النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ كتاب الصلاة وعن علي - رضي الله عنه - أنه استسقى ولم يصل(١)، وما روي أنه - وَ له - صلى بجماعة حديث شاذ ورد في محل الشهرة؛ لأن الاستسقاء يكون بملأ من الناس. ومثل هذا الحديث يرجح كذبه على صدقه، أو وهمه على ضبطه؛ فلا يكون مقبولاً، مع أن هذا مما تعم به البلوى في ديارهم، وما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته - لا يقبل فيه الشاذ. والله أعلم. ثم عندهما: يقرأ في الصلاة ما شاء جهراً كما في صلاة العيدين، لكن الأفضل أن يقرأ بـ: ﴿سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةُ﴾؛ لأن النبي ◌ََّ كان يقرأهما في ١٤٣ب صلاة العيد، ولا يكبر فيها في المشهور من الرواية عنهما. وروي عن محمد؛ أنه يكبر، وليس في الاستسقاء أذان ولا إقامة، أما عند أبي حنيفة فلا يشكل؛ لأنه ليس فيه صلاة الجماعة(٢)، وإن شاءوا صَلُّوا فرادى، وذلك في معنى الدعاء، وعندهما: إن كان فيه صلاة بالجماعة، ولكنها ليست بمكتوبة، والأذان والإقامة من خواص المكتوبات كصلاة العيد، ثم بعد الفراغ من الصلاة يخطب عندهما، وعند أبي حنيفة: لا يخطب، ولكن لو صلوا وحداناً يشتغلون بالدعاء بعد الصلاة؛ لأن الخطبة من توابع الصلاة بجماعة، والجماعة غير مسنونة في هذه الصلاة عنده، وعندهما سنة فكذا الخطبة. ثم عند محمد: يخطب خطبتين يفصل بينهما بالجلسة - كما في صلاة العيد - وعن أبي يوسف؛ أنه يخطب خطبة واحدة؛ لأن المقصود منها الدعاء، فلا يقطعها بالجلسة، ولا يخرج المنبر في الاستسقاء ولا يصعده، لو كان في [موضع الدعاء](٣) منبر؛ لأنه خلاف السنة، وقد عاب الناس على مروان بن الحكم عند إخراجه المنبر في العيدين، ونسبوه إلى خلاف السنة على ما بينا، ولكن يخطب على الأرض معتمداً على قوس أو سيف، وإن توكأ على عصا فحسن؛ لأن خطبته تطول فيستعين بالاعتماد على عصا. وأخرجه الحاكم (٣٣٤/٣): كتاب معرفة الصحابة: باب استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما، من = طريق داود بن عطاء المدني، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر قال: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم عم نبيك نتوجه إليك به فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، قال: فخطب عمر الناس فقال: يا أيها الناس إن رسول الله وَل# كان يرى للعباس ما يرى الوالد لولده يعظمه ويفخمه، ويبر قسمه فاقتدوا أيها الناس برسول الله ◌َّر في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله عز وجل واتخذوه وسيلة إلى الله عز وجل فيما نزل بكم .. وسكت عليه الحاكم، وقال الذهبي: (هو في جزء البانياسي بعلو، وصح نحوه من حديث أنس، فأما داود فمتروك). (١) تقدم مرفوعاً. (٢) في أ: للجماعة. (٣) في أ: الموضع. ٢٦٢ كتاب الصلاة ويخطب مقبلاً بوجهه إلى الناس وهم مقبلون عليه؛ لأن الإسماع والاستماع إنما يتم عند المقابلة، ويستمعون الخطبة وينصتون؛ لأن الإمام يعظهم فيها، فلا بدّ من الإنصات والاستماع، وإذا فرغ من الخطبة جعل ظهره إلى الناس ووجهه إلى القبلة، ويشتغل بدعاء الاستسقاء، والناس قعود مستقبلون بوجوههم إلى القبلة في الخطبة والدعاء؛ لأن الدعاء مستقبل القبلة أقرب إلى الإجابة، فيدعو الله ويستغفر للمؤمنين، ويجددون التوبة ويستسقون، وهل يقلب الإمام رداءه: لا يقلب في قول أبي حنيفة، وعندهما: يقلب إذا مضَى صَدْرٌ مِنْ خطبته؛ فاحتجًا بما رُوِيَ: ((أَنَّ النبيَّ وَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ))(١). ولأبي حنيفة: ما روي أنه - عليه السلام - أَسْتَسْقَى يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلَمْ يَقْلِبِ الرِّدَاءَ(٢) ولأن هذا دعاء، فلا معنى لتغيير الثوب فيه كما في سائر الأدعية، وما روي أنه قلب الرداء محتملٌ، يحتمل أنه تغير عليه فأصلحه، فظن الراوي إنه قلب، أو يحتمل إنه عرف من طريق الوحي أن الحال ينقلب من الجدب إلى الخصب، متى قلب الرداء بطريق التفاؤل - ففعل، وهذا لا يوجد في حق غيره، وكيفية تقليب الرداء عندهما أنه كان مربعاً، جعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، وإن كان مدوراً جعل الجانب الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، وأما القوم فلا يقلبون أرديتهم عند عامة العلماء. وعند مالك: يقلبون أيضاً. (١) أخرجه البخاري (٥١٤/٢): كتاب الاستسقاء: باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء الحديث (١٠٢٤)، مسلم (٢/ ٦١١): كتاب صلاة الاستسقاء، الحديث (٨٩٤/٢)، (٨٩٤/٤)، وأبو داود (٦٨٦/١ -٦٨٧): كتاب الصلاة: باب صلاة الاستسقاء، الحديث (١١٦١)، والترمذي (٣٤/٢): كتاب الصلاة: باب صلاة الاستسقاء، الحديث (٥٥٣)، والنسائي (١٦٤/٣): كتاب الاستسقاء: باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء، وابن ماجه (٤٠٣/١): كتاب إقامة الصلاة: باب في صلاة الاستسقاء، الحديث (١٢٦٧)، وأحمد (٤/ ٣٩)، والدارمي (٣٦١/١): كتاب الصلاة: باب صلاة الاستسقاء، وابن الجارود (٩٨/١): كتاب الصلاة: باب صلاة الاستسقاء، الحديث (٢٥٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣٢٦/١): كتاب الصلاة: باب الاستسقاء كيف هو، والدارقطني (٦٧/٢): كتاب الاستسقاء، الحديث (٥)، والبيهقي (٣/ ٣٤٧): كتاب صلاة الاستسقاء: باب صلاة الاستسقاء ركعتين. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) أخرجه البخاري (٥٠٨/٢): كتاب الاستسقاء: باب الاستسقاء على المنبر، الحديث (١٠١٥)، ومسلم (٦١٢/٢): كتاب الاستسقاء: باب الدعاء في الاستسقاء، الحديث (٨٩٧/٨)، ومالك (١٩١/١): كتاب الاستسقاء: باب ما جاء في الاستسقاء، الحديث (٣) والنسائي (١٦٦/٣-١٦٧) كتاب الاستسقاء باب رفع الإمام يديه عند مسألة إمساك المطر حديث (١٥٢٨) وأحمد (٢٥٦/٣) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٢٥٦) والبيهقي (٣٥٤/٣) كتاب صلاة الاستسقاء: باب الاستسقاء بغير صلاة والبغوي في ((شرح السنة)) (٢/ ٦٥٦-٦٥٧) كلهم من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس به. ٢٦٣ كتاب الصلاة واحتجَّ بما رُوِيَ عن عبد الله بن زيد؛ أن النبيَّ وَ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَحَوَّلَ النَّاسُ أَزْدِيَتَهُمْ)»(١)، وهما يقولان: إن تحويل الرداء في حق الإمام أمر ثبت بخلاف القياس بالنص على ما ذكرنا، فنقتصر على مورد النص، وما روي من الحديث شاذ، على أنه يحتمل أنه - وَلّ - عرف ذلك، فلم ينكر عليهم فيكون تقريراً. ويحتمل أنه لم يعرف؛ لأنه كان مستقبل القبلة مستدبراً لهم، فلا يكون حجة مع الاحتمال، ثم إن شاء رفع يديه نحو السماء عند الدعاء، وإن شاء أشار بأصبعه، كذا روي عن أبي يوسف؛ لأن رفع اليدين عند الدعاء سنة؛ لما روي: ((أَن النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَدْعُو بِعَرَفَاتٍ بَاسِطاً يَدَيْهِ؛ كَالمُسْتَطْعِمِ المِسْكِينِ)). ثم المستحبُّ أن يخرج الإمام بالنَّاس(٢) إلى الاستسقاء ثلاثة أيام متتابعة؛ لأن المقصود من الدعاء الإجابة، والثلاثة مدة ضربت(٣) لإيلاء الأعذار. وإن أمر الإمام الناس - ◌ََّ - بالخروجِ، ولم يخرج بنفسه - خرجوا؛ لِما رُوِيَ: ((أَنَّ قَوْماً شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ القَحْطَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِنَفْسِهِ))(٤)، وإذا خرجوا اشتغلوا بالدعاء، ولم يصلوا بجماعة، إلا إذا أمر الإمام إنساناً أن يصلي بهم جماعة؛ لأن هذا دعاء، فلا يشترط له حضور الإمام، وإن خرجوا بغير إذنه جاز؛ لأنه دعاء، فلا يشترط له إذن الإمام؛ ولا يمكن أهل الذمة من الخروج إلى الاستسقاء عند عامة العلماء. وقال مالك: إن خرجوا لم يمنعوا، والصحيح قول العامة؛ لأن المسلمين بخروجهم إلى الاستسقاء ينتظرون نزول الرحمة عليهم، والكفار منازل اللعنة والسخطة، فلا يمكنون من الخروج والله أعلم. فصل في الصلاة المسنونة وأما الصلاة المسنونة فهي السنن المعهودة للصلوات المكتوبة؛ والكلام فيها يقع في مواضع : (١) أخرجه البخاري (٥١٥/٢): كتاب الاستسقاء: باب استقبال القبلة في الاستسقاء، الحديث (١٠٢٨) و(١٠٢٥)، ومسلم (٦١١/٢): كتاب الاستسقاء، الحديث (٨٩٤/١). (٢) في ط: والناس. (٣) في أ: وضعت. (٤) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤٥٧/٦) وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢١٧/٢) وعزاه لـ((البزار والطبراني)) وضعفه. ٢٦٤ كتاب الصلاة في بيان مواقيت هذه السنن، ومقاديرها، جملة وتفصيلاً، وفي بيان صفة القراءة فيها. وفي بيان ما يكره فيها. وفي بيان أنها إذا فاتت عن وقتها هل تقضي أم لا؟ أما الأول فوقت جملتها وقت المكتوبات؛ لأنها توابع للمكتوبات، فكانت تابعة لها في الوقت، ومقدار جملتها اثنا عشر ركعة: ركعتان وأربع، وركعتان وركعتان وركعتان في ظاهر ١١٤٤ الرواية. وأما مقدار/ كل واحدة منها، ووقتها على التفصيل: فركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر لا يسلم إلا في آخرهن، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ كذا ذكر محمد رحمه الله في الأصل. وذكر في العصر والعشاء إن تطوع بأربع قبله فحسن. وذكر الكرخي هكذا. إلا أنه قال في العصر: وأربع قبل العصر وفي العشاء، وأربع بعد العشاء . وروى الحسن عن أبي حَنِيفَةَ: وركعتان قبل العصر، والعمل فيما روينا على المذكور في الأصل، والأصل في السنن ما رُوِيَ عن عائشة - رضي الله عنها - عَنْ رَسُولِ اللهِوَ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ - بَنَّى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ))(١): ركعتين قبل الفجر، وأربع قبل الظهر. وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. وقد واظب رسول الله وََّ عليها ولم يترك شيئاً منها إِلاَّ مرةً أو مرَّتَيْن لِعُذْرٍ، وهذا تفسيرُ السنَّة. وأقوى السُّنَنِ ركعتا الفَجْرِ، لورود الشَّرْعِ بالترغيب فيهما ما لم يَرِدْ في غَيْرِهِمَا؛ فإنه رُوِيَ عَن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النَّبِيَّ نََّ قال: ((رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فيها))(٢) . وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارِ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] أنه ركعتا الفجر. وروي عن النبي وَّهِ أنه قال: ((صَلُّوهُمَا؛ فَإِنَّ فِيهِمَا لَرَغَائِبُ)). وروي عنه أنه قال: ((صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ)). وروى جماعة من الصحابة عن النبي ◌ِّ؛ أنه كان يصلي بعد الزوال في كُلِّ يوم أربع ركعات. (١) أخرجه الترمذي ٢٧٣/٢، أبواب الصلاة: باب ما جاء فيمن صلّى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة (٤١٤)، والنسائي ٢٦٠/٣، وابن ماجة (٣٦١/١)، كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في اثنتي عشرة ركعة (١١٤٠). (٢) أخرجه مسلم (٥٠١/١): كتاب المسافرين: باب استحباب ركعتي، الحديث (٧٢٥/٩٦)، والترمذي (٢٦٠/١): كتاب الصلاة: باب ركعتي الفجر، الحديث (٤١٤)، والنسائي (٢٥٢/٣): كتاب قيام الليل: باب المحافظة على الركعتين قبل الفجر، والبيهقي (٢/ ٤٧٠): كتاب الصلاة: باب تأكيد ركعتي الفجر، (٥٠/٦-٥١). ٢٦٥ كتاب الصلاة منهم أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه. وروي عنه أيضاً قولاً على ما نذكر. وعن عبيدة السلماني؛ أنه قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله - وَله - على شيء كاجتماعهم على محافظة الأربع قبل الظهر؛ وتحريم نكاح الأخت في عدة الأخت، ثم هذه الأربع بتسليمة واحدة عندنا؛ وعند الشافعي: بتسليمتين، واحتجٍ بحديث ابن عمر - رضي الله عنه؛ أنه ذكر اثنتي عشرة ركعة كما ذكرت عائشة، إلا أنه زاد : ((وَأَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ بِتَسْلِمِتَيْنِ)). ولنا: حديثُ أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ - رضي الله عنه - أنه قال: ((كَانَ النَّبِيُّ وَهَ يُصَلِّي بَعْدَ الزَّوَالِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقُلْتُ: مَا هِذِهِ الصَّلاَةُ الَّتِي تُدَاوِمُ عَلَيْهَا، يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: هَذِهِ سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلْ صَالِحٌ، فَقُلْتُ: أَفي كُلُّهِنَّ قِرَاءَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: بِتَسْلِيمَةٍ أَمْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ: بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ)(١)، وهذا نص في الباب، والتسليم في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - عبارة عن التشهد؛ لما فيه من السلام؛ كما فيه من الشهادة على ما مَرَّ . وإنما ذكر في الأصل أن التطوع بالأربع قبل العصر حسن؛ لأن كون الأربع من السنن الراتبة - غير ثابت؛ لأنها لم تذكر في حديث عائشة - رضي الله عنها -، ولم يرو أنه - وَلّ - كان يواظب على ذلك؛ ولذا اختلفت الروايات في فصله إياها، روي في بعضها أنه صلى أربعاً. وفي بعضها ركعتين. فإن صلى أربعاً كان حسناً؛ لحديث أم حَبِيبَة - رضي الله عنها - عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ العَصْرِ، كَانَتْ لَّهُ جُنَّةً مِنَ النَّارِ))(٢)، وذكر في الأصل: وإن تطوع بعد المغرب بست ركعات [فهو أفضل؛ لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي وَّ قال: ((مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ))](٣) كتب من الأوابين. وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ [الإسراء: ٢٥]، وإنما قال في الأصل: إن التطوع بالأربع قبل العشاء حسن؛ لأن التطوع بها لم يثبت أنه من السنن الراتبة، ولو فعل ذلك فحسن؛ لأن العشاء نظير الظهر في أنه يجوز التطوعُ قبلها وبعدها. (١) أخرجه أبو داود (١٢٧٠)، والترمذي في الشمائل (٢٩٤)، وأحمد (٤١٦/٥)، وابن ماجة (١١٥٧)، والحميدي (٣٨٥)، وابن خزيمة (١٢١٤). (٢) عن ابن عمر، عن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((رحم الله امرأً صلّى قبل العصر أربعاً)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب . أخرجه الترمذي ٢٩٥/٢، أبواب الصلاة: باب ما جاء في الأربع قبل العصر (٤٣٠)، وأبو داود (٢/ ٢٣)، كتاب الصلاة: باب لا صلاة قبل العصر (١٢٧١)، وأحمد في المسند (١١٧/٢). (٣) سقط في ط. ٢٦٦ كتاب الصلاة ووجه رواية الكرخي في الأربع بعد العشاء ما روي عن ابن عُمَرَ - رضي الله عنهما - موقوفاً عليه، ومرفوعاً إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّ أنه قال: ((مَنْ صَلَّى بَعْدَ العِشَاءِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كُنَّ لَهُ(١) كَمِثْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ القَدرِ))(٢) . وروي عن عائشة: ((أنها سُئِلَتْ عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِوَّه في ليالِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: كَانَ قِيَامُهُ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ»، سواءٌ، كان يصلي بعد العشاء أربعاً، لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم كان يوتر بثلاث. وأما السنة قبل الجمعة وبعدها: فقد ذكر في الأصل: وأربع قبل الجمعة، وأربع بعدها؛ وكذا ذكر الكرخي. وذكر الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: يصلي بعدها سِتّاً، وقيل: هو مذهب علي - رضي الله عنه - وما ذكرنا أنه كان يصلي أربعاً مذهب ابن مسعود. وذكر محمد - رحمه الله - في كتاب الصوم أن المعتكف يمكث في المسجد الجامع مقدار ما يصلي أربع ركعات أو ست ركعات، أما الأربع قبل الجمعة؛ فلما رُوِيّ عن ابن عمر ١٤٤ ب - رضي الله عنهما -: ((أَنَّ / النَّبِيَّ ◌َلَّ كَانَ يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الجُمُعَةِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ))(٣)؛ ولأن الجمعة نظير الظهر، ثم التطوع قبل الظهر أربع ركعات، كذا قبلها، وأما بعد الجمعة: فوجه قول أبي يوسف أن فيما قلنا جمعاً بين قول النبي - وَّهـ وبين فعله؛ فإنه رُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْأَرْبَعِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ؛ فجمعنا بين قوله وفعله. قال أبو يوسف: ينبغي أن يصلّي أربعاً، ثم ركعتين، كذا روي عن علي - رضي الله عنه -؛ كيلا يصير متطوعاً بعد [صلاة] (٤) الفرض بمثلها، وجه ظاهر الرواية: ما رُوِيَ عن النبيِّ وََّ أنه قال: ((مَنْ كَانَ مُصَلِياً بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَلْيُصَلْ أَرْبَعَا))(٥)، وما روي من فعله ◌َّل فليس فيه ما يدلُّ على المواظبة، ونحن لا نمنع من يصلي بعدها كم شاء، غير أنا نقول: السنة بعدها أربع ركعات لا غير لما روينا. (١) في أ: كان. (٢) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٤٣/٢) وعزاه لـ((الطبراني)) في الأوسط، وقال: وفي إسناده ضعيف غير متهم بالكذب. (٣) أخرجه مسلم (٦٠٠/١)، كتاب الجمعة: باب الصلاة بعد الجمعة (٦٧ /٨٨١)، والترمذي (٢/ ٤٠٠،٣٩٩)، أبواب الصلاة: باب ما جاء في الصلاة قبل الجمعة (٥٢٣)، وابن ماجه (٣٥٨/١)، كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في الصلاة بعد الجمعة (١١٣٢)، والنسائي (١١٣/٣)، في الجمعة: باب عدد الصلاة بعد الجمعة في المسجد. (٤) سقط في أ. (٥) تقدم. ٢٦٧ كتاب الصلاة فصل في صفة القراءة في التطوع وأما صفة القراءة فيها: فالقراءة في السنن في الركعات كلها فرض؛ لأن السنة تطوع، وكلُّ شفع من التطوع صلاة على حدة؛ لما نذكر في صلاة التطوع، فكان كل شفع منها بمنزلة الشِفع الأول من الفرائض، وقد روينا في حديث أبي أيوب، أنه سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّه عَنٍ الأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ، أَفِي كُلْهِنَّ قِرَاءَةٌ؟ قَالَ: (نَعَم))(١)، والله أعلم. فضلً فيما يكره منها وأما بيان ما يكره منها، فيكره للإمام أن يصلي شيئاً من السنن في المكان الذي صلى فيه المكتوبة؛ لما ذكرنا فيما تقدم، وقد روينا عن النبيِّ وَّ أَنَّهُ قَالَ: ((أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ))(٢). ولا يكره ذلك للمأموم؛ لأن الكراهة في حق الإمام للاشتباه، وهذا لا يوجد في حق المأموم، لكن يستحب له أن يتنحى أيضاً؛ حتى تنكسر الصفوف، ويزول الاشتباه على الداخل من كل وجه على ما مر، ويكره أن يصلي شيئاً منها والناس في الصلاة، أو أخذ المؤذن في الإقامة إلا ركعتي الفجر، فإنه يصليهما خارج المسجد، وإن فاتته ركعة من الفجر، فإن خاف أن تفوته الفجر تركهما. وجملة الكلام فيه: أن الداخل إذا دخل المسجد للصلاة: لا يخلو؛ إما إن كان يصلي المكتوبة، وإما إن كان لم يصل. وأما إن كان لم يصلها فلا يخلو؛ إما إن دخل المسجد، وقد أخذ المؤذن في الإقامة، أو دخل المسجد وشرع في الصلاة، ثم أخذ المؤذن في الإقامة. فإن دخل وقد كان المؤذن أخذ في الإقامة يكره له التطوع في المسجد، سواء كان ركعتي الفجر أو غيرهما من التطوعات؛ لأنه يتهم بأنه لا يرى صلاة الجماعة، وقد قال النبيُّ وََّ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ»(٣) . وأما خارج المسجد: فكذلك في سائر التطوعات. (١) تقدم. (٢) أخرجه ابن ماجه (٤٥٨/١) كتاب الصلاة: باب ما جاء في صلاة النافلة، حديث (١٤٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٢٥). (٣) تقدم. ٢٦٨ كتاب الصلاة وأما في ركعتي الفجر: فالأمر فيه على التفصيل الذي ذكرنا؛ لأن إدراك فضيلة الافتتاح أولى من الاشتغال بالنفل؛ قال النبيُّ وَلَّ: ((تَكْبِيرَةُ الأَفْتِتَاحُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)» وليست هذه المرتبة لسائر النوافل، وفي الاشتغال باستدراكها فوات(١) النوافل، وفي الاشتغال باستدراك النوافل فوتها، وهي أعظم ثواباً - فكان إحراز فضيلتها أولى؛ بخلاف ركعتي الفجر؛ فإن الترغيب فيهما(٢) قد وجد حسبما وجد في تكبيرة الافتتاح؛ قال رَّهُ: ((رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))(٣) فقد استويا في الدرجة. واختلف تخريج مشايخنا في ذلك. منهم من قال: موضوع المَسْأَلَةِ: أن الرجل إذا انتهى إلى الإمام، وقد سبقه بالتكبير، وشرع في قراءة السورة - فيأتي بركعتي الفجر؛ لينال هذه الفضيلة عند فوت تلك الفضيلة؛ لأن إدراك تكبيرة الافتتاح غير موهوم، فإذا عجز عن إحراز إحدى الفضيلتين يحرز الأخرى، فإذا كان الإمام لم يأتِ بتكبيرة الافتتاح بعد يشتغل بإحرازها؛ لأنها عند التعارض تأيدت بالانضمام إلى فضيلة الجماعة، فكان إحرازها أولى؛ غير أن موضوع المسألة على خلاف هذا؛ فإن محمداً - رحمه الله - وضع المسألة فيما إذا أخذ المؤذن في الإقامة، ومع ذلك قال: إنه يشتغل بالتطوع إذا كان يرجو إدراك ركعة واحدة، وإن استويا في الدرجة على ما مر. والوجه فيه: أنه لو اشتغل بإحراز فضيلة تكبيرة الافتتاح لفاتته فضيلة ركعتي الفجر أصلاً، ولو اشتغل بركعتي الفجر لما فاتته فضيلة تكبيرة الافتتاح من جميع الوجوه؛ لأنها باقية من كل وجه ما دامت الصلاة باقية؛ لأن تكبيرة الافتتاح هي التحريمة، وهي تبقى ما دامت الأركان باقية، فكانت تكبيرة الافتتاح باقية ببقاء التحريمة من وجه؛ فصار مدركاً من وجه، وصار مدركاً أيضاً فضيلة الجماعة. قال النبي ◌َّ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الفَجْرِ؛ فَقَدْ أَدْرَكَهَا))(٤) ولأنه أدرك أكثر الصلاة؛ لأن الفائت ركعة لا غير؛ والمستدرك ركعة وقعدة وللأكثر حكم الكل؛ فكان الاشتغال بركعتي ١١٤٥ الفجر أولى؛ بخلاف ما إذا كان يخاف فوت الركعتين جميعاً/ ؛ لأنهما إذا فاتتا لم يبق شيء من الأركان الأصلية، ولو بقي شيء قليل لا عبرة له بمقابلة ما فات؛ لأنه أقل، والفائت أكثر، وللأكثر حكم الكل، فعجز عن إحرازهما فيختار تكبيرة الافتتاح؛ لما انضم إلى إحرازها فضيلة (١) في أ: فوت. (٢) في أ: فيها. (٣) تقدم. (٤) تقدم. ٢٦٩ كتاب الصلاة الجماعة في الفرض؛ والنبيُّ ◌َ﴿ يَقُولُ: ((تَفْضُلُ الصَّلاَةُ بِجَمَاعَةٍ عَلَى صَلاَةِ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةٌ))(١). (١) ورد هذا الحديث عن ابن عمر، وأبي هريرة، وحديث ابن عمر فيه: بسبع وعشرين درجة. أما حديث أبي هريرة ففيه: بخمس وعشرين، وله شواهد، عن جماعة من الصحابة. حديث ابن عمر: أخرجه مالك (١٢٩/١): كتاب صلاة الجماعة: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث (١)، ومن طريقه أحمد (٦٥/٢)، والبخاري (١٣١/١) كتاب الأذان: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث (٦٤٥)، ومسلم (٤٥٠/١): كتاب المساجد: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث (٢٤٩/ ٦٥٠)، وأبو عوانة (٣/٢): كتاب الصلاة: باب فضل صلاة الجماعة، والبيهقي (٥٩/٣) كتاب الصلاة باب ما جاء في فضل صلاة الجماعة، وأحمد (١٠٢/٢) والدارمي (٢٩٣/١): كتاب الصلاة: باب في فضل صلاة الجماعة، ومسلم (٤٥١/١): كتاب المساجد: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث (٢٥٠)، والترمذي (١٣٨/١) كتاب الصلاة: باب ما جاء .. الحديث (٢١٥)، وابن ماجة (٢٥٩/١) كتاب المساجد: باب فضل الصلاة في جماعة، الحديث (٧٨٩)، وأبو عوانة (٢/ ٣) من رواية عبيد الله بن عمر. وأخرجه البيهقي (٥٩/٣)، من طريق أيوب السختياني عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وَلّ قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وخالفهم عبد الله بن عمر العمري فقال عن نافع: بخمس وعشرين درجة، أخرجه عبد الرزاق (٥٢٤/١): كتاب الصلاة: باب فضل الصلاة في جماعة، الحديث (٢٠٠٥) عنه وعبد الله بن عمر العمري ضعيف. وينظر التقريب (٤٣٤/١). حديث أبي هريرة: أخرجه مالك (١٢٩/١): كتاب صلاة الجماعة: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث (٢)، وأحمد (٢/ ٤٧٣)، والبخاري (٢/ ١٣٧) كتاب الأذان: باب فضل صلاة الفجر، الحديث (٦٤٨)، ومسلم (١/ ٤٤٩): كتاب المساجد: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث (٦٤٩/٢٤٥)، والترمذي (١٣٩/١): كتاب الصلاة: باب فضل الجماعة، الحديث (٢١٦)، والنسائي (٢/ ١٠٣) كتاب الإمامة: باب فضل الجماعة، وابن ماجة (٢٥٨/١): كتاب المساجد: باب فضل الجماعة، الحديث (٧٨٧)، وابن الجارود (١١٢/١): كتاب الصلاة: باب الجماعة والإمامة، الحديث (٣٠٣)، وأبو عوانة (٢/٢): كتاب الصلاة: باب فضل صلاة الجماعة، والبيهقي (٦٠/٣): كتاب الصلاة: باب ما جاء في فضل صلاة الجماعة، من رواية سعيد بن المسيب عنه. وأخرجه أحمد (٥٠١/٢)، والبخاري (١٣٧/٢)، رقم (٦٤٨) ومسلم (٤٥٠/١): كتاب المساجد: باب فضل صلاة الجماعة (٤٢)، الحديث (٢٤٦)، والطبراني في الصغير (٢٦/١) من رواية أبي سلمة عنه. وأخرجه أحمد (٤٨٥/٢) من رواية عباد بن أنيس عنه. وأخرجه مسلم (٤٥٠/١): كتاب المساجد، الحديث (٢٤٨)، وأبو عوانة (٣/٢) من رواية نافع بن جبير عنه. وأخرجه أحمد (٤٨٥/٢)، ومسلم (١/ ٤٥٠) كتاب المساجد: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث (٢٤٧)، وأبو عوانة (٢/٢)، والبيهقي (٣/ ٦٠) رواية سلمان الأغر: كتاب الصلاة: باب ما جاء في فضل صلاة الجماعة . = ٢٧٠ كتاب الصلاة وفي رواية: ((بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً))؛ فكان هذا أولى، والله أعلم. وأخرجه أحمد (٥٢٠/٢)، والبخاري (١٣١/٢): كتاب الأذان: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث = (٦٤٧)، وأبو داود (٣٧٨/١): كتاب الصلاة: باب فضل المشي إلى الصلاة، الحديث (٥٥٩)، من رواية أبي صالح عنه. وأخرجه أحمد (٤٥٤/٢) من رواية أبي الأحوص عنه. وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٥٦/٩)، والبيهقي (٦٠/٣)، من رواية الأعرج، كلهم عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لّ قال: ((صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين من صلاة الفذ)) وفي لفظ: تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين درجة. وأخرجه الدارمي (٢٩٣/١) من طريق سعيد بن المسيب. وأخرجه أبو داود الطيالسي (١٢٩/١): كتاب الصلاة: باب صلاة الجماعة، الحديث (٦٠٥)، وأحمد (٢٥٢/٢)، وابن ماجة (٢٥٨/١): كتاب المساجد: باب فضل الصلاة في جماعة، الحديث (٧٨٦)، وأبو عوانة (٤٩/٢) كتاب الصلاة: باب فضل صلاة الجماعة. من طريق الأعمش، عن أبي صالح كلاهما عن أبي هريرة بلفظ: تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بضعاً وعشرين وعشرين درجة، وخالفهم شريك فرواه عن الأشعث بن سليم عن أبي الأحوص عن أبي هريرة بلفظ: تفضل صلاة الجماعة على الوحدة سبعاً وعشرين درجة. وأخرجه أحمد (٣٢٨/٢) عن النضر عن شريك. وأخرجه أحمد (٤٥٤/٢)، عن حجاج عنه فذكره بالشك تفضل صلاة الجماعة على صلاة الوحدة سبعاً وعشرين درجة أو خمساً وعشرين درجة. وأخرجه أيضاً (٥٢٥/٢) مرة أخرى عن يحيى بن آدم عنه فذكره على موافقة الجمهور فقال: تفضل الصلاة في جماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة. وفي الباب عن جماعة من الصحابة موافقة لرواية أبي هريرة بلفظ: خمس وعشرين درجة. منهم: أبو سعيد الخدري، وابن مسعود، وعائشة، وأبي بن كعب، وأنس، ومعاذ بن جبل، وصهيب، وزيد بن ثابت. حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه أحمد (٥٥/٣)، والبخاري (١٣١/٢): كتاب الأذان: باب فضل صلاة الجماعة، الحديث (٦٤٦) وأبو داود (٣٧٩/١): كتاب الصلاة: باب فضل المشي إلى الصلاة، الحديث (٥٦٠)، وابن ماجة (١/ ٢٥٩): كتاب المساجد: باب فضل الصلاة في جماعة، الحديث (٧٨٨)، والحاكم (٢٠٨/١): كتاب الصلاة: باب الصلاة في جماعة، والبيهقي (٦٠/٣): كتاب الصلاة: باب فضل صلاة الجماعة، واستدركه الحاكم لزيادة وقعت عنده في متنه ولفظه: الصلاة في الجماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة، فإذا صلاها في الفلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة. حديث عبد الله بن مسعود: أخرجه أحمد (٣٧٦/١)، وله رواية أخرى بلفظ: بضع وعشرين. حديث عائشة: أخرجه أحمد (٤٩/٦) والنسائي (١٠٣/٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٨٦/٨). = ٢٧١ كتاب الصلاة أما إذا دخل المسجد، وشرع في الصلاة، ثم أخذ المؤذن في الإقامة: فهذا أيضاً على وجهين: إما أن شرع في التطوع، وإما أن شرع في الفرض، فإن شرع في التطوع ثم أقيمت الصلاة - أتم الشفع الذي هو فيه، ولا يزيد عليه، أما إتمام الشفع؛ فلأن(١) صوته عن البطلان واجبٌ، وقد أمكنه ذلك ولا يزيد عليه؛ لأن لا يلزمه بالشروع في التطوع زيادة على الشفع؛ فكانت الزيادة عليه كابتداء تطوع آخر، وقد ذكرنا: أن ابتداء التطوع في المسجد بعد الإقامة مكروه. وأما إذا شرع في الفرض ثم أقيمت الصلاة: فإن كان في صلاة الفجر يقطعها ما لم يقيد الثانية بالسجدة؛ لأن القطع - وإن كان نقصاً صورة - فليس بنقص معنى؛ لأن للأداء على وجه الأكمل، والهدم ليبني أكمل يعد إصلاحاً لا هدماً. ألا ترى أن من هدم مسجداً ليبني أحسن من الأول لا يأثم. وإذا قيد الثانية بالسجدة لم يقطع؛ لأنه أتى بالأكثر وللأكثر حكم الكل. والفرض بعد إتمامه لا يحتمل الانتقاض؛ ولا يدخل في صلاة الإمام؛ لأن التنفل بعد صلاة الفجر مكروه. وإن كان في صلاة الظهر: فإن كان صلى ركعة ضم إليها أخرى؛ لأنه يمكنه صون المؤدي واستدراك فضيلة الجماعة؛ لأن صلاة الرجل بالجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة على لسان رسول الله - وَّر - وإن صلّى ركعتين تشهد وسلم لما قلنا، وكذا إذا قام إلى الثالثة قبل أن يقيدها بالسجدة يعود إلى التشهد ويسلم، ولا يسلم على حاله = حديث أبي بن كعب: أخرجه ابن ماجة (٢٥٩/١): كتاب المساجد: باب فضل الصلاة في جماعة (٧٩٠). حديث أنس: أخرجه البزار (٢٢٧/١ - كشف) رقم (٤٥٩) وذكره الهيثمي في («المجمع» (٤٣/٢) وقال: رواه البزار والطبراني في ((الأوسط)) ورجال البزار ثقات. ا. هـ. وأخرجه الحارث في مسنده (١٥٤ - زوائده) بسند فيه داود بن المحبر وهو ضعيف جداً ولكن جاء بلفظ: أربع وعشرين. حديث معاذ: أخرجه البزار (٢٢٥/١) رقم (٤٥٤) من طريق عبد الحكيم بن منصور الواسطي، عن عبد الملك بن عمير بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل به، قال البزار: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ. وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٤٣/٢) وقال: رواه البزار، والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني موثقون . حدیث صھیب: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤٢/٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف . (١) في أ: فلأنه. ٢٧٢ كتاب الصلاة قائماً؛ لأن ما أتي به من القعدة كانت سنة، وقعدة الختم فرض، فعليه أن يعود إلى القعدة. ثم يسلم ليكون متنفلاً بركعتين؛ فإن كان قيد الثالثة بالسجدة أتمها؛ لأنه أدى الأكثر فلا يمكنه القطع ويدخل مع الإمام فيجعلها تطوعاً؛ لما روي عن رسول الله وَّرَ: ((أَنَّهُ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ الخَيْفِ، فَرَأَىْ رَجُلَيْنِ خَلْفَ الصَّفِّ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تَرْتَعِدُ(١) فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: مَا لَكُمَا لَمْ تُصَلِّيَا مَعَنَا، فَقَالاَ: كُنَّ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ وََّ: ((إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا إِمَامَ قَوْم، فَصَلْيَا مَعَهُ، وَأَجْعَلاَ ذَلِكَ سَبْحَةً))(٢) أي: نافلة، وكان ذلك في الظهر؛ كذا روي عن أبي يُوسف في ((الإملاء)). ولو كان في الركعة الأولى، ولم يقيدها بالسجدة لم يذكر في الكتاب. والصحيح: أنه يقطعها ليدخل مع الإمام، فيحرز(٣) ثواب تكبيرة الافتتاح؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة . ألا ترى أنه يعود من الركعة الثالثة (٤) ما لم يقيدها بالسجدة. وكذا الجواب في العصر والعشاء، إلا أنه لا يدخل في العصر مع الإمام؛ لأن التنفل بعده مكروه، ويخرج من المسجد؛ لأن المخالفة في الخروج أقل منها في المكث. وأما في المغرب: فإن صلّى ركعة قطعها؛ لأنه لو ضم إليها أخرى لأدى الأكثر، فلا يمكنه القطع، ولو قطع كان به منتفلاً بركعتين قبل المغرب؛ وهو منهي عنه. وإن قيد الثالثة بالسجدة مضى فيها لما قلنا، ولا يدخل مع الإمام؛ لأنه لا يخلو؛ إما أن يقتصر على الثلاث كما يفعله الإمام - والتنفل بالثلاث غير مشروع - وإما أن يصلي أربعاً فيصير مخالفاً لإمامه. وعن أبي يوسف: أنه يدخل مع الإمام، فإذا فرغ الإمام يصلي ركعة [أخرى](٥) لتصير شفعاً له. وقال بشر المريسي: يسلم مع الإمام؛ لأن هذا التغير بحكم الاقتداء، وذلك جائز كالمسبوق يدرك الإمام في القعدة؛ أنه يقعد معه، وابتداء الصلاة لا يكون بالقعدة، ثم جاز هذا التغير بحكم الاقتداء كذا هذا. فإن دخل مع الإمام صلّى أربعاً؛ كما قال أبو يوسف؛ لأن بالقيام إلى الركعة الثانية صار ملتزماً للركعتين؛ لخروج الركعة الواحدة عن جواز التنفل بها . (١) في أ: ترعد. (٢) تقدم. (٣) في أ: يجوز. (٤) في أ: الثانية. (٥) سقط في أ. ٢٧٣ كتاب الصلاة قال ابن مسعود: والله ما أجزأت ركعة قط؛ فلذلك يتم أربعاً لو دخل مع الإمام، هذا إذا كان لم يصل المكتوبة، فإن كان قد صلاها ثم دخل المسجد: فإن كان صلاة لا يكره التطوع بعدها شرع في صلاة الإمام، وإلا فلا. فضل في قضاء السنن وأما بيان أن السنة إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا؟ فنقول ـ وبالله التوفيق - لا خلاف بين أصحابنا في سائر السنن سوى ركعتي الفجر؛ أنها إذا فاتت عن وقتها لا تقضى، سواء فاتت وحدها أو مع الفريضة. وقال الشافعي في قول: تقضى قياساً على الوتر. ولنا: ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَِّيَّ ◌َِّ دَخَلَ حُجْرَتِي بَعْدَ العَصْرِ / فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، فَقُلْتُ: ١٤٥ ب يَا رَسُولَ الله مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهِمَا مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: (رَکْعَتَانِ كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ))، وفي رواية: ((رَكْعَتَا الظُّهْرِ شَغَلَنِي عَنْهُمَا (١) الوَقْدُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَصَلْيُهُمَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ فَيَرَوْنِي، فَقُلْتُ: أَفَأَقْضِيهما، إِذَّا فَاتَتَا، فَقَالَ: لاَ))(٢)، وهذا نص على أن القضاء غير واجب على الأمة، وإنما هو شيء اختص به النبي - وَّ - ولا شركة لنا في خصائصه. وقياس هذا الحديث: أَلاَّ يجب قضاء ركعتي الفجر أصلاً، إِلاَّ أنا استحسنا القضاء إذا فاتتا مع الفرض؛ لحديث ليلة التعريس، ولأن سنة رسول الله - وَل ـ عبارة عن طريقته، وذلك بالفعل في وقت خاص على هيئة مخصوصة على ما فعله النبي - وَّ .. فالفعل في وقت آخر لا يكون سلوك طريقته، فلا يكون سنة، بل يكون تطوعاً مطلقاً. وأما ركعتا الفجر إذا فاتتا مع الفرض: فقد فعلهما النبي ◌َّ مع الفرض ليلة التعريس؛ فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته؛ وهذا بخلاف الوتر؛ لأنه واجب عند أبي حنيفة على ما ذكرنا، والواجب ملحق بالفرض في حق العمل. وعندهما: وإن كان سنة مؤكدة لكنهما عرفا وجوب القضاء بالنص الذي روينا فيما تقدم. وأما سنة الفجر: فإن فاتت مع الفرض تقضى مع الفرض استحساناً؛ لحديث ليلة التعريس، فإن النبي - وَّل ـ لما نام في ذلك الوادي، ثم استيقظ بحر الشمس فارتحل منه [ثم (١) في أ: عنها. (٢) تقدم. بدائع الصنائع ج٢ - م١٨ ٢٧٤ كتاب الصلاة نزل](١)، وأمر بلالاً فأذن فصلّى ركعتي الفجر، ثم أمره فأقام فصلّى صلاة الفجر. وأما إذا فاتت وحدها لا تقضى عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: تقضى إذا ارتفعت الشمس قبل الزوال. واحتج بحديث ليلة التعريس، أنه مل قضاهما بعد طلوع الشمس قبل الزوال، فصار ذلك وقت قضائهما. ولهما: أن السنن شرعت توابع للفرائض، فلو قضيت في وقت لا أداء فيه للفرائض - لصارت السنن أصلاً، وبطلت التبعية فلم تبقَ سنة [مؤكدة](٢)؛ لأنها كانت سنة بوصف التبعية، وليلة التعريس فاتتا مع الفرض فقضيتا تبعاً للفرض، ولا كلام فيه، إنما الخلاف(٣): فيما إذا فاتتا وحدهما، ولا وجه إلى قضائهما وحدهما لما بينا؛ ولهذا لا يقضى غيرهما من السنن ولا هما يقضيان بعد الزوال. وأما الذي هو سنن الصحابة: فصلاة التراويح في ليالي رمضان، والكلام في صلاة التراويح في مواضع: في بيان وقتها، وفي بيان صفتها، وفي بيان قدرها، وفي سننها، وفي بيان أنها إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا؟ أما صفتها: فهي سنة؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: القيام في شهر رمضان سنة لا ينبغي تركها. وكذا روي عن محمد أنه قال: التراويح سنة، إلا أنها ليست بسنة رسول الله - وَّ - لأن سنة رسول الله وَ﴿ ما واظب عليه، ولم يتركه إلا مرة أو مرتين لمعنى من المعاني، ورسول الله وَّيو ما واظب عليها، بل أقامها في بعض الليالي، روي: أنه صلاها لليلتين بجماعة، ثم ترك، وقال: ((أَخْشَى أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ)) (٤)، لكن الصحابة واظبوا عليها؛ فكانت سنة الصحابة . فضل في قدر الترويح وأما قدرها: فعشرون ركعة في عشر تسليمات في خمس ترويحات، كل تسليمتين ترويحة، وهذا قول عامة العلماء. (١) سقط في أ. (٢) سقط في أ. (٣) في أ: الكلام. (٤) تقدم. ٢٧٥ كتاب الصلاة وقال مالك في قول: ستة وثلاثون ركعة. وفي قول: ستة وعشرون ركعة. والصحيح: قول العامة؛ لما روي أن عمر - رضي الله عنه - جمع أصحاب رسول الله وَّر في شهر رمضان على أبي بن كعب، فصلى بهم في كل ليلة عشرين ركعة، ولم ينكر عليه أحد؛ فيكون إجماعاً منهم على ذلك. وأما وقتها: فقد اختلف مشايخنا فيه: قال بعضهم: وقتها: ما بين العشاء والوتر، فلا تجوز قبل العشاء ولا بعد الوتر. وقال عامتهم: وقتها: ما بعد العشاء إلى طلوع الفجر، فلا تجوز قبل العشاء؛ لأنها تبع للعشاء، فلا تجوز قبلها كسنة العشاء. وذكر الناطفي - في إمام صلى بقوم صلاة العشاء على غير وضوءٍ ناسياً، ثم صلّى بهم إمام آخر التراويح متوضئاً، ثم علم أن الأول كان على غير وضوء: أن عليهم أن يعيدوا العشاء والتراويح جميعاً. أما العشاء فلا شك فيها، وأما التراويح؛ فلأنها تصلى إلى طلوع الفجر؛ لأن ذلك وقتها. وهل يكره تأخيرها إلى نصف الليل؟ قال بعضهم: يكره؛ لأنها تبع للعشاء، ويكره تأخير العشاء إلى نصف الليل؛ فكذا تأخيرها؛ والصحيح: أنه لا يكره؛ لأنها قيام الليل، وقيام الليل في آخر الليل أفضل. فضل في سننها وأما سننها: فمنها الجماعة والمسجد؛ لأن النبي - رَّير - قدر ما صلى من التراويح صلى بجماعة في المسجد؛ فكذا الصحابة - رضي الله عنهم - صلوها بجماعة في المسجد؛ فكان أداؤها بالجماعة في المسجد سنة ثم اختلف المشايخ في كيفية سنة الجماعة والمسجد: أنها سنة عين أم سنة كفاية؟ قال بعضهم: إنها سنة على سبيل الكفاية، إذا قام بها بعض أهل المسجد في المسجد بجماعة سقط عن الباقين، ولو ترك أهل المسجد كلهم إقامتها في المسجد بجماعة فقد أَسَاؤُوا وأثموا، ومن صلاها في بيته وحده أو بجماعة - لا يكون له ثواب سنة التراويح؛ لتركه ثواب سنة الجماعة والمسجد. ومنها: نية التراويح، أو نية قيام رمضان، أو نية سنة الوقت. ولو نوى الصلاة مطلقاً أو نوى التطوع. قال بعض المشايخ: لا يجوز؛ لأنها سنة، والسنة لا تتأدى بنية مطلق الصلاة أو نية التطوع، واستدلوا بما روى الحسن عن أبي حنيفة: أن ركعتي الفجر لا تتأدى إلا بنية السنة. وقال عامة مشايخنا: إن التراويح وسائر السنن تتأدى بمطلق النية؛ لأنها وإن كانت سنة : ٢٧٦ كتاب الصلاة لا تخرج عن كونها نافلة، والنوافل تتأدى بمطلق النية؛ إلا أن الاحتياط: أن ينوي التراويح، أو سنة الوقت، أو قيام رمضان، احترازاً عن موضع الخلاف. ولو اقتدى من يصلّي التراويح بمن يصلّي المكتوبة أو النافلة: قيل: يصح اقتداؤه، ويكون مؤدياً للتراويح. وقيل: لا يصح اقتداؤه به؛ هو الصحيح؛ لأنه مكروه؛ لكونه مخالفاً لعمل السلف. ولو اقتدى من يصلي التسليمة الأولى بمن يصلي التسليمة الثانية؛ قيل: لا يجوز اقتداؤه . وقيل: يجوز: وهو الصحيح؛ لأن الصلاة متحدة؛ فكان نية الأولى والثانية لغواً؛ ولهذا صح اقتداء مصلي الركعتين بمصلي الأربع قبله؛ فكذا هذا. ومنها: أن الإمام بعد تكبيرة الافتتاح يأتي بالثناء والتعوذ والتسمية في الركعة الأولى، والمقتدي أيضاً يأتي بالثناء، وفي التعوذ خلاف معروف؛ بناء على أن التعوذ تبع الثناء أو تبع القراءة على ما ذكرنا في موضعه، ولا يزيد الإمام على قدر التشهد إن علم أنه يثقل على القوم، وإن علم أنه لا يثقل على القوم يزيد عليه، ويأتي بالدعوات المشهورة. ومنها: أن يقرأ في كل ركعة عشر آيات؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة. وقيل: يقرأ فيها كما يقرأ في أخف المكتوبات، وهي المغرب. وقيل: يقرأ كما يقرأ في العشاء؛ لأنها تبع للعشاء. وقيل: يقرأ في كل ركعة من عشرين إلى ثلاثين؛ لأنه روي: أن عمر - رضي الله عنه - دعا بثلاثة من الأئمة فاستقرأهم، وأمر أولهم أن يقرأ في كل ركعة بثلاثين آية، وأمر الثاني أن يقرأ في كل ركعة خمسة وعشرين آية، وأمر الثالث أن يقرأ في كل ركعة عشرين آية. وما قاله أبو حنيفة سنة؛ إذ السنة أن يختم القرآن مرة في التراويح، وذلك فيما قاله أبو حنيفة، وما أمر به عمر فهو من باب الفضيلة، وهو أن يختم القرآن مرتين أو ثلاثاً، وهذا في زمانهم. وأما في زماننا: فالأفضل: أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم من الرغبة والكسل، فيقرأ قدر ما لا يوجب تنفير القوم عن الجماعة؛ لأن تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة؛ والأفضل تعديل القراءة في الترويحات كلها، وإن لم يعدل فلا بأس به؛ وكذا الأفضل تعديل القراءة في الركعتين في التسليمة الواحدة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد: يطول الأولى على الثانية، كما في الفرائض. ومنها: أن يصلي كل ركعتين بتسليمة على حدة. ولو صلّى ترويحة بتسليمة واحدة، وقعد في الثانية قدر التشهد، لا شك أنه يجوز، على أصل أصحابنا: أن صلوات كثيرة تتأدى بتحريمة واحدة؛ بناء على أن التحريمة شرط، وليست بركن عندنا؛ خلافاً للشافعي. لكن اختلف المشايخ: أنه هل يجوز عن تسليمتين، أو لا يجوز إلاَّ عن تسليمة واحدة؟ ٢٧٧ كتاب الصلاة قال بعضهم: لا يجوز إلاَّ عن تسليمة واحدة؛ لأنه خالف السنة المتوارثة، بترك التسليمة والتحريمة والثناء والتعوذ والتسمية؛ فلا يجوز إلا عن تسليمة واحدة. وقال عامتهم: إنه يجوز عن تسليمتين؛ وهو الصحيح. وعلى هذا: لو صلّى التراويح كلها بتسليمة واحدة، وقعد في كل ركعتين - أن الصحيح: أنه يجوز عن الكل؛ لأنه قد أتى بجميع أركان الصلاة وشرائطها؛ لأن تجديد التحريمة لكل ركعتين ليس بشرط عندنا؛ هذا إذا قعد على رأس الركعتين قدر التشهد، فأما إذا لم يقعد فسدت صلاته عند محمد . وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: يجوز، وأصل المسألة: يصلي التطوع أربع ركعات، إذا لم يقعد في الثانية قدر التشهد، وقام وأتم صلاته - أنه يجوز استحساناً عندهما، ولا يجوز عند محمد قياساً. ثم إذا جاز عندهما؛ فهل يجوز عن تسليمتين أو لا يجوز إلا عن تسليمة واحدة؟ الأصح: أنه لا يجوز إلا عن تسليمة واحدة؛ لأن السنة: أن يكون الشفع الأول كاملاً؛ وكماله بالقعدة؛ ولم توجد؛ والكامل لا يتأدى بالناقص. ولو صلّى ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، ولم يقعد في الثانية. قال بعضهم: لا يجزئه أصلاً؛ بناء على أن من تنفل بثلاث ركعات، ولم يقعد إلا في آخرها - جاز عند بعضهم؛ لأنه لو كان فرضاً - وهو المغرب - جاز؛ فكذا النفل، ولا يجوز عند بعضهم؛ لأن القعدة على رأس الثالثة في النوافل غير مشروعة؛ بخلاف المغرب؛ فصار كأنه لم يقعد فيها، ولو لم يقعد فيها لم تجز النافلة؛ فكذا في التراويح. ثم إن كان ساهياً في الثالثة: لا يلزمه قضاء شيء؛ لأنه شرع في صلاة مظنونة، ولأنه لا يوجب القضاء عند أصحابنا الثلاثة. وإن كان عمداً؛ فعلى قول من قال بالجواز: يلزمه ركعتان؛ لأن الركعة الثانية قد صحت لبقاء التحريمة، وإن لم يكملها يضم ركعة أخرى إليها فيلزمه القضاء. وعلى قول من قال: بعدم الجواز؛ يلزمه ركعتان عند أبي يوسف. وعند أبي حنيفة: لا يلزمه شيء؛ لأن التحريمة قد فسدت بترك القعدة في الركعة الثانية فشرع في الثالثة بلا تحريمة، وإنه لا يوجب القضاء عند أبي حنيفة. وعلى هذا: لو صلى عشر تسليمات، كل تسليمة بثلاث ركعات بقعدة واحدة. ولو صلّى التراويح كلها بتسليمة واحدة، ولم يقعد إِلاَّ في آخرها. قال بعضهم: يجزئه عن التراويح كلها . ٢٧٨ كتاب الصلاة وقال بعضهم: لا يجزئه إلا عن تسليمة واحدة؛ وهو الصحيح؛ لأنه أخل بكل شفع بترك القعدة . ومنها: أن يصلّي كل ترويحة إمام واحد، وعليه عمل أهل الحرمين، وعمل السلف، ولا يصلي الترويحة الواحدة إمامان؛ لأنه خلاف عمل السلف، ويكون تبديل الإمام بمنزلة الانتظار بين الترويحتين؛ وإنه غير مستحب. ولا يصلي إمام واحد التراويح في مسجدين؛ في كل مسجد على الكمال ولا له فعل، ولا يحتسب التالي من التراويح، وعلى القوم أن يعيدوا، لأن صلاة إمامهم نافلة وصلاتهم سنة، والسنة أقوى؛ فلم يصح الاقتداء؛ لأن السنة لا تتكرر في وقت واحد، وما صلّى في المسجد الأول محسوب، وليس على القوم أن يعيدوا. ولا بأس لغير الإمام أن يصلي التراويح في مسجدين؛ لأنه اقتداء المتطوع بمن يصلي السنة؛ وإنه جائز؛ كما لو صلّى المكتوبة ثم أدرك الجماعة ودخل فيها، والله أعلم. إذا صلوا التراويح، ثم أرادوا أن يصلوها ثانياً - يصلون فرادى لا بجماعة؛ لأن الثانية تطوع مطلق، والتطوع المطلق بجماعة مكروه، ويجوز التراويح قاعداً من غير عذر؛ لأنه تطوع؛ إِلاَّ أنه لا يستحب؛ لأنه خلاف السنة المتوارثة. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أَن من صلّى ركعتي الفجر قاعداً من غير عذر لا يجوز، وكذا لو صلاها على الدابة من غير عذر، وهو يقدر على النزول؛ لاختصاص هذه السنة بزيادة توكيد، وترغيب بتحصيلها، وترهيب وتحذير على تركها؛ فالتحقت بالواجبات كالوتر. ومنها: أن الإمام كلما صلّى ترويحة قعد بين الترويحتين قدر ترويحة، يسبح ويهلل ويكبر، ويصلي على النبي وَّ ويدعو، وينتظر - أيضاً - بعد الخامسة قدر ترويحة، لأنه متوارث من السلف. وأما الاستراحة بعد خمس تسليمات: فهل يستحب؟ قال بعضهم: نعم. وقال بعضهم: لا يستحب؛ وهو الصحيح؛ لأنه خلاف عمل السلف. والله الموفق. فضل في بيان أدائها إذا فاتت وأما بيان أدائها إذا فاتت عن وقتها: هل تقضى أم لا؟ فقد قيل: إنها تقضى؛ والصحيح: أنها لا تقضى؛ لأنها ليست بآكد من سنة المغرب والعشاء؛ وتلك لا تقضى فكذلك هذه. ٢٧٩ كتاب الصلاة فصل في صلاة التطوع وأما صلاة التطوع: فالكلام فيها يقع في مواضع: في بيان [أن](١) التطوع هل يلزم بالشروع؟ وفي بيان مقدار ما يلزم منه بالشروع، وفي بيان أفضل التطوع، وفي بيان ما يكره من التطوع، وفي بيان ما يفارق التطوع الفرض فيه. أما الأول: فقد قال أصحابنا - رحمهم الله -: إذا شرع في التطوع يلزمه المضي فيه، وإذا أفسده يلزمه القضاء. وقال الشافعي: لا يلزمه المضي في التطوع ولا القضاء بالإفساد. وجه قوله: أن التطوع تبرع، وأنه ينافي الوجوب، وإذا لم يجب المضي فيه لا يجب القضاء بالإفساد؛ لأن القضاء تسليم مثل الواجب. ولنا: أن المؤدى عبادة، وإبطال العبادة حرام؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] فيجب صيانتها عن الإبطال، وذلك(٢) بلزوم المضي فيها، وإذا أفسدها فقد أفسد عبادة واجبة الأداء، فيلزمه القضاء جبراً للفائت، كما في المنذور والمفروض. وقد خرج الجواب كما ذكره أنه تبرع؛ لأنا نقول: نعم قبل الشروع، وأما بعد الشروع: فقد صار واجباً لغيره؛ وهو صيانة المؤدي عن البطلان. ولو افتتح الصلاة مع الإمام، وهو ينوي التطوع، والإمام في الظهر، ثم قطعها - فعليه قضاؤها لما قلنا. فإن دخل معه فيها ينوي التطوع؛ فهذا على ثلاثة أوجه: إما أن ينوي قضاء الأولى، أو لم يكن له نية أصلاً، أو نوى صلاة أخرى. ففي الوجهين الأولين: يسقط عنه، وتنوب هذه عن قضاء ما لزمه بالإفساد عندنا. وعند زفر: لا يسقط. وجه قوله: أن ما لزمه بالإفساد صار ديناً في ذمته، كالصلاة المنذورة؛ فلا يتأدى خلف إمام يصلي صلاة أخرى. ولنا: أنه لو أتمها حين شرع [فيها](٣) لا يلزمه شيء آخر؛ فكذا إذا أتمها بالشروع الثاني؛ لأنه ما التزم بالشروع إلا أداء هذه الصلاة مع الإمام وقد أداها. وإن نوى تطوعاً آخر: ذكر في الأصل: أنه ينوب عما لزمه بالإفساد؛ وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. وذكر في ((زيادات الزيادات)): أنه لا ينوب؛ [وهو قول محمد](٤). (١) سقط في أ. (٢) في ط: وذا. (٣) سقط في أ. (٤) سقط في أ. ٢٨٠ كتاب الصلاة ووجهه: أنه لما نوى صلاة أخرى، فقد أعرض عما كان ديناً عليه بالإفساد، فلا ينوب هذا المؤدي عنه؛ بخلاف الأول. وجه قولهما: أنه ما التزم في المرتين إلا أداء هذه الصلاة مع الإمام، وقد أداها. والله أعلم. ثم الشروع في التطوع في الوقت المكروه غيره، سواء في كونه سبباً للزوم في قول ١١٤٦ أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: الشروع في التطوع في الأوقات المكروهة/ غير ملزم، حتى لو قطعها لا شيء عليه عنده. وعندنا: الأفضل أن يقطع، وإن أتم فقد أساء، ولا قضاء عليه؛ لأنه أداها كما وجبت؛ وإن قطعها فعليه القضاء. وأما الشروع في الصوم في الوقت المكروه: فغير ملزم عند أبي حنيفة وزفر. وعندهما: ملزم، فهما سويا بين الصوم والصلاة، وجعلا الشروع فيهما ملزماً كالنذر؛ لكون(١) المؤدى عبادة. وزفر سوى بينهما بعلة ارتكاب المنهي، وجعل الشروع فيهما غير ملزم. وأبو حنيفة فرق، والفرق له من وجوه: أحدها: [أنه] (٢) لا بد له من تقديم مقدمة؛ وهي: أن ما تركب من أجزاء متفقة ينطلق اسم الكل فيه على البعض كالماء؛ فإن ماء البحر يسمى ماء، (وقطرة منه تسمى ماء)(٣) وكذا الخل والزيت، وكل مائع، وما تركب من أجزاء مختلفة لا يكون للبعض منه اسم الكل، كالسَّكنجبين؛ لا يسمى الخل وحده، ولا السكر وحده سكنجبيناً. وكذا الأنف [وحده] (٤) لا يسمى وجهاً، ولا الخد وحده، ولا العظم وحده - يسمى آدمياً. ثم الصوم يتركب من أجزاء متفقة؛ فيكون لكل جزء اسم الصوم. والصلاة تتركب من أجزاء مختلفة؛ وهي: القيام، والقراءة، والركوع، والسجود؛ فلا يكون للبعض اسم الكل. ومن(٥) هذا قال أصحابنا: إن من حلف لا يصوم، ثم شرع في الصوم - فكما شرع يحنث(٦). ولو حلف لا يصلي، فما لم يقيد الركعة بالسجدة لا يحنث. وإذا تقرر هذا الأصل فنقول: إنه نهى عن الصوم، فكما شرع باشر الفعل المنهي، ونهى عن الصلاة؛ فما لم يقيد الركعة بالسجدة لم يباشر مَنْهِيّاً؛ فما انعقد انعقد قربة خالصة(٧) غير (١) في أ: لكن. (٢) سقط في أ. (٣) سقط في أ. (٤) سقط في أ. (٥) في أ: عن. (٦) في أ: حنث. (٧) في أ: خاصة.