النص المفهرس

صفحات 721-740

٧٢١
كتاب الصلاة
عن الصلاة؛ وقد بقي عليه أركان الصلاة، فإذا سلّم مع الإمام: فإن كان ذاكراً لما عليه من
القضاء - فسدت صلاته؛ لأنه سلام عمد، وإن لم يكن ذاكراً له - لا تفسد؛ لأنه سلام سهو،
فلم(١) يخرجه عن الصلاة.
وهل يلزمه سجود السهو لأَجْلِ سلامه؟ ينظر: إن سلّم قبل تسليم الإمام، أو سلمًا معاً -
لا يلزمه؛ لأن سهوه المقتدي، وسهو المقتدي متعطّل. وإن سلّم بعد تسليم الإمام - لزمه؛ لأن
سهوه سهو المنفرد، فيقضي ما فاته ثم يسجد للسهو في آخر صلاته.
ولو سها الإِمَامُ في صلاة الخوف - سجد (٢) للسهو، وتابعه فيهما الطائفة الثانية، / وأما ٨٩ب
الطائفة الأولى فإنما يسجدون بعد الفراغ من الإثمَام؛ لأن الطائفة الثانية بمنزلة المسبوقين؛ إذا
لم يدركوا مع الإمام أول الصلاة، والطائفة الأولى بمنزلة اللاحقين؛ لإذرَاكِهِمْ أول صلاة
الإمام .
ولو قام(٣) المسبوق إلى قضاء ما سبق به، ولم يتابع الإمام في السهو - سجد في آخر
صلاته؛ استحساناً، والقياس: أن يسقط؛ لأنَّهُ منفرد فيما يقضي، وصلاة المنفرد غير صلاة
المقتدي؛ فصار كمن لزمته السجدة في صلاة فلم يسجد حتى خرج منها، ودخل في صلاة
أخرى لا يسجد في الثانية بل يسقط، كذا هذا.
وجه الاستحسان: أن التحريمة متّحدة، فإن المسبوق يبني ما يقضي على تلك التحريمة؛
فجعل الكل كأنها صلاة واحدة؛ لاتحاد التحريمة، وإذا كان الكل صلاة واحدة، وقد تمگّن
فيها النقصان بسهو الإمام، ولم يجبر ذلك بالسجدتين - فوجب جبره.
وقد خرج الجواب عن وجه القياس أنه منفرد في القضاء؛ لأنَّا نقول: نعم في الأفعال،
أما هو مقتدّ في التحريمة، ألا ترى أنه لا يصحّ اقتداء غيره به فجعل كأنه خلف الإمام في حق
التحريمة، ولو سها فيها يقضي ولم يسجد لسهو الإمام - كفاه سجدتان لسهوه ولما عليه من
قبل الإمام؛ لأن تكرار السهو في صلاة واحدة غير مشروع، ولو سجد لسهو الإمام، ثم سها
فيما يقضي - فعليه السهو؛ لما مر أن ذلك إذا سهوين في صلاتين حكماً؛ فلم يكن تكراراً.
ولو (٤) أدرك الإمام بعدما سلّم للسهو: فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: أما أن أدركه قبل
السجود، أو في حال السجود، أو بعدما فرغ من السجود، فإن أدركه قبل السجود، أو في
(١) في ب: فلا.
(٢) في هامش ب: سجد الإمام في صلاة الخوف.
(٣) في هامش ب: قام المسبوق إلى القضاء ولم يتابع الإمام في السهو.
(٤) في هامش ب: لو أدرك الإمام بعدما سلّم للسهو.
بدائع الصنائع ج١ - م٤٦

٧٢٢
كتاب الصلاة
حال السجود - يتابعه في السجود؛ لأنه بالاقتداء التزم متابعة الإمام فيما أدرك من صلاته،
وسجود السهو من أفعال صلاة الإمام؛ فيتابعه فيه، وليس عليه قضاء السجدة الأولى إذا أدركه
في الثانية؛ لأن المسبوق لم يوجد منه السهو، وإنما يجب عليه السجود لسهو الإمام؛ لتمكن
النقص في تحريمة الإمام، وحين دخل في صلاة الإِمَام - كان النقصان بقدر ما يرتفع بسجدة
واحدة، وهو قد أتى بسجدة واحدة فانجبر النقص، فلا يجب عليه شيء آخر.
بخلاف ما إذا اقتدى به قبل أن یسجد شیئاً، ثم لم یتابع إمامه وقام وأتم صلاته؛ حيث
يسجد السجدتين استحساناً؛ لأن هناك اقتدى بالإمام وتحريمته ناقصة نقصاناً لا ينجبر إِلاَّ
بسجدتين، وبقي النقصان؛ لانعدام الجابر، فيأتي [به](١) في آخر الصلاة؛ لاتحاد التحريمة
على ما مر، وإن أدركه بعدما فرغ من السجود - صح اقتداؤه به، وليس عليه السهو بعد فراغه
من صلاة نفسه؛ لما ذكرنا: أن وجوب السجود على المسبوق بسبب سهو الإمام، لتمكّن
النقص في تحريمة الإمام، وحين دخل في صلاة الإمام - كان النقص انجبر بالسجدتين، ولا
يعقل وجود الجابر من غير نقص. والله أعلم.
ومن سلّم(٢) وعليه سهو فسبقه الحدث، فهذا لا يخلو: أمَّا إن كان منفرداً أو إماماً، فإن
كان منفرداً أو إماماً، فإن كان منفرداً - توضأ وسجد؛ لأن الحدث السابق لا يقطع التحريمة،
ولا يمنع بناء بعض على البعض؛ فَلأَنْ لاَ يمنع بناء سجدتي السهو أولى. وإن كان إماماً .
استخلف، لأنه عجز عن سجدتي السهو، فيقدم الخليفة ليسجد، كما لو بقي عليه ركن أو
التسليم. ثم لا ينبغي أن يقدم المسبوق، ولا للمسبوق أن يتقدّم؛ لأن غيره أقدر على إتمام
صلاة الإمام، بل يقدم رجلاً أدرك أول صلاة الإمام، فيسلّم بهم ويسجد سجدتي السهو،
ولكن مع هذا لو قدّمه أو تقدّم ـ جاز؛ لأنه قادر. على إِثْمَام الصلاة في الجملة، ولا يأتي
بسجدتي السهو؛ لأن أوان السجود بعد التسليم وهو عاجز عن التسليم؛ لأن عليه البناء، فلو
سلّم لفسدت صلاته، لأنَّهُ سلام عمد، وعليه ركن؛ وحينئذٍ يتعذّر عليه البناء، فيتأخّر ويقيم
مدركاً؛ ليسلم بهم ويسجد سجدتي السهو، ويسجد هو معهم، كما لو كان الإمام هو الذي
يسجد لسهوه، ثم يقوم إلى قضاء ما سبق به وحده، وإن لم يسجد مع خليفته - سجد في آخر
صلاته؛ استحساناً على ما ذكرنا في حق الإمام الأول.
فإن لم يجد الإمام المسبوق مدركاً، وكان الكل مسبوقين - قاموا وقضوا ما سبقوا به
فرادى؛ لأن تحريمة المسبوق انعقدت(٣) للأداء على الانفراد، ثم إذا فرغوا - لا يسجدون في
القياس، وفي الاستحسان يسجدون، وقد بينّا وجه القياس والاستحسان.
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: سلم وعليه سهو فسبقه الحدث.
(٣) في ب: انعقد.

٧٢٣
كتاب الصلاة
ولو قام(١) المسبوق إلى قضاء ما سبق به بعدما سلّم الإمام، ثم تذكّر الإمام أن عليه
سجود السهو فسجدهما - يعود إلى صلاة الإمام، ولا يقتدي ولا يعتد بما قرأ وركع.
١٩٠
والجملة في المسبوق إذا قام إلى قضاء ما عليه فقضاه: أنه لا يخلو ما قام إليه وقضاه إِمَّا
أن يكون قبل/ أن يقعد الإمام قدر التشهّد، أو بعدما قعد قدر التشهّد، فَإنْ كان ما قام إليه
وقضاه قبل أن يقعد الإمام قدر التشهّد - لم يجزه؛ لأن الإمام ما بقي عليه فرض لم ينفرد
المسبوق به عنه؛ لأنه التزم متابعته فيما بقي عليه من الصلاة، وهو قد بقي عليه فرض؛ وهو
القعدة، فلم ينفرد فبقي مقتدياً.
وقراءة المقتدي خلف الإمام لا تعتبر (٢) قراءةً من صلاته، وإنما تعتبر(٣) من قيامه وقراءته
ما كان بعد ذلك، فإن كان مَسْبُوقاً بركعةٍ أو ركعتين، فوجد بعد ما قعد الإمام قدر التشهّد قيام
وقراءة قدر ما تجوز به الصلاة - جازت صلاته؛ لأنه لما قَعَدَ الإمام قدر التشهّد - فقد انفرد؛
لانقطاع التبعية بانقضاء أركان صلاة الإمام، فقد أتى بما فرض عليه من القيام والقراءة في
أوانه؛ فكان معتداً به، وإن لم يوجد مقدار ذلك، أو وجد القيام دون القراءة - لا تجوز صلاته؛
لانعدام ما فرض عليه في أوانه، وإن كان مسبوقاً بثلاث ركعات: فإن لم يركع حتى فرغ الإمام
من التشهد، ثم ركع وقرأ في الركعتين بعد هذه الركعة - جازت صلاته؛ لأن القيام فرض في
كل ركعة وفرض القراءة في الركعتين، ولا يعتد بقيامه ما لم يفرغ الإمام من التشهد، فإذا فرغ
الإمام من التشهّد قبل أن يركع هو - فقد وجد القيام، وإن قل في هذه الركعة، ووجدت القراءة
في الركعتين بعد هذه الركعة، فقد أتى بما فرض عليه - فتجوز صلاته. وإن كان ركع قبل فراغ
الإمام من التشهّد - لم تجز صلاته؛ لأنه لم يوجد قيام معتدّ به في هذه الركعة؛ لأن ذلك هو
القيام بعد تشهد الإمام ولم يوجد؛ فلهذا فسدت صلاته.
وأما إذا قام(٤) المسبوق إلى قضاء ما عليه، بعد فراغ الإمام من التشهد قبل السلام فقضاه
- أجزأه وهو مسيء، أما الجواز؛ فلأن قيامه [حصل](٥) بعد فراغ الإمام من أركان الصلاة،
وأما الإساءة؛ فلتركه انتظار سلام الإمام؛ لأن أوان قيامه للقضاء بعد خروج الإمام من الصلاة؛
فينبغي أن يؤخّر القيام عن السلام.
(١) في هامش ب: قام المسبوق إلى قضاء ثم تذكر الإمام أن عليه سجود سهو.
(٢) في ب: تعتد.
(٣) في ب: تعد.
(٤) في هامش ب: قام المسبوق إلى القضاء بعد فراغ الإمام من التشهد.
(٥) سقط في ب.

٧٢٤
كتاب الصلاة
ولو قام(١) بعدما سلّم ثم تذكّر الإمام سجدتي السهو فخر لهما ـ فهذا على وجهين: أما
إن كان المسبوق قيد ركعته بالسجدة أو لم يقيّد: فإن لم يقيّد ركعته بالسجدة - رفض ذلك،
ويسجد مع الإمام؛ لأن ما أتى به ليس بفعل كامل، وكان محتملاً للرفض، ويكون تركه قبل
التمام؛ منعاً له عن الثبوت حقيقة، فجعل كأن لم يوجد، فيعود ويتابع إمامه؛ لأن متابعة الإمام
في الواجبات واجبة، وبطل ما أتى به من القيام والقراءة والركوع؛ لما بينًا.
فَإِنْ لم يعد إلى متابعة الإمام، ومضى على قضائه - جازت صلاته؛ لأن عود الإمام إلى
سجود السهو لا يرفع التشهّد، والباقي على الإمام سجود السهو، وهو واجب، والمتابعة في
الواجب واجبة؛ فترك الواجب لا يوجب فساد الصلاة، ألا ترى لو تركه الإمام لا تفسد
صلاته؛ فكذا المسبوق، ويسجد سجدتي السهو بعد الفراغ من قضائه استحساناً .
وإن كان المسبوق قيد ركعته بالسجدة - لا يعود إلى متابعة الإمام؛ لأن الانفراد قد تم،
وليس على الإمام ركن، ولو عاد - فسدت صلاته؛ لأنه اقتدى بغيره بعد وجود الانفراد
ووجوبه؛ فتفسد صلاته.
ولو ذكر(٢) الإمام سجدة تلاوة فسجدها: فإن كان المسبوق لم يقيّد ركعته بالسجدة -
فعليه أن يعود إلى متابعة الإمام؛ لِمَا مَرَّ، فيسجد معه للتلاوة، ويسجد للسهو، ثم يسلّم الإمام
ويقوم المسبوق إلى قضاء ما عليه، ولا يعتد بما أتى به من قبل؛ لما مر. ولو لم يعد - فسدت
صلاته؛ لأن عود الإمام إلى سجدة التلاوة - يرفض القعدة في حق الإمام، وهو بعد لم يصر
منفرداً؛ لأن ما أتى به دون فعل صلاة؛ فترتفض القعدة في حقه أيضاً، فإذا ارتفضت في حقه -
لا يجوز له الانفراد؛ لأن هذا أوان وجوب المتابعة، والانفراد في هذه الحالة مُفْسِدٌ للصلاة.
وَإِنْ كان قد قيّد ركعته بالسجدة: فإن عاد إلى متابعة الإمام - فسدت صلاته رواية
واحدة، وإن لم يعد ومضى عليها - ففيه روايتان: ذكر في ((الأصل)): أن صلاته فاسدة. وذكر
في ((نوادر أبي سليمان)): أنه لا تفسد صلاته.
وجه رواية الأصل: أن العود إلى سجدة التلاوة يرفض القعدة؛ فتبيّن أن المسبوق انفرد
قبل أن يقعد الإمام، والانفراد في موضع يجب فيه الاقتداء - مفسد للصلاة.
وجه ((نوادر أبي سليمان)): أن ارتفاض القعدة في حق الإمام - لا يظهر في حق
المسبوق؛ لأن ذلك بالعود إلى التلاوة، والعود حصل بعدما تم انفراده عن الإمام، وخرج عن
متابعته، فلا یتعدّی حکمه إليه.
(١) في هامش ب: قام قبل سلام الإمام ثم تذكر الإمام سجدتي السهو فخر لهما.
(٢) في هامش ب: تذكر الإمام سجدة تلاوة فسجدها.

٧٢٥
كتاب الصلاة
٩٠ب
ألا ترى أن جميع الصلاة/ لو ارتفضت بعد انقطاع المتابعة - لا يظهر في حق المؤتم؛
بأن ارتد الإمام بعد الفراغ من الصلاة - والعياذ بالله - بطلت صلاته، ولا تبطل صلاة القوم،
ففي حق القعدة أولى، ولذا لو صلّى الظهر بقوم يوم الجمعة، ثم راح إلى الجمعة فأدركها -
ارتفض ظهره، ولم يظهر [الرفض](١) في حق القوم؛ بخلاف ما إذا لم يقيّد ركعته بالسجدة؛
لأن هناك الانفراد لم يتم على ما قررنا.
ونظير هذه المسألة: مقيم اقتدى بمسافر، وقام إلى إتمام صلاته بعدما تشهّد الإمام قبل
أن يسلّم، ثم نوى الإمام الإقامة حتى تحوّل فرضه أربعاً، فإن لم يقيد ركعته بالسجدة - فعليه
أن يعود إلى متابعة الإمام، وإن لم يعد - فسدت صلاته، وإن كان قيد ركعته بالسجدة: فإن عاد
- فسدت صلاته وإن لم يعد، ومضى عليها وأتم صلاته - لا تفسد.
ولو ذكر الإمام أن عليه سجدة صلبية، فإن كان المسبوق لم يقيّد ركعته بالسجدة - لا
شك أنه يجب عليه العود، ولو لم يعد - فسدت صلاته؛ لما مر في سجدة التلاوة. وإن
[كان] (٢) قيد ركعته بالسجدة - فصلاته فاسدة؛ عاد إلى المتابعة أو لم يعد في الروايات كلها؛
لأنه انتقل عن صلاة الإمام، وعلى الإمام ركنان: السجدة، والقعدة، وهو عاجز عن متابعته
[بعد إكمال الركعة. ولو انتقل وعليه ركن واحد، وعجز عن متابعته](٣) - تفسد صلاته؛ فهاهنا
أولی.
رجل صلّى (٤) الظهر خمساً ثم تذكّر، فهذا لا يخلو: أما إنْ قعد في الرابعة قدر التشهّد
أو لم يقعد، وكل وجه على وجهين، أما إن قيّد الخامسة بالسجدة أو لم يقيد، فإن قعد في
الرابعة قدر التشهد، وقام إلى الخامسة: فإن لم يقيدها بالسجدة حتى تذكّر - يعود إلى القعدة
ويتمّها ويسلّم؛ لما مر؛ وإن قيّدها بالسجدة - لا يعود عندنا؛ خلافاً للشافعي على ما مر.
ثم عندنا: إذا كان ذلك في الظهر أو في العشاء - فالأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى؛
ليصيرا له نفلاً، إذ التنفل بعدهما جائز، وما دون الركعتين لا يكون صلاة تامة كما قال ابن
مسعود: والله مَا أَجْزَأَتْ رَكْعَةٌ قَطُ. وإن كان في العصر - لا يضيف إليها ركعة أخرى، بل
يقطع؛ لأن التنفل بعد العصر غير مشروع. وروى هشام عن محمد: أنه يضيف إليها أخرى -
أيضاً - لأن التنفل بعد العصر إنما يكره إذا شرع فيه قصداً، فأما إذا وقع فيه بغير قصده - فلا
(١) سقط في ب.
(٢) سقط في ط.
(٣) سقط في ب.
(٤) في هامش ب: صلَّى الظهر خمساً ثم تذكر.

٧٢٦
كتاب الصلاة
يكره. وإن (١) لم يضف إليها ركعة أخرى في الظهر بل قطعها - لا قضاء عليه عندنا. وعند
زفر: يقضي ركعتين، وهي مسألة الشروع في الصلاة المظنونة والصوم المظنون؛ لأن الشروع -
هاهنا - في الخامسة على ظن أنها عليه.
وإن أضاف إليها أخرى في الظهر: هل تجزىء هاتان الركعتان عن السنة التي بعد الظهر؟
قال بعضهم: يجزيان؛ لأن السنة بعد الظهر ليست إلا ركعتين يؤديان نفلاً، وقد وجد،
والصحيح: أنهما لا يجزيان عنها؛ لأن السنة أن يتنفل بركعتين بتحريمة على حدة؛ لا بناء على
تحريمة غيرها، فلم يوجد هيئة السنّة؛ فلا تنوب عنها؛ وبه كان يفتي الشيخ أبو عبد الله
الجرجرائي.
ثم إذا أضاف إليها ركعة أخرى - فعليه السهو؛ استحساناً، والقياس: أن لا سهو عليه؛
لأن السهو تمكن فى الفرض؛ وقد أدى بعدها صلاة أخرى. وجه الاستحسان: أنه إنما بنى
النفل على تلك التحريمة؛ وقد تمكّن فيها النقص بالسهو؛ فيجبر بالسجدتين على ما ذكرنا في
المسبوق .
ثم اختلف أصحابنا: أن هاتين السجدتين للنقص المتمكن في الفرض؛ أو للنقص
المتمكن في النفل؟ فعند أبي يوسف: للنقص المتمكن في النفل؛ لدخوله فيه لا على وجه
السنّة. وعند محمد: للنقص الذي تمكّن في الفرض فالحاصل: أن عند أبي يوسف انقطعت
تحريمة الفرض بالانتقال إلى النفل، فلا وجه إلى جبر نقصان الفرض بعد الخروج منه وانقطاع
تحريمته .
وعند محمد: التحريمة باقية؛ لأنها اشتملت على أصل الصلاة ووصفها، وبالانتقال إلى
النفل انقطع الوصف لا غير؛ فبقيت التحريمة. ألا ترى أن بناء النفل على تحريمة الفرض جائز
في حق الاقتداء؛ حتى جاز اقتداء المتنفّل بالمفترض، فكذا بناء فعل نفسه على تحريمة فرضه
يكون جائزاً، والأصل في البناء هو البناء في إحرام واحد.
وفائدة هذا الخلاف: أنه لو جاء إنسان واقتدى به في هاتين الركعتين - يصلي ركعتين عند
أبي يوسف. ولو أفسده يلزمه قضاء ركعتين، وإن كان الإمام لو أفسده لا قضاء عليه عند
أصحابنا الثلاثة. ومن هذا صحّح مشايخ بلخ اقتداء البالغين بالصبيان في التطوعات فقالوا:
يجوز أن تكون الصلاة مضمونة في حق المقتدي، وإن لم تكن مضمونة في حق الإمام،
استدلالاً بهذه المسألة. ومشايخنا بما وراء النهر لم يجوزوا ذلك. وعند محمد: يصلي ستاً،
ولو أفسدها لا يجب عليه القضاء، كما لا يجب على الإمام.
(١) في ب: لو.

٧٢٧
كتاب الصلاة
١٩١
وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي: أن الأصح/ أن تجعل السجدتان جبراً للنقص
المتمكّن في الإحرام، وهو إحرام واحد؛ فينجبر بهما النقص المتمكّن في الفرض والنفل
جميعاً، وإليه ذهب الشيخ أبو بكر بن أبي سعيد.
هذا الذي ذكرنا إذا قعد في الرابعة قدر التشهّد، فأما إذا لم (١) يقعد وقام إلى الخامسة
فإن لم يقيّدها بالسجدة - يعود؛ لما مرّ، وإن قيّد - فسد فرضه. وعند الشافعي: لا يفسد،
ويعود إلى القعدة، ويخرج عن الفرض بلفظ السلام بعد ذلك، وصلاته تامة؛ بناء على أصله
الذي ذكرنا: أن الركعة الكاملة في احتمال النقص وما دونها سواء. فكان كما لو تذكّر قبل أن
يقيّد الخامسة بسجدة. وروي أن النبي ◌ِّ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْساً، وَلَمْ ينقل أنه كان قعد في
الرابعة، ولا أنه أعاد صلاته. ولنا ما ذكرنا: أنه وجد فعل كامل من أفعال الصلاة، وقد انعقد
نفلاً؛ فصار خارجاً من الفرض ضرورة حصوله في النفل؛ لاستحالة كونه فيهما، وقد بقي عليه
فرض وهو القعدة الأخيرة، والخروج عن الصلاة مع بقاء فرض من فرائضها - يوجب فساد
الصلاة .
وأما الحديث: فتأويله أنه كان قعد في الرابعة، أَلاَ ترى أن الراوي قال: صَلَّى الظُّهْرَ،
والظهر: اسمٌ لجميع أركانها ومنها القعدة وهذا هو الظاهر: أنه قام إلى الخامسة على تقدير أن
هذه القعدة هي القعدة الأولى؛ لأن هذا أقرب إلى الصواب؛ فيحمل فعله عليه. والله أعلم.
ثم الفساد(٢) عند أبي يوسف: بوضع رأسه بالسجدة. وعند محمد: برفع رأسه عنها،
حتى لو سبقه الحدث في هذه الحالة (٣) - لا تفسد صلاته عند محمد، وعليه أن ينصرف
ويتوضأ، ويعود ويتشهّد ويسلّم ويسجد سجدتي السهو؛ لأن السجدة لا تصحّ مع الحدث،
فكأنه لم يسجد.
وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: فسدت صلاته بنفس الوضع فلا يعود. ثم الذي يفسد
عند أبي حنيفة، وأبي يوسف: الفرضية لا أصل الصلاة؛ حتى كان الأولى أن يضيف إليها ركعة
أخرى؛ فتصير الست له نفلاً ثم يسلّم ثم يستقبل الظهر.
وعند محمد: يفسد أصل الصلاة؛ بناء على أن أصل الفرضية متى بطلت بطلت التحريمة
عنده، وعندهما لا تبطل.
(١) في هامش ب: إذا لم يقعد وقام إلى الخامسة.
(٢) في هامش ب: الخلاف فيما يحصل به الفساد بوضع رأسه أو برفعها.
(٣) في ب: السجدة.

٧٢٨
كتاب الصلاة
وهذا الخلاف غير منصوص عليه، وإنما استخرج من مسألة ذكرها في الأصل في ((باب
الجمعة))، وهو: أن مصلى الجمعة إذا خرج وقتها - وهو وقت الظهر - قبل إتمام الجمعة ثم
قهقه - تنتقض طهارته عندهما. وعنده: لا تنتقض. وهذا يدل على أنه بقي نفلاً عندهما خلافاً
له. وكذا ترك القعدة في كل شفع من التطوّع، عنده: مفسد. وعندهما: غير مفسد. وهذه
مسألة عظيمة لها شعب كثيرة، أعرضنا عن ذكر [جميع] (١) تفاصيلها وجملها ومعاني الفصول
وعللها إحالة إلى ((الجامع الصغير)). وإنما أفردنا هذه المسألة بالذكر، وإن كان بعض فروعها
دخل في بعض ما ذكرنا من الأقسام؛ لما أن لها فروعاً أخر لا تناسب مسائل الفصل، وكرهنا
قطع الفرع عن الأصل، فرأينا الصواب في إيرادها بفروعها في آخر الفصل؛ تتميماً للفائدة.
والله الموفق .
فصل في سجدة التلاوة
وأما سجدة التلاوة: فالكلام(٢) فيها يقع في مواضع: في بيان وجوبها، وفي بيان كيفية
الوجوب، وفي بيان سبب الوجوب، وفي بيان من تجب عليه ومن لا تجب عليه، ويتضمن
بيان شرائط الوجوب، وفي بيان شرائط جوازها؛ وفي بيان محل أدائها، وفي بيان كيفية أدائها،
وفي بيان سببها، وفي بيان مواضعها من القرآن.
أما الأول: فقد قال أصحابنا: إنها واجبة، وقال الشافعي: إنها مستحبة، وليست بواجبةٌ؛
واحتجَّ بحديث الأعرابيِّ حِينَ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ وَ الشرائع فقال: ((هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قال: لاَ،
إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ))(٣) فلو كانت سجدة التلاوة واجبة - لما احتمل ترك البيان بعد السؤال. وعن عمر
- رضي الله عنه -: أنه تلا آية السجدة على المنبر وسجد، ثم تلاها في الجمعة الثانية - فتشوّف
الناس للسجود فقال: أما إنها لم تكتب علينا إِلاَّ أن نشاء.
ولنا: ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ وََّ أنه قال: ((إِذَا ثَلاَ ابْنُ آدَمَ آيَةً
السَّجْدَةِ، فَسَجَدَ - أَعْتَزَّلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، وَيَقُولُ: أُمِرَ أَبْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ،
وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ، فَلَمْ أَسْجُدْ؛ فَلِيَ النَّارُ))(٤) والأصل: أن الحكيم متى حكى عن غير الحكيم
أمراً ولم يعقبه بالنكير - يدل ذلك على أنه صواب، فكان في الحديث دليل على كون ابن آدم
(١) سقط في ط.
(٢) في هامش ب: الكلام في سجود التلاوة.
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه مسلم (٨٧/١) كتاب: الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، حديث
(١٣٣/٨١)، وابن ماجة (٣٣٤/١) كتاب: إقامة الصلاة، باب: سجود القرآن حديث (١٠٥٢).
1

٧٢٩
كتاب الصلاة
مأموراً بالسجود؛ ومطلق الأمر للوجوب؛ ولأن الله تعالى ذمّ أقواماً بترك السجود فقال: ﴿وَإِذَا
قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] وإنما يستحق الذم؛ بترك الواجب، ولأن
مواضع السجود في القرآن منقسمة، منها: ما هو أمر بالسجود، وإلزام(١) للوجوب كما في آخر
سورة القلم.
ومنها: ما هو إخبار عن استكبار(٢) الكفرة عن السجود؛ فيجب علينا مخالفتهم
بتحصيله. ومنها: ما هو إخبار عن خشوع/ المطيعين؛ فيجب علينا متابعتهم؛ لقوله تعالى: ٩١ب
﴿فَبِهُدَاهُمْ أَقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠] وعن عثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس،
وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -: أنهم قالوا: السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ تَلاَهَا، وَعَلَى مَنْ سَمِعَهَا،
وَعَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا. على اختلاف ألفاظهم، (وَعَلَى): كلمة إيجاب. وأما حديث الأعرابي:
ففيه بيان الواجب(٣) ابتداء، لا ما يجب بسبب يوجد من العبد، ألا ترى أنه لم يذكر المنذور
وهو واجب.
وأما قول عمر - رضي الله عنه - فنقول بموجبه: أنها لم تكتب علينا بل أوجبت، وفرق
بين الفرض والواجب على ما عرف في موضعه.
فصل في بيان كيفية وجوبها
وأما بيان(٤) كيفية وجوبها: فأما خارج الصلاة: فإنها تجب على سبيل التراخي دون
الفور عند عامة أهل الأصول؛ لأن دلائل الوجوب مطلقة عن تعيين الوقت، فتجب في جزء
من الوقت غير عين، ويتعيّن ذلك بتعيينه فعلاً. وإنما يتضيّق عليه الوجوب في آخر عمره كما
في سائر الواجبات الموسّعة.
وأما في الصلاة: فإنها تجب على سبيل التضييق؛ لقيام دليل التضييق، وهو: أنها وجبت
بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة، فالتحقت بأفعال الصلاة، وصارت جزءاً من أجزائها؛
ولهذا يجب أداؤها في الصلاة، ولا يوجب حصولها في الصلاة نقصاناً فيها، وتحصيل ما ليس
من الصلاة في الصلاة إن لم يوجب فسادها - يوجب نقصاناً، وإذا التحقت بأفعال الصلاة - وجب
أداؤها مضيقاً كسائر أفعال الصلاة؛ بخلاف خارج الصلاة؛ لأن هناك لا دليل على التضييق،
(١) في ب: والأمر.
(٢) في ب: استنكاف.
(٣) في ب: الواجبات.
(٤) في هامش ب: بيان كيفية وجوبها.

٧٣٠
كتاب الصلاة
ولهذا قلنا: إذا تلا آية السجدة فلم يسجد ولم يركع حتى طالت القراءة، ثم ركع ونوى السجود(١)
لم يجزه، وكذا إذا نواها في السجدة الصلبية؛ لأنها صارت ديناً، والدين يقضى بما له لا بما
عليه، والركوع والسجود عليه؛ فلا يتأدّى به الدين على ما نذكر، ولهذا قلنا: إنه لا يجوز التيمّم
للتلاوة في المصر؛ لأن عدم الماء في المصر لا يتحقّق عادة، والجواز بالتيمّم مع وجود الماء لن
يكون إِلاَّ لخوف الفوت أصلاً، كما في صلاة الجنازة والعيد، ولا خوف ـ هاهنا - لانعدام وقت
معيّن لها خارج الصلاة، فلم يتحقّق التيمّم طهارة، والطهارة شرط لأدائها بالإجماع.
فصل في سبب وجوب سجدة التلاوة
وأما سبب(٢) وجوب السجدة: فسبب وجوبها أحد شيئين: التلاوة أو السماع، كل واحد
منهما على حاله موجب، فيجب على التالي الأصم، والسامع الذي لم يتل، أما التلاوة فلا
يشكل، وكذا السماع؛ لما بينا أن الله - تعالى - ألحق اللائمة بالكفار؛ لتركهم السجود إذا قرىء
عليهم القرآن بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾
[الانشقاق: ٢٠ ,٢١] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكْرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً﴾ [السجدة:
١٥]، من غير فصل في الآيتين بين التالي والسامع، وروينا عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم -
السجدة على من سمعها؛ ولأن حجة الله تعالى تلزمه بالسماع كما تلزمه بالتلاوة - فيجب أن
يخضع لحجة الله - تعالى - بالسماع كما يخضع بالقراءة.
ويستوي الجواب في حق التالي بين ما إذا تلا السجدة بالعربية، أو بالفارسية في قول أبي
حنيفة - رحمه الله تعالى - حتى قال أبو حنيفة: يلزمه السجود في الحالين، وأما في حق
السامع: فإن سمعها ممن يقرأ بالعربية فقالوا: يلزمه بالإجماع، فهم أو لم يفهم؛ لأن السبب
قد وجد فيثبت حكمه، ولا يقف على العلم اعتباراً بسائر الأسباب، وأن سمعها ممن يقرأ
بالفارسية - فكذلك عند أبى حنيفة؛ بناء على أصله: أن القراءة بالفارسية جائزة.
وقال أبو يوسف في ((الأمالي)): [وعندهما](٣) إن كان السامع يعلم أنه يقرأ القرآن - فعليه
السجدة وإِلاَّ فَلاَ، [هذا ليس بسديد؛ لأنه إن جعل الفارسية قرآناً - ينبغي أن يجب، سواء فهم أو لم
يفهم، كما لو سمعها ممن يقرأ بالعربية، وإن لم يجعله قرآناً - ينبغي أن لا يجب وإن فهم] (٤).
ولو اجتمع(٥) سبباً الوجوب وهما: التلاوة والسماع؛ بأن تلا السجدة ثم سمعها أو
(١) في ب: السجدة.
(٢) في هامش ب: سبب وجوبها التلاوة أو السماع.
(٣) سقط في ط.
(٤) سقط في ب.
(٥) في هامش ب: اجتمع سبباً الوجوب: التلاوة والسماع.

٧٣١
كتاب الصلاة
سمعها ثم تلاها أو تكرر أحدهما - فنقول :
والأصل: أن السجدة لا يتكرر وجوبها إِلاَّ بأحد أمور ثلاثة:
إما اختلاف المجلس، أو التلاوة، أو السماع، حتى إن من تلا آية واحدة مراراً في
مجلس واحد - تكفيه سجدة واحدة.
والأصل فيه: ما روي أن جبريل - عليه السلام - كان ينزل بالوحي، فيقرأ آية السجدة
على رسول الله وَّه ورسول الله وَّل كان يسمع ويتلقّن، ثم يقرأ على أصحابه، وكان لا يسجد
إِلاَّ مرة واحدة.
وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي - معلم الحسن والحسين -: - رضي الله عنهم - أنه
كان يعلّم الآية [الواحدة](١) مَراراً، وكان لا يزيد على سجدة واحدةٍ، والظاهر: أن علياً -
رضي الله عنه - كان عالماً بذلك ولم ينكر عليه.
وروي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنه كان يكرّر آية السجدة حين كان
يعلم الصبيان، وكان لا يسجد إِلاَّ مرة واحدة؛ ولأن المجلس الواحد جامع للكلمات المتفرّقة
كما في الإيجاب والقبول؛ ولأن في إيجاب السجدة في كل مرة إيقاع في الحرج؛ لكون
المعلمين مبتلين بتكرار الآية لتعليم الصبيان/ والحرج منفى بنص الكتاب؛ ولأن السجدة متعلّقة ١٩٢
بالتلاوة، والمرة الأولى هي الحاصلة للتلاوة، فأما التكرار فلم يكن لحق التلاوة، بل للتحفظ
أو للتدبّر والتأمّل في ذلك، وكل ذلك من عمل القلب، ولا تعلّق لوجوب السجدة به؛ فجعل
الأجراء على (اللسان)(٢) الذي هو من ضرورة ما هو فعل القلب، أو وسيلة إليه من أفعاله؛
فالتحق بما هو فعل القلب، وذلك ليس بسبب؛ كذا علل الشيخ أبو منصور.
وأما الصلاة(٣) على النبي ◌َّر بأن ذكره أو سمع ذكره في مجلس واحد مراراً - فلم يذكر
في الكتب.
وذهب المتقدّمون من أصحابنا: إلى أنه يكفيه مرة واحدة؛ قياساً على السجدة.
وقال بعض المتأخّرين: يصلّي عليه في كل مَرَّة؛ لقوله ◌َّهِ: ((لاَ تَجْفُونِي بَعْدَ مَوْتِي))!
فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ نَجْفُوكَ يَا رَسُولَ الله؟! فَقَالَ: ((أَنْ أَذْكُرَ في مَوْضِعِ، فَلاَ يُصَلَّى عَلَيَّ)» وبه تبيّن
(١) سقط في ط
(٢) في ب: العسادة.
(٣) في هامش ب: ذكر النبي ◌ِّر أو سمع ذكره في مجلس واحد.

٧٣٢
كتاب الصلاة
أنه حقُّ رسول الله وَّه وحقوق العباد لا تتداخل وعلى هذا اختلفوا في تشميت(١) العاطس، أن
من عطس وحمد الله - تعالى - في مجلس واحد مراراً.
فقال بعضهم: ينبغي للسامع(٢) أن يشمت في كل مرة؛ لأنه حق العاطس، والأصح: أنه
إذا زاد على الثلاث لا يشمته؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال للعاطس في مجلسه
بعد الثلاث: ثم فانتثر؛ فإنك مَزْكُوْمٌ(٣) .
ثم لا فرق - هاهنا - بين ما إذا تلا مراراً ثم سجد، وبين ما إذا تَلاَ وسجد، ثم تلا بعد
ذلك مراراً في مجلس واحد، حتى لا يلزمه سجدة أخرى، فرق بين هذا وبين ما إذا زنى
مراراً؛ أنه لا يحدّ إلاَّ مرة واحدة؛ ولو زنى مرة ثم حد، ثم زنى مرة أخرى - يحد ثانياً، وكذا
ثالثاً ورابعاً.
والفرق(٤): أن هناك تكرر السبب؛ لمساواة كل فعل الأول في المأثم والقبح وفساد
الفراش، وكل معنى صار به الأول سبباً، إِلاَّ أنه لما أقيم عليه الحد - جعل ذلك حكماً لكل
سبب، فجعل بكماله حكماً لهذا وحكماً لذاك، وجعل كأن كل سبب ليس معه غيره في حق
نفسه؛ لحصول ما شرع له الحد، وهو: الزجر عن المعاودة في المستقبل، فإذا وجد الزنا بعد
ذلك انعقد سبباً کالذي تقدّم؛ فلا بد من وجود حکمه.
بخلاف ما نحن فيه؛ لأن - هاهنا - السبب هو التلاوة، والمرة الأولى هي الحاصلة بحق
التلاوة على ما مر، فلم يتكرر السبب، وهذا المعنى لا يتبدّل بتخلّل السجدة بينهما وعدم
التخلّل؛ لحصول الثانية بحق التأمل والتحفّظ في الحالين، وكذا السامع لتلك التلاوات
المتكررة لا يلزمه إلا بالمرة الأولى؛ لأن ما وراءها في حقه جعل غير سبب، بل تابعاً للتأمل
والحفظ؛ لأنه في حقه يفيد المعنيين جميعاً - أعني: الإعانة على الحفظ والتدبّر -.
بخلاف ما إذا سمع إنسان آخر المرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وذلك في حقه أول ما
سمع؛ حيث تلزمه السجدة؛ لأن ذلك في حقه سماع التلاوة؛ لأن كل مرة تلاوة حقيقة، إلا
أَنَّ الحقيقة جعلت ساقطة في حق من تكرّرت في حقه، ففي حق من لم تتكرر - بقيت على
حقيقتها .
وبخلاف ما إذا قرأ آية واحدة في مجالس مختلفة؛ لأن هناك النصوص منعدمة، والجامع
(١) في هامش ب: عطس وحمد الله مراراً في مجلس واحد.
(٢) في ب: للشامت.
(٣) يشهد له حديث سلمة بن الأكوع أخرجه مسلم (٢٩٩٣)، البخاري في الأدب المفرد (٩٣٥)
(٤) في هامش ب: فرق بين ما إذا زنى مراراً وتلا مراراً

٧٣٣
كتاب الصلاة
وهو المجلس غير ثابت، والحرج منفي(١)، ومعنى التفكّر والتدبّر زائل؛ لأنها في المجلس
الآخر حصلت بحق التلاوة؛ لينال ثوابها في ذلك المجلس؛ وبخلاف ما إذا قرأ آيات متفرّقة
في مجلس واحد؛ لزوال هذه المعاني أيضاً.
أما النصوص: فلا تشكّل، وكذا(٢) المعنى الجامع؛ لأَنَّ المجلس لا يجعل الكلمات
المختلفة الجنس بمنزلة كلمة واحدة(٣)، كمن أقر لإنسان بألف درهم، ولآخر بمائة دينار،
ولعبده بالعتق في مجلس واحد - لا يجعل المجلس الكل إقراراً واحداً؛ وكذا الحرج منتف،
وكذا التلاوة الثانية لا تكون للتدبّر في الأولى. والله أعلم.
ولو تلاها(٤) في مكان، وذهب عنه ثم انصرف إليه فأعادها - فعليه أخرى؛ لأنها عند
اختلاف المجلس حصلت بحق التلاوة؛ فتجدّد السبب.
وعن محمد: إِنَّ هذا إذا بعد عن ذلك المكان، فإن كان قريباً منه - لم يلزمه أخرى؛
ويصير كأنه تلاها في مكانه؛ لحديث أبي موسى الأشعري: أنه كان يعلم الناس بالبصرة، وكان
يزحف إلى هذا تارة وإلى هذا تارة أخرى فيعلمهم آية السجدة، ولا يسجد إِلاَّ مرة واحدة.
ولو (٥) تلاها في موضع ومعه رجل يسمعها، ثم ذهب التالي عنه، ثم انصرف إليه
فأعادها والسامع على مكانه - سجد التالي لكل مرة؛ لتجدّد السبب في حقه وهو التلاوة عند
اختلاف المجلس، وأما السامع: فليس عليه إِلاَّ سجدة واحدة؛ لأن السبب في حقه سماع
التلاوة، والثانية ما حصلت بحق التلاوة في حقه؛ لاتحاد المجلس. وكذلك إذا كان التالي
على مكانه ذلك، والسامع يذهب ويجيء/ ويسمع تلك الآية سجد السامع لكل مرة سجدة، ٩٢ب
وليس على التالي إِلاَّ سجدة واحدة؛ لتجدّد السبب في حق السامع دون التالي على ما مر.
ولو تلاها(٦) في مسجد جماعة، أو في المسجد الجامع في زاوية، ثم تلاها في زاوية
أخرى - لا يجب عليه إِلاَّ سجدة واحدة؛ لأن المسجد كله جعل بمنزلة مكان واحد في حق
الصلاة؛ ففي حق السجدة أولى، وكذا (٧) حكم السماع، وكذلك البيت والمحمل والسفينة فى
حكم التلاوة والسماع، سواء كانت السفينة واقفة أو جارية؛ بخلاف الدابة على ما نذكر.
(١) في ب: منتفى.
(٢) في ب: وكذلك.
(٣) في ب: كلام وحده.
(٤) في هامش ب: تلاها في مكان وذهب عنه ثم عاد إليه فأعادها.
(٥) في هامش ب: ولو تبدل مجلس التالي واتخذ مجلس السامع.
(٦) في هامش ب: تلاها في مسجد جماعة أو الجامع.
(٧) في ب: كذلك.

٧٣٤
كتاب الصلاة
ولو تلاها وهو يمشي - لزمه لكل مرة سجدة؛ لتبدّل المكان، وكذلك لو كان يسبح في
نهر عظيم أو بحر؛ لما ذكرنا، فإن كان يسبح في حوض أو غدير له حد معلوم قيل: يكفيه
سجدة واحدة، ولو تلاها على غصن، ثم انتقل إلى غصن آخر - اختلف المشايخ فيه، وكذا في
التلاوة عند الكُذْسِ(١)، وقالوا في تَسْدِيَةِ الثوب: إنه يتكرّر الوجوب.
ولو قرأ (٢) آية السجدة مراراً، وهو يسير على الدابة: إن كان خارج الصلاة - سجد لكل
مرة سجدة على حدة؛ بخلاف ما إذا قرأها في السفينة وهي تجري؛ حيث تكفيه [سجدة](٣)
واحدة .
والفرق: أن قوائم الدابة جعلت كرجليه حكماً؛ لنفوذ تصرّفه عليها في السير والوقوف؛
فكان تبدّل مكانها كتبدّل مكانه؛ فحصلت القراءة في مجالس مختلفة، فتعلّقت بكل تلاوة
سجدة؛ بخلاف السفينة؛ فإنها لم تجعل بمنزلة رجلي الراكب؛ لخروجها عن قبول تصرّفه في
السير والوقوف؛ ولهذا أضيف سيرها إليها دون راكبها، قال الله - تعالى -: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي
الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] وقال [تعالى في قصة نوح](٤): ﴿وَهِيَ تَجْرِيْ بِهِمْ فِي مَوْجٍ
كَالْجِبَالٍ﴾ [هود: ٤٢] فلم يجعل تبدل مكانها تبدل مكانه، بل مكانه ما استقر هو فيه من
السفينة؛ من حيث الحقيقة والحكم وذلك لم يتبدّل؛ فكانت التلاوة متكرّرة في مكان واحد،
فلم يجب لها إلا سجدة واحدة كما في البيت.
وعلى هذا حكم السماع؛ بأن سمعها من غيره مرتين وهو يسير على الدابة؛ لتبدّل مكان
السامع .
هذا إذا كان خارج الصلاة، فأما إذا كان في الصلاة: فإن تلاها وهو يسير على الدابة
ويصلي عليها؛ إن كان ذلك في ركعة واحدة - لا يلزمه إِلاَّ سجدة واحدة بالإجماع؛ لأن الشرع
حيث جوز صلاته عليها - مع حكمه ببطلان الصلاة في الأماكن المختلفة - دل على أنه أسقط
اعتبار اختلاف الأمكنة، أو جعل مكانه في هذه الحالة ظهر الدابة، لا ما هو مكان قوائمها،
وهذا أولى من إسقاط اعتبار الأماكن المختلفة؛ لأنه ليس بتغيير للحقيقة، أو هو أقل تغيير لها،
وذلك تغيير للحقيقة من جميع الوجوه. والظهر متّحد؛ فلا يلزمه إِلاَّ سجدة واحدة، وصار
راكب الدابة في هذه الحالة كراكب السفينة، يحقّقه أن الشرع جوز صلاته، ولو جعل مكانه
(١) الكدس: المجتمع من كل شيء. نحو الحب المحصود والتمر والدراهم والرجل المتراكب المعجم
الوسيط (كدس).
(٢) في هامش ب: قرأ على الدابة أو في السفينة.
(٣) سقط في ط.
(٤) سقط في ط.

٧٣٥
كتاب الصلاة
أمكنة قوائم الدابة - لصار هو ماشياً بمشيها، والصلاة ماشياً لا تجوز. وأما إذا كرّر (١) التلاوة
في ركعتين: فالقياس أن يكفيه سجدة واحدة، وهو قول أبي يوسف الأخير. وفي الاستحسان:
يلزمه لكل تلاوة سجدة، وهو قول أبي يوسف الأول، وهو قول محمد، وهذه من المسائل
الثلاث التي رجع فيها أبو يوسف عن الاستحسان إلى القياس.
إحداها: هذه المسألة.
والثانية: إِنَّ الرهن بمهر المثل لا يكون رهناً بالمتعة قياساً، وهو قول أبي يوسف
الأخير، وفي الاستحسان يكون رهناً، وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد،
والثالثة (٢): أن العبد إذا جنى جناية فيما دون النفس، فاختار المولى الفداء، ثم مات المجني
عليه - القياس: أن يخيّر المولى ثانياً، وهو قول أبي يوسف الأخير، وفي الاستحسان لا يخيّر،
وهو قول أبي يوسف الأول، وهو قول محمد لا يخيّر.
وعلى هذا الخلاف إذا صلّى على الأرض وقرأ آية السجدة في ركعتين، ولا خلاف فيما
إذا قرأها في ركعة واحدة.
وجه الاستحسان وهو قول محمد: أن المكان - هاهنا - وإن اتَّحَدَ حقيقة وحكماً - لكن
مع هذا لا يمكن أن يجعل الثانية تكراراً؛ لأن لكل ركعة قراءة مستحقة، فلو جعلنا الثانية
تكراراً للأولى، والتحقت القراءة بالركعة الأولى - لخلت الثانية عن القراءة ولفسدت؛ وحيث
لم تفسد ــ دل أنها لم تجعل مكررة؛ بخلاف ما إذا كرّر التلاوة في ركعة واحدة؛ لأن هناك
أمكن جعل التلاوة المتكرّرة متّحدة حكماً.
وجه القياس: أن المكان متّحد حقيقة وحكماً؛ فيوجب كون الثانية تكراراً للأولى كما في
سائر المواضع، وما ذكره محمد لا يستقيم؛ لأن القراءة لها حكمان: جواز الصلاة، ووجوب
سجدة التلاوة. ونحن إِنَّمَا نجعل القراءة الثانية ملتحقة بالأولى؛ في حق وجوب السجدة لا في
غيره من الأحكامِ.
ولو افتتح(٣) الصلاة على الدابة بالإيماء، فقرأ آية/ السجدة في الركعة الأولى، فسجد ١٩٣
بالإيماء، ثم أعادها في الركعة الثانية فعلى قول أبي يوسف الأخير: لا يشكّل أنه لا يلزمه
أخرى.
(١) في هامش ب: كرر التلاوة في ركعتين وهي أحد التي ترجع في الاستحسان إلى القياس.
(٢) في ط: والثانية.
(٣) في هامش ب: صلى على الدابة بالإيماء فتلا السجدة وسجد بالإيماء ثم أعادها في الثانية.

٧٣٦
كتاب الصلاة
واختلف المشايخ على قوله الأول، وهو قول محمد، قال بعضهم: يلزمه أخرى. وقال
بعضهم: يكفيه سجدة واحدة.
ثم تبدّل(١) المجلس قد يكون حقيقة، وقد يكون حكماً؛ بأن تلا آية السجدة ثم أكل أو
نام مضطجعاً، أو أرضعت صبياً، أو أخذ في بيع أو شراء أو نكاح، أو عمل يعرف أنه قطع لما
كان قبل ذلك، ثم أعادها - فعليه سجدة أخرى؛ لأن المجلس يتبدّل بهذه الأعمال. ألا ترى أن
القوم يجلسون لدرس العلم، فيكون مجلسهم مجلس [الدرس، ثم يشتغلون بالنكاح؛ فيصير
مجلسهم مجلس النكاح، ثم بالبيع؛ فيصير مجلسهم] مجلس البيع ثم بالأكل؛ فيصير مجلسهم
مجلس الأكل، ثم بالقتال؛ فيصير مجلسهم](٢) مجلس القتال. فصار تبدّل المجلس بهذه
الأعمال، كتبدلة بالذهاب والرجوع، [لما مر].
ولو نام قاعداً، أو أكل لقمة، أو شرب ضربة، أو تكلم بكلمة، أو عمل عملاً يسيراً ثم
أعادها - فليس عليه أخرى؛ لأن بهذا القدر لا يتبدّل المجلس، والقياس فيهما سواء، أنه لا
يلزمه أخرى؛ لاتحاد المكان حقيقة، إلا أنا استحسنا إذا طال العمل؛ اعتباراً بالمخيرة إذا
عملت عملاً كثيراً - خرج الأمر عن يدها، وكان قطعاً للمجلس؛ بخلاف ما إذا أكل لقمة أو
شرب شربة .
ولو قرأ آية السجدة، فأطال القراءة بعدها، أو أطال(٣) الجلوس ثم أعادها - ليس عليه
سجدة أخرى؛ لأن مجلسه لم يتبدّل بقراءة القرآن وطول الجلوس، وكذا لو اشتغل بالتسبيح،
أو بالتهليل، ثم أعادها - لا يلزمه أخرى، وإن قرأها(٤) وهو جالس، ثم قام فقرأها وهو قائم -
إِلاَّ أنه في مكانه ذلك يكفيه سجدة واحدة؛ لأن المجلس لم يتبدّل حقيقة وحكماً. أما الحقيقة؛
فلأنه لم يبرح مكانه. وأما الحكم؛ فلأن الموجود قيام وهو عمل قليل كأكل لقمة أو شرب
شربة، وبمثله لا يتبدّل المجلس؛ وهذا بخلاف ما إذا خيّر امرأته فقامت من مجلسها؛ حيث
خرج الأمر من يدها، كما لو انتقلت إلى مجلس آخر؛ لأن خروج الأمر من يدها موجب
الأعراض عن قبول التمليك؛ إذ التخيير تمليك على ما يعرف في ((كتاب الطلاق)).
ومن ملك شيئاً فأعرض عنه - يبطل ذلك التمليك؛ وهذا لأن القيام دليل الإعراض؛ لأن
اختيارها نفسها أو زوجها أمر تحتاج فيه إلى الرأي والتدبير لينظر: أي ذلك أعود لها وأنفع،
(١) في هامش ب: تبدل المجلس يكون حقيقة ويكون حكماً.
(٢) سقط في ب.
(٣) في ب: طال.
(٤) في هامش ب: قرأها وهو جالس ثم قام فقرأها وهو قائم.

٧٣٧
كتاب الصلاة
والقعود أجمع للذهن وأشد إحضار للرأي، فالقيام من هذه الحالة إلى ما يوجب تفرّق الذهن،
وفوات الرأي - دليل الإغرَاضِ.
أما هاهنا فالحكم يختلف باتحاد المجلس وتعدده، لا بالإِغْرَاضِ وعدمه، والمجلس لم
يتبدّل، فلم يعد متعدّداً متفرّقاً .
وكذلك لو قرأها (١) وهو قائم فقعد، ثم أعادها - يكفيه سجدة واحدة؛ لما قلنا، ولو
قرأها في مكان، ثم قام وركب الدابة على مكانه، ثم أعادها قبل أن يسير - فعليه سجدة واحدة
على الأرض.
ولو سارت الدابة ثم تلا بعدها - فعليه سجدتان.
وكذلك إذا قرأها راكباً، ثم نزل قبل السير فأعادها - يكفيه سجدة واحدة؛ استحساناً.
وفي القياس: عليه سجدتان؛ لتبدّل مكانه بالنزول أو الركوب.
وجه الاستحسان: أن النزول أو الركوب عمل قليل؛ فلا يوجب تبدّل المجلس. وإن
كان سار ثم نزل - فعليه سجدتان؛ لأن سير الدابة بمنزلة مشيه؛ فيتبدّل به المجلس. وكذلك لو
قرأها ثم قام في مكانه ذلك، وركب ثم نزل قبل السير فأعادها - لا تجب عليه إلا سجدة
واحدة، لما قلنا.
ولو قرأها راكباً، ثم نزل ثم ركب فأعادها وهو على مكانه - فعليه سجدة واحدة؛ لما
بينا، والأصل: أن النزول والركوب ليسا بمكانين.
ولو قرأ (٢) آية السجدة خارج الصلاة ولم يسجد لها، ثم أَفْتَتَحَ الصلاة وتلاها في عين
ذلك المكان - صارت إحدى السجدتين تابعة للأخرى؛ فتستتبع التي وجدت في الصلاة التي
وجدت قبلها، ويسقط اعتبار تلك التلاوة، وتجعل كأنه لم يَثْلُ إلاّ في الصلاة، حتى إنه لو
سجد المتلوة في الصلاة - خرج عن عهدة الوجوب، وإذا لم يسجد - لم يبقَ عليه شيء إِلاَّ
المأثم. وهذا على رواية ((الجامع الكبير))، و((كتاب الصلاة)) من الأصل، و((نوادر الصلاة)) التي
رواها الشيخ أبو حفص الكبير.
ولنا - على رواية الصلاة التي رواها أبو سليمان - لا تستتبع إحداهما الأخرى، بل كل
واحدة منهما تستقل بنفسها، ولا يسقط اعتبار تلك التلاوة الأولى، وبقيت السجدة واجبة عليه،
سواء سَجَدَ للمتلوة في الصلاة أو لم يَسْجُدْ.
(١) في هامش ب: قرأها في مكان ثم قام وركب الدابة.
(٢) في هامش ب: تلاها خارج الصلاة ولم يسجد لها ثم دخل في الصلاة فتلاها.
بدائع الصنائع ج١ - م٤٧

٧٣٨
كتاب الصلاة
وأما إذا تلاها(١) وسجد لها، ثم افْتَتَحَ الصلاة وَأَعَادَهَا في ذلك المكان - يسجد للمتلوة
في الصلاة باتفاق الروايتين.
أما على رواية ((النوادر))؛ فلعدم الاستتباع وثبوت الاستقلال، وأما على رواية ((الجامع))،
و((المبسوط))؛ لكون الموجودة خارج الصلاة تابعة للْمَوْجُودَةِ في الصلاة، والتابع لا يستتبع
٩٣ ب المتبوع؛ فلا تصير السجدة لتلك التلاوة/ مانعة عن لزوم السجدة بهذه التلاوة .
وجه رواية ((نوادر أبي سليمان)): أن الآية تليت في مجلسين مختلفين حكماً، لأَنَّ الأولى
وجدت في مجلس التلاوة، والثانية في مجلس الصلاة، والمجلس يتبدّل بتبدّل الأفعال فيه؛
لما ذكرنا أنه: قد يكون مجلس عقد ثم يصير مجلس مذاكرة، ثم يصير مجلس أكل، واعتبر
هذا التبدل في حق الإيجاب والقبول في باب العقود، وكل ما يتعلّق باتحاد المجلس فكذا
هذا؛ لأن التعدّد الحكمي ملحق بالتعدّد الحقيقي في المواضع أجمع؛ فيتعلّق بكل تلاوة حكم،
ولا تستتبع إحداهما الأخرى؛ ولأن الثانية أن تفوت لالتحاقها بأجزاء الصلاة؛ لتعلّقها بما هو
ركن من [أركان] (٢) الصلاة؛ فلم يمكن أن تجعل تابعة للأولى، فالأولى أيضاً تفوت بالسبق؛
فلا تَصير تابعة لما بعدها؛ إذ الشيء لا يتبع ما بعده، ولا يستتبع ما قبله.
وجه رواية ((الجامع))، و((المبسوط)): أن المجلس متّحد حقيقة وحكماً. أما الحقيقة:
فظاهرة، وأما الحكم: فلأنه وإن صار مجلس صلاة - ولكن في الصلاة تلاوة مفروضة - فكان
مجلس الصلاة مجلس التلاوة ضرورة؛ فلم يوجد التبدّل لا حقيقة ولا حكماً؛ فلا بد من إثبات
صفة الاتحاد - من حيث الحكم للتلاوتين المتعددتين حقيقة؛ لوجود الموجب لصفة الاتحاد
وهو المجلس المتّحد. وكذا المتعدّد من أسباب السجدة قابل للاتحاد حكماً، كالسماع
والتلاوة، فإن كل واحدٍ منهما على الانفراد سبب.
ثم من قرأ وسمع من نفسه ــ لا يلزمه إِلاَّ سجدة واحدة؛ فالتحق السببان بسبب واحد،
فدلّ أن المتعدّد من أسباب السجدة قابل للاتحاد حكماً؛ فصار متحداً حكماً، وزمان وجود
الواحد واحد؛ فجعل كأن التلاوتين وجدتا في زمان واحد، ولا وجه أن يجعل كأنهما وجدتا
خارج الصلاة؛ ولأن الموجودة في الصلاتين متقرّرة في محلها؛ بدليل جواز الصلاة. ولو جعل
كأنهما وجدتا خارج الصلاة، في حق وجوب السجدة دون جواز الصلاة - لبقي التعدّد من وجه
مع وجود دليل الاتحاد. ومهما أمكن العمل بالدليلين من جميع الوجوه - كان أولى من العمل
بالدلیل من وجه دون وجه.
(١) في هامش ب: تلاها وسجدها ثم صلى وأعادها.
(٢) سقط في ط .

٧٣٩
كتاب الصلاة
ولا يمكن أن تجعل الموجودة في الصلاة في حكم التفكّر؛ ولتعلّق جواز الصلاة بها،
وهو من أحكام القراءة دون التفكّر، ولا مانع من أن تجعل الأولى كأنها وجدت في الصلاة؛
فصار كما لو تليتا في الصلاة في ركعة - واحدة، ولو كان كذلك لا يتعلق بذلك إلا سجدة
واحدة، وهي من جملة الصلاة؛ كذا هذا.
وعلى هذا: إذا سمع من غيره آية السجدة، ثم شرع في الصلاة في ذلك المكان، وتلا
تلك الآية بعينها في الصلاة - فهذا والذي تلا بنفسه، ثم شرع في الصلاة مكانه ثم أعادها -
سواء، وقد مر الكلام فيه .
ولو قرأها (١) في الصلاة أولاً، [ثم سلّم](٢) فأعادها قبل أن يبرح مكانه، ذكر في ((كتاب
الصلاة)): أنه يلزمه أخرى، وذكر فى ((النوادر)): أنه لا يلزمه.
وجه رواية ((النوادر)): أن الموجودة في الصلاة تفوت بالسبق، وحرمة الصلاة جميعاً؛
فيستتبع الأدنى درجة المتأخرة وقتاً، وبهذه المسألة تبيّن: أن التعليل لرواية النوادر في المسألة
الأولى باختلاف المجلس - حكماً ليس بصحيح.
وجه رواية ((كتاب الصلاة)): أن المتلوة في الصلاة لا وجود لها بعد الصلاة؛ لا حقيقة
ولا حكماً.
أما الحقيقة: فلا يشكل، وكذا الحكم، فإن (٣) بعد انقطاع التحريمة - لا بقاء لما هو من
أجزاء الصلاة أصلاً؛ والموجود هو الذي يستتبع دون المعدوم؛ بخلاف ما إذا كانت الأولى
متلوة خارج الصلاة؛ فإن تلك باقية بعد التلاوة من حيث الحكم؛ لبقاء حكمها؛ وهو وجوب
السجدة، فإذا تلاها في الصلاة - وجدت، والأولى موجودة؛ فاستتبع الأقوى الأضعف
الأوهی.
وذكر الإمام الشيخ الزاهد السرخسي: أنه إنما اختلف الجواب؛ لاختلاف الموضوع،
فوضع المسألة في ((النوادر)) - فيما إذا أعادها بعدما سلّم [قبل أن](٤) يتكلم؛ وبالسلام(٥) لم
ينقطع فور الصلاة، [فكأنه أعادها في الصلاة، ووضعها في ((كتاب الصلاة)) - فيما إذا أعادها
بعدما سلّم وتكلّم؛ وبالكلام ينقطع فور الصلاة](٦) ألا ترى أنه لو تذكّر سجدة تلاوة بعد
(١) في هامش ب: قرأها في الصلاة أولاً فأعادها قبل أن يبرح من مكانه.
(٢) سقط في ب.
(٣) في ب: وكذا.
(٤) سقط في ب.
(٥) في ب: وبالكلام.
(٦) سقط في ب.

٧٤٠
كتاب الصلاة
السلام - يأتي بها، وبعد الكلام - لا يأتي بها، فيكون هذا في معنى تبدّل المجلس، وإن لم
يسجدها في الصلاة حتى سجدها الآن: قال في ((الأصل)): أجزأه عنهما، وهو محمول على ما
إذا أعادها بعد السلام قبل الكلام؛ لأنه لم يخرج عن حرمة الصلاة، فكأنه كررها في الصلاة
وسجد .
أما لا يستقيم هذا الجواب؛ فيما إذا أعادها بعد الكلام؛ لأن الصلاتية قد سقطت عنه
بالكلام، ولو تلاها في صلاته، ثم سمعها من أجنبي - أجزأته سجدة واحدة، وروى ابن سماعة
عن محمد: أنه لا تجزيه؛ لأن السماعية ليست بصلاتية، والتي أدّاها صلاتية؛ فلا تنوب عما
١٩٤ ليست/ بصلاتية .
وجه ((ظاهر الرواية)): أن التلاوة الأولى من أفعال صلاته، والثانية لا؛ فحصلت الثانية
تكراراً للأولى من حيث الأصل، والأولى باقية؛ فجعل وصف الأولى للثانية فصارت من
الصلاة، فيكتفي بسجدة واحدة، وقالوا على رواية ((النوادر)) - أيضاً -: تكون تكراراً؛ لأن الثانية
ليست بمستحقة بنفسها في محلها؛ فتلتحق بالأولى؛ بخلاف تلك المسألة؛ لأن الثانية ركن من
أركان الصلاة - فكانت مستحقة بنفسها في محلها، فلا يمكن أن تجعل ملحقة بالأولى.
ولو (١) سمعها أولاً من أجنبي وهو في الصلاة، ثم تلاها بنفسه: ففيه روايتان على ما
نذكر، ولو تلاها في الصلاة ثم سجد، ثم أحدث فذهب وتوضأ، ثم عاد إلى مكانه وبنى على
صلاته، ثم قرأ ذلك الأجنبي تلك الآية - فعلى هذا للمصلي أن يسجدها إذا فرغ من صلاته؛
لأنه تحول عن مكانه فسمع الثانية بعدما تبدّل المجلس.
وفرق بين هذا وبين ما إذا قرأ آية سجدة، ثم سبقه الحدث فذهب وتوضأ، ثم جاء وقرأ
مرة أخرى - لا يلزمه سجدة أخرى؛ وإن قرأ الثانية بعدما تبدّل المكان. والفرق: أن في هذه
المسألة الأولى المكان قد تبدّل حقيقة وحكماً، أما الحقيقة: فلا يشكل، وأما الحكم؛ فلأن
التحريمة لا تجعل الأماكن المتفرقة كمكان واحد في حق ما ليس من أفعال الصلاة، وسماع
السجدة ليس من أفعال الصلاة؛ فلم يتّحد المكان حقيقة وحكماً؛ فيلزمه بكل مرة سجدة على
حدة؛ بخلاف تلك المسألة، فإن هناك القراءة من أفعال الصلاة، والتحريمة تجعل الأماكن
المتفرقة مكاناً واحداً حكماً؛ لأن الصلاة الواحدة لا تجوز في الأمكنة المختلفة؛ فجعلت
الأمكنة كمكان واحد في حق أفعال الصلاة؛ لضرورة الجواز، والقراءة من أفعال الصلاة،
فصار المكان في حقها متحداً، فأما السماع: فليس من أفعال الصلاة؛ فتبقى الأمكنة في حقه
متفرقة؛ لعدم ضرورة توجب الاتحاد، والحقائق لا يسقط اعتبارها حكماً إلا لضرورة.
(١) في هامش ب: ولو سمعها من أجنبي في الصلاة أو تلاها في الصلاة وسجد ثم أحدث وذهب وتوضأ.