النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب الصلاة خنقه، أو غرقه في الماء، أو ألقاه من شاهق الجبل عند أبي / حنيفة - رحمه الله -، لأن هذا ١١٦١ كله شبه عمد عنده، فكان الواجب فيه الدية دون القصاص. وعند أبي يوسف ومحمد: الواجب هو القصاص؛ فكان المقتول شهيداً. ولو [نزل عليه](١) اللصوص ليلاً في المصر، فقتل بسلاح أو غيره، أو قتله قطاع الطريق خارج المصر بسلاح أو غيره - فهو شهيد؛ لأن القتيل لم يخلف في هذه المواضع بدلاً هو مال . ولو قتل في المصر نهاراً بسلاح ظلماً، بأن قتل بحديدة، أو ما يشبه الحديدة؛ كالنحاس، والصفر، وما أشبه ذلك، أو ما يعمل عمل الحديد من جرح، أو قطع، أو طعن؛ بأن قتله بزجاجة، أو بليطة قصب، أو طعنه برمح لا زج له، أو رماه بنشابة لا نصل لها، أو أحرقه بالنار . وفي الجملة: كل قتل يتعلق به وجوب القصاص؛ فالقتيل(٢) شهيداً. وقال الشافعي: لا يكون شهيداً، واحتج بما روي أن عمر وعلياً غُسِلا؛ ولأن هذا قتيل أخلف(٣) بدلاً وهو المال أو القصاص، فما هو في معنى شهداء أحد؛ كالقتل خطأ أو شبه عمد . ولنا أن وجوب هذا البدل دليل انعدام الشبهة، [وتحقق الظلم من جميع الوجوه؛ إذ لا يجب القصاص مع الشبهة] (٤)، فصار في معنى شهداء أُحُدٍ، بخلاف ما إذا أخلف بدلاً هو مال؛ لأن ذلك أمارة خفة الجناية؛ لأن المال لا يجب إلا عند تحقق الشبهة في القتل، فلم يكن في معنى شهداء أحد؛ ولأن الدية بدل عن المقتول، فإذا وصل إليه البدل صار المبدل كالباقي من وجه؛ لبقاء بدله، فأوجب خللاً في الشهادة، فأما القصاص فليس ببدل عن المحل، بل هو جزاء الفعل على طريق المساواة فلا يسقط به حكم الشهادة، وإنما غسل عمر وعلي - رضي الله عنهما -؛ لأنهما ارتثا(٥)، والارتثاث يمنع الشهادة على ما نذكر. ولو وجد قتيل في محلة، أو موضع يجب فيه القسامة والدية - لم يكن شهيداً لما قلنا، (١) في أ: غلبه. (٢) في أ: كان القتيل. (٣) في أ: خلف. (٤) ما بين المعكوفين سقط في أ. (٥) ارتث فلان: أي ضُرِب في الحر فأثخِن وحُمِلَ وبه رَمَقٌ ثم مات، ينظر: المعجم الوسيط (٣٢٨/١). ٣٦٢ كتاب الصلاة ولو وجب القصاص، ثم انقلب مالاً بالصلح - لا تبطل شهادته؛ لأنه لم يتبين أنه أخلف بدلاً هو مال، وكذا الأب إذا قتل ابنه (١) عمداً كان شهيداً؛ لأنه أخلف القصاص، ثم انقلب مالاً، وفائدة الوجوب شهادة المقتول. ومنها: ألا يكون مرتثاً في شهادته؛ وهو ألا يخلق شهادته، مأخوذ من الثوب الرث، وهو الخلق. والأصل فيه ما روي أن عمر - رضي الله عنه - لما طعن حُمل إلى بيته فعاش يومين ثم مات، فغسل، وكان شهيداً، [وكذا على حمل حيا بعد ما طعن ثم مات، فغسل، وكان شهيداً](٢). وعثمان - رضي الله عنه - أجهز عليه في مصرعه، ولم يرتث؛ فلم يغسل؛ وسعد بن معاذ(٣) - رضي الله عنه - ارتث، فقال النبي - وَّه -: (بَادِرُوا إِلَىْ غُسْلِ صَاحِبِكُمْ سَعْدٍ؛ كَيْلاَ تَسْبِقَنَا المَلاَئِكَةُ بِغُسْلِهِ، كَمَا [سَبَقَتْنَا] (٤) بِغُسْلٍ حَتْظَلَة))(٥)؛ ولأن شهداء أحد ماتوا على مصارعهم ولم يرتثوا، حتى روي أن الكاس كان يدار عليهم فلم يشربوا؛ خوفاً من نقصان الشهادة، فإذا ارتث لم يكن في معنى شهداء أحدٍ، وهذا لأنه لما ارتث، ونقل من مكانه؛ يزيده النقل ضعفاً، ويوجب حدوث آلام لم تحدث لولا النقل، والموت يحصل عقيب ترادف الآلام. فيصير النقل مشاركاً للجراحة في إثارة الموت. ولو تم الموت بالنقل لسقط الغسل. ولو تم بإيلام سوى الجرح لا يسقط؛ فلا يسقط بالشك. ولأن القتل لم يتمحض بالجرح، بل حصل به وبغيره، وهو النقل، والجرح محظور، (١) في أ: ولده. (٢) ما بين المعكوفين سقط في أ. (٣) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأوسي أبو عمرو، سيد قومه، شهد بدراً وأحداً، وقال النبي ◌َّير: ((اهتز العرش لموت سعد بن معاذ)). وقال: ((مناديل سعد في الجنة خير من هذه الحلة)). استشهد زمن الجندق له حديث موقوف في البخاري، روى عنه ابن مسعود، ينظر: الخلاصة ٣٧١/١ (٢٣٩٩). (٤) سقط في أ. (٥) حنظلة بن أبي عامر: بن صيفي بن مالك بن أمية بن ضبعة بن زيد بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي المعروف بغسيل الملائكة. وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب، واسمه عمرو، ويقال عبد عمرو، وكان يذكر البعث ودين الحنيفية، فلما بعث النبي ◌ّر عانده وحسده، وخرج عن المدينة وشهد مع قريش وقعة أحد، ثم رجع قريش إلى مكة، ثم خرج إلى الروم فمات بها سنة تسع، ويقال سنة عشر؛ وأعطى هرقل ميراثه لكنانة بن عبد يا ليل الثقفي. وأسلم ابنه حنظلة فحسن إسلامه، واستشهد بأحد؛ لا يختلف أصحاب المغازي في ذلك . ينظر: تعجيل المنفعة ١٠٨ - الجرح والتعديل ١٠٦١/٣، الطبقات الكبرى ٤٣/٢، ٢٤٥/٣، ٦٦/٥، الأعلمي ١٢/١٧، أسد الغابة ت [١٢٨١]، الاستيعاب [٥٦٧]، والإصابة ١١٩/٢ (١٨٦٨). ٣٦٣ كتاب الصلاة والنقل مباح، فلم يمت بِسَبَبِ تَمَخَّضَ حَرَاماً. فلم يصر في معنى شهداء أحد. ثم المرتث من خرج عن صفة القتلى، وصار إلى حال الدنيا بأن جرى عليه شيء من أحكامها، أو وصل إليه شيء من منافعها. وإذا عرف هذا، فنقول: من حمل من المعركة حياً، ثم مات في بيته، أو على أيدي الرجال - فهو مرتث، وكذلك إذا أكل أو شرب، أو باع أو ابتاع، أو تكلم بكلام طويل، أو قام من مكانه ذلك، أو تحول من مكانه إلى مكان آخر، وبقي على مكانه ذلك حياً يوماً كاملاً أو ليلة كاملة، وهو یعقل - فهو مرتٹ. [وروي عن أبي يوسف: إذا بقي وقت صلاة كامل، حتى صارت الصلاة ديناً في ذمته، وهو يعقل - فهو مرتث](١)، وإن بقي في مكانه لا يعقل - فليس بمرتث. وقال محمد: إن بقي يوماً فهو مرتث، ولو أوصى كان ارتثاثاً عند أبي يوسف خلافاً لمحمد . وقيل: لا خلاف بينهما في الحقيقة، فجواب أبي يوسف خرج فيما إذا أوصى بشيء من أمور الدنيا، وذلك يوجب الارتثاث بالإجماع؛ لأن الوصية بأمور الدنيا من أحكام الدنيا ومصالحها؛ فينقض ذلك معنى الشهادة. وجواب محمد محمول على ما إذا أوصى بشيء من أمور الآخرة، وذلك لا يوجب الارتثاث بالإجماع؛ كوصية سعد بن الربيع، وهو ما روي أنه لما أصيب المسلمون يوم أحد، ووضعت الحرب أوزارها، قال رسول الله - رَله : ((هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيع؟)) فنظر عبد الله بن عبد الرحمن من بني النجار - رضي الله تعالى عنهم - فوجده جريحاً في القتلى، وبه رَمَقْ، فقال له: إن رسول الله - وَطير - أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات، فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله - بَّر - عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما يجزي نبي عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعداً يقول: لا عذر لكم عند الله تعالى أن يخلص إلى نبيكم، وفيكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات، فلم يغسل وصلي عليه. وذكر في ((الزيادات)): أنه إن أوصى بمثل وصية سعد بن معاذ فليسٍ بارتثاث، والصلاة ارتثاث؛ لأنها من أحكام الدنيا، ولو جر برجله من بين/ الصفين حتى تَطَأْهُ الخيول فمات - لم ١٦١ب يكن مرتثاً؛ لأنه ما نال شيئاً من راحة الدنيا، بخلاف ما إذا مرض في خيمته أو في بيته؛ لأنه (١) سقط في أ. ٣٦٤ كتاب الصلاة قد نال الراحة بسبب ما مرض، فصار مرتثاً، ثم المرتث وإن لم يكن شهيداً في حكم الدنيا - فهو شهيد في حق الثواب، حتى أنه ينال(١) ثواب الشهداء؛ كالغريق، والحريق، والمبطون، والتريب؛ أنهم شهداء بشهادة (٢) رسول الله - وَّر - لهم بالشهادة، وإن لم يظهر حكم شهادتهم في الدنيا . [ومنها: كون المقتول مسلماً، فإن كان كافراً؛ كالذمي إذا خرج مع المسلمين للقتال فقتل يغسل؛ لأن سقوط الغسل عن المسلم إنما ثبت كرامة له، والكافر لا يستحقُّ الكرامة](٣). ومنها: كون المقتول مكلفاً هو شرط صحة الشهادة في قول أبي حنيفة، فلا يكون الصبي والمجنون شهيدين عنده، وعند أبي يوسف ومحمد: ليس بشرط؛ ويلحقهما حكم الشهادة. وجه قولهما: أنه مقتول ظلماً، ولم يخلف بدلاً هو مال، فكان شهيداً؛ كالبالغ العاقل؛ ولأن القتل ظلماً لما أوجب تطهير من ليس بطاهر؛ لارتكابه المعاصي والذنوب - فلأن يوجب تطهير من هو طاهر أولى. ولأبي حنيفة أن النص ورد بسقوط الغسل في حقهم؛ كرامة لهم، فلا يجعل وارداً فيمن لا يساويهم في استحقاق الكرامة، وما ذكروا من معنى الطهارة غير سديد؛ لأن سقوط الغسل غير مبني على الطهارة؛ بدليل أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - غسلوا، ورسولنا سيد البشر - وَله - غسل، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أطهر خلق الله تعالى؛ فلا وجه لتعليق ذلك بالتطهير، مع أنه لا ذَنْبَ لِلصَّبِيِّ يُطَهْرُهُ السَّيْفُ؛ فكان القتل في حقه، والموت حتف أنفه سواء. ومنها: الطهارة عن الجنابة شرط في قول أبي حنيفة. وعندهما: ليس بشرط، حتى لو قتل جنباً لم يكن شهيداً عنده خلافاً لهما . وجه قولهما: إن القتل على طريق الشهادة أقيم مقام الغسل؛ كالذكاة أقيمت مقام غسل العروق؛ بدليل أنه یرفع الحدث. ولأبي حنيفة: ما روي أن حنظلة استشهد جنباً فغسلته الملائكة، حتى قال رسول الله - وَرَ -: ((إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلُهُ المَلائِكَةُ فَأَسْأَلُوا أَهْلَهُ مَا بَالُهُ؟ فَسُئِلَتْ صاحبتُه، فقالت: خرج وهو (١) في أ: نال. (٢) في أ: لشهادة. (٣) سقط في أ. ٣٦٥ كتاب الصلاة جنب حين سَمعَ الهَيْعَة))(١)، فقال - ◌َِّ -: ((لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلائِكَةُ))(٢)، أشار إلى أن الجنابة علة الغسل، والمعنى فيه: أن الشهادة عرفت مانعة من حلول نجاسة الموت؛ لا رافعة لنجاسة كانت كالذكاة؛ فإنها تمنع من حلول نجاسة الموت فيما كان حَلاَلاً؛ كما لا ترفع حرمة كانت ثابتة؛ وهذا لأنها عرفت مانعة بخلاف القياس فلا تكون رافعة؛ لأن المنع أدون من الرفع، فأما الحدث فإنما ترفعه ضرورة المنع؛ لأن الموت لا يخلو عن الحدث؛ إذ لا بد من زوال العقل سابقاً على الموت؛ فيثبت الحدث لا محالة، والشهادة مانعة من نجاسة الموت، فلو لم يرتفع الحدث بالشهادة، لاحتيج إلى غسل أعضاء الطهارة، فلم يظهر أثر منع الشهادة حلول النجاسة، فقلنا: إن الشهادة ترفع ذلك الحدث لهذه الضرورة، ولا ضرورة في الجنابة؛ لأنها لا توجد لا محالة لينعدم أثر الشهادة، بل توجد في الندرة فلم يرفع. وأما الحائض والنفساء إذا استشهدتا، فإن كان ذلك بعد انقطاع الدم، وطهارتهما قبل الاغتسال ـ فالكلام فيهما وفي الجنب سواء، وإن كان قبل انقطاع الدم: فعن أبي حنيفة فيه: روايتان: في رواية: يغسلان كالجنب؛ لوجود شرط الاغتسال، وهو الحيض والنفاس. وفي رواية: لا يغسلان؛ لأنه لم يكن وجب بعد قبل الموت قبل انقطاع الدم، فلو وجب وجب بالموت، والاغتسال الذي يجب بالموت يسقط بالشهادة، ولا تشترط الذُّكُورَةُ لصحة الشهادة بالإجماع؛ لأن النساء مخاطبات يخاصمن يوم القيامة من قتلهن، فيبقى(٣) عليهن أثر الشهادة؛ ليكون شاهداً لهن كالرجال. والله أعلم. وإذا عرف شرائط الشهادة، فنقول: إذا قتل الرجل في المعركة أو غيرها، وهو يقاتل أهل الحرب، أو قتل مدافعاً عن نفسه أو ماله أو أهله، أو واحد من المسلمين أو أهل الذمة - فهو شهيد، سواء قتل بسلاح أو غيره؛ لاستجماع شرائط الشهادة في حقه، فالتحق بشهداء أحد، وكذلك إذا صار مقتولاً من جهة قطاع الطريق؛ لأنه قتل ظلماً لم يخلف بدلاً هو مال؛ دل عليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ)) (٤)، وهذا قتل دون ماله؛ فيكون شهيداً بشهادة النبي - وَّر - وكذا إذا قتل في محاربة أهل البغي. وعند الشافعي: يغسل في أحد قوليه؛ لأن على أحد قوليه: يجب القصاص على الباغي، فهذا قتيل أخلف بدلاً وهو القصاص، وهذا يمنع الشهادة عنده على ما مر. (١) الهَيْعَةُ: الصوت الذي تفزع منه وتخافه من عدو ينظر: النهاية (٢٨٨/٤). (٢) تقدم تخريج الحديث. (٣) في أ: فبقي. (٤) أخرجه البخاري ١٢٣/٥، كتاب المظالم: باب إثم من ظلم شيئاً من الأرض (٢٤٥٢) وطرفه في (٣١٩٨)، والبيهقي في السنن ٩٩/٦. ٣٦٦ كتاب الصلاة ولنا: ما روي عن عمار؛ أنه لما استشهد بـ((صفين)) تحت راية علي - رضي الله عنه - فقال: لا تغسلوا عني دماً، ولا تنزعوا عني ثوباً(١)، فإني التقي ومعاوية بالجادة، وكان قتيل أهل البغي، على ما قال النبي - وَلَّ -: ((تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ))؛ وروي أن زيد بن صوحان لما ١٦٢أ استشهد يوم الجمل، فقال: لا تغسلوا عني دماً، ولا تنزعوا عني ثوباً؛ فإني رجل محاج/ أحاج يوم القيامة من قتلني. وعن علي - رضي الله عنه: أنه كان لا يغسل من قتل من أصحابه؛ ولأنه في معنى شهداء أحد؛ لأنه قتل قتلاً تمحض ظلماً، ولم يخلف بدلاً هو مال، ووجوب القصاص في قتل الباغي ممنوع، وعليه إجماع الصحابة، إن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو باطل، وقتيل غير الباغي، وإن وجب عليه القصاص، لكن ذلك أمارة تغلظ الجناية على ما مر، فلا يوجب قدحاً في الشهادة، بخلاف وجوب الدية، ولو وجد في المعركة، فإن لم يكن به أثر القتل من جراحة، أو خنق، أو ضرب، أو خروج الدم - لم يكن شهيداً؛ لأن المقتول إنما يفارق الميت حتف أنفه بالأثر، فإذا لم يكن به أثر فالظاهر أنه لم يكن بفعل مضاف إلى العدو، بل لما التقى الصفان انخلع قناع قلبه من شدة الفزع، وقد يبتلى الجبان بهذا، فإن كان به أثر القتل كان شهيداً؛ لأن الظاهر أن موته كان بذلك السبب، وأنه كان من العدو. والأصل أن الحكم متى ظهر عقيب سبب يحال عليه، وإن كان الدم يخرج من محارقه: ينظر؛ إن كان موضعاً يخرج الدم منه من غير آفة في الباطن؛ كالأنف، والذكر والدبر - لم يكن شهيداً؛ لأن المرء قد يبتلى بالرعاف، وقد يبول دماً لشدة الفزع، وقد يخرج الدم من الدبر من غير جرح في الباطن، فوقع الشك في سقوط الغسل فلا يسقط بالشك، وإن كان الدم يخرج من أذنه أو عينه كان شهيداً؛ لأن الدم لا يخرج من هذين الموضعين عادة إلا لآفة في الباطن، فالظاهر أنه ضرب على رأسه حتى خرج الدم من أذنه أو عينه، وإن كان الدم يخرج من فمه؛ فإن كان ينزل من رأسه - لم يكن شهيداً؛ لأن ما ينزل من الرأس، فنزوله من جانب الفم، أو من جانب الأنف - سواء، وإن كان يعلو من جوفه كان شهيداً؛ لأن الدم لا يصعد من الجوف إلا لجرح في الباطن، وإنما نميز بينهما بلون الدم، والله أعلم. ولو وجد في عسكر المسلمين؛ فإن كانوا لقوا العدو فهو شهيد، وليس فيه قسامة ولا دية؛ لأنه قتيل العدو ظاهراً كما لو وجد قتيلاً في المعركة، وإن كانوا لم يلقوا العدو لم يكن شهيداً؛ لأنه ليس قتيل العدو. (١) أخرجه البيهقي (١٧/٤). ٣٦٧ كتاب الصلاة ألا ترى أن فيه القسامة والدية، ولو وطئته دابة العدو، وهم راكبوها أو سائقوها أو قائدوها، فمات، أو نفر العدو دابته أو نخسها، فألقته فمات، أو رماه العدو بالنار فاحترق، أو كان المسلمون في سفينة، فرماهم العدو بالنار فاحترقوا، أو تعدى هذا الحريق إلى سفينة أخرى فيها مسلمون فاحترقوا، أو سيلوا عليهم الماء حتى غرقوا، أو ألقوهم في الخندق، أو من السور بالطعن بالرمح والدفع حتى ماتوا، أو ألقوا عليهم الجدار - كانوا شهداء؛ لأن موتهم حصل بفعل مضاف إلى العدو؛ فيلحقهم حكم الشهادة. ولو نفرت دابة مسلم من دابة العدو، أو من سوادهم، من غير تنفير منهم، فألقته فمات، أو انهزم المسلمون فألقوا أنفسهم في الخندق، أو من السور حتى ماتوا - لم يكونوا شهداء؛ لأن موتهم غير مضاف إلى فعل العدو، وكذلك إذا حمل على العدو فسقط عن فرسه، أو كان المسلمون ينقبون عليهم الحائط، فسقط عليهم فماتوا - لم يكونوا شهداء عند محمد، خلافاً لأبي يوسف، وأصل محمد - رحمه الله - في ((الزيادات)) في هذه المسائل أصلاً، فقال: إذا صار مقتولاً بفعل ينسب إلى العدو - كان شهيداً، وإلا فلا. والأصل عند أبي يوسف: أنه إذا صار مقتولاً بعمل الحراب والقتال - كان شهيداً، وإلا فلا، سواء كان منسوباً إلى العدو أو لا، والأصل عند الحسن بن زياد؛ أنه إذا صار مقتولاً بمباشرة العدو، بحيث لو وجد ذلك القتل فيما بين المسلمين في دار الإسلام، لا يخلو عن وجوب قصاص، أو كفارة - كان شهيداً، وإذا صار مقتولاً بالتسبب لم يكن شهيداً، وجنس هذه المسائل في ((الزيادات)). 'ـا فضل في حكم الشهادة في الدنيا وأما حكم الشهادة في الدنيا فنقول: إن الشهيد كسائر الموتى في أحكام الدنيا، وإنما يخالفهم في حكمين : أحدهما: أنه لا يغسل عند عامة العلماء. وقال الحسن البصري: يغسل؛ لأن الغسل كرامة لبني آدم، والشهيد يستحق الكرامة حسبما يستحقه غيره بل أشد؛ فكان الغسل في حقه أوجب؛ ولهذا يغسل المرتث، ومن قتل بحق فكذا الشهيد؛ ولأن غسل الميت وجب تطهيراً له. ألا ترى أنه إنما تجوز الصلاة عليه بعد غسله لا قبله، والشهيد يصلى عليه، فيغسل أيضاً تطهيراً له، وإنما لم تغسل شهداء أحد تخفيفاً على الأحياء؛ لكون أكثر الناس كان مجروحاً؛ لما أن ذلك اليوم كان يوم بلاء وتمحيض، فلم يقدروا على غسلهم. ٣٦٨ كتاب الصلاة ولنا: ما روي عَنِ النَّبِيِّ - ◌ََّ - أنه قال في شُهَدَاءِ أُحُدٍ: ((زَمّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَماً، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ))(١). وفي بعض الروايات: ((زَمِلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلاَ تُغَسِّلُوهُمْ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ الله إِلاَّ وَهُوَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَماً، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ))، وهذه الرواية أعم، فالنبيُّ - وَّر - لم يأمر بالغسل، وبين المعنى، وهو أنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً، فلا يزال عنهم الدم بالغسل؛ ليكون شاهداً لهم يوم القيامة، ١٦٢ ب وبه تبين(٢) أن ترك غسل الشهيد من باب الكرامة له، وأن الشهادة جعلت مانعة/ عن حلول نجاسة الموت؛ كما في شهداء أحد. وما ذكر من تعذر الغسل غير سديد؛ لما بينا أن النبي - وَل ري ـ أمر بأن يزملوهم بدمائهم وبين المعنى؛ ولأن الجراحات التي أصابتهم لما لم تكن مانعة لهم من الحفر والدفن - كيف صارت مانعة من الغسل، وهو أيسر من الحفر والدفن؛ ولأن ترك الغسل لو كان للتعذر لأمر أن ييمموا؛ كما لو تعذر غسل الميت في زماننا لعدم الماء، والدليل عليه أنه كما لم تغسل شهداء أحد - لم تغسل شهداء بدر، والخندق، وخيبر، وما ذكر من التعذر لم يكن يومئذ؛ ولذا لم يغسل عثمان وعمار، وكان بالمسلمين قوة، فدل أنهم فهموا من ترك الغسل على قتلى أحد غير ما فهم الحسن. والله أعلم. والثاني: أنه يكفن في ثيابه؛ لقول النبي - وََّ -: ((زَمْلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ))، وقد روي: ((في ثِيَابِهِمْ))، وروينا عن عمار وزيد بن صوحان؛ أنهما قالا: لا تنزعوا عني ثوباً (٣)، الحديث غير أنه ينزع عنه الجلد والسلاح، والفرو والحشو والخف، والمنطقة والقلنسوة. وعند الشافعي: لا ينزع عنه شيء مما ذكرنا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((زَمُلُوهُمْ بِشَابِهِمْ». ولنا: ما روي عن علي - رضي الله عنه؛ أنه قال: تنزع عنه العمامة والخفين والقلنسوة؛ وهذا لأن ما يترك يترك ليكون كفناً، والكفن ما يلبس للستر، وهذه الأشياء تلبس؛ إما للتجمل والزينة، أو لدفع البرد، أو لدفع معرة السلاح، ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك، فلم يكن شيء من ذلك كفناً؛ وبه تبين أن المراد من قوله - وَلَ -: ((زَمَّلُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ)) - الثياب التي يكفن (١) تقدم تخريج الحديث. (٢) في أ: يتبيّن. (٣) أخرجه البيهقي (٤/ ١٧) ٣٦٩ كتاب الصلاة بها وتلبس للستر؛ ولأن هذا عادة أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يدفنون أبطالهم بما عليهم من الأسلحة، وقد نهينا عن التشبه بهم، ويزيدون في أكفانهم ما شاءوا؛ وينقصون ما شاءوا، لما روي أن حمزة - رضي الله عنه - كان عليه نمرة لو غطى رأسه بها بدت رجلاه، ولو غطيت بها رجلاه بدا رأسه، فأمر رسول الله - وَّرَ - أَنْ يُغَطَّى بِهَا رَأْسُهُ، وَيُوضَعُ عَلَىْ رِجْلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الإذْخَرِ))(١)؛ وذاك زيادة في الكفن؛ ولأن الزيادة على ما عليه حتى يبلغ عدد السنة من باب الكمال فكان لهم ذلك، والنقصان من باب دفع الضرر عن الورثة؛ لجواز أن يكون عليه من الثياب ما يضر تركه بالورثة، فأما فيما سوى ذلك فهو كغيره من الموتى. وقال الشافعي: أنه لا يصلى عليه كما لا يغسل، واحتجَّ بما روي عن جابر: ((أَنَّ النبيَّ - وَلَ - مَا صَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ))، ولأن الصلاة على الميت شفاعة له ودعاء لتمحيص ذنوبه، والشهيد قد تطهّرَ بصفة الشهادة عن دَنَسِ الذنوبِ عَلَى ما قالَ النبيُّ - وَرَ -: («السَّيْفُ مَخَاءٌ لِلذُّنُوبِ))(٢)، فاستغنى عن ذلك كما استغنى عن الغسل، ولأن الله تعالى وصف الشهداء بأنهم أحياء في كتابه، والصلاة على الميت لا على الحي. ولنا: ما روي: ((أَنَّ النَّبِيَّ - نَّهِ - صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ صَلاَةَ الجَنَازَةِ)(٣)، حَتَّى رُوِيَ: ((أَنه صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ(٤) سَبْعِينَ صَلاةَ، وبَعْضَهُمْ أَوَّلوا ذلك بأنه كان يؤتى بواحد واحد، فيصلي عليه رسولُ الله - وَلّرهـ، وحمزة - رضي الله عنه - بين يديه، فظن الراوي أنه كان يصلّي على حمزة في كل مرة، فروي أنه صلّى عليه سبعين صلاة، ويحتمل أنه كان ذلك على حسب الرواية، وكان مخصوصاً بتلك الكرامة، وما روي عن جابر - رضي الله عنه - فغير صحيح. وقيل: إنه كان يومئذ مشغولاً، فإنه قتل أبوه وأخوه وخاله، فرجع إلى المدينة، ليدبر (١) تقدم تخريج الحديث. (٢) تقدم تخريج الحديث. (٣) تقدم. (٤) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو عمارة عم النبي ◌َّر، وأخوه من الرضاعة. أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب كما ثبت في الصحيحين وقريبه من أمه أيضاً؛ لأن أم حمزة هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بنت عم آمنة بنت وهب بن عبد مناف أم النبي ◌َّد. ولد قبل النبي ◌َّله بسنتين. وقيل: بأربع. وأسلم في السنة الثانية من البعثة، ولازم نصر رسول الله وَلؤل وهاجر معه. ينظر: الإصابة ١٠٥/٢ (١٨٣١)، طبقات ابن سعد ٣/١/٣-١١، نسب قريش ١٧-١٥٢-٢٠٠، تاريخ خليفة ٦٨، الجرح والتعديل ٢١٢/٣، تهذيب الأسماء واللغات ١٦٨/١ -١٦٩، العبر ٥/١، العقد الثمين ٢٢٧/٤، شذرات الذهب ١/١، أسد الغابة ت (١٢٥١)، الاستيعاب ت (٥٥٩). بدائع الصنائع ج٢ - ٢٤٣ ٣٧٠ كتاب الصلاة كيف يحملهم إلى المدينة، فلم يكن حاضراً حين صَلَّى النبي - وَ لَّ ـ عليهم؛ فلهذا روى ما روي، ومن شاهد النبي - رَّ - قد روي أنه صلى عليهم، ثم سمع جابر منادي رسول الله - رَله - أن تدفن القتلى في مصارعهم، فرجع فدفنهم فيها؛ ولأن الصلاة على الميت لإظهار كرامته؛ ولهذا اختص بها المسلمون دون الكفرة، والشهيد أولى بالكرامة، وما ذكر من حصول الطهارة بالشهادة، فالعبد - وإن جل قدره - لا يستغني عن الدعاء. ألا ترى أنهم صلوا على رسول الله - دَل ـ ـ، ولا شك أن درجته كانت فوق درجة الشهداء، وإنما وصفهم بالحياة في حق أحكام الآخرة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. فأما في حق أحكام الدنيا فالشهيد ميت؛ يقسم ماله، وتنكح امرأته بعد انقضاء العدة، ووجوب الصلاة عليه من أحكام الدنيا، فكان ميتاً فيه فيصلى عليه، والله أعلم بالصَّوابِ، وإليه المرجع والمآب. كِتَابُ الزَّكَاةِ (١) الكلام في هذا الكتاب في الأصل في موضعين: في بيان أنواع الزكاة؛ وفي بيان حكم كل نوع منها . أما الأول: فالزكاة في الأصل نوعان: فرض، وواجب؛ فالفرض زكاة المال، والواجب زكاة الرأس وهي صدقة الفطر، وزكاة المال نوعان: زكاة الذهب والفضة وأموال التجارة والسَّوائم، وزكاة الزروع والثمار، وهي العشر أو نصف العشر. أما الأول: فالكلام فيها يقع في مواضعٍ: في بيان فرضيتها، وفي بيان كيفية الفرضية، وفي بيان سبب الفرضية، [وفي بيان ركنها](٢)، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان ما يُسقطها بعد وجوبها . أما الأول: فالدليل على فرضيتها/ الكتابُ، والسنةُ، والإجماع، والمعقول: أما الكتاب ١١٦٣ فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهْرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله عز وجل: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَخْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، قيل: والحقُّ المعلومُ هو الزكاةُ. وقوله: ﴿وَالَّذِيْنَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله ... ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، فكلُّ مال لم تؤد زكاته فهو كنز؛ لما روي عن النبي - نَّهِ - أنه قال: «كُلُّ مَالٍ أُدِّيَتِ (١) الزكاة لغة: قال ابن قتيبة: الزكاة من الزكاء، وهو النماء، والزيادة، سميت بذلك، لأنها تثمر المال، وتنميه، يقال: زكا الزرع: إذا بورك فيه. وقال الأزهري: سميت زكاة؛ لأنها تزكي الفقراء، أي: تنمّيهم، قال: وقوله تعالى: ﴿تُطَهّرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: تطهر المُخْرِجِينَ، وتزكي الفُقَرَاءَ. انظر: لسان العرب ١٨٤٩/٣، ترتيب القاموس ٤٦٤/٢، المصباح المنير ٣٤٦/١. عرفها الحَنَفِيَّةُ بأنها: اسْمٌ لفعل أداء حَقِّ يَجِبُ للمال يعتبر في وجوبه الحَوْلُ والنَّصَابُ. عرفها الشّافِعِيَّةُ بأنها: اسم لما يخرج عن مَالٍ، أو بَدَنٍ على وَ جْهٍ مخصوص. وَعَرَّفَهَا المالكية بأنها: إخراج جُزْءٍ مَخْصُوصٍ من مَالِ مخصوص بلغ نِصَاباً لمستحقّه. عرفها الحنابلة بأنها: حقّ واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص. انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام على الهداية ٢/ ١٥٣ ط شرح المهذب ٣٢٤/٥ ومغني المحتاج ٣٦٨/١، البجيرمي على الإقناع ٢٧٥/٢، نهاية المحتاج ٤٣/٣، شرح منح الجليل على مختصر خليل ٣٢٢/١، ومواهب الجليل ٢/ ٢٥٥ شرح الخرشي ١٤٨/٢ الفواكه الدواني ٣٧٨/١، كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ١٦٦/٢. (٢) في أ: وفي بيان شرائط الفرضية وفي بيان ركن الزكاة. ٣٧١ ٣٧١ كِتَابُ الزَّكَاةِ الزَّكَاةُ عَنْهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ سَبْعٍ أَرَضِينَ، وَكُلُّ مَالٍ لَمْ تُؤَدَّ الزَّكَاةُ عَنْهُ فَهُوَ كَثْزٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضَِ))(١)، فقد ألحق الوعيد الشَّديد بمن كنز الذهب والفضة، ولم ينفقها في سبيل الله، ولا يكون ذلك إلا بترك الفرض، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيَِّاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وأداء الزكاة إنفاق في سبيل الله، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىُ﴾ [المائدة: ٢]، وإيتاء الزكاة من باب الإحسان والإعانة على البرّ والتقوى. وأما السنة: فما ورد في المشاهير عَنْ رسول الله - وَّلـ: أنه قال: ((بُنِيَ الْإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلهَ إِلَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمٍ رَمَضَانَ، وَحَجُّ البَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(٢)، وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ((عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: أَعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَحُجُوا بَيْتَ رَبَّكُمْ، وَأَدُوا زَكَاةً أَمْوَالِكُمْ طَئِيَّةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبَّكُمْ))(٣) . وروي عن أبي هريرةً عن النبيِّ - ◌َّهِ - أَنَّهُ قَالَ: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ ذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّ جُعِلَتْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَائِحَ ثُمَّ أُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَىُ بِهَا جَنْبُهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةً حَتَّى يَقْضَى بَيْنَ النَّاسِِ فَيُرَى سَبِيلُهُ: إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبٍ بَقَرٍ وَلاَ غَتَم لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ أَتَى بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَطَّؤُّهُ بَأَظْلاَفِهَا وَتَنْطَّحُهُ(٤) بِقُرُونِهَا))(٥)، ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، فَصَاحِبُ الْخَيْلِ؟ قَالَ: الخَيْلُ ثَلاَثٌ(٦): لِرَجُلِ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وَزْرٌ، فَأَمَّا مَنْ رَبَطَهَا عُدَّةً فِي سَبِيلِ الله؛ فَإِنَّهُ لَوْ طَوَّلَ لَهَا فِي مَرْجَ خِصْبٍ أَوْ فِيَ رَوْضَةٍ، كَتَبَ الله لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ، وَعَدَدَ أَزْوَائِهَا حَسَنَاتٍ، وَإِنْ مَرَّتْ بِنَهْرِ عَجَاجِ لاَ يُرِيدُ مِنْهُ السَّقْيَ فَشَرِبَتْ، كَتَبَ الله لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ؛ وَمَنْ أَرْتَبَطَهَا عِزْأَ وَفِّخْراً عَلَى الْمَّسْلِمِينَ، كَانَتْ لَّهُ وِزْراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنِ أَرْتَبَطَهَا تَغَنِيّاً وَتَعَفُّفاً ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ الله تَعَالَى فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا، كَانَتْ لَهُ سِتْراً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ)»(٧) . (١) أخرجه الشافعي في ((المسند)) (٢٢٣/١) كتاب الزكاة باب الأمر بها حديث (٦١٢). (٢) تقدم. (٣) تقدم تخريجه. (٤) في أ: فتنطحه. (٥) أخرجه البخاري (٣٧٩/٣) كتاب الزكاة: باب زكاة البقر حديث (١٤٦٠) ومسلم (٦٨٦/٢) كتاب الزكاة: باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة حديث (٩٩٠/٣٠). (٦) في أ: لثلاث. (٧) ينظر الحديث السابق. ٣٧٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ وروي عن النبيِّ ◌ِ نََّ - أنه قال: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ غَنَّم لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلَّ بُطِحَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعِ قَرْقَر تَطَؤُّهُ بِأَظْلاَفِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا))(١)، وَروي عنه - وََّ - أنه قال في مانعي زَكَاةٍ الغَنَمِ والإِبَلِ والبَقَرِ والفَرَسِ: ((لَأَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى عِاتِقِهِ شَاةٌ تَيْعَرُ، يَقُولُ: يَا مُحَمَّدًا يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً أَلاَ قَدْ بَلَّغْتُ وَلَأُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَىْ عَاتِقِهِ بَعيرٍ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لاَ أَهْلِكُ لَّكَ مِنَ الله شَيْئاً، أَا قَدْ بَلَّغْتُ، وَلَأَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى عَاتِقِهِ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! يا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً أَلاَ قَدْ بَلَّغْتُ، وَلَأَلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى عَاتِقِهِ فَرَسٌ لَهُ جَمْجَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً أَلاَ قَدْ بَلَّغْتُ))(٢)، والأحاديث في الباب كثيرة. وأما الاجماع؛ فلأن الأمة أجمعت على فرضيتها. وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف، وإغاثة اللهيف، وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله - عز وجل - عليه من التَّوحيد والعبادات، والوسيلة إلى أداء المفروض مفروض. والثاني: أن الزكاة تطهر نفس المؤدي عن أنجاس الذنوب، وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم، وترك الشح والضَّنِّ؛ إذ الأنفس مجبولة على الضن بالمال، فتتعود السماحة وترتاض لأداء الأمانات، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. والثالث: أن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء، وفضَّلهم بصنوف النعمة، والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية، وخصَّهم بها؛ فيتنعمون ويستمتعون بلذيذ العيش، وشكرُ النعمةِ فرضٌ عقلاً وشرعاً، وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شُكر النعمة؛ فكان فرضاً. فضل في كيفية فرضيتها وأما كيفية فرضيتها: فقد اختلف فيها؛ ذكر الكرخي أنها على الفور، وذكر في ((المنتقى)) ما يدلُّ عليه؛ فإنه قال: إذا لم يُؤَدِّ الزكاةَ حتى مضى حَوْلاَنِ، فقد أساءَ وأثم، ولم يحل له ما صنع، وعليه زکاةٌ حول واحد. (١) ينظر الحديث السابق. (٢) أخرجه مسلم (٢/ ٦٨٠) كتاب الزكاة: باب إثم مانع الزكاة حديث (٩٨٧/٢٤). ٣٧٤ كِتَابُ الزَّكَاةِ وعن محمد: أن من لم يؤدِّ الزكاة لم تقبل شهادته، وروي عنه أن التأخير لا يجوزُ، ١٦٣ب وهذا نصّ على الفور وهو ظاهر مذهب الشَّافعي، وذكر الجصاص/ أنها على التراخي، واستدل بمن عليه الزكاة إذا هلك نصابه بعد تمام الحول، والتمكن من الأداء؛ أنه لا يضمن، ولو كانت واجبة على الفور - لضمن؛ كمن أخّر صوم شهر رمضان عن وقته؛ أنه يجب عليه القضاء . وذكر أبو عبد الله الثلجي عن أصحابنا؛ أنها تجب وجوباً موسَّعاً(١). (١) الفعل الذي تعلّق به الوجوب قد لا يكون له وقت محدد من الشارع بحيث يكون معلوم البداية والنهاية كالزكاة ويسمى واجباً غير مؤقت وقد يكون له وقت محدد أي معلوم البداية والنهاية ويسمى لذلك واجباً مؤقتاً أي ذا وقت معين، وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون وقته مساوياً لفعله لا يزيد عليه ولا ينقص عنه كصوم رمضان ويسمى واجباً مضيقاً. ثانيها: أن يكون الوقت ناقصاً عن الفعل بحيث لا يمكن إيقاعه بتمامه فيه فإن أريد الإتيان بجميع الفعل في ذلك الوقت الذي لا يسعه كان ذلك من باب التكليف بالمحال، يمنعه من لا يجوز التكليف به، وإن أريد الشروع فيه والتكميل خارجه جاز التكليف به كوجوب الصلاة على من زال عذره وقد بقي من وقتها ما يسع ركعة، كحائض تطهر. وصبي يبلغ ومجنون يفيق ولم يبق من الوقت إلا ما يسع ركعه، والفعل حينئذٍ يكون أداء في اصطلاح الفقهاء قضاء عند الأصوليين بخلاف ما لو زال العذر وقد بقي من الوقت ما لا يسع ركعة فإن الفعل حينئذٍ يكون قضاء عند الجميع. ثالثها: أن يكون الوقت زائداً على الفعل، ويسمى لذلك بالواجب الموسع وهو موضوع البحث. وللعلماء فيه خمسة مذاهب. منها مذهبان متفقان على الاعتراف بالواجب الموسع ووجهتهما في ذلك أن الوجوب متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الوقت وأي جزء من هذه الأجزاء صالح لأن يتعلق به الوجوب، كما أنه متعلق بالقدر المشترك بين الأفراد في الواجب المخير وكل فرد صالح لأن يتعلق به الوجوب: فأجزاء الزمان في الواجب الموسع كالأفراد في الواجب المخير، كل منها صالح لأن يتعلق به الوجوب. وبعد أن اتفقا على الاعتراف بالواجب الموسع اختلفا فيما وراء ذلك على رأيين: الأول: وهو للجمهور أن الوجوب يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أو آخراً من غير شرط لعزم، أو تعيين لبعض الأجزاء. الثاني: وهو لجماعة من المتكلمين منهم القاضي أبو بكر وموافقوه، أن الوجوب يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، لكن لا يجوز تركه في الجزء السابق إلا بشرط العزم على الفعل في الجزء اللاحق إلى أن يبقى من الوقت ما يسع الصلاة فيتعيّن فعلها حينئذٍ. أما الثلاثة الباقية فمتفقة على إنكار الواجب الموسع، ووجهوا ذلك بأن الوجوب يقتضي المنع من الترك، والتوسعة تقتضي جواز الترك، والجمع بينهما محال. ومع اتفاقهم على ذلك اختلفوا فيما بينهم على ثلاثة آراء: الأول: أن الوجوب يختص بأول الوقت فإن فعله في آخره كان قضاء مع عدم الإثم فقد نقل القاضي أبو بكر الإجماع على نفي الإثم حيث قالوا إنه قضاء سد مسد الأداء، ونقل الشافعي هذا القول عن = ٣٧٥ كِتَابُ الزَّكَاةِ وقال عامة مشايخنا: إنها على سبيل التراخي، ومعنى التراخي عندهم أنها تجب مطلقاً عن الوقت غَيْرَ عَيْنٍ، ففي أيّ وقت أدى يكون مؤدياً للواجب، ويتعين ذلك الوقت للوجوب، وإذا لم يؤد إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب؛ بأن بقي من الوقت قدر ما يمكنه الأداء فيه، وغلب على ظنه أنه لو لم يؤد فيه يموت فيفوت، فعند ذلك يتضيق عليه الوجوب، حتى أنه لو لم يؤد فیه حتی مات ۔ یأثم. وأصل المسألة: أن الأمر المطلق عن الوقت هل يقتضي وجوبَ الفعل على الفور، أم على التراخي كالأمر (١) بقضاء صوم رمضان، والأمر بالكفارات والنُّذُورِ المطلقة، وسجدة التلاوة ونحوها، فهو على الاختلاف الذي ذكرنا. المتكلمين، ونسب خطأ لبعض الشافعية لأن هذا القول غير معروف في مذهبهم، وزعم البعض أنه قضاء = مع الإثم. الثاني: وهو معزو لبعض الحنفية أن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإن فعل في أوله كان تعجيلاً. الثالث: وهو رأي الكرخي من الحنفية، أنه يختص بآخر الوقت فإن فعل أوله نظر إن أدرك الفاعل آخر الوقت وهو على صفة التكليف كان ما فعله واجباً وإن لم يكن على صفته بأن جن العاقل. أو حاضت المرأة، أو غير ذلك كان ما فعله نفلاً. وبضم هذه الآراء الثلاثة للمنكرين الواجب الموسع إلى الرأيين السابقين للمعترفين به يكون مجموع الأقوال فيه خمسة. ينظر بحوث في أصول الفقه للحسين الشيخ ص ٨٠-٨٢. (١) اختلفت آراء العلماء فيما يقتضيه الأمر المجرد عن القرائن، هل يقتضي الفور، أو التراخي؟ وقد انعكس هذا الاختلاف فيما بينهم إلى اختلافهم في كثير من الأحكام الفقهية المستنبطة . إن إفادة الأمر للفور تقتضي أن يمتثل المكلف لهذا الأمر دون تأخير عند سماعه الأمر وعدم المانع، فإذا تأخر دون عذر لم تبرأ ذمته. أما إفادته التراخي، فهي تقتضي أنه ليس واجباً على المكلف المبادرة لأداء الأمر فوراً، بل له أن يؤخره إلى وقت آخر إذا ظن القدرة على أدائه في ذلك الوقت. وقد اختلفت آراء العلماء في ذلك إلى مذاهب، سنذكرها فيما يلي: فالذين ذهبوا إلى أن صيغة الأمر للتكرار؛ قالوا: إن الأمر يدل على الفور، فيلزم من دلالته على التكرار بذاتها - دلالتها على الفور. والذين ذهبوا إلى أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن لا تدل على التكرار بذاتها اختلفوا فيما بينهم إلى فرق، ومذاهب متعددة: المذهب الأول: وهو رأي الجمهور من الشافعية، والحنفية، وأتباعهم، واختاره سيف الدين الآمدي، وابن الحاجب، والإمام الرازي، والقاضي البيضاوي، حيث قالوا: إن صيغة الأمر لا تدل على الفور، وهو طلب الإتيان، وامتثال الفعل عقب ورود الأمر، ولا على التراخي، إنما صيغة الأمر موضوعة لطلب الفعل، وإيجاد حقيقته في الوجود الخارجي، فهي - إذا - لمطلق الطلب من غير تقييد بفور أو تراخ. المذهب الثاني: ويعزى إلى بعض المالكية والحنابلة والحنفية، حيث ذهبوا إلى القول بأنه يدل على الفور، وهو امتثال الفعل في أول أوقات الإمكان من غير تراخٍ. = ٣٧٦ كِتَابُ الزَّكَاةِ وقال إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي: إنه يجب تحصيل الفعل على الفور، وهو الفعل في أول أوقات الإمكان، ولكن عملاً، لا اعتقاداً على طريق التعيين، بل مع الاعتقاد المبهم أن ما أراد الله به من الفور والتراخي فهو حق، وهذه من مسائل أصول الفقه، ويجوز أن تبنى مسألة هلاك النصاب على هذا الأصل؛ لأن الوجوب لما كان على التراخي عندنا - لم يكن بتأخيره الأداء عن أول أوقات الإمكان - مفرطاً؛ فلا يضمن، وعنده لما كان الوجوب على الفور صار مفرطاً لتأخيره؛ فيضمن، ويجوز أن تبنى على أصل آخر نذكره في بيان صفة الواجب، إن شاء الله تعالى. فضل في سبب فرضیتها وأما سبب فرضيتها فالمال، لأنها وجبت شكراً لنعمة المال؛ ولذا تضاف إلى المال، فيقال: زكاة المال، والإضافة في مثل هذا يراد بها السببية؛ كما يقال: صلاة الظهر، وصوم الشهر، وحج البيت، ونحو ذلك. قال القرافيُّ: وهو عند مالك للفور، وعند الحنفية خلافاً لأصحابنا المغاربة، والشافعية. = وقال القاضي عبد الوهاب: إنه للفور. المذهب الثالث: وينسب للقاضي أبي بكر الباقلاني: حيث ذهب إلى أن الأمر يدل على الفور، فيجب الفعل في أول الوقت، أو العزم على الإتيان به في ثاني الحال. المذهب الرابع: وإليه ذهب الإمام الجويني؛ حيث توقف عن القول بالفور، أو التراخي. قال الجويني: فيمثل المأمور بكل من الفور والتراخي؛ لعدم رجحان أحدهما على الآخر مع التوقف في إثمه بالتراخي لا بالفور؛ لعدم احتمال وجوب التراخي. والذي نختاره من هذه المذاهب هو مذهب الجمهور، والذي يرى أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن لا تدل على الفور، ولا على التراخي. قال الرازي في ((المحصول)): والحق أنه موضوع لطلب الفعل، وهو القدر المشترك بين طلب الفعل على الفور، وطلبه على التراخي، من غير أن يكون في اللفظ إشعار بخصوص كونه فوراً، أو تراخياً. ينظر: اللمع (ص ٨)، والبرهان: ٢٣١/١-٢٤١، والمحصول: ١٨٩/٢/١، والمستصفى: ٩/٢، والتبصرة (ص ٥٢)، والمسودة (ص ٢٤)، وإرشاد الفحول (ص ٥٩)، وأصول السرخسي: ٢٦/١، والمعتمد: ١٢٠/١، وجمع الجوامع: ٣٨١/١، والمنخول (ص ١١١)، والمنتهى لابن الحاجب (ص ٦٨)، والإبهاج: ٥٧/٢، وروضة الناظر (١٠٥)، وتيسير التحرير: ٣٥٦/١، وفواتح الرحموت: ١/ ٣٨٧، والتمهيد للإسنوي (ص ٨٠)، والإحكام للآمدي: ١٥٣/٢، ونهاية السول: ٢٨٧/٢، وشرح التنقيح (ص ١٢٨)، والعدة لأبي يعلى: ٢٨١/١، والقواعد والفوائد الأصولية (ص ١٨٩)، والتلويح على التوضيح: ١٨٨/٢-١٨٩، وشرح العضد: ١٨٣/٢، والمدخل (ص ١٠٢ -١٠٣)، ومختصر البعلي (ص ١٠١). ٣٧٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ فضل في شرائط الفرضية وأما شرائط الفرضية فأنواع: بعضها يرجع إلى مَنْ عَليه، وبعضها يرجع إلى المال، أما الذي يرجع إلى مَنْ عليه فأنواعٌ أيضاً، منها إسلامه؛ حتى لا تجب على الكافر في حَقِّ أحكام الآخرة عندنا؛ لأنها عبادة، والكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات، هو الصحيحُ من مذهب أصحابنا خلافاً للشّافعي، وهي من مسائل [أصول الفقه](١)؛ وأما في حق أحكام الدنيا: فلا خلاف في أنها لا تجب على الكافر الأصلي، حتى لا يخاطب بالأداء بعد الإسلام، كالصوم، والصلاة. وأما المرتد: فكذلك عندنا حتى إذا مضى عليه الحول وهو مرتد - فلا زكاة عليه، حتى لا يجب عليه أداؤها إذا أسلم. وعند الشافعي تجب عليه في حال الردة، ويخاطب بأدائها بعد الإسلام، وعلى هذا الخلاف الصلاة . وجه قوله: إنه أهل للوجوب؛ لقدرته على الأداء بواسطة [الإسلام كما تجب الصلاة على المحدث لقدرته على أداء] (٢) الطهارة فكان ينبغي أن يخاطب الكافر الأصلي بالأداء بعد الإسلام، إلا أنه سقط عنه الأداء؛ رحمة عليه وتخفيفاً له، والمرتد لا يستحق التخفيف؛ لأنه رجع بعد ما عرف محاسن الإسلام، فكان كفره أغلظ؛ فلا يلحق به. ولنا قولُ النبي - وَلـ: ((الْإِسْلاَمُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ))(٣)؛ ولأن الزكاة عبادة، والكافر ليس من أهل العبادة؛ لعدم شرط الأهلية وهو الإسلام؛ فلا يكون من أهل وجوبها كالكافر الأصلي. وقوله: إنه قادر على الأداء بتقديم شرطه، وهو الإيمان - فاسد، لأن الإيمان أصل، والعبادات توابع له؛ بدليل أنه لا يتحقق الفعل عبادة بدونه، والإيمان عبادة بنفسه، وهذه آية التبعية، ولهذا لا يجوز أن يرتفع الإيمان عن الخلائق بحال من الأحوال في الدنيا والآخرة، مع ارتفاع غيره من العبادات؛ فكان هو عبادة بنفسه، وغيره عبادة به؛ فكان تبعاً له، فالقولُ بوجوب الزكاة وغيرها من العبادات بناء على تقديم الإيمان - جعلَ التبع متبوعاً والمتبوع تابعاً(٤)، وهذا قلب الحقيقة، وتغيير الشريعة بخلاف الصلاة مع الطهارة؛ لأن الصلاة أصل، والطهارة تابعة لها؛ فكان إيجاب الأصل إيجاباً للتبع، وهو الفرق. (١) تقدم الكلام عليها . (٢) سقط في ط. (٣) تقدم. (٤) في أ، تبعاً. ٣٧٨ كِتَابُ الزَّكَاةِ ومنها: العلم بكونها فريضة عند أصحابنا الثلاثة، ولسنا نعني به حقيقة العلم، بل السبب الموصل إليه. وعند زفر: ليس بشرط، حتى إن الحربي لو أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا، ومكث هناك سنين؛ وله سوائم، ولا علم له بالشرائع - لا يجب عليه زكاتها، حتى لا يخاطب بأدائها، إذا خرج إلى دار الإسلام عندنا، خلافاً لزفر. وقد ذكرنا المسألة في ((كتاب الصلاة"، وهل تجب عليه إذا بلَّغه رجل واحد في دار الحرب، أو يحتاج فيه إلى العدد، وقد ذكرنا الاختلاف فيه في ((كتاب الصلاة)). ومنها: البلوغ (١) عندنا، فلا تجب على الصبي، وهو قولُ علي، وابن عباس - رضي الله ١١٦٤ عنهما؛ / فإنهما قالا: لا تجب الزكاة على الصبي، حتى تجب عليه الصلاة. (١) البلوغ طور من أطوار الحياة، به يستعد الشخص لأداء وظيفته النوعية وهي التناسل، وقريب من هذا قول المأرزي: هي قوة تحدث للشخص تنقله من حال الطفولة إلى غيرها. وللبلوغ علامات يُعرف بها، بعضها خاص بالإناث، والبعض الآخر يشترك فيه الإناث والذكور. فالقسم الأول: الحمل، والحيض. والقسم الثاني: ثلاثة أنواع: الأول: خروج المني منهما في اليقظة، أو النوم؛ ويدل لذلك قول النبي وَّ: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَث؛ عن النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظُ، وَعَنْ المَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ)). وقول النبيِ نَّهِ لمعاذ: (خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمِ دِينَاراً)، وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالِ مِنْكُمْ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَّا اسَتْأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... ) الآية . الثاني: نبات شعر العانة على فرج الذكر، والأنثى. وخالف في ذلك أبو حنيفة - رضي الله عنه - فلم يره علامة للبلوغ؛ مستنداً إلى أن شعر العانة شعر نبت على الجسم كغيره من الشعور، فلا يصلح علامة على البلوغ كغيره. أمّا الجمهور فإن استند إلى ما ورد من أن النبي ◌َّي لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم سعد بأن تقتل مقاتلهم، ونسي ذراريهم، أمر عليه الصلاة والسلام بأن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من القاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، وفي ذلك يقول عطية القرظي: عرضت على رسول الله وَلو يوم قريظة فشكّوا فيّ، فأمر النبي ◌َّر أن ينظر هل أنبت بعد، فنظروا إليّ، فلم يجدوني أنبتّ بعد، فألحقوني بالذرية. فأنت ترى أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الإنبات فارقاً بين المقاتلة والذرية، فكان علامة على البلوغ؛ إذ لا يقتل إلاّ من بلغ. وكذلك ثبت أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى بعض عمّاله ألاَّ تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواشي، ويعني بذلك من نبتت عانته، فدل ذلك على أن نبات شعر العانة علامة على البلوغ، لأن الجزية لا تؤخذ إلاّ ممن بلغ. وأيضاً فقد ورد أن غلاماً من الأنصار شبب بامرأة في شعره، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فلما كشف عن مؤتزره لم يجده أنبت، فقال: ((لو أنبت الشعر لحدوتك)). فكل ذلك يفيد أن نبات شعر العانة علامة من علامات البلوغ. وأمّا ما قاله أبو حنيفة فغير ظاهر: فإن شعر = ٣٧٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ وعند الشافعي: ليس بشرط، وتجب الزكاة في مال الصبي ويؤديها الوليُّ، وهو قول ابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهما، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: يحصي الولي أعوام اليتيم، فإذا بلغ أخبره، وهذا إشارة إلى أنه تجب الزكاة، لكن ليس للولي ولاية الأداء، وهو قول ابن أبي ليلى، حتى قال: لو أداها الولي من ماله - ضمن، ومن أصحابنا من بنى المسألة على أصل، وهو أن الزكاة عبادة عندنا، والصبي ليس من أهل وجوب العبادة؛ فلا تجب عليه؛ كما لا يجب عليه الصوم والصلاة . وعند الشافعي: حق العبد والصبي من أهل وجوب حقوق العباد؛ كضمان المتلفات، وأروش الجنايات، ونفقة الأقارب والزوجات، والخراج والعشر وصدقة الفطر؛ ولَإِنْ كانت عبادة فهي عبادة مالية تجري فيها النيابة حتى تتأذى بأداء الوكيل، والولي نائب الصبي فيها، فيقوم مقامه في إقامة هذا الواجب، بخلاف العبادات البدنية؛ لأنها (١) لاَ تجري فيها النيابة، ومنهم من تَكَلّمَ فيها ابتداء . أما الكلام فيها على وجه البناء: فوجه قوله: النص، ودلالة الاجماع والحقيقة، أما النص: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ فِي العانة قد امتاز عن غيره من الشعور بأنه لا ينبت إلا عند البلوغ، أما غيره فقد يتقدم البلوغ كشعر الجسد = وقد يتأخر عنه كشعر اللحية والشارب. الثالث: السنّ وقد اختلف في تحديده فقيل يقدر بخمسة عشر عاماً في الذكر والأنثى، وهذا هو قول الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ابن الحنفية، وابن وهب، وابن الماجشون من المالكية . وقال أبو حنيفة تقدّر بسبعة عشر عاماً في الجارية، وبثمانية عشر في الغلام لأن النماء في الإناث أقوى من النماء في الذكور. وقال مالك: المعتبر سنّ لا يبلغها شخص إلا وقد احتلم. وخلاصة القول أن المسألة اجتهادية يرجع فيها إلى حكم العادة، وإن كان القول بأن السن المعتبرة هي خمسة عشر عاماً في الذكر والأنثى له ما يرجحه. فقد ورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: عرضت على رسول الله وَّه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازني. ولما أخبر بذلك عمر بن عبد العزيز كتب إلى عمّالة ((ألاّ تفرضوا إلاّ لمن بلغ خمس عشرة سنة)). رواه الشافعي. فظاهر كلام ابن عمر يدلُّ على أن رسول الله وَ لّل ردّه في الأول؛ لأنه لم يبلغ بالسن ولا بغيرها، وأجازه في المرة الثانية؛ لأنه قد بلغ بالسِّنُ. وتأويله بأنه أجازه لبلوغه بعلامة أخرى - تأويل بعيد، لا يتمشى مع ظاهر الكلام. ينظر نص كلام شيخنا سليمان عثمان في نظام الحجر. (١) في أ: لأنه. ٣٨٠ كِتَابُ الزَّكَاةِ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَخْرُوم﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، والإضافة بحرف اللام تقتضي الاختصاص بجهة الملك، إذا كان المضاف إليه من أهل الملك. وأما دلالة الإجماع: فلأنا أجمعنا على أن مَنْ عليه الزكاة إذا وهب جميع النصاب من الفقير، ولم تحضره النية - تسقط عنه الزكاة، والعبادة لا تتأدى بدون النية؛ ولذا [لا] (١) يجري فيها الجبر والاستخلاف من الساعي، وإنما يجريان في حقوق العباد، وكذا يصح توكيل الذمي بأداء الزكاة، والذمي ليس من أهل العبادة. وأما الحقيقة: فإن (٢) الزكاة تمليك المال من الفقير، والمنتفع بها هو الفقير، فكانت حق الفقير، والصِّبًا لا يمنع حقوق العباد على ما بينًا. ولنا: قول النبي - بَّه -: ((بُنِيَ الْإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ الله، وَإِقَام الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(٣) وما بني عليهَ الإسلام يكون عبادة، والعبادات التي تحتمل السقوط تقدر في الجملة؛ فلا تجب على الصبيان؛ كالصوم، والصلاة. وأما الآية: فالمرادُ من الصدقة المذكورة فيها محل الصدقة؛ وهو المال لا نفس الصدقة؛ لأنها اسم للفعل، وهو إخراجُ المال إلى الله تعالى، وذلك حَقُّ الله تعالى لا حق الفقير، وكذلك الحق المذكور في الآية الأخرى: المراد منه المال، وذا ليس بزكاة، بل هو محلُّ الزكاة، وسقوط الزكاة بهبة النصاب من الفقير؛ لوجود النية دلالة، والجبر على الأداء؛ ليؤدي من عليه بنفسه - لا ينافي العبادة، حتى لو مد يده وأخذه من غير أداء مَنْ عليه - لا تسقط عنه الزكاة عندنا، وجريان الاستخلاف لثبوت ولاية المطالبة للساعي، ليؤدي مَنْ عليه باختياره، وهذا لا يقتضي كون الزكاة حق العبد، وإنما جازت بأداء الوكيل؛ لأن المؤدي في الحقيقة هو الموكل، والخراج ليس بعبادة، بل هو مؤنة الأرض، وصدقة الفطر ممنوعة على قول محمد - وأما على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، فلأنها مؤنة من وجه؛ قال النبيُّ - وَلَ -: ((أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ)»(٤)، فتجب بوصف المؤنة لا بوصف العبادة، وهو الجواب عن العشر. (١) سقط في ط. (٢) في أ: فلأن. (٣) تقدم مراراً. (٤) أخرجه الدارقطني (١٤١/٢): كتاب زكاة الفطر، حديث (١٢)، ومن طريقه البيهقي (١٦١/٤): كتاب الزكاة: باب إخراج زكاة الفطر عن نفسه وغيره، من طريق القاسم بن عبد الله بن عامر بن زرارة، ثنا عمير بن عمار الهمداني، ثنا الأبيض بن الأغر، حدثني الضحاك بن عثمان عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((أمرني رسول الله رَّ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تموتون)). قال الدارقطني: ورفعه القاسم وليس بقوي والصواب موقوف. =