النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ كتاب الصلاة وعن محمد - رحمه الله -: أنه قال: لا يكون الاعتجار إلا مع تنقب؛ وهو أن يلف بعض العمامة على رأسه، ويجعل طرفاً منها على وجهه، كمعتجر النساء؛ إما لأجل الحر والبرد أو للتكبر. ويكره(١) أن يغمض عينيه في الصلاة، لما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَغْمِيضِ العَيْنِ فِي الصَّلاَةِ))(٢) ولأن السنة أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وفي التغميض ترك هذه السنة، ولأن كل عضو وطرف ذو حظ من هذه العبادة، فكذا العين، ولا يروح في الصلاة؛ لما فيه من ترك سنة وضع اليد وترك الخشوع. ويكره(٣) أن يبزق على حيطان المسجد، أو بين يديه على الحصى أو يمتخط؛ لقول النبي ◌َّهِ: ((إِنَّ المَسْجِدَ لَيَنْزَوِي مِنَ الثُّخَامَةِ؛ كَمَا تَنْزَوِي الْجِلْدَةُ في النَّارِ)) (٤) ولأن ذلك سبب التنفير الناس عن الصلاة في المسجد، ولأن النخامة والمخاط مما يستقذر طبعاً. وإذا عرض له ذلك ينبغي أن يأخذه بطرف ثوبه؛ وإن ألقاه في المسجد فعليه أن يرفعه، ولو دفنه في المسجد تحت الحصير يرخص له ذلك، والأفضل ألاَّ يفعل؛ لما روي أن النبي ◌َّ رخص في دفن النخامة في المسجد(٥)، ولأنه طاهر في نفسه، إلا أنه مستقذر طبعاً، فإذا دفن لا يستقذر، ولا يؤدي إلى التنفير، والرفع أولى؛ تنزيهاً للمسجد عما ينزوي منه. ويكره(٦) عد الآي، والتسبيح في الصلاة عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا بأس بذلك في الفرض والتطوع. وروي عن أبي حنيفة أنه كره في الفرض، ورخص في التطوع. وذكر في ((الجامع الصغير)) قول محمد مع أبي حنيفة. وجه قولهما: أن العد مُحتَاجٌ إليه؛ لمراعاة السنة في قدر القراءة، وعدد التسبيح خصوصاً في صلاة التسبيح التي توارثتها الأمة. (١) في هامش ب: يكره أن يغمض عينيه على الصلاة. (٢) لا يصح في تغميض العين حديث كما قال ابن القيم في («المنار المنيف)). (٣) في هامش ب: يكره أن يبزق على حيطان المسجد. (٤) لا يعرف ينظر تذكرة الموضوعات (٣٦) والفوائد المجموعة ص (٢٥) حديث (٣٤). (٥) أخرجه البخاري (٥١٢/١) كتاب الصلاة: باب النخامة في المسجد حديث (٤١٦) ومسلم (٣٩٨/١) كتاب المساجد: باب النهي عن البصاق في المسجد حديث (٥٣/ ٥٥٠). (٦) في هامش ب: يكره عد الآي والتسبيح بها. بدائع الصنائع ج٢ - م٦ ٨٢ كتاب الصلاة ولأبي حنيفة أن في العد باليد ترك لسنة اليد؛ وذلك مكروه؛ ولأنه ليس من أعمال الصلاة؛ فالقليل منه إن لم يفسد الصلاة فلا أقل من أن يوجب الكراهة، ولا حاجة إلى العد باليد في الصلاة؛ فإنه يمكنه أن يعد خارج الصلاة مقدار ما يقرأ في الصلاة ويعين، ثم يقرأ بعد ذلك المقدار المعين أو يعد بقلبه. ويكره(١) أن يكون الإمام على دكان، والقوم أسفل منه. والجملة فيه: أنه لا يخلو: إما ١١٠ ب إن كان الإمام على الدكان والقوم أسفل منه، أو كان القوم على الدكان والإمام أسفل/ منهم. ولا يخلو: إما إن كان الإمام وحده، أو كان بعض القوم معه. وكل ذلك لا يخلو: إما ان كان في حالة الاختيار، أو في حالة العذر. أما في حالة الاختيار: فإن كان الإمام وحده على الدكان والقوم أسفل منه - يكره، سواء كان المكان قدر قامة الرجل، أو دون ذلك في ظاهر الرواية . وروى الطحاوي: أنه لا يكره ما لم يجاوز القامة؛ لأن في الأرض هبوطاً وصعوداً، وقليل الارتفاع عفو، والكثير ليس بعفو؛ فجعلنا الحد الفاصل ما يجاوز القامة. وروي عن أبي يوسف: أنه إذا كان دون القامة لا يكره. والصحيح: جواب ظاهر الرواية؛ لما روي أن حذيفة بن اليمان قام بالمدائن ليصلي بالناس على دكان، فجذبه سلمان الفارسي، ثم قال: ما الذي أصابك، أطال العهد أم نسيت، أما سمعت رسول الله وَلَّ يقول: ((لاَ يَقُوْمُ الإِمَامُ عَلَى مَكَانٍ أُنشَر مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ))، وفي رواية: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ أَصْحَابَكَ يَكْرَهُوْنَ ذَلِكَ)) فقال: تذكرت حين جذبتني. ولا شك أن المكان الذي يمكن الجذب عنه ما دون القامة، وكذا الدكان المذكور يقع على المتعارف؛ وهو ما دون القامة، ولأن كثير المخالفة بين الإمام والقوم يمنع الصحة؛ فقليلها يورث الكراهة، ولأن هذا صنيع أهل الكتاب، وإن كان الإمام أسفل من القوم يكره في ظاهر الرواية. وروى الطحاوي عن أصحابنا: أنه لا يكره؛ ووجهه: أن الموجب للكراهة التشبه بأهل الكتاب في صنيعهم (٢)، ولا تشبه ههنا؛ لأن مكان إمامهم لا يكون أسفل من مكان القوم، وجواب ظاهر الرواية أقرب إلى الصواب؛ لأن كراهة كون المكان أرفع كان معلولاً بعلتين : التشبه بأهل الكتاب، ووجود بعض المفسد، وهو اختلاف المكان، وههنا وجدت إحدى العلتين، وهي: وجود بعض المخالفة. هذا إذا كان الإمام وحده، فإن كان بعض القوم معه: اختلف المشايخ فيه: فمن اعتبر معنى التشبه قال: لا يكره، وهو قياس رواية الطحاوي؛ الزوال معنى التشبه؛ لأن أهل الكتاب لا يشاركون الإمام في المكان. ومن اعتبر وجود بعض المفسد قال: يكره، وهو قياس ظاهر الرواية؛ لوجود بعض المخالفة . (١) في هامش ب: يكره أن يكون للإمام علي دكان والقوم أسفل منه. (٢) في ب: وصنيعهم. ٨٣ كتاب الصلاة وأما في حالة العذر - كما في الجمع والأعياد -: لا يكره كيفما كان؛ لعدم إمكان المراعاة ويكره (١) المار أن يمر بين يدي المصلي؛ لقول النبي وَّ: ((لَوْ عَلِمَ المَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْوِزْرِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ(٢) - خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)(٣) ولم يوقت يوماً أو شهراً أو سنةً، ولم يذكر في الكتاب قدر المرور، واختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: قدر موضع السجود. وقال بعضهم: مقدار الصفين. وقال بعضهم: قدر ما يقع بصره على المار لو صلّى بخشوع، وفيما وراء ذلك لا يكره؛ وهو الأصح، وينبغي للمصلي أن يدرأ المارّ [عن نفسه] (٤) أي: يدفعه حتى لا يمرَّ حتى لا يشغله عن صلاته؛ لما رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ أَنَّ النَّبِيَّ نََّ قَالَ: ((لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ مُرُورُ شَيْءٍ، فَادرؤوا مَا اسْتَطَعْتُمْ))(٥) ولو مر لا تقطع الصلاة، سواءٌ كان المارُّ رجلاً أو امرأةً، لما (١) في هامش ب: يكره أن يمر بين يدي المصلي. (٢) في ب: لوقف ولو إلى أربعين. (٣) تقدم. (٤) سقط في ط. (٥) أخرجه أبو داود (١/ ٤٦٠) كتاب الصلاة: باب من قال لا يقطع الصلاة شيء حديث (٧١٩) والدارقطني (٣٦٨/١) كتاب الصلاة: باب صفة السهو في الصلاة وأحكامه حديث (٥) والبيهقي (٢٧٨/٢) كتاب الصلاة: باب الدليل على أن مرور الكلب وغيره بين يديه لا يفسد الصلاة، والبغوي في ((شرح السنة)» (١٧٥/٢ - بتحقيقنا) من طريق مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ؤالقر: لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم فإنما هو شيطان وذكره ابن الجوزي في ((العلل)) (٤٤٥/١) من طريق الدار قطني وقال: قال أحمد: مجالد ليس بشيء، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد فيرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به. وقال النووي في ((المجموع)) (٢٢٥/٣): رواه أبو داود بإسناد ضعيف. وللحديث شاهد من حديث ابن عمر . أخرجه الدارقطني (٣٦٧/١ -٣٦٨) كتاب الصلاة: رقم (٤) وابن الجوزي في («العلل المتناهية)» (١/ ٤٤٥) من طريق ابراهيم بن يزيد الجوزي عن سالم عن أبيه أن رسول الله وَلقر قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء وادراً ما استطعت. قال ابن الجوزي: قال أحمد والنسائي: ابراهيم الجوزي متروك، وقال يحيى: ليس بشيء. وله شاهد أيضاً من حديث أبي أمامة. أخرجه الدار قطني (٣٦٨/١) كتاب الصلاة رقم (٦) من طريق عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة عن النبي ◌َّ قال: لا يقطع الصلاة شيء. قال شمس الحق آبادي في ((التعليق المغني)) (٣٦٨/١): الحديث رواه ابن الجوزي في («العلل المتناهية من طريق الدارقطني وقال: لا يصح قال في التحقيق: لما فيه عفير بن معدان قال أحمد: ضعيف منكر الحديث وقال يحيى: ليس بثقة وقال أبو حاتم الرازي: ليس بثقة. ٨٤ كتاب الصلاة نذكر في موضعه، إلا أنه ينبغي أن يدفع بالتسبيح أو بالإشارة، أو الأخذ بطرف ثوبه من غير مشي ومعالجة شديدة، حتى لا تفسد صلاته. ومن الناس من قال: إِن لم يقف بإشارته جاز دفعه بالقتال؛ لحديث أبي سعيد الخدري : أنه كان يصلي، فأراد ابن مروان أن يمر بين يديه، فأشار إليه فلم يقف، فلما حاذاه ضربه في صدره ضربة أقعده على استه، فجاء إلى أبيه يشكو أبا سعيد، فقال: لمّ ضربت ابني؟ فقال: ما ضربت ابنك، إنما ضربت شيطاناً. فقال لم تسمّي ابني شيطاناً؟ فقال: لأني سمعت رسول اللهِ وَسَلّ يقول: ((إذا صلّى أحدكم فأراد مار أن يمر بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنه شيطان)) . ولنا: قول النبي وَّ: ((إِنَّ فِي الصَّلاَةِ لَشغْلاً)) يعني: أعمال الصلاة، والقتال ليس من أعمال الصلاة؛ فلا يجوز الاشتغال به. وحديث أبي سعيد كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحاً، ومن المشايخ من قال: إن الدرء رخصة، والأفضل ألاَّ يدرأ؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة، وكذا روى إمام الهدى الشيخ أبو منصور عن أبي حنيفة: أن الأفضل أن يترك الدرء، والأمر بالدرء في الحديث؛ لبيان الرخصة كالأمر بقتل الأسودين، هذا إذا لم يكن بينهما حائل، كالأسطوانة ونحوها، فأما إن كان بينهما حائل: فلا بأس بالمرور فيما وراء الحائل، والمستحب(١) لمن يصلي في الصحراء أن ينصب بين يديه عوداً، أو يضع شيئاً أدناه طول ذراع، كي لا يحتاج إلى الدرء؛ لقول النبي وَّمَ: ((إِذَا صَلَّى أَحدُكُمْ فِي الصَّخْرَاءِ، فَلْيَتَّخِذْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةً»(٢) . ورُوِيَ: أَنَّ العَتْزَةَ كَانَتْ تُحْمَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لِتُرَكَّزَ فِي الصَّحْرَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي ١١١أ إِلَيْهَا حَتَّىٍ قَالَ عَوْنُ بْنُ أبي جُحَيْفَةَ(٣) عَنْ أَبِيهِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ بِالْبَطْحَاءِ فِي قُبَّةِ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَم، فَأَخْرَجَ بِلاَلْ العَنْزَةَ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّ فَصَلَّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ يَمُرُونَ مِنْ وَرَائِهَا))؛ وإنما قَدر أدناه بذراع طولاً دون اعتبار العرض. وقيل: ينبغي أن يكون في غلظ أصبع؛ لقول ابن مسعود: يجزىء من السترة السهم، ولأن الغرض منه المنع من المرور؛ وما دون ذلك لا يبدو للناظر من بعيد فلا يمتنع ويدنو من (١) في هامش ب: المستحب لمن يصلي في الصحراء أن ينصب عوداً. (٢) قال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٨٠) غريب بهذا اللفظ ويقرب منه ما أخرجه أبو داود عن حديث عن أبي هريرة أن رسول الله وَير، قال: ((إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصاً، فليخطط خطاً، ولا يضره ما مر أمامه)) انتهى. (٣) عَوْن بن أبي حجيفة السُّوائي. عن أبيه والمنذر بن جرير. وعنه عُمَر بن أبي زائدة والثوري. وثقه أبو حاتم. ينظر الخلاصة ٣٠٩/٢ (٥٤٩١). ٨٥ كتاب الصلاة السترة؛ لقوله وَّ: ((مَنْ صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَذْنُ مِنْهَا))(١) فإن لم يجد سترة، هل يخط بين يديه خطاً؟ حكى أبو عصمة عن محمد أنه قال: لا يخط بين يديه، فإن الخط وتركه سواء؛ لأنه لا يبدو للناظر من بعيد فلا يمتنع؛ فلا يحصل المقصود. ومن الناس من قال: يخط بين يديه خطاً، إما طولاً شبه ظل السترة، أو عرضاً شبه المحراب؛ لقوله وَله: ((إذا صلّى أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة، فإن لم يجد فليخط بين يديه خطاً» ولكن الحديث غريب ورد فيما تعم به البلوى؛ فلا نأخذ به، ولا(٢) بأس بقتل العقرب أو الحية في الصلاة؛ لأنه يشغل القلب؛ وذلك أعظم من قتله. وقال النبي ◌َّ: ((اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي الصَّلاَةِ، وَهُمَا الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ))(٣) وهذا ترخيص وإباحة، وإن كانت صيغته صيغة الأمر؛ لأن قتلهما ليس من أعمال الصلاة، حتى لو عالج معالجة كثيرة (٤) في قتلهما؛ تفسد صلاته على ما نذكر. ويكره(٥) للمأموم أن يسبق الإمام بالركوع والسجود؛ لما روي عن النبي وّر أنه قال: ((لا تبادروني بالركوع والسجود، فإني قد بدنت)). ولو سبقه: ينظر إن لم يشاركه الإمام في الركن الذي سبقه أصلاً، لا يجزئه ذلك؛ حتى أنه لو لم يعد الركن. وسلم تفسد صلاته؛ لأن الاقتداء عبارة عن المشاركة والمتابعة، ولم توجد في الركن، وإن شاركه الإمام في ذلك الركن أجزأه عندنا؛ خلافاً لزفر؛ وجه قوله: أن الابتداء وقع باطلاً، والباقي بناء عليه فأخذ حكمه. ولنا: أن القدر الذي وقعت فيه المشاركة ركوع تام؛ فيكتفى به، وانعدام المشاركة فيما قبله لا يضر؛ لأنه ملحق بالعدم. ويكره أن يرفع رأسه من الركوع والسجود قبل الإمام، لقوله وَلـ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ ليُؤْتَمَّ به؛ فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ)) (٦) ويكره (٧) أن يقرأ في غير حال القيام؛ لأنه وَّ نهى عن القراءة في الركوع والسجود. وقال: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء؛ فإنه قمن أن يستجاب لكم)). (١) في هامش ب: إن لم يجد سترة هل خطاً بين يديه. (٢) في هامش ب: لا بأس بقتل العقرب والحية في الصلاة. (٣) أخرجه البخاري ٤٨٥/١، كتاب الصلاة: باب الصلاة في الثوب الأحمر (٣٧٦)، (٢٩٤/١) كتاب الوضوء: باب استعمال فضل وضوء الناس (١٨٧)، وفي ١١٢/٢، كتاب الأذان: باب الأذان للمسافر (٦٣٣) ومسلم ٣٦٠/١ - ٣٦١ كتاب الصلاة: باب سترة المصلي (٥٠٣/٢٤٩) و(٥٠٣/٢٥٠) و(٢٥٢/ ٥٠٣) وأحمد في المسند (٣٠٩/٤). (٤) في ب: كبيرة. (٥) في هامش ب: يكره للمأموم أن يسبق الإمام بالركوع والسجود. (٦) تقدم. (٧) في هامش ب: يكره أن يقرأ في غير حال القيام. ٨٦ كتاب الصلاة ويكره النفخ في الصلاة؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة. ولا ضرورة فيه؛ بخلاف التنفس ؛ فإن فيه ضرورة. وهل تفسد الصلاة بالنفخ؟ فإن لم يكن مسموعاً لا تفسد، وإن كان مسموعاً تفسد في قول أبي حنيفة، ومحمد. ونذكر الْمَسْأَلَةَ في بيان ما يفسد الصلاة. ويكره(١) لمن أتي الإمام وهو راكع أن يركع دون الصف، وإن خاف الفوت؛ لما روي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: ((أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدَ النَِّيَّ وََّ فِي الرُّكُوعِ، فَكَبَّرَ كَمَا دَخَلَ المَسْجِدَ، وَدَبَّ رَاكِعاً حَتَّى اٌلْتَحَقَ بِالصُّفُوفِ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ◌َّهِ قَالَ لَهُ: (زَادَكَ الله حِزْصاً، وَلاَ تَعُدْ))(٢) ولأنه لا يخلو عن إحدى الكراهتين، إما أن يتصل بالصفوف فيحتاج إلى المشي في الصلاة، وأنه فعل مناف للصلاة في الأصل؛ حتى قال بعض (٣) المشايخ: إن [مشى] (٤) خطوة خطوة لا تفسد صلاته، وإن مشى خطوتين خطوتين تفسد. وعند بعضهم: لا تفسد كيفما كان؛ لأن المسجد في حكم مكان واحد؛ لكن لا أقل من الكراهة. وإما أن يتم الصلاة في الموضع الذي ركع فيه، فيكون مصلياً خلف الصفوف وحده؛ (١) في هامش ب: يكره إذا أتى الإمام وهو راكع يركع دون الصف. (٢) أخرجه أحمد (٣٩/٥)، والبخاري (٣١٢/٢): كتاب الأذان. باب إذا ركع دون الصف، الحديث (٧٨٣)، وأبو داود (٤٤٠/١): كتاب الصلاة: باب الرجل يركع دون الصف، الحديث (٦٨٣)، والنسائي (١١٨/٢): كتاب الإمامة: باب الركوع دون الصف، والبيهقي (١٠٦/٣): كتاب الصلاة: باب جواز الصلاة دون الصف، وابن الجارود (ص - ٨٨) رقم (٣١٨)، والطبراني في ((الصغير)) (٩٥/٢)، والبغوي في شرح السنة (٣٨٨/٢ - بتحقيقنا)، من رواية الحسن عنه، أنه انتهى إلى النبي بشّر، وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي وَ ل﴿ فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تَعُذْ))، وقد أخرجه الطبراني في «الكبير)) كما في ((مجمع الزوائد» (٧٩/٢)، بزيادة: ((صلُ ما أدركت واقض ما سبقك)). وقال الهيثمي: قلت: هو في الصحيح، وغيره خلا قوله: ((صل ما أدركت واقضى ما سبقك)). أخرجه الطبراني في «الكبير»، وفيه عبد الله بن عيسى الجزاز، وهو ضعيف اهـ. وقال أبو زرعة الرازي: منكر الحديث. وقال الذهبي ضعفوه، وقال الحافظ : ضعيف. ينظر سؤالات البرذعي (ص - ٥٢٩) والمغني (٣٥٠/١) وتقريب التهذيب (٤٣٨/١). قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٨٥/١): اختلف في معنى قوله: ولا تعد، فقيل: نهاه عن العود إلى الإحرام خارج الصف، وأنكر هذا ابن حبان، وقال: أراد لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة، وقال ابن القطان الفاسي تبعاً للمهلب بن أبي صفرة: معناه لا تعد إلى دخولك في الصف وأنت راكع، فإنها كمشية البهائم . (٣) في ب: قال مشايخنا. (٤) سقط في ب. ٨٧ كتاب الصلاة وإنه مكروه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لاَ صَلاَةَ لِمُنْتَبِذٍ خَلْفَ الصُّفُوفِ))(١) وأدنى أحوال النفي هو نفي الكمال. ثم الصلاة منفرداً خلف الصف؛ إنما تكره إذا وجد فرجة في الصف، فأما إذا لم يجد فلا تكره؛ لأن الحال حال العذر؛ وإنها مستثناة. ألا ترى أنها لو كانت امرأة يجب عليها أن تقوم خلف الصف؛ لأن محاذاتها الرجل مفسدة صلاة الرجل؛ فوجب الانفراد للضرورة. وينبغي إذا لم يجد فرجة أن ينتظر من يدخل المسجد ليصطف معه خلف الصف، فإن لم يجد(٢) أحداً، وخاف فوت الركعة، جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه علماً وحسن الخلق؛ لكيلا يغضب عليه، فإن لم يجد يقف حينئذ خلف الصف بحذاء الإمام. قال محمد: ويؤمر (٣) من أدرك القوم ركوعاً أن يأتي وعليه السكينة والوقار، ولا يعجل في الصلاة حتى يصل إلى الصف، فما أدرك مع الإمام صلى بالسكينة والوقار وما فاته قضى، وأَصله قولُ النّبِيِّ وَرَ: ((إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلاَةَ، فَأَتَوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعُوْنَ؛ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَقْضُوا))(٤). ١١١ ب ويكره(٥) لمصلي المكتوبة أن يعتمد على شيء إِلاَّ من عذر؛ لأن الاعتماد يخل بالقيام وترك القيام في الفريضة لا يجوز إِلاَّ من عذر، فكان الإخلال به مكروهاً إِلاَّ من عذر، ولو فعل جازت صلاته؛ لوجود أصل القيام، وهل يكره ذلك لمصلي التطوع؟ لم يذكره في الأصل، واختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: لا بأس به؛ لأن ترك القيام في التطوع جائز من غير عذر فالإخلال به أولى. وقال بعضهم: يكره؛ لما رُوِيَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ رَأَى حَبْلاَ مَمْدُوداً في المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((لِمَنْ هَذَا؟)) فَقِيلَ: لِفُلاَنَةَ تُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَعْيَتِ، أَتَّكَأَتْ فَقَالَ وَّهِ: ((لِتُصَلِّ فُلاَنَةُ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَعْيَتْ فَلْتَتَمْ))(٦) ولأن في الاعتماد بعض التنعم والتحبر، ولا ينبغي للمصلي أن يفعل شيئاً من ذلك من غير عذر. (١) تقدم. (٢) في ب: لم يدخل. (٣) في هامش ب: إذا أدرك القوم ركوعاً أن يأتي وعليه السكينة والوقار. (٤) تقدم. (٥) في هامش ب: يكره للمصلي أن يعتمد على شيء. (٦) أخرجه أبو داود (٤١٩/١) كتاب الصلاة: باب النعاس في الصلاة حديث (١٣١٢). وأحمد (١٨٤/٣، ٢٠٤، ٢٥٦) والحاكم (٦١/٤) وابن أبي شيبة (٣٣٧/١). والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٣٥٦/٤) ويلفظ آخر. ٨٨ كتاب الصلاة ويكره(١) السدل في الصلاة، واختلف في تفسيره: ذكر الكرخي: أن سدل الثوب هو أن يجعل ثوبه على رأسه أو على كتفيه، ويرسل أطرافه من جوانبه، إذا لم یکن عليه سراويل. وروي عن الأسود وإبراهيم النخعي، أنهما قالا: السدل يكره، سواء كان عليه قميص أو لم يكن. وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يكره السدل على القميص وعلى الإزار، وقال: لأنه صنع أهل الكتاب، فإن كان السدل بدون السراويل؛ فكراهته لاحتمال كشف العورة عند الركوع والسجود. وإن كان مع الإزار؛ فكراهته لأجل التشبه بأهل الكتاب. وقال مالك: لا بأس به کیفما كان. وقال الشافعي: إن كان من الخيلاء يكره وإِلاَّ فلا، والصحيح: مذهبنا؛ لما روي عن النبي وَل أنه: ((نَهَى عن السدل))(٢) من غير فصل. ويكره(٣) لبسة الصماء. واختلف في تفسيرها: ذكر الكرخي: هو أن يجمع طرفي ثوبه، ويخرجهما تحت إحدى يديه على إحدى كتفيه إذا لم يكن عليه سراويل، وإنما كره؛ لأنه لا يؤمن انكشاف العورة، ومحمد - رحمه الله - فصل بين الاضطباع ولبسة الصماء، فقال: إنما تكون لبسة الصماءِ إذا لم يكن عليه إزارٌ، فإن كان عليه إزار فهو اضطباع؛ لأنه يدخل طرفي ثوبه تحت إحدى ضبعيه، وهو مكروه؛ لأنه لبس أهل الكبر. وذكر بعض أهل اللغة: أن لبسة الصماء: أن يلف الثوب على جميع بدنه من العنق إلى الركبتين؛ وإنه مكروه؛ لأن فيه ترك سنة اليد، ولا بأس أن يصلي في ثوب واحد متوشحاً به أو في قميص واحد. والجملة فيه: ان اللبس (٤) في الصلاة ثلاثة أنواع: لبس مستحب؛ ولبس جائز من غير كراهة، ولبس مكروه. أما المستحب: فهو أن يصلي في ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ورداء وعمامة. كذا ذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني في ((غريب الرواية)) عن أصحابنا. (١) في هامش ب: ويكره السدل في الصلاة. (٢) تقدم. (٣) في هامش ب: يكره لبسه الصماء. (٤) هامش في ب: بيان اللبس في الصلاة وهو ثلاثة أنواع. ٨٩ كتاب الصلاة وقال محمد: إن المستحب للرجل أن يصلي في ثوبين: إزار ورداء؛ لأن به يحصل ستر العورة والزينة جميعاً. وأما اللبس الجائز بلا كراهة؛ فهو أن يصلي في ثوب واحد متوشحاً به أو قميص واحد؛ لأنه حصل به ستر العورة وأصل الزينة إِلاَّ أنه لم تتم الزينة، وأصله: ((ما رُوِيَ عن علي؛ أَن رَسُولَ اللهِ وََّ سُئِلَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: أَوْكُلُكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنٍ)) (١) أشار إلى الجواز ونبه على الحكمة، وهي: أن كل واحد لا يجد ثوبين، وهذا كله إذا كان الثوب صفيقاً لا يصف ما تحته، فإن كان رقيقاً يصف ما تحته لا يجوز؛ لأن عورته مكشوفة من حيث المعنى. قال النَّبِيُّ وَّ: (لَعَنَ الله الكَاسِيَاتِ العَارِيَاتِ))(٢) ثم لم يذكر في ظاهر الرواية أن القميص(٣) الواحد إذا كان محلول الجيب والزر، هل تجوز الصلاة فيه؟ ذكر ابن شجاع فيمن صلّى محلول الأزرار، وليس عليه إزار: أنه إن كان؛ بحيث لو نظر رأى عورة نفسه من زيقه لم تجز صلاته، وإن كان؛ بحيث لو نظر لم ير عورته جازت. وروي عن محمد - رحمه الله تعالى - في غير رواية الأصول: إن كان بحال لو نظر إليه غيره يقع بصره على عورته من غير تكلف - فسدت صلاته، وإن كان بحال لو نظر إليه غيره لا يقع بصره على عورته إِلاَّ بتكلف - فصلاته تامة، فكأنه شرط ستر العورة في حق غيره لا في حق نفسه . (١) أخرجه أحمد (٢٣٠/٢)، والبخاري (٤٧٥/١): كتاب الصلاة: باب الصلاة في القميص، الحديث (٣٦٥)، ومسلم (٣٦٧/١): كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد، الحديث (٥١٥/٣٧٥)، وأبو داود (٤١٤/١): كتاب الصلاة: باب جماع أبواب ما يصلى فيه، الحديث (٦٢٥)، والنسائي (٦٩/٢): كتاب القبلة: باب الصلاة في الثوب الواحد، وابن ماجة (٣٣٣/١):؛ كتاب إقامة الصلاة: باب الصلاة في الثوب الواحد، الحديث (١٠٤٧)، والحميدي (٤١٨/٢) رقم (٩٣٧) وابن خزيمة رقم (٧٥٨) وأبو يعلى (٢٨٦/١) رقم (٥٨٨٣) وابن حبان (٢٢٨٦ - الإحسان) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٣٧٩) والبيهقي (٢٣٧/٢) كتاب الصلاة: باب الصلاة في ثوب واحد، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢/ ٥١ : - بتحقيقنا) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن سائلاً سأل رسول الله وص له عن الصلاة في ثوب واحد فقال رسول الله ێ: أو لكلكم ثوبان. وأخرجه مسلم (٣٦٧/١) وأحمد (٢٨٥/٢) والبيهقي (٢٩٧/٢) من طرق عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وأخرجه الطيالسي (٨٣/١ - منحة) رقم (٣٥٥) وأحمد (٤٩٥/٢) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٧/٦) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري رقم (٣٦٥) ومسلم (١ / ٣٦٧) من طريق أيوب عن محمد بن سيرين بالإسناد السابق. (٢) بلفظ صنفان من أهل النار أخرجه مسلم ٢١٩٢/٤ - ٢١٩٣، كتاب الجنة: باب النار يدخلها الجبارون (٢١٢٨/٥٢) وأحمد في المسند ٣٥٦/٢، ٤٤٠ والبيهقي في السنن (٢٣٤/٢). (٣) في هامش ب: القميص إن كان محلول الجيب. ٩٠ كتاب الصلاة وعن داود الطائي(١) أنه قال: إن كان الرجل خفيف اللحية لم يجز، لأنه يقع بصره على عورته إذا نظر من غير تكلف؛ فيكون مكشوف العورة في حق نفسه، وستر العورة عن نفسه وعن غيره شرط الجواز، وإن كان كث اللحية جاز؛ لأنه لا يقع بصره على عورته إِلاَّ بتكلف؛ فلا يكون مكشوف العورة. وأما(٢) اللبس المكروه: فهو أَنْ يُصَلِّيَ في إزارٍ واحدٍ أو سراويلَ واحدٍ؛ لِمَا رُوِيَ عن النَِّيِّ نََّ: ((أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَّيْسَ عَلَى عاتِقِهِ مِنْهُ شَيْء))(٣)، ولأن ستر ١١٢ أ العورة إن/ حصل فلم تحصل الزينة. وقد قال الله - تعالى -: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. وروي: أن رجلاً سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في ثوب واحد؛ فقال: أرأيت لو أرسلتك في حاجة أكنت منطلقاً في ثوب واحد؟ فقال: لا، فقال: الله أحق أن تتزین له . وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الصلاة في إزارٍ واحدٍ فعل أهل الجفاء، وفي ثوبٍ متوشحاً به أبعد من الجفاء، وفي إزار ورداء من أخلاق الكرام. هذا الذي ذكرنا في حق الرجل، فأما المرأة: فالمستحب(٤) لها ثلاثة أثواب في الروايات كلها، درع، وإزار، وخمار، فإن صلت في ثوب واحد متوشحة به يجزئها، إذا سترت به رأسها وسائر جسدها سوى الوجه والكفين. وإن كان شيء مما سوى الوجه والكفين منها مكشوفاً: فإن كان قليلاً جاز، وإن كان كثيراً لا يجوز، وسنذكر الحد الفاصل بينهما إن شاء الله تعالى. وهذا في حق الحرة، فأما الأمة: إذا صلت مكشوفة الرأس يجوز؛ لأن رأسها ليس بعورة، ولا(٥) بأس بأن يمسح جبهته من التراب بعد ما فرغ من صلاته قبل أن يسلم؛ بلا (١) داود بن نصير الطائي، أبو سليمان، الكوفيّ، الإمام، الرَّبَّاني كان ممن درس الفقه وغيره من العلوم. سمع الأعمش وابن أبي ليلى، وروى عنه ابن عيينة، وابن علية، ووثقه يحيى بن معين، وروى له النسائي. توفي سنة خمس وستين ومائة. ينظر: الجواهر المضنية ١٩٤/٢ - ١٩٥، دول الإسلام ١١٠/١، تقريب التهذيب ٢٣٤/١. (٢) في هامش ب: أما اللبس المكروه أن يصلي في ثوب واحد. (٣) أخرجه البخاري (٦٥٩/١، ٦٦٠) في الصلاة: باب إذا صلى بالثوب الواحد فليجعل على عاتقيه (٣٥٩، ٣٦٠) ومسلم ٣٦٨/١ في الصلاة: باب الصلاة من الثوب الواحد وصفة لبسه (٢٧٧ /٥١٦) والشافعي في المسند: ٦٣/١، الباب الثالث في شروط الصلاة (١٨٥) و(١٨٦). (٤) في هامش ب: المستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب. (٥) في هامش ب: ولا بأس بأن يمسح جبهته من التراب بعد فراغه. ٩١ كتاب الصلاة خلاف؛ لأنه لو قطع الصلاة في هذه الحالة لا يكره؛ فلأن لا يكره إدخال فعل قليل أولى، وأما قبل الفراغ من الأركان: فقد ذكر في رواية أبي سليمان فقال: قلت فإن مسح جبهته قبل أن يفرغ؟ قال: لا أكرهه. من مشايخنا من فهم من هذه اللفظة نفي الكراهة، وجعل كلمة ((لا)) داخلة في قوله: أكره، وكذا ذكر في (آثار أبي حنيفة)) وفي ((اختلاف أبي حنيفة وابن أبي لیلی)». ووجهه: ما رُوِيَ عن ابن عباس: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ فِي الصَّلاَةِ)» وإنما كان يفعل ذلك؛ لأنه كان يؤذيه فكذا هذا، ومنهم من قال: كلمة ((لا)) مقطوعة عن قوله: أكره، فكأنه قال: هل يمسح؟ فقال: لا، نفياً له ثم ابتدأ الكلام، وقال: أكره له ذلك، وهو رواية هشام في ((نوادره)) عن محمد: أنه يكره، فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين المسح قبل الفراغ من الأركان، وبين المسح بعد الفراغ منها قبل الإسلام. والفرق: أن المسح قبل الفراغ لا يفيد؛ لأنه يحتاج إلى أن يسجد ثانياً فيلتزق التراب بجبهته ثانياً، والمسح بعد الفراغ من الأركان مفيد، ولأن هذا فعل ليس من أفعال الصلاة؛ فيكره تحصيله في وقت لا يباح فيه الخروج عن الصلاة كسائر الأفعال، بخلاف المسح بعد الفراغ من الأركان. وقد روي عن النَّبِيِّ بَّ أَنَّهُ قَالَ: ((أَرْبَعْ مِنَ الجَفَاءِ وَعَدَّ مِنْهَا: مَسْحَ الجَبْهَةِ في الصَّلاَةِ))(١). ومنهم من وافق فقال: جواب محمد فيما إذا كان تركه لا يؤذيه، وجواب أبي حنيفة مثله في هذه الحالة. والحديث محمول على هذه الحالة، أو على المسح باليدين وجواب أبي حنيفة فيما إذا كان ترك المسح يؤذيه، ويشغل قلبه عن أداء الصلاة، ومحمد يساعده في هذه الحالة؛ ولهذا كان النبي ◌َّ يمسح العرق عن جبينه؛ لأن الترك كان يؤذيه ويشغل قلبه، وقد بينا ما يستحب للإمام أن يفعله بعد الفراغ من الصلاة، وما يكره له في ((فصل الإمامة)). والله أعلم. (١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢٥٨٦/٧ والبيهقي في السنن الكبرى ٢٨/٢ وذكره الهندي في كنز العمال ٦٨/١٦ وعزاه لهما من حديث أبي هريرة. قال البيهقي في السنن الكبرى أخبرناه أبو سعيد الماليني، أنبأ أبو أحمد بن عدي ثنا عبد الصمد بن عبد الله الدمشقي ثنا دحيم، حدثني ابن أبي فديك حدثني هارون بن هارون بن عبد الله بن الهدير التيمي فذكره، قال أبو أحمد أحاديثه عن الأعرج وغيره مما لا يتابعه الثقات عليه . قال أبو أحمد ثنا الجنيدي ثنا البخاري: قال هارون بن هارون لا يتابع في حديثه يروى عن الأعرج يقال هو أخو محرز التيمي المدني، قال الشيخ: وقد روي من أوجه أخر كلها ضعيفة، وروي عن ابن عباس إنه قال لا يمسح وجهه من التراب في الصلاة حتى يتشهد ويسلم. ٩٢ كتاب الصلاة فضل في مفسدات الصلاة وأما بيان(١) ما يفسد الصلاة: فالمفسد لها أنواع: منها الحدث العمد قبل تمام أركانها بلا خلاف حتى يمتنع عليه البناء، واختلف في الحدث السابق: وهو الذي سبقه من غير قصد، وهو ما يخرج من بدنه من بول، أو غائط، أو ريح، أو رعاف، أو دم سائل من جرح، أو دمل به بغیر صنعه . قال أصحابنا: لا يفسد الصلاة فيجوز البناء استحساناً. وقال الشافعي: يفسدها فلا يجوز البناء قياساً. والكلام في البناء في مواضع: في بيان أصل البناء أنه جائز أم لا؟ وفي بيان شرائط جوازه لو كان جائزاً، وفي بيان محل البناء وكيفيته. أما الأول: فالقياس أَلاَّ يجوز البناء، وفي الاستحسان جائز. وجه القياس: أن التحريمة لا تبقى مع الحدث كما لا تنعقد معه؛ لفوات أهلية أداء الصلاة في الحالين بفوات الطهارة فيهما؛ إذ الشيء كما لا ينعقد من غير أهلية - لا يبقى مع عدم الأهلية فلا تبقى التحريمة؛ لأنها شرعت لأداء أفعال الصلاة، ولهذا لا تبقى مع الحدث العمد، ولأن صرف الوجه عن القبلة والمشي في الصلاة مناف لها؛ وبقاء الشيء مع ما ينافيه محال. وجه الاستحسان: النصُّ وإجماع الصحابة، أما النصُّ: فِما رُويَ عن عائشةً، عنِ النَّبِيِّ وَّرَ أنه قال: ((مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلاتِهِ، أَنَّصَرَفَ وَتَوَضَّأَ وَبَتَىْ عَلَىْ صَلاَتِهِ مَا لَمَّ يَتَكَّلَّمْ))(٢) وكذا روى ابن عباس وأبو هريرة - رضي الله عنهما - عن النبي ◌َّر. وأما إجماع ١١٢ ب الصحابة فإن الخلفاء الراشدين، والعبادلة/ الثلاثة، وأنس بن مالك، وسلمان الفارسي - رضي الله عنهم - قالوا: مثل مذهبنا. وروي أن أبا بكر الصدّيق - رضي الله عنه - سبقه الحدث في الصلاة فتوضاً وبنى، وعمر - رضي الله عنه - سبقه الحدث وتوضأ وبنى على صلاته، وعلي - رضي الله عنه - كان يصلي خلف عثمان فرعف، فانصرف وتوضأ وبنى على صلاته، فثبت البناء من الصحابة - رضي الله عنهم - قولاً وفعلاً، والقياس يترك بالنص والإجماع. (١) في هامش ب: بيان ما يفسد الصلاة. (٢) تقدم. ٩٣ كتاب الصلاة فصل في شرائط جواز البناء وأما شرائط(١) جواز البناء: فمنها الحدث السابق؛ فلا يجوز البناء في الحدث العمد؛ لأن جواز البناء ثبت معدولاً به عن القياس بالنص والإجماع، وكل ما كان في معنى المنصوص والمجمع عليه يلحق به وإلا فلا، والحدث العمد ليس في معنى الحدث السابق لوجهين: أحدهما: أن الحدث السابق مما يبتلي به الإنسان، فلو جعل مانعاً من البناء لأدى إلى الحرج ولا حرج في الحدث العمد؛ لأنه لا يكثر وجوده. والثاني: أن الإنسان يحتاج إلى البناء في الجمع والأعياد؛ لإحراز الفضيلة المتعلقة بهما، وكذا يحتاج إلى إحراز فضيلة الصلاة خلف أفضل القوم؛ خصوصاً من كان بحضرة النبي وَّل - فلو لم يجز البناء - وربما فرغ الإمام من الصلاة قبل فراغه من الوضوء - لفات عليه فضيلة الجمعة والعيدين، وفضيلة الصلاة خلف الأفضل على وجه لا يمكنه التلافي؛ فالشرع نظر له بجواز البناء، صيانة لهذه الفضيلة عليه من الفوت، وهو مستحق للنظر؛ لحصول الحدث من غير قصده واختياره؛ بخلاف الحدث العمد؛ لأن متعمد الحدث في الصلاة جان فلا يستحق النظر. وعلى هذا يخرج ما إذا كان به دمل فعصره حتى سال، أو كان في موضع ركبته فانفتح من اعتماده على ركبتيه في سجوده - لا يجوز له البناء؛ لأن هذا بمنزلة الحدث العمد. وكذا إذا تكلم في الصلاة عامداً أو ناسياً، أو عمل فيها ما ليس من أعمال الصلاة - وهو كثير - لا يجوز له البناء؛ لأن كل ذلك نادر في الصلاة؛ فلم يكن في معنى المنصوص والمجمع عليه، وكذا إذا جن في الصلاة، أو أغمي عليه ثم أفاق لا يبني؛ وإن كان ذلك في معنى الحدث السابق؛ لأنه لا صنع له فيهما؛ لأن اعتراضهما في الصلاة نادر، فلم يكونا في معنى ما ورد فيه النص والإجماع. وكذا لو انتضح(٢) البول على بدن المصلي، أو ثوبه أكثر من قدر الدرهم من موضع، فانفتل فغسله - لا يبني على صلاته في ((ظاهر الرواية)). وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول: أنه يبني. وجه هذه الرواية: أن النجاسة وصلت إلى بدنه من غير قصد؛ فكان في معنى الحدث السابق، ولأن هذا بعض ما ورد فيه الخبر؛ لأنه لو رعف فأصاب بدنه أو ثوبه نجاسة؛ فإنه يتوضأ ويغسل تلك النجاسة . (١) في هامش ب: بيان شرائط جواز البناء. (٢) في هامش ب: انتضح البول على بدن المصلي وثوبه أكثر من الدرهم. ٩٤ كتاب الصلاة وههنا لا يحتاج إلا(١) إلى غسل النجاسة لا غير، فلما جاز البناء هناك فلأن يجوز هنا أولى، وجه ظاهر الرواية: أن هذا النوع مما لا يغلب وجوده؛ فلم يكن في معنى مورد النص والإجماع، ولأن له بدا من غسل النجاسة عن الثوب في الجملة؛ بأن يكون عليه ثوبان فيلقي ما تنجس من ساعته، ويصلي في الآخر؛ بخلاف الوضوء فإنه أمر لاَ بُدَّ منه. ولو انتضح البول على ثوب المصلي: فإن كان أكثر من قدر الدرهم من موضع. فإن كان عليه ثوبان ألقي النجس من ساعته، ومضى على صلاته استحساناً. والقياس: أن يستقبل؛ لوجود شيء من الصلاة مع النجاسة، لكنا نقول: إن هذا مما لا يمكن التحرز عنه؛ فيجعل عفواً. وإن أدى ركناً أو مكث(٢) بقدر ما يتمكن من أداء ركن يستقبل، قياساً واستحساناً. وإن لم يكن عليه إِلاَّ ثوب واحد فانصرف وغسله - لا يبني في ((ظاهر الرواية))، ولو أصابه(٣) بندقة فشجته، أو رماه إنسان بحجر فشجه، أو مس رجل قرحه فأدماه أو عصره فانفلت منه ريح أو حدث آخر - لا يجوز له البناء في قول أبي حنيفة، ومحمد. وقال أبو يوسف: یبني. واحتج بما روي أن عمر - رضي الله عنه - لما طعن في المحراب استخلف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، ولو فسدت صلاته لفسدت صلاة القوم ولم يستخلف، ولأن هذا حدث حصل بغير صنعه؛ فكان كالحدث السماوي، ولأن الشاج لم يوجد منه إلا فتح باب الدم، فبعد ذلك خروج الدم بنفسه لا بِتَسْبِيْلِ أحد - فأشبه الرعاف. وجه قولهما: أن هذا الحدث حصل بصنع العباد؛ بخلاف الحدث السماوي، وكذا هذا النوع من الحدث في الصلاة مما يندر وقوعه؛ لأن الرامي منهي عن الرمي فلا يقصده غالباً؛ والإصابة خطأ نادر؛ لأنه يتحرز خوفاً من الضمان؛ فلم يكن في معنى مورد النص والإجماع فيعمل فيه بالقياس المحض، ألا ترى أن من عجز عن القيام بسبب المرض جاز له أداء الصلاة قاعداً. ولو عجز عن القيام بفعل/ البشر بأن قيده إنسان لم يجز؛ لغلبة الأول وندرة الثاني، كذا هذا وأما قوله: إن هذا فتح باب الدم. ١١١٣ فنقول: نعم، لكن من فتح باب المائع(٤) حتى سال المائع جعل ذلك مضافاً إلى الفاتح؛ (١) سقط في ط. (٢) في ب: سكتت. (٣) في هامش ب: أصابته بندقة فشجته. (٤) في ب: المانع. ٩٥ كتاب الصلاة لانعدام اختيار السائل في سيلانه، ولهذا يجب ضمان الدهن على شاق الزق إذا سال الدهن. والله أعلم. ولو(١) سقط المدر من السقف، من غير مشي أحد على السطح على المصلي، أو سقط الثمر من الشجر على المصلي، أو أصابه حشيش المسجد فأدماه - اختلف المشايخ فيهِ: منهم من جوز له البناء بالإجماع؛ لانقطاع ذلك عن فعل العباد، ومنهم من جعل المسْأَلَة على الخلاف؛ لوقوع ذلك في حد القلة. وأما حديث عمر - رضي الله عنه -: فقد قيل: كان الاستخلاف قبل افتتاح الصلاة؛ فاستخلفه ليفتتح الصلاة. ألا ترى أنه روي: أنه لما طعن، قال: آه قتلني الكلب، من يصلي بالناس، ثم قال: تقدم يا عبد الرحمن. ومعلوم أن هذا كلام يمنع البناء على الصلاة. ومنها: حقيقة (٢) الحدث لا وهم الحدث، ولا ما جعل حدثاً حكماً؛ حتى لو علم أنه لم يسبقه الحدث، لكنه خاف أن يبتدره فانصرف قبل أن يسبقه الحدث، ثم سبقه - لا يجوز له البناء في ((ظاهر الرواية)). وروي عن أبي يوسف: أنه يجوز. وجه قوله: أنه عجز عن المضي؛ فصار كما لو سبقه الحدث ثم انصرف. وجه ((ظاهر الرواية)): أنه صرف وجهه عن القبلة من غير عذر؛ فلم يكن في معنى مورد النص والإجماع؛ فبقي على أصل القياس. وكذا إذا جن في الصلاة، أو أغمي عليه، أو نام مضطجعاً - لا يجوز له البناء؛ لأن هذه العوارض يندر وقوعها في الصلاة، فلم تكن في معنى مورد النص والإجماع. وكذا المتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة، وصاحب الجرح السائل إذا جرح وقت صلاته، والماسح على الخف إذا انقضت مدة مسحه، ونحو ذلك - لا يجوز له البناء؛ لِأَنَّ في هذه المواضع يظهر أن الشروع في الصلاة لم يصح على ما ذكرنا، ولأنه ليس في معنى الحدث السابق في كثرة الوقوع - فتعذر الالحاق. ٢٠ وكذا لو اعترضت هذه الأشياء بعد ما قعد قدر التشهد الأخير، يوجب فساد الصلاة، ويمنع البناء عند أبي حنيفة؛ خلافاً لهما على ما ذكرنا في ((المسائل الاثني عشرية)). ومنها: (١) في هامش ب: لو سقط المدر من السقف من غير مشي أحد على المصلي. (٢) في هامش ب: شروط حقيقة الحدث. ٩٦ كتاب الصلاة الحدث الصغير، حتى لا (١) يجوز البناء في الحدث الكبير، وهو الجنابة؛ بأن نام في الصلاة فاحتلم، أو نظر إلى امرأة بشهوة، أو تفكر فأنزل؛ [لما قلنا] (٢)، ولأن الوضوء عمل يسير، والاغتسال عمل كثير؛ فتعذر الإلحاق في موضع العفو، ولأن الاغتسال لا يمكن إلا بكشف العورة؛ وذلك من قواطع الصلاة، وهذا استحسان؛ والقياس يجوز - يريد به -: القِيَاسَ على الاسْتِخسَانِ الأول. ومنها: أَلاَّ يفعل بعد الحدث فعلاً منافياً للصلاة - لو لم يكن أحدث إِلَّ ما لاَ بُدَّ للبناء منه، أو كان من ضرورات ما لا بدَّ منه، أو من توابعه وتتماته. وبيان ذلك: إذا سبقه الحدث ثم تكلم، أو أحدث متعمداً، أو ضحك أو قهقهه، أو أكل أو شرب أو نحو ذلك - لا يجوز له البناء؛ لأن هذه الأفعال منافية للصلاة في الأصل؛ [لما نذكر] (٣) فلا يسقط اعتبار المنافي إلا لضرورة، ولا ضرورة؛ لأن للبناء منها بداً، وكذا إذا جن أو أغمي عليه أو أجنب؛ لأنه لا يكثر وقوعه، فكان للبناء منه بد، وكذا لو أدى ركناً من أركان الصلاة مع الحدث، أو مكث بقدر ما يتمكن فيه من أداء ركن؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، وله منه بد. وكذا لو استقى من البئر وهو لا يحتاج إليه، ولو مشى إلى الوضوء فاغترف الماء من الإناء، أو استقى من البئر وهو محتاج إليه فتوضأ - جاز له البناء؛ لأن الوضوء أمر لا بد للبناء منه؛ والمشي والاغتراف والاستقاء عند الحاجة من ضرورات الوضوء. ولو استنجى: فإن كان مكشوف العورة بطل البناء؛ لأن كشف العورة مناف للصلاة، وللبناء منه بد في الجملة. فإن استنجى تحت ثيابه؛ بحيث لا تنكشف عورته - جاز له البناء؛ لأن الاستنجاء على هذا الوجه من سنن الوضوء؛ فكان من تتماته ولو (٤) توضأ ثلاثاً ثلاثاً. ذكر في ((ظاهر الرواية)): ما يدل على الجواز؛ فإنه قال: إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني من غير فصل. وحكي عن أبي القاسم الصفار: أنه لا يجوز. ووجهه: أن الفرض يسقط بالغسل مرة واحدة؛ فكانت الزيادة إدخال عمل لا حاجة إليه في الصلاة - فيوجب فساد الصلاة . (١) في هامش ب: لا يجوز البناء في الحدث الكبير وهو الجناية. (٢) سقط في ب. (٣) سقط في ب. (٤) في هامش ب: لو توضأ ثلاثاً ثلاثاً. ٩٧ كتاب الصلاة وجه ظاهر الرواية: أن الزيادة من باب إكمال الوضوء، وبه حاجة إلى إقامة الصلاة على وصف الكمال، وذلك بتحصيل الوضوء على وجه الكمال؛ فتتحمل الزيادة كما يتحمل الأصل. وهذا جواب أبي بكر الأعمش، فإن عنده المرة الأولى هي الفرض، والثانية والثالثة نفل. فأما عند أبي بكر الاسكاف: فالثلاثة/ كلها فرض؛ لأن الثانية والثالثة لما التحقتا بالأولى ١١٣ب صار الكل وضوءاً واحداً؛ فيصير الكل فرضاً، كالقيام إذا طال، والقراءة أو الركوع أو السجود. وعلى هذا: إذا استوعب المسح وتمضمض واستنشق، وأتى بسائر سنن الوضوء - جاز له البناء؛ لأن ذلك من باب إكمال الوضوء؛ فكان من توابعه؛ فيتحمل كما يتحمل الأصل. ولو(١) افتتح الصلاة بالوضوء، ثم سبقه الحدث فلم يجد ماء - تيمم وبنى؛ لأن ابتداء الصلاة بالتيمم عند فقد الماء جائز؛ فالبناء أولى. فإن تيمم ثم وجد الماء: فإن وجده بعد ما عاد إلى مقامه استقبل الصلاة، وإن وجده في الطريق قبل أن يقوم مقامه فالقياس أن يستقبل. وقيل: القياس قول محمد. وفي الاستحسان: يتوضأ ويبني. وجه القياس: أنه متيمم وجد الماء في صلاته فتفسد صلاته. كما إذا عاد إلى مكانه ثم وجد الماء؛ وهذا لأن قدر ما مشى متمماً حصل فعلاً غير محتاج إليه، فلا يعفى وجه الاستحسان: أنه لم يؤد شيئاً من الصلاة مع الحدث، ولم يدخل فعلاً في الصلاة هو مضاد لها: فلا يفسدها، وما مشي كل ذلك كان محتاجاً إليه لتحصيل التطهير - فلا يوجب فساد الصلاة، بخلاف ما إذا عاد إلى مكانه ثم وجد؛ لأنه إذا عاد إلى مكانه وجد أداء جزء من أجزاء الصلاة - وإن قل - مع التيمم، فظهر بوجود الماء أنه كان محدثاً من وقت الحدث السابق، وأن التيمم ما كان طهارته، فتبين أنه أدى شيئاً من الصلاة مع الحدث - فتفسد صلاته. ثم ما ذكرنا من جواز البناء لا يختلف؛ سيما إذا كان الحدث في وسط الصلاة أو في آخرها، حتى لو سبقه الحدث بعد ما قعد قدر التشهد الأخير - يتوضأ ويبني عندنا؛ لأنه يحتاج إلى الخروج بلفظة السلام التي هي واجبة أو سنة عندنا فلا بدّ له من الطهارة؛ وكذا لا يختلف الجواب في جواز البناء؛ سيما إذا صرف وجهه عن القبلة على علم بالحدث، أو على ظن به بعد أن كان في المسجد في ظاهر الرواية، حتى إنه لو (٢) صرف وجهه عن القبلة على ظن أنه (١) في هامش ب: إذا افتتح الصلاة بالوضوء فسبقه الحدث ولم يحل ما تيمم. (٢) في هامش ب: لو صرف وجهه عن القبلة على علماً وظناً بالحدث. بدائع الصنائع ج٢ - ٧٢ ٩٨ كتاب الصلاة أحدث، ثم علم أنه لم يحدث وهو في المسجد - رجع وبنى. فإن علم بعد الخروج من المسجد لا يبني. وروي عن محمد: أنه لا يبني في الوجهين جميعاً، ووجهه: أنه صرف وجهه عن القبلة من غير عذر فتفسد صلاته، كما إذا علم خارج المسجد، وكما إذا انصرف على ظن أنه على غير وضوء، أو على ظن أنه على ثوبه نجاسة، أو كان متيمماً فرأى سراباً فظنه ماء فانصرف - فإنه لا يبني، سواء كان في المسجد أو خارج المسجد. وجه ((ظاهر الرواية)): أن حكم المكان لم يتبدل ما دام في المسجد، والانصراف لم يكن على قصد الخروج من الصلاة وعزم الرفض؛ بل لإصلاح صلاته. ألا ترى أنه لو تحقق ما توهم توضأ وبنى على صلاته فسقط حكم هذا الانصراف؛ فكأنه لم ينصرف. بخلاف ما إذا خرج من المسجد ثم علم؛ لِأَنَّ حكم المكان قد تبدل، وبخلاف تلك الصلاة؛ لأن هناك الانصراف ليس لإصلاح صلاته، بل لقصد الخروج عن الصلاة وعزم الرفض. ألا ترى أنه لو تحقق ما توهم لا يمكنه البناء، فأشبه الكلام، والحدث العمد والقهقهة. وعلى هذا: إذا سلم على رأس الركعتين في ذوات الأربع ساهياً؛ على ظن أنه أتم الصلاة، ثم تذكر - فحكمه وحكم الذي ظن أنه أحدث سواء على التفصيل، والاختلاف الذي ذکرنا . وذكر في ((العيون)): أنه إذا صلّى العشاء، فظن بعد ركعتين أنها ترويحة فسلّم، أو صلّى الظهر وهو يظن أنه يصلّي الجمعة، أو يظن أنه مسافر فسلّم على رأس الركعتين - أنه يستقبل العشاء والظهر وقد مرّ الفرق. هذا إذا كان يصلّي في المسجد، فأما إذا كان يصلّي في الصحراء: فإن كان يصلي بجماعة يعطي لما انتهى إليه الصفوف حكم المسجد إن مشي يُمْنَةً أو يَسْرَةً أو خلفاً، وإن مشى أمامه، وليس بين يديه بناء ولا سترة، فقد ذكرنا اختلاف المشايخ، والصحيح: هو التقدير بموضع السجود. وإن كان بين يديه بناء أو سترة؛ فإنه يبني ما لم يجاوزه؛ لأن السترة تجعل لما دونها حكم المسجد؛ حتى لا يباح المرور داخل السترة ويباح خارجها . وإن كان يصلي وحده، فمسجده قدر موضع سجوده من الجوانب الأربع، إلا إذا مشى أمامه، وبين يديه سترة - فيعطي لداخل السترة حكم المسجد، ثم المستحب لمن سبقه الحدث أن يتكلم ويتوضأ ويستقبل القبلة؛ ليخرج عن عهدة الفرض بيقين. ٩٩ كتاب الصلاة فضل في الكلام في محل البناء الكلام(١) في محل البناء وكيفيته: فنقول ـ وبالله التوفيق -: المصلي لا يخلو إما إن كان منفرداً أو مقتدياً أو إماماً، فإن كان منفرداً فانصرف وتوضأ فهو بالخيار؛ إن شاء أتم صلاته في الموضع الذي توضأ فيه، وإن شاء عاد إلى الموضع الذي افتتح الصلاة فيه؛ لأنه إذا أتم الصلاة حيث هو، فقد سلمت صلاته عن المشي، لكنه صلّى صلاة واحدة/ في مكانين، وإن عاد إلى ١١٤أ مصلاه، فقد أدى جميع الصلاة في مكان واحد لكن مع زيادة مشي؛ فاستوى الوجهان فيخير. وقال بعض مشايخنا: يصلي في الموضع الذي توضأ من غير خيار، ولو أتى المسجد تفسد صلاته؛ لأنه(٢) تحمل زيادة مشي من غير حاجة. وعامة مشايخنا قالوا: لا تفسد صلاته؛ لأَن المشي إلى الماء، والعود إلى مكان الصلاة ألحق بالعدم شرعاً في الجملة. وإن كان مقتدياً. فانصرف وتوضأ، فإن لم يفرغ إمامه من الصلاة فعليه أن يعود؛ لأنه في حكم المقتدي بعد، ولو لم يعد وأتم بقية صلاته في بيته لا يجزيه؛ لأنه إن صلّى مقتدياً بإمامه لا يصح؛ لانعدام شرط الاقتداء، وهو اتحاد البقعة إلا إذا كان بيته قريباً من المسجد؛ بحيث يصح الاقتداء، وإن صلّى منفرداً في بيته فسدت صلاته؛ لأن الانفراد في حال وجوب الاقتداء يفسد صلاته؛ لأَن بين الصلاتين تغايراً، وقد ترك ما كان عليه وهو الصلاة مقتدياً، وما أدى وهو الصلاة منفرداً لم يوجد له ابتداء تحريمة، وهو بعض الصلاة؛ لأنه صار منتقلاً عما كان هو فيه إلى هذا، فيبطل ذلك وما حصل فيه بعض الصلاة، فلا يخرج عن كل الصلاة بأداء هذا القدر. ثم إذا عاد ينبغي أن يشتغل أولاً بقضاء ما سبق به في حال تشاغله بالوضوء؛ لأنه لاحق؛ فكأنه خلف الإمام، فيقوم مقدار قيام الإمام من غير قراءة، ومقدار ركوعه وسجوده ولا يضره إن زاد أو نقص، ولو تابع إمامه أولاً، ثم اشتغل بقضاء ما سبق به بعد تسليم الإمام - جازت صلاته عند علمائنا الثلاثة؛ خلافاً لزفر؛ بناء [على أن] (٣) الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة ليس بشرط عندنا. وعنده: شرط، وإن كان قد فرغ إمامه من الصلاة يخير؛ لما ذكرنا في المنفرد. ولو توضأ وقد فرغ الإمام من صلاته، ولم يقعد في الثانية - لا يقعد هذا المقتدي في الثانية . (١) في هامش ب: الكلام في محل البناء وكيفيته. (٢) في ب: لأنه تحمل زيادة فعل وهو المشي. (٣) في ط: أن على. ١٠٠ كتاب الصلاة وروي عن زفر: أنه يقعد، ذكر الْمَسْأَلَةَ في ((النوادر)). وجه قول زفر: أن القعدة الأولى واجبة في الصلاة، ولا يجوز ترك الواجب إلا لأمر فوقه، كما إذا كان خلف الإمام فترك الإمام القعدة وقام - يتركها المقتدي موافقة للإمام فيما هو أعلى منه، وهو القيام؛ لكونه فرضاً ولم يوجد هذا المعنى في اللاحق؛ لأن موافقة الإمام بعد فراغه لا تتحقق؛ فيجب عليه الإتيان بالقعدة. ولنا: أن اللاحق خلف الإمام تقديراً حتى يسجد لسهو الإمام، ولا يسجد لسهو نفسه، ولا يقرأ في القضا كأنه خلف الإمام، ولو كان خلفه حقيقة يترك (١) القعدة، متابعة للإمام، فكذا إذا كان خلفه تقديراً، وإن كان إماماً يستخلف ثم يتوضأ ويبني على صلاته، والأمر في موضع البناء وكيفيته على نحو ما ذكرنا في المقتدي؛ لأنه بالاستخلاف تحولت الإمامة إلى الثاني، وصار هو کواحد من المقتدین به. فضل في بيان حكم الاستخلاف ثم الكلام(٢) في الاستخلاف في مواضع: أحدها: في جواز الاستخلاف في الجملة. والثاني: في شرائط جوازه. والثالث: في بیان حكم الاستخلاف. أما الأول: فقد اختلف العلماء فيه: قال علماؤنا: يجوز. وقال الشافعي: لا يجوز، ويصلّ القوم وحداناً بلا إمام. وجه قوله: إنه لا ولاية للإمام؛ إذ هو في نفسه بمنزلة المنفرد، فلا يملك النقل إلى غيره. وكذا القوم لا يملكون النقل؛ وإنما تثبت الإمامة لا بتفويض منهم، بل باقتدائهم به، ولم يوجد الاقتداء بالثاني؛ لأن الاقتداء بالتكبيرة؛ وهي منعدمة في حق الثاني؛ بخلاف الإمامة الكبرى؛ لأنها عبارة عن ولايات تثبت له شرعاً بالتفويض والبيعة، كما يثبت للوكيل والقاضي فيقبل التمليك والعزل. (١) في ب: ترك. (٢) في هامش ب: الكلام في الاستخلاف.