي يوسف. وقال محمد: هي من التطوع. وجه قول محمد أن النيتين تعارضتا، فلم يصح التعيين للتعارض، فالتحق بالعدم، فبقي التصدق بنية مطلقة، فيقع عن التطوع؛ لأنه أدنى، والأدنى متيقن به. (١) سقط في ط. (٢) سقط في أ. ٤٦٠ كِتَابُ الزَّكَاةِ وجه قول أبي يوسف: أن عند تعارض الجهتين يعمل بالأقوى، وهو الفرض؛ كما في تعارض الدليلين؛ أنه يعمل بأقواهما؛ ولأن التعيين يعتبر في الزكاة لا في التطوع؛ لأن التطوع لا يحتاج إلى التعيين. ألا ترى أن إطلاق الصدقة يقع عليه، فَلَغَا تعيينه، وبقيت الزكاة متعينة، فيقع عن الزكاة، والمعتبر في الدفع نية الأمر، حتى لو دفع خمسة إلى رجل، وأمره أن يدفعها إلى الفقير عن زكاة ماله، فدفع ولم تحضره النية عند الدفع - جاز؛ لأن النية إنما تعتبر من(١) المؤدّي، والمؤدي هو الآمر في الحقيقة، وإنما المأمور نائب عنه في الأداء؛ ولهذا لو وكل ذمياً بأداء الزكاة جاز؛ لأن المؤدي في الحقيقة هو المسلم. وذكر في ((الفتاوى)) عن الحسن بن زياد في رجل أعطى رجلاً دراهم؛ ليتصدق بها تطوعاً، ثم نوى الآمر أن يكون ذلك من زكاة ماله، ثم تصدق المأمور - جاز عن زكاة مال الآمر. وكذا لو قال: تصدق بها عن كفارة يميني، ثم نوى الآمر عن زكاة ماله - [جاز](٢)، لما ذكرنا أن الآمر هو المؤدي من حيث المعنى، وإنما المأمور نائب عنه. ولو قال: إن دخلت هذه الدار فلله عليّ أن أتصدَّق بهذه المائة [درهم](٣)، ثم نوى وقت الدخول عن زكاة ماله - لا تكون زكاة؛ لأن عند الدخول وجب عليه التصدق بالنذر ١٨٢ ب المتقدم، أو/ اليمين المتقدمة؛ وذلك لا يحتمل الرجوع فيه، بخلاف الأول. ولو تصدق عن غيره بغير أمره، فإن تصدق بمال نفسه - جازت الصدقة عن نفسه، ولا تجوز عن غيره، وإن أجازه ورضي به، أما عدم الجواز عن غيره؛ فلعدم التمليك منه؛ إذ لا ملك له في المؤدي، ولا يملكه بالإجازة، فلا تقع الصدقة عنه، وتقع عن المتصدق؛ لأن التصدق وجد نفاذاً عليه. وإن تصدق بمال المتصدق عنه وقف على إجازته؛ فإن أجاز - والمال قائم - جاز عن الزكاة، وإن كان المال هالكاً ـ جاز عن التطوع، ولم يجز عن الزكاة؛ لأنه لما تصدق عنه بغير أمره، وهلك المال - صار بدله ديناً في ذمته، فلو جاز ذلك عن الزكاة - كان أداء الدين عن الغير، وأنه لا يجوز، والله أعلم. (١) في أ: في. (٢) سقط في أ. (٣) سقط في أ.