النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الصلاة
وفي بيان من يجب عليه.
وفي بيان مقداره.
وفي بیان وقته.
وفي بيان [صفة القراءة](١) التي فيه [ومقدارها](٢).
وفي بيان ما يفسده.
وفي بيان حكمه إذا فسد أو فات عن وقته.
وفي بيان القنوت.
أما الأول فعند أبي حنيفة : فيه ثلاث روايات:
روى حماد(٣) بن زيد [عنه](٤) أنه فرض.
وروى يوسف بن خالد السمتي(٥): أنه واجب.
وروى نوح بن أبي مريم، المروزي في ((الجامع)) عنه أنه سنة، وبه أخذ أبو يُوسُف
ومحمد والشافعي - رحمهم الله تعالى - وقالوا: إنه سنة مُؤَكَّدة، آكد من سائر السنن المؤقتة؛
واحتجُّوا بما رُوِيَ عن النَّبِيِّ بََّ أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلاَثْ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الوِثْرُ،
وَالضُّحَى وَالْأَضْحَى))، وفي رواية: ((ثَلاَثْ كُتِبَتْ عَلَيَّ، وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ: الْوِثْرُ وَالضُّحَى
وَالأَضْحَى)»(٦).
وعن عبادة بن الصامت عَنِ النَّبِيِّ وََّ أنه قال: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ(٧) عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
(١) سقط في أ.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: عن حماد.
(٤) سقط في أ.
(٥) يوسف بن خالد الليثي مولاهم أبو خالد السَّمْتي بفتح المهملة البصري. عن يونس بن عُبَيْد. وعن
خليفة بن خياط. كذبه ابن معين. مات سنة تسع وثمانين ومائة .
(٦) أخرجه أحمد (٢٣١/١) والدارقطني (٢١/٢) والحاكم (٣٠٠/١) وابن عدي في ((الكامل)) (٢١٣/٧)
والبيهقي (٤٦٨/٢) ومداره على أبي جناب الكلبي.
قال في التلخيص (٣٨/٢): وأطلق الأئمة على هذا الحديث الضعف كأحمد والبيهقي وابن الصلاح وابن
الجوزي والنووي.
(٧) في أ: فرض.

٢٢٢
كتاب الصلاة
خَمْسَ صَلَوَاتٍ))، وَقَالَ رَّهَ فِي خُطْبَةِ الوَدَاعِ: (صَلُوا خَمْسَكُمْ)، وكذا المرويُّ في حديث
معاذ: ((أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: ((أَعْلِمَّهُمْ أَنَّ الله اُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ
يَوْم وَلَيْلَةٍ))(١)، ولو كان الوتر واجباً لصار المفروض ست صلوات [في كُلِّ يوم وليلة] (٢)؛ ولأن
زيادة الوتر على الخمس المكتوبات نسخ لها؛ لأن الخمس قبل الزيادة كانت كل وظيفة اليوم
والليلة، وبعد الزيادة تصير بعض الوظيفة، فينسخ وصف الكلية بها.
ولا يجوز نسخ الكتاب، والمشاهير من الأحاديث بالآحاد؛ ولأن علامات السنن فيها
ظاهرة؛ فإنها تؤدى تبعاً للعشاء، والفرض(٣) ما لا يكون تابعاً لفرض آخر، وليس لها وقت،
ولا أذان ولا إقامة، ولا جماعة، ولفرائض الصلوات أوقات وأذان وإقامة وجماعة؛ ولذا يقرأ
في الثلاث كلها. وذا من أمارات السنن، ولأبي حنيفة: ما رَوَى خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةً(٤) - رضي
الله عنه - أنه قالَ: ((إنَّ الله تَعَالَىْ زَادَكُمْ صَلاَةً، أَلاَ وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى
طُلُوعِ الفَجْرِ))(٥) والاستدلال به من وجهين:
(١) أخرجه البخاري (٢٦١/٣): كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة، حديث (١٣٩٥)، ومسلم (٥٠/١):
كتاب الإيمان: باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث (١٩/٢٩)، وأبو داود (٢٤٢/٢،
٢٤٣): كتاب الزكاة: باب في زكاة السائمة، حديث (١٥٨٤)، والترمذي (٦٩/٢): كتاب الزكاة: باب
ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة، حديث (٦٢١)، والنسائي (٥/٢): كتاب الزكاة: باب
وجوب الزكاة، وابن ماجه (٥٦٨/١): كتاب الزكاة: باب فرض الزكاة، حديث (١٨٧٣)، وأحمد (١/
٢٣٣)، من حديث ابن عباس ((أن رسول الله و لتر لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال: إن تأتي قوماً من أهل
الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله
افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة
تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم
فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: وفرض.
(٤) خارجة بن حذافة بن غانم العدوي، صحابي له حديث، وكان يُعَدُ بألف فارس. وعنه عبد الله بن أبي
مرة، وعبد الله بن جبير. قتل في رمضان سنة أربعين، بمصر.
ينظر الخلاصة (٢٧٣/١)، تهذيب الكمال (٣٤٨/١)، تهذيب التهذيب (٧٤/٣)، تقريب التهذيب (١/
٢١٠)، الكاشف (٢٦٥/١)، أسد الغابة (٨٣/٢)، الإصابة (٢٢٢/٢).
(٥) أخرجه أبو داود (١٢٨/٢): كتاب الصلاة: باب استحباب الوتر، الحديث (١٤١٨)، والترمذي (١/
٢٨١): كتاب الوتر: باب فضل الوتر، الحديث (٤٥١)، وابن ماجه (٣٦٩/١): كتاب إقامة الصلاة:
باب ما جاء في الوتر، الحديث (١١٦٨)، والدارقطني (٣٠/٢)، كتاب الوتر: باب فضيلة الوتر،
الحديث (١)، والحاكم (٣٠٦/١): كتاب الوتر: باب الوتر حق، والبيهقي (٤٦٩/٢): كتاب الصلاة:
باب تأكيد صلاة الوتر، من رواية يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزوفي، عن عبد الله بن أبي =

٢٢٣
كتاب الصلاة
أحدهما: أنه أمر بها، ومطلق الأمر للوجوب.
والثاني: أنه سماها زيادة، والزيادة على الشيء لا تتصور إلا من جنسه، فأما إذا كان
[من](١) غيره [فإنه](٢) يكون قراناً لا زيادة، ولأن الزيادة إنما تتصور على المقدر وهو الفرض،
فأما النفل فليس بمقدر (٣) فلا تتحقق الزيادة عليه، ولا يقال: إنها زيادة على الفرض، لكن في
الفعل لا في الوجوب؛ لأنهم كانوا يفعلونها قبل ذلك؛ ألا ترى أنه قال: ألا وهي الوتر،
ذكرها معرفة بحرف التعريف، ومثل هذا التعريف لا يحصل إلا بالعهد؛ ولذا لم يستفسروها،
ولو لم يكن فعلها معهوداً لاستفسروا، فدل أن ذلك في الوجوب لا في الفعل، ولا يقال: إنها
زيادة على السنن؛ لأنها كانت تؤدى قبل ذلك بطريق السنة .
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبيِّ وََّ [أنه قال](٤): ((أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ،
فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّ)»(٥) .
ومطلق الأمر للوجوب. وكذا التوعد على الترك دليل الوجوب.
وروى أبو بكر [أحمد بن علي] (٦) الرازي بإسناده، عن أبي سليمان بن أبي بردة، عن
مرة الزوفي، عن خارجه بن حذافة العدوي، قال: ((خرج علينا رسول الله وَّالر فقال: إن الله قد أمدكم
=
بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر. فجعلها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر.
وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب.
وقال الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي).
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٠٩/٢): ورواه ابن عدي في الكامل، ونقل عن البخاري أنه قال: لا
يعرف سماع بعض هؤلاء عن بعض ا. هـ.
قال الذهبي في ((المغني)) (٣٥٧/١) عبد الله بن أبي مرة الزوفي وقيل ابن مرة عن خارجة في الوتر، لم
يصح خبره .
(١) سقط في ط.
(٢) سقط في أ.
(٣) في أ: عقد.
(٤) سقط في أ.
(٥) أخرجه أحمد من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه (١١٠/١) وأبو داود (١٢٨١٢٧/٢) في
الصلاة: باب استحباب الوتر (٣٣٦) (١٤١٦)، والترمذي (٣١٦/٢)، في أبواب الصلاة: باب ما جاء أن
يكون الوتر ليس بحتم (٤٥٣)، والنسائي (٢٢٨/٣)، في قيام الليل: باب الأمر بالوتر وأخرجه ابن ماجه
(٣٧٠/١)، في كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في الوتر (١١٦٩) وابن خزيمة (١٣٦/٢ -١٣٧)، في
الصلاة: باب ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على أن الوتر ليس بفرض (١٠٦٦).
(٦) سقط في أ.

٢٢٤
كتاب الصلاة
النبيِ رَ ﴿ أنه قال: ((الْوِتْرُ حَقِّ وَاجِبٌ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّ))(١)، [وهذا نص في الباب](٢).
وعن الحسن البصري؛ أنه قال: أجمع المسلمون على أن الوتر حق واجب. وكذا حكى
الطحاوي فيه إجماع السلف، ومثلهما لا يكذب، ولأنه إذا فات عن وقته يقضي عندهما، وهو
أحد قولي الشافعي. ووجوب القضاء عن الفوات لا عن عذر - يدل على وجوب الأداء.
ولنا: لا يؤدي على الراحلة بالإجماع عند القدرة على النزول، وبعينه ورد الحديث، وذا
من أمارات الوجوب والفرضية؛ ولأنها مقدرة بالثلاث، والتنفل بالثلاث ليس بمشروع.
وأما الأحاديث: أما الأول: ففيه نفي الفرضية دون الوجوب؛ لأن الكتابة عبارة عن
الفرضية، ونحن به نقول: إنها ليست بفرض ولكنها واجبة، وهي آخر أقوال أبي حنيفة - رحمه
الله -.
والرواية الأخرى محمولةٌ على ما قبل الوجوب، ولا حجة لهم في الأحاديث الأخر؛ لأنها
(١) أخرجه أحمد (٣٥٧/٥)، وأبو داود (١٢٩/٢): كتاب الصلاة: باب فيمن لم يوتر، الحديث (١٤١٩)،
ومحمد بن نصر المروزي (ص - ١١٥): كتاب الوتر: باب الترغيب في الوتر والحث عليه، والدولابي
في الكنى (١٣٠/٢)، والحاكم (٣٠٥/١): كتاب الوتر، والبيهقي (٤٧٠/٢): كتاب الصلاة: باب تأكيد
صلاة الوتر، والخطيب (١٧٥/٥) في ((التاريخ)). كلهم من رواية أبي المنيب عبيد الله بن عبد الله
العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وزاد أكثرهم تكرار فمن لم يوتر فليس منا ثلاثاً.
وقال الحاكم: (حديث صحيح، وأبو المنيب العتكي مروزي ثقة)، وقال الذهبي: قال البخاري عنده
مناكير. ا. هـ.
وأبو المنيب وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم، صالح يحول من كتاب الضعفاء وقال النسائي، ثقة وقال
مرة: ضعيف وقال ابن عدي: لا بأس به وقال الحاكم: ثقة يجمع حديثه وقال عباس بن مصعب: رأى
أنساً وروى عن جماعة من التابعين وهو ثقة.
وقال الحافظ: صدوق يخطىء.
ينظر التقريب (٥٣٥/١) والتهذيب (٢٧/٧).
ثم إن للحديث شواهد عن أبي أيوب الأنصاري، وابن مسعود.
حديث أبي أيوب:
أخرجه أحمد (٤١٨/٥)، وأبو داود (١٤٢٢)، والنسائي (٢٣٩/٣) وابن ماجه (١١٩٠)، والدارمي (١/
٣٧١) والدارقطني (٢٣/٢)، والحاكم (٣٠٣/١)، والطحاوي (٢٩١/١) والبيهقي (٢٣/٣) من طرق عن
الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عنه مرفوعاً بلفظ: الوتر حق.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه ابن حبان (٦٧ - موارد).
حديث ابن مسعود:
أخرجه البزار كما في «نصب الراية)) (١١٣/٢). وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي.
(٢) سقط في أ.

٢٢٥
كتاب الصلاة
تدل على فرضية الخمس، والوتر عندنا ليست بفرض بل هي واجبة، وفي هذا حكاية، وهو ما
روي أن يوسف بن خالد السمتي سأل أبا حنيفة عن الوتر فقال: هي واجبةٌ، فقال يوسف: كفرت
يا أبا حنيفة، وكان ذلك قبل أن يتلمذ عليه/ كأنه فهم من قول أبي حنيفة أنه يقول: إنها فريضة، ١٣٧ب
فزعم أنه زاد على الفرائض الخمس، فقال أبو حنيفة - رحمه الله - ليوسف: أيهولني إكفارك
إياي، وأنا أعرف الفرق بين الواجب والفرض؛ كفرق ما بين السماء والأرض، ثم بين له الفرق
بينهما، فاعتذر إليه وجلس عنده للتعلم، بعد أن كان من أعيان فقهاء البصرة، وإذا لم يكن فرضاً
لم تصر الفرائض الخمس ستاً بزيادة الوتر عليها، وبه تبين أن زيادة الوتر على الخمس ليست
نسخاً لها؛ لأنها بقيت بعد الزيادة كل وظيفة اليوم والليلة فرضاً.
أما قولهم: إنه لا وقت لها، فليس كذلك بل لها وقت، وهو وقت العشاء، إلا أن تقديم
العشاء عليها شرط عند التذكر، وذا لا يدل على التبعية؛ كتقديم كل فرض على ما يعقبه من
الفرائض؛ ولهذا اختص بوقت استحساناً، فإن تأخيرها إلى آخر الليل مستحب، وتأخير العشاء
إلى آخر الليل - يكره أشد الكراهة، وذا أمارة الأصالة؛ إذ لو كانت تابعة للعشاء لتبعته في
الكراهة والاستحباب جميعاً.
وأما الجماعة والأذان والإقامة؛ فلأنها من شعائر الإسلام، فتختص بالفرائض المطلقة؛
ولهذا لا مدخل لها في صلاة النساء، وصلاة العيدين، والكسوف. وأما القراءة في الركعات
كلها، فلضرب احتياط عند تباعد الأدلة عن إدخالها تحت الفرائض المطلقة على ما نذكر.
فضل
فيمن تجب عليه
وأما بيان من تجب عليه: فوجوبه لا يختص بالبعض دون البعض، كالجمعة وصلاة
العيدين، بل يعم الناس أجمع من الحر، والعبد والذكر والأنثى، بعد أن كان أهلاً(١)
للوجوب، لأن ما ذكرنا من دلائل الوجوب لا يوجب الفصل.
فصل
في مقدار الوتر
وأما الكلام في مقداره: فقد اختلف العلماء فيه، قال أصحابنا - رحمهم الله -: الوتر
ثلاث ركعات بتسليمة واحدة في الأوقات كلها.
(١) في أ: أصلاً.
بدائع الصنائع ج٢ - ١٥٣

٢٢٦
كتاب الصلاة
وقال الشافعي: هو بالخيار إن شاء أوتر بركعة أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع أو أحد
عشر في الأوقات كلها. وقال الزهري: في شهر رمضان: ثلاث ركعات، وفي غيره: ركعة.
احتج الشافعيُّ بما رُوِيَ عن النبي ◌َّ أنه قال: ((مَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، وَمَنْ شَاءَ أَوْتَرَ
بِثَلاَثٍ أَوْ بِخَمْسٍ»(١).
ولنا: ما روي عن ابن مسعودٍ وابن عبَّاسَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ الله عنهم - أنهم قَالُوا: ((كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّرِ يُوتِرُ بِثَلاَثِ رَكَعَاتٍ))(٢) .
وعن الحسن، قال: أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا سلام إلا في آخرهن، ومثله
لا يكذب؛ ولأن الوتر نفل عنده، والنوافل أتباع الفرائض، فيجب أن يكون لها نظيراً من
الأصول، والركعة الواحدة غير معهودة فرضاً، وحديث التخيير محمول على ما قبل استقرار
أمر الوتر بدليل ما روينا.
فضل
في بيان وقته
وأما(٣) بيان وقته: فالكلام فيه في موضعين :
أحدهما: في بيان أصل الوقت، وفي بيان الوقت المستحب، أما أصل الوقت، فوقت
العشاء عند أبي حنيفة إلا أنه شرع مرتباً عليه، حتى لا يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء مع أنه
وقته؛ لعدم شرطه وهو الترتيب، إلا إذا كان ناسياً كوقت أداء الوقتية، وهو وقت الفائتة، لكنه
شرع مرتباً عليه.
وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي: وقته بعد أداء صلاة العشاء، وهذا بناء على ما ذكرنا
أن الوتر واجب عند أبي حنيفة.
وعندهم: سنة، ويبني على هذا الأصل مسألتان:
إحداهما: أن من صلّى العشاء على غير وضوء، وهو لا يعلم، ثم توضأ فأوتر، ثم
تذكر - أعاد صلاة العشاء بالاتفاق، ولا يعيد الوتر في قول أبي حنيفة - رحمه الله -:
وعندهما: يعيد، ووجه البناء على هذا الأصل؛ أنه لما كان واجباً عند أبي حنيفة كان أصلاً
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) في أ: فأما.

٢٢٧
كتاب الصلاة
بنفسه في حق الوقت لا تبعاً للعشاء، فكلما غاب الشفق دخل وقته؛ كما دخل وقت العشاء،
إلا أن وقته بعد فعل العشاء، إلا أن تقديم أحدهما على الآخر واجب حالة التذكر، فعند
النسيان يسقط، كما في العصر والظهر التي لم يؤدها حتى دخل وقت العصر، يجب ترتيب
العصر على الظهر عند التذكر، ثم يجوز تقديم العصر على الظهر عند النسيان، كذا هذا،
والدليل على أن وقته ما ذكرنا لا ما بعد فعل العشاء؛ أنه لو لم يصل العشاء حتى طلع الفجر -
لزمه قضاء الوتر؛ كما يلزمه قضاء العشاء، ولو كان وقتها ذلك لما وجب قضاؤها، إذا لم
يتحقق وقتها؛ لاستحالة تحقق ما بعد فعل العشاء بدون فعل العشاء، هذا هو تخريج قول أبي
حنيفة على هذا الأصل.
وأما تخريج قولهما: إنه لما كان سنة كان وقته ما بعد وقت العشاء؛ لكونه تبعاً للعشاء
كوقت ركعتي الفجر؛ ولهذا قال النبي ◌ََّ، في ذلك الحديث: ((زَادَكُمْ صَلاَةً، وَجَعَلَهَا لَكُمْ مَا
بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ))، ووجود (١) ما بين شيئين سابقاً على وجودهما - محال،
والجواب أن إطلاق الفعل بعد العشاء لا ينفي الإطلاق قبله، وعلى هذا الاختلاف إذا صلّى
الوتر على ظن أنه صلّى العشاء، ثم تبين أنه لم/ يصل العشاء - يصلي العشاء بالإجماع، ولا ١١٣٨
یعید الوتر عنده، وعندهما: یعید.
والمسألة الثانية: مسألة ((الجامع الصغير)): وهو أن من صَلَّى الفجر وهو ذاكر أنه لم
يوتر؛ وفي الوقت سعة - لا يجوز عنده؛ لأن الواجب ملحق بالفرض في العمل؛ فيجب مراعاة
الترتيب بينه وبين الفرض، وعندهما: يجوز؛ لأن مراعاة الترتيب بين السنة والمكتوبة - غير
واجبة، ولو ترك الوتر عند وقته حتى طلع الفجر - يجب عليه القضاء [عند أصحابنا خلافاً
للشافعي](٢).
أما عند أبي حنيفة: فلا يشكل [لأنه واجب، فكان مضموناً بالقضاء كالفرض، وعدم
وجوب القضاء عند الشافعي - لا يشكل](٣) أيضاً(٤)، لأنه سنة عندهما، وكذا القياس عندهما
ألا يقضي، وهكذا روي عنهما في غير رواية الأصول، لكنهما استحسنا في القضاء بالأثر،
وهو قولُ النبيِّ وََّ -: (مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهُ))(٥)، ولم
يفصل بين ما إذا تذكر في الوقت أو بعده؛ ولأنه محل الاجتهاد، فأوجب القضاء احتياطاً.
(١) في أ: ووجودها.
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في أ.
(٤) في أ: وأما على قولهما.
(٥) تقدم بلفظ: ((من نام عن صلاة أو نسيها ... الحديث)).

٢٢٨
كتاب الصلاة
وأما الوقْتُ المستحبُّ للوتر فهو آخرُ الليلِ؛ لما رُوِيَ عَن عائشة - رضي الله عنها - أَنَّهَا
سُئِلَتْ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَقَالَتْ: ((تَارَةً كَانَ يُوتِرُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَتَارَةً فِي وَسَطِ اللَّيْلِ،
وَتَارَةً فِي آخِرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَارَ وِتْرُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ)، وقالَ النبيُّ نَِّ: ((صَلاّةُ اللَّيْلِ
مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصَّبْحَ فَأَوِْرْ بِرَكْعَةٍ»(١) .
وهذا إذا كان لا يخاف فوته، فإن كان يخاف فوته يجب ألا ينام إلا عن وتر، وأبو بكر
- رضي الله عنه - كان يوتر في أول الليل وعمر - رضي الله عنه - كان يوتر في آخر الليل، فقال
النبيِ نَّه لأبي بكر: ((أَخَذْتَ بِالثَقَةِ))، وَقَالَ لِعُمَرَ: ((أَخَذْتَ بِفَضْلِ الْقُوَّةِ» .
فضل
في صفة القراءة فيه
وأما صفة القراءة فيه: فالقراءة فيه فرض في الركعات كُلِّها، أما عندهم فلا يشكل؛ لأنه
نفل، وعند أبي حنيفة وإن كان واجباً، لكن الواجب ما يحتمل أنه فرض، ويحتمل أنه نفل،
لكن يرجح جهة الفرضية فيه بدليل فيه شبهة، فيجعل واجباً مع احتمال النفلية؛ فإن كان فرضاً
يكتفى بالقراءة في ركعتين منه كما في المغرب، وإن كان نفلاً يشترط في الركعات كلها كما في
(١) أخرجه مالك (١٢٣/١): كتاب صلاة: باب الأمر بالوتر، الحديث (١٣)، والبخاري (٤٧٧/٢): كتاب
الوتر: باب الوتر، الحديث (٩٩٠)، ومسلم (٥١٦/١): كتاب المسافرين: باب صلاة الليل مثنى،
الحديث (٧٤٩/١٤٥)، وأبو داود (٨٠/٢): كتاب الصلاة: باب صلاة الليل مثنى، الحديث (١٣٢٦)،
والترمذي (٢٧٣/١): كتاب الصلاة: باب صلاة الليل مثنى، الحديث (٤٣٥)، والنسائي (١٢٧/٣):
كتاب قيام الليل: باب كيف صلاة الليل، وابن ماجه (٤١٨/١): كتاب إقامة الصلاة: باب صلاة الليل
ركعتين، الحديث (١٣٢٠)، وأحمد (٥/٢).
والدارمي (٣٤٠/١، ٣٧٢) كتاب الصلاة: باب في صلاة الليل، وباب كم الوتر وعبد الرزاق (٤٦٧٤.
والحميدي (٢٨٢/٢) رقم (٦٢٨) والبيهقي (٢١/٣) كتاب الصلاة: باب الوتر بركعة واحدة والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)» (٢٧٨/١) وابن خزيمة (١٠٧٢) وابن حبان رقم (٢٦١٤) والطيالسي (١/ ١١٧.
رقم (٥٤٢) والدارقطني (٤١٧/١) رقم (٢) - وأبو يعلى (٣٣/٥) رقم (٢٦٢٣) من طرق عن ابن عمر
به.
وقال الترمذي وفي الباب عن عمرو بن عبسة.
وقال: حديث ابن عمر حسن صحيح.
أما حديث عمرو بن عبسة فذكره المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) (٢/ ٤٢٤) وعزاه إلى ابن نصر
والطبراني عنه بلفظ: صلاة الليل مثنى مثنى وجوف الليل أحق به.
وسبقه إلى ذلك السيوطي في ((الجامع الصغير)) رقم (٥٠٨٨) وقال المناوي في ((فيض القدير)) (٢٢١/٤):
قال الهيثمي وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.

٢٢٩
كتاب الصلاة
النوافل، فكان الاحتياط في وجوبها في الكل، لم يذكر الكرخي في ((مختصره» قدر القراءة في
الوتر.
وذكر محمد - رحمه الله - في الأصل، وقال: وما قرأ في الوتر فهو حسن، وبلغنا عن
رسول الله وَّر، أنه قَرَّأَ فِي الْوِتْرِ في الرَّكْعَةِ الْأُولَى: ب﴿سَبِحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وفي
الثانية ب﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وفي الثالثة بـ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، ولا
ينبغي أن يؤقت شيئاً من القرآن في الوتر لما مر.
ولو قرأ في الركعة الأولى: ﴿سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا
الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ اتباعاً للنبي ◌ََّ كان حسناً، لكن لا يواظب
عليه؛ كيلا يظنه الجهال حتماً، ثم إذا فرغ من القراءة في الركعة الثانية كبر ورفع يديه حذاء
أذنيه، ثم أرسلهما ثم يقنت.
أما التكبير: فلما روي عَنْ عليٍّ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ بَ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ
أَنْ يَقْنُتَ، كَبَّرَ وَقَنَتَ)) وأما رفع اليدين؛ فلقول النبيِّ نََّ: ((لاَ تَرْفَعَ الِيَدَيْنِ إِلَّ فِيَ سَبْعَةِ
مَوَاطِنَ)) وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا: القُنُوتَ(١) وأما الإِرسال: فقد ذكرنا تفسيره فيما تقدَّمَ، والله
الموفق.
فضل
في القنوت
وأما القنوت: فالكلام فيه في مواضع: في صفة القنوت، ومحل أدائه، ومقداره،
ودعائه، وحکمه إذا فات عن محله.
أما الأول: فالقنوت واجب عند أبي حنيفة، وعندهما سنة.
والكلام فيه كالكلام في أصل الوتر.
وأما محل أدائه: فالوتر في جميع السنة قبل الركوع عندنا. وقد خالفنا الشافعي في
المواضع الثلاثة، فقال: يقنت في صلاة الفجر في الركعة الثانية بعد الركوع، ولا يقنت في
الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان بعد الركوع.
(١) تقدم.

٢٣٠
كتاب الصلاة
واحتج في المسألة الأولى بما روي أن النبي - وََّ - كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ، وَكَانَ
يَدْعُو عَلَى قَبَائِلَ [من قبائل العرب(١)](٢) .
ولنا: ما روى ابن مسعود، وجماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ((أن النبي وَلّ قَنَتَ
فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ شَهْراً، كَانَ يَدْعُو فِي قُنُوبِهِ عَلَى رَغْلٍ وَذَكْوَانِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ
عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيٌّ يُوسُف))(٣)، ثم تركه فكان منسوخاً، دل عليه أنه روي
أَنه ◌َ ◌َّ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الْمِغْرِبِ كَمَّا فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ (٤)، وذلك منسوخ بالإجماع.
وقال أبو عثمان النهدي: صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَخَلْفَ عُمِّرَ كَذَلِكَ، فَلَمْ أَرَ [أَحَداً](٥)
مِنْهُمَا يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ، وَأَخْتَجَّ فِي المَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رَضِيَ
(١) أخرجه أحمد (١٤٧/٢)، والبخاري (٣٦٥/٧): كتاب المغازي: باب الحديث (٤٠٦٩)، النسائي (٢/
٢٠٣): كتاب التطبيق: باب لعن المنافقين في القنوت، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٦/١):
كتاب: باب القنوت في صلاة الفجر، والبيهقي (١٩٨/٢) كتاب الصلاة: باب القنوت في الصلوات عنه،
أنه سمع رسول الله وَّلير في صلاة الفجر، حين رفع رأسه من الركعة الأخيرة، قال: اللهم العن فلاناً
وفلاناً، دعا على أناس من المنافقين فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو
يعذبهم فإنهم ظالمون﴾.
(٢) سقط في ب، ط.
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٥/٢)، والنسائي (٢٠١/٢): كتاب التطبيق: باب القنوت في صلاة الصبح، وابن ماجه
(٣٩٤/١): كتاب إقامة الصلاة: باب القنوت في صلاة الفجر، الحديث (١٢٤٤)، والطحاوي في شرح
معاني الآثار (٢٤١/١): كتاب الصلاة: باب القنوت في صلاة الفجر، والبيهقي (١٩٧/٢): كتاب
الصلاة: باب القنوت في الصلوات، عنه قال: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام،
وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم أشدد وطأتك على مصر واجعلها عليهم سنين كسني
یوسف».
(٤) أخرجه أحمد (٣٠٠/٤)، والدارمي (٣٧٥/١) كتاب الصلاة: باب القنوت بعد الركوع، من رواية شعبة،
عن عمر بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، أن رسول الله وَ لّ قنت في
الصبح.
وأخرجه أبو داود الطيالسي (١٠٠/١)، الحديث (٧٣٧)، وأحمد (٢٨٥/٤)، ومسلم (١/ ٤٧٠): كتاب
المساجد: باب استحباب القنوت في الصلوات، الحديث (٣٠٥)، وأبو داود (١٤١/٢) كتاب الصلاة:
باب القنوت في الصلوات، الحديث (١٤٤١)، والترمذي (٢٥١/٢): كتاب الصلاة: باب القنوت في
الفجر، الحديث (٤٠١)، والنسائي (٢٠٢/٢): كتاب التطبيق: باب القنوت في صلاة المغرب،
والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٢/٢): كتاب الصلاة: باب القنوت في صلاة الفجر، والدارقطني
(٣٧/٢): كتاب الوتر: باب صفة القنوت، الحديث (٢)، والبيهقي (١٩٨/٢): كتاب الصلاة: بب
القنوت في الصلوات، من هذا الوجه أيضاً بلفظ: ((قنت في الصبح والمغرب)).
(٥) سقط في أ.

٢٣١
كتاب الصلاة
الله عَنْهُ - لَمَّا أَمَرَ أُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ بِالإِمَامَةِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، أَمَرَهُ بِالقُنُوتِ فِي النَّصْفِ الأخيرِ
مِنْهُ(١)
ولنا: ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم - أَنَّهُمْ قَالُوا:
١٣٨ب
((رَاعَيْنَا صَلاَةَ/ رَسُولِ اللهِ وَّرَ بِاللَّيْلِ، فَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا وَقْتاً فِي السَّنَةِ»(٢).
(١) أخرجه أبو داود (١٣٦/٢) كتاب الصلاة. باب: القنوت في الوتر. حديث (١٤٢٨) ومحمد بن نصر في
«قيام الليل» (١٣٥/١ - مختصرة).
(٢) أخرجه أحمد (٩٦/١)، وأبو داود (١٣٤/٢) كتاب الصلاة: باب القنوت في الوتر، الحديث (١٤٢٧)،
والترمذي (٥٦١/٥): كتاب الدعوات: باب في دعاء الوتر، الحديث (٣٥٦٦)، والنسائي (٢٤٨/٣-٢٤٩)
كتاب قيام الليل: باب الدعاء في الوتر، وابن ماجه (١/ ٣٧٣): كتاب إقامة الصلاة: باب القنوت في الوتر،
الحديث (١١٧٩)، والحاكم (١ /٣٠٦) كتاب الوتر: باب القنوت في الوتر، والبيهقي (٤٢/٣): كتاب الصلاة،
الصلاة: باب ما يقول بعد الموت عنه، عن النبي ◌ّ﴾ كان يقول في آخر وتره: ((اللهم إني أعوذ برضاك من
سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)).
قال الترمذي: (حسن)، وقال الحاكم: (صحح الإسناد).
حديث أبي بن کعب:
أخرجه النسائي (٢٣٥/٣): كتاب قيام الليل: باب اختلاف ألفاظ الناقلين في الوتر، وابن ماجه (١/
٣٧٠): كتاب إقامة الصلاة: باب ما يقرأ في الوتر، الحديث (١١٧١)، والدار قطني (٣١/٢): كتاب:
باب ما يقرأ في الوتر والقنوت، الحديث (١-٢)، والبيهقي (٤٠/٣): كتاب الصلاة: باب من يقنت في
الوتر قبل الركوع، من رواية زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أن
رسول الله ◌ّي* كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الثانية بـ
﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾، ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه:
سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات يطيل في آخرهن)).
وأخرجه أحمد (١٢٣/٥)، وأبو داود (١٣٥/٢) كتاب الصلاة: باب القنوت في الوتر، الحديث
(١٤٢٧)، ولم يذكروا فيه القنوت، واقتصر بعضهم على ذكر عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، دون ذكر
أبي بن كعب.
حديث ابن مسعود:
أخرجه الدارقطني (٣٢/٢): كتاب الوتر: باب ما يقرأ في الوتر، الحديث (٥)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(١١٨/٧)، من حديث أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم بن علقمة، عن عبد الله قال: قنت رسول
الله ◌َّ في الوتر قبل الركعة، قال: فأرسلت أمي إليه القابلة فأخبرتني أنه فعل ذلك.
قال الدارقطني: (أبان متروك). ا.هـ.
وقال النسائي: متروك الحديث، وقال البخاري: كان شعبة سيىء الرأي فيه، وقال أبو داود: لا يكتب
حديث أبان ينظر الضعفاء والمتروكين للنسائي (٢١) والتاريخ الصغير (٥٣/٢) وسؤالات الآجري (٣/
٣١٩).
وقد ورد عن ابن مسعود مرفوعاً من وجه آخر قال: ((ما قنت رسول الله وَّر في شيء من صلاته إلا في
الوتر، وكان إذا حارب يقنت في الصلوات كلها، يدعو على المشركين)»، الحديث.
=

٢٣٢
كتاب الصلاة
وتأويل ما رواه الشافعي أنه طول القيام بالقراءة، وطول القيام يسمى قنوتاً؛ لأنه أراد به
القنوت في الوتر، وإنما حملناه على هذا؛ لأن إمامة أبي بن كعب كانت بمحضر من الصحابة
- رضي الله عنهم - ولا يخفى عليهم حاله، وقد رويا عنهم بخلافه، واستدل في المسألة الثالثة
بصلاة الفجر، ثم قد صح في الحديث عن النبي - بَّهِ - أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ،
فقاس عليه القنوت في الوتر.
ولنا: ما روينا عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - قنوت رسول الله - رَّ - في
الوتر قبل الركوع، واستدلاله بصلاة الفجر غير سديد؛ لأنه استدلال بالمنسوخ على ما مر.
وأما مقدار القنوت: فقد ذكر الكرخي: أن مقدار القيام في القنوت مقدار سورة: ﴿إِذَا
السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وكذا ذكر في الأصل؛ لِمَا رُوِيَ عَن النبيِّ - وَهَ -: ((أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ
فِي القُنُوتِ: ((اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ))(١) وكلاهما على مقدار هذه
السورة، وروي: ((أَنه ◌ََّ كَانَ لاَ يُطَوِّلُ فِي دُعَاءِ القُنُوتِ».
أخرجه الطبراني كما في ((المجمع)) (١٤١/٢)، وقال الهيثمي وفيه محمد بن جابر اليماني، صدوق،
=
ولكنه كان أعمى، واختلط عليه حديثه، وکان یلقن.
حديث ابن عمر:
أخرجه الطبراني في «الأوسط»، كما في ((المجمع)) (١٤١/٢).
من جهة سهل بن عباس الترمذي، ثنا سعيد بن سالم القداح، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن
عمر: ((أن النبي كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع)).
وقال الهيثمي: (وفيه سهل بن العباس الترمذي).
قال الدار قطني: (ليس بثقة) ا. هـ.
وذكره الذهبي في ((المغني)) (٢٨٨/١) وقال: سهل بن العباس الترمذي عن ابن علية تركه الدار قطني.
(١) أخرجه أحمد (١٩٩/١)، والدارمي (٣٧٣/١-٣٧٤): كتاب الصلاة: باب الدعاء في القنوت، وأبو داود
(١٣٣/٢): كتاب الصلاة: باب القنوت في الوتر، الحديث (١٤٢٥)، والترمذي (٣٢٨/٢) كتاب
الصلاة: باب ما جاء في قنوت الوتر، الحديث (٤٦٤)، والنسائي (٢٤٨/٣): كتاب قيام الليل: باب
الدعاء في الوتر، وابن ماجه (٣٧٢/١): كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في قنوت الوتر، الحديث
(١١٧٨)، وابن الجارود (١٠٣/١) كتاب الصلاة: باب قنوت الوتر، الحديث (٢٧٢)، والحاكم (٣/
١٩٢)، وابن خزيمة (١٥١/٢ -١٥٢) رقم (١٠٩٥) والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٧٥/٣-١٧٦) رقم
(٢٧٠٨) وأبو نعيم (٣٢١/٩) وأبو يعلى برقم (٦٧٦٢)، وابن حبان (٥١٢ - موارد)، كلهم من رواية ابن
أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء، عن الحسن قال: ((علمني رسول الله وَلل كلمات
أقولهن في صلاة الوتر، اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي
فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا
وتعالیت)).
=

٢٣٣
كتاب الصلاة
وأما دعاء القنوت: فليس في القنوت دعاء موقت؛ كذا ذكر الكرخي في ((كتاب
الصلاة))؛ لأنه روي عن الصحابة - رضي الله عنهم - أدعية مختلفة في حال القنوت؛ ولأن
الموقت من الدعاء يجري على لسان الداعي من غير احتياجه إلى إحضار قلبه؛ وصدق الرغبة
منه إلى الله تعالى، فيبعد عن الإجابة؛ ولأنه لا توقيت في القراءة لشيء من الصلوات؛ ففي
دعاء القنوت أولى.
وقد روي عن محمد أنه قال: التوقيت في الدعاء يُذهب رقة القلب.
وقال بعض مشايخنا: المراد من قوله: ليس في القنوت دعاء موقت، ما سوى قوله:
اللهم إنا نستعينك؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - اتفقوا على هَذَا في القنوتِ، [فالأولى أن
يقرأه، ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره كان حسناً](١)، والأولى أن يقرأ بعده ما علم
رسول الله - رَّ ـ الحسن بن علي - رضي الله عنهما - في قنوته: ((اللَّهُمَّ أَهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ))
إلى آخره.
وقال بعضهم: الأفضل في الوتر أن يكون فيه دعاء موقت؛ لأن الإمام ربما يكون
جاهلاً، فيأتي بدعاء يشبه كلام الناس؛ فتفسد الصلاة، وما روي عن محمد أن التوقيت في
الدعاء يذهب رقة القلب - محمول على أدعية المناسك دون الصلاة لما ذكرنا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه ولا نعرف عن النبي ◌َّ في القنوت في
=
الوتر شيئاً أحسن من هذا .. ا.هـ.
وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
وصحح سنده النووي في ((الاذكار» (ص - ٨٩).
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٤٧/١)، الحديث (٣٧١): (ونبه ابن خزيمة، وابن حبان على أن قوله في
قنوت الوتر، تفرد بها أبو إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، وتبعه ابناه يونس، وإسرائيل كذا قال؛ قال:
ورواه شعبة، وهو من مائتين مثل أبي إسحاق وابنيه، فلم يذكر فيه القنوت ولا الوتر، وإنما قال: كان
يعلمنا هذا الدعاء).
أما يونس بن أبي إسحاق فقال في قنوت الوتر كما رواه أحمد والجارود، وأما أخوه إسرائيل فلم يقل في
الوتر بل قال: علمني هذا الدعاء أقول في القنوت .. رواه الدارمي، والبيهقي، فهو مخالف لأبيه وأخيه.
ولم يتفرد يونس وأخوه بذكر الوتر، فقد رواه موسى بن عقبة، عن عبد الله بن علي، عن الحسن بن
علي، قال: علمني رسول الله وَّير هؤلاء الكلمات في الوتر قال: ((قل اللهم اهدني فمن هديت، فذكره
وزاد في آخره بعد قوله تباركت ربنا وتعاليت وصلَّ الله على النبي محمد)».
أخرجه النسائي (٢٤٨/٣): كتاب الوتر: باب الدعاء في الوتر. وينظر ((نتائج الأفكار)) للحافظ ابن حجر
(١٣٨/٢-١٤٠).
(١) سقط في أ.

٢٣٤
كتاب الصلاة
وأما صفة دعاء القنوت من الجهر والمخافتة: فقد ذكر القاضي في شرحه ((مختصر
الطحاوي))؛ أنه إذا كان منفرداً فهو بالخيار، إن شاء جهر وأسمع غيره، وإن شاء جهر وأسمع
نفسه، وإن شاء أسر كما في القراءة، وإن كان إماماً يجهر بالقنوت، لكن دون الجهر بالقراءة
في الصلاة، والقوم يتابعونه هكذا إلى قوله: ((إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ))، وإذا دعا الإمام بعد
ذلك: هل يتابعه القوم؟ ذكر في ((الفتاوى)) اختلافاً بين أبي يوسف ومحمد، في قول أبي
يوسف يتابعونه ويقرؤون، وفي قول محمد: لا يقرؤون ولكن يؤمنون.
وقال بعضهم: إن شاء القوم سكتوا.
وأما الصلاة على النبي ◌َّ في القنوت، فقد قال أبو القاسم الصفار: لا يفعل؛ لأن هذا
ليس موضعها.
وقال الفقيه أبو الليث يأتي بها؛ لأن القنوت دعاء، فالأفضل أن يكون فيه الصلاة على
النبي ◌َّ# ذكره في ((الفتاوى))، هذا كله مذكور في شرح القاضي ((مختصر الطحاوي))، واختار
مشايخنا بما وراء النهر الإخفاء في دعاء القنوت في حق الإمام؛ والقَوْمُ جَمِيعاً؛ لقوله تعالى:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةٌ﴾، وقول النبيِّ بَّهَ: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ الخَفِيُّ))(١).
وأما حكم القنوت إذا فات عن محله، فنقول: إذا نسي القنوت حتى ركع، ثم(٢) تذكر
بعد ما رفع رأسه من الركوع - لا يعود، ويسقط عنه القنوت، وإن كان في الركوع فكذلك في
ظاهر الرواية .
وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول، أنه يعود إلى القنوت؛ لأن له شبهاً
بالقراءة، فيعود كما لو ترك الفاتحة أو السورة، ولو (٣) تذكر في الركوع، أو بعد ما رفع رأسه
منه؛ أنه ترك الفاتحة أو السورة - يعود، وينتقض ركوعه، كذا ههنا.
ووجه الفرق على ((ظاهر الرواية)) أن الركوع يتكامل بقراءة الفاتحة والسورة؛ لأن الركوع
لا يعتبر بدون القراءة أصلاً، فيتكامل بتكامل القراءة، وقراءة الفاتحة والسورة على التعيين
واجبة، فينتقض الركوع بتركها، فكان نقض الركوع للأداء على الوجه الأكمل والأحسن، فكان
مشروعاً .
فأما القنوت فليس مما يتكامل به الركوع؛ ألا ترى أنه لا قنوت في سائر الصلوات،
(١) تقدم.
(٢) في. أ: إن.
(٣) في. أ: ولهم.

٢٣٥
كتاب الصلاة
والركوع معتبر(١) بدونه، فلم يكن النقض للتكميل لكماله في نفسه، ولو نقض كان النقض
لأداء/ القنوت الواجب، ولا يجوز نقض الفرض لتحصيل الواجب فهو الفرق، ولا يقنت في ١١٣٩
الركوع أيضاً بخلاف تكبيرات العيد، إذا تذكرها في حال الركوع، حيث يكبر فيه، والفرق أن
تكبيرات العيد لم تختص بالقيام المحض؛ ألا ترى أن تكبيرة الركوع يؤتى بها في حال
الانحطاط، وهي محسوبة من تكبيرات العيد بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإذا جاز أداء
واحدة منها، في غير محض القيام من غير عذر - جاز أداء الباقي مع قيام العذر بطريق الأولى،
فأما القنوت فلم يشرع إلا في محض القيام غير معقول المعنى، فلا يتعدى إلى الركوع الذي
هو قيام من وجه، ولو (٢) أنه عاد إلى القيام وقنت - ينبغي ألا ينتقض ركوعه على قياس ((ظاهر
الرواية))، بخلاف ما إذا عاد إلى قراءة الفاتحة أو السورة؛ حيث ينتقض ركوعه.
والفرق: أن محل القراءة قائم ما لم يقيد الركعة بالسجدة؛ ألا ترى أنه يعود، [فإذا عاد
وقرأ الفاتحة أو السورة - وقع الكل فرضاً؛ فيجب مراعاة الترتيب بين الفرائض، ولا يتحقق
ذلك إلا بنقض الركوع، بخلاف القنوت؛ لأن محله قد فات؛ ألا ترى أنه لا يعود](٣)، فإذا
عاد فقد قصد نقض الفرض؛ لتحصيل واجب فات عليه، فلا يملك ذلك.
ولو عاد إلى قراءة الفاتحة أو السورة، فقرأها وركع مرة أخرى، فأدركه رجل في الركوع
الثاني - كان مدركاً للركعة، ولو كان أتم قراءته وركع، فظن أنه لم يقرأ، فرفع رأسه منه - يعود
فيقرأ، ويعيد القنوت والركوع، وهذا ظاهر؛ لأن الركوع ههنا حصل قبل القراءة فلم يعتبر
أصلاً، ولو حصل قبل قراءة الفاتحة أو السورة - يعود، ويعيد الركوع؛ فههنا أولى.
فضل
في بيان ما يفسده
وأما بیان ما يفسده، وبيان حكمه إذا فسد، أو فات عن وقته.
أما ما يفسده وحكمه إذا فسد: فما ذكرنا في الصلوات المكتوبات، وإذا فات عن وقته
يقضي على اختلاف الأقاويل على ما بينا. [والله تعالى أعلم].
(١) في أ: والركوع في سائر الصلوات معتبر.
(٢) في أ: فلو.
(٣) سقط في أ.

٢٣٦
كتاب الصلاة
فضل
في صلاة العيدين
وأما صلاة العيدين: فالكلام فيها يقعُ في مواضع :
في بيان أنها واجبة أم سنة .
وفي بيان شرائط وجوبها وجوازها.
وفي بيان وقت أدائها.
وفي بيان قدرها، وكيفية أدائها .
وفي بيان ما يفسدها.
وفي بيان حكمها إذا فسدت، أو فاتت عن وقتها.
وفي بيان ما يستحبُّ في يوم العيد.
أما الأول: فقد نص الكرخي على الوجوب، فقال: وتجب صلاة العيدين على أهل
الأمصار؛ كما تجب الجمعة، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة [أنه](١) تجب صلاة العيد
على من تجب عليه صلاة الجمعة .
وذكر في ((الأصل)) ما يدل على الوجوب، فإنه قال: ((لا يصلي التطوع بالجماعة، ما
خلا قيام رمضان، وكسوف الشمس، وصلاة العيد تؤدى بجماعة؛ فلو كانت سنة ولم تكن
واجبة لاستئناها؛ كما استثنى التراويح، وصلاة الكسوف، وسماه سنة في ((الجامع الصغير))؛
فإنه قال في العيدين(٢) اجتمعا في يوم واحد، فالأول سنة؛ [والثاني فريضة](٣)؛ وهذا اختلاف
من حيث العبارة، فتأويل ما ذكره في ((الجامع الصغير))، أنها واجبة بالسنة، أم هي سنة مؤكدة،
وأنها في معنى الواجب، على أن إطلاق اسم السنة لا ينفي الوجوب، بعد قيام الدليل على
وجوبها. وذكر أبو موسى الضرير في ((مختصره)) أنها فرض كفاية، والصحيح أنها واجبة، وهذا
قول أصحابنا .
وقال الشافعي: إنها سنة وليست بواجبة، وجه قوله: إنها بدل صلاة الضحى وتلك سنة،
فكذا هذه؛ لأن البدل لا يخالف الأصل.
(١) سقط في أ.
(٢) تقدم تخريجه في كتاب الجمعة.
(٣) سقط في ط.

٢٣٧
كتاب الصلاة
ولنا قوله تعالى: ﴿فَصَلٌ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قيل في التفسير: صلّ صلاة العيد
وانحر الجزور، ومطلق الأمر للوجوب؛ وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾
[البقرة: ١٨٥] قيل: المراد منه صلاة العيد؛ ولأنها من شعائر الإسلام، فلو كانت سنة، فربما
اجتمع الناس على تركها، فيفوت ما هو من شعائر الإسلام، فكانت واجبة صيانة لما هو من
شعائر الإسلام عن الفوت.
فضل
في شرائط وجوبها
وأما شرائط وجوبها وجوازها: فكل ما هو شرط وجوب الجمعة وجوازها - فهو شرط
وجوب صلاة العيدين(١) وجوازها من الإمام والمصر والجماعة والوقت، إلا الخطبة؛ فإنها سنة
بعد الصلاة، ولو تركها جازت صلاة العيد.
أما الإمام فشرط عندنا لما ذكرنا في صلاة الجمعة، وكذا المصر؛ لما روينا عن علي
- رضي الله عنه -؛ أنه قال: لا جمعة، ولا تشريق، ولا فطر، ولا أضحى إلا في مصر جامع،
ولم يرد بذلك نفس الفطر ونفس الأضحى ونفس التشريق؛ لأن ذلك مما يوجد في كل
موضع، بل المراد من لفظ الفطر والأضحى صلاة العيدين؛ ولأنها ما ثبتت بالتوارث من الصدر
الأول إلا في الأمصار، ويجوز أداؤها في موضعين لما ذكرنا في الجمعة، والجماعة شرط؛
لأنها ما أديت إلا بجماعة.
والوقت شرط؛ فإنها لا تؤدى إلا في وقت مخصوص به جرى التوارث، وكذا الذكورة
والعقل، والبلوغ والحرية، وصحة البدن والإقامة - من شرائط وجوبها؛ كما هي من شرائط
وجوب الجمعة، حتى لا تجب على النسوان والصبيان والمجانين والعبيد بدون إذن مواليهم،
والزمنى/ والمرضى، والمسافرين؛ كما لا تجب عليهم؛ لما ذكرنا في صلاة الجمعة؛ ولأن ١٣٩ب
هذه الأعذار لما أثرت في إسقاط الفرض - فلأن تؤثر في إسقاط الواجب أولى، وللمولى أن
يمنع عبده عن حضور العيدين؛ كما له منعه (٢) عن حضور الجمعة لما ذكرنا هناك.
وأما النساء(٣): فهل يرخص لهن أن يخرجن في العيدين؟ أجمعوا على أنه لا يرخص
للشواب منهن الخروج في الجمعة والعيدين، وشيء من الصلاة، لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي
(١) في أ: العيد.
(٢) في أ: أن يمنعه.
(٣) في ط: النسوة.

٢٣٨
كتاب الصلاة
بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، والأمر بالقرار نهى عن الانتقال؛ ولأن خروجهن سبب الفتنة بلا شك،
والفتنة حرام؛ وما أدى إلى الحرام فهو حرام.
وأما العجائز: فلا خلاف في أنه يرخص لهن الخروج في الفجر والمغرب والعشاء
والعيدين، واختلفوا في الظهر والعصر والجمعة.
قال أبو حنيفة: لا يرخص لهن في ذلك.
وقال أبو يوسف ومحمد: يرخص لهن [في ذلك](١).
وجه قولهما: أن المنع لخوف الفتنة بسبب خروجهن، وذا لا يتحقق في العجائز؛ ولهذا
أباح أبو حنيفة - رحمه الله - خروجهن في غيرهما من الصلوات.
ولأبي حنيفة: أن وقت الظهر والعصر وقت انتشار الفساق في المحال والطرقات، فربما
يقع من صدقت رغبته في النساء في الفتنة بسببهن، أو يقعن هن في الفتنة؛ لبقاء رغبتهن في
الرجال وإن كبرن، فأما في الفجر والمغرب والعشاء: فالهواء مظلم، والظلمة تحول بينهن وبين
نظر الرجال، وكذا الفساق لا يكونون في الطرقات في هذه الأوقات، فلا يؤدي إلى الوقوع في
الفتنة .
(وفي الأعياد): وإن كان تكثر الفساق تكثر الصلحاء أيضاً، فتمنع هيبة الصلحاء أو
العلماء إياهما عن الوقوع في المأثم، والجمعة في المصر، فربما تصدم، أو تصدم؛ لكثرة
الزحام، وفي ذلك فتنة.
وأما صلاة العيد فإنها تؤدى في الجبانة، فيمكنها أن تعتزل ناحية عن الرجال كيلا تصدم،
فرخص لهن الخروج. والله أعلم.
ثم هذا الخلاف في الرخْصَةِ والإِباحةِ، فأما لا خلاف في أن الأفضَلَ أَلاَّ يخرجْنَ في
صلاةٍ؛ لما رُوِيَ عن النَّبِيِّ ◌ََّ أنه قَالَ: ((صَلاَةُ الْمَزْأَةِ في دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا في
مَسْجِدِهَا، وَصَلاَتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَئِهَا فِي دَارِهَا، وَصَلاَتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ
صَلاَتِهَا فِي بَيْتِهَا))(٢)، ثم إذا رخص في صلاة العيد هل يصلين؟ روى الحسن عن أبي حنيفة:
يصلين؛ لأن المقصود بالخروج هو الصلاة.
قال النبي ◌َّ: ((لاَ تَمْتَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله، وَلْيَخْرُجْنَ إِذَا خَرَجْنَ تَفِلاَتٍ))، أَيْ: غَيْرَ
مُتَطَيِّبَاتٍ(٣) .
(١) سقط في أ.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.

٢٣٩
كتاب الصلاة
وروى المعلَّى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا يصلين العيد مع الإمام، لأنَّ خروجهن
لتكثير سواد المسلمين؛ لحديث أم عطية - رضي الله عنها - «كُنَّ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ مَعَ رَسُولٍ
اللهِ وََّ حَتَّى ذَوَاتِ الخُدُورِ وَالحُيَّضِ))(١). ومعلوم أن الحائض لا تصلي، فعلم أن خروجهن
کان لتکثیر سواد المسلمين؛ فكذلك في زماننا.
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٤٦٣): كتاب العيدين: باب خروج النساء إلى المصلى، الحديث (٩٧٤)، ومسلم
(٦٠٦/٢): كتاب صلاة العيدين: باب إباحة خروج النساء في العيدين ... ، الحديث (١٢/ ٨٩٠)، وأبو
داود (١/ ٦٧٦،٦٧٥): باب خروج النساء في العيد، الحديث (١١٣٦)، والترمذي (٢٥/٢): كتاب
العيدين: باب خروج النساء في العيدين، الحديث (٥٣٧)، والنسائي (١٨٠/٣): كتاب صلاة العيدين:
باب خروج العوائق وذوات الخدور في العيدين، وابن ماجة (٤١٤/١): كتاب إقامة الصلاة: باب خروج
النساء في العيدين، (الحديث: ١٣٠٨)، وأحمد (٨٤/٥) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (١٠٥)
والبيهقي (٣٠٥/٣) كتاب صلاة العيدين، من طرق عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: أمرنا رسول
الله ◌َيّ أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العوائق والحيض وذوات الخدور.
وأخرجه البخاري (٢/ ٤٦١) كتاب العيدين: باب التكبير أيام منى حديث (٩٧١) ومسلم (٦٠٥/٢-٦٠٦)
كتاب صلاة العيدين: باب إباحة خروج النساء في العيدين، وأبو داود (١/ ٦٧٦) كتاب الصلاة: باب
خروج النساء في العيد حديث (١١٣٨) والنسائي (١٨٠/٣) كتاب صلاة العيدين باب خروج العوائق
وذوات الخدور في العيدين، والترمذي (٥٤٠) وأحمد (٨٤/٥) والحميدي (٣٦٢) وابن خزيمة (٢/
٣٦٠-٣٦١) كلهم من طريق حفصة بنت سيرين عن أم عطية.
وقال الترمذي حسن صحيح.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وجابر وعمرة أخت عبد الله بن رواحة وعائشة وابن
عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص.
أما حديث ابن عباس :
أخرجه ابن ماجة (٤١٥/١) كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في خروج النساء في العيدين (١٣٠٩) من
طريق الحجاج بن أرطأة عن عبد الرحمن بن عابس عن ابن عباس أن النبي ◌َّ كان يخرج بناته ونساءه
في العیدین.
قال الحافظ البوصيري في ((الزوائد» (٤٢٨/١): هذا إسناد ضعيف لتدليس الحجاج بن أرطأة.
حديث جابر:
أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده» كما ذكره الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٠٣/٢) وقال: رواه
أحمد وفيه الحجاج بن أرطأة وفيه كلام وبقية رجاله رجال الصحيح.
حديث عمرة أخت عبد الله بن رواحة:
أخرجه أحمد (٣٥٨/٦) والبيهقي (٣٠٦/٣) من طريق امرأة من بني عبد القيس عنها أن رسول الله الخير
قال: وجب الخروج على كل ذات نطاق .
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٠٣/٢) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى وزاد يعني في العيدين
والطبراني في الكبير وفيه امرأة تابعية لم يذكر اسمها .
حديث عائشة :

٢٤٠
كتاب الصلاة
وأما العبد إذا حضر مع مولاه العيدين والجمعة؛ ليحفظ دابته ــ هل له أن يصلي بغير
رضاه؟ - اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: ليس له ذلك، [إِلا](١) إذا كان لا يخل بحق مولاه
في إمساك دابته .
وأما الخطبة فليست بشرط؛ لأنها تؤدى بعد الصلاة، وشرط الشيء يكون سابقاً عليه أو
مقارناً له، والدليل على أنها تؤدى بعد الصلاة: ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه
قال: ((صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - وَكَانُوا يَبْدَؤُونَ
بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ))، وكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ((صَلَّيْتُ خَلْفَ
رَسُولِ اللهِ وَهُ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَبَدَؤُوا بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، وَلَمْ يُؤَذِّنُوا وَلَمْ
يُقِيمُوا))(٢)، ولأنها وجبت لتعليم ما يجب إقامته يوم العيد، والوعظ والتكبير، فكان التأخير
أولى؛ ليكون الامتثال أقرب إلى زمان التعليم.
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٠٣/٢) عنها قالت: سئل رسول الله وَّ هل تخرج النساء في العيد قال:
نعم قيل: فالعواتق قال: نعم فإن لم يكن لها ثوب تلبسه فلتلبس ثوب صاحبتها. وقال الهيثمي: رواه
الطبراني في الأوسط وفيه مطيع بن ميمون قال ابن عدي: له حديثان غير محفوظين وقال ابن المديني:
ثقة. ا.هـ.
ينظر الكامل لابن عدي (٤٦٣/٦).
وقال الحافظ في ((التقريب)) (٢٥٥/٢): لين الحديث.
حديث ابن عمر:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٠٣/٢) عنه قال: قال رسول الله وَّر: ((ليس للنساء نصيب في الخروج إلا
مضطرة يعني ليس لها خادم إلا في العيدين الأضحى والفطر وليس لهم نصيب في الطريق إلا الحواشي)).
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه سوار بن مصعب وهو متروك الحديث ا. هـ.
وذكره الذهبي في («المغني)) (٢٩٠/١) وقال: قال أحمد والدار قطني متروك الحديث.
حدیث عبد الله بن عمرو:
ذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٠٣/٢) عنه قال: كنت عند رسول الله وَلير يوم عيد فقال ادعوا لي سيد
الأنصار فدعوا أبي بن كعب فقال: يا أبي انت المصلى فأمر بكنسه وأمر الناس فليخرجوا فلما بلغ الباب
رجع فقال: يا رسول الله والنساء فقال: والعوائق والحيض يكن في الناس يشهدن الدعوة قال الهيثمي:
رواه الطبراني في الكبير وفيه يزيد بن شداد مجهول وكذلك عتبة بن عبد الله بن عمرو بن العاص
مجهول .
(١) سقط في أ.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٤٥١): كتاب العيدين: باب المشي إلى العيد بغير أذان ولا إقامة، الحديث (٩٥٩)
و(٩٦٠)، ومسلم (٢/ ٦٠٤) كتاب صلاة العيدين: باب صلاة العيدين، الحديث (٨٨٦/٥)، من حديث
جابر، وابن عباس قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى.
وأخرجه مسلم (٢/ ٦٠٤): كتاب صلاة العيدين: باب صلاة العيدين، الحديث (٨٧/٧)، وأبو داود =