النص المفهرس

صفحات 1-20

بَدَائُ الصَّنَّائِعِ
في ترتيب الشرائح
تأکیف
الإمَامِ عَلَاءِ الدِّين أَتْ بَكْ بن مَسْعُود
الكَاسَاني الحَنْفيْ
المتوفى سنة ٥٨٧ هـ
تَقِيق وَتَعَلِيق
الشيخ عَادل أحمد عبد الموجود
الشيخ عَلى مَّد معوض
الجزء الثاني
المحتوى:
تتمّةُ كِتَاب الصَّلاة ◌َ كِتَّاب الزَّكَاة كتّاب الصّوم
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

منشوراتْ محمّد عَلي بيضوت
دار الكتب العلمية.
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale
d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur
cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production
écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée
de l'éditeur.
الطبعة الثانية
٢٠٠٣ م - ١٤٢٤ هـ
دار الكتب العلمية
بَيْرُوت - لبْنَان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ٨٠٤٨١٠/١١/١٢/١٣ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor
Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Tel & Fax: (+961 5) 804810 / 11 / 12 / 13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-0417-9
90000>
9 782745 104175
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بنِأَشْهِالرّمنِ الرَّحِيـ
فصل
في بيان السجدات التي في القرآن
وأما بيان(١) مواضع السجدة في القرآن فنقول: إنها في أربعة عشر موضعاً من القرآن
أربع في النصف الأول: في آخر الأعراف، وفي الرعد، وفي النحل، وفي بني إسرائيل،
وعشر في النصف الآخر: في مريم، وفي الحج في الأولى، وفي الفرقان، وفي النمل، وفي
ألم تنزيل السجدة، وفي ((صّ))، وفي حم السجدة، وفي النجم، وفي إذا السماء انشقت، وفي
اقرأ، وقد اختلف العلماء في ثلاثة مواضع منها:
أحدها: أن في (٢) سورة الحج - عندنا - سجدة واحدة.
وعند الشافعي: سجدتان، إحداهما في قوله تعالى: ﴿ازْكَعُوا وَأَسْجُدُوا﴾ .
واحتجَّ بما رُوِيَ عن عُقْبَةَ بْنِ عَامرِ الجُهَنِيِّ أنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: أفي سورَةِ
الحَجِّ سَجْدَتَانِ؟ قالَ: ((نَعَمْ))، أو قال: ((فُضِلَتِ الْحَجُ بِسَجْدَتَيْنٍ، مَنْ لَمْ يَسْجُدْهُما لَمْ
يَقْرَأْهَا))(٣) وهكذا روي عن عمر، وعلي، وابن عمر، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - أنهم
قالوا: فُضِلَتْ سورة الحج بسجدتين .
(١) في هامش ب: بيان مواضع السجود في القرآن.
(٢) في هامش ب: في سورة الحج سجدة واحدة وهي الأولى.
(٣) أخرجه أبو داود (٢/ ١٢٠ - ١٢١): كتاب الصلاة: باب كم سجدة في القرآن، الحديث (١٤٠٢)،
والترمذي (٤٦/٢): كتاب السفر: باب السجدة في الحج، الحديث (٥٧٥ و٥٧٨)، والدار قطني (١/
٤٠٨): كتاب الصلاة: باب سجود القرآن، الحديث (٩)، والحاكم (٢٢١/١): كتاب الصلاة: باب
فضلت سورة الحج بسجدتين، والبيهقي (٣١٧/٢): كتاب الصلاة: باب سجدتي سورة الحج، وأحمد
(١٥١/٤)، من حديث ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله:
في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، ومن لم يسجد فلا يقرأها .
٣
=

٤
كتاب الصلاة
ولنا: ما روي عن أَبَيِّ - رضي الله عنه -: أنه عد السجدات التي سمعها من رسول
الله وَّر وعد في الحج سجدة واحدة. وقال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر - رضي الله
عنهم - سجدة التلاوة في الحج هي: الأولى، والثانية: سجدة الصلاة، وهو تأويل الحديث؛
وهذا لأن السجدة متى قرنت بالركوع كانت عبارة عن سجدة الصلاة، كما في قوله تعالى:
﴿فَأَسجِدِي وَأَرْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣].
والثاني: إن في (١) سورة (صّ)) - عندنا -: سجدة التلاوة.
وعند الشافعي: سجدة الشكر.
وفائدة الخلاف: أنه لو تلاها في الصلاة سجد عندنا.
وعنده: لا يسجدها، واحتجَّ بما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَ أنه قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ في صّ،
وَسَجَدَهَا، ثُمَّ قالَ: ((سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرَا))(٢).
وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ((قَرَّأَ رَسَولُ اللهِ وَلَهَ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ ((صَّ)) فَنَزَلَ
وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي الجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ قَرَأَهَا فَتَشَوَّفَ النَّاسُ للسُّجُودِ فَنَزَلَ
١٩٨ وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، وَقَالَ: لَمْ أُرِذْ أَنْ أَسْجُدَهَا، فَإِنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيِّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ/ وَإِنَّمَا
سَجَدتُ لِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَوَّفْتُمْ لِلِسُّجُودِ))(٣).
ولفظ الحاكم مرفوعاً: فُضْلَت سورة الحج بسجدتين فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما، وسكت عليه هو
=
والذهبي؛ وقال الترمذي: (إسناده ليس بالقوي)، وقال البيهقي (رواه الكبار عن ابن لهيعة، وروى أبو
داود في ((المراسيل))، عن أحمد بن عمرة بن السرح، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن
عامر بن جشب، عن خالد بن معدان، أن النبي ◌َّر قال: فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين قال
أبو داود: وقد أسند هذا ولا يصح، قال البيهقي: وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة).
وأخرج البيهقي (٣١٧/٢): كتاب الصلاة: باب سجدتي الحج، عن عمر، وابن عمر، وعلي، وابن
مسعود، وعمار بن ياسر، وأبي موسى، وأبي الدرداء، أنهم كانوا يسجدون في الحج، وأخرج عن ابن
عباس (٣١٨/٢) كتاب الصلاة: باب سجدتي الحج، أنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين.
(١) في هامش ب: سجدة (ص) سجدة تلاوة لا سجدة شكر.
(٢) أخرجه النسائي ١٥٩/٢ في كتاب الافتتاح حديث ٩٥٧ من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال
الحافظ في الدراية رواته ثقات والشافعي في المسند ١/ ٠١٢٤ (٣٦٧) عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس
وأخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن بزيع عن عمر بن ذر ٤٠٧/١ وأعله ابن الجوزي به وقد توبع
وصححه ابن السكن.
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٤/٢): كتاب الصلاة: باب السجود في ص، الحديث (١٤١٠)، والحاكم (٢/
٤٣١): كتاب التفسير: باب تفسير سورة ص، والبيهقي (٣١٨/٢): كتاب الصلاة: باب سجدة ص.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال البيهقي: حسن الإسناد صحيح، وله شاهدٌ من حديث
ابن عباس.
=

كتاب الصلاة
ولنا: حديثُ عثمان - رَضِيَ الله عَنْهُ - أَنَّهُ قَرَأَ في الصَّلاَةِ سُورَةَ ((صّ)) وَسَجَدَ وَسَجَدَ
النَّاسُ مَعَهُ، وَكَانَ ذلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ الله عَنْهُمْ - وَلَمْ يُتْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَوْ لم
تكنْ واجِبَةً، لِما جازَ إِدخالها في الصلاة، وروي أن رجلاً من الصحابة قَالَ: يَا رَسُولَ الله،
رَأَيْتُ كَمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أَكْتُبُ سُورَةَ ((صَ)) فَلَمَّا أَنْتَهَيْتُ إِلَى مَوْضِعِ السَّجْدَةِ، سَجَدَتِ الدَّوَاةُ
وَالقَلَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الدَّوَاةِ وَالقَلَم))(١) فَأَمر حتى تليت في مجلسه
وسجدها مع أصحابه .
وما تعلق به الشافعي فهو دليلنا؛ فإنا نقول: نحن نسجد ذلك شكراً لما أنعم الله على
داود بالغفران، والوعد بالزلفى وحسن المآب؛ ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله: ﴿وَأَنَابَ﴾
[صّ: ٢٤] بل عقيب قوله: ﴿مآب﴾ [ص: ٢٥] وهذه نعمة عظيمة في حقنا؛ فَإِنَّهُ يطمعنا في إقالة
عثراتنا، وغفران خطايانا وزلاتنا؛ فكانت سجدة تلاوة؛ لأن سجدة التلاوة ما كان سببها
التلاوة، وسبب وجوب هذه السجدة - تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النعم على
داود - عليه الصلاة والسلام - وإطماعنا في نيل مثله .
وكذا سجدة النبي وسيّ في الجمعة الأولى، وترك الخطبة لأجلها - يدل على أنها سجدة
تلاوة، وتركه في الجمعة الثانية لا يدل على أنها ليست بسجدة تلاوة، بل كان يريد التأخير،
وهي عندنا لا تجب على الفور؛ فكان يريد أَلاَّ يسجدها على الفور.
والثالث: أن في (٢) المفصل - عندنا -: ثلاث سجدات.
وأخرج البخاري (٥٥٢/٢): كتاب سجود القرآن: باب سجدة ص، الحديث (١٠٦٩)، وأبو داود (٢/
=
١٢٣ - ١٢٤): كتاب الصلاة: باب السجود في ص، الحديث (١٤٠٩)، والترمذي (٤٥/٢): كتاب
الصلاة: باب السجدة في ص، الحديث (٥٧٤)، والنسائي (١٥٩/٢): كتاب الافتتاح: باب السجود في
ص، والبيهقي (٣١٨/٢): كتاب الصلاة: باب سجدة ص، وأحمد (٣٥٩/١ - ٣٦٠)، من حديث
عكرمة، عن ابن عباس سئل عن السجود في ص فقال: ليس من عزائم السجود، وقد رأيت رسول
الله ◌ُ﴾ يسجد فيها .
(١) والحديث ليس فيه قصة القلم ولكن الحديث ورد بقصة الشجرة.
أخرجه الترمذي (٢/ ٤٧٢) كتاب الصلاة: باب ما يقول في سجود القرآن حديث (٥٧٩) والحاكم (١/
٢١٩) والبغوي في ((شرح السنة)) (٢/ ٣٥٠ - بتحقيقنا) من حديث ابن عباس وقال الترمذي: هذا حديث
غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وصححه الحاكم.
وقال النووي في ((المجموع» (٥٦٠/٣): رواه الترمذي وغيره بإسناد حسن.
(٢) في هامش ب: في المفصل ثلاث سجدات.

٦
كتاب الصلاة
وعند مالك: لا سجدة في المفصل.
واحتج بما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي ◌َّ لم يسجد في المفصل
بعدما هاجر إلى المدينة .
ولنا: ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: ((أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهَِّهُ خَمْسَ
عَشْرَةَ سَجْدَةٌ، ثَلاَثٌ مِنْهَا فِي الْمُفَصَّل))(١) .
وعن عَلِيِّ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ أنه قَالَ: ((عَزَائِمُ السُّجُودِ في القُرْآنِ أَرْبَعَةٌ: أَلَمْ تَنْزِيلِ
السَّجْدَةِ، وحمّ السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمُ، وَأَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ)).
وعن ابن مسعود قال: رَأَيْتُ رسول الله وَّرِ قرأ سورة النجم بمكة، فَسَجَدَ وسَجَدَ معه
الناس - المسلمون والمشركون - إِلاَّ شيخاً وضع كَفّاً من تُرَاب على جبهته، وقال: هذا
يكفيني، فلقيته قُتِلَ كافراً(٢).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ وَّوَ قَرَأَ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ
٩٨ ب وَسَجَدَ/ مَعَهُ أَضْحَابُهُ(٣). ولأنه أمر بالسجود في سورة والنجم، واقرأ باسم ربك، والأمر
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ١٢٠): كتاب الصلاة: باب كم سجدة في القرآن، الحديث (١٤٠١)، وابن ماجة
(٣٣٥/١): باب عدد سجود القرآن، الحديث (١٠٥٧)، والدارقطني (٤٠٨/١): كتاب الصلاة: باب
سجود القرآن، الحديث (٨)، والحاكم (٢٢٣/١): كتاب الصلاة: باب خمس عشرة سجدة في القرآن،
والبيهقي (٣١٤/٢): كتاب الصلاة: باب القرآن خمس عشرة سجدة، كلهم من حديث الحارث بن سعيد
عن عبد الله بن منين، عن عمرو بن العاص أن رسول الله وَ لتر أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، ثلاثة
في المفصل، وسورة الحج سجدتين، وقال الحاكم: (هذا حديث رواته مصريون وقد احتج الشيخان
بأكثرهم، وليس في عدد سجود القرآن أتم منه)، ووافقه الذهبي.
وفيه نظر من الذهبي فقد ذكر الذهبي عبد الله بن منين في ((المغني)) (٣٥٩/١) وقال: لم يرو عنه غير
الحارث بن سعيد فهو مجهول.
والحارث بن سعيد قال الحافظ في ((التقريب)) (١٤٠/١) مقبول. يعني عند المتابعة وإلا فهو لين الحديث
كما نص على ذلك الحافظ في مقدمة التقريب.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٦٤٤) كتاب سجود القرآن: باب سجود المسلمين مع المشركين.
(٣) أخرجه مسلم (٤٠٦/١): كتاب المساجد: باب سجود التلاوة، الحديث (٥٧٨/١٠٨)، وأبو داود (٢/
١٢٣) كتاب الصلاة: باب السجود في الانشقاق والفلق، الحديث (١٤٠٧)، والترمذي (٤٣/٢): كتاب
السفر: باب السجدة في الانشقاق والفلق، الحديث (٥٧٠)، والنسائي (١٦١/٢): كتاب الافتتاح: باب
السجود في إذا السماء انشقت، وابن ماجة (١/ كتاب إقامة الصلاة: باب عدد سجود القرآن، الحديث
(١٠٥٨)، من حديث أبي هريرة، قال: سجدنا مع رسول الله ◌ّ في ﴿إذا السماء انشقت﴾، و﴿اقرأ
باسم ربك الذي خلق﴾.

٧
كتاب الصلاة
للوجوب، وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - محمول على أنه كان لا يسجدها عقيب
التلاوة كما كان يسجد من قبل، نحمله على هذا؛ بدليل ما روينا.
ثم في سورة حمّ السجدة - عندنا - السجدة(١) عند قوله: ﴿وهم لا يسأمون﴾ [فصلت: ٣٨]
وهو مذهب عبد الله بن عباس، ووائل بن حُجُرٍ (٢).
وعند الشافعي عند قوله: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ [فصلت: ٣٧] وهو مذهب علي - رضي
الله عنه -.
واحتج بما روي عن ابن مسعود، وابن عمر - رضي الله عنهما - هكذا؛ ولأن الأمر
بالسجود - ههنا - فكان السجود عنده.
وأخرجه البخاري (٥٥٩/٢): كتاب سجود القرآن: باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها، الحديث
=
(١٠٧٨)، ومسلم (٤٠٧/١): كتاب المساجد: باب سجود التلاوة، الحديث (٥٧٨/١١٠)، والنسائي
(٢/ ١٦٢): كتاب الافتتاح: باب السجود في الفريضة، من حديث ابن رافع، قال: صليت مع أبي هريرة
العتمة فقرأ إذا السماء انشقت فسجد، فقلت ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت فيها خلف أبي القاسم فلا
أزال أسجد فيها حتى ألقاه.
وأخرجه البخاري (٢/ ٥٥١): كتاب سجود القرآن: باب ما جاء في سجود القرآن، الحديث (١٠٦٧)
و(١٠٧٠)، ومسلم (٤٠٥/١): كتاب المساجد: باب سجود التلاوة، الحديث (٥٧٦/١٠٥)، وأبو داود
(١٢٢/٢): كتاب الصلاة: باب السجود في سورة النجم، الحديث (١٤٠٦)، والنسائي (١٦٠/٢):
كتاب الافتتاح: باب السجود في النجم، والبيهقي (٣١٤/٢): كتاب الصلاة: باب سجدة النجم، من
حديث ابن مسعود أن النبي ◌َّلو قرأ والنجم فيها، وسجد من كان معه.
وأخرجه البخاري (٥٣/٢): كتاب سجود القرآن: باب سجود المسلمين مع المشركين، الحديث
(١٠٧١)، والترمذي (٤٤/٢) كتاب السفر: باب السجدة في النجم، الحديث (٥٧٢)، والبيهقي (٢/
٣١٤): كتاب الصلاة: باب سجدة النجم، من حديث ابن عباس، أن النبي وَّر سجد بالنجم، وسجد
معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.
وأخرجه البزار في كشف الأستار عن زوائد البزار (١/ ٣٦٠): كتاب الصلاة: باب سجود التلاوة،
الحديث (٧٥٢)، من حديث عبد الرحمن بن عوف، قال: رأيت النبي ◌ّ سجد في إذا السماء انشقت
عشر مرار.
(١) في هامش ب: السجدة في ((حم)) السجدة عند قوله ﴿وهم لا يسأمون﴾.
(٢) ويقال: وائل بن حُجر بن سعد بن مسروق بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن
عوف بن عدي بن مالك. وقيل في السنن غير ذلك، الحضرمي.
قال ابن حجر في الإصابة: كان أبوه من أقيال اليمن ووفد هو على النبي ◌َّ واستقطعه أرضاً فأقطعه إياها
وبعث معه معاوية ليتسلمها في قصة له معروفة. قال ابن سعد: نزل الكوفة وروى عن النبي وَطّ .
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (٤٣٥/٥)، الإصابة (٣١٢/٦)، الثقات (٤٢٤/٣)، الاستيعاب (١/
١٥٦٢)، تجريد أسماء الصحابة (١٢٦/٢)، الرياض المستطابة (٢٦٧)، الطبقات الكبرى (٢٨٧/١)،
التاريخ الكبير (١٧٥/٨)، التاريخ الصغير (١١٩/١)، الأعلام (١٦/٨).

٨
كتاب الصلاة
ولنا: أن السجود مرة بالأمر، ومرة بذكر استكبار الكفار؛ فيجب علينا مخالفتهم، ومرة
عند ذكر خشوع المطيعين؛ فيجب علينا متابعتهم، وهذه المعاني تتم عند قوله: ﴿وهم لا
يسأمون﴾ [فصلت: ٣٨] فكان السجود عنده أولى؛ ولأن فيما ذهب إليه أصحابنا أخذاً بالاحتياط
عند اختلاف مذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - فإن السجدة لو وجبت عند قوله: ﴿تعبدون﴾
[فصلت: ٣٧] فالتأخير إلى قوله: ﴿لا يسأمون﴾ [فصلت: ٣٨] لا يضر ويخرج عن الواجب، ولو
وجبت عند قوله: ﴿لا يسأمون﴾ لكانت السجدة المؤداة قبله حاصلة قبل وجوبها، ووجود
سبب وجوبها؛ فيوجب نقصاناً في الصلاة، ولم يؤدّ الثانية، فيصير المصلي تاركاً ما هو واجب
في الصلاة؛ فيصير النقص متمكناً في الصلاة من وجهين، ولا نقص فيما قلنا أَلبثَّةَ، وهذا هو
أمارة التبحر في الفقه. والله الموفق.
فصل
فيما يخرج به المصلي من الصلاة
وأما الذي هو عند الخروج (١) من الصلاة: فلفظ السلام عندنا، وعند مالك، والشافعي:
فرض، والكلام في التسليم يقع في مواضع: في بيان صفته أنه فرض أم لا؟ وفي بيان قدره،
وفي بيان كيفيته، وفي بيان سننه، وفي بيان حكمه، أما صفته: فإصابة لفظة السلام ليست
بفرض عندنا؛ ولكنها واجبة، ومن المشايخ من أطلق اسم السنة عليها، وأنها لا تنافي
الوجوب، لما عرف، وعند مالك، والشافعي: فرض، حتى لو تركها عامداً كان مُسِيْئاً، ولو
تركها ساهياً يلزمه سجود السهو عندنا، وعندهما: أو تركها تفسد صلاته، احتجا بقوله وَالر :
((وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ)). خص التسليم بكونه محللاً؛ فدل أن التحليل بالتسليم على التعيين، فلا
يتحلل بدونه؛ ولأن الصلاة عبادة لها تحليل وتحريم؛ فيكون التحليل فيها ركناً؛ قياساً على
الطواف في الحج.
ولنا: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ أَنَّهُ قَالَ لابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ عَلَّمَهُ النَّشَهُدَ: ((إِذَا قُلْتَ هَذَا، أَوْ
فَعَلْتَ هُذا فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقَعُدَ فَأَقْعُدْ))(٢).
والاستدلالُ به مِنْ وجهين:
(١) في هامش ب: بيان الخروج عن الصلاة.
(٢) أخرجه الطيالسي (٣٣/١)، الحديث (٢٤٩)، وأحمد (٣٨٢/١)، الدارمي (٣٠٨/١) كتاب الصلاة: باب في
التشهد، والبخاري (٢/ ٣١١): كتاب الأذان: باب التشهد في الآخرة، الحديث (٨٣١)، ومسلم (٣٠١/١):
كتاب الصلاة: باب التشهد في الصلاة، الحديث (٤٠٢/٥٥)، وأبو داود (٥٩١/١): كتاب الصلاة: باب
التشهد، الحديث (٩٦٨)، والترمذي (٢/ ٨١): كتاب الصلاة: باب ما جاء في التشهد، الحديث (٢٨٩)،
والنسائي (٢٣٩/٢ - ٢٤٠): كتاب التطبيق: باب كيف التشهد الأول، وابن ماجة (٢٩٠/١) كتاب إقامة =

٩
كتاب الصلاة
أحدُهُما: أنه جعله قاضياً ما عليه عِنْدَ هذا الفعل أو القولِ، و((ما)) للعموم فيما لا يعلم؛
فيقضي أن يكون قاضياً جميع ما عليه، ولو كان التسليم فرضاً لم يكن قاضياً جميع ما عليه
بدونه؛ لأن التسليم يبقى عليه.
والثاني: أنه خيره بين القيام والقعود، من غير شرط لفظ التسليم، ولو كان فرضاً ما
خيره؛ ولأن ركن الصلاة ما تتأدى به الصلاة، والسلام خروج عن الصلاة وترك لها؛ لأنه كلام
وخطاب لغيره، فكان منافياً للصلاة، فكيف يكون ركناً لها؟
وأما الحديث: فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إِلاَّ أنه خص التسليم، لكونه واجباً،
والاعتبار بالطواف غير سديد؛ لأن الطواف ليس بمحلل، إنما المحلل هو الحلق، إلا أنه
توقف بالإحلال على الطواف، فإذا طاف حل بالحلق لا بالطواف، والحلق ليس بركن - فنزل
السلام في باب الصلاة منزلة الحلق في باب الحج، وينبني على هذا: أن السلام ليس من
الصلاة - عندنا - وعند الشافعي: التسليمة الأولى من الصلاة، والصحيح: قولنا؛ لما بينا.
وأما الكلام في قدره(١) فهو: أن يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه، والأخرى عن يساره
عند عامة العلماء.
الصلاة: باب ما جاء في التشهد، الحديث (٨٩٩)، وابن الجارود (١/ ٨٠): كتاب الصلاة: باب صفة
=
صلاة رسول الله، الحديث (٢٠٥)، وأبوعوانة (٢٢٩/٢ - ٢٣٠) وابن خزيمة (٣٤٨/١ - ٣٤٩) وابن
حبان (٣١٠/٣ - ٣١١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٦٢/١) والدارقطني (٣٥٠/١) كتاب
الصلاة، وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٢٠٥) والبيهقي (١٣٨/٢) كتاب الصلاة: باب التشهد،
والبغوي في ((شرح السنة)» (٢٧٥/٢ - بتحقيقنا) كلهم من طريق شقيق بن سلمة أبي وائل عن ابن مسعود،
عدا الترمذي فمن طريق الأسود بن يزيد عنه قال: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله وَلير: السلام على
الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله وَ طير ذات يوم: ((إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة
فليقل: ((التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا،
وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض، وأشهد أن لا إله إلا
الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء)) .
وقال الترمذي: هو أصح حديث روي في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
ثم روى بسنده عن خصيف أنه رأى النبي ◌ّ له فقال: يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا في التشهد فقال:
علیك بتشهد ابن مسعود.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٦٤/١): وقال البزار: أصح حديث في التشهد عندي، حديث ابن
مسعود، روى عنه من نيف وعشرين طريقاً، ولا نعلم روى عن النبي ◌َّ في التشهد أثبت منه، ولا أصح
أسانيد، ولا أشهر رجالاً، ولا أشد تظافراً بكثرة الأسانيد والطرق، وقال مسلم: إنما اجتمع الناس على
تشهد ابن مسعود، لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف أصحابه.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: حديث ابن مسعود أصح ما روي في التشهد.
(١) في هامش ب: بيان قدر السلام.

١٠
كتاب الصلاة
وقال بعضهم: يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه؛ وهو قول مالك، وقيل: هو قول
الشافعي.
وقال بعضهم: يسلم تسليمة واحدة عن يمينه.
وقال مالك في قول: يسلم المقتدي تسليمتين ثم يسلّم تسليمة ثالثة، ينوي بها رد السلام
على الإمام، واحتجُوا بما روي عن عائشة - رضي الله عنها -: ((أن النبيَّ وَّوَ كَانَ يُسَلُّم تَسْلِيمَةً
تِلْقَاءَ وَجْهِهِ))(١) .
وروي عن سهل بن سعد - رضي الله عنه -: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً عَنْ
يَمِينِهِ»(٢) ولأن التسليم شرع للتحليل، وأنه يقع بالواحدة فلا معنى للثانية.
ولنا: ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: صليت خلف رسول الله وَ له ـ وخلف
١٩٩ أبي بكر/ وعمر - رضي الله عنهما - وكانوا يُسَلِّمُونَ تسليمتين عن أيمانهم وعن شمائلهم(٣).
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٩٠) كتاب الصلاة: باب ما جاء في التسليم في الصلاة حديث (٢٩٦) وابن ماجة
(٢٩٧/١) كتاب الصلاة: باب من يسلم تسليمة واحدة حديث (٩١٩) والحاكم (٢٣٠/١ - ٢٣١) وابن
خزيمة (٣٦٠/١) رقم (٧٢٩) وابن حبان (٥١٨ - موارد) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٧٠/١)
كتاب الصلاة: باب السلام في الصلاة كيف هو، والبيهقي (١٧٩/٢) كتاب الصلاة باب جواز الاقتصار
على تسليمة واحدة، والدارقطني (٣٥٧/١ - ٣٥٨) كلهم من طريق عمرو بن أبي سلمة إلا ابن ماجة فمن
طريق عبد الملك بن محمد كلاهما عن زهير بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به وقال
الترمذي: وحديث عائشة لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، قال محمد بن اسماعيل: زهير بن محمد
أهل الشام يرون عنه مناكير ورواية أهل العراق عنه أشبه وأصح، قال محمد: وقال أحمد بن حنبلي: كأن
زهير بن محمد الذي وقع عندهم ليس هو الذي يروى عنه بالعراق كأنه رجل آخر قلبوا اسمه ا. هـ.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار كما في «الجوهر النقي)) (١٧٩/٢): ذكروا هذا الحديث ليحيى بن معين
فقال عمرو بن أبي سلمة وزهير بن محمد ضعيفان لا حجة فيهما ا. هـ.
قلت: وقد توبع عمرو على هذا الحديث كما تقدم فتابعه عبد الملك بن محمد عند ابن ماجة.
والحديث ذكره البغوي في ((شرح السنة)) (٢/ ٢٩٠ - بتحقيقنا) وقال: وفي إسناده مقال.
وقال أبو حاتم: منكر كما في ((التلخيص)) (١/ ٢٧٠).
وقال في ((التلخيص)): قال الدارقطني في ((العلل)): رفعه عن زهير بن محمد عن هشام عن أبيه عنها
عمرو بن أبي سلمة وعبد الملك الصنعاني وخالفهما الوليد فوقفه.
والحديث صححه الحاكم فقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وصححه ابن
خزيمة وابن حبان .
ووافقهم ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (١٤٤/١).
(٢) أخرجه الشافعي (٩٨/١): كتاب الصلاة: باب صفة الصلاة، الحديث (٢٨٣)، وأحمد (٣٣٨/٥).
وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٤٨/٢) وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه كلام.
(٣) بنحوه أخرجه الطيالسي (٣٧/١)، الحديث (٢٨٦)، وأحمد (٤٤٤/١)، والدارمي (٣١٠/١ - ٣١١)
كتاب الصلاة: باب التسليم في الصلاة، ومسلم (٤٠٩/١): كتاب المساجد: باب السلام للتحليل من =

١١
كتاب الصلاة
وروي عن علي أنه قال: ((كانَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ يُسَلْمُ تَسْلِيمَتَيْنِ أَوَّلُهُمَا أَزْفَعُهُمَا)) ولأن
إحدى التسليمتين: للخروج عن الصلاة، والثانية: للتسوية بين القوم في التحية.
وأما الأحاديث: فالأخذ بما روينا أولى؛ لأن عليّاً، وابن مسعود - رضي الله عنهما - كانا
من كبار الصحابة، وكانا يقومان بقربه ◌َ ◌ّ كما قال: ((لِيَلِيني مِنْكُمْ أُولُو الْأَخْلاَم وَالنُّهَى))(١)
فكانا أعرف بحال النبي ◌َّ وعائشة - رضي الله عنها - كانت تقوم في حيز صفوف النساء،
وهو آخر الصفوف، وسهل بن سعد كان من الصغار، وكان في أخريات الصفوف، وكانا
يسمعان التسليمة الأولى؛ لرفعه وَلّه بها صوته، ولا يسمعان الثانية؛ لخفضه بها صوته.
وقولهم: التحليل يحصل بالأولى، فكذلك، ولكن الثانية ليست للتحليل، بل للتسوية
بين القوم في التسليم عليهم والتحية، وبه تبين أنه: لا حاجة إلى التسليمة الثالثة؛ لأنه لا
يحصل بها التحليل ولا التسوية بين القوم في التحية، ورد السلام على الإمام يحصل
بالتسليمتين، إليه أشار أبو حنيفة حين سأله أبو يوسف: هل يرد على الإمام السلام من خلفه
فيقول: وعليك؟ قال: لا، وتسليمهم رد عليه؛ ولأن التسليمة الثالثة لو كانت ثابتة [لعَلَّمها](٢)
رسول الله وَلَّ [ولفعلها الأئمة](٣) فعلا كما فعلوا التسليمتين.
وأما (٤) كيفية التسليم: فهو أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله؛ وهذا قول عامة
العلماء .
الصلاة الحديث (١١٧)، وأبو داود (٦٠٦/١) كتاب الصلاة: باب في السلام، الحديث (٩٩٦)،
=
والترمذي (٨٩/٢) كتاب الصلاة: باب ما جاء في التسليم في الصلاة، الحديث (٢٩٥)، والنسائي (٣/
٦٣): كتاب السهو: باب كيف السلام على الشمال، وابن ماجة (٢٩٦/١): كتاب إقامة الصلاة: باب
التسليم، الحديث (٩١٤)، وابن الجارود (٨١/١ - ٨٢): كتاب الصلاة، الحديث (٢٠٩)، والطحاوي
في ((شرح معاني الآثار)) (٢٦٧/١) كتاب الصلاة: باب السلام في السلام، والدار قطني (٣٥٦/١ -
٣٥٧): كتاب الصلاة: باب ما يخرج من الصلاة به، الحديث (٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٥/٦)،
والبيهقي (١٧٧/٢): كتاب الصلاة: باب الاختيار في أن يسلم تسليمتين، عنه، أن النبي وَّر كان يسلم
عن يمينه، وعن يساره، السلامُ عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله حتی یری بیاض خده.
(١) من حديث ابن مسعود أخرجه مسلم ١/ ٣٢٣ كتاب الصلاة باب تسوية الصفوف (٤٣٢/١٢٣)، وأبو داود
١/ ١٨٠، كتاب الصلاة: باب من يستحب أن يلي الإمام من الصف (٦٧٥)، والترمذي ١/ ٤٤٠، أبواب
الصلاة: باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهى (٢٢٨).
(٢) في ط: لفعلها.
(٣) في ط: ولعلمها الأمة.
(٤) في ب: بيان كيفية السلام.

١٢
كتاب الصلاة
وقال مالك: يقول: السلام عليكم، ولا يزيد عليه، والصحيح: قول العامة؛ لما روي
عن ابن مسعود، وعمار، وعتبة وغيرهم عن النبي ◌َّر: أنه كان يقول هكذا.
وأما سنن التسليم: فنذكرها في باب سنن هذه الصلوات.
وأما حكمه: فهو الخروج من الصلاة، ثم الخروج يتعلق بإحدى التسليمتين عند عامة
العلماء، وقد روي عن محمد أنه قال: التسليمة الأولى، للخروج والتحية، والتسليمة الثانية،
للتحية خاصة، وقال بعضهم: لا يخرج ما لم يوجد التسليمتين جميعاً؛ وهو خلاف إجماع
السلف؛ ولأن التسليم تكليم القوم؛ لأنه خطاب لهم فكان منافياً للصلاة، ألا ترى أنه لو وجد
في وسط الصلاة يخرجه عن الصلاة .
فصل
في حكم التكبير في أيام التشريق
وأما (١) الذي هو في حرمة الصلاة بعد الخروج منها: فالتكبير في أيام التشريق، والكلام
فيه يقع في مواضع، في تفسيره، وفي وجوبه، وفي وقته، وفي محل أدائه، وفيمن يجب
عليه، وفي أنه هل يقضي بعد الفوات(٢) في الصلاة التي دخلت في حد القضاء؟
أما الأول: فقد اختلفت الروايات عن الصحابة - رضي الله عنهم - في تفسير التكبير،
روي: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وهو قول علي، وابن
مسعود - رضي الله عنهما - وكان ابن عمر يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله
الحمد، وبه أخذ الشافعي، وكان ابن عباس يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الحي القيوم
يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وإنما أخذنا بقول علي، وابن مسعود - رضي الله
عنهما - لأنه المشهور والمتوارث من الأمة؛ ولأنه أجمع؛ لاشتماله على التكبير والتهليل
والتحميد؛ فكان أولى.
فصل
في وجوب التكبير
وأما بيان(٣) وجوبه: فالصحيح أنه واجب، وقد سماه الكرخي: سنة، ثم فسره
بالواجب، فقال: تكبير التشريق سنة ماضية، نقلها أهل العلم وأجمعوا على العمل بها،
وإطلاق اسم السنة على الواجب جائز؛ لأن السنة عبارة عن الطريقة المرضية أو السيرة
(١) في هامش ب: ما يفعل لحرمة الصلاة وهو التكبير في أيام التشريق.
(٢) في هامش ب: بيان وجوب التكبير.
(٣) في هامش ب: بيان وقت التكبير.

١٣
كتاب الصلاة
الحسنة، وكل واجب هذه صفته، ودليل الوجوب قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا اللّهِ فِي أَيَّام
مَعْدُوْدَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وقوله: ﴿وَأَذْنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٌ
مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧] قيل: الأيام المعدودات: أيام التشريق، والمعلومات: أيام العشر، وقيل:
كلاهما أيام التشريق.
وقيل: المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده، والمعدودات: أيام التشريق؛ لأنه أمر
في الأيّام المعدودات بالذكر مطلقاً، وذكر في الأيام المعلومات الذكر على ما رزقهم من
بهيمة الأنعام، وهي: الذبائح، وأيام الذبائح: يوم النحر ويومان بعده، ومطلق الأمر
للوجوبِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ أَنْه قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامِ أحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى العَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ
هَذِهِ الأَيَّامِ؛ فَأَكْثِرُوا فِيهَا مِنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ﴾ (١)].
٩٩ب
فصل
في وقت التكبير
وأما(٢) وقت التكبير: فقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في ابتداء وقت التكبير
وانتهائه، اتفق شيوخ الصحابة نحو عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعائشة - رضي الله
عنهم - على البداية بصلاة الفجر من يوم عرفة؛ وبه أخذ علماؤنا في ظاهر الرواية، واختلفوا
في الختم.
قال ابن مسعود: يختم عند العصر من يوم النحر يكبر ثم يقطع، وذلك ثمان صلوات،
وبه أخذ أبو حنيفة - رحمه الله -.
وقال علي: يختم عند العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر لثلاث وعشرين صلاة، وهو
إحدى الروايتين عن عمر - رضي الله عنه - وبه أخذ أبو يوسف، ومحمد، وفي رواية عن عمر
- رضي الله عنه -: يختم عند الظهر من آخر أيام التشريق.
وأما الشبان من الصحابة منهم: ابن عباس، وابن عمر: فقد اتفقوا على البداية بالظهر من
يوم النحر، وروي عن أبي يوسف: أنه أخذ به، غير أنهما اختلفا في الختم؛ فقال ابن عباس :
يختم عند الظهر من آخر أيام التشريق.
(١) من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٨٣/١١ حديث (١١١١٦) وبنحوه من حديث
ابن عباس أخرجه البخاري ٢/ ٤٥٧ في كتاب العيدين: باب فضل العمل في أيام التشريق (٩٦٩) وأبو
داود ٢/ ٨١٥ في كتاب الصوم: باب في صوم العشر (٢٤٣٨) وأخرجه الترمذي ١٣٠/٣ في كتاب
الصوم: باب ما جاء من الأيام العشر (٧٥٧) وأخرجه ابن ماجة (١٧٢٧) والدارمي ٢٥/٢ والطحاوي في
مشكل الآثار ١١٤/٤ والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٢٨٤.
(٢) في هامش ب: بيان وقت التكبير.

١٤
كتاب الصلاة
وقال ابن عمر: يختم عند الفجر من آخر أيام التشريق؛ وبه أخذ الشافعي.
أما الكلام في البداية: فوجه رواية أبي يوسف: قول الله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم
فاذكروا الله﴾ [البقرة: ٢٠٠] أمر بالذكر عقيب قضاء المناسك؛ وقضاء المناسك إنما يقع في وقت
الضحوة من يوم النحر؛ فاقتضى وجوب التكبير في الصلاة التي تليه وهي الظهر، وجه ((ظاهر
الرواية)) قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج: ٢٨] وهي أيام العشر؛ فكان
ينبغي أن يكون التكبير في جميعها واجباً إِلاَّ أن ما قبل يوم عرفة خص بإجماع الصحابة، ولا
إجماع في يوم عرفة والأضحى؛ فوجب التكبير فيهما؛ عملاً بعموم النص، ولأن التكبير
لتعظيم الوقت الذي شرع فيه المناسك؛ وأوله يوم عرفة؛ إذ فيه يقام معظم أركان الحج وهو
الوقوف؛ ولهذا قال مكحول (١): يبدأ بالتكبير من صلاة الظهر من يوم عرفة؛ لأن وقت الوقوف
بعد الزوال، ولا حجة له في الآية؛ لأنها ساكتة عن الذكر قبل قضاء المناسك فلا يصح التعلق
بها .
وأما الكلام في الختم: فالشافعي مَرَّ على أصله من الأخذ بقول الأحداث من الصحابة
- رضي الله عنهم - لوقوفهم على ما استقر من الشرائع دون ما نسخ، خصوصاً في موضع
الاحتياط؛ لكون رفع الصوت بالتكبير بدعة، إلا في موضع ثبت بالشرع، وأبو يوسف،
ومحمد احتجا بقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهي أيام التشريق،
فكان التكبير فيها واجباً، ولأن التكبير شرع لتعظيم أمر المناسك، وأمر المناسك إنما ينتهي
بالرمي، فيمتد التكبير إلى آخر وقت الرمي، ولأن الأخذ بالأكثر من باب الاحتياط؛ لأن
الصحابة اختلفوا في هذا، ولأن يأتي بما ليس عليه أولى من أن يترك ما عليه؛ بخلاف تكبيرات
العيد؛ حيث لم نأخذ هناك بالأكثر؛ لأن الأخذ بالاحتياط عند تعارض الأدلة، وهناك ترجح
قول ابن مسعود؛ لما نذكر في موضعه، والأخذ بالراجح أولى، وههنا لا رجحان، بل استوت
مذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - في الثبوت، وفي الرواية عن النبي وَلّر فيجب الأخذ
بالاحتياط .
ولأبي حنيفة: أن رفع الصوت بالتكبير بدعةٌ في الأصل، لأنه ذكر، والسنة في الأذكار
(١) مكحول الدمشقي. عن كثير من الصحابة مرسلاً. قال النسائي: لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان. روى
عن وائلة وأنس وخلق. وعنه: أيوب بن موسى وزيد بن واقد والأوزاعي وخلق. قال أبو حاتم: ما أعلم
بالشام أفقه منه. وقال سليمان بن عبد الرحمن: مات سنة ثلاث عشرة ومائة.
ينظر: ضعفاء ابن الجوزي ١٣٨/٣، الأنساب ٣٧/٨، معجم المؤلفين ٣١٩/١٢، سير الأعلام ٥٪
١٥٥، تراجم الأحبار ٣٦٧/٣، الحلية ١٧٧/٥، الجرح والتعديل ١٨٦٧/٨، خلاصة تهذيب الكمال
٥٤/٣، البداية والنهاية ٣٠٥/٩.

١٥
كتاب الصلاة
المخافتة؛ لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥]؛ ولقول النبيِّ وَّرَ: ((خَيْرُ
الدُّعَاءِ الخَفِيُّ))(١). ولذا هو أقرب إلى التضرع والأدب، وأبعد عن الرياء، فلا يترك هذا الأصل
إِلاَّ عند قيام الدليل المخصص، جاء المخصص للتكبير من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم
النحر، وهُو قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج: ٢٨] وهي عشر ذي
الحجة، والعمل بالكتاب واجب إلا فيما خص بالإجماع، وانعقد الإجماع فيما قبل يوم عرفة
أنه ليس بمراد، ولا إجماع في يوم عرفة ويوم النحر؛ فوجب العمل بظاهر الكتاب عند وقوع
الشك في الخصوص .
وأما فيما وراء العصر من يوم النحر: فلا تخصيص؛ لاختلاف الصحابة، وتردد التكبير
بين السنة والبدعة، فوقع الشك في دليل التخصيص، فلا يترك العمل بدليل عموم قوله تعالى:
﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥] وبه تبين أن الاحتياط في الترك لا في الإِثْيَانِ؛ لأن
ترك السنة أولى من إِثْيَانِ البدعة .
وأما قولهم: إن أمر المناسك إنما ينتهي بالرمي، فنقول: ركن الحج: الوقوف بعرفة،
وطواف الزيارة، وإنما يحصلان في هذين اليومين(٢)، فأما الرمي: فمن توابع الحج، فيعتبر في
التكبير وقت الركن لا وقت التوابع، وأما الآية: فقد اختلف أهل التأويل فيها/ .
١٠٠
قال بعضهم: المراد من الآية الذكر على الأضاحي.
وقال بعضهم: المراد منها الذكر عند رمي الجمار، دليله قوله تعالى [في آخر الآية] (٣):
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والتعجل والتأخير إنما
يقعان في رمي الجمار لا في التكبير.
فصل
في محل أدائه
وأما محل أدائه: فدبر الصلاة وأثرها وفورها، من غير أن يتخلل ما يقطع حرمة الصلاة،
حتى لو قهقه، أو أحدث متعمداً، أو تكلم عامداً أو ساهياً، أو خرج من المسجد، أو جاوز
الصفوف في الصحراء - لا يكبر؛ لأن التكبير من خصائص الصلاة، حيث لا يؤتى به إلا عقيب
(١) من حديث سعد بن مالك أخرجه أحمد في المسند ١٧٢/١ وفي الزهد ص (١٠) وأبو يعلى الموصلي
٨٢/٢ حديث (٧٣١/٤٣) وأخرجه أحمد من حديث أسامة ١/ ١٨٠ وعبد بن حميد ص ٧٦ (١٣٧)
وقال الهيثمي في المجمع ٨١/١٠ رواه أحمد وأبو يعلى وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيب وقد وثقه
ابن حبان.
(٢) في ب: الوقتين.
(٣) سقط في ط .

١٦
كتاب الصلاة
الصلاة، فيراعى لإتيانه: حرمة الصلاة، وهذه العوارض تقطع حرمة الصلاة فيقطع التكبير(١).
ولو صرف وجهه عن القبلة ولم يخرج من المسجد، ولم يجاوز الصفوف، أو سبقه الحدث -
يكبر؛ لأن حرمة الصلاة باقية؛ لبقاء التحريمة، ألا ترى أنه يبنى، والأصل: إن كل ما يقطع
البناء يقطع التكبير، وما لا فلا، وإذا سبقه الحدث: فإن شاء ذهب فتوضأ ورجع فكبر، وإن
شاء كبر من غير تطهير؛ لأنه لا يؤدي في تحريمة الصلاة، فلا تشترط له الطهارة.
قال الشيخ الإمام الزاهد السرخسي - رحمه الله -: والأصح عندي أنه يكبر، ولا يخرج
من المسجد للطهارة؛ لأنَّ التكبير لما لم يفتقر إلى الطهارة، كان خروجه مع عدم الحاجة قاطعاً
الفور الصلاة، فلا يمكنه التكبير بعد ذلك - فيكبر للحال جزماً.
ولو نسي(٢) الإمام التكبير فللقوم أن يكبروا، وقد ابتلي به أبو يوسف - رحمه الله
تعالی ۔:
ذكر في ((الجامع الصغير)) قال أبو يعقوب: صليت بهم المغرب فقمت وسهوت أن أكبر،
فكبر أبو حنيفة رحمه الله تعالی.
وفرق بين هذا وبين سجدتي السهو إذا سلم الإمام وعليه سهو، فلم يسجد لسهوهِ؛ ليس
للقوم أن يسجدوا، حتى لو قام وخرج من المسجد أو تكلم، سقط عنه وعنهم، والفرق: أن
سجود السهو جزء من أجزاء الصلاة؛ لأنه قائم مقام الجزء الفائت من الصلاة، والجابر يكون
بمحل النقص، ولهذا يؤدي في تحريمة الصلاة بالإجماع إما لأنه لم يخرج، أو لأنه عاد،
وشيء من الصلاة لا يؤدى بعد انقطاع التحريمة، ولا تحريمة بعد قيام الإمام، فلا يأتي به
المقتدي، فأما التكبير فليس من أجزاء الصلاة، فيشترط له التحريمة، ويوجب المتابعة؛ لأنه
يؤتى به بعد التحلل فلا يجب فيه متابعة الإمام، غير أنه إن أتى به الإمام يتبعه في ذلك؛ لأنه
يؤتى به عقيب الصلاة متصلاً بها، فيندب إلى اتباع من كان متبوعاً في الصلاة، فإذا لم يأتِ به
الإمام أتى به القوم، لانعدام المتابعة بانقطاع التحريمة، كالسامع مع التالي، أي: إن سجد
التالي يسجد معه السامع، وإن لم يسجد التالي يأتي به السامع؛ كذا ههنا.
ولهذا: لا يتبع المقتدي رأي إمامه، حتى إن الإمام لو كان يرى رأي(٣) ابن مسعود،
والمقتدي يرى رأي علي، فصلّى صلاة بعد يوم النحر، فلم يكبر الإمام - اتباعاً لرأيه - يكبر
المقتدي اتباعاً لرأي نفسه؛ لأنه ليس بتابع له؛ لانقطاع التحريمة التي بها صار تابعاً له، فكذا
(١) في هامش ب: لو صرف وجهه عن القبلة يكبر لو سبقه الحدث.
(٢) في هامش ب: نسي الإمام التكبير فللقوم أن يكبروا.
(٣) في ط: لو رأى رأي.

١٧
كتاب الصلاة
هذا، وعلى هذا: إذا كان محرماً وقد سها في صلاته، سجد ثم كبر ثم لبى، لأن سجود السهو
يؤتى به في تحريمة الصلاة، لما ذكرنا؛ ولهذا يسلم بعده. ولو اقتدى به إنسان في سجود
السهو صح اقتداؤه.
فأما التكبير والتلبية: فكل واحد منهما يؤتى به بعد الفراغ من الصلاة؛ ولهذا لا يسلم
بعده، ولا يصح اقتداء المقتدي به؛ اتباعاً لرأي نفسه؛ لأنه ليس بتابع له، لانقطاع التحريمة
التي بها صار تابعاً له؛ فكذلك هذا.
وعلى هذا: إذا كان محرماً وقد سها به في حال التكبير والتلبية - فيقدم السجدة، ثم يأتي
بالتكبير، ثم بالتلبية؛ لأن التكبير وإن كان يؤتى به خارج الصلاة، فهو من خصائص الصلاة،
فلا يؤتى به إلا عقيب الصلاة، والتلبية ليست من خصائص الصلاة، بل يؤتى بها عند اختلاف
الأخوَالِ، كلما هبط وادياً أو علا شرفاً، أو لقي ركباً، وما كان من خصائص الشيء يجعل كأنه
منه، فيجعل التكبير كأنه من الصلاة، وما لم يفرغ من الصلاة لم يوجد اختلاف الحال؛ فكذا
ما لم يفرغ من التكبير يجعل كأنه لم يتبدل الحال؛ فلا يأتي بالتلبية.
ولو سها وبدأ بالتكبير قبل السجدة، لا يوجب ذلك قطع صلاته، وعليه سجدتا السهو؛
لأن التكبير ليس من كلام الناس، ولو لبى أوَّلاً فقد انقطعت صلاته، وسقطت عنه سجدتا
السهو والتكبير؛ لأن التلبية تشبه كلام الناس؛ لأنّها في الوضع جواب لكلام الناس، وغيرها
من كلام الناس يقطع الصلاة؛ فكذا هي، وتسقط سجدة السهو، لأنها لم تشرع إلا في
التحريمة، ولا تحريمة، ويسقط التكبير أيضاً؛ لأنه غير مشروع إلا متصلاً بالصلاة وقد زال
الاتصال، وعلى هذا: المسبوق لا يكبر مع الإمام، لما بينا أن التكبير مشروع بعد الفراغ من
الصلاة/ والمسبوق بعد في خلال الصلاة، فلا يأتي به.
١٠٠ ب
فصل
في بيان ((من يجب عليه))
وأما بيان(١) من يجب عليه: فقد قال أبو حنيفة: إنه لا يجب إلاَّ على الرجال العاقلين
المقيمين الأحرار، من أهل الأمصار، والمصلِّين المكتوبة بجماعة مستحبة، فلا يجب على
النسوان، والصبيان، والمجانين، والمسافرين، وأهل القرى، ومن يصلّي التطوع والفرض
وحده .
(١) في هامش ب: بيان من يجب عليه التكبير.
بدائع الصنائع ج٢ - م٢

١٨
كتاب الصلاة
وقال أبو يوسف، ومحمد: يجب على كل من يؤدي مكتوبة في هذه الأيام، على أي
وصف كان في أي مكان كان، وهو قول إبراهيم النخعي.
وقال الشافعي في أحد قوليه: يجب على كل مصل فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً؛ لأن
النوافل اتباع الفرائض؛ فما شرع في حق الفرائض يكون مشروعاً في حقها بطريق التبعية.
ولنا: ما روي عن علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما -: ((أنَّهُمَا كَانَا لاَ يُكَبِرَانِ عَقِيْبَ
التَّطَوُّعَاتِ، ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك؛ فحل محل الاجماع، ولأن الجهر بالتكبير بدعة
إلا في موضع ثبت بالنص، وما ورد النص إلا عقيب المكتوبات، ولأن الجماعة شرط عند أبي
حنيفة؛ لما نذكر، والنوافل لا تؤدى بجماعة، وكذا لا يكبر عقيب الوتر - عندنا - أما عند أبي
یوسف، ومحمد: فلأنه نفل.
وأما عند أبي حنيفة: فلأنه لا يؤدى بجماعة في هذه الأيام؛ ولأنه وإن كان واجباً فليس
بمكتوبة؛ والجهر بالتكبير بدعة إلا في مورد النص والإجماع؛ ولا نص ولا إجماع إِلاَّ في
المكتوبات .
وكذا لا يكبر عقيب صلاة العيد - عندنا - لما قلنا؛ ويكبر عقيب الجمعة؛ لأنها فريضة
کالظهر .
وأما الكلام مع أصحابنا: فهما احتجا بقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوْا أُسْمَ اللهِ فِيْ أَيَّامِ
مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] وقوله: ﴿وَأَذْكُرُوْا الله فِي أَيَّامٍ مَعْدُوْدَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] من غير تقييد مكانٌ
أو جنس أو حال؛ ولأنه من توابع الصلاة؛ بدليل أن ما يوجب قطع الصلاة من الكلام ونحوه
يوجب قطع التكبير؛ فكل من صلى المكتوبة ينبغي أن يكبر، ولأبي حنيفة - رحمه الله
تعالى -: قَوْلُ النَّبِيِّ وََّ -: ((لاَ جُمُعَةً وَلاَ تَشْرِيقَ إلاَّ في مِصْرِ جَامِع)) (١) وقول عليّ رضي الله
عنه: ((لا جُمْعَة ولا تَشْرِيق وَلاَ فِطْرَ وَلاَ أَضْحَى إِلاَّ فِي مِصْرِ جَامِعٍ)).
والمراد من ((التشريق)): هو رفع الصوت بالتكبير؛ هكذا قال النضر بن شميل(٢) وكان
من أرباب اللغة؛ فيجب تصديقه؛ ولأن التشريق في اللغة هو: الإظهار، والشروق هو الظهور،
(١) ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٩٥/٢) وقال: غريب مرفوعاً وإنما وجدناه موقوفاً على عليّ وعزاه
لعبد الرزاق في المصنف (٥١٨٩) من طريق الحارث الأعور عن علي وأخرجه ابن عدي في الكامل ١/
٢٨٧ وقال النووي في المجموع (٤٨٨/٤) ضعيف جداً.
(٢) النضر بن شميل المازني أبو الحسن البصري ثم الكوفي النحوي شيخ مرو عن حميد وبهز بن حكيم وابن
عون وشعبة وعنه يحيى بن يحيى وإسحاق الكوسج وثقه النسائي قال محمد بن قهزاد: مات سنة ثلاث
ومائتين. ينظر الخلاصة ٩٣/٣ (٧٥٠٨).

١٩
كتاب الصلاة
يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت وظهرت؛ سمي موضع طلوعها وظهورها مشرقاً لهذا،
والتكبير نفسه إظهار لكبرياء الله تعالى، وهو إظهار ما هو من شعار الإسلام؛ فكان تشريقاً، ولا
يجوز حمله على صلاة العيد؛ لأن ذلك مستفاد بقوله: ولا فطر ولا أضحى في حديث علي
- رضي الله عنه - ولا على إلقاء لحوم الأضاحي بالمشرقة؛ لأن ذلك لا يختص بمكان دون
مكان؛ فتعين التكبير مراداً بالتشريق، ولأن رفع الصوت بالتكبير من شعائر الإسلام وإعلام
الدين، وما هذا سبيله لا يشرع إلا في موضع يشتهر فيه ويشيع، وليس ذلك إلا في المصر
الجامع؛ ولهذا اختص به الجمع والأعياد.
وهذا المعنى يقتضي: ألاَّ يأتي به المنفرد والنسوان؛ لأنَّ معنى الاشتهار يختص بالجماعة
دون الأفراد؛ ولهذا لا يصلي المنفرد صلاة الجمعة والعيد، وأمر النسوان مبني على الستر دون
الاشهار.
وأما الآية الثانية: فقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيها. وأما الأولى: فنحملها على
خصوص المكان والجنس والحال، عملاً بالدليلين بقدر الإمكان. وما ذكروا من معنى التبعية
مسلم عند وجود شرط المصر والجماعة، وغيرهما من الشرائط؛ فأما عند عدمها فلا نسلم
التبعية .
ولو اقتدى المسافر بالمقيم وجب عليه التكبير، لأنه صار تبعاً لإمامه؛ ألا ترى أنه تغير
فرضه أربعاً؛ فيكبر بحكم التبعية، وكذا النساء إذا اقتدين برجل وجب عليهن؛ على سبيل
المتابعة، فإن صلين بجماعة وحدهن فلا تكبير عليهن؛ لما قلنا. وأما المسافرون إذا صلوا في
المصر بجماعة؛ ففيه روايتان: روى الحسن عن أبي حنيفة: أن عليهم التكبير؛ والأصح: أن
لا تكبير عليهم؛ لأن السفر مغير للفرض مسقط للتكبير، ثم في تغير الفرض لا فرق بين أن
يصلوا في المصر أو خارج المصر؛ فكذا في سقوط التكبير، ولأن المصر الجامع شرط
والمسافر ليس من أهل المصر؛ فالتحق المصر في حقه بالعدم.
فضل
في بيان قضاء التكبير
وأما بيان(١) حكم التكبير فيما دخل من الصلوات في حد القضاء فنقول: لا يخلو: إما
إن فاتته الصلاة في غير أيام التشريق، فقضاها في أيام التشريق، أو فاتته في هذه الأيام،
فقضاها في غير هذه الأيام، أو فاتته في هذه الأيام/ فقضاها في العام القابل من هذه الأيام، أو ١١٠٠
فاتته في هذه الأيام، فقضاها في هذه الأيام من هذه السنة.
(١) في هامش ب: بيان حكم التكبير فيما دخل من الصلوات في حد القضاء.

٢٠
كتاب الصلاة
فإن فاتته في غير أيام التشريق، فقضاها في أيام التشريق - لا يكبر عقيبها؛ لأن القضاء
على حسب الأداء؛ وقد فاتته بلا تكبير؛ فيقضيها كذلك، وإن فاتته في هذه الأيام، فقضاها في
غير هذه الأيام - لا يكبر عقيبها - أيضاً، وإن كان القضاء على حسب الأداء، وقد فاتته مع
التكبير، لأن رفع الصوت بالتكبير بدعة في الأصل إلاَّ حيث ورد الشرع؛ والشرع ما ورد به في
وقت القضاء فبقي بدعة، فإن فاتته في هذه الأيام، وقضاها في العام القابل في هذه الأيام - لا
يكبر أيضاً؛ وروي عن أبي يوسف: أنه يكبر؛ والصحيح: ظاهر الرواية، لما بينا أن رفع
الصوت بالتكبير بدعة إلا في مورد الشرع؛ والشرع ورد بجعل هذا الوقت وقتاً لرفع الصوت
بالتكبير عقيب صلاة هي من صلوات(١) هذه الأيام؛ ولم يرد الشرع بجعله وقتاً لغير ذلك؛
فبقي بدعة، كأضحية فاتت عن وقتها؛ أنه لا يمكن التقرب بإراقة دمها في العام القابل وإن عاد
الوقت؛ وكذا رمي الجمار؛ لما ذكرنا؛ فكذا هذا؛ وإن فاتته في هذه الأيام، وقضاها في هذه
الأيام من هذه السنة - يكبر؛ لأن التكبير سنة الصلاة الفائتة؛ وقد قدر على القضاء؛ لكون
الوقت وقتاً لتكبيرات الصلوات المشروعات فيها.
فصل
في سنن الصلاة
وأما سننها(٢): فكثيرة، بعضها صلاة بنفسه؛ وبعضها من لواحق الصلاة. أما الذي هو
صلاة بنفسه: فالسنن المعهودة التي يؤدي بعضها قبل المكتوبة، وبعضها بعد المكتوبة، ولها
فصل متفرد نذكرها فيه بعلائقها.
وأما الذي هو من لواحق الصلاة: فثلاثة أنواع: نوع يؤتى به عند الشروع في الصلاة.
ونوع يؤتى به بعد الشروع في الصلاة. ونوع يؤتى به عند الخروج من الصلاة. أما الذي يؤتى
به عند الشروع في الصلاة: فسنن الافتتاح، وهي أنواع: منها: أن تكون النية مقارنة للتكبير؛
لأن اشتراط النية؛ لإخلاص العمل لله - تعالى - وقران النية أقرب إلى تحقيق معنى الإخلاص؛
فكان أفضل، وهذا عندنا. وعند الشافعي: فرض؛ والْمَسْأَلَةُ قد مرت.
ومنها: أن يتكلم بلسانه ما نواه بقلبه، ولم يذكره في كتاب الصلاة نصاً، ولكنه أشار إليه في
((كتاب الحج)) فقال: وإذا أردت أن تحرم بالحج - إن شاء الله - فقل: اللهم إني أريد الحج فيسره لي
وتقبله مني. فكذا في باب الصلاة؛ ينبغي أن يقول: اللهم إني أريد صلاة كذا، فيسرها لي وتقبلها
مني؛ لأن هذا سؤال التوفيق من الله - تعالى - للأداء والقبول بعده؛ فيكون مسنوناً.
(١) في ب: صلاة.
(٢) في هامش ب: بيان سنن الصلاة.