النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كتاب الصلاة سنة مؤكدة؛ لقول النبي وَ﴾: ((صَلاَةُ المَزْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجدِهِ إِلاَّ المَكْتُوبَة))(١). وروي أن النبيَّ نَّهَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَي / الفَجْرِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى المَسْجِدِ)»، ولأن ١١٥٠ الجماعة من شعائر الإسلام، وذلك مختص بالفرائض أو الواجبات دون التطوعات، وإنما عرفنا الجماعة سنة في التراويح بفعل رسول الله وَّر - وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي: (أن رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَّى التَّرَاوِيحَ فِي المَسْجِدِ لَيْلَتَيْنِ، وَصَلَّى النَّاسُ بِصَلاَتِهِ))(٢)، وعمر - رضي الله عنه - في خلافته استشار الصحابة أن يجمع الناس على قارىء واحد فلم يخالفوه؛ فجمعهم على أبيّ بن كعب - رضي الله عنه -. ومنها: أن التطوع غير مؤقت بوقت خاص، ولا مقدر بمقدار مخصوص؛ فيجوز في أي وقت كان على أي مقدار كان إلاَّ أنه يكره في بعض الأوقات، وعلى بعض المقادير على ما مر، والفرض مقدر بمقدار خاص، مؤقت بأوقات مخصوصة؛ فلا تجوز الزيادة على قدره، وتخصيص(٣) جوازه ببعض الأوقات دون بعض على ما مر في موضعه. ومنها: أن التطوع يتأدى بمطلق النية، والفرض لا يتأدى إِلاَّ بتعيين النية، وقد ذكرنا الفرق في موضعه. ومنها: أن مراعاة الترتيب يختص بالفرائض دون التطوعات، حتى لو شرع في التطوع، ثم تذكر فائتة مكتوبة - لم يفسد تطوعه، ولو كان في الفرض تفسد الفريضة؛ لأن المفسد (١) تقدم. (٢) أخرجه مالك (١١٣/١) كتاب الصلاة في رمضان: باب الترغيب في الصلاة في رمضان حديث (١) والبخاري (١٤/٣) كتاب التهجد باب: تحريض النبي وَّر على قيام الليل حديث (١١٢٩) ومسلم (١/ ٥٢٤) كتاب صلاة المسافرين: باب الترغيب في قيام الليل حديث (٧٦١/١٧٧) وأبو داود (١/ ٤٣٦-٤٣٧) كتاب الصلاة: باب في قيام شهر رمضان حديث (١٣٧٣) والنسائي (٢٠٢/٣) كتاب قيام الليل: باب قيام شهر رمضان حديث (١٦٠٤) وأحمد (١٦٩/٦، ١٧٧، ١٨٢-٢٣٢،١٨٣). وابن خزيمة (٣٣٨/٣-٣٣٩) رقم (٢٢٠٧) وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (ص - ٤٢٨) رقم (١٤٦٩) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٤٠٢) والبيهقي (٤٠٢/٢-٤٠٣) كتاب الصلاة: باب قيام شهر رمضان، والبغوي في ((شرح السنة)) (٥٠٨/٢، ٥٠٩ - بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله وَلّ صلّى في المسجد ذات ليلة فصلّى بصلاته ناس ثم صلّى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله وَلير فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم قالت: وذلك في رمضان. (٣) في أ: يختص. ٣٠٢ كتاب الصلاة للفرض كونه مؤدياً للفرض قبل وقته، وليس للتطوع وقت مخصوص؛ بخلاف الفرض، ولأنه لو تذكر فائتة عليه في صلاة الفرض ينقلب فرضه تطوعاً ولا يبطل أصلاً، فإذا تذكر في التطوع - لأن يبقى تطوعاً ولا يبطل كان أولى. والله أعلم. فضل في صلاة الجنازة وأما صلاة الجنازة فالكلام في الجنائز يقع في الأصل في ستة مواضع : أحدها: في غسل الميت. والثاني: في تکفینه. والثالث: في حمل جنازته. والرابع: في الصلاة عليه. والخامس: في دفنه . والسادس: في الشهيد، وقبل أن نشتغل ببيان ذلك، نبدأ بما يستحب أن يفعل بالمريض المحتضر، وما يفعل بعد موته إلى أن يغسل. فنقول: إذا احتضر الإنسان. فالمستحب أن يوجه إلى القبلة على شقه الأيمن، كما يوجه في القبر؛ لأنه قرب موته فيضجع كما يضجع الميت في اللحد ويلقن كلمة الشهادة؛ لقول النبيِّ - وَّر -: ((لَقْنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلهَ إِلَّ الله))(١)، والمراد من (١) هذا الحديث ورد عن جماعة من الصحابة حتى عده بعض الحفاظ متواتراً وهم: أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبد الله بن جعفر وعائشة وابن عباس وابن مسعود وجابر وعروة بن مسعود وحذيفة وعمر وعثمان وأنس وواثلة بن الأسقع وابن عمر. حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه مسلم (٦٣١/٢) كتاب الجنائز: باب تلقين الموتى لا إله إلا الله حديث (٩١٦/١) وأحمد (٣/٣) وأبو داود (٤٨٧/٣) كتاب الجنائز: باب في التلقين (٣١١٧) والترمذي (٢٢٥/٢) كتاب الجنائز: باب تلقين المريض عند الموت (٩٨٣) والنسائي (٥/٤) كتاب الجنائز: باب تلقين الميت وابن ماجة (١/ ٤٦٤) كتاب الجنائز: باب في تلقين الميت (١٤٤٥) والبيهقي (٣٨٣/٣) كتاب الجنائز: باب تلقين الميت إذا حضر وعبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)» (ص - ٣٠١) رقم (٩٧٣) وأبو يعلى (٢/ ٣٤٧) رقم (١٠٩٦) والبغوي في ((شرح السنة)) (١١٧/٣ - بتحقيقنا) وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٢٤/٩). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم (٦٣١/٢) كتاب الجنائز: باب تلقين الموتى (٩١٨/٢) وابن ماجة (٤٦٤/١) كتاب = ٣٠٣ كتاب الصلاة الميت المحتضر؛ لأنه قرب موته، فسمي ميتاً؛ لقربه من الموت. قال الله تعالى: ﴿إنك ميت الجنائز: باب في تلقين الميت حديث (١٤٤٤) وابن الجارود (ص - ١٣٦) كتاب الجنائز: رقم (٥١٣) = وأبو يعلى (٤٤/١١) رقم (٦١٨٤) والبيهقي (٣٨٣/٣) كتاب الجنائز: باب تلقين الميت إذا حضر. وابن حزم في ((المحلى)) (١٥٧/٥) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله . وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٧١٩ - موارد) من طريق الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن الأغر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلهو: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه)). وذكره المتقي الهندي في ((الكنز)) (٤٢١٦٤) بهذا اللفظ وعزاه إلى ابن حبان. وقال ابن حبان: في الصحيح طرف من أوله. وقد خولف الثوري في هذا الحديث خالفه أبو عوانة . أخرجه البزار (١/١ - كشف) رقم (٣) من طريق أبي عوانة عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((من قال لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه)). وقال البزار: وهذا لا نعلمه يروى عن النبي ◌َّه إلا بهذا الإسناد ورواه عيسى بن يونس عن الثوري عن منصور أيضاً وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً ورفعه أصح ا. هـ. والموقوف أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٠٤٥). وللحديث طريق آخر بلفظ آخر. أخرجه الطبراني في «الصغير» (١٢٥/٢) من طريق عمر بن محمد بن صهبان المدني عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله وقولوا الثبات الثبات ولا قوة إلا بالله)). وقال الطبراني لم يروه عن صفوان بن سليم إلا عمر بن محمد وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢/ ٣٢٦) وقال: رواه الطبراني في ((الصغير)) والأوسط وفيه عمر بن صهبان وهو ضعيف. ا.هـ. قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث وقال يعقوب بن سفيان: منكر الحديث. ينظر الضعفاء الصغير للبخاري (٢٤٦) والضعفاء المتروكين للنسائي (٤٩٣) والمعرفة والتاريخ (١٣٨/٣). وله طريق آخر عن أبي هريرة: ذكره الحافظ ابن حجر في ((التلخيص)) (١٠٢/٢) وعزاه إلى أبي القاسم القشيري في أماليه من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((إذا ثقلت مرضاكم فلا تملوهم قول لا إله إلا الله ولكن لقنّوهم فإنه لم يختم به لمنافق قط)) وقال القشيري غريب. قال الحافظ: قلت: وفيه محمد بن الفضل بن عطية وهو متروك وذكره الذهبي في ((المغني)) (٢/ ٦٢٤) وقال: مشهور ترکوه وبعضهم کذبه. حديث عائشة : أخرجه النسائي (٥/٤) كتاب الجنائز: باب تلقين الميت (١٨٢٧) والطبراني في ((الكبير)) كما في «نصب الراية)» (٢٥٣/٢-٢٥٤) من طريق أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: ثنا وهيب قال: حدثنا منصور ابن صفية عن أمه صفية بنت شيبة عن عائشة به. = ٣٠٤ كتاب الصلاة وإنهم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠]، وإذا قضى نحبه تغمض عيناه ويشد لحياه؛ لأنه لو ترك كذلك لصار ولفظ النسائي: لقّنوا هلكاكم قول لا إله إلا الله. حديث ابن عباس : ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٣٢٦/٢) عنه مرفوعاً بلفظ: لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله فمن قالها عند موته وجبت له الجنة قالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته قال: تلك أوجب وأوجب ثم قال: والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرض ومن فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس. قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص - ٢٤٠-٢٤١) رقم (٥٤٢): قال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس وقال أبو حاتم: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل إنما يروي عن مجاهد والقاسم بن محمد وذكر شيخنا المزي في ((التهذيب)) إنه روي عن كعب بن مالك وأن ذلك مرسل أيضاً. حديث ابن مسعود: أخرجه الطبراني في «الكبير» كما في ((مجمع الزوائد» (٣٢٦/٢) عنه مرفوعاً بلفظ: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإن نفس المؤمن تخرج رشحاً ونفس الكافر تخرج من شدقه كما تخرج نفس الحمار. وقال الهيثمي : إسناده حسن. حديث جابر: أخرجه البزار (٣٧٣/١ - كشف) رقم (٧٨٥) والعقيلي في «الضعفاء» (٧٢/٣-٧٣) وابن جميع في ((معجم شيوخه)» (ص - ١٠٢) رقم (٤٩) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٠/٣) من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن جابر قال: قال رسول الله وَلقول: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)). قال أبو نعيم: غريب من حديث مجاهد عن جابر لم نكتبه إلا من حديث عثمان عن أبيه عن عبد الوهاب عنه . وقال العقيلي: لا يتابع عليهما ولا على كثير من حديثه - أي عبد الوهاب وأخرج بسنده عن سفيان بن وكيع قال: قال أبي: سألت عبد الوهاب بن مجاهد عن هذا الحديث: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فقال: ذكروا عن جابر بن عبد الله قال وكيع: فقلت له سمعته من أبيك فذهب وتركني. والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٣٢٦/٢) وقال: رواه البزار وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٥٣/٢) وعزاه إلى الطبراني في كتاب ((الدعاء)) وكذا ابن حجر في ((التلخيص)) (١٠٣/٢) وقال: وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك. ا. هـ. قال البخاري: قال وكيع: كانوا يقولون إنه لم يسمع من أبيه وقال النسائي: متروك الحديث. وذكره الدارقطني في ((الضعفاء والمتروكين)). ينظر الضعفاء الصغير للبخاري (٢٣٤) والضعفاء للنسائي (٣٩٦) والضعفاء للدار قطني (٣٤٥). حديث عروة بن مسعود: أخرجه العقيلي في ((الضعفاء» (٦٥/١) من طريق إبراهيم بن محمد بن عاصم عن أبيه عن حذيفة بن اليمان عن عروة بن مسعود قال: قال رسول الله وَلقر: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)). وأخرجه ابن منده أيضاً في ((معرفة الصحابة)) من هذا الطريق بزيادة: فإنها تهدم الخطايا. كما في الإصابة = ٣٠٥ كتاب الصلاة كريه المنظر في نظر الناس؛ كالمثلة؛ وقد روي عن رسول الله - وَ ل ـ: ((أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرَهُ فَغَمَّضَهُ))(١) ولا بأس بإعلام الناس بموته من أقربائه وأصدقائه وجيرانه؛ ليؤدوا حقه بالصلاة عليه والدعاء والتشييع. (٢٣٨/٤-٢٣٩) وقال العقيلي: إبراهيم بن محمد بن عاصم مجهول في النقل حديثه غير محفوظ وقال = عقب الحديث: ولا يتيقن سماع بعضهم من بعض وفي الباب أحاديث صحاح عن غير واحد من أصحاب النبي ◌َّ وإنما أنكرنا الإسناد. وضعيف هذا الإسناد الحافظ في ((الإصابة)) (٢٣٩/٤) والتلخيص (١٠٣/٢). حديث واثلة بن الأسقع: أخرجه أبو نعيم في «الحلية)» (١٨٦/٥) من طريق إسماعيل بن عياش عن أبي معاذ عتبة بن حميد عن مكحول عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ومثل: ((احضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله وبشروهم بالجنة فإن الشيطان أقرب ما يكون من ابن آدم عند ذلك المصرع والذي نفسي بيده لا يموت عبد حتى يألم كل عرق منه على حياله)) قال أبو نعيم: غريب من حديث مكحول لم نكتبه إلا من حديث إسماعيل. وعتبة بن حميد: ضعفه أحمد وقال أبو حاتم: صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في ((التقريب)) صدوق له أوهام ينظر التهذيب (٩٦/٧)، والتقريب (٤/٢). وفي سماع مكحول من واثلة خلاف: وقال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص - ٢٨٥): قال أبو حاتم: سألت أبا مسهر هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي وَّ؟ قال ما صح عندي إلا أنس بن مالك قلت: واثلة بن الأسقع؟ أنكره. وقال ابن معين: سمع مكحول من واثلة بن الأسقع ومن فضالة بن عبيد ومن أنس رضي الله عنهم وقال أبو حاتم: لم يسمع من معاوية ودخل على واثلة بن الأسقع ولم يسمع منه ولا رأى أبا أمامة وقال أبو زرعة: مكحول عن ابن عمر مرسل ولم يسمع مكحول من واثلة بن الأسقع. حديث ابن عمر: عزاه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢٥٤/٢) لابن شاهين في ((كتاب الجنائز)) ثنا عثمان بن أحمد بن جعفر السبيعي ثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة ثنا علي بن عياش ثنا حفص بن سليمان ثنا عاصم وعطاء بن السائب عن زاذان عن ابن عمر مرفوعاً: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجاه الله من النار)). وعاصم وحفص بن سليمان هو الأسدي القاري وهو متروك الحديث. ينظر التقريب (١٨٦/١). أما حديث حذيفة وعمرو وعثمان وأنس : فأخرجها ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين كما في ((التلخيص)) (١٠٣/٢). وهذا الحديث كما تقدم قد عده البعض متواتراً فذكره الحافظ السيوطي في ((الأزهار المتناثرة)) (ص - ٤٠) رقم (٤٠) وتبعه الشيخ جعفر الكتاني في ((نظم المتناثر)) (ص - ١٢٥). (١) أخرجه مسلم (٦٣٤/٢) كتاب الجنائز: باب إغماض الميت والدعاء له إذا حضر (٧/ ٩٢٠) وأبو داود (١٩٠/٣-١٩١) كتاب الجنائز: باب تغميض الميت حديث (٣١١٨) من حديث أم سلمة. بدائع الصنائع ج٢ - ٢٠٣ ٣٠٦ كتاب الصلاة وقد روي عن النبي ◌َّر - أنه قال - في المسكينة التي كانت في ناحية المدينة: ((إِذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي))، ولأن في الإعلام تحريضاً على الطاعة، وحثاً على الاستعداد لها، فيكون من باب الإعانة على البر والتقوى، والتسبب إلى الخير، والدلالة عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]، وقال النبيُّ وَّرَ: ((الدَّالُّ عَلَىْ الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ))(١) إلا أنه يكره النداء في الأسواق والمحال؛ لأن ذلك يشبه عزاء أهل الجاهلية، ويستحب أن يسرع في جهازه؛ لما روي عنِ رسول الله - وَلَه - أنه قال: ((عَجْلُوْا بِمَوْتَاكُمْ، فَإِنْ يَكُ خَيْراً قَدَّمْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ شَرّاً فَبُعْدَاً لِأَهْلِ الثَّارِ)) ندب النبيُّ بَّه إلى التعجيل، ونبه على المعنى؛ فيبدأ بغسله. فضل في غسل الميت والكلام في الغسل يقع في مواضع: في بيان أنه واجب. وفي بيان كيفية وجوبه، وفي بيان كيفية الغسل. وفي بيان شرائط وجوبه. وفي بيان من يغسل ومن لا يغسل. أما الأول(٢): فالدليلُ علَى وجوبه النصُّ والإجماعُ والمعقولُ، أما النصُّ: فما رُوِيَ عن النبيِّ وَّرَ: أَنَّهُ قَالَ: (للمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ سِتْ حُقُوقٍ))(٣)، وذكر من جملتها أن يُغَسِّلَهُ بعد موته؛ و((على)) كلمة إيجاب. وروي: أنه لما توفي آدم - صلوات الله عليه - غسلته الملائكة، ثم قالت لوالده: هَذِهِ سُنَّةُ مَوْتَاكُمْ. والسنة المطلقة في معنى الواجب، وكذا الناس توارثوا ذلك من لدن آدم وَّ إلى يومنا هذا، فكان تاركه مسيئاً؛ لتركه السنة المتوارثة، والإجماع منعقد على وجوبه. وأما المعقول: فقد اختلفت فيه عباراتُ مشايخنا. (١) أخرجه مسلم (١٥٠٦/٣) كتاب الإمارة باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله حديث (١٨٩٣/١٣٣) وأحمد (٢٧٣/٥) وأبو داود (٥١٢٩) والترمذي (٢٦٧١) وابن حبان (٢٨٩) من حديث أبي مسعود البدري . (٢) في أ: الأولى. (٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢٧٠٥) كتاب السلام: باب من حق المسلم للمسلم حديث (١٢٦٢/٥). ٣٠٧ كتاب الصلاة ذكر محمد بن شجاع الثلجي: أن الآدمي لا يتنجس بالموت بتشرب الدم المسفوح في أجزائه كرامة له؛ لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل، كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت، والآدمي يطهر بالغسل؛ حتى روي عن محمد (١) - رحمه الله -: أن الميت لو وقع في البئر قبل الغسل يوجب تنجيس البشر. ولو وقع بعد الغسل لا يوجب تنجسه؛ فعلم أنه لم يتنجس بالموت، ولكن وجب غسله للحدث؛ لأن الموت لا يخلو عن سابقة حدث؛ لوجود استرخاء المفاصل/ وزوال العقل ١٥٠ ب والبدن في حق التطهير لا يتجزأ - فوجب غسله كله، إِلاَّ أنا اكتفينا بغسل هذه الأعضاء الظاهرة حالة الحياة؛ دفعاً للحرج؛ لغلبة وجود الحدث في كل وقت، حتى إن خروج المني عن شهوة؛ لما كان لا يكثر وجوده لم يكتف فيه إلا بالغسل، ولا حرج بعد الموت؛ فوجب غسل الكل. وعامة مشايخنا قالوا: إن بالموت يتنجس الميت؛ لما فيه من الدم المسفوح كما يتنجس سائر الحيوانات التي لها دم سائل بالموت، ولهذا لو وقع في البئر يوجب (٢) تنجسه، إلا أنه إذا غسل يحكم(٣) بطهارته؛ كرامة له، فكانت الكرامة عندهم في الحكم بالطهارة، عند وجود السبب المطهر في الجملة وهو الغسل، لا في المنع من حلول النجاسة. وعند البلخي: الكرامة في امتناع حلول النجاسة وحكمها؛ وقول العامة أظهر؛ لأن فيه عملاً بالدليلين: إثبات النجاسة عند وجود سبب النجاسة، والحكم بالطهارة عند وجود ما له أثر في التطهير في الجملة؛ ولا شك أن هذا في الجملة أقرب إلى القياس، من منع ثبوت الحكم أصلاً مع وجود السبب. فضل في وجوب غسل الميت وأما بيان كيفية وجوبه: فهو واجب على سبيل الكفاية، إذا قام به البعض سقط(٤) عن الباقين؛ لحصول المقصود بالبعض كسائر الواجبات على سبيل الكفاية؛ وكذا الواجب هو الغسل مرة واحدة؛ والتكرار سنة وليس بواجب، حتى لو اكتفى بغسلة واحدة، أو غمسة واحدة في ماء جار جاز؛ لأن الغسل إن وجب لإزالة الحدث - كما ذهب إليه البعض - فقد حصل بالمرة الواحدة، كما في غسل الجنابة. وإن وجب لإزالة النجاسة المتشربة فيه كرامة له - على ما ذهب إليه العامة - فالحكم بالزوال بالغسل مرة واحدة أقرب إلى معنى الكرامة، ولو أصابه المطر لا يجزىء عن الغسل؛ لأن الواجب فعل الغسل؛ ولم يوجد. (١) في أ: روي أن محمداً. (٢) في أ: وجب. (٣) في أ: حكم. (٤) في أ: يسقط. ٣٠٨ كتاب الصلاة ولو غرق في الماء فأخرج إن كان المخرج حركه كما يحرك الشيء في الماء بقصد التطهير - سقط الغسل، وإلا فلا؛ لما قلنا. والله أعلم. فضل في كيفية غسل الميت وأما بيان كيفية الغسل فنقول: يجرد الميت إذا أريد غسله عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يجرد، بل يغسل وعليه ثوبه؛ استدلالاً بغسل النبي - ◌َلو - حيث غسل في قميصه. ولنا: أن المقصود من الغسل هو التطهير، ومعنى التطهير لا يحصل بالغسل، وعليه الثوب؛ لتنجس الثوب بالغسالات التي تنجست بما عليه من النجاسات الحقيقية، وتعذر عصره، أو حصوله بالتجريد أبلغ - فكان أولى. وأما غسل النبيّ - شَالر ـ في قميصه فقد كان مخصوصاً بذلك؛ لعظم حرمته؛ فإنه روي أنهم لما قصدوا أن ينزعوا قميصه قيض الله تعالى السنة (١) عليهم، فما فيهم أحد إلا ضرب ذقنه عَلَى صدره، حتى نُودُوا من ناحية البَيْتِ: ((لا تُجَرِّدُوا فَبِيِكُمْ))، وَرُوِيَ: ((غَسْلُوا(٢) نَبِيَكُمْ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ))(٣)؛ فدل أنه كان مخصوصاً بذلك ولا شركة لنا في خصائصه، ولأن المقصود من التجريد هو التطهير، وأنه ◌َّ ر كان طاهراً، حتى قال علي - رضي الله عنه - حين تولى غسله: طِبْتَ حَيّاً وَمَيِّتاً. ويوضع على التخت؛ لأنه لا يمكن الغسل إلا بالوضع عليه؛ لأنه لو غسل على الأرض لتلطخ، ثم لم يذكر في ظاهر الرواية كيفية وضع التخت؛ أنه يوضع إلى القبلة طولاً أو عرضاً؟ فمن أصحابنا من اختار الوضع طولاً؛ كما يفعل في مرضه إذا أراد الصلاة بالإيماء، ومنهم من اختار الوضع عرضاً؛ كما يوضع في قبره، والأصح: أنه يوضع كما تيسر؛ لأن ذلك يختلف باختلاف المواضع، وتستر عورته بخرقة؛ لأن حرمة النظر إلى العورة باقية بعد الموت. قال النبي - وَُّ : (لاَ تَنْظُرُوا إِلَى فَخِذٍ حَيٍّ وَلاَ مَيْتٍ)) (٤). ولهذا لا يباح للأجنبي غسل الأجنبية؛ دل عليه ما روي عن عائشة أنها قالت: كَسْرُ عَظْم المَيْتِ كَكَسْرِهِ وَهُوَ حَيٍّ؛ ليعلم أن الآدمي محترم حيّاً وميتاً، وحرمة النظر إلى العورة من باب الاحترام. (١) زاد في أ: ألسنتهم. (٢) في أ: اغسلوا. (٣) أخرجه ابن ماجه (٤٧١/١) كتاب الجنائز باب ما جاء في غسل النبي وَطهر حديث (١٤٦٦). (٤) تقدم. ٣٠٩ كتاب الصلاة وقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يؤزر بإزار سابغ، كما يفعله في حياته إذا أراد الاغتسال، والصحيح ظاهر الرواية؛ لأنه يشق عليهم غسل ما تحت الإزار، ثم الخرقة ينبغي أن تكون ساترة ما بين السرة إلى الركبة؛ لأن كل ذلك عورة، وبه أمر في الأصل، حيث قال: وتطرح على عورته خرقة، هكذا ذكر عن أبي عبد الله البلخي نصاً في ((نوادره)»، ثم تغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يده خرقة، كذا ذكر البلخي؛ لأن حرمة مس عورة الغير فوق حرمة النظر؛ فتحريم النظر يدل على تحريم المس بطريق الأولى، ولم يذكر في ظاهر الرواية أنه هل يستنجي أم لا؟ وذكر في ((صلاة الأثر)): أن عند أبي حنيفة يستنجي، وعلى قول أبي يوسف، ومحمد: لا يستنجي، هما يقولان: قلما يخلو موضع الاستنجاء عن النجاسة الحقيقية؛ فلا بد من إزالتها، وأبو يوسف، ومحمد يقولان: إن المسكة تسترخي بالموت، فلو استنجى ربما يزداد الاسترخاء، فتخرج زيادة نجاسة فكان السبيل فيه هو الترك، والاكتفاء بوصول الماء/ إليه، ١١٥١ ولهذا - والله أعلم - لم يذكره(١) في ظاهر الرواية، فلعل محمداً - رحمه الله - رجع، وعرف أيضاً رجوع أبي حنيفة؛ حيث لم يتعرض لذلك في ظاهر الرواية ثم يوضأ وضوءه للصلاة؛ لما روي عن النبي ◌ََّ أنه قال لِلأَتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: ((ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوْءِ مِنْهَا)) ولأن هذا سنة الاغتسال في حالة الحياة؛ فكذا بعد الممات؛ لأن الغسل في الموضعين لأجل الصلاة إلا أنه لا يمضمض الميت ولا يستنشق؛ لأن إدارة الماء في فم الميت غير ممكن، ثم يتعذر إخراجه من الفم إلاَّ بالكب؛ وذا مثلة، مع أنه لا يؤمن أن يسيل منه شيء لو فعل ذلك به، وكذا الماء لا يدخل الخياشيم إِلاَّ بالجذب بالنفس؛ وذا غير متصور من الميت، ولو كلف الغاسل ذلك لوقع في الحرج؛ وكذا لا يؤخر غسل رجليه عند التوضئة؛ بخلاف حالة الحياة؛ لأن هناك الغسالة تجتمع عند رجليه، ولا تجتمع الغسالة على التخت؛ فلم يكن التأخير مفيداً، وكذا لا يمسح رأسه. ويمسح في حالة الحياة في ظاهر الرواية؛ لأن المسح هناك سن تعبداً لا تطهيراً، وههنا لو سن لسن تطهيراً لا تعبداً، والتطهير لا يحصل بالمسح، ثم يغسل رأسه ولحيته بالخطمي؛ لأن ذلك أبلغ في التنظيف، فإن لم يكن فبالصابون وما أشبهه، فإن لم يكن فيكفيه الماء القراح ولا يسرح، لما روي عن عائشة أنها رأت قوماً يُسَرِّحُوْنَ مَيِّتاً فَقَالَتْ: عَلاَمَ تنصون مَيْتَكُمْ؟(٢) أي: تسرحون شعره، وهذا قول روي عنها، ولم يرو عن غيرها خلاف ذلك؛ فحل محل الإجماع، ولأنه لو سرح ربما يتناثر شعره. (١) في أ: يوجب. (٢) تقدم. ٣١٠ كتاب الصلاة والسنة أن يدفن الميت بجميع أجزائه، ولهذا لا تقص أظفاره وشاربه ولحيته، ولا يختن ولا ينتف إبطه، ولا تحلق عانته؛ ولأن ذلك يفعل لحق الزينة، والميت ليس بمحل الزينة، ولهذا لا يزال عنه شيء مما ذكرنا، وإن كان فيه حصول زينة، وهذا عندنا. وعند الشافعي: يسرح، ويزال عنه شعر العانة والإبط - إذا كانا طويلين - وشعر الرأس يزال إن كان يتزين بإزالة الشعر، ولا يحلق في حق من كان لا يحلق في حال الحياة وكان يتزين بالشعر. واحتج [الشافعي](١) بما روي عن النبي وَلّ أنه قال: ((أَصْنَعُوْا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَضْتَعُونَ بِعَرَائِكُمْ))(٢)، ثم هذه الأشياء تصنع بالعروس؛ فكذا بالميت. ولنا: ما رُوِّيْنَا عن عائشة - رضي الله عنها -، وذكرنا من المعقول؛ وبه تبين: أن ما رواه ينصرف إلى زينة ليس فيها إزالة شيء من أجزاء الميت كالطيب، والتنظيف من الدرن ونحو ذلك؛ بدليل ما روينا(٣)، ثم يضجعه على شقه الأيسر؛ لتحصل البداية بجانبه الأيمن؛ إذ السنة هي البداية بالميامن على ما مر، فيغسله بالماء القراح حتى ينقيه، ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت منه، ثم قد كان أمر الغاسل قبل ذلك أن يغلي الماء بالسدر، فإن لم يكن سدر فحرض، فإن لم يكن واحد منهما فالماء القراح، ثم يضجعه على شقه الأيمن، فيغسله بماء السدر أو الحُرض، أو الماء القراح، حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، ثم يقعده ويسنده إلى صدره أو يده فيمسح بطنه مسحاً رفيقاً؛ حتى إن بقي شيء عند المخرج يسيل منه. هكذا ذكر في ((ظاهر الرواية)). وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول: أنه يقعده ويمسح بطنه أولاً، ثم يغسله بعد ذلك. ووجهه: أنه قد يكون في بطنه شيء فيمسح، حتى لو سال منه شيء يغسله بعد ذلك ثلاث مرات فيطهر. ووجه «ظاهر الرواية)): أن الميت قد يكون في بطنه نجاسة منعقدة، لا تخرج بالمسح قبل الغسل، وتخرج بعد ما غسل مرتين بماء حار؛ فكان المسح بعد المرتين أولى، والأصل في المسح ما روي: (أَن النبيَّ وََّ لَمَّا تَوَلَّى غُسْلَهُ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسُ وَالفَضْلُ بْنُ (١) سقط في أ. (٢) تقدم. (٣) في أ: بينا. ٣١١ كتاب الصلاة العَبَّاسِ(١) وَصَالِح(٢) مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - وَهَ ـ وَعَلِيٍّ - رضي الله عنه - أَسْنَدَ رَسُولَ الله - وَه - إِلَى نَفْسِهِ، وَمَسَحَ بَطْنَهُ مَسْحاً رَفِيقاً، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - ((طِبْتَ حَيّاً وَمَيِّتَا))، وروي: ((أَنَّهُ لَمَّا مَسَحَ بَطْنَهُ، فَاحَ رِيحُ المِسْكِ فِي الْبَيْتِ))(٣)، ثم إذا مسح بطنه فإن سال منه شيء يمسحه؛ كيلا يتلوث الكفن ويغسل ذلك الموضع؛ تطهيراً له عن النجاسة الحقيقية، ولم يذكر في ظاهر الرواية سوى المسح، ولا يعيد الغسل ولا الوضوء عندنا. وقال الشافعي: يعيد الوضوء؛ استدلالاً بحالة الحياة. ولنا: أن الموت أشد من خروج النجاسة، ثم هو لم يمنع حصول الطهارة؛ فلأن لا يرفعها الخارج مع أن المنع أسهل - أولى: ثم يضجعه على شقه الأيمن(٤) فيغسله بالماء القراح حتى ينقيه؛ ليتم عدد الغسل ثلاثاً؛ لما روي عن النبي ◌َّ أنه قال لِلَّتِي غَسَّلْنَ أَبْنَتَهُ: ((أَغْسِلْتَهَا ثَلاَثَاً أَوْ خَمْساً أَوْ سَبْعًا))(٥)، ولأن الثلاث هو العدد المسنون في الغسل حالة الحياة، فكذا بعد الموت، فالحاصل: أنه يغسل في المرة الأولى بالماء القراح؛ ليبتل/ البدن وتزول النجاسة (٦)، ١٥١ب ثم في المرة الثانية بماء السدر أو ما يجري مجراه في التنظيف؛ لأن ذلك أبلغ في التطهير وإزالة الدرن، ثم في المرة الثالثة بالماء القراح وشيء من الكافور. وقال الشافعي في المرة الأولى: لا يغسل بالماء الحار؛ لأنه يزيده استرخاءً، فينبغي أن يغسله بالماء البارد؛ وهذا غير سديد؛ لأنه إنما يغسله؛ ليسترخي فيزول عنه ما عليه من الدرن والنجاسة، (١) الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم. أبو عبد الله وقيل: أبو محمد. القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله ير غزا مع النبي الفتح وحنيناً وثبت معه حين انهزم الناس، وشهد معه حجة الوداع، وكان رديفه يومئذٍ، وكان من أجمل الناس. روي عن النبي ◌َّر: قيل يوم مرج الصفراء، وقيل: يوم أجنادين وكلاهما سنة (١٣). ينظر ترجمته في: الثقات (٣٣٠/٣)، أسد الغابة (٣٦٦/٤)، الإصابة (٢١٢/٥)، تقريب التهذيب (٢/ ١١٠)، تهذيب التهذيب (٢٨٠/٨)، الطبقات الكبرى (٥٤/٤، ٣٩٩/٧)، سير أعلام النبلاء (٤٤٤/٣)، التاريخ الصغير (٥٢،٣٦/١)، شذرات الذهب (٥٩/١)، الرياض المستطابة ص ٢٤١، الكاشف (٢/ ٣٨١)، تجريد أسماء الصحابة (٧/٢). (٢) وهو شقران الحبشي مولى رسول الله وَطير، شهد بدراً، وهو مملوك، له حديث، وعنه عبيد الله بن أبي رافع، وأبو جعفر محمد بن علي، كان فيمن غسل النبي وَّر، وقال البغوي: سكن المدينة، ويقال: كانت له دار بالبصرة. ينظر: الخلاصة (٤٥٧/١)، رقم (٣٠٠١)، والإصابة رقم (٣٩٣٥). (٣) أخرجه ابن ماجه (٤٧١/١) كتاب الجنائز: باب ما جاء في غسل النبي ◌َّرِ حديث (١٤٦٧). (٤) في أ: الأيسر. (٥) تقدم. (٦) في ط: ليبتل الدرن والنجاسة. ٣١٢ كتاب الصلاة ثم ينشفه في ثوب؛ كيلا تبتل أكفانه، كما يفعل في حالة الحياة بعد الغسل. وحكم المرأة في الغسل حكم الرجل، وكذا الصبي في الغسل كالبالغ؛ لأن غسل الميت للصلاة عليه؛ والصبي والمرأة يصلى عليهما. إلا أن الصبي إذا كان لا يعقل الصلاة لا يوضأ عند غسله؛ لأن حالة الموت معتبرة بحالة الحياة؛ وفي حالة الحياة لا يعتبر وضوء من لا يعقل؛ فكذا بعد الموت، وكذا المحرم وغير المحرم سواء؛ لأن الإحرام ينقطع بالموت في حق أحكام الدنيا. والله أعلم. فضل في شرائط وجوبه وأما شرائط وجوبه: فمنها: أن يكون ميتاً مات بعد الولادة؛ حتى لو ولد ميتاً لم يغسل؛ كذا روي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا استهل المولود سمي، وغسل، وصلي عليه وورث، وورث عنه، وإذا لم يستهل لم يسم، ولم يغسل، ولم يرث. وعن محمد - أيضاً -: أنه لا يغسل، ولا يسمى، ولا يصلى عليه، وهكذا ذكر الكرخي. وروي عن أبي يوسف: أنه يغسل، ويسمى، ولا يصلى عليه، وهكذا ذكر الطحاوي. وقال محمد في السقط الذي استبان خلقه: أنه يغسل ويكفن ويحنط، ولا يصلى عليه؛ فاتفقت الروايات على أنه لا يصلى على من ولد ميتاً؛ والخلاف في الغسل: وجه ما اختاره الطحاوي: أن المولود ميتاً نفس مؤمنة فيغسل، وإن كان لا يصلى عليه، كالبغاة وقطاع الطريق. وجه ما ذكره الكرخي: ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - وَلّر - أنه قال: ((إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُؤْدُ غُسُلَّ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرِثْ))(١)، ولأن وجوب الغسل بالشرع؛ وأنه ورد باسم الميت، ومطلق اسم الميت في العرف لا يقع على من ولد ميتاً، ولهذا لا يصلى عليه. (١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٣): كتاب الجنائز: باب ترك الصلاة على الطفل، الحديث (١٠٣٢)، والحاكم (٣٦٣/١) كتاب الجنائز: باب إذا استهل الصبي ورث وصُلِّي عليه، والبيهقي (٨/٤): كتاب الجنائز: باب السقط يغسل ويكفن ويصلى عليه، كلهم من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي الزبير، عن جابر به، وقال الترمذي: (هذا حديث اضطرب الناس فيه، فرواه بعضهم عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ◌َّلتر مرفوعاً، ورواه أشعث بن سوار؛ وغير واحد عن أبي الزبير، عن جابر موقوفاً، وكأن هذا أصح من الحديث المرفوع). وقال الحاكم: الشيخان لم يحتجا بإسماعيل بن مسلم. والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣١٩/٣): كتاب الجنائز: باب السقط لا يصلى عليه حتى يستهل صارخاً، والدارمي (٣٩٢/٢): كتاب الفرائض: باب ميراث الصبي، ثم إن إسماعيل بن مسلم لم ينفرد برفعه بل تابعه على ذلك سفيان الثوري، والأوزاعي والمغيرة بن مسلم، والربيع بن بدر، = ٣١٣ كتاب الصلاة وقال الشافعي: إن أسقط قبل أربعة أشهر لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ قولاً واحداً، وإن كان لأربعة أشهر من وقت العلوق، وقد استبان خلقه - فله فيه قولان، والصحيح قولنا؛ لما ذكرنا، وهذا إذا لم يستهل، فأما إذا استهل؛ بأن حصل منه ما يدل على حياته، من بكاء أو تحريك عضو أو طرف أو غير ذلك؛ فإنه يغسل بالإجماع؛ لما روينا؛ ولأن الاستهلال دلالة الحياة؛ فكان موته بعد ولادته حيّاً فيغسل، ولو شهدت القابلة أو الأم على الاستهلال، تقبل في حق الغسل والصلاة عليه؛ لأن خبر الواحد في باب الديانات مقبول إذا كان عدلاً، وأما في حق الميراث فلا يقبل قول الأم [بالإجماع](١)؛ لكونها متهمة لجرها المغنم إلى نفسها، وكذا شهادة القابلة عند أبي حنيفة، وقالا: تقبل(٢) إذا كانت عدلة على ما يعرف في موضعه، وعلى هذا يخرج ما إذا وجد طرف من أطراف الإنسان، كيد أو رجل؛ أنه لا يغسل؛ لأن الشرع ورد بغسل الميت، والميت اسم لكله، ولو وجد الأكثر منه غسل؛ لأن للأكثر حكم الكل، وإن(٣) وجد الأقل منه أو النصف لم يغسل؛ كذا ذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي))؛ لأن هذا القدر ليس بميت حقيقة وحكماً، ولأن الغسل للصلاة وما لم يزد على النصف لا يصلى عليه، فلا يغسل أيضاً. وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)»: أنه إذا وجد النصف ومعه الرأس يغسل، وإن لم يكن معه الرأس لا يغسل؛ فكأنه جعله مع الرأس في حكم الأكثر؛ لكونه معظم البدن. = ویحیی بن بدر، ويحيى بن أبي أنيسة . فرواية سفيان أخرجها الحاكم (٣٤٩/٤): كتاب الفرائض: باب إذا استهل الصبي ورث ... ، والبيهقي (٩٨/٤): كتاب الجنائز: باب السقط يغسل ويكفن ويصلّى عليه، من رواية إسحاق بن يوسف الأزرق عنه، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: إذا استهل الصبي ورث وصلّى عليه، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه). ورواية الأوزاعي أخرجها البيهقي (٨/٤): كتاب الجنائز: باب السقط يغسل ويكفّن ويصلّى عليه، من رواية بقية عنه، عن أبي الزبير مثل الذي قبله. ورواية المغيرة بن مسلم: أخرجها الحاكم (٣٤٩/٤)، من رواية شبابة بن سوار، عنه، عن الزبير مثل الذي قبله أيضاً. ورواية الربيع بن بدر: أخرجها ابن ماجه (٤٨٣/١): كتاب الجنائز: باب الصلاة على الطفل، الحديث (١٥٠٨)، عن هشام بن عمار، عنه عن أبي الزبير مثل الذي قبله أيضاً: إذا استهل الصبي صلّى عليه وورث. (١) سقط في أ. (٢) في أ: يقبل. (٣) في أ: ولو. ٣١٤ كتاب الصلاة ولو وجد نصفه مشقوقاً لا يغسل؛ لما قلنا، ولأنه لو غسل الأقل أو النصف يصلى عليه؛ لأن الغسل لأجل الصلاة. ولو صلّى عليه لا يؤمن أن يوجد الباقي فيصلى عليه، فيؤدي إلى تكرار الصلاة على ميت واحد، وذلك مكروه عندنا، أو يكون صاحب الطرف حيّاً فيصلى على بعضه وهو حي؛ وذلك فاسد؛ وهذا كله مذهبنا. وقال الشافعي: إن وجد عضو يغسل ويصلى عليه، واحتج بما روي: أن طائراً ألقى يداً بمكة زمن وقعة الجمل، فغسلها أهل مكة وصلوا عليها(١). وقيل: إنها يد طلحة، أو يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد - رضي الله عنهم - وروي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه صلى على عظام بالشام. وعن أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه -: أنه صلى على رُؤؤسٍ، ولأن صلاة الجنازة شرعت لحرمة الآدمي؛ وكذا الغسل وكل جزء منه محترم. ولنا: ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما قالا: لا يصلى على عضو. وهذا يدل على أنه لا يغسل؛ لأن الغسل لأجل الصلاة، ولما ذكرنا من المعاني أيضاً. وأما حديث أهل مكة: فلا حجة فيه؛ لأن الراوي لم يرو أن الذي صلّى عليه من هو، ١١٥٢ حتى ننظر أهو حجة/ أم لا؟ أو نحمل الصلاة على الدعاء؛ وكذا حديث عمر وأبي عبيدة رضي الله عنهما. ألا ترى أن العظام لا يصلى عليها بالإجماع. ومنها: أن يكون الميت مسلماً؛ حتى لا يجب غسل الكافر؛ لأن الغسل وجب كرامة وتعظيماً للميت، والكافر ليس من أهل استحقاق الكرامة والتعظيم، لكن إذا كان ذا رحم محرم من المسلم؛ لا بأس بأن يغسله ويكفنه، ويتبع جنازته ويدفنه؛ لأن الابن ما نهي عن البر بمكان أبيه الكافر، بل أمر بمصاحبتهما بالمعروف بقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفَاً﴾ [لقمان: ١٥]. ومن البر القيام بغسله ودفنه وتكفينه؛ والأصل فيه: ما روي عن علي - رضي الله عنه -: لما مات أبوه أبو طالب جاء إلى رسول الله - ر19َ - فقال: يا رسول الله، إن عمك (١) قال ابن المنقب في الخلاصة (٢٧٩/١): رواه الزبير بن بكار في الأنساب، ورواه الشافعي لا بلاغاً واختلف في موضع ألقاها، فقيل: باليمامة، وقيل: بالمدينة، وقيل: بمكة، واختلفوا في الطائر ثقيل نسراً، وقيل: عقاباً. 1 ٣١٥ كتاب الصلاة الضال قد توفي، فقال: ((اذهب وغسله وكفنه، وواره، ولا تحدثن حدثاً حتى تلقاني))(١)، قال: ففعلت ذلك وأتيته فأخبرته، فدعا لي بدعوات ما أحب أن يكون لي بها حمر النعم. وقال سعيد بن جبير: سأل رجل عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فقال: إن امرأتي ماتت نصرانية؟ فقال: اغسلها وكفنها وادفنها. وعن الحارث بن أبي ربيعة: أن أمه ماتت نصرانية، فتبع جنازتها في نفر من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ثم إنما يقوم ذو الرحم بذلك إذا لم يكن هناك من يقوم به من أهل دينه [من المشركين](٢)، فإن كان خلى المسلم بينه وبينهم، ليصنعوا به ما يصنعون بموتاهم. وإن مات مسلم وله أب كافر هل يمكن من القيام بتغسيله وتجهيزه؟ لم يذكر في الكتاب، وينبغي ألاَّ يمكن من ذلك، بل يغسله المسلمون؛ لأن ذلك اليهودي لما آمن برسول الله - والتر - عند موته ما قام رسول الله - وَّ - حتى مات، فقال - وَّ - لأصحابه: ((تولُّوا أَخَاكُمْ))، ولم يخل بينه وبين والده اليهودي، ولأن غسل الميت شرع كرامة له، وليس من الكرامة أن يتولى الكافر غسله. ومنها: أن يكون عادلاً حتى لا يغسل الباغي إذا قتل، ولا يصلى عليه. وكذا روى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف، ومحمد؛ وعند الشافعي: يغسل ويصلى عليه، وسنذكر المسألة. وذكر الفقيه أبو الحسن الرُّسْتُغْفَنِيّ صاحب الشيخ أبي منصور الماتريدي - رحمهما الله تعالى -: أنه يغسل ولا يصلى عليه. وفرق بينهما بأن الغسل حقه، والصلاة حق الله - تعالى - فما كان من حقه يؤتى به، وما كان من حق الله - تعالى - لا يؤتى به؛ إهانة له، ولهذا يغسل الكافر ولا يصلى عليه. (١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (١٢٤/١)، أخبرنا محمد بن عمر هو الواقدي، حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن رافع، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: لما أخبرت رسول الله وَّ بموت أبي طالب بكى، ثم قال لي: اذهب فأغسله وكفنه، قال: ففعلت ذلك، ثم أتيته، فقال لي: اذهب فاغتسل. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٩/٣): كتاب الجنائز: باب المسلم يغسل المشرك، وأحمد (٩٧/١)، وأبو داود (٥٤٧/٣): كتاب الجنائز: باب الرجل يموت له قرابة مشرك، الحديث (٣٢١٤)، والنسائي (٤/ ٧٩): كتاب الجنائز: باب مداراة المشرك، والبيهقي (٣٩٨/٣): كتاب الجنائز: باب المسلم يغسل ذا قرابته، من حديث أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي، فلم يذكر الغسل بل قال لما مات أبو طالب: أتيت رسول الله وَّر، فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات، فقال انطلق فواره، ولا تحدثنَّ حدثاً حتى تأتيني فانطلقت فواريته فأمري فاغتسلت فدعا لي بدعوات ما يسرني ما على الأرض بهن من شيء. (٢) سقط في ط . ٣١٦ كتاب الصلاة ولو اجتمع الموتى المسلمون والكفار، ينظر: إن كان بالمسلمين علامة يمكن الفصل بها يفصل، وعلامة المسلمين أربعة أشياء: الختان، والخضاب، ولبس السواد، وحلق العانة، وإن لم يكن بهم علامة، ينظر: إن كان المسلمون أكثر غسلوا وكفنوا ودفنوا في مقابر المسلمين وصلى عليهم، وينوي بالدعاء المسلمين، وإن كان الكفار أكثر يغسلوا ولا يصلى عليهم؛ كذا ذكر القدوري في شرحه ((مختصر الكرخي))؛ لأن الحكم للغالب. وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)): أنه إن كانت الغلبة لموتى الكفار لا يصلى عليهم، لكن يغسلون ويكفنون ويدفنون في مقابر المشركين. ووجهه: أن غسل المسلم واجب، وغسل الكافر جائز في الجملة؛ فيؤتى بالجائز في الجملة لتحصيل الواجب. وأما إذا كانوا على السواء فلا يشكل أنهم يغسلون؛ لما ذكرنا أن فيه تحصيل الواجب مع الإتيان بالجائز في الجملة، وهذا أولى من ترك الواجب رأساً. وهل يصلى عليهم؟ قال بعضهم: لا يصلى عليهم؛ لأن ترك الصلاة على المسلم أولى من الصلاة على الكافر؛ لأن الصلاة على الكافر غير مشروعة أصلاً، قال الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: ٨٤]، وترك الصلاة على المسلم مشروعة في الجملة، كالبغاة وقطاع الطريق، فكان الترك أهون، وقال بعضهم: يصلى عليهم، وينوي بالصلاة والدعاء المسلمين؛ لأنهم إن عجزوا عن تعيين العمل للمسلمين لم يعجزوا عن تمييز القصد في الدعاء لهم. وأما الدفن: فلا رواية فيه في ((المبسوط))، وذكر الحاكم الجليل في ((مختصره)): أنهم يدفنون في مقابر المشركين. واختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: يدفنون في مقابر المسلمين. وقال بعضهم: في مقابر المشركين. وقال بعضهم: تتخذ لهم مقبرة على حدة وتسوى قبورهم ولا تسنم، وهو قول الفقيه أبي جعفر الهندواني؛ وهو أحوط، وأصل الاختلاف: في كتابية تحت مسلم حبلت ثم ماتت، وفي بطنها ولد مسلم، لا يصلى عليها بالإجماع؛ لأن الصلاة على الكافرة غير مشروعة، وما في بطنها لا يستحق الصلاة عليه، ولكنها تغسل وتكفن، واختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في الدفن : قال بعضهم: تدفن في مقابر المسلمين، ترجيحاً لجانب الولد، وقال بعضهم: في مقابر المشركين؛ لأن الولد في حكم جزء منها ما دام في البطن. وقال واثلة بن الأسقع: يتخذ لها مقبرة على حدة؛ وهذا أحوط. ولو وجد ميت أو قتيل في دار الإسلام، فإن كان عليه سيما المسلمين يغسل ويصلى ٣١٧ كتاب الصلاة عليه، ويدفن/ في مقابر المسلمين وهذا ظاهر، وإن لم يكن معه سيما المسلمين ففيه روايتان، ١٥٢ب والصحيح: أنه يغسل، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين؛ لحصول غلبة الظن؛ بكونه مسلماً بدلالة المكان وهي دار الإسلام. ولو وجد في دار الحرب، فإن كان معه سيما المسلمين يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين بالإجماع، وإن لم يكن معه سيما المسلمين ففيه روايتان، والصحيح: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. والحاصل: أنه لا يشترط الجمع بين السيما ودليل المكان بل يعمل بالسيما وحده بالإجماع، وهل يعمل بدليل المكان وحده؟ فيه روايتان، والصحيح: أنه يعمل به؛ لحصول غلبة الظن عنده. والله أعلم. [ومنها: أَلاَّ يكون ساعياً في الأرض بالفساد، فلا يغسل البغاة وقطاع الطريق والمكاثرون والخناقون إذا قتلوا؛ لأن المسلم يغسل كرامة له، وهؤلاء لا يستحقون الكرامة بل الإهانة. وعن الفقيه أبي الحسن الرستغفني صاحب أبي منصور الماتريدي: أن الباغي يغسل ولا يصلى عليه؛ لأن الغسل حقه؛ فيؤتى به والصلاة حق الله - تعالى - فلا يصلى عليه إهانة له كالكافر؛ أنه يغسل ولا يصلى عليه؛ كذا ذكره في ((العيون)). وعن محمد: أن مَنْ قتل مظلوماً لا يغسل ويصلى عليه، ومن قتل ظالماً يغسل ولا يصلى عليه، والباغي قتل ظالماً؛ فيغسل ولا يصلى عليه](١). ومنها: وجود الماء؛ لِأَن وجود الفعل مقيد بالوسع، ولا وسع مع عدم الماء؛ فسقط الغسل، ولكن ييمم بالصعيد؛ لِأَن التيمم صلح بَدَلاً عن الغسل في حال الحياة؛ فكذا بعد الموت، غير أن الجنس ييمم الجنس بيده؛ لأنه يباح له من مواضع التيمم منه من غير شهوة، كما في حالة الحياة، فكذا بعد الموت. وأما غير الجنس: فإن كانا ذوي رحم محرم فكذلك؛ لما قلنا، وإن كانا أجنبيين، فإن لم يكونا زوجين ييممه بخرقة تستر يده؛ لأن حرمة المس بينهما ثابتة، كما في حالة الحياة، إلا إذا كان أحدهما مما لا يشتهى، كالصغير أو الصغيرة فييممه من غير خرقة، وإن كانا زوجين فالمرأة تيمم زوجها بلا خرقة؛ لأنها تغسله بلا خرقة؛ فالتيمم أولى إذا لم تبن منه في حال حياته بالإجماع، ولا حدث بعد وفاته ما يوجب البينونة عند علمائنا الثلاثة؛ خلافاً لزفر بناء على ما نذكر؛ لأنها تغسله بلا خرقة فالتيمم أولى، وأما الزوج فلا ييمم زوجته بلا خرقة عندنا؛ خلافاً للشافعي على ما نذكر. ومنها: أَلاَّ يكون الميت شهيداً؛ لأن الغسل ساقط عن الشهيد بالنص؛ على ما نذكر في فصله إن شاء الله تعالى. (١) ما بين المعكوفين سقط في: أ. ٣١٨ كتاب الصلاة فصل فيمن يقوم بالغسيل وأما بيان الكلام فيمن(١) يغسل فنقول: الجنس يغسل الجنس؛ فيغسل الذكر الذكر، والأنثى الأنثى؛ لأن حل المس من غير شهوة ثابت للجنس حالة الحياة؛ فكذا بعد الموت، وسواء كان الغاسل جنباً أو حائضاً؛ لأن المقصود وهو التطهير حاصل فيجوز. وروي عن أبي يوسف: أنه كره للحائض الغسل؛ لأنها لو اغتسلت بنفسها لم تعتد به، فكذا إذا غسلت، ولا يغسل الجنس خلاف الجنس؛ لأن حرمة المس عند اختلاف الجنس ثابتة حالة الحياة؛ فكذا بعد الموت، والمجبوب والخصي في ذلك مثل الفحل، كما في حالة الحياة؛ لِأَن كل ذلك منهي، إلا المرأة لزوجها إذا لم تثبت البينونة بينهما في حالة حياته، ولا حدث بعد وفاته ما يوجب البينونة، أو الصغير والصغيرة، فبيان ذلك في الرجل والمرأة. أما الرجل فنقول: إذا مات رجل في سفر: فإن كان معه رجال يغسله الرجل، وإن كان معه نساء لا رجل فيهن - فإن كان فيهن امرأته غسلته وكفنته وصلین علیه وتدفنه. أما المرأة فتغسل زوجها؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: لَوِ اُسْتَقْبَلْنَا مِنْ الْأَمْرِ مَا اسْتَذْبَرْنَا - لمَا غَسَّلَ رَسُول اللهِ وَه إِلَّ نِسَاؤُهُ(٢). ومعنى ذلك: أنها لم تكن عالمة وقت وفاة رسول الله - رَله - بإباحة غسل المرأة لزوجها، ثم علمت بعد ذلك. وروي: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أوصى إلى امرأته أسماء بنت عميس أن تغسله بعد وفاته(٣)؛ وهكذا فعل أبو موسى الأشعري، ولأن إباحة الغسل مستفادة بالنكاح؛ فتبقى ما بقي النكاح، والنكاح بعد الموت باقٍ إلى وقت انقطاع العدة؛ بخلاف ما إذا ماتت المرأة، حيث لا يغسلها الزوج؛ لأن هناك انتهى ملك النكاح؛ لانعدام المحل؛ فصار الزوج أجنبياً؛ فلا يحل له غسلها، واعتبر بملك اليمين؛ حيث لا ينتفي عن المحل بموت المالك، ويبطل بموت المحل؛ فكذا هذا، وهذا إذا لم تثبت البينونة بينهما في حال حياة الزوج، فأما إذا ثبتت بأن طلقها ثلاثاً، أو بائناً ثم مات، وهي في العدة - لا يباح لها غسله؛ لأن ملك (١) في أ: من. (٢) أخرجه أبو داود (١٩٦/٣-١٩٧)، في كتاب الجنائز: باب في شد الميت عند غسله (٣١٤٠١)، وابن ماجه (١/ ٤٧٠)، في كتاب الجنائز: قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٤٧٤/١)، هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ومحمد بن إسحاق وإن كان مدلساً ورواه بالضعف في هذا الإسناد، فقد رواه ابن الجارود، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المسند له عن طريق ابن إسحاق مقدماً بالتحديث فزالت تهمة تدليسه . (٣) أخرجه مالك (٢٢٣/١) كتاب الجنائز، باب: غسل الميت. ٣١٩ كتاب الصلاة النكاح ارتفع بالإبانة، وكذا إذا قبلت(١) ابن زوجها ثم مات وهي في العدة؛ لأن الحرمة ثبتت بالتقبيل على سبيل التأبيد؛ فبطل (٢) ملك النكاح ضرورة، وكذا لو ارتدت عن الإسلام - والعياذ بالله - ثم أسلمت بعد موته؛ لأن الردة توجب زوال ملك النكاح، ولو طلقها طلاقاً رجعياً ثم مات وهي في العدة - لها أن تغسله؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل ملك النكاح. وأما إذا حدث بعد وفاة الزوج ما يوجب البينونة - لا يباح لها أن تغسله عندنا. وعند زفر: يباح بأن ارتدت المرأة بعد موته ثم أسلمت. وجه قول زفر: أن الردة بعد الموت لا ترفع النكاح؛ لأنه ارتفع بالموت؛ فبقي حل الغسل(٣) كما/ كان؛ بخلاف الردة في حالة الحياة. ١١٥٣ ولنا: أن زوال النكاح موقوف على انقضاء العدة؛ فكان النكاح قائماً فيرتفع بالردة، وإن لم يبقَ مطلقاً فقد بقي في حق حل المس والنظر، وكما ترفع الردة مطلق الحل ترفع ما بقي منه، وهو حل المس والنظر، وعلى هذا الخلاف: إذا طاوعت ابن زوجها أو قبلته بعد موته، أو وطئت بشبهة بعد موته فوجب عليها العدة - ليس لها أن تغسله عندنا؛ خلافاً لزفر. ولو مات الزوج وهي معتدة من وطء شبهة، ليس لها أن تغسله، وكذا إذا انقضت عدتها من ذلك الغير عندنا؛ خلافاً لأبي يوسف؛ لأنه لم يثبت لها حل الغسل عند الموت فلا يثبت بعده، وكذلك إذا دخل الزوج بأخت امرأته بشبهة، ووجبت عليها العدة، ثم مات فانقضت عدتها بعد موته - فهو على هذا الخلاف؛ وكذلك المجوسي إذا أسلم ثم مات، ثم أسلمت امرأته المجوسية - لم تغسله عندنا؛ خلافاً لأبي يوسف؛ كذا ذكره(٤) الشيخ الإمام الزاهد السرخسي - رحمه الله - الخلاف في هذه المسائل الثلاث. وذكر القاضي في شرحه ((مختصر الطحاوي)): أن للمرأة أن تغسله في هذه المواضع [الثلاث](٥) عندنا، وعند زفر: ليس لها أن تغسله، والله أعلم. ولو لم يكن فيهن امرأته، ولكن معهن رجل كافر - علمته غسل الميت، ويخلين بينهما حتى يغسله ويكفنه، ثم يصلين عليه ويدفنه؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف. (١) في أ: قبلتي. (٢) في أ: يبطل. (٣) في أ: النكاح. (٤) في أ: ذكر. (٥) سقط في ط. ٣٢٠ كتاب الصلاة وإن لم يكن بينهما موافقة في الدين: فإن لم يكن معهن رجل لا مسلم ولا كافر؛ فإن كان معهن صبية صغيرة لم تبلغ حد الشهوة، وأطاقت الغسل - علمنها الغسل، ويخلين بينه وبينها حتى تغسله وتكفنه؛ لأن حكم العورة غير ثابت في حقها، وإن لم يكن معهن ذلك، فإنهن لا يغسلنه، سواء كن ذوات رحم محرم منه أو لا؛ لأن المحرم في حكم النظر إلى العورة والأجنبية سواء، فكما لا تغسله الأجنبية، فكذا ذوات محارمه، ولكن ييممنه؛ غير أن الميممة إذا كانت ذات رحم محرم منه تيممه بغير خرقة، وإن لم تكن ذات رحم محرم منه تيممه بخرقة تلفها على كفها؛ لأنه لم يكن لها أن تمسه في حياته؛ فكذا بعد وفاته. وكذا لو كان فيهن أم ولده لم تغسله في قول أبي حنيفة الآخر، وفي قوله الأول - وهو قول زفر والشافعي -: لها أن تغسله؛ لأنها معتدة فأشبهت المنكوحة. ولنا: أن الملك لا يبقى فيها ببقاء العدة؛ لأن الملك فيها كان ملك يمين، [وهي تعتق](١) بموت السيد، والحرية تنافي ملك اليمين؛ فلا يبقى بخلاف المنكوحة؛ فإن حريتها لا تنافي ملك النكاح كما في حال حياة الزوج. وكذا لو كان فيهن أمته أو مدبرته. أما الأمة: فلأنها زالت عن ملكه بالموت إلى الورثة، ولا يباح لأمة الغير [مس](٢) عورته؛ غير أنها لو يممته تيممه بغير خرقة؛ لأنه يباح للجارية مس موضع(٣) التيمم؛ بخلاف أم الولد؛ فإنها تعتق وتلتحق بسائر الحرائر الأجنبيات. [وأما المدبرة: فلأنها تعتق ولا يجب عليها العدة، ثم أم الولد لا تغسله؛ فلأن لا يغسله هذه أولی. وقال الشافعي: الأمة تغسل مولاها؛ لأنه يحتاج إلى من يغسله فبقي الملك له فيها حكماً، وهذا غير سديد؛ لأن حاجته تندفع بالجنس أو بالتيمم] (٤). وأما المرأة فنقول: إذا ماتت امرأة في سفر: فإن كان معها نساء غسلنها، وليس لزوجها أن يغسلها عندنا؛ خلافاً للشافعي؛ واحتجَّ بحديثٍ عَائِشَةَ؛ أن رَسُولَ اللهِ وَِّ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهِيَ تَقُولُ: وَارَأْسَاهُ؛ فَقَالَ: وَأَنَّا وارَأْسَاهُ؛ لاَ عَلَيْكِ أَنَّكِ إِذَا مِتُ غَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ (١) سقط في أ. (٢) سقط في ط. (٣) في أ: مواضع. (٤) ما بين المعكوفين سقط في أ.