النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وأما الكلام في المسألة على وجه الابتداء: فالشافعي احتجَّ بما رُوِيَ عن النبيِّ - وَّر - أنه
قال: ((أَبْتَغُوا فِي أَمْوَالِ اليَتَامَى خَيْراً؛ كَيْلاَ تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ))(١)، ولو لم تجب الزكاة في مال
اليتيم - ما كانت الصدقة تأكلها، وروي عَنْهُ - وََّ - أنه قال: ((مَنْ وَلِيَ يَتِيماً فَلْيُؤَدُ زَكَاةَ
مَالِهِ))(٢)، وروي: ((مَنْ وَلِيَ يَتِيماً فَلْيُزَكُ مَالَهُ))(٣)، ولعمومات الزكاة من غير فصل بين البالغين
والصبيان؛ ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب وقد وجد، فتجب الزكاة فيه كالبالغ.
والحديث ذكره الغساني في ((تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني)) (ص -٢٣١) رقم (٤٨٦)
وذکر کلام الدارقطني في سننه.
ثم أخرجه من طريق حفص بن غياث، قال: سمعت عدة منهم الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن
عمر أنه كان يعطي صدقة الفطر عن جميع أهله صغيرهم وكبيرهم عمن يعول وعن رقيقه، وعن رقيق
نسائه .
قال الحافظ في ((تلخيص الحبير)) (١٨٤/٢): رواه الدارقطني من حديث علي، وفي إسناده ضعف
وإرسال، ورواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلاً، قال البيهقي:
ورواه حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، قال: فرض رسول الله وَ لّر على كل
صغير أو كبير أو عبد ممن تمونون، صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، عن كل
إنسان، وفيه انقطاع، وروى الثوري في جامعه، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن
علي، قال: من جرت عليه نفقتك نصف صاع براً وصاع من تمر، وهذا موقوف، وعبد الأعلى ضعيف.
(١) ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (١٥٨/٢-١٥٩) وقال أخرجه الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن
جريج عن يوسف بن ماهك به مرسلاً، ولكن أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة
مطلقاً، وفي الباب عن أنس مرفوعاً: ((اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة)) رواه الطبراني في الأوسط
في ترجمة علي بن سعيد، وروى البيهقي من حديث سعيد بن المسيب عن عمر موقوفاً عليه مثله،
وقال: إسناده صحيح، وروى الشافعي عن ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفاً أيضاً، وروى
البيهقي من طريق شعبة عن حميد بن هلال سمعت أبا محجن أو ابن محجن وكان خادماً لعثمان بن أبي
العاص، قال قدم عثمان بن أبي العاص على عمر، فقال له عمر: كيف متجر أرضك؟ فإن عندي مال
يتيم قد كادت الزكاة أن تفنيه، قال: فدفعه إليه، وروى أحمد بن حنبل من طريق معاوية بن قرة عن
الحكم بن أبي العاص عن عمر نحوه، ورواه الشافعي عن ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر
موقوفاً أيضاً، وروى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة تليني وأخاً
لي يتيماً في حجرها، وكانت تخرج من أموالنا الزكاة، وروى الدارقطني والبيهقي. وابن عبد البر ذلك:
من طرق عن علي بن أبي طالب وهو مشهور عنه (تنبيه) روى البيهقي من طريق ليث بن أبي سليم عن
مجاهد عن ابن مسعود قال: من ولى مال يتيم فليحص عليه السنين، وإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من
الزكاة، فإن شاء زكّى، وإن شاء ترك، وأعله الشافعي بالانقطاع، وبأن ليثاً ليس يحافظ، وفي الباب عن
ابن عباس وفيه ابن لهيعة.
(٢) أخرجه الدار قطني (١١٠/٢)، وينظر: التلخيص (٣٣١/٢).
(٣) ينظر الحديث السابق.

٣٨٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ولنا: أنه لا سبيل إلى الايجاب على الصبي؛ لأنه مرفوع القلم بالحديث؛ ولأن إيجاب
الزكاة إيجاب الفعل، وإيجاب الفعل على العاجز عن الفعل - تكليف ما ليس في الوسع، ولا
سبيل إلى الإيجاب على الولي، ليؤدي من مال الصبي؛ لأن الولي منهيٌّ عن قربان مال اليتيم،
إلا على وجه الأحسن؛ بنص الكتاب، وأداء الزكاة من ماله قربان ماله لا على وجه الأحسن؛
لما ذكرنا في الخلافيات، والحديثان غريبان، أو من الآحاد، فلا يعارضان الكتاب مع أن اسم
الصدقة يُطلق على النفقة؛ قال - وَالَ : ((نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى عِيَالِهِ صَدَقَةٌ)) (١)،
وفي الحديث ما يدل عليه؛ لأنه أضاف الأكل إلى جميع المال، والنفقة هي التي تأكل الجميع
١٦٤ ب لا الزكاة، أو تحمل / الصدقة والزكاة على صدقة الفطر؛ لأنها تسمى زكاة.
وأما قوله: ((مَنْ وَلِيَ يَتِيماً فَلْيُزَكُ مَالَهُ)) أي: ليتصرف في ماله، كي ينمو ماله؛ إذ التزكية
هي التنمية توفيقاً بين الدلائل، وعمومات الزكاة لا تتناول الصبيان أو هي مخصوصة، فتخص
المتنازع فيه بما ذكرنا، والله أعلم.
ومنها: العقلُ عندنا: فلا تجب الزكاة في مال المجنون جنوناً(٢) أصلياً، وجملة الكلام
فيه أن الجنون نوعان: أصلي، وطارىء.
أما الأصلي: وهو أن يبلغ مجنوناً، فلا خلاف بين أصحابنا أنه يمنع انعقاد الحول على
النصاب، حتى لا يجب عليه أداء زكاة ما مضى من الأحوال بعد الإفاقة، وإنما يعتبر ابتداء
الحول من وقت الإفاقة؛ لأنه الآن صار أهلاً لأن ينعقد الحول على ماله؛ كالصبي إذا بلغ أنه
لا يجب عليه أداء زكاة ما مضى من زمان الصبا، وإنما يعتبر ابتداء الحول على ماله من وقت
البلوغ عندنا، كذا هذا؛ ولهذا منع وجوب الصلاة والصوم؛ كذا الزكاة.
وأما الجنون الطارىء: فإن دام سنة كاملة فهو في حكم الأصلي؛ ألا ترى أنه في حق
الصوم كذلك، كذا في حق الزكاة؛ لأن السنة في الزكاة كالشهر في الصوم، والجنون
(١) تقدم.
(٢) الجنون في اللغة: يقال جنّه يجنه جنا، وجن عليه جنا وجنوناً، وأجنّه الليل ستره. قال الراغب وأصل
الجن الستر عن الحاسة، قال تعالى: ﴿فلما جنَّ عليه الليل رأى كوكباً﴾ وحيثما كانت هذه المادة فهي
تتضمن الستر، وإنما سمي المجنون مجنوناً لأن عقله قد ستر.
الجنون في الاصطلاح: وعرفه الفقهاء: بأنه اختلال العقل بحيث لا تجري أفعاله وأقواله على نهجه
قصداً. وذلك إمّا لنقصان جبل عليه دماغه فلا يصلح لقبول ما أعد له كلسان الأخرس وعين الأكمة. وأمّا
لخروج مزاج الدماغ عن حد الاعتدال بسبب خلط أو رطوبة أو يبوسة وأمّا باستيلاء الشيطان وإلقاء
الخیالات الفاسدة إليه.
ينظر شرح القاموس ٩/ ٣٩٠.

٣٨٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
المستوعب للشهر يمنع وجوب الصوم؛ فالمستوعب للسنة يمنع وجوب الزكاة؛ ولهذا(١) يمنع
وجوب الصلاة والحج، فكذا الزكاة، وإن كان في بعض السنة، ثم أفاق - روي عن محمد في
((النوادر))؛ أنه إن أفاق في شيء من السنة، وإن كان ساعة من الحول، من أوله أو وسطه أو
آخره - تجب زكاة ذلك الحول، وهو رواية ابن سماعة عن أبي يوسف أيضاً.
وروى(٢) هشام عنه؛ أنه قال: إن أفاق أكثر السنة وجبت، وإلا فلا.
وجه هذه الرواية: أنه إذا كان في أكثر السنة مفيقاً؛ فكأنه كان مفيقاً في جميع السنة؛ لأن
للأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام خصوصاً فيما يحتاط فيه.
وجه الرواية الأخرى، وهو قول محمد: هو اعتبار الزكاة بالصوم وهو اعتبار صحيح؛
لأن السنة للزكاة كالشهر للصوم، ثم الإفاقة في جزء من الشهر يكفي (٣) لوجوب صوم الشهر؛
كذا الإفاقة في جزء من السنة تكفي لانعقاد الحَوْلِ على المال.
وأما الذي يُجَنُّ وَيُفِيقُ: فهو كالصحيح، وهو بمنزلة النائم والمغمى عليه.
ومنها الحرية؛ لأن الملك من شرائط الوجوب لما نذكر، والمملوك لا ملك له حتى لا
تجب الزكاة على العبد، وإن كان مأذوناً له في التجارة؛ لأنه إن لم يكن عليه دَيْنٌ فكسبه
لمولاه، وعلى المولى زكاته. وإن كان عليه دين محيط بكسبه فالمولى لا يملك كسب عبده
المأذون المديون عند أبي حنيفة، فلا زكاة فيه على أحد. وعند أبي يوسف ومحمد: إن كان
يملكه، لكنه مشغول بالدين، والمال المشغول بالدين لا يكون مال الزكاة؛ وكذا المدبر وأم
الولد لما قلنا، وكذا لا زكاة على المكاتب في كسبه، لأنه ليس ملكه حقيقة؛ لقيام الرقِّ فيه
بشهادةِ النبيِّ - وََّ -: ((المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَم))(٤)، والعبد اسم للمرقوق، والرق ينافي
الملك .
وأما المستسعى: فحكمه حكم المكاتب في قول أبي حنيفة، وعندهما هو حر مديون،
فينظر إن كان فضل عن سعايته ما يبلغ نصاباً - تجب الزكاة عليه، وإلا فلا. والله أعلم.
ومنها ألا يكون عليه دين مطالب به من جهة العباد عندنا، فإن كان فإنه يمنع وجوب
الزكاة بقدره، حالاً كان أو مؤجلاً .
(١) في أ: وكذا.
(٢) في أ: في رواية.
(٣) في أ: تكض.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٧٨٧، كتاب المكاتب باب القضاء في المكاتب (١).

٣٨٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وعند الشافعي: هذا ليس بشرط، والدين لا يمنع وجوب الزكاة كيفما كان.
احتج الشافعي بعمومات الزكاة من غير فصل؛ ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب،
وشرطه أن يكون معداً للتجارة، أو لِلْإِسَامَةِ. وقد وجد، أما الملك فظاهر؛ لأن المديون مالك
لماله؛ لأن دين الحر الصحيح يجب في ذمته، ولا يتعلق بماله؛ ولهذا يملك التصرف فيه كيف
شاء، وأما الإِعْدَادُ للتجارةِ أو الإِسَامَةُ؛ فلأن الدين لا ينافي ذلك والدليل عليه أنه لا يمنع
وجوب العشر.
ولنا: ما روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه خطب في شهر رمضان، وقال في
خُطبتِهِ: ((ألا إن شهرَ زكاتكم قد حضرَ، فمن كَانَ لهُ مالٌ وعليهِ دَيْنٌ - فَلْيحْسِبُ مَالَهُ بما علیه؛
ثم ليزك بقية ماله))، وكان بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد منهم؛ فكان ذلك إجماعاً
منهم على أنه لا تجب الزكاة في القدر المشغول بالدين، وبه تبين أن مال المديون خارج عن
عمومات الزكاة؛ ولأنه محتاج إلى هذا المال حاجة أصلية، لأن قضاء الدين من الحوائج
الأصلية، والمال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون مال الزكاة؛ لأنه لا يتحقق به الغني، و((لا
صدقة إلا عن ظهر غني)) على لسان رسول الله - وَّه - وقد خرج الجواب عن قوله: إنه وجد
سبب الوجوب وشرطه؛ لأن صفة الغنى مع ذلك شرط، ولا يتحقق مع الدين، مع ما أن ملكه
١٦٥أ في النصاب ناقص؛ بدليل أن لصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه أن يأخذه/ من غير قضاء ولا
رضاء .
وعند الشافعي: له ذلك في الجنس وخلاف الجنس، وذا آية عدم الملك؛ كما في
الوديعة والمغصوب؛ فلأن يكون دليل نقصان الملك ـ أولى.
وأما العشر: فقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أن الدين يمنع وجوب العشر؛ فيمنع
على هذه الرواية، وأما على ظاهر الرواية فلأن العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج، فلا يعتبر
فيه غنى المالك؛ ولهذا لا يعتبر فيه أصل الملك عندنا، حتى يجب في الأراضي الموقوفة
وأرض المكاتب؛ بخلاف الزكاة، فإنه لا بدّ فيها من غنى المالك، والغِنَى لاَ يُجَامِعُ الدَّيْنَ،
وعلى هذا يخرج مهر المرأة، فإنه يمنع وجوب الزكاة عندنا، معجلاً كان أو مؤجلاً؛ لأنها إذا
طالبته يؤاخذ به .
وقال بعض مشايخنا: إن المؤجل لا يمنع؛ لأنه غير مطالب به عادة، فأما المعجل
فيطالب به عادة؛ فيمنع، وقال بعضهم: إن كان الزوج على عزم من قضائه - يمنع، وإن لم
يكن على عزم القضاء - لا يمنع؛ لأنه لا يعده دَيْناً، وإنما يؤاخذ المرء بما عنده في الأحكام.
وذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري - رحمه الله - في الإجارة الطويلة
التي تعارفها أهل ((بخارى)): أن الزكاة في الأجرة المعجلة تجب على الآجر؛ لأنه ملكه قبل
الفسخ، وإن كان يلحقه دين بعد الحول بالفسخ.

٣٨٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال بعض مشايخنا: إنه يجب على المستأجر أيضاً، لأنه يعد ذلك مالاً موضوعاً عند
الآجر، وقالوا في البيع الذي اعتاده أهل ((سمرقند))، وهو بيع الوفاء: إن الزكاة على البائع في
ثمنه إن بقي حولاً؛ لأنه ملكه، وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن يلزم المشتري أيضاً؛ لأنه يعده
مالاً موضوعاً عند البائع، فيؤاخذ بما عنده، وقالوا فيمن ضمن الدرك فاستحق المبيع: إنه إن
كان في الحول يمنع؛ لأن المانع قارن الموجب فيمنع الوجوب، فأما إذا استحق بعد الحول لا
يسقط الزكاة؛ لأنه دين حادث؛ لأن الوجوب مقتصر على حالة الاستحقاق، وإن كان الضمان
سبباً حتى اعتبر من جميع المال، وإذا اقتصر وجوب الدين، لم يمنع وجوب الزكاة قبله.
وأما نفقة الزوجات: فما لم يصر ديناً؛ إما بفرض القاضي أو بالتراضي - لا يمنع، لأنها
تجب شيئاً فشيئاً، فتسقط إذا لم يوجد قضاء القاضي أو التراضي، [وتمنع إذا فرضت بقضاء
القاضي أو بالتراضي](١)؛ لصيرورته ديناً، وكذا نفقة المحارم: تمنع إذا فرضها القاضي في مدة
قصيرة نحو ما دون الشهر فتصير ديناً، فأما إذا كانت المدة طويلة فلا تصير ديناً، بل تسقط؛
لأنها صلة محضة بخلاف نفقة الزوجات، إلا أن القاضي يضطر إلى الفرض في الجملة في نفقة
المحارم أيضاً، لكن الضرورة ترتفع بأدنى المدة.
وقال بعض مشايخنا: إن نفقة المحارم تصير ديناً أيضاً بالتراضي في المدة اليسيرة.
وقالوا: دين الخراج يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه مطالب به، وكذا إذا صار العشر ديناً في
ذمته بأن أتلف الطعام العشر صاحبه .
فأما وجوب العشر: فلا يمنع؛ لأنه متعلق بالطعام؛ يبقى ببقائه ويهلك بهلاكه، والطعام
ليس مال التجارة حتى يصير مستحقاً بالدين.
وأما الزكاة الواجبة في النصاب، أو دين الزكاة؛ بأن أتلف مال الزكاة حتى انتقل من
العين إلى الذمة: فكل ذلك يمنع وجوب الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد، سواء كان في
الأموال الظاهرة أو الباطنة .
وقال زفر: لا يمنع كلاهما.
وقال أبو يوسف: وجوب الزكاة في النصاب يمنع، فأما دين الزكاة فلا يمنع، هكذا ذكر
الكرخي قول زفر؛ ولم يفصل بين الأموال الظاهرة والباطنة.
(١) سقط في أ.
بدائع الصنائع ج٢ - م٢٥

٣٨٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)) أن هذا مذهبه في الأموال الباطنة من الذهب
والفضة، وأموال التجارة.
ووجه هذا القول ظاهر؛ لأن الأموال الباطنة لا يطالب الإمام بزكاتها، فلم يكن لزكاتها
مطالب من جهة العباد، سواء كانت في العين أو في الذمة، فلا يمنع وجوب الزكاة؛ كديون الله
تعالى من الكفارات، والنذور، وغيرها، بخلاف الأموال الظاهرة؛ لأن الإمام يطالب بزكاتها.
وأما وجه قوله الآخر: فهو أن الزكاة [دين، هو] (١) قربة؛ فلا يمنع وجوب الزكاة؛ كدين
النذور، والكفارات.
ولأبي يوسف: الفرق بين وجوب الزكاة وبين دينها: هو أن دين الزكاة في الذمة لا يتعلق
بالنصاب، فلا يمنع الوجوب؛ كدين الكفارات والنذور.
وأما وجوب الزكاة فمتعلق بالنصاب؛ إذ الواجب جزء من النصاب، واستحقاق جزء من
النصاب يوجب النصاب؛ إذ المستحق كالمصروف. وحكي أنه قيل لأبي يوسف: ما حجتك
على زفر؟ فقال: ما حجتي على من يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم، والأمر على ما قاله
١٦٥ ب أبو يوسف؛ لأنه إذا كان له مائتا درهم فلم يؤد زكاتها سنين كثيرة يؤدي إلى إيجاب / الزكاة
في المال أكثر منه بأضعافه وإنه قبيح؛ ولأبي حنيفة ومحمد: أن كل ذلك دين مطالب به من
جهة العباد.
أما زكاة السوائم؛ فلأنها يطالب بها من جهة السلطان، عيناً كان أو ديناً، ولهذا يستخلف
إذا أنكر الحول، أو أنكر كونه للتجارة، أو ما أشبه ذلك، فصار بمنزلة ديون العباد.
[وأما زكاة التجارة فمطالب بها أيضاً تقديراً؛ لأن حقَّ الأخذ للسلطان، وكان يأخذها
رسولُ الله - وَ ل ◌َ ـ وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - إلى زمن عثمان - رضي الله عنه، فلما
كثرت الأموال في زمانه، وعلم أن في تتبعها زيادة ضرر بأربابها - رأى المصلحة في أن يفوض
الأداء إلى أربابها بإجماع الصحابة؛ فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام.
ألا ترى أنه قال: من كان عليه دين فليؤده، وليزكٌ ما بقي من ماله، فهذا توكيل لأرباب
الأموال بإخراج الزكاة، فلا يبطل حق الإمام عن الأخذ؛ ولهذا قال أصحابنا: إن الإمام إذا علم
من أهل بلدة أنهم يتركون أداء الزكاة من الأموال الباطنة؛ فإنه يطالبهم بها، لكن إذا أراد الإمام
أن يأخذها بنفسه من غير تهمة الترك من أربابها - ليس له ذلك؛ لما فيه من مخالفة إجماع
الصحابة - رضي الله عنهم.
(١) سقط في ط.

٣٨٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وبيان ذلك أنه إذا كان لرجل مائتا درهم، أو عشرون مثقال ذهب، فلم يؤد زكاته
سنتين - يزكي السنة الأولى، وليس عليه للسنة الثانية شىء عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر: يؤدي زكاة سنتين، وكذا هذا في مال التجارة، وكذا في السَّوائم إذا كان له
خمس من الإبل السائمة، مضى عليها سنتان، ولم يؤد زكاتها؛ إنه يؤدي زكاة السنة الأولى،
وذلك شاة ولا شيء عليه للسنة الثانية.
ولو كانت عشراً، وحال عليها حولان - يجب للسنة الأولى شاتان، والثانية شاة، ولو
كانت الإبل خمساً وعشرين يجب للسنة الأولى بنت مخاض، وللسنة الثانية أربع شياه، ولو
كان له ثلاثون من البقر السوائم (١) يجب للسنة الأولى تبيع(٢) أو تبيعة، ولا شيء للسنة الثانية،
وإن كانت أربعين يجب للسنة الأولى مسنة، وللسنة الثانية تبيع أو تبيعة.
وإن كان له أربعون من الغنم - عليه للسنة الأولى شاة، ولا شيء للسنة الثانية، وإن
كانت مائة وإحدى وعشرين - عليه للسنة الأولى شاتان، وللسنة الثانية شاة.
ولو لحقه دين مطالب به من جهة العباد في خلال الحول - هل ينقطع حكم الحول.
قال أبو يوسف: لا ينقطع حتى إذا سقط بالقضاء أو بالإبراء قبل تمام الحول - تلزمه
الزكاة إذا تمَّ الحول، وقال زفر: ينقطع الحول بلحوق الدين، والمسألة مبنية على نقصان
النصاب في خلال الحول؛ لأن بالدين ينعدم كون المال فاضلاً عن الحاجة الأصلية؛ فتنعدم
صفة الغنى في المالك، فكان نظير نقصان النصاب في أثناء الحول.
وعندنا: نقصان النصاب في خلال الحول لا يقطع الحول، وعند زفر: يقطع على ما
نذکر، فهذا مثله.
وأما الديون التي لا مطالب لها من جهة العبادات؛ كالنذور، والكفارات، وصدقة الفطر،
ووجوب الحج، ونحوها - لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن أثرها في حق أحكام الآخرة وهو
الثواب بالأداء، والاثم (٣) بالترك، فأما لا أثر له في أحكام الدنيا.
ألا ترى أنه لا يجبر ولا يحبس، فلا يظهر في حق حكم من أحكام الدنيا؛ فكانت ملحقة
بالعدم في حق أحكام الدنيا.
(١) في أ: السائمة، والسؤم: هو إرسال الماشية في الأرض ترعى فيها، يقال: سامت الماشية وأسامها
مالكها. قال الله تعالى: ﴿ومنه شجر فيه تسيمون﴾ وسامت تسوم سوماً: إذا رعت فهي سائمة. وجمع
السائمة والسام: سوائم.
(٢) يسمى التبيع تبيعاً في زكاة البقر، لأنه لا يزال يتبع أمه. ينظر النظم ١٤٤/١.
(٣) في أ: أو الاثم.

٣٨٨
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ثم إذا كان على الرجل دين، وله مال الزكاة، وغيره من عبيد الخدمة، وثياب البذلة،
ودور السكنى - فإن الدين يصرف إلى مال الزكاة عندنا، سواء كان من جنس الدين أو لا، ولا
يصرف إلى غير مال الزكاة، وإن كان من جنس الدين، وقال زفر: يصرف الدين إلى الجنس،
وإن لم يكن مال الزكاة، حتى أنه لو تزوج امرأة على خادم بغير عينه، وله مائتا درهم وخادم -
فدين المهر يصرف إلى المائتين دون الخادم عندنا، وعنده يصرف إلى الخادم.
وجه قول زفر: إن قضاء الدين من الجنس أيسر، فكان الصرف إلیه أَوْلَئ.
ولنا: أن عين مال الزكاة مستحق كسائر (١) الحوائج، ومال الزكاة فاضل عنها؛ فكان
الصرف إليه أيسر وأنظر بأرباب الأموال؛ ولهذا لا يصرف إلى ثياب بدنه وقوته وقوت عياله،
وإن کان من جنس الدين لما قلنا.
وذكر محمد - رحمه الله - في ((الأصل)): أرأيت لو تصدَّق عليه لم يكن موضعاً للصدقة،
ومعنى هذا الكلام: أن مال الزكاة مشغول بحاجة الدين، فكان ملحقاً بالعدم، وملك الدار
والخادم لا يحرم عليه أخذ الصدقة؛ فكان فقيراً ولا زكاة على الفقير، ولو كان في يده من
أموال الزكاة أنواع مختلفة من الدراهم والدنانير، وأموال التجارة والسوائم - فإنه يصرف الدين
١٦٦أ إلى الدراهم والدنانير، وأموال التجارة دون السوائم؛ لأن زكاة هذه الجملة يؤديها أرباب/
الأموال، وزكاة السوائم يأخذها الإمام، وربما يقصرون في الصرف إلى الفقراء ضَنَّا بمالهم،
فكان صرف الدين إلى الأموال الباطنة؛ ليأخذ السلطان زكاة السوائم نظراً للفقراء، وهذا أيضاً
عندنا .
وعلى قول زفر: يصرف الدين إلى الجنس، وإن كان من السوائم، حتى إن من تزوج
امرأة على خمس من الإبل السائمة بغير أعيانها، وله أموال التجارة وإبل سائمة - فإن عنده
يصرف المهر إلى الإبل، وعندنا يصرف إلى مال التجارة لما مر.
وذكر الشيخ الإمام الزاهد السرخسي - رحمه الله -: أن هذا إذا حضر المصدق. فإن لم
يحضر فالخيار لصاحب المال، إن شاء صرف الدين إلى السائمة، وأدى الزكاة من الدراهم،
وإن شاء صرف الدين إلى الدراهم، وأدى الزكاة من السائمة؛ لأن في حق صاحب المال هما
سواء لا يختلف، وإنما الاختلاف في حق المصدق، فإن له ولاية أخذ الزكاة من السائمة دون
الدراهم؛ فلهذا إذا حضر صرف الدين إلى الدراهم، وأخذ الزكاة من السائمة - فأما إذا لم يكن
له مال الزكاة سوى السوائم؛ فإن الدين يصرف إليها، ولا يصرف إلى أموال البذلة لما ذكرنا،
(١) في أ: لسائر.

٣٨٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ثم ينظر إن كان له أنواع مختلفة من السوائم؛ فإن الدين يصرف إلى أقلها زكاة، حتى يجب
الأكثر نظراً للفقراء؛ بأن كان له خمس من الإبل، وثلاثون من البقر؛ وأربعون شاة - فإن الدين
يصرف إلى الإبل أو الغنم دون البقر، حتى يجب التبيع؛ لأنه أكثر قيمة من الشاة، وهذا إذا
صرف الدين إلى الإبل والغنم؛ بحيث لا يفضل شيء منه.
فأما إذا استغرق أحدهما وفضل منه شيء، وإن صرف إلى البقر لا يفضل منه شيء؛ فإنه
يصرف إلى البقر؛ لأنه إذا فضل شيء منه يصرف إلى الغنم(١) فانتقص النصاب بسبب الدين،
فامتنع وجوب شاتين، ولو صرف إلى البقر، وامتنع وجوب التبيع - تجب الشاتان؛ لأنه لو
صرف الدين إلى الغنم يبقى نصاب الإبل السائمة كاملاً، والتبيع أقل قيمة من شاتين.
ولو لم يكن له إلا الإبل والغنم: ذكر في ((الجامع)): أن لصاحب المال أن يصرف الدين
إلى أيهما شاء؛ لاستوائهما في قدر الواجب وهو الشاة.
وذكر في ((نوادر الزكاة)): أن للمصدق أن يأخذ الزكاة من الإبل دون الغنم؛ لأن الشاة
الواجبة في الإبل ليست من نفس النصاب، فلا ينتقص النصاب بأخذها، ولو صرف الدين إلى
الإبل يأخذ الشاة من الأربعين، فينتقص النصاب فكان هذا أنفع للفقراء، ولو کان له خمس
وعشرون من الإبل، وثلاثون بقراً، وأربعون شاة - فإن كان الدين لا يفضل عن الغنم يصرف
إلى الشاة؛ لأنه أقل زكاة، فإن فضل منه ينظر: إن كان بنت مخاض وسط أقل قيمة من الشاة
وتبيع وسط - يصرف إلى الإبل، وإن كان أكثر قيمة منها يصرف إلى الغنم والبقر؛ لأن هذا
أنفع للفقراء، فالمدار على هذا الحرف، فأما إذا لم يكن له مال للزكاة، فإنه يصرف الدين إلى
عروض البذلة والمهنة أولاً، ثم إلى العقار؛ لأن الملك مما يستحدث في العروض ساعة
فساعة، فأما العقار: فمما لا يستحدث فيه الملك غالباً، فكان فيه مراعاة النظر لهما جميعاً،
والله أعلم.
فصل
في الشرائط التي ترجع إلى المال
وأما الشرائط التي ترجع إلى المال: فمنها الملك فلا تجب الزكاة في سوائم الوقف
والخيل(٢) المسبلة لعدم الملك؛ وهذا لأن في الزكاة تمليكاً، والتمليك في غير الملك لا
يتصور، ولا تجب الزكاة في المال الذي استولى عليه العدو، وأحرزوه بدراهم عندنا؛ لأنهم
ملكوها بالإحراز عندنا، فزال ملك مسلم عنها .
(١) في أ: ولأن صرف إلى البقر لا يفضل منه شيء.
(٢) في أ: الخيول.

٣٩٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وعند الشافعي: تجب؛ لأن ملك المسلم بعد الاستيلاء والإحراز بالدار - قائم، وإن
زالت يده عنه؛ والزكاة وظيفة الملك عنده.
ومنها الملك المطلق، وهو أن يكون مملوكاً له رقبة ويداً؛ وهذا قول أصحابنا الثلاثة.
وقال زفر: اليد ليست بشرط؛ وهو قولُ الشافعي؛ فلا تجب الزكاة في المال الضُّمَارِ
عندنا خلافاً لهما.
وتفسير مال الضّمارِ: هو كُلُّ مال غَيْرِ مَقْدُورِ الانتفاع به مع قيام أصل الملك؛ كالعبد
الآبق والضال، والمال المفقود، والمال الساقط في البحر، والمال الذي أخذه السلطان
مصادرة، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة وحال الحول، ثم صار له بينة؛ بأن أقر عند
الناس، والمال المدفون في الصَّحراء إذا خفي على المالك مكانه، فإن كان مدفوناً في البيت:
تجب فيه الزكاة بالإجماع.
وفي المدفون : الكرم، والدار الكبيرة - اختلاف المشايخ، احتجًا بعمومات الزكاة من
غير فصل؛ ولأن وجوب الزكاة يعتمد الملك دون اليد؛ بدليل ابن السبيل، فإنه تجب الزكاة في
ماله، وإن كانت يده ئتة لقيام ملكه.
وتجب الزكاة في الدين مع عدم القبض، وتجب في المدفون في البيت، فثبت أن الزكاة
وظيفة الملك، والملك موجود فتجب الزكاة فيه، إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ لعجزه عن
١٦٦ ب الأداء لبعد يده عنه، وهذا لا ينفي الوجوب كما في ابن السبيل. /
ولنا ما رُوِيَ عن عليٍّ - رضي الله عنه - موقوفاً عليه، ومرفوعاً إِلَى رسول الله - وَلِّ - أنه
قال: ((لاَ زَكَاةَ فِي مَالِ الضَّمَارِ)»، وهو المال الذي لا ينتفع به مع قيام الملك، مأخوذ من البعير
الضَّامر: الذي لا ينتفع به؛ لشدة هزاله مع كونه حياً، وهذه الأموال غير منتفع بها في حق
المالك؛ لعدم وصول يده إليها؛ فكانت ضماراً؛ ولأن المال إذا لم يكن مقدور الانتفاع به في
حق المالك - لا يكون المالك به غنيّاً؛ ولا زكاة على غير الغني بالحديث الذي روينا، ومال
ابن السبيل مقدور الانتفاع به في حقه بيد نائبه، وكذا المدفون في البيت؛ لأنه يمكنه الوصول
إليه بالنبش بخلاف المفازة؛ لأن نبش كل الصحراء غير مقدور له، وكذا الدين المقر به، إذا
کان المقر ملياً فهر ممکن الوصول إليه.
وأما الدين المجحود: فإن لم يكن له بينة فهو على الاختلاف؛ وإن كان له بينة اختلف
المشايخ فيه، قال بعضهم: تجب الزكاة فيه؛ لأنه يمكن الوصول إليه بالبينة، فإذا لم تقم
البينة؛ فقد ضيع القدرة فلم يعذر(١)، وقال بعضهم: لا تجب؛ لأن الشاهد قد يفسق، إلا إذا
(١) في أ: يقدر.

٣٩١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
كان القاضي عالماً (١) بالدين؛ لأنه يقضي بعلمه، فكان مقدور الانتفاع به، وإن كان المديون
يقر في السر، ويجحد في العلانية - فلا زكاة فيه، كذا روي عن أبي يوسف؛ لأنه لا ينتفع
بإقراره في السر، فكان بمنزلة الجاحد سرّاً وعلانية، وإن كان المديون مقرّاً بالدين لكنه
مفلس - فإن لم يكن مقضياً عليه بالإفلاس - تجب الزكاة فيه في قولهم جميعاً.
وقال الحسن بن زياد: لا زكاة فيه؛ لأن الدين على المعسر غير منتفع به فكان ضماراً،
والصحيح قولهم؛ لأن المفلس قادر على الكسب والاستقراض، مع أن الإفلاس يحتمل الزوال
ساعة فساعة، إذ المال غاد ورائح، وإن كان مقضياً عليه بالإفلاس؛ فكذلك في قول أبي
حنيفة، وأبي يوسف.
وقال محمد: لا زكاة فيه، فمحمد مر على أصله، لأن التفليس عنده يتحقق، وإنه
يوجب زيادة عجز، لأنه يسد (٢) عليه باب التصرف؛ لأن الناس لا يعاملونه بخلاف الذي لم
يقض عليه بالإفلاس، وأبو حنيفة مر على أصله؛ لأن الإفلاس عنده لا يتحقق في حال الحياة،
والقضاء به باطل.
وأبو يوسف وإن كان يرى التفليس، لكن المفلس قادر في الجملة بواسطة الاكتساب،
فصار الدين مقدور الانتفاع في الجملة، فكان أثر التفليس في تأخير(٣) المطالبة إلى وقت
اليسار، فكان كالدين المؤجل؛ فتجب الزكاة فيه.
ولو دفع إلى إنسان وديعة، ثم نسي المودع: فإن كان المدفوع إليه من معارفه - فعليه
الزكاة لما مضى إذا تذكر؛ لأن نسيان المعروف نادر، فكان طريق الوصول قائماً، وإن كان
ممن لا يعرفه: فلا زكاة عليه فيما مضى لتعذُّر الوصول إليه؛ ولا زكاة في دين الكتابة والدية
على العاقلة؛ لأن دين الكتابة ليس بدين حقيقة؛ لأنه لا يجب للمولى على عبده دَيْن؛ فلهذا لم
تصح الكفالة به. والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم؛ إذ هو ملك المولى من وجه، وملك
المكاتب من وجه؛ لأن المكاتب في اكتسابه كالحر؛ فلم يكن بدل الكتابة ملك المولى مطلقاً
بل كان ناقصاً؛ وكذا الدية على العاقلة ملك ولي القتيل فيها متزلزل؛ بدليل أنه لو مات واحد
من العاقلة - سقط ما عليه؛ فلم يكن ملكاً مطلقاً، ووجوب الزكاة وظيفة الملك المطلق.
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة - رحمه الله - في الدين الذي وجب للإنسان لا بَدَلاً عن
شيء رأساً، كالميراث بالدَّيْنِ وَالوَصِيَّةِ بالدَّيْنِ، أو وَجَبَ بَدَلاً عما ليس بمال أصلاً؛ كالمهر
(١) في أ: للقاضي علم.
(٢) في أ: ينسد.
(٣) في أ: تأخر.

٣٩٢
كِتَابُ الزَّكَاةِ
[للمرأة على الزوج، وبدل الخلع للزوج على المرأة، والصلح عن دم العمد؛ أنه لا تجب
الزكاة فيه](١).
وجملة الكلام في الديون أنها على ثلاث مراتب في قول أبي حنيفة: دين قوي، ودين
ضعيف، ودین وسط ؛ كذا قال عامة مشايخنا.
أما القوي: فهو الذي وجب(٢) بدلاً عن مال التجارة؛ كثمن عرض التجارة من(٣) ثياب
التجارة، وعبيد التجارة، أو غلة مال التجارة، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيه، إلا أنه لا
يخاطب بأداء شيء من زكاة ما مضى ما لم يقبض أربعين درهماً، فكلما قبض أربعين درهماً
أَدَّى درهماً واحداً؛ وعند أبي يوسف ومحمد: كلما قبض شيئاً يؤدي زكاته، قلَّ المقبوض أو
کثُرَ .
وأما الدين الضعيف: فهو الذي وجب له [لا](٤) بدلاً عن شيء، سواء وجب له بغير
صنعه كالميراث، أو بصنعه كالوصية، أو وجب بدلاً عما ليس بمال؛ كالمهرِ، وبدل الخلع،
والصلح عن القصاص، وبدل الكتابة، ولا زكاة فيه ما لم يقبض كله، ويحول عليه الحول بعد
القبض.
وأما الدين الوسط: فما وجب له بدلاً عن مال ليس للتجارة؛ كثمن عبد الخدمة، وثمن
ثياب البذلة والمهنة، وفيه روايتان عنه. ذكر في الأصل: أنه تجب فيه الزكاة قبل القبض، لكن
لا يخاطب بالأداء ما لَمْ يقبض مائتي درهم، فإذا قبض مائتي درهم زَكَّى لما مضى، وروى ابن
سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة؛ أنه لا زكاة فيه حتى يقبض المائتين، ويحول عليه
١٦٧أ الحول/ من وقت القبض، وهو أصح الروايتين عنه.
وقال أبو يوسف، ومحمد: الديون كلها سواء وكلها قوية، تجب الزكاة فيها قبل القبض،
إلا الدية على العاقلة ومال الكتابة؛ فإنه لا تجب الزكاة فيها أصلاً ما لم تقبض، ويحول عليها
الحول .
وجه قولهما: إن ما سوى بدل الكتابة والدية على العاقلة ملكُ صاحب الدين ملكاً
مطلقاً، رقبة ويداً؛ لتمكنه من القبض بقبض بدله، وهو العين، فتجب فيه الزكاة كسائر الأعيان
المملوكة ملكاً مطلقاً، إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ لأنه ليس في يده حقيقة، فإذا حصل
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: يجب.
(٣) في أ: في.
(٤) سقط في ط .

٣٩٣
كِتَابُ الزَّكَاةِ
في يده يخاطب بأداء الزكاة قدر المقبوض؛ كما هو مذهبهما في العين فيما زاد على النصاب،
بخلاف الدية وبدل الكتابة؛ لأن ذلك ليس بملك مطلق، بل هو ملك ناقص على ما بينا، والله
أعلم.
ولأبي حنيفة وجهان:
أحدهما: أن الدين ليس بمال؛ بل هو فعل واجب، وهو فعل تمليك المال، وتسليمه
إلى صاحب الدين والزكاة، إنما تجب في المال، فإذا لم يكن مالاً لا تجب فيه الزكاة، ودليل
كون الدين فعلاً من وجوه، ذكرناها في الكفالة بالدين عن ميت مفلس في الخلافيات، كان
ينبغي ألا تجب الزكاة في دين ما لم يقبض ويحول عليه الحول، إلا أن ما وجب له بدلاً عن
مال التجارة - أعطي له حكم المال؛ لأن بدل الشيء قائم مقامه - كأنه هو، فصار كأن المبدل
قائم في يده، وأنه مال التجارة، وقد حال عليه الحول في يده.
والثاني: إن كان الدين مالاً مملوكاً أيضاً، لكنه مال(١) لا يحتمل القبض؛ لأنه ليس بمال
حقيقة، بل هو مال حكمي في الذمة، وما في الذمة لا يمكن قبضه، فلم يكن مالاً مملوكاً رقبة
ويداً - فلا تجب الزكاة فيه كمال الضمار، فقياس هذا ألا تجب الزكاة في الديون كلها؛ لنقصان
الملك بفوات اليد، إلا أن الدين الذي هو بدل مال التجارة التحق بالعين في احتمال القبض؛
لكونه بدل مال التجارة قابل القبض، والدليل يقام مقام المبدل، والمبدل عين قائمة قابلة
للقبض، فكذا ما يقوم مقامه، وهذا(٢) المعنى لا يوجد فيما ليس بيدل رأساً، ولا فيما هو بدل
عما ليس بمال، وكذا في بدل مال ليس للتجارة على الرواية الصحيحة؛ أنه لا تجب فيه الزكاة
ما لم يقبض قدر النصاب، ويحول عليه الحول بعد القبض؛ لأن الثمن بدل مال ليس للتجارة،
فيقوم مقام المبدل، ولو كان المبدل قائماً في يده حقيقة - لا تجب الزكاة فيه، فكذا في بدله
بخلاف بدل مال التجارة.
وأما الكلام في إخراج زكاة قدر المقبوض من الدين الذي تجب فيه الزكاة، على نحو
الكلام في المال العين، إذا كان زائداً على قدر النصاب، وحال عليه الحول ـ فعند أبي حنيفة:
لا شيء في الزيادة هناك ما لم يكن أربعين درهماً، فههنا أيضاً لا يخرج شيئاً من زكاة
المقبوض، ما لم يقبض(٣) ويكون المقبوض أربعين درهماً، فيخرج من كل أربعين درهماً
يقبضها - درهماً، وعندهما: يخرج قدر ما قبض، قَلَّ المقبوض أو كثر؛ كما في المال العين
(١) في أ: دين.
(٢) في أ: وكذا.
(٣) في ط: ما لم يبلغ المقبوض.

٣٩٤
كِتَابُ الزَّكَاةِ
إذا كان زائداً على النصاب، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وذكر الكرخي: أن هذا إذا
لم يكن له مال سوى الدين، فأما إذا كان له مال سوى الدين فما قبض منه فهو بمنزلة
المستفاد، فيضم إلى ما عنده، والله أعلم.
ومنها: كون المال نامياً؛ لأن معنى الزكاة وهو النماء لا يحصل إلا من المال النامي،
ولسنا نعني به حقيقة النماء؛ لأن ذلك غير معتبر، وإنما نعني به كون المال معداً للاستنماء
بالتجارة أو بالإسامة؛ لأن الإسامة سبب لحصول الدر والنسل والسمن، والتجارة سبب
لحصول الربح، فيقام السبب مقام المسبب، ويعلق الحكم به كالسفر مع المشقة، والنكاح مع
الوطء، والنوم مع الحدث، ونحو ذلك، وإن شئت قلت:
ومنها: كون المال فاضلاً عن الحاجة الأصلية؛ لأن به يتحقق (١) الغنى، ومعنى النعمة
وهو التنعم، وبه يحصل الأداء عن طيب النفس؛ إذ المال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون
صاحبه غنياً عنه، ولا يكون نعمة، إذ التنعم لا يحصل بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية؛ لأنه
من ضرورات حاجة البقاء وقوام البدن؛ فكان شكره شكر نعمة البدن، ولا يحصل الأداء عن
طيب نفس، فلا يقع الأداء بالجهة المأمور بها؛ لقوله - وَّهــ: ((وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيَِّةً بِهَا
أَنْفُسُكُمْ))(٢)، فلا يقع زكاة إذ(٣) حقيقة الحاجة أمر باطن لا يوقف عليه، فلا يعرف الفضل عن
الحاجة، فيقام دليل الفضل عن الحاجة مقامه؛ وهو الإعداد للإسامة والتجارة، وهذا قول عامة
العلماء، [وقال مالك: هذا ليس بشرط لوجوب الزكاة.
وتجبُ الزكاة في كُلِّ مال، سواء كان نامياً فاضلاً عن الحاجة الأصلية، أو لا؛ كثياب
البذلة والمهنة، والعلوفة والحمولة، والعمولة من المواشي، وعبيد الخدمة والمسكن
والمراكب، وكسوة الأهل وطعامهم، وما يتجمل به من آنية أو لؤلؤ، أو فرش ومتاع لم ينو به
١٦٧ ب التجارة، ونحو ذلك، واحتج بعمومات/ الزكاة من غير فصل بين مال ومال؛ نحو قوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ أَمْوَالِهِمْ حَقِّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ
وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وغير ذلك ولائها
وجبت شُكراً لنعمة المال، ومعنى النعمة في هذه الأموال أتم وأقرب؛ لأنها متعلق البقاء،
فكانت أدعى إلى الشكر.
ولنا: أن معنى النماء والفضل عن الحاجة الأصلية لا بد منه لوجوب الزكاة؛ لما ذكرنا
(١) في أ: يحصل.
(٢) تقدم.
(٣) في أ: إلا أن.

٣٩٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
من الدلائل، ولا يتحقق ذلك في هذه الأموال، وبه تبين أن المراد من العمومات الأموال النامية
الفاضلة عن الحوائج الأصلية، وقد خرج الجواب عن قوله: إنها نعمة؛ لما ذكرنا أن معنى]
النعمة فيها يرجع إلى البدن؛ لأنها تدفع الحاجة الضرورية، وهي حاجة دفع الهلاك عن البدن،
فكانت تابعة لنعمة البدن؛ فكان شكرها شكر نعمة البدن، وهي العبادات البدنية من الصلاة
والصوم وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، دليلنا؛ لأن الزكاة عبارة عن النماء، وذلك من
المال النامي على التفسير الذي ذكرناه، وهو أن يكون معداً للاستنماء، وذلك بالإعداد للإسامة
في المواشي، وللتجارة(١) في أموال التجارة إلا أن الإعداد للتجارة في الأثمان المطلقة من
الذهب والفضة ثابت بأصل الخلقة؛ لأنها لا تصلحُ للانتفاع بأعيانها في دفع الحوائج الأصلية،
فلا حاجة إلى الإعداد من العبد(٢) للتجارة بالنية؛ إذ النية للتعيين وهي متعينةٌ للتجارة بأصل
الخلقة، فلا حاجة إلى التعيين بالنية فتجب الزكاةُ فيها، نوى التجارة أو لم ينوِ أصلاً، أو نوى
النفقة، وأما فيما سوى الأثمان من العروض، فإنما يكون الإعداد فيها للتجارة بالنية؛ لأنها كما
تصلح للتجارة تصلح للانتفاع بأعيانها، بل المقصود الأصلي منها ذلك، فلا بدّ من التعيين
للتجارة وذلك بالنية، وكذا في المواشي لا بدّ فيها من نية الإسامة؛ لأنها كما تصلح للدر
والنسل، تصلح للحمل والركوب واللحم، فلا بدّ من النية.
ثم نية التجارة والإسامة لا تعتبر ما لم تتصل بفعل التجارة والإسامة؛ لأن مجرد النية لا
عبرة له في الأحكام؛ لقول النبيِّ - نَّهـ: ((إِنَّ الله تَعَالَى عَفَا عَنْ أُمَّتِي مَا تَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مَا
لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ أَوْ يَفْعَلُوا))(٣)، ثم نية التجارة قد تكون صريحاً، وقد تكون دلالة، أما الصريح:
فهو أن ينوي عند عقد التجارة أن يكون المملوك به للتجارة بأن اشترى سلعة، ونوى أن تكون
للتجارة عند الشراء، فتصير للتجارة، سواء كان الثمن الذي اشتراها به من الأثمان المطلقة، أو
من عروض التجارة، أو مال البذلة والمهنة، أو أجر داره(٤) بعرض بنية التجارة، فيصير ذلك
مال التجارة؛ لوجود صريح نية التجارة مقارناً لعقد التجارة، أما الشراء فلا شك أنه تجارة،
وكذلك الإجارة؛ لأنها معاوضة المال بالمال، وهو نفس التجارة؛ ولهذا ملك المأذون بالتجارة
الإجارة، والنية المقارنة للفعل معتبرة.
(١) في ط: والتجارة.
(٢) في أ: العبيد.
(٣) تقدم.
(٤) في أ: دابة.

٣٩٦
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ولو اشترى عيناً من الأعيان، ونوى أن تكون للبذلة والمهنة دون التجارة - لا تكون
للتجارة، سواء كان الثمن من مال التجارة، أو من غير مال التجارة؛ لأن الشراء بمال التجارة
إن كان دلالة التجارة: فقد وجد صريح نية الابتذال، ولا تعتبر الدلالة مع الصريح بخلافها،
ولو ملك عروضاً بغير عقد أصلاً؛ بأن ورثها ونوى التجارة لم تكن للتجارة؛ لأن النية تجردت
عن العمل أصلاً فضلاً عن عمل التجارة؛ لأن الموروث يدخل في ملكه من غير صنعه، ولو
ملكها بعقد ليس مبادلة أصلاً؛ كالهبة والوصية والصدقة، أو بعقد هو مبادلة مال بغير مال
كالمهر، وبدل الخلع والصلح عن دم العمد، وبدل العتق، ونوى التجارة - يكون للتجارة عند
أبي يوسف، وعند محمد: لا يكون للتجارة كذا ذكر الكرخي، وذكر القاضي الشهيد:
الاختلاف على القلب، فقال في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف: لا يكون للتجارة، وفي قول
محمد : يكون للتجارة.
وجه قول من قال: إنه لا يكون للتجارة: إن النية لم تقارن عملاً هو تجارة، وهي مبادلة
المال بالمال، فكان الحاصل مجرد النية؛ فلا تعتبر. ووجه القول الآخر: أن التجارة عقد
اكتساب المال؛ وما لا يدخل في ملكه إلا بقبوله - فهو حاصل بكسبه، فكانت نيته مقارنة
لفعله، فأشبه قِرَانَهَا بالشراء والإجارة، والقول الأول أصح، لأن التجارة: كسب المال ببدل ما
هو مال، والقبول اكتساب المال بغير بدل أصلاً؛ فلم يكن من باب التجارة، فلم تكن النية
مقارنة عمل التجارة.
ولو استقرض عروضاً، ونوى أن تكون للتجارة - اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم:
يصير للتجارة؛ لأن القرض ينقلب معاوضة المال بالمال في العاقبة، وإليه أشار في ((الجامع)):
أن من كان له مائتا درهم لا مال له غيرها، فاستقرض قبل حولان الحول [بيوم من رجل](١)
١٦٨أ خمسة أقفرة لغير التجارة، ولم تستهلك الأقفرة/ حتى حال الحول - لا زكاة عليه في المائتين،
ويصرف الدين إلى مال الزكاة دون الجنس الذي ليس بمال الزكاة.
فقوله: استقرض لغير التجارة دليل أنه لو استقرض للتجارة يصير للتجارة.
وقال بعضهم: لا يصير للتجارة، وإن نوى؛ لأن القرض إعارة وهو تبرع لا تجارة، فلم
توجد نية التجارة مقارنة للتجارة؛ فلا تعتبر.
ولو اشترى عروضاً للبذلة والمهنة، ثم نوى أن تكون للتجارة بعد ذلك - لا تصير
للتجارة، ما لم يبعها فيكون بدلها للتجارة، فرق بين هذا وبين ما إذا كان له مال للتجارة،
(١) سقط في أ.

٣٩٧
كِتَابُ الزَّكَاةِ
فنوى أن يكون للبذلة حيث يخرج من أن يكون للتجارة، وإن لم يستعمله؛ لأن النية لا تعتبر ما
لم تتصل بالفعل، وهو ليس بفاعل فعل التجارة، فقد عَزَبَتِ النِّيَّةُ عن فعل التجارة؛ فلا تعتبر
للحال، بخلاف ما إذا نوى الابتذال؛ لأنه نوى ترك التجارة، وهو تارك لها في الحال،
فاقترنت النية بعمل هو ترك التجارة، فاعتبرت.
ونظير الفصلين السفر مع الإقامة، وهو أن المقيم إذا نوى السفر لا يصير مسافراً، ما لم
يخرج عن عمران المصر، والمسافر إذا نوى الإقامة في مكان صالح للإقامة - يصير مقيماً
للحال، ونظيرهما من غير هذا الجنس، الكافر إذا نوى أن يسلم بعد شهر - لا يصير مسلماً
للحال، والمسلم إذا قصد أن يكفر بعد سنين - والعياذ بالله - فهو كافر للحال.
ولو أنه اشترى بهذه العروض التي اشتراها للابتذال بعد ذلك - عروضاً أخر - تصير بدلها
للتجارة بتلك النية السابقة. وكذلك في الفصول التي ذكرنا أنه نوى للتجارة في الوصية
والقرض، ومبادلة مال بما ليس بمال، إذا اشترى بتلك العروض عروضاً أخر - صارت
للتجارة؛ لأن النية قد وجدت حقيقة، إلا أنها لم تعمل للحال؛ لأنها لم تصادف عمل التجارة،
فإذا وجدت التجارة بعد ذلك عملت النية السابقة عملها؛ فيصير المال للتجارة؛ لوجود نية
التجارة مع التجارة.
وأما الدلالة فهي أن يشتري عيناً من الأعيان بعرض التجارة، أو يؤاجر داره التي للتجارة
بعرض من العروض؛ فيصير للتجارة، وإن لم ينوِ التجارة صريحاً؛ لأنه لما اشترى بمال
التجارة، فالظاهر أنه نوى به التجارة.
وأما الشراء بغير مال التجارة فلا يشكل، وأما إجارة الدار؛ فلأن بدل منافع عين معدة
للتجارة؛ كبدل عين معدة للتجارة في أنه للتجارة. كذا ذكر في ((كتاب الزكاة)) من الأصل.
وذكر في ((الجامع)) ما يدل على أنه لا يكون للتجارة إلا بالنية صريحاً؛ فإنه قال: وإن
كانت الأجرة جارية تساوي ألف درهم، وكانت عند المستأجر للتجارة، فأجر المؤجر داره بها،
وهو يريد التجارة - شرط النية عند الإجارة لتصير الجارية للتجارة، ولم يذكر أن الدار للتجارة
أو لغير التجارة، فهذا يدل على أن النية شرط ليصير بدل منافع الدار المستأجرة للتجارة.
وإن كانت [الدار](١) معدة [للتجارة](٢) فكان في المسألة روايتان، ومشايخ بلخ كانوا
يصححون رواية ((الجامع))، ويقولون: إن العين وإن كانت للتجارة، لكن قد يقصد ببدل منافعها
المنفعة، فيؤاجر الدابة لينفق عليها، والدار للعمارة؛ فلا تصير للتجارة مع التردد إلا بالنية.
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في أ.

٣٩٨
كِتَابُ الرَّكَاةِ
وأما إذا اشترى عروضاً بالدراهم أو بالدنانير، أو بما يكال أو يوزن موصوفاً في الذمة؛
فإنها لا تكون للتجارة ما لم ينو التجارة عند الشراء، وإن كانت الدراهم والدنانير أثماناً،
والموصوف في الذمة من المكيل والموزون أثمان عند الناس؛ ولأنها كما جعلت ثمناً لمال
التجارة، جعلت ثمناً لشراء ما يحتاج إليه للابتذال والفوت، فلا يتعين الشراء به للتجارة مع
الاحتمال. وعلى هذا لو اشترى المضارب بمال المضاربة عبيداً، ثم اشترى لهم كسوة وطعاماً
للنفقة - كان الكل للتجارة، وتجب الزكاة في الكل؛ لأن نفقة عبيد المضاربة من مال المضاربة
فمطلق تصرفه ينصرف إلى ما يملك دون ما لا يملك، حتى لا يصير خائناً وعاصياً عملاً بدينه
وعقله، وإن نص على النفقة، وبمثله المالك إذا اشترى عبيداً للتجارة، ثم اشترى لهم ثياباً
للكسوة وطعاماً للنفقة؛ فإنه لا يكون للتجارة؛ لأن المالك كما يملك الشراء للتجارة، يملك
الشراء للنفقة والبذلة، وله أن ينفق من مال التجارة، وغير مال التجارة - فلا يتعين للتجارة إلا
بدلیل زائد.
وأما الأجراء الذين يعملون للناس نحو الصباغين والقصارين والدباغين إذا اشتروا الصبغ
والصابون والدهن ونحو ذلك، مما يحتاج إليه في عملهم؛ ونووا عند الشراء أن ذلك
للاستعمال في عملهم - هل يصير(١) ذلك مال التجارة؟
روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف: أن الصباغ إذا اشترى العصفر والزعفران؛ ليصبغ
١٦٨ب ثياب الناس - فعليه فيه الزكاة، والحاصل أن هذا على وجهين/، إن كان شيئاً يبقى أثره في
المعمول فيه كالصبغ والزعفران، والشحم الذي يدبغ به الجلد؛ فإنه يكون مال التجارة؛ لأن
الأجر يكون مقابلة ذلك الأثر، وذلك الأثر مال قائم؛ فإنه من أجزاء الصبغ والشحم، لكنه
لطيف؛ فيكون هذا تجارة.
وإن كان شيئاً لا يبقى أثره في المعمول فيه؛ مثل الصابون، والأشنان، والقلى
والكبريت - فلا يكون مال التجارة؛ لأن عينها تتلف ولم ينتقل أثرها إلى الثوب المغسول،
حتى يكون له حصة من العوض، بل البياض أصلي للثوب يظهر عند زوال الدرن، فما يأخذ
من العوض يكون بدل عمله، لا بدل هذه الآلات؛ فلم يكن مال التجارة.
وأما الآلات الصناع، وظروف أمتعة التجارة: لا تكون مال التجارة؛ لأنها لا تباع مع
الأمتعة عادة، وقالوا في نخاس الدواب، إذا اشترى المقاود والجلال والبراذع: إنه إن كان يباع
مع الدواب عادة يكون للتجارة؛ لأنها معدة لها، وإن كان لا يباع معها، ولكن تمسك وتحفظ
بها الدواب، فهي من آلات الصناع ـ فلا يكون مال التجارة، إذا لم ينو التجارة عند شرائها.
(١) في أ: تصير.

٣٩٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال أصحابنا في عبد التجارة قتله عبد خطأ، فدفع به - أن الثاني للتجارة؛ لأنه عوض
مال التجارة، وكذا إذا فدى بالدية من العروض والحيوان. وأما إذا قتله عمداً؛ فصالح المولى
من الدية على العبد القاتل، أو على شيء من العروض - لا يكون مال التجارة؛ لأنه عوض
القصاص لا عوض العبد المقتول؛ والقصاص ليس بمال. والله أعلم.
ومنها الحول في بعض الأموال دون بعض، وجملة الكلام في هذا الشرط يقع في
موضعين :
أحدهما: في بيان ما يشترط له الحول من الأموال، وما لا يشترط.
والثاني: في بيان ما يقطع حكم الحول وما لا يقطع.
أما الأول: فنقول لا خلاف في أن أصل النصاب، وهو النصاب الموجود في أول الحول
يشترط له الحولُ؛ لقول النبي - وَل﴾ه -: ((لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْل))(١)، ولأن
كون المال نامياً شرط وجوب الزكاة لما ذكرنا، والنماء لا يحصل إلا بالاستنماء. ولا بد لذلك
من مدة، وأقل مدة يستنمي المال فيها بالتجارة والإمامة عادة - الحول فأما المستفاد في خلال
الحول: فهل يشترط له حول على حدة، أو يضم إلى الأصل فيزكي بحول الأصل؟
جملة الكلام في المستفاد [أنه لا يخلو: إما إن كان مستفاداً في الحول وإما إن كان
(١) أخرجه الدارقطني (٩٠/٢): كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة بالحول، الحديث (١)، من حديث
إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به، وقال: رواه معتمر وغيره، عن
عبيد الله موقوفاً.
وأخرجه الترمذي (٧١/٢): كتاب الزكاة: باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه
الحول، الحديث (٦٢٦)، والدارقطني (٩٠/٢): كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة بالحول، حديث
(٢)، والبيهقي (١٠٤/٤): كتاب الزكاة: باب لا يعد عليهم بما استفادوه من غير نتاجها حتى يحول عليه
الحول، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن ابن عمر به، بلفظ: ((من استفاد مالاً فلا
زكاة عليه حتى يحول عليه الحول)). ولفظ الدارقطني: ((ليس في مال المستفيد زكاة حتى يحول عليه
الحول)) ثم رواه الترمذي (٢/ ٧٢): كتاب الزكاة: باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول
عليه الحول، حديث (٦٢٧). من طريق أيوب عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً، وقال: هذا أصح من
حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف في الحديث ضعفه
أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وغيرهما من أهل الحديث، وهو كثير الغلط، وقد روي عن غير
واحد من أصحاب النبي وَلّ أن لا زكاة في المال المستفاد حتى يحول عليه الحول.
وللحديث طريق آخر عن ابن عمر ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (١٥٦/٢) وعزاه إلى الدار قطني في غرائب
مالك من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنيني عن مالك عن نافع عن ابن عمر به.
وقال الدارقطني: الحنيني ضعيف.

٤٠٠
كِتَابُ الزَّكَاةِ
مستفاداً بعد الحول. والمستفاد] (١) في الحول لا يخلو: إما إن كان من جنس الأصل، وإما إن
كان من خلاف جنسه، فإن كان من خلاف جنسه؛ كالإبل مع البقر، والبقر مع الغنم؛ فإنه لا
يضم إلى نصاب الأصل، بل يستأنف له الحول بلا خلاف، وإن كان من جنسه، فأما إن كان
متفرعاً من الأصل، أو حاصلاً بسببه كالولد والربح، وإما لم يكن متفرعاً من الأصل؛ ولا
حاصلاً بسببه؛ كالمشتري، والموروث، والموهوب، والموصى به، فإن كان متفرعاً من
الأصل، أو حاصلاً بسببه - يضم إلى الأصل، ويزكي بحول الأصل بالإجماع، وإن لم يكن
متفرعاً من الأصل، ولا حاصلاً بسببه، فإنه يضم إلى الأصل عندنا.
وعند الشافعي - رحمه الله: لا يضم. احتج بقول النبي - نَّه -: ((لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّی
يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ)). والمستفاد مال لم يحل عليه الحول - فلا زكاة فيه؛ ولأن الزكاة وظيفة
الملك، والمستفاد أصل في الملك؛ لأنه أصل في سبب الملك؛ لأنه ملك بسبب على حدة،
فيكون أصلاً في شرط الحول كالمستفاد بخلاف الجنس، بخلاف الولد والربح؛ لأن ذلك تبع
للأصل في الملك؛ لكونه تبعاً له في سبب الملك؛ فيكون تبعاً في الحول.
ولنا: أن عمومات الزكاة تقتضي الوجوب مطلقاً عن شرط الحول، إلا ما خص بدليل؛
ولأن المستفاد من جنس الأصل تبع له؛ لأنه زيادة عليه؛ إذ الأصل يزداد به ويتكثر، والزيادة
تبع للمزيد عليه، والتبع لا يفرد بالشرط كما لا يفرد بالسبب؛ لئلا ينقلب التبع أصلاً، فتجب
الزكاة فيها بحول الأصل؛ كالأولاد والأرباح، بخلاف المستفاد بخلاف الجنس؛ لأنه ليس
بتابع بل هو أصل بنفسه؛ ألا ترى أن الأصل لا يزداد به ولا يتكثر.
وقوله: إنه أصل في الملك؛ لأنه أصل في سبب الملك مسلم، لكن كونه أصلاً من هذا
الوجه لا ينفي أن يكون تبعاً من الوجه الذي بينا، وهو أن الأصل يزداد به ويتكثر، فكان أصلاً
من وجه، وتبعاً من وجه، فتترجح جهة التبعية في حق الحول احتياطاً لوجوب الزكاة، وأما
الحديث فعام، خص منه بعضه وهو الولد والربح، فيخص المتنازع فيه بما ذكرنا.
ثم إنما يضم المستفاد عندنا إلى أصل المال إذا كان الأصل نصاباً، فأما إذا كان أقل من
النصاب؛ فإنه لا يضم إليه، وإن كان يتكامل به النصاب، وينعقد الحول عليهما حال وجود
١٦٩أ المستفاد؛ لأنه إذا كان أقل من النصاب لم/ ينعقد الحول على الأصل، فكيف ينعقد على
المستفاد من طريق التبعية.
وأما المستفاد بعد الحول فلا يضم إلى الأصل في حق الحول الماضي بلا خلاف، وإنما
(١) سقط في أ.