النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الصلاة
مَنْهِيٍّ عنها. فبعد هذا يقول بعض مشايخنا: إن الشروع سبب الوجوب، وهو في الصوم منهي؛
ففسد في نفسه، فلم يصر سبب الوجوب. وفي الصلاة ليس بمنهي؛ فصار سبباً للوجوب.
[وإذا](١) تحقق هذا فنقول: وجوب المضي في التطوع؛ لصيانة ما انعقد قربة. وفي باب
الصوم: ما انعقد انعقد معصية من وجه. والمضي أيضاً معصية. والمضي لو وجب وجب
لصيانة ما انعقد، وما انعقد عبادة؛ وهو منهي عنه، وتقرير العبادة وصيانتها واجبٌ، وتقرير
المعصية وصيانتها معصية؛ فالصيانة واجبة من وجه محظورة من وجه؛ فلم تجب الصيانة عند
الشك، وترجحت جهة الحظر على ما هو الأصل. والصيانة لا تحصل إلا بما هو عبادة وبما
هو معصية، وإيجاب العبادة ممكن. وإيجاب المعصية غير ممكن؛ فلم يجب المضي عند
التعارض، بل يرجح جانب الحظر.
فأما في [باب] (٢) الصلاة: فما انعقد انعقد عبادة خالصةً لا حظر فيها؛ فوجب تقريرها
وصيانتها ثم صيانتها، وإن كانت بالمضي، وبالمضي يقع في المحظور. لكن لو مضى تقررت
العبادة؛ وتقريرها واجب، وما يأتي به عبادة ومحظور أيضاً؛ فكان محصلاً للعبادة من وجهين،
ومرتكباً للنهي من وجه؛ فترجحت جهة العبادة. ولو امتنع عن المضي امتنع عن تحصيل ما هو
منهي، ولكن امتنع - أيضاً - عن تحصيل ما هو عبادة، وأبطل العبادة المتقررة؛ وإبطالها
محظور محض؛ فكان المضي للصيانة أولى من الامتناع؛ فيلزمه المضي. فإذا أفسده يلزمه
القضاء .
ومنهم من فرق بينهما فقال: إن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ثبت بدليل فيه شبهة
العدم؛ وهو خبر الواحد. وقد اختلف العلماء في صحته ووروده، فكان في ثبوته شك وشبهة،
وما كان هذا سبيله كان قبوله بطريق الاحتياط. والاحتياط في حق إيجاب القضاء على من أفسد
بالشروع أن يجعل كأنه ما ورد؛ بخلاف النهي عن الصوم؛ لأنه ثبت بالحديث المشهور،
وتلقته أئمة الفتوى بالقبول؛ فكان النهي ثابتاً من جميع الوجوه؛ فلم يصح الشروع؛ فلم يجب
القضاء بالإفساد. والفقيه الجليل أبو أحمد العياضي السمرقندي ذكر هذه الفروق.
وأشار إلى فرق آخر وهو: أن الصوم وجوبه بالمباشرة؛ وهو فعل من الصوم المنهي
عنه. فأما الصلاة فوجوبها بالتحريمة؛ وهي(٣) قول، وليست من الصلاة؛ فكانت بمنزلة النذر.
والله أعلم.
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: هو.

٢٨٢
كتاب الصلاة
غير أنه لو أفسد مع هذا، وقضى في وقت آخر - كان أحسن؛ لأن الإفساد - ليؤدي
أكمل - لا يعد إفساداً؛ وههنا كذلك؛ لأنه يؤدى خالياً عن اقتران النهي به، ولكن لو صلّى مع
هذا جاز؛ لأنه ما لزمه إِلاَّ هذه الصلاة، وقد أساء؛ حيث أدى مقروناً بالنهي. ولو افتتح التطوع
وقت طلوع الشمس فقطعها، ثم قضاها وقت تغير الشمس - أجزأه؛ لأنها وجبت ناقصة،
وأداها كما وجبت فيجوز، كما لو أتمها في ذلك الوقت. ثم الشروع: إنما يكون سبب
الوجوب إذا صح، [فأما](١) إذا لم يصح فلا، حتى لو شرع في التطوع على غير وضوء، أو
في ثوب نجس - لا يلزمه القضاء. وكذا القارىء: إذا شرع في صلاة الأمي بنية التطوع، أو في
صلاة امرأة، أو جنب، أو محدث ثم(٢) أفسدها على نفسه - لا قضاء عليه؛ لأن شروعه في
الصلاة لم يصح؛ حيث اقتدى بمن لا يصلح إماماً له. وكذا الشروع في الصلاة المظنونة غير
١٤٦ ب موجب، حتى لو شرع في الصلاة على ظن/ أنها عليه، ثم تبين أنها ليست عليه - لا يلزمه
المضي، ولو أفسد لا يلزمه القضاء عند أصحابنا الثلاثة؛ خلافاً لزفر. وفي ((باب الحج)): يلزمه
التطوع بالشروع معلوماً كان أو مظنوناً، والفرق يذكر في ((كتاب الصوم))، إن شاء الله تعالى.
فضل
في بيان مقدار ما يلزم بالشروع
وأما بيان مقدار ما يلزمه(٣) منه بالشروع فنقول: لا يلزمه بالافتتاح أكثر من ركعتين، وإن
نوى أكثر من ذلك في ظاهر الروايات عن أصحابنا، إلا بعارض الاقتداء.
وروي عن أبي يوسف: ثلاث روايات.
روى بشر بن الوليد عنه أنه قال ـ فيمن افتتح التطوع ينوي أربع ركعات، ثم أفسدها -:
قضى أربعاً، ثم رجع وقال(٤): يقضي ركعتين.
وروى بشر بن أبي الأزهر عنه أنه قال - فيمن افتتح النافلة ينوي عدداً -: يلزمه بالافتتاح
ذلك العدد، وإن كان مائة ركعة. وروى غسان عنه أنه قال: إن نوى أربع ركعات لزمه، وإن
نوى أكثر من ذلك لم يلزمه، ولا خلاف في أنه يلزمه بالنذر ما تناوله وإن كثر.
(١) سقط في أ.
(٢) في أ: و.
(٣) في ط: يلزم.
(٤) سقط في أ.

٢٨٣
كتاب الصلاة
وجه رواية ابن أبي الأزهر عنه: أن الشروع في كونه سبباً للزوم كالنذر، ثم يلزمه بالنذر
جميع ما تناوله؛ كذا بالشروع.
وجه رواية غسان عنه: أن ما وجب بإيجاب الله - تعالى - بناء على مباشرة سبب
الوجوب من العبد - دون ما وجب بإيجاب الله - تعالى - ابتداء؛ وذا لا يزيد على الأربع؛ فهذا
أولى.
وجه ظاهر الرواية: أن الوجوب بسبب الشروع ما ثبت وضعاً، بل ضرورة صيانة المؤدي
عن البطلان، ومعنى الصيانة يحصل بتمام الركعتين، فلا تلزم الزيادة من غير ضرورة؛ بخلاف
النذر؛ لأنه سبب الوجوب بصيغته وضعاً، فيتقدر الوجوب بقدر ما تناوله السبب.
وأما قوله: إن الشروع سبب الوجوب كالنذر فنقول: نعم، لكنه سبب لوجوب ما وجد
الشروع فيه؛ ولم يوجد الشروع في الشفع الثاني؛ فلا يجب، ولأنه ما وضع سبباً للوجوب،
بل الوجوب لما ذكرنا من الضرورة، ولا ضرورة في حق الشفع الثاني؛ بخلاف النذر؛ فإنه
التزم صريحاً، فيلزمه بقدر ما التزم؛ وكذا الجواب في السنن الراتبة: أنه لا يجب بالشروع فيها
إلا ركعتين، حتى لو قطعها قضى ركعتين في ((ظاهر الرواية)) عن أصحابنا (١)؛ لأنه نفل. وعلى
رواية أبي يوسف: قضى أربعاً في كل موضع يقضي في التطوع أربعاً. ومن المتأخرين من
مشايخنا: اختار قول أبي يوسف فيما يؤدي من الأربع منها بتسليمة واحدة، وهو الأربع قبل
الظهر، وقال: لو قطعها يقضي أربعاً، ولو أخبر بالبيع فانتقل إلى الشفع الثاني لا تبطل شفعته،
ويمنع صحة الصلاة (٢)، وهو [قول] الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري.
وإذا عرف هذا الأصل فنقول: من وجب عليه ركعتان بالشروع، ففرغ منهما وقعد على
رأس الركعتين، وقام إلى الثالثة على قصد الأداء - يلزمه إتمام ركعتين أخراوين ويبنيهما على
التحريمة الأولى؛ لأن قدر المؤدي صار عبادة، فيجب عليه إتمام الركعتين صيانة له عن
البطلان، والقيام إلى الثالثة على قصد الأداء؛ بناء منه الشفع الثاني على التحريمة الأولى،
وأمكن البناء عليها؛ لأن التحريمة شرط للصلاة (٣) عندنا. والشرط الواحد يكفي لأفعال كثيرة
كالطهارة الواحدة؛ أنها تكفي لصلوات كثيرة، ويلزمه في هاتين الركعتين القراءة كما في
الأوليين؛ لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة؛ ولهذا قالوا: إن المتنفل إذا قام إلى الثالثة
لقصد الأداء - ينبغي أن يستفتح فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك ... الخ، كما يستفتح في
الابتداء؛ لأن هذا بناء الافتتاح.
(١) في أ: أصحابها.
(٢) في ط: الخلوة.
(٣) في ط: الصلاة.

٢٨٤
كتاب الصلاة
وكل ركعتين من النفل صلاة على حدة، لكن بناء على التحريمة الأولى فيأتي بالثناء
المسنون فيه. ولو صلّى ركعتين تطوعاً، فسها فيهما، فسجد لسهوه بعد السلام، ثم أراد أن
يبني عليهما (١) ركعتين أخراوين - ليس له ذلك؛ لأنه لو فعل ذلك لوقع سجوده للسهو في
وسط الصلاة؛ وإنه غير مشروع؛ بخلاف المسافر إذا صلّى الظهر ركعتين، وسها فيهما فسجد
للسهو، ثم نوى الإقامة حيث يصح ويقوم لإتمام صلاته، وإن كان يقع سهو في وسط الصلاة.
والفرق: أن السلام محلل في الشرع، إِلاَّ أن الشرع منعه عن العمل في هذه الحالة، أو
حكم بعود التحريمة ضرورة تحصيل السجود؛ لأن سجود السهو لا يؤتى به إلا في تحريمة
الصلاة؛ والضرورة في حق تلك الصلاة، وفيما يرجع إلى إكمالها؛ فظهر بقاء التحريمة أو
عودها في حقها لا في حق صلاة أخرى، ولا ضرورة في صلاة التطوع؛ لأن كل شفع صلاة
على حدة، فيعمل التسليم عمله في التحليل، وكان القياس في المتنفل بالأربع إذا ترك القعدة
الأولى - أن تفسد صلاته؛ وهو قول محمد؛ لأن كل شفع لما كان صلاة على حدة - كانت
القعدة عقيبه فرضاً، كالقعدة الأخيرة في ذوات الأربع من الفرائض، إلا أن في الاستحسان لا
تفسد؛ وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنه لما قام إلى الثالثة قبل القعدة، فقد جعلها
صلاة واحدة شبيهة بالفرض؛ واعتبار النفل بالفرض مشروع في الجملة؛ لأنه تبع للفرض؛/
فصارت القعدة الأولى فاصلة بين الشفعين، والخاتمة هي الفريضة، فأما الفاصلة فواجبة؛ وهذا
بخلاف ما إذا ترك القراءة في الأوليين(٢) في التطوع، وقام إلى الأخريين(٣)، وقرأ فيهما
- حيث يفسد الشفع الأول بالإجماع. ولم نجعل هذه الصلاة صلاة واحدة في حق القراءة
بمنزلة ذوات الأربع؛ لأن القعدة إنما صارت فرضاً لغيرها؛ وهو الخروج، فإذا قام إلى الثالثة،
وصارت الصلاة من ذوات الأربع - لم يأتِ أوان الخروج، فلم تبقَ القعدة فرضاً.
١١٤٧
فأما القراءة: فهي ركن بنفسها، فإذا تركها في الشفع الأول فسد، فلم يصح بناء الشفع
الثاني عليه. وعلى هذا قالوا: إذا صلّى التطوع ثلاث ركعات بقعدة واحدة - ينبغي أن يجوز،
اعتباراً للتطوع بالفرض، وهو صلاة المغرب إذا صلاها بقعدة واحدة؛ والأصح: أنه لا يجوز؛
لأن ما اتصل به القعدة - وهي الركعة الأخيرة - فسدت، لأن التنفل بالركعة الواحدة غير
مشروع فيفسد ما قبلها. ولو تطوع بست ركعات بقعدة واحدة: اختلف مشايخنا (٤) فيه :
(١) في أ: عليها.
(٢) في أ: الأولتين.
(٣) في أ: الأخرتين.
(٤) في ط: المشايخ.

٢٨٥
كتاب الصلاة
قال بعضهم: يجوز؛ لأنها لما جازت بتحريمة واحدة وتسليمة واحدة فتجوز بقعدة
واحدة أيضاً، والأصح: أنه لا يجوز؛ لأنا إنما استحسنا جواز الأربع بقعدة واحدة اعتباراً
بالفريضة؛ وليس في الفرائض ست ركعات يجوز أداؤها بقعدة واحدة، فيعود الأمر فيه إلى
أصل القياس. والله أعلم.
ثم إنما يجب بإفساد التطوع؛ قضاء الشفع الذي اتصل به المفسد، دون الشفع الذي
مضى على الصحة، حتى لو صلى أربعاً فتكلم في الثالثة أو الرابعة - قضى الشفع الثاني دون
الأول؛ لأن كل شفع صلاة على حدة، ففساد الثاني لا يوجب فساد الأول؛ بخلاف الفرض؛
لأنه كله صلاة واحدة، ففساد البعض يوجب فساد الكل. ولو اقتدى المتطوع بمصلي الظهر في
أول الصلاة ثم قطعها، أو اقتدى به في القعدة الأخيرة - فعليه قضاء أربع ركعات؛ لأنه
بالاقتداء التزم صلاة الإمام، وهي أربع ركعات.
ومن نوى أن يصلي الظهر ستّاً لم يلزمه ركعتان؛ لأن الشروع لم يوجد في الركعتين؛
وإنما وجد في الظهر؛ [وهي أربع، ولم يوجد في حق الركعتين إلا مجرد النية، ومجرد النية لا
يلزم شيئاً؛ وكذا المسافر إذا نوى أن يصلي الظهر](١) أربعاً فصلى ركعتين - فصلاته تامة؛ لأن
الظهر في حق المسافر ركعتان؛ فكانت نية الزيادة لغواً. هذا إذا أفسد التطوع بشيء من أضداد
الصلاة في الوضع، من الحدث العمد والكلام والقهقهة، وعمل كثير ليس من أعمال الصلاة،
فأما إذا أفسده بترك القراءة؛ بأن صلّى التطوع أربعاً، ولم يقرأ فيهن شيئاً - فعليه قضاء ركعتين
في قول أبي حنيفة، ومحمد.
وعند أبي يوسف: عليه قضاء الأربع، وهي من المسائل المعروفة بثمان مسائل.
والأصل فيها: أن الشفع الأول متى فسد بترك القراءة - تبقى التحريمة عند أبي يوسف،
فيصح الشروع في الشفع الثاني.
وعند محمد: متى فسد الشفع الأول لا تبقى التحريمة، فلا يصح الشروع في الشفع
الثاني .
وعند أبي حنيفة: إن فسد الشفع الأول بترك القراءة فيهما بطلت التحريمة؛ فلا يصح
الشروع في الشفع الثاني، وإن فسد بترك القراءة في إحداهما بقيت التحريمة؛ فيصح الشروع
في الشفع الثاني.
وجه قول محمد: أن القراءة فرض في كل شفع من النفل في الركعتين جميعاً، فكما
(١) سقط في أ.

٢٨٦
كتاب الصلاة
يفسد الشفع بترك القراءة فيهما يفسد بترك القراءة في إحداهما؛ لفوات ما هو ركن، كما لو ترك
الركوع أو السجود؛ إنه لا يفترق الحال بين الترك في الركعتين أو في إحداهما؛ كذا هذا،
وصار ترك القراءة في الإفساد والحدث العمد والكلام سواء، فإذا فسدت الأفعال لم تبق
التحريمة؛ لأنها تبقى لتوحيد الأفعال المختلفة، فإذا فسدت الأفعال لا تبقى هي؛ فلم يصح
الشروع في الشفع الثاني لعدم التحريمة؛ فلا يتصور الفساد.
ولأبي يوسف: أن الأفعال وإن بطلت بترك القراءة؛ لكون القراءة ركناً، ولكن بقيت
التحريمة؛ لأنها ما عقدت لهذا الشفع خاصة، بل له وللشفع الثاني. ألا ترى أنه لو قرأ يصح
بناء الشفع الثاني عليه، فإذا لم تبطل التحريمة صح الشروع في الشفع الثاني، ثم يفسد هو أيضاً
بترك القراءة فيه .
ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أنه لا بقاء للتحريمة مع بطلان الأفعال، كما إذا ترك ركناً
آخر أو تكلم أو أحدث عمداً؛ لأنها للجمع بين الأفعال المختلفة لتجعلها كلها عبادة واحدة،
فتبطل ببطلان الأفعال؛ كما قال محمد. غير أنه إذا ترك القراءة في الشفع الأول في الركعتين
جميعاً علم فساد الشفع بيقين؛ لترك الركن بيقين.
فأما إذا قرأ في إحدى الأوليين: لم يعلم يقيناً بفساد هذا الشفع؛ لأن الحسن البصري
كان يقول بجواز الصلاة بوجود القراءة في ركعة واحدة.
وقوله - وإن كان فاسداً - لكن إنما عرفنا فساده بدليل اجتهادي غير موجب علم اليقين،
بل يجوز أن يكون الصحيح قوله، غير أنا عرفنا صحة ما ذهبنا إليه، وفساد ما ذهب إليه بغالب
الرأي؛ [فلم نحكم ببطلان التحريمة الثانية بيقين بالشك، ولأن الشفع الأول](١) متى دار بين
١٤٧ ب الجواز والفساد كان الاحتياط في الحكم بفساده؛ ليجب/ عليه القضاء، ويبقاء التحريمة ليصح
الشروع في الشفع الثاني؛ ليجب عليه القضاء بوجود مفسد في هذا الشفع [أيضاً](٢).
إذا عرفت(٣) هذا الأصل فنقول: إذا ترك القراءة في الأربع كلها يلزمه قضاء ركعتين في
قول أبي حنيفة، ومحمد، وزفر؛ لأن التحريمة قد بطلت بفساد الشفع الأول بيقين؛ فلم يصح
الشروع في الشفع الثاني، فلا يلزمه القضاء بالإفساد؛ لعدم الإفساد.
وعند أبي يوسف: عليه قضاء الأربع؛ لأن التحريمة بقيت، وإن فسد الشفع الأول فيصح
الشروع في الشفع الثاني، ثم يفسد بترك القراءة أيضاً، فيجب قضاء الشفعين جميعاً.
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: عرف.

٢٨٧
كتاب الصلاة
ولو ترك القراءة في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، أو قرأ في إحدى الأوليين فحسب
عند محمد - يلزمه قضاء الشفع الأول لا غير؛ لأن الشفع الأول فسد بترك القراءة في إحدى
الركعتين من هذا الشفع؛ فبطلت التحريمة؛ فلم يصح الشروع في الشفع الثاني. وعند أبي
حنيفة، وأبي يوسف: يلزمه قضاء الأربع. أما عند أبي يوسف؛ فلعدم بطلان التحريمة بفساد
الصلاة .
وعند أبي حنيفة؛ لكون الفساد غير ثابت بدليل مقطوع به؛ فبقيت التحريمة، فصح
الشروع في الشفع الثاني، ثم فسد الشفع الثاني بترك القراءة في الركعتين أو في إحداهما.
ولو ترك القراءة في الأوليين وقرأ في الأخريين - يلزمه قضاء ركعتين؛ وهو الشفع الأول
بالإجماع؛ لأنه فسد بترك القراءة في الركعتين، فيلزمه قضاؤه. فأما الشفع الثاني: فعند أبي
يوسف: صلاة كاملة؛ لأن الشروع فيه قد صح لبقاء التحريمة، وقد وجدت القراءة في
الركعتين جميعاً فصح.
وعند أبي حنيفة(١)، ومحمد، وزفر: لما بطلت التحريمة لم يصح الشروع في الشفع
الثاني؛ فلم تكن صلاة؛ فلا يجب إلا قضاء الشفع الأول، والأخريان لا يكونان قضاء عن
الأوليين بالإجماع. أما عند أبي حنيفة، ومحمد، وزفر؛ فلأن الشفع الثاني ليس بصلاة؛
لانعدام التحريمة. وعند أبي يوسف - وإن كان صلاة - لكنه بناه على تلك التحريمة؛ وأنها
انعقدت للأداء، والتحريمة الواحدة لا يتسع فيها الأداء والقضاء.
ولو قرأ في إحدى الأوليين لا غير؛ عند محمد: يلزمه قضاء ركعتين.
وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: قضاء الأربع.
وذكر في بعض نسخ ((الجامع الصغير)) قول أبي حنيفة مع محمد؛ والصحيح ما ذكرنا من
الدلائل.
ولو قرأ في إحدى الأخريين لا غير.
عند أبي يوسف: يلزمه قضاء الأربع.
وعند أبي حنيفة، ومحمد، وزفر: يلزمه قضاء الشفع الأول لا غير. ولو قرأ في الأوليين
لا غير: يلزمه قضاء الشفع الأخير عند الكل؛ وكذا لو ترك القراءة في إحدى الأخريين، وهذا
كله إذا قعد بين الشفعين قدر التشهد، فأما إذا لم يقعد تفسد صلاته عند محمد بترك القعدة.
(١) في أ: أبي يوسف.

٢٨٨
كتاب الصلاة
ولا تتأتى هذه التفريعات عنده. ولو كان خلفه رجل اقتدى به، فحكمه حكم إمامه؛ يقضي ما
يقضي إمامه؛ لأن صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإمام صحةً وفساداً.
ولو تكلم المقتدي، ومضى الإمام في صلاته حتى صلى أربع ركعات، وقرأ في الأربع
كلها وقعد بين الشفعين - فإن تكلم قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد فعليه قضاء الأوليين فقط؛
لأنه لم يلتزم الشفع الأخير؛ لأن الالتزام بالشروع، ولم يشرع فيه، وإنما وجد منه الشروع في
الشفع الأول فقط، فيلزمه قضاؤه بالإفساد لا غير. وإن تكلم بعد ما قعد قدر التشهد قبل أن
يقوم إلى الثالثة - لا شيء عليه؛ لأنه أدى ما التزم بوصف الصحة، وأما إذا قام إلى الثالثة؛ ثم
تكلم المقتدي - لم يذكر هذه المسألة في الأصل.
وذكر عصام بن يوسف في ((مختصره)): أن عليه قضاء أربع ركعات.
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد صدر الدين أبو المعين - رحمه الله -: ينبغي أن يكون
هذا الجواب على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنهما يجعلان هذا كله صلاة واحدة؛ بدليل
أنهما لم يحكما بفسادها بترك القعدة الأولى. وأما عند محمد: فقد بقي كل شفع صلاة على
حدة، حتى حكم بافتراض القعدة الأولى؛ فكان هذا المقتدي مفسداً للشفع الأخير لا غير؛
فيلزمه قضاؤه لا غيره.
فصل
في بيان أفضل التطوع
وأما بيان أفضل التطوع؛ فأما في النهار: فأربع أربع، في قول أصحابنا. وقال الشافعي:
مثنى مثنى بالليل والنهار جميعاً، واحتجَّ بما رَوَى عمارة بن رُوَيْبَةٍ (١)، عن النبيِّ وَّرَ: «أَنَّهُ كَانَ
يَفْتَتِحُ صَلاَةَ الضُّحَى بِرَكْعَتَيْنٍ)) ومعلوم أنه وََّ كان يختار من الأعمال أفضلها، ولأن في التطوع
بالمثنى زيادة تكبير وتسليم؛ فكان أفضل؛ ولهذا قال في الأربع قبل الظهر: ((إِنَّهَا بِتَسْلِيمَتَيْنِ))،
ولنا: ما روى ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبيِّ نَّهَ: «أَنَّهُ كَانَ يُوَاظِبُ فِي صَلاَةِ الضُّحَى
عَلَىْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ)).
والأخذ برواية ابن مسعود أولى [من الأخذ برواية عمارة بن رويبة]؛ لأنه يروي
(١) عمارة بن روبة [رويبة] أبو زهرة .. الثقفي، فقال ابن حجر في الإصابة: سكن الكوفة وله حديثان. روى
له مسلم وغيره وآخر من روى عنه حصين بن عبد الرحمن. ينظر ترجمته في أسد الغابة (١١٤٢/٣)،
تجريد أسماء الصحابة (٣٩٥/١)، أسد الغابة (١٣٨/٤)، الإصابة (٢٧٦/٤)، الثقات (٢٩٤/٣)،
تهذيب التهذيب (٤٩٤/٦).

٢٨٩
كتاب الصلاة
المواظبة، وعمارة لا يرويها؛ ولا شك / أن الأخذ بالمفسر أولى، ولأن الأربع أدوم وأشق ١١٤٨
على البدن؛ وسئل رسُولُ اللهِ وَ عَنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ؟ فَقَالَ: ((أَخْمَزُهَا))، أي: أَشَقُّهَا عَلَى
البَدَنِ))(١). وأما في الليل: فأربع أربع في قول أبي حنيفة - رحمه الله -.
وعند أبي يوسف، ومحمد: مثنى مثنى؛ وهو قول أصحاب الشافعي، احتجًا بما روى
ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي ◌ََّ أنه قال: ((صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَبَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ
فَسلْمْ))(٢)، أمر بالتسليم على رأس الركعتين، وما أراد به الإيجاب؛ لأنه غير واجب؛ فتعين
الاستحباب مراداً به، ولأن عمل الأمة في التراويح قد ظهر مثنى مثنى، من لدن عمر - رضي
الله عنه - إلى يومنا هذا؛ فدل أن ذلك أفضل. ولأبي حنيفة: ما روينا عن عائشة - رضي الله
عنها -: أنها سئلت عن قيام رسول الله وَ ط # في ليالي رمضان؟ فقالت: كان قيامه في رمضان
وغيره سواء؛ لأنه كان يصلي بعد العشاء أربع ركعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن(٣)، ثم
أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم كان يوتر بثلاث.
وفي بعض الروايات: أنها سئلت عن ذلك فقالت: وأيكم يطيق ذلك؟! ثم ذكرت
الحديث. وكلمة ((كان)): عبارة عن العادة والمواظبة، وما كان رسول الله وَل يواظب إلا على
أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله - تعالى - وفيه دلالة على أنه ما كان يسلم على رأس الركعتين؛
إذ لو كان كذلك لم يكن لذكر الأربع فائدة، ولأن الوصل بين الشفعين بمنزلة التتابع في باب
الصوم.
ألا ترى [أنه لو نذر أن يصلي أربعاً بتسليمتين فصلاها بتسليمة واحدة، خرج عن عهدة
النذور](٤) أنه لو نذر أن يصلي أربعاً بتسليمة فصلاها (٥) بتسليمتين - لا يخرج عن العهدة؛ كذا
ذكر محمد - رحمه الله - في ((الزيادات)) كما في صفة التتابع في باب الصوم. ثم الصوم متتابعاً
أفضل؛ فكذا الصلاة. والمعنى فيه: ما ذكرنا أنه أشق على البدن؛ فكان أفضل.
ومعنى قوله ◌َّر: فسلم: أي: فتشهد؛ لأن التحيات تسمى تشهداً؛ لما فيها من الشهادة،
وهي قوله: أشهد أن لا إله إلا الله. وكذا تسمى تسليماً؛ لما فيها من التسليم بقوله: السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين.
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) سقط في ط .
(٥) في ط: فصلّى.
بدائع الصنائع ج٢ - م١٩

٢٩٠
كتاب الصلاة
وحمله على هذا أولى؛ لأنه أمر بالتسليم، ومطلق الأمر للوجوب، والتسليم ليس
بواجب. ألا ترى أنه لو صلى أربعاً جاز. أما التشهد فواجب؛ فكان الحمل عليه أولى.
فأما التراويح: فإنما (١) تؤدى مثنى مثنى؛ لأنها تؤدى بجماعة، فتؤدى على وجه السهولة
واليسر؛ لما فيهم من المريض وذي الحاجة، ولا كلام فيه. وإنما الكلام فيما إذا كان وحده.
فصل
فيما يكره من التطوع
وأما بيان ما يكره من التطوع: فالمكروه منه نوعان: نوع يرجع إلى القدر، ونوع يرجع
[إلى](٢) الوقت.
أما الذي يرجع إلى القدر: فأما في النهار؛ فتكره الزيادة على الأربع بتسليمة واحدة وفي
الليل لا تكره؛ وله أن يصلي ستاً وثمانياً. ذكره في ((الأصل)).
وذكر في ((الجامع الصغير)) في صلاة الليل: إن شئت فصل بتكبيرة ركعتين، وإن شئت
أربعاً، وإن شئت ستاً، ولم يزد عليه. والأصل في ذلك: أن النوافل شرعت تبعاً للفرائض،
والتبع لا يخالف الأصل، فلو زيدت على الأربع في النهار لخالفت الفرائض، وهذا هو القياس
في الليل، إلا أن الزيادة على الأربع إلى الثمان أو إلى الست عرفناه بالنص؛ وهو ما روي عن
النبي - وَ لـ: أنه كان يصلي بالليل خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشرة
ركعة، ثلاث عشرة ركعة، والثلاث من كل واحد من هذه الأعداد الوتر، وركعتان من ثلاثة
عشر سنة الفجر، فيبقى ركعتان وأربع وست وثمان؛ فيجوز إلى هذا القدر بتسليمة واحدة من
غير كراهة.
واختلف المشايخ في الزيادة على الثمان بتسليمة واحدة.
قال بعضهم: يكره؛ لأن الزيادة على هذا لم ترو عن رسول الله - وَ الو - وقال بعضهم: لا
يكره؛ وإليه ذهب الشيخ الإمام الزاهد السرخسي - رحمه الله - قال: لأن فيه وصل العبادة
بالعبادة فلا يكره، وهذا يشكل بالزيادة على الأربع في النهار؛ والصحيح: أنه يكره لما ذكرنا،
وعليه عامة المشايخ.
ولو زاد على الأربع في النهار، أو على الثمان في الليل - يلزمه؛ لوجود سبب اللزوم،
وهو الشروع.
(١) في أ: فإنها.
(٢) سقط في ط.

٢٩١
كتاب الصلاة
ثم اختلف في: أن الأفضل في التطوع؛ طول القيام في الأربع والمثنى على حسب ما
اختلف فيه، أم كثرة الصلاة؟
قال أصحابنا - رحمهم الله -: طول القيام أفضل. وقال الشافعي: كثرة الصلاة أفضل،
ولقب المسألة أن طول القنوت أفضل أم كثرة السجود؟ والصحيح: قولُنَا؛ لما رُوِيَ عن رسولِ
اللهِ وَرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((طُولُ القُنُوتِ(١))(٢) أي: القيام، وعن ابن عمر
- رضي الله عنهما - أنه قال في قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. إن القنوت طول
القيام وقرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوْ قَانِتْ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩].
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا لم/ يكن له ورد فطول القيام (٣) أفضل.
١٤٨ ب
وأما إذا كان له ورد من القرآن يقرأه فكثرة السجود أفضل؛ لأن القيام لا يختلف، ويضم
إليه زيادة الركوع والسجود. والله أعلم.
وأما الذي يرجع إلى الوقت: فيكره التطوع في الأوقات المكروهة، وهي اثنا عشر،
بعضها يكره التطوع فيها لمعنى في الوقت، وبعضها يكره التطوع فيها لمعنى في غير الوقت.
أما الذي يكره التطوع فيها لمعنى يرجع إلى الوقت فثلاثة أوقات:
أحدها: ما بعد طلوع الشمس إلى أن ترتفع وتبيض.
والثاني: عند استواء الشمس إلى أن تَزُولَ.
والثالث: عند تغير الشمس - وهو احمرارها واصفرارها - إلى أن تغرب. ففي هذه
الأوقات الثلاثة يكره كل تطوع في جميع الأزمان، يوم الجمعة وغيره، وفي جميع الأماكن،
بمكة وغيرها، وسواء كان تطوعاً مبتدأ لا سبب له، أو تطوعاً له سبب، كركعتي الطواف،
وركعتي تحية المسجد، ونحوهما.
وروي عن أبي يوسف: أنه لا بأس بالتطوع وقت الزوال يوم الجمعة، وقال الشافعي:
لا بأس بالتطوع في هذه الأوقات بمكة.
(١) في أ: أفضل الأعمال: فقال صلاة القنوت.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٥٣٠) كتاب صلاة المسافرين باب: أفضل الصلاة طول القنوت (٧٥٦/١٦٤) والترمذي
(٢٢٩/٢) أبواب الصلاة: باب ما جاء في طول القيام في الصلاة (٣٨٧) وابن ماجة (٤٥٦/١) كتاب
إقامة الصلاة: باب ما جاء في طول القيام في الصلوات (١٤٢١).
(٣) في أ: القنوت.

٢٩٢
كتاب الصلاة
احتجِّ أبو يوسف بما رُوِيَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ - تَ ـ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ إِلَّ يَوْمَ
الجُمُعَةِ))، واحتج الشافعي - رحمه الله تعالى - بما رُوِيَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ - عليه الصلاة والسلام -
نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ فِي هُذِهِ الأَوْقَّاتِ إِلاَّ بِمَكَّةَ»(١).
ولنا: ما روي عن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ أنه قال: ((ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِوَهُ
يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهَا، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانا: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا تَضَيَّفَتْ
لِلْمَغِيبِ، وَعِنْدَ الزَّوَالِ)) .
(١) أخرجه البيهقي (٢/ ٤٦١) كتاب الصلاة: باب ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة دون
بعض، من طريق الشافعي ثنا عبد الله بن مؤمل عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعد عن مجاهد عن
أبي ذر به وأخرجه أحمد (١٦٥/٥) من طريق يزيد عن عبد الله بن مؤمل عن قيس بن سعد عن مجاهد
عن أبي ذر به.
وأسقط يزيد هنا حميداً مولى عفراء وله طريق آخر عند ابن عدي فأخرجه (١٣٧/٤) من طريق سعيد بن
سالم عن عبد الله بن مؤمل عن حميد عن مجاهد عن أبي ذر به ولم يذكر قيساً في الإسناد ومدار هذه
الطرق على عبد الله بن مؤمل.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٨٩/١) وعبد الله ضعيف ا. هـ.
وقد أسند ابن عدي في ((كامله)) (١٣٦/٤-١٣٧) عن يحيى وأحمد والنسائي تضعيفهم لعبد الله.
فقال يحيى: ضعيف، وقال أحمد: أحاديث عبد الله بن مؤمل مناكير، وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه الضعف علیه بین.
وقال البيهقي: وعبد الله بن المؤمل ضعيف إلا أن إبراهيم بن طهمان قد تابعه في ذلك عن حميد وأقام
إسناده.
وأخرجه من طريق إبراهيم عن حميد عن قيس عن مجاهد عن أبي ذر به وقال: حميد الأعرج ليس
بالقوي ومجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر. قال العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص - ٢٧٤): قال أبو
حاتم: ومجاهد عن أبي ذر مرسل. ا.هـ.
وللحدیث طریق آخر:
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٨٩/٧) وعنه البيهقي (٤٦٢/٢) كتاب الصلاة: باب ذكر البيان أن هذا
النهي مخصوص ببعض الأمكنة دون بعض، كلاهما من طريق اليسع بن طلحة القرشي عن مجاهد عن
أبي ذر به.
قال البيهقي: اليسع بن طلحة قد ضعفوه والحديث منقطع مجاهد لم يدرك أبا ذرا. هـ.
واليسع بن طلحة:
قال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة ينظر اللسان (٢٩٩/٦)
وقال ابن خزيمة في صحيحه (٢٢٦/٤) رقم (٢٧٤٨) بعد إخراج الحديث من طريق سعيد بن سالم عن
عبد الله بن مؤمل عن حميد مولى عفرة عن مجاهد عن أبي ذر به: أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر
الحديث ذكره ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير» (٩٦/١): رواه الشافعي والدارقطني والبيهقي بإسناد
ضعيف ومنقطع.

٢٩٣
كتاب الصلاة
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صَلّ نهى عن الصلاة وقت الطلوع
والغروب، وقال: ((لأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان)).
وروى الصنابحي: أن النبي ◌َّ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وقال: ((إنها
تَطْلُعُ بين قرني شيطان، يزينها في عين من يعبدها حتى يسجد لها، فإذا ارتفعت فارقها،
فإذا كانت عند قائم الظهيرة قارنها، فإذا مالت فارقها، فإذا دنت للغروب(١) قارنها، فإذا
غربت فارقها؛ فلا تصلوا في هذه الأوقات))(٢).
فالنبي ◌َّ نهى عن الصلاة في هذه الأوقات من غير فصل، فهو على العموم والإطلاق،
ونبه على معنى النهي؛ وهو طلوع الشمس بين قرني الشيطان؛ وذلك لأن عبدة الشمس يعبدون
الشمس ويسجدون لها عند الطلوع تحية لها، وعند الزوال لاستتمام علوها، وعند الغروب وداعاً
لها، فيجيء الشيطان فيجعل الشمس بين قرنيه؛ ليقع سجودهم نحو الشمس له، فنهى النبي ◌َّل
عن الصلاة في هذه الأوقات؛ لئلا يقع التشبه بعبدة الشمس، وهذا المعنى يعم المصلين أجمع،
فقد عم النهي بصيغته ومعناه، فلا معنى للتخصيص، وما روي من النهي: إلا بمكة شاذ، لا يقبل
في معارضة المشهور، وكذا رواية استثناء يوم الجمعة غريبة؛ فلا يجوز تخصيص المشهور بها .
وأما الأوقات التي يكره فيها التطوع(٣) لمعنى في غير الوقت: فمنها ما بعد طلوع الفجر
(١) في أ: للمغيب.
(٢) أخرجه مالك (٢١٩/١): كتاب القرآن: باب النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، الحديث
(٤٤)، والشافعي في ((المسند)) (٥٥/١): كتاب الصلاة: الباب الأول في مواقيت الصلاة، الحديث
(١٦٣)، والنسائي (١/ ٢٧٥) كتاب المواقيت: باب الساعات التي نهى عن الصلاة فيها، والبيهقي (٢/
٤٥٤): كتاب الصلاة: باب النهي عن الصلاة في هاتين الساعتين، وحين تقوم الظهيرة حتى تميل، كلهم
من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي: أن رسول الله وَ ليوم قال:
((إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا
دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، ونهى رسول الله وَّر عن الصلاة في تلك الساعات)).
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٨٥/١-١٨٦): قال ابن عبد البر: (هكذا قال جمهور الرواة، عن مالك
وقالت طائفة منهم مطرف، وإسحاق بن عيسى الطباع، عن عطاء، عن أبي عبد الله الصنابحي، وهو
الصواب، وهو عبد الرحمن بن عسيلة تابعي ثقة، ليس له صحبة، وروى زهير بن محمد هذا الحديث،
عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن عبد الله الصنابحي قال: سمعت رسول الله وَّة؛ والصنابحي لم يلق
رسول الله ێ، وزهير لا يحتج بحديثه).
وقال البيهقي: هكذا (رواه مالك بن أنس، ورواه معمر بن راشد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي
عبد الله الصنابحي، قال أبو عيسى الترمذي: الصحيح رواية معمر، وهو ابن عبد الله الصنابحي، واسمه
عبد الرحمن بن عسيلة).
(٣) في أ: التطوع فيها.

٢٩٤
كتاب الصلاة
إلى صلاة الفجر، وما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وما بعد صلاة العصر إلى مغيب
الشمس. فلا خلاف في أن قضاء الفرائض والواجبات في هذه الأوقات جائز من غير كراهة،
ولا خلاف في أن أداء التطوع المبتدأ مكروه فيها. وأما التطوع الذي له سبب كركعتي الطواف،
وركعتي تحية المسجد - فمكروه عندنا. وعند الشافعي: لا يكره.
واحتجٍ بما روي عن النبي وَّر أنه قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليحيه بركعتين من
غير فصل))(٦).
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي ◌َّ صلى بعد العصر(٢).
وعن عمر - رضي الله عنه - أنه صلّى صلاة الصبح، فسمع صوت حدث ممن خلفه
فقال: عزمت على من أحدث أن يتوضأ ويعيد صلاته، فلم يقم أحد؛ فقال جرير بن عبد الله
البجلي: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو توضأنا جميعاً وأعدنا الصلاة؟! فاستحسن ذلك عمر
- رضي الله عنه - وقال له: كنت سيداً في الجاهلية فقيهاً في الإسلام. فقاموا وأعادوا الوضوء
والصلاة(٣)، ولا شك أن تلك الصلاة ممن لم يحدث كانت نافلة، والدليل عليه: أنه لا يكره
الفرائض في هذه الأوقات؛ كذا النوافل.
ولنا: ما روي عن ابن عباس أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر:
أن رسول الله وَلّ قال: ((لاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَةِ الصُبْح حتى تشرق الشمس، ولا صلاة بعد صلاة
العصر حتى تغرب الشمس))؛ فهو على العموم إلاّ ما خص بدليل؛ وكذا روي عن أبي سعيد
الخدري - رضي الله عنه -: أن النبي - وَلّ - قال ذلك.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه طاف بعد طلوع الفجر سبعة أشواط، ولم
يصل حتى خرج إلى ذي طوى، وصلى ثمة [بعد ما] (٤) طلعت الشمس؛ وقال: ركعتان مكان
١١٤٩ ركعتين، ولو كان أداء ركعتي الطواف بعد طلوع الشمس(٥) جائزاً من غير كراهة - لما أخر/؛
لأن أداء الصلاة بمكة أفضل، خصوصاً ركعتا الطواف.
وأما حديث عائشة: فقد كان النبي - وَّلر - مخصوصاً بذلك؛ دل عليه ما روي أنه قيل
لأبي سعيد الخدري: إن عائشة - رضي الله عنها - تروي: أن النبي - وَالله - صلى بعد العصر،
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) بدل ما بين المعكوفتين في أ: حين.
(٥) في أ: الفجر.

٢٩٥
كتاب الصلاة
فقال: إنه فعل ما أمر، ونحن نفعل ما أمرنا. أشار إلى أنه كان مخصوصاً بذلك، ولا شركة في
موضع الخصوص.
ألا ترى إلى ما روي عن أم سلمة: أن النبي - وَلـــ صلى ركعتين بعد العصر فسألته عن
ذلك، فقال: ((شغلني وفد عن ركعتي الظهر فقضيتهما)) فقالت: ونحن نفعل كذلك؟ فقال:
((لا))، أشار إلى الخصوصية؛ لأنه كتبت عليه السنن الراتبة، ومذهبنا مذهب عمر، وابن عمر،
وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، وأبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم - وما روي عن
عمر فغريب لا يقبل؛ على أن عمر إنما فعل ذلك لإخراج المحدث عن عهدة الفرض،
ولا بأس بمباشرة المكروه لمثله، والاعتبار بالفرائض غير سديد؛ لأن الكراهة في هذه الأوقات
ليست لمعنى في الوقت، بل لمعنى في غيره؛ وهو إخراج ما بقي من الوقت عن كونه تبعاً
لفرض الوقت؛ لشغله بعبادة مقصودة، ومعنى الاستتباع لا يمكن تحقيقه في حق الفرض،
فبطل الاعتبار.
وكذا أداء الواجب الذي وجب بصنع العبد من النذر، وقضاء التطوع الذي أفسده في هذه
الأوقات - مكروه في ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف: أنه لا يكره؛ لأنه واجب، فصار كسجدة التلاوة وصلاة الجنازة.
[وجه](١) ظاهر الرواية: أن المنذور عينه ليس بواجب، بل هو نفل في نفسه؛ وكذا عين
الصلاة لا تجب بالشروع، وإنما الواجب: صيانة المؤداة عن البطلان؛ فبقيت الصلاة نفلاً في
نفسها؛ فتكره في هذه الأوقات.
ومنها: ما بعد الغروب يكره فيه النفل وغيره؛ لأن فيه تأخير المغرب؛ وأنه مكروه،
ومنها: ما بعد شروع الإمام في الصلاة، وقبل شروعه بعد ما أخذ المؤذن في الإقامة - يكره
التطوع في ذلك الوقت، قضاء لحق الجماعة، كما تكره السنة، إلا في سنة الفجر على التفصيل
الذي ذكرنا في السنن.
ومنها: وقت الخطبة يوم الجمعة؛ يكره فيه الصلاة؛ لأنها سبب لترك استماع الخطبة.
وعند الشافعي: يصلي ركعتين خفيفتين تحية المسجد، والْمَسْأَلَةُ قد مرت في صلاة
الجمعة. ومنها: ما بعد خروج الإمام للخطبة يوم الجمعة، قبل أن يشتغل بها، وما بعد فراغه
منها؛ قبل أن يشرع في الصلاة - يكره التطوع فيه، والكلام، وجميع ما يكره في حالة الخطبة
عند أبي حنيفة. وعندهما: لا يكره الكلام، وتكره الصلاة، وقد مر الكلام فيها في صلاة
الجمعة .
(١) سقط في أ.

٢٩٦
كتاب الصلاة
ومنها: ما قبل صلاة العيد: يكره التطوع فيه؛ لأن النبي - ◌َر - لم يتطوع قبل
العيدين(١)، مع شدة حرصه على الصلاة، وعن علي - رضي الله عنه -: أنه خرج إلى صلاة
العيد فوجد الناس يصلون، فقال: إنه لم يكن قبل العيد صلاة. فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال:
لا، فإني أخشى أن أدخل تحت قوله: ﴿أرأيت الذي ينهي عبداً إذا صلى﴾ [العلق: ٩، ١٠].
وعن عبد الله بن مسعود، وحذيفة: أنهما كانا ينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد، ولأن
المبادرة إلى صلاة العيد مسنونة؛ وفي الاشتغال بالتطوع تأخيرها، ولو اشتغل(٢) بأداء التطوع في
بيته يقع في وقت طلوع الشمس، وكلاهما مكروهان. وقال محمد بن مقاتل الرازي من
أصحابنا: إنما يكره ذلك في المصلى؛ كيلا يشتبه على الناس أنهم يصلون العيد قبل صلاة العيد،
فأما في بيته فلا بأس بأن يتطوع بعد طلوع الشمس. وعامة أصحابنا: على أنه لا يتطوع قبل صلاة
العيد، لا في المصلى ولا في بيته، فأول الصلاة في هذا اليوم صلاة العيد. والله أعلم.
فضل
فيما يفارق التطوع الفرض
وأما بيان ما يفارق التطوع الفرض فيه فنقول: إنه يفارقه في أشياء:
منها: أنه يجوز التطوع قاعداً مع القدرة على القيام، ولا يجوز ذلك في الفرض؛ لأن
التطوع خير دائم، فلو ألزمناه القيام يتعذر عليه إدامة هذا الخير. فأما الفرض: فإنه يختص
ببعض الأوقات؛ فلا يكون في إلزامه مع القدرة عليه حرج. والأصل في جواز النفل قاعداً مع
القدرة على القيام: ما روي عن عائشة - رضي الله عنها -: ((أَنَّ رَسُولَ الله - وَل ◌ِ كَانَ يُصَلِّي
قَاعِداً، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ فَقَرَأَ آيَاتٍ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى القُعُودِ)) وكذا لو افتتح
الفرض قائماً، ثم أراد أن يقعد - ليس له ذلك بالإجماع.
ولو افتتح التطوع قائماً، ثم أراد أن يقعد من غير عذر - فله ذلك عند أبي حنيفة
استحساناً .
وعند أبي يوسف، ومحمد: لا يجوز؛ وهو القياس؛ لأن الشروع ملزم (٣) كالنذر. ولو
نذر أن يصلي ركعتين قائماً لا يجوز له القعود من غير عذر؛ فكذا إذا شرع قائماً. ولأبي
حنيفة: أنه متبرع، وهو مخير بين القيام والقعود في الابتداء؛ فكذا بعد الشروع؛ لكونه متبرعاً
أيضاً.
(١) في أ: العيد.
(٢) في أ: استعجل.
(٣) في أ: يلزم.

٢٩٧
كتاب الصلاة
وأما/ قولهما: إن الشروع ملزم، فنقول: إن الشروع ليس بملزم وضعاً؛ وإنما يلزم ١٤٩ب
لضرورة صيانة ما انعقد عبادة عن البطلان، وما انعقد يتعلق بقاؤه عبادة بوجود أصل ما بقي من
الصلاة، لا بوجود وصف ما بقي؛ فإن التطوع قاعداً جائز في الجملة، فلم يلزم تحصيل
وصف القيام فيما بقي؛ لأن لزوم ما بقي لأجل الضرورة؛ ولا ضرورة في حق وصف القيام؛
ولهذا لا يلزمه أكثر من ركعتين؛ الاستغناء المؤدى عن الزيادة؛ بخلاف النذر؛ فإنه موضوع
للإيجاب شرعاً، فإذا أوجب مع الوصف وجب كذلك، حتى لو أطلق النذر لا رواية فيه،
فقيل: إنه على هذا الخلاف الذي ذكرنا في الشروع. وقيل: لا يلزمه بصفة القيام؛ لأن التطوع
لم يتناول(١) القيام، فلا يلزمه إلا بالتنصيص عليه، كالتتابع في باب الصوم. وقيل: يلزمه
قائماً؛ لأن النذر وضع للإيجاب؛ فيعتبر ما أوجبه على نفسه بما أوجبه الله - تعالى - عليه
مطلقاً، وهناك يلزمه بصفة القيام إلا من عذر؛ كذا هذا(٢).
وأما الشروع: فليس بموضوع للوجوب؛ وإنما جعل موجباً بطريق الضرورة، والضرورة
في حق الأصل دون الوصف على ما مر.
ولو افتتح التطوع قاعداً، فأدى بعضها قاعداً وبعضها قائماً - أجزأه؛ لما رُوِيَ عن عائشة
- رضي الله عنها - ((أَنَّ النَّبِيَّ - وَ لَّ - كَانَ يَفْتَتِحُ النَّطَوُّعَ قَاعِداً، فَيَقْرَأُ وِرْدَهُ حَتَّى إِذَا بَقِيَ عَشْرُ
آيَاتٍ أَوْ نَحْوُهَا، قَامَ فَأَتَّمَّ قِرَاءَتَّهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ)(٣)، فقد
انتقل من القعود إلى القيام ومن القيام إلى القعود؛ فدل أن ذلك جائز في صلاة التطوع.
ومنها: أنه يجوز التنفل على الدابة مع القدرة على النزول، وأداء الفرض على الدابة مع
القدرة على النزول لا يجوز؛ لما ذكرنا فيما تقدم.
ومنها: أن القراءة في التطوع في الركعات كلها فرض، والمفروض من القراءة في ذوات
الأربع من المكتوبات في ركعتين منها فقط، حتى لو ترك القراءة في الشفع الأول من الفرض
لا يفسد الشفع الثاني، بل يقضيها في الشفع الثاني أو يؤديها؛ بخلاف التطوع؛ لما ذكرنا أن
كل شفع من التطوع صلاة على حدة. وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت
- رضي الله عنهم - موقوفاً عليهم ومرفوعاً إلى رَسُولِ اللهِ وَ أنه قال: ((لاَ يُصَلَّى بَعْدَ صَلاَةٍ
مِثْلُهَا».
قال محمد - رحمه الله - تأويله: لا يصلى بعد صلاة مثلها من التطوع على هيئة الفريضة
(١) في أ: يتم.
(٢) في أ: هاهنا.
(٣) تقدم.

٢٩٨
كتاب الصلاة
في القراءة، أي: ركعتان بقراءة وركعتان بغير قراءة، أي: لا يصلى بعد أربع الفريضة أربعاً من
التطوع؛ يقرأ في ركعتين ولا يقرأ في ركعتين، والنهي عن الفعل أمر بضده (١)؛ فكان هذا أمراً
(١) قبل أن نذكر مذاهب العلماء في هذه المسألة يجدر بنا أن نبين أن عبارات القوم قد اختلفت في التعبير عنها:
فمنهم من عبّر عنها بقوله: ((الأمر بالشيء نهي عن ضده))، أو ((يستلزم النهي عن ضده)).
ومنهم من عبّر بقوله: ((وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه)).
ولكي نستطيع الموازنة بين هاتين العبارتين نذكر الفرق بين الضد والنقيض، لورودهما فيهما.
وبيانه: أن كل واجب كالقعود مثلاً المطلوب بقولنا: ((اقعد)» له أمران منافیان له:
أحدهما: يسمى ((ضدا))، والآخر يسمى ((نقيضاً)) وكل منهما يغاير الآخر؛ لأن النقيض ينافي الواجب
بذاته، وهو عدم القعود، حيث إن النقيضين هما الأمران اللذان أحدهما وجودي، والآخر عدمي لا
يجتمعان، ولا يرتفعان، كالقعود، وعدمه في المثال الذي قدمناه، بخلاف الضد كالقيام، فإنه ينافيه
بالعرض؛ أي: باعتبار أنه يحقق المنافي بذاته، وهو النقيض؛ لأن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان
لا يجتمعان، وقد يرتفعان كالقعود والقيام، فإنهما لا يجتمعان في شخص واحد في وقت واحد، وقد
يرتفعان، ويأتي بدلهما الاضطجاع مثلاً، إلا أن كل واحد من أضداد القعود يحقق النقيض، وهو عدم
القعود؛ لأنه فرد من أفراده، فلم يكن التنافي بين الواجب وضده ذاتياً، بل لأن أحدهما يقتضي نقيض
الآخر الذي ينافيه بالذات، وهذا إذا كان النقيض له أفراد هي أضداد الواجب يحققه كل واحد منها.
أما إذا لم يكن له إلا فرد واحد هو ضد الواجب، ولا يتحقق النقيض إلا به - اعتبر ذلك الضد مساوياً
للنقيض كالحركة والسكون، فإن السكون يساوي عدم الحركة، لأن عدم الحركة لا يتحقق إلا بالسكون،
وأخذ مع ضده حكم النقيض، فلا يجتمعان، ولا يرتفعان، إذ لا تجتمع حركة وسكون في وقت واحد
في شيء واحد، ولا يرتفعان كذلك، بل لا بد أن يكون الشيء متصفاً بأحدهما؛ ضرورة أن الشيء الواحد
لا يخلو عن حرکة، أو سكون.
والمدقق في هاتين العبارتين يجد بينهما ثلاثة فروق:
١ - التعبير بقولهم: ((وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه)) - لا يفيد إلا حكم النقيض في الوجوب، أما
حكمه في الندب فلا، بخلاف التعبير بقولهم: ((الأمر بالشيء نهي عن ضده)»، فإنه يفيد حكم الضد
فيهما؛ لأن الأمر بالشيء بصيغته عند عدم القرينة التي تصرف عن الوجوب إلى الندب يدل على
الوجوب، ومع القرينة الصارفة يدل على الندب، فالتعبير بالأمر يتناول الوجوب والندب، والتعبير بالنهي
يتناول التحريم والكراهة؛ لأن النهي إن كان جازماً فهو التحريم، وإن كان غير جازم، فهو الكراهة.
ومن هذا المنطلق يكون الأمر بالشيء دالاً على تحريم الضد إن كان الأمر للوجوب، ودالاً على كراهته إن
كان الأمر للندب، فيكون التعبير بقولهم: ((الأمر بالشيء نهي عن ضده» مفيداً لحكم الضد في النوعين.
٢ - أن التعبير بقولهم: ((وجوب الشيء ... الخ)) فيه باب لحكم النقيض في الوجوب مطلقاً، أي: سواء
كان الوجوب مأخوذاً من صيغة الأمر، أو من غيرها، مثل فعل الرسول وَّر، والقياس، وغير ذلك،
بخلاف التعبير بقولهم: ((الأمر بالشيء ... الخ)) فإنه لا يفيد إلا حكم الضد في الوجوب المأخوذ من
صيغة الأمر دون حكم الضد في الوجوب المستفاد من غيرها.
٣ - أن التعبير بقولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده ... الخ)) يفيد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو
ضد المأمور به، ولیس نقيضه.
=

٢٩٩
كتاب الصلاة
بالقراءة في الركعات كلها في التطوع، ولا يحمل على المماثلة في أعداد الركعات؛ لأن ذلك
أما التعبير بقولهم: ((وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه)) فإنه يفيد أن نقيض الواجب موضع خلاف بينهم،
=
وأن من العلماء من يقول بأن: ((الأمر بالشيء ليس دالاً على النهي عن نقيضه)) وهو باطل؛ لأن الإجماع
منعقد على أن نقيض الواجب منهي عنه؛ لأن إيجاب الشيء هو طلبه مع المنع من تركه، والمنع من الترك
هو النهي عن الترك، والترك هو النقيض، فيكون النقيض منهياً عنه، فالدال على الإيجاب - وهو الأمر -
دال على النهي عن النقيض؛ لأنه جزؤه؛ ضرورة أن الدال على الكل يكون دالاً على الجزء بطريق
التضمُّن.
وإذا كان الأمر كذلك تعيّن أن يكون الخلاف في الضد فقط، ووجب أن يكون التعبير عن ذلك النزاع بما
يدل صراحة على محله، والذي يفيد ذلك هو العبارة الأولى لا الثانية.
ويرى أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني في أول أقواله أن الأمر بشيء معين إيجاباً أو ندباً
نهي عن ضده الوجودي تحريماً، أو كراهة، سواء كان الضد واحداً كالتحرك بالنسبة إلى السكون المأمور
به في قول القائل: ((اسكن)) أو أكثر كالقيام وغيره بالنسبة إلى القعود المطلوب للأمر بقوله: ((اقعد)).
ومعنى كونه نهياً أن الطلب واحد، ولكنه بالنسبة إلى السكون في مثالنا أمر، وبالنسبة إلى التحرك نهي كما
يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى شيء قريباً، وإلى آخر بعيداً.
ومثل الشيء المعين في ذلك الشيء الواحد المبهم من أشياء معينة بالنظر إلى مفهومه، وهو الأحد الذي
يدور بينها؛ فإن الأمر به نهي عن ضده الذي هو ما عداها بخلافه بالنظر إلى فرده المعين، فليس الأمر به
نهياً عن ضده منها.
وذهب القاضي الباقلاني في آخر ما قال، والإمام الرازي، وسيف الدين الآمدي، وأيضاً القاضي عبد
الجبار، وأبو الحسين من المعتزلة إلى أن الأمر بشيء معين مطلقاً يدل على النهي عن ضده استلزاماً،
فالأمر بالسكون يستلزم النهي عن التحرك، أي: طلب الكف عنه.
وذهب أبو المعالي الجويني، والغزالي إلى أن الأمر بشيء معين مطلقاً، لا يدل على النهي عن ضده لا
مطابقة، ولا التزاماً.
وذهب بعض العلماء إلى أن أمر الإيجاب يدل على النهي عن ضده التزاماً دون أمر الندب، فلا يدل على
النهي عن ضده لا مطابقة، ولا التزاماً.
والذي نختاره من هذه الآراء أن الأمر بالشيء إيجاباً، أو ندباً يستلزم النهي عن ضده تحريماً، أو كراهة.
ويظهر أثر ذلك الخلاف في الفروع الفقهية فيما لو قال شخص لزوجته: إن خالفت نهي فأنت طالق، ثم
أمرها بشيء كأن قال لها مثلاً: قومي، فقعدت، فمن ذهب إلى أن الأمر بالشيء يدل على النهي عن ضده
يقول: إنها قد خالفت نهيه؛ لأن أمرها بالقيام يدل على النهي عن القعود، فإذا قعدت تكون قد خالفت
نهيه، فيقع الطلاق المعلّق لحصول المعلق عليه، وهو مخالفتها نهيه.
ومن ذهب إلى أن الأمر بالشيء لا يدل على النهي عن ضده يقول: إن هذا الطلاق لا يقع؛ لأن المعلق عليه،
وهو مخالفة نهيه لم يحصل؛ لأن أمرها بالقيام لا يدل إلا على طلب القيام فقط، ولا دلالة له على النهي عن
القعود، فلم يكن قعودها مخالفاً لنهيه الذي علق الطلاق عليه، وإنما هو مخالف لأمره، ولم يعلق الطلاق على
مخالفته، فلا يقع الطلاق - وإن خالفت أمره؛ لأنه لم يعلق على مخالفته - لعدم مخالفتها نهيه التي علق الطلاق
عليها؛ لأنه لم یکن منه نھي حتى يكون قعودها مؤدياً لما علق الطلاق عليه .
=

٣٠٠
كتاب الصلاة
غير منهي بالإجماع، كالفجر بعد الركعتين، والظهر بعد الأربع في حق المقيم، والركعتين بعد
الظهر في حق المسافر.
وتأويل أبي يوسف: أي: لا تعاد الفرائض الفوائت؛ لأنه في بداية الإسلام كانت
الفرائض تقضى ثم تعاد من الغد لوقتها، فنهى النبيُّ عن ذلك؛ ومصداق هذا التأويل: ما رُوِيَ
عَنْ رَسُولِ الله - بِّوَ - أنه قال: ((مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلْهَا إِذَا ذَكَرَهَا))(١)، أو استيقظ
من الغد لوقتها، ثم نسخ هذا الحديث بقوله: ((لا يصلى بعد صلاة مثلها))، ويمكن حمل
الحديث على النهي عن قضاء الفرض بعد أدائه؛ مخافة دخول فساد فيه بحكم الوسوسة،
وتكون فائدة الحديث على هذا التأويل وجوب دفع الوسوسة، والنهي عن اتباعها، ويجوز أن
يحمل الحديث على النهي عن تكرار الجماعة في مسجد واحد، وعلى هذا التأويل؛ يكون
الحديث حجة لنا على الشافعي في تلك الْمَسْأَلَةِ، والله أعلم.
ومنها: أن القعدة على رأس الركعتين في ذوات الأربع في الفرائض - ليست بفرض بلا
خلاف، حتى لا يفسد بتركها، وفي التطوع اختلاف على ما مر، ولو قام إلى الثالثة قبل أن
يقعد ساهياً في الفرض - فإن استتم قائماً لم يعد، وإن لم يستتم قائماً عاد، وقعد وسجد
سجدتي السهو.
وأما في التطوع: فقد ذكر محمد - رحمه الله -: أنه إذا نوى أن يتطوع أربع ركعات،
وقام ولم يستتم قائماً - أنه يعود، ولم يذكر أنه إذا استتم قائماً هل يعود أم لا؟
قال بعض مشايخنا: لا يعود استحساناً؛ لأنه لما نوى الأربع التحق بالظهر. وبعضهم
قال: يعود؛ لأن كل شفع صلاة على حدة، والأول أوجه، ولو كان نوى أن يتطوع بركعتين
فقام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد - فيعود ههنا بلا خلاف بين مشايخنا؛ لأن كل شفع
بمنزلة صلاة الفجر.
ومنها: أن الجماعة في التطوع ليسَت بسنة إِلاَّ في قيام رمضان، وفي الفرض واجبة أو
ينظر: المحصول: ٣٣٤/٢/١، والبرهان: ٢٥٠/١-٢٥٢، واللمع (١١)، والتبصرة (١٨٩)، والمنخول
=
(١١٤)، والمستصفى: ٨١/١، والإحكام للآمدي: ١٥٩/٢، شرح الكوكب المنير: ٥١/٣، والمسودة
(ص ٤٩)، وأصول السرخسي: ٩٤/١، وشرح تنقيح الفصول (ص ٣٥)، والمعتمد: ١٠٦/١، وجمع
الجوامع: ٣٨٦/١، وتيسير التحرير: ٣٦٣/١، وفواتح الرحموت: ٩٧/١، والقواعد والفوائد الأصولية
(ص ١٨٣)، والتمهيد للإسنوي (٩٤_٩٥)، وشرح العضد: ٨٥/٣، وكشف الأسرار: ٣٢٨/٢،
والتلويح على التوضيح: ٢٣٨/٢-٢٣٩، وإرشاد الفحول (١٠١)، وروضة الناظر (ص ٢٥)، والمدخل
(ص ١٠٢).
(١) تقدم.