النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
كتاب الصلاة
ما بين الفوائت يزيد على ست صلوات(١)، فصارت الفوائت في حد الكثرة(٢) فلا يجب اعتبار
الترتيب في قضائها، فيصلّي أية صلاة شاء؛ وهذا غير سديد؛ لأن موضع هذه المسائل في
حالة النسيان على ما يذكر؛ والترتيب عند النسيان ساقط؛ فكانت المؤديات بعد الفائتة في
أنفسها جائزة؛ لسقوط الترتيب؛ فبقيت الفوائت في أنفسها في حد القلة؛ فوجب اعتبار الترتيب
فيها؛ فينبغي أن يصلّي في هذه الصورة سبع صلوات: يصلّي الظهر أولاً، ثم العصر، ثم
الظهر، ثم المغرب، ثم الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، مراعاة للترتيب بيقين.
والأصل في ذلك: أن يعتبر الفائتتين إذا انفردتا، فيعيدهما على الوجه الذي بينًا، ثم يأتي
بالثالثة، ثم يأتي بعد الثالثة ما كان يفعله في الصلاتين. وعلى هذا: إذا كانت الفوائت أربعاً؛
بأن ترك العشاء من يوم آخر؛ فإنه يصلّي سبع صلوات [كما ذكرنا في المغرب، ثم يصلّي
العشاء، ثم يصلّ بعدها سبع صلوات](٣) مثل ما كان يصلي قبل الرابعة.
فإن قيل: في الاحتياط - هاهنا - حرج عظيم؛ فإنه إذا فاتته خمس صلوات: الظهر،
والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، من أيام مختلفة؛ لا يدري أي ذلك أول - يحتاج إلى
أن يؤدي إحدى وثلاثين صلاة، وفيه من الحرج ما لا يخفى.
فالجواب: أن بعض مشايخنا قالوا: إن ما قالاه هو الحكم المراد؛ لأنه لا يمكن إيجاب
القضاء مع الاحتمال. إلا أن ما قاله أبو حنيفة احتياط لا حتم. ومنهم من قال: لا، بل
الاختلاف بينهم في الحكم المراد، وإعادة الأولى واجبة عند أبي حنيفة؛ لأن الترتيب في
القضاء واجبٌ، فإذا لم يعلم به حقيقة وله طريق في الجملة - يجب المصير إليه، وهذا وإن
كان فيه نوع مشقة، لكنه مما لا يغلب [وجوده](٤) فلا يؤدي إلى الحرج.
ثم ما ذكرنا من الجواب في حالة النسيان؛ بأن صلّى أياماً ولم يخطر بباله أنه ترك شيئاً
منها، ثم تذكر الفوائت ولم يتذكر الترتيب: فأما إذا كان ذاكراً للفوائت حتى صلّى أياماً مع
تذكرها ثم نسي - سقط الترتيب هاهنا؛ لأن الفوائت صارت في حد الكثرة؛ لأن المؤديات بعد
الفوائت عندهما فاسدة إلى الست، وإذا فسدت كثرت الفوائت، فسقط الترتيب، فله أن يصلي
أية صلاة شاء من غير الحاجة إلى التحري.
وأما على قياس قول أبى حنيفة: لا يسقط الترتيب؛ لأن المؤديات عنده تنقلب إلى
(١) في ط: يزيد على هذا ست صلوات.
(٢) في ب: التكرار.
(٣) سقط في ب.
(٤) سقط في أ.

٦٠٢
كتاب الصلاة
الجواز إذا بلغت مع الفائتة ستاً، وإذا انقلبت إلى الجواز بقيت الفوائت في حد القلة؛ فوجب
اعتبار الترتيب فيها .
فالحاصل: أنه يجب النظر إلى الفوائت، فما دامت في حد القلة وجب مراعاة الترتيب
فيها، وإذا كثرت سقط الترتيب فيها؛ لأن كثرة الفوائت تسقط الترتيب في الأداء؛ فلأن يسقط
٦٦أ في القضاء أولى؛ هذا إذا شك في صلاتين فأكثر، فأما إذا شك(١) في صلاة واحدة/ فاتته، ولا
يدري أية صلاة هي - يجب عليه التحري لما قلنا، فإن لم يستقر قلبه على شيء يصلّي خمس
صلوات؛ ليخرج عما عليه بيقين.
وقال محمد بن مقاتل [الرازي](٢): إنه يصلّي ركعتين ينوي بهما الفجر، ويصلّ ثلاث
ركعات أخر بتحريمة على حدة ينوي بها المغرب، ثم يصلّي أربعاً ينوي بها ما فاتته، فإن كانت
الفائتة ظهراً أو عصراً أو عشاء - انصرفت هذه إليها .
وقال سفيان الثوري: يصلّي أربعاً (٣) ينوي بها ما عليه، لكن بثلاث قعدات، فيقعد على
رأس الركعتين والثلاث والأربع؛ وهو قول بشر؛ حتى لو كانت المتروكة فجراً لجازت؛ لقعوده
على رأس الركعتين، والثاني: (٤) يكون تطوعاً، ولو كانت المغرب لجازت، لقعوده على
[رأس](٥) الثلاث، ولو كانت من ذوات الأربع كانت كلها فرضاً، وخرج عن العهدة بيقين، إلا
أن ما قلناه أحوط؛ لأن من الجائز أن يكون عليه صلاة أخرى كان تركها في وقت آخر.
ولو نوى ما عليه ينصرف إلى تلك الصلاة، أو يقع التعارض فلا ينصرف إلى هذه التي
يصلي، فيعيد صلاة يوم وليلة؛ ليخرج عن عهدة ما عليه بيقين. وعلى هذا: لو ترك سجدة من
صلب صلاة مكتوبة، ولم يدر أية صلاة هي - يؤمر بإعادة خمس صلوات؛ لأنها من أركان
الصلاة؛ فصار الشك فيها كالشك في الصلاة.
وأما بيان(٦) ما يسقط به الترتيب: فالترتيب بين قضاء الفائتة وأداء الوقتية - يسقط بأحد
خصال ثلاث :
أحدها: ضيّق الوقت؛ بأن يذكر في آخر الوقت؛ بحيث لو اشتغل بالفائتة يخرج الوقت
(١) في هامش ب: شك في صلاة واحدة ولا يدري أي صلاة هي
(٢) سقط في ب.
(٣) في أ: يصلي أربع ركعات.
(٤) في أ: الباقي.
(٥) سقط في ط .
(٦) في هامش ب: بيان ما يسقط به الترتيب.

٦٠٣
كتاب الصلاة
قبل أداء الوقتية - سقط عنه الترتيب في هذه الحالة؛ لما ذكرنا أن في مراعاة الترتيب فيها إبطال
العمل بالدليل المقطوع به بدليل فيه شبهة؛ وهذا لا يجوز، ولو تذكّر (١) صلاة الظهر في آخر
وقت العصر بعدما تغيّرت الشمس - فإنه يصلي العصر، ولا يجزئه قضاء الظهر؛ لما ذكرنا فيما
تقدم أن قضاء الصلاة في هذا الوقت قضاء الكامل بالناقص؛ بخلاف عصر يومه، وأما إذا
تذكرها قبل تغيّر الشمس، لكنه [بحال](٢) لو اشتغل بقضائها لدخل عليه وقت مكروه ــ لم يذكر
في ((ظاهر الرواية)).
واختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: لا يجوز له أن يؤدي العصر قبل أن يراعي الترتيب،
فيقضي(٣) الظهر ثم يصلي العصر؛ لأنه لا يخاف خروج الوقت، فلم يتضيّق الوقت؛ فبقي
وجوب الترتيب.
وقال بعضهم: لا، بل يسقط الترتيب فيصلّي العصر قبل الظهر، ثم يقضي (٤) الظهر بعد
غروب الشمس.
وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني وقال: هذا عندي على الاختلاف الذي في صلاة
الجمعة، وهو أن من تذكّر في صلاة الجمعة أنه لم يصل الفجر، ولو اشتغل بالفجر يخاف
فوت الجمعة، ولا يخاف فوت الوقت على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف - يصلي الفجر، ثم
الظهر؛ فلم يجعلا فوت الجمعة عذراً في سقوط الترتيب. وعلى قول محمد: يصلي الجمعة
ثم الفجر؛ فجعل فوت الجمعة عذراً في سقوط الترتيب، فكذا في هذه المسألة على قولهما:
يجب ألاَّ يجوز العصر، وعليه الظهر؛ فيصلّي الظهر ثم العصر، وعلى قول محمد: يمضي
على صلاته .
ولو افتتح(٥) العصر في أول الوقت وهو ذاكر أن عليه الظهر، وأطال القيام والقراءة حتى
دخل عليه وقت مكروه - لا تجوز صلاته؛ لأن شروعه في العصر مع ترك الظهر لم يصح،
فيقطع ثم يفتتحها ثانياً، ثم يصلّي الظهر بعد الغروب. ولو افتتحها وهو لا يعلم أن عليه
الظهر، فأطال القيام والقراءة حتى دخل وقت مكروه، ثم تذكر - يمضي على صلاته؛ لأن
المسقط للترتيب قد وجد عند افتتاح الصلاة واختتامها، وهو النسيان وضيق الوقت.
(١) في هامش ب: تذكر صلاة الظهر في آخر وقت العصر.
(٢) سقط في ب.
(٣) في أ: فيصلي.
(٤) في ط: يصلي.
(٥) في هامش ب: افتتح العصر في أول الوقت وهو ذاكرٌ أن عليه الظهر.

٦٠٤
كتاب الصلاة
ولو افتتح العصر(١) في حال ضيق الوقت وهو ذاكر للظهر، فلما صلّى منها ركعة أو ركعتين
غربت الشمس - القياس: أن يفسد العصر؛ لأن العذر قد زال وهو ضيق الوقت، فعاد الترتيب. وفي
((الاستحسان)): يمضي فيها ثم يقضي الظهر ثم يصلّي المغرب؛ ذكره في ((نوادر الصلاة)).
والثاني: النسيان(٢)؛ لما ذكرنا أن خَبَرَ الواحِدِ جعل وقت التذكُّر وقتاً للفائتة، ولا تذكر
هاهنا؛ فَوَجَبَ العمل بالدليل المقطوع به، ورُوِيَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صَلَّى المَغْرِبَ يَوْماً)، ثم
قَالَ: ((رآني أَحَدٌ مِنْكُمْ صَلَّيْتُ العَصْرَ؟ فَقَالُوا: لاَ، فَصَلَّى العَصْرِ، وَلَمْ يُعِدِ المَغْرِبَ)) ولو
وجب الترتيب لأعاد، وعلى هذا: لو صلّى (٣) الظهر على غير وضوء، وصلّى العصر بوضوء
وهو ذاكر لما صنع، فأعاد الظهر ولم يعد العصر، وصلّى المغرب وهو يظن أن العصر تجزئه -
أعاد العصر ولم يعد المغرب؛ لأن أداء الظهر على غير وضوء، والامتناع عنه بمنزلة فوات
[شرط](٤) أهلية الصلاة، فحين صلّى العصر صلّى وهو يعلم أن الظهر غير جائزة، ولو لم يعلم
٦٦ب وكان يظن أنها جائزة لم يكن هذا الظن معتبراً؛ لأنه نشأ عن جهل/ ، والظن إنما يعتبر إذا نشأ
عن دليل أو شبهة دليل ولم يوجد؛ فكان هذا جهلاً محضاً فقد صلّى العصر وهو عالم أن عليه
الظهر، فكان مصلياً العصر في وقت الظهر - فلم يجز. ولو صلّى المغرب قبل إعادتها جميعاً
لا يجوز؛ لأنه صلّى المغرب وهو يعلم أن عليه الظهر، فصار المغرب في وقت الظهر - فلم
يجز، فأما لو كان أعاد الظهر ولم يعد العصر، فظن جوازها ثم صلّى المغرب - فإنه يؤمر بإعادة
العصر، ولا يؤمر بإعادة المغرب؛ لأن ظنه أن عصره جائز ظن معتبر؛ لأنه نشأ عن شبهة دليل،
ولهذا خفي على الشافعي، فحين صلّى المغرب صلاها وعنده أن لا عصر عليه؛ لأنه أداها بجميع
أركانها وشرائطها المختصة بها، إنما خفي عليه ما يخفي بناء على شبهة دليل، ومن صلّى
المغرب وعنده أن لا عصر عليه - حكم بجواز المغرب، كما لو كان ناسياً للعصر، بل هذا فوق
النسيان؛ لأن ظن الناسي لم ينشأ عن شبهة دليل بل عن غفلة طبيعة(٥)، وهذا الظن نشأ عن شبهة
دليل؛ فكان هذا فوق ذلك، ثم هناك حكم بجواز المغرب فهاهنا أولى.
ثم العلم بالفائتة كما هو شرط لوجوب الترتيب، فالعلم بوجوبها حال الفوات شرط
لوجوب قضائها، حتى إن الحربي(٦) إذا أسلم في دار الحرب، ومكث فيها سنة ولم يعلم أن
(١) في أ: الصلاة.
(٢) في هامش ب: بيان سقوط الترتيب بالنسيان.
(٣) في هامش ب: لو صلى الظهر على غير وضوء وصلى العصر بوضوء وهو ذاكرٌ لما صنع.
(٤) سقط في ب.
(٥) في أ: مصلياً.
(٦) في أ: الطبيعة.
(٧) في هامش ب: الحربي إذا أسلم في دار الحرب ومكث فيها سنة ولم يعلم الخ ...

٦٠٥
كتاب الصلاة
عليه الصلاة فلم يصل، ثم علم - لا يجب عليه قضاؤها في قول أصحابنا الثلاثة. وقال زفر:
عليه قضاؤها. ولو كان هذا ذميًّا أسلم في دار الإسلام: فعليه قضاؤها استحساناً، والقياس: أن
لا قضاء عليه؛ وهو قول الحسن.
وجه قول زفر: أنه بالإسلام التزم أحكامه، ووجوب الصلاة من أحكام الإسلام فیلزمه،
ولا يسقط بالجهل كما لو كان هذا في دار الإسلام.
ولنا: إن الذي أسلم في دار الحرب منع عنه العلم؛ لانعدام سبب العلم في حقه، ولا
وجوب على من منع عنه العلم، كما لا وجوب على من منع عنه القدرة بمنع سببها؛ بخلاف
الذي أسلم في دار الإسلام؛ لأنه ضيّع العلم؛ حيث لم يسأل المسلمين عن شرائع الدين مع
تمكّنه من السؤال، والوجوب متحقّق في حق من ضيّع العلم، كما يتحقّق في حق من ضيّع
القدرة، ولم يوجد التضييع هاهنا؛ إذ لا يوجد في [دار](١) الحرب من يسأله عن شرائع
الإسلام، [حتى] (٢) لو وجد ولم يسأله يجب عليه، ويؤاخذ بالقضاء إذا علم بعد ذلك؛ لأنه
ضيّع العلم وما منع منه، كالذي أسلم في دار الإسلام. وقد خرج الجواب عما قاله زفر: أنه
التزم أحكام الإسلام؛ لأنا نقول: نعم، لكن حكماً له سبيل الوصول إليه ولم يوجد، فإن بلغه
في دار (٣) الحرب رجل واحد فعليه القضاء فيما [ينزل] (٤) بعد ذلك في قول أبي يوسف،
ومحمد؛ وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة. وفي رواية الحسن عنه: لا يلزمه ما لم يخبره
رجلان أو رجل وامرأتان.
وجه هذه الرواية: أن هذا خبر ملزم، ومن أصله اشتراط العدد في الخبر الملزم. كما في
الحجر على المأذون، وعزل الوكيل، والإخبار بجناية العبد. وجه الرواية الأخرى - وهي
الأصح -: أن كل واحد مأمور(٥) من صاحب الشرع بالتبليغ .
قال النبيُّ ◌َّرَ: ((أَلاَ فَلْيَبَلْغِ الشَّاهِدِ الغَائِبِ))(٦) وقال النبيُّ وَّهِ: ((نَضَّرَ الله أَمْرَأْ سَمِعَ
مقالتي(٧) فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا))(٨) فهذا المبلغ نظير الرسول من
المولى والموكل، وخبر الرسول هناك ملزم، فهاهنا كذلك. والله أعلم.
(١) سقط في أ، ط.
(٢) سقط في ب.
(٣) في هامش ب: لو بَلَّغهُ رجل واحد في دار الحرب عليه القضاء فيما ترك.
(٤) في ب: ترك.
(٥) في ب: مأذون.
(٦) قد ورد هذا اللفظ في عدة أحاديث يأتي تخريج كلٍ في موضعه.
(٧) في أ، ط: منا مقالة.
(٨) تقدم.

٦٠٦
كتاب الصلاة
والثالث: كثرة الفوائت، وقال بشر المريسي: الترتيب(١) لا يسقط بكثرة الفوائت، حتى
إن من ترك صلاة واحدة فصلّى في جميع عمره وهو ذاكر للفائتة - فصلاة عمره على الفساد ما
لم يقضِ الفائتة .
وجه قوله: أن الدليل الموجب للترتيب لا يوجب الفصل بين قليل الفائت وكثيرة، ولأن
كثرة الفوائت تكون عن كثرة تفريطه، فلا يستحق به التخفيف.
ولنا: أن الفوائت إذا كثرت لو وجب مراعاة الترتيب معها، لفاتت الوقتية عن الوقت،
وهذا لا يجوز؛ لما ذكرنا أن فيه إبطال ما ثبت بالدليل المقطوع به بخبر الواحد. ثم اختلف في
حد (٢) أدنى الفوائت الكثيرة: في ((ظاهر الرواية)): أن تصير الفوائت ستاً، فإذا خرج وقت
السادسة سقط الترتيب؛ حتى يجوز أداء السابعة [قبلها](٣) وروى ابن سماعة عن محمد: هو أن
تصير الفوائت خمساً، فإذا دخل وقت السادسة سقط الترتيب حتى يجوز أداء السادسة.
وعن زفر: أنه يلزمه مراعاة الترتيب في صلاة شهر، ولم يرو عنه أكثر من شهر، فكأنه
جعل حد الكثرة أن يزيد على شهر.
وجه ما روي عن محمد: أن الكثير في كل باب كل جنسه، كالجنون إذا استغرق الشهر
في باب الصوم، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن الفوائت لا تدخل في حد التكرار بدخول
وقت السادسة، وإنما تدخل بخروج وقت السادسة؛ لأن كل واحدة منها تصير مكررة، فعلى
هذا لو (٤) ترك صلاة، ثم صلّى بعدها خمس صلوات وهو ذاكر للفائتة - فإنه يقضيهن؛ لأنهن
١٦٧ في حد القلة بعد، ومراعاة الترتيب واجبة عن قلة الفوائت/ لأنه يمكن جعل الوقت وقتاً لهن
على وجه لا يؤدي إلى إخراجه من أن يكون وقتاً للوقتية - فصار مؤدياً كل صلاة منها في وقت
المتروكة والمتروكة قبل المؤداة؛ فصار مؤدياً المؤداة قبل وقتها؛ فلم يجز.
وعلى قياس ما روي عن محمد: يقضي المتروكة وأربعاً بعدها؛ لأن السادسة جائزة،
ولو لم يقضها حتى صلّى السابعة فالسابعة جائزة بالإجماع؛ لأن وقت السابعة وهي المؤداة
السادسة لم يجعل وقتاً للفوائت؛ لأنه لو جعل وقتاً لهنّ لخرج من أن يكون وقتاً للوقتية؛
لاستيعاب تلك الفوائت هذا الوقت، وفيه إبطال العمل بالدليل المقطوع به بخبر الواحد على ما
بينًا، فبقي وقتاً للوقتية، فإذا أدّاها حكم بجوازها؛ لحصولها في وقتها؛ بخلاف ما إذا كانت
(١) في هامش ب: بيان سقوط الترتيب بكثرة الفوائت.
(٢) في هامش ب: حد الفوائت الكثيرة.
(٣) سقط في ب.
(٤) في هامش ب: لو ترك صلاة ثم صلى بعدها خمس صلوات وهو ذاكرٌ للفائتة.
:

٦٠٧
كتاب الصلاة
المؤديات بعد المتروكة خمساً؛ لأن هناك أمكن أن يجعل الوقت وقتاً للفائتة، على وجه لا
يخرج من أن يكون وقتاً للوقتية، فيجعل عملاً بالدليلين.
ثم إذا صلّى السابعة تعود المؤديات الخمس إلى الجواز في قول أبي حنيفة، وعليه قضاء
الفائتة وحدها استحساناً. وعلى قولهما: عليه قضاء الفائتة وخمس صلوات [بعدها؛ وهو
القياس. وعلى هذا: إذا ترك خمس صلوات](١) ثم(٢) صلّى(٣) السادسة وهو ذاكر للفوائت -
فالسادسة موقوفة عند أبي حنيفة، حتى لو صلّى السابعة تنقلب السادسة إلى الجواز عنده،
وعليه قضاء الخمس. وعندهما: لا تنقلب، وعليه قضاء الست. وكذلك لو ترك صلاة، ثم
صلّى شهراً وهو ذاكر للفائتة - فعليه قضاؤها لا غير عند أبي حنيفة. وعندهما: عليه قضاء
الفائتة وخمس بعدها، إلا [على](٤) قياس ما روي عن محمد: أن عليه قضاء الفائتة وأربع
بعدها. وعلى قول زفر: يعيد الفائتة وجميع ما صلّى بعدها من صلاة الشهر.
وهذه [هي](٥) المسألة التي يقال لها: واحدة تصحّح خمساً، وواحدة تفسد خمساً؛ لأنه
إن صلّى السادسة قبل القضاء صحّ الخمس عند أبي حنيفة، وإن قضى المتروكة قبل أن يصلّي
السادسة فسدت(٦) الخمس.
وجه قولهما: أن كل مؤداة إلى الخمس حصلت في وقت المتروكة؛ لأنه يمكن جعل
ذلك الوقت وقتاً للمتروكة؛ لكون المتروكة في حد القلة، ووقت المتروكة قبل وقت هذه
المؤداة - فحصلت المؤداة قبل وقتها ففسدت، فلا معنى بعد ذلك للحكم بجوازها، ولا
للحكم بتوقفها للحال.
وأما وجه قول أبي حنيفة: فقد اختلف [فيه](٧) عبارات المشايخ: قال مشايخ بلخ: إنا
وجدنا صلاة بعد المتروكة جائزة وهي السادسة، وقد أذاها على نقص التركيب وترك التأليف؛
فكذا يحكم بجواز ما قبلها، وإن أداها على ترك التأليف ونقص التركيب، وهذه نكتة واهية؛
لأنه جمع بين السادسة وبين ما قبلها في الجواز من غير جامع بينهما، بل مع قيام المعنى
المفرق؛ لما ذكرنا أن وقت السادسة ليس بوقت المتروكة على ما قررنا، ووقت كل صلاة
(١) سقط في ب.
(٢) في أ: ولو.
(٣) في هامش ب: لو صلى السادسة وهو ذاكر للفوائت.
(٤) سقط في ب.
(٥) سقط في أ، ط.
(٦) في ب: فسد.
(٧) سقط في ب.

٦٠٨
كتاب الصلاة
مؤداة قبل السادسة وقت للمتروكة - فكان أداء السادسة أداء في وقتها فجازت، وأداء كل مؤداة
أداء قبل وقتها فلم تجز.
وقال مشايخ العراق: إن الكثرة علة سقوط الترتيب، فإذا أدّى السادسة فقد ثبتت الكثرة،
وهي صفة للكل لا محالة - فاستندت إلى أول(١) المؤديات، فتستند لحكمها؛ فيثبت الجواز
للكل، وهذه نكتة ضعيفة أيضاً؛ لأن الكثرة وإن صارت صفة للكل، لكنها تثبت للحال، إلا أن
يتبين أن أول المؤديات كما أديت تثبت لها صفة الكثرة قبل وجود ما يتعقّبها؛ لاستحالة كثرة
الوجود بما هو في حيز العدم بعد - ولو اتصفت هي بالكثرة - ولا تتصف الذات بها وحدها؛
لاستحالة كون الواحد كثيراً بما يتعقّبها من المؤديات، وتلك معدومة؛ فيؤدي إلى اتصاف
المعدوم بالكثرة؛ وهو محال. فدلّ أن صفة الكثرة تثبّت للكل مقتصراً على وجود الأخيرة
منها، كما إذا خلق الله - تعالى - جوهراً واحداً لم يتصف بكونه مجتمعاً، فلو خلق منضماً إليه
جوهراً آخر - لا يطلق اسم المجتمع على كل واحد منهما، مقتصراً على الخال لما بينا؛ فكذا
هذا .
على أنّا إن سلمنا هذه الدعوى الممتنعة على طريق المساهلة - فلا حجة لهم فيها أيضاً؛
لأن المؤداة الأولى - وإن اتصفت بالكثرة من وقت وجودها - لكن لا ينبغي أن يحكم بجوازها
وسقوط الترتيب؛ لأن سقوط الترتيب كان متعلقاً لمعنى؛ وهو استيعاب الفوائت وقت الصلاة،
وتفويت الوقتية عن وقتها عند وجوب مراعاة الترتيب، فلم تجب المراعاة؛ لئلا يؤدي إلى
إبطال ما ثبت بالدليل المقطوع به بما ثبت بخبر الواحد، وهذا المعنى منعدم في المؤديات
الخمس، وإن اتصفت بالكثرة، ولأن هذا يؤدي إلى الدور، فإن الجواز وسقوط الترتيب بسبب
صفة كثرة الفوائت، ومتى حكم بالجواز لم تبق كثرة الفوائت - فيجيء الترتيب، ومتى جاء
الترتيب جاء الفساد، فلا يمكن القول بالجواز، فثبت أن الوجهين غير صحيحين.
والوجه [الصحيح](٢)/ لتصحيح مذهب أبي حنيفة: ما ذكره الشيخ الإمام أبو المعين
وهو: أن أداء السادسة من المؤديات حصل في وقت هو وقتها بالدلائل أجمع، وليس بوقت
للفائتة بوجه من الوجوه؛ لما ذكرنا أن في جعل هذا الوقت وقتاً للفائتة إبطال العمل بالدليل
المقطوع به، فسقط العمل بخبر الواحد أصلاً، وانتهى ما هو وقت الفائتة، فإذا قضيت الفائتة
بعد أداء السادسة من المؤديات التحقت بمحلها الأصلي؛ وهو وقتها الأصلي؛ لأنه لا بد لها
من محل، فالتحاقها بمحلها أولى لوجهين :
٦٧ب
(١) في ب: أقل.
(٢) سقط في ب.

٦٠٩
كتاب الصلاة
أحدهما: أنه لا مزاحم لها في ذلك الوقت؛ لأنه وقت متعيّن له، وله في هذا الوقت
مزاحم؛ لأنه وقت خمس صلوات، وليس البعض في القضاء في هذا الوقت أولى من البعض،
فالتحاقها بوقت لا مزاحم لها فيه أولى.
والثاني: أن ذلك وقته بالدليل المقطوع به، وهذا وقت غيره بالدليل المقطوع به، وإنما
يجعل وقتاً له بخبر الواحد، فيرجح ذلك على هذا، فالتحقت بمحلها الأصلي حكماً، والثابت
حكماً كالثابت حقيقة، وإذا التحقت بمحلها الأصلي تبيّن أن الخمس المؤديات أديّت في
أوقاتها فحكم بجوازها؛ بخلاف ما إذا قضيت المتروكة قبل أداء السادسة؛ لأنها قضيت في
وقت هو وقتها من حيث الظاهر؛ لأن خبر الواحد أوجب كونه وقتاً لها، فإذا قضيت فيما هو
[وقتها/ ظاهراً](١) تتقرّر فيه، ولا تلتحق بمحلها الأصلي، فلم يتبيّن أن المؤديات الخمس
أدّيت بعد الفائتة، بل تبيّن أنها أدّيت قبل الفائتة؛ لاستقرار الفائتة بمحل قضائها، وعدم التحاقها
بمحلها الأصلي، فحكم بفساد المؤديات، وبخلاف حال النسيان وضيق الوقت إذا أدّى الوقتية
ثم قضى الفائتة؛ حيث لا تجب إعادة الوقتية.
ولو التحقت الفائتة بمحلها الأصلي لوجب إعادة الوقتية؛ لأنه تبيّن أنها حصلت قبل
وقت الفائتة؛ لأن هناك المؤدي حصل في وقت هو وقت لها من جميع الوجوه على ما مر،
فأداء الفائتة بعد ذلك لا يخرج هذا الوقت من أن يكون وقتاً للمؤداة، فتقررت المؤداة في
محلها من جميع الوجوه، والتحقت الفائتة في حق المؤداة بصلاة وقتها بعد وقت المؤداة، فلم
يؤثر ذلك في إفساد (٢) المؤداة.
وهذا بخلاف ما إذا قام المصلّي وقرأ أو سجد ثم ركع؛ حيث لم يلتحق الركوع بمحله
وهو قبل السجود، حتى كان لا يجب إعادة السجود، ومع ذلك لم يلتحق حتى يجب إعادة
السجود؛ لأن الشيء إنما يجعل حاصلاً في محله أن لو وجد شيء آخر في محله بعده، ووقع
ذلك الشيء معتبراً في نفسه، فإذا حصل هذا التحق بمحله. وهناك السجود وقع قبل أوانه، فما
وقع معتبراً فلغا فبعد ذلك كان الركوع حاصلاً في محله، فلا بدّ من تحصيل السجدة بعد ذلك
في محلها، والله الموفق.
وقالوا فيمن ترك (٣) صلوات كثيرة مجانة، ثم ندم على ما صنع، واشتغل بأداء الصلوات
في مواقيتها قبل أن يقضي شيئاً من الفوائت، فترك صلاة ثم صلّى أخرى، وهو ذاكر لهذه
(١) في ب: وقت لها.
(٢) في ب: فساد.
(٣) في هامش ب: لو ترك صلوات كثيرة مجانه ثم ندم على ما صنع.
بدائع الصنائع ج١ - ٣٩٣

٦١٠
كتاب الصلاة
الفائتة الحديثة - إنه لا يجوز، ويجعل الفوائت الكثيرة القديمة كأنها لم تكن، ويجب عليه
مراعاة الترتيب، والقياس أن يجوز؛ لأن الترتيب قد سقط عنه؛ لكثرة الفوائت، وتضم هذه
المتروكة إلى ما مضى، إلا أن المشايخ استحسنوا فقالوا: إنه لا يجوز احتياطاً؛ زجراً للسفهاء
عن التهاون بأمر الصلاة، ولئلا تصير المقضية وسيلة إلى التخفيف.
ثم كثرة الفوائت كما تسقط الترتيب في الأداء تسقطه في القضاء؛ لأنها لما عملت في
إسقاط الترتيب في غيرها فلأن تعمل في نفسها أولى، حتى لو قضى فوائت الفجر كلها ثم
الظهر كلها ثم العصر كلها - هكذا جاز.
وروى ابن سماعة عن محمد فيمن ترك (١) صلاة يوم وليلة، وصلّى من الغد مع كل
صلاة صلاة قال: الفوائت كلها جائزة، سواء قدمها أو أخرها. وأما الوقتية: فإن قدمها لم يجز
شيء منها؛ لأنه متى صلّى واحدة منها صارت(٢) الفوائت ستاً، لكنه متى قضى فائتة [بعدها
عادت](٣) خمساً ثَمَّ وَثَمَّ، فلا تعود إلى الجواز، وإن أخّرها لم يجر شيء منها إلا العشاء
الأخيرة؛ لأنه كلما قضى فائتة عادت الفوائت أربعاً وفسدت الوقتية إلا العشاء؛ لأنه صلاها.
وعنده: أن جميع ما عليه قد قضاه فأشبه الناسي. وأما الترتيب (٤) في أفعال الصلاة: فإنه ليس
بشرط عند أصحابنا الثلاثة. وعند زفر: شرط. وبيان ذلك في مسائل.
إذا أدرك أول صلاة الإمام، ثم نام خلفه أو سبقه الحدث فسبقه الإمام ببعض الصلاة، ثم
انتبه من نومه أو عاد من وضوئه - فعليه أن يقضي ما سبقه الإمام به ثم يتابع إمامه لما يذكر.
ولو تابع إمامه أولاً ثم قضى [ما فاته](6) بعد تسليم الإمام - جاز عندنا.
وعند زفر: لا يجوز. وكذلك إذا زحمه الناس في صلاة الجمعة والعيدين، فلم يقدر
٦٨أ على أداء الركعة الأولى مع الإمام بعد الاقتداء به، وبقي قائماً، وأمكنه أداء الركعة/ الثانية(٦)
مع الإمام قبل أن يؤدي الأولى، ثم قضى الأولى بعد تسليم الإمام - أجزأه عندنا.
وعند زفر: لا يجزئه.
وكذلك لو تذكّر سجدة في الركوع وقضاها، أو سجد في السجدة وقضاها - فالأفضل أن
يعيد الركوع أو السجود الذي هو فيهما، ولو اعتد بهما ولم يعد أجزأه عندنا.
(١) في هامش ب: ترك صلاة يوم وليلة وصلى من الغد مع كل صلاة صلاة.
(٢) في ب: حتى صارت.
(٣) في ب: صارت.
(٤) في هامش ب: بيان أن الترتيب في أفعال الصلاة ليس بشرط.
(٥) سقط في ب.
(٦) في ب: فأدى الركعة الثانية.

٦١١
كتاب الصلاة
وعند زفر: لا يجوز له أن يعتد بهما، وعليه إعادتهما.
وجه قول زفر: أن المأتى به في هذه المواضع وقع في غير محله [لأن محله بعد أداء ما
عليه، فإذا أتى به قبله لم يصادف محله](١)، فلا يقع معتدًّا به، كما إذا قدم السجود على
الركوع؛ وجب عليه إعادة السجود لما قلنا، كذا هذا؛ ولنا قولُ النبيِّ نَّهِ: ((مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُوا،
وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا)»(٢) والاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنه أمر بمتابعة الإمام فيما أدرك بحرف ((الفاء)) المقتضى للتعقيب بلا فصل، ثم
أمر بقضاء الفائتة؛ والأمر دليل الجواز؛ ولهذا يبدأ المسبوق/ بما أدرك(٣) الإمام فيه لا بما
سبقه، وإن كان ذلك أول صلاته وقد أخره.
والثاني: أنه جمع بينهما في الأمر بحرف ((الواو))؛ وإنه للجمع المطلق، فأيهما فعل يقع
مأموراً به فكان معتداً به، إلا أن المسبوق صار مخصوصاً بقول النبيِّ وَّ: (سَنَّ لَكُمْ مَعَاذْ سُنَّةً
حَسَنَةً فَاسْتَنُوا بِهَا))(٤)، والحديث حجة في المسألتين الأوليين بظاهره، وبضرورته في المسألة
الثالثة؛ لأن الركوع والسجود من أجزاء الصلاة، فإسقاط الترتيب في نفس الصلاة إسقاط فيما
هو من أجزائها ضرورة، إلا أنه لا يعتد بالسجود قبل الركوع، لأن السجود لتقييد الركعة
بالسجدة، وذلك لا يتحقّق قبل الركوع على ما يذكر في سجود السهو إن شاء الله تعالى.
هذا الذي ذكرنا بيان شرائط أركان الصلاة، وهي الشرائط العامة التي تعمّ المنفرد
والمقتدي جميعاً.
فأما الذي يخص المقتدي، وهو شرائط(٥) جواز الاقتداء بالإمام في صلاته، فالكلام فيه
في موضعين :
أحدهما: في بيان ركن الاقتداء.
الثاني : في بيان شرائط الركن.
أما ركنه: فهو نية الاقتداء بالإمام، وقد ذكر تفسيرها فيما تقدّم.
(١) سقط في أ، ط.
(٢) تقدم.
(٣) في ب: أدركه.
(٤) أخرجه أبو داود (١٣٨/١) كتاب الصلاة باب كيف الأذان (٥٠٦) وعبد الرزاق (٢٢٩/٢) (٣١٧٥).
وذكره المتقي الهندي في الكنز (٢٣٠٢٦) وعزاه له.
(٥) في هامش ب: بيان شرائط جواز الاقتداء بالإمام في صلاته.

٦١٢
كتاب الصلاة
وأما شرائط الركن فأنواع منها: الشركة في الصلاتين واتحادهما سبباً وفعلاً ووصفاً؛ لأن
الاقتداء بناء التحريمة على التحريمة؛ فالمقتدي عقد تحريمته لما انعقدت له تحريمة الإمام؛
فكلما انعقدت له تحريمة الإمام جاز البناء من المقتدي، وما لا فلا، وذلك لا يتحقق إلا
بالشركة في الصلاتين، واتحادهما من الوجوه الذي وصفنا.
وعلى هذا الأصل يخرج مسائل: المقتدي إذا سبق(١) الإمام بالافتتاح لم يصحّ اقتداؤه؛
لأن معنى الاقتداء وهو البناء لا يتصوَّر هاهنا؛ لأن البناء على العدم محالٌ؛ وقال النبيَّ وَّ:
((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ))(٢) وما لم يكبّر الإمام لا يتحقق الائتمام به، وكذا
إذا كبّر قبله فقد اختلف عليه، ولو جدد التكبير بعد تكبير الإمام بنيّة الدخول في صلاته أجزأه؛
لأنه صار قاطعاً لما كان فيه، شارعاً/ في صلاة الإمام، كمن كان(٣) في النفل فكبّر ونوى
الفرض. يصير خارجاً من النفل داخلاً في الفرض، وكمن باع بألف ثم بألفين كان فسخا للأول
وعقداً آخر، كذا هذا، ولو لم يجدد(٤) حتى لم يصح اقتداؤه، هل يصير شارعاً في صلاة
نفسه؟ أشار في كتاب الصلاة إلى أنه يصير شارعاً؛ لأنه علّل فيما إذا جدّد التكبير، ونوى
الدخول في صلاة الإمام فقال: التكبير الثاني قطع لما كان فيه. وأشار في ((نوادر أبي سليمان))
إلى أنه لا يصير شارعاً في [صَلاَةِ](٥) نفسه، فإنه ذكر أنه لو قهقه لا تنتقض طهارته.
ثم من مشايخنا من حمل اختلاف الجواب على اختلاف موضوع المسألة فقال: موضوع
المسألة في ((النوادر)) أنه: إذا كبّر ظنًّا منه أن الإمام كبر، فيصير مقتدياً بمن ليس في الصلاة،
كالمقتدي بالمحدث والجنب، وموضوع المسألة في كتاب الصلاة: أنه كبّر على علم منه أن
الإمام لم يكبّر، فيصير شارعاً في صلاة نفسه، ومنهم من حقّق الاختلاف بين الروايتين.
وجه رواية ((النوادر)): أنه نوى الاقتداء بمن ليس في الصلاة، فلا يصير شارعاً في صلاة
نفسه، كما لو اقتدى بمشرك أو جنب أو بمحدث؛ وهذا لأن صلاة المنفرد غير صلاة
المقتدي؛ بدليل أن المنفرد لو استأنف التكبير، ناوياً الشروع في صلاة الإمام صار شارعاً
مستأنفاً، واستقبال ما هو فيه لا يتصوّر، دلّ أن هذه الصلاة غير تلك الصلاة، فلا يصير
شارعاً(٦) في إحداهما بنيّة الأخرى.
(٢)
(١) في هامش ب: سبق المقتدي للإمام بالافتتاح
تقدم .
في ب: صلی.
(٣)
(٤) في هامش ب: لو جَدَّدَ المقتدي التكبير.
سقط في أ، ط .
(٥)
(٦) في ب: داخلاً .

٦١٣
كتاب الصلاة
وجه ما ذكر في ((كتاب الصلاة)): أنه نوى شيئين: الدخول في الصلاة، والاقتداء
بالإمام؛ فبطلت إحدى نيتيه وهي نية الاقتداء؛ لأنها لم تصادف محلها، فتصحّ الأخرى وهي
نيّة الصلاة، وصار كالشارع/ في الفرض؛ على ظن أنه عليه وليس عليه؛ بخلاف ما إذا اقتدى ٦٨ب
بالمشرك والمحدث والجنب؛ لأنهم ليسوا من أهل الاقتداء بهم؛ فصار بالاقتداء بهم ملغياً
صلاته، وأما هذا فمن أهل الاقتداء به، والصلاة خلفه معتبرة؛ فلم يصر بالاقتداء به ملغياً
صلاته. والله أعلم.
هذا إذا كبّر المقتدي وعلّم أنه كبّر قبل الإمام، فأمّا إذا كبّر(١) ولم يعلم أنه كبّر قبل
الإمام أو بعده: ذكر هذه المسألة في ((الهارونيات))، وجعلها على ثلاثة/ أوجه:
إن كان أكبر رأيه أنه كبّر قبل الإمام، لا يصير شارعاً في صلاة الإمام.
وإن كان أكبر رأيه أنه كبر بعد الإمام، يصير شارعاً في صلاته؛ لأن غالب الرأي حجة
عند عدم الیقین بخلافه .
وإن لم يقع رأيه على شيء، فالأصل فيه هو الجواز، ما لم يظهر أنه كبّر قبل الإمام
بيقين، ويحمل على الصواب احتياطاً، ما لم يستيقن بالخطإ، كما قلنا في باب الصلاة عند
الاشتباه في جهة القبلة ولم يخطر بباله شيء، ولم يشكّ أن الجهة التي صلّى إليها قبلة أم لا -
أنه يقضي بجوازها ما لم يظهر خطأه بيقين؛ وكذا في باب الزكاة، كذلك هاهنا.
ولو كبّر (٢) المقتدي مع الإمام، إلا أن الإمام طول قوله حتى فرغ المقتدي من قوله: الله
[أكبر] (٣) قبل أن يفرغ الإمام من قوله: الله - لم يصر شارعاً في صلاة الإمام، كذا روى ابن
سماعة في ((نوادره))، ويجب أن تكون هذه المسألة بالاتفاق، أما على قول أبي حنيفة - رحمه
الله تعالى -: فلأنه يصح الشروع في الصلاة بقوله: (الله) وحده، فإذا فرغ المقتدي من ذلك
قبل فراغ الإمام صار شارعاً في صلاة نفسه، فلا يصير شارعاً في صلاة الإمام.
وأما على قول أبي يوسف، ومحمد: فلأن الشروع لا يصح إلا بذكر الاسم والنعت، فلا
بد من المشاركة في ذكرهما، فإذا سبق الإمام بالاسم حصلت المشاركة في ذكر النعت لا غير؛
وهو غير كافٍ لصحة الشروع في الصلاة، وعلى هذا لا يجوز(٤) اقتداء اللابس بالعاري؛ لأن
(١) في هامش ب: كبر ولم يعلم أنه كبر قبل الإمام أو بعدة.
(٢) في هامش ب: كبر المقتدي مع الإمام إلا أنه طَوَّلَ حتى فرغ المقتدي من قوله الله أكبر.
(٣) سقط في ب.
(٤) في هامش ب: لا يجوز اقتداء اللابس بالعاري.

٦١٤
كتاب الصلاة
تحريمة الإمام ما انعقدت بها الصلاة مع الستر؛ فلا يقبل البناء؛ لاستحالة البناء على العدم،
ولأن ستر العودة شرط لا صحة للصلاة بدونها في الأصل، إلا أنه سقط اعتبار هذا الشرط في
حق العاري؛ لضرورة العدم، ولا ضرورة في حق المقتدي؛ فلا يظهر سقوط الشرط في حقه؛
فلم تكن صلاة في حقه، فلم يتحقق معنى الاقتداء وهو البناء؛ لأن البناء على القدم مستحيل.
ولا يصح اقتداء الصحيح بصاحب العذر الدائم؛ لأن تحريمة الإمام ما انعقدت للصلاة مع
انقطاع الدم؛ فلا يجوز البناء، ولأن الناقض للطهارة موجود لكن لم يظهر في حق صاحب
العذر للعذر، ولا عذر في حق المقتدي. ولا يجوز(١) اقتداء القارىء بالأمي، والمتكلم
بالأخرس؛ لأن تحريمة الإمام ما انعقدت للصلاة بقراءة؛ فلا يجوز البناء من المقتدي، ولأن
القراءة ركن لكنه سقط عن الأمي والأخرس للعذر؛ ولا عذر في حق المقتدي، وكذا لا يجوز
اقتداء(٢) الأمي بالأخرس؛ لما ذكرنا أن الاقتداء بناء التحريمة على تحريمة الإمام، ولا تحريمة
من الإمام أصلاً؛ فاستحال البناء، إلا أن الشرع جوز صلاته بلا تحريمة للضرورة، ولأن
التحريمة من شرائط الصلاة لا تصح الصلاة بدونها في الأصل؛ وإنما سقطت عن الأخرس
للعذر، ولا عذر في حق الأمي؛ لأنه قادر على التحريمة فنزل الأمي الذي يقدّر على التحريمة
من الأخرس منزلة القارىء من الأمي؛ حتى أنه لو لم يقدر على التحريمة جاز اقتداؤه
بالأخرس؛ لاستوائهما في الدرجة .
ولا يجوز اقتداء(٣) من يركع ويسجد بالمومىء عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر: يجوز.
وجه قوله: أن فرض الركوع والسجود سقط إلى خلف وهو الإيماء؛ وأداء الفرض
بالخلف كأدائه بالأصل، وصار كاقتداء الغاسل بالماسح والمتوضى بالمتيمم.
ولنا: أن تحريمة الإمام ما انعقدت للصَّلاَةِ [بالركوع والسجود(٤) والإيماء(٥)؛ وإن كان
يحصل فيه(٦) بعض الركوع والسجود؛ لما أنهما للانحناء والتَّطَأْطُؤَ، وقد وجد أصل الانحناء
والتَّطَأْطُؤُ في الإيماء - فليس فيه كَمَالُ الركوع والسجود فلم تنعقد(٧) تحريمته؛ لتحصيل وَصْفِ
(١) في هامش ب: لا يجوز اقتداء القارىء بالأمي والمتكلم بالأخرس.
(٢) في هامش ب: اقتداء الأمي بالأخرس.
(٣) في هامش ب: لا يجوز اقتداء من يركع ويسجد بالمومىء
(٤) سقط في ب.
(٥) في ب: بالايماء.
(٦) في ب: فيه تحصيل.
(٧) في ط تنعقد.

٦١٥
كتاب الصلاة
الكمال؛ فلم يمكن بناء كَمَال الركوع والسجود على تلك التَّخْرِيمَةِ؛ ولأنه لا صحة للصلاة
بدون الركوع والسُّجُود في الأصل؛ لأنه فرض، وإنما سقط عن المُومِىء للضرورة، ولا
ضَرُورَةً في حق المقتدي؛ فلم يكن ما أوتي به المُومِىءُ صَلاَةَ شَرْعاً في حقه؛ فلا يتصور
البِنَّاءُ.
وقد خرج الجواب عن قوله: أنه خلف؛ لأنّا نقول ليس كذلك، بل هو تحصيل بعض
الركوع والسجود إلا أنه اكتفى بتحصيل بعض الفرض في حالة العذر، لا أن يكون خلفاً؛
بخلاف المسح مع الغسل، والتيمم مع الوضوء؛ لأن ذلك خلف، فأمكن أن يقام مقام
الأصل .
ولا يجوز اقتداء(١) من يومى قاعداً أو/ قائماً بمن يومىء مضطجعاً؛ لأن تحريمة الإمام ١٦٩
ما انعقدت للقيام أو القعود؛ فلا يجوز البناء.
ثم صلاة الإمام صحيحة في هذه الفصول كلها، إلا في فصلٍ واحدٍ، وهو أن الأمي إذا
أمَّ القارىء أو القارىء والأميين - فصلاة الكل فاسدة عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف،
ومحمد: صلاة الإمام الأمي ومن لا يقرأ تامة.
وجه قولهما: أن الإمام صاحب عذر، اقتدى به من/ هو بمثل (٢) حاله ومن لا عذر له -
فتجوز صلاته وصلاة من هو بمثل حاله، كالعاري إذا أمّ العراة أو اللابسين، وصاحب الجرح
السائل يؤم الأصحاء، وأصحاب الجراح، والمومىء إذا أمّ المؤمنين والراكعين [و](٣)
الساجدين؛ أنه تصح صلاة الإمام ومن بمثل حاله؛ كذا هاهنا.
ولأبي حنيفة طريقتان في المسألة:
إحداهما: ما ذكره القمي: وهو أنهم لما جاءوا مجتمعين لأداء هذه الصلاة بالجماعة -
فالأمي قادر على أن يجعل صلاته بقراءة؛ بأن يقدم القارىء فيقتدي به فتكون قراءته قراءة له؛
قال ◌َلَّ: (مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (٤) فإذا لم يفعل فقد ترك أداء الصلاة بقراءة
مع القدرة عليها - ففسدت؛ بخلاف سائر الأعذار؛ لأن لبس الإمام لا يكون لبساً للمقتدي؛
وكذا ركوع الإمام وسجوده، ولا ينوب عن المقتدي، ووضوء الإمام لا يكون وضوءاً
للمقتدي؛ فلم يكن قادراً على إزالة العذر بتقديم من لا عذر له.
(١) في هامش ب: اقتداء من يومىء قاعداً أو قائماً بمن يومىء مضطجعاً.
(٢) في ب: مثل.
(٣) سقط في ب.
(٤) تقدم.

٦١٦
كتاب الصلاة
ولا يلزم على هذه الطريقة، ما إذا كان الأمي يصلي وحده، وهناك قارىء يصلّي تلك
الصلاة؛ حيث تجوز صلاة الأمي، وإن كان قادراً على أن يجعل صلاته بقراءة؛ بأن يقتدي
بالقارىء؛ لأن هذه المسألة ممنوعة.
وذكر أبو حازم القاضي: أن على قياس قول أبي حنيفة: لا تجوز صلاة الأمي، هو قول
مالك، ولئن سلمنا فلأن هناك لم يقدر على أن يجعل صلاته بقراءة؛ إذ لم يظهر من القارىء
رغبة في أداء الصلاة بجماعة؛ حيث اختار الانفراد؛ بخلاف ما نحن فيه.
والطريقة الثانية: ما ذكره غسان، وهو: أن التحريمة انعقدت موجبة للقراءة، فإذا صلُّوا
بغير قراءة فسدت صلاتهم كالقارئين، وإنما قلنا: إن التحريمة انعقدت موجبة للقراءة؛ لأنه
وقعت المشاركة في التحريمة؛ لأنها غير مفتقرة إلى القراءة، فانعقدت موجبة للقراءة؛
لاشتراكها بين القارئين وغيرهم.
ثم عند أوان القراءة تفسد؛ لانعدام القراءة؛ بخلاف سائر الأعذار؛ لأن هناك التحريمة
لم تنعقد مشتركة؛ لأن تحريمة اللابس لم تنعقد إذا اقتدى بالعاري؛ لافتقارها إلى ستر العورة،
وإلى ارتفاع سائر الأعذار فلم تنعقد مشتركة؛ بخلاف ما نحن فيه؛ فإنها غير مفتقرة إلى
القراءة، فانعقدت تحريمة القارىء مشتركة فانعقدت موجبة للقراءة.
ولا يلزم على هذه الطريقة ما ذكرنا من المسألة؛ لأن هناك تحريمة الأمي لم تنعقد موجبة
للقراءة؛ لانعدام الاشتراك بينه وبين القارىء فيها/ أما هاهنا فبخلافه، ولا يلزم ما إذا اقتدى
القارىء بالأمي بنيّة التطوّع، حيث لا يلزم القضاء، ولو صحّ شروعه في الابتداء للزمه القضاء؛
لأنه صار شارعاً في صلاة لا قراءة فيها، والشروع كالنذر. ولو نذر صلاة بغير قراءة لا يلزمه
شيء، وإلا في رواية عن أبي يوسف؛ فكذلك إذا شرع فيها .
ولا يجوز الاقتداء بالكافر، ولا اقتداء الرجل بالمرأة؛ لأن الكافر ليس من أهل الصلاة،
والمرأة ليست من أهل إمامة الرجال - فكانت صلاتها عدماً في حق الرجل، فانعدم معنى
الاقتداء وهو البناء، ولا يجوز اقتداء الرجل بالخنثى المشكل؛ لجواز أن يكون امرأة، ويجوز
اقتداء المرأة بالمرأة؛ لاستواء حالهما، إلا أن صلاتهن فرادى أفضل؛ لأن جماعتهن منسوخة،
ويجوز اقتداء(١) المرأة بالرجل إذا نوى الرجل إمامتها .
وعند زفر: نية الإمامة ليست بشرط على ما مر.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنها إذا وقفت خلف الإمام جاز اقتداؤها به وإن لم ينو
(١) في هامش ب: اقتداء المرأة بالرجل.

٦١٧
كتاب الصلاة
إمامتها؛ ثم إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها خاصة لا صلاة الرجل، وإن كان نوى إمامتها
فسدت صلاة الرجل؛ وهذا قول أبي حنيفة الأول.
ووجهه: أنها إذا وقفت خلفه كان قصدها أداء الصلاة لا إفساد صلاة الرجل؛ فلا تشترط
نيّة الإمامة. وإذا قامت إلى جنبه فقد قصدت إفساد صلاته؛ فيرد قصدها بإفساد صلاتها، إلا أن
يكون الرجل قد نوى إمامتها؛ فحينئذٍ تفسد صلاته؛ لأنه ملتزم لهذا الضرر؛ وكذا يجوز(١
اقتداؤها بالخنثى المشكل؛ لأنه إن كان رجلاً فاقتداء المرأة بالرجل صحيح. وإن كان امرأة
فاقتداء المرأة بالمرأة جائز - أيضاً - لكن ينبغي للخنثى أن يتقدم، ولا يقوم في وسط الصف؛
لاحتمال أن يكون رجلاً فتفسد صلاته بالمحاذاة. وكذا تشترط/ نيّة إمامة النساء؛ لصحة ٦٩ب
اقتدائهن به لاحتمال أنه رجل، ولا يجوز اقتداء (٢) الخنثى المشكل بالخنثى المشكل؛ لاحتمال
أن يكون الإمام امرأة والمقتدي رجلاً - فيكون اقتداء الرجل بالمرأة على بعض الوجوه، فلا
يجوز احتياطاً .
وأما الاقتداء بالمحدث أو الجنب: فإن كان عالماً بذلك لا يصح بالإجماع، وإن لم يعلم
به ثم علم فكذلك عندنا .
وقال الشافعي: القياسِ أَلاَّ يصح كما في الكافر، لكنّ تَرَكْتُ القياس بالأثر؛ وهو ما
رُوِيَ عن النَّبِّ ◌ََّ أنه قال: ((أَيُّمَا رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ، جَنَابَةً أَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا))(٣).
ولنا ما روي أن النبيَّ ◌ِ لَ صلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ جَنَابَةٌ، فَأَعَادَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ
بالإِعَادَةِ، فَأَعَادُوا، وَقَالَ: ((وَأَيُّمَا رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ جَنَابَةَ، أَعَادَ وَأَعَادُوا))(٤)، وقد
روي نحو هذا عن عمر، وعلي - رضي الله عنهما - حتى ذكر أبو يوسف في ((الأمالي)): أن عليًّا
- رضي الله عنه - صلّى بأصحابه يوماً، ثم علم أنه كان جنباً فأمر مؤذّنه أن ينادي: ألا إن أمير
المؤمنين كان جنباً فأعيدوا صلاتكم؛ ولأن معنى الاقتداء وهو البناء - هاهنا - لا يتحقق؛
لانعدام تصوّر التحريمة مع قيام الحدث والجنابة وما رواه محمول على بدو الأمر، قبل [تعلّق
(١) في هامش ب: يجوز اقتداء المرأة بالخنثى المشكل.
(٢) في هامش ب: لا يجوز اقتداء الخنثى بالمشكل.
(٣) أخرجه الدارقطني (٣٦٤/١) كتاب الصلاة موقوفاً على عمر.
(٤) أخرجه الدارقطني (٣٦٤/١) كتاب الصلاة (٩) عن أبي جابر البياضي عن سعيد بن المسيب مرفوعاً
وقال: هذا مرسل وأبو جابر البياض متروك الحديث وذكره الزيلعي في نصب الراية (٥٨/٢) وقال
البيهقي: أبو جابر البياضي متروك الحديث، كان مالك لا يرتضيه، وكان ابن معين يرميه بالكذب، وقال
الشافعي: من روى عن البياضي بيض الله عينيه، انتهى. قال النووي في ((الخلاصة)): لا يعرف إلا عن
البياضي، واجتمعوا على ضعفه، ورماه ابن معين بالكذب.

٦١٨
كتاب الصلاة
صلاة القوم بصلاة الإمام، على ما روي أن المسبوق كان إذا شرع في صلاة الإمام](١) قضى ما
فاته أولاً، ثم يتابع الإمام حتى تابع عبد الله بن مسعود أو معاذ رسول الله وَ ل ثم قضى ما
فاته؛ فصار شريعة بتقرير رسول الله وَ له .
ويجوز(٢) اقتداء العاري باللابس؛ لأن تحريمة الإمام انعقدت لما يبني عليه المقتدي؛
لأن الإمام يأتي بما يأتي به المقتدي وزيادة فيقبل البناء، وكذا اقتداء العاري بالعاري؛ لاستواء
حالهما فتتحقق المشاركة في التحريمة، ثم(٣) العراة يصلُّون قعوداً بإيماء. وقال بشر: يصلُّون
قياماً بركوع وسجود، وهو قول الشافعي.
وجه قولهما: أنهم عجزوا عن تحصيل شرط الصلاة وهو ستر العودة، وقدروا على
تحصيل أركانها، فعليهم الإتيان بما قدروا عليه، وسقط عنهم ما عجزوا عنه. ولأنهم لو صلُّوا
قعوداً تركوا أركاناً كثيرة وهي: القيام، والركوع، والسجود، وإن صلُّوا قياماً تركوا فرضاً واحداً
وهو: ستر العودة؛ فكان أولى؛ والدليل عليه: حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن
النبي ◌َّ قال له: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى الجنب))، فهذا
يستطيع أن يصلي قائماً فعليه الصلاة قائماً.
ولنا: ما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: إن أصحاب رسول الله عَل
ركّبوا البحر فانكسرت بهم السفينة، فخرجوا من البحر عراة، فصلُّوا قعوداً بإيماء - وروي عن
ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: العاري يصلّي قاعداً بالإيماء. والمعنى
فيه: أن الصلاة قاعداً ترجيحاً من وجهين:
أحدهما: أنه لو صلّى/ قاعداً فقد [ترك فرض] (٤) ستر العودة الغليظة، وما ترك فرضاً
آخر أصلاً؛ لأنه أدى فرض الركوع والسجود ببعضهما وهو الإيماء. وأدى فرض القيام ببدله
وهو القعود؛ فكان فيه مراعاة الفرضين جميعاً، وفيما قلتم إسقاط أحدهما أصلاً وهو ستر
العورة؛ فكان ما قلناه أولى.
والثاني: أن ستر العورة أهم من أداء الأركان لوجهين:
أحدهما: أن ستر العورة فرض في الصلاة وغيرها، والأركان فرائض الصلاة لا غيرها.
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: اقتداء العاري باللابس.
(٣) في هامش ب: صلاة العراة يصلون قعوداً بإيماء.
(٤) سقط في ب.

٦١٩
كتاب الصلاة
والثاني: أن سقوط هذه الأركان إلى الإيماء جائز في النوافل من غير ضرورة، كالمتنفّل
على الدابة، وستر العورة لا تسقط فرضيته قط من غير ضرورة؛ فكان أهم، فكان مراعاته أولى؛
فلهذا جعلنا الصلاة قاعداً بالإيماء أولى غير أنه إن صلّى قائماً بركوع وسجود أجزأه؛ لأنه وإن
ترك فرضاً [آخر] (١) فقد كمل الأركان الثلاثة، وهي القيام والركوع والسجود، وبه حاجة إلى
تكميل هذه الأركان؛ فصار تاركاً لفرض ستر العورة الغليظة أصلاً لغرض صحيح، فجوزنا له
ذلك لوجود أصل الحاجة، وحصول الغرض، وجعلنا القعود بالإيماء أولى؛ لكون ذلك الفرض،
أهم، ولمراعاة الفرضين جميعاً من وجه. وقد خرج الجواب عما ذكروا من المعنى، وتعلّقهم
بحديث عمران بن حصين غير مستقيم؛ لأنه غير مستطيع حكماً؛ حيث افترض عليه ستر العورة
الغليظة. ثم لو كانوا(٢) جماعة ينبغي لهم أن يصلُوا فرادى؛ لأنهم لو صلُّوا بجماعة، فإن قام
الإمام وسطهم احترازاً عن ملاحظة سوأة الغير - فقد ترك سنة التقدم على الجماعة، والجماعة أمر
مسنون، فإذا كان لا يتوصّل إليه إلا بارتكاب بدعة، وترك سنة أخرى - لا يندب إلى تحصيلها،
بل يكره/ تحصيلها، وإن تقدّمهم الإمام، وأمر القوم بغضّ أبصارهم كما ذهب إليه الحسن ١٧٠
البصري - لا يسلمون عن الوقوع في المنكر أيضاً؛ فإنه قلما يمكنهم غض البصر على وجه لا يقع
على عورة الإمام، مع أن غض البصر في الصلاة مكروه أيضاً؛ نص عليه القدوري، لما يذكر أنه
مأمور أن ينظر في كل حالة إلى موضع مخصوص؛ ليكون البصر ذا حظ من أداء هذه العبادات
كسائر الأعضاء والأطراف. وفي غض البصر فوات ذلك؛ فدل أنه لا يتوصل إلى تحصيل
الجماعة إلا بارتكاب أمر مكروه؛ فتسقط الجماعة عنهم. فلو (٣) صلُّوا مع هذه الجماعة فالأولى
لإمامهم أن يقوم وسطهم؛ لئلا يقع بصرهم على عورته، فإن تقدمهم جاز - أيضاً - وحالهم في
هذا الموضع كحال النساء في الصلاة، [لا](٤) أن الأولى أن يصلين وحدهن، وإن صلين بجماعة
قامت إمامتهن وسطهن، وإن تقدمتهن جاز، فكذلك [حال](٥) العراة.
ويجوز اقتداء صاحب العذر بالصحيح، وبمن هو بمثل حاله، وكذا اقتداء الأمي بالقارىء
وبالأمي لما مرّ. ويجوز اقتداء المومىء بالراكع الساجد وبالمومىء لما مرّ ويستوي الجواب
بينما إذا كان المقتدي قاعداً يومىء بالإمام القاعد المومىء، وبينما إذا كان قائماً والإمام قاعد،
ولأن هذا القيام ليس بركن؛ ألا ترى أن الأولى تركه؛ فكان وجوده وعدمه بمنزلة.
(١) في ب: أصلاً.
(٢) في هامش ب: الجماعة العراة ينبغي لهم أن يصلوا فرادى.
(٣) في هامش ب: لو صلوا الجماعة فالأفضل أن يقوم إمامهم وسطهم.
(٤) سقط في ب.
(٥) سقط في ب.

٦٢٠
كتاب الصلاة
ويجوز(١) اقتداء الغاسل بالماسح على الخف؛ لأن المسح على الخف(٢) بدل عن
الغسل، وبدل الشيء يقوم مقامه عند العجز عنه، أو تعذّر تحصيله؛ فقام المسح مقام الغسل
في حق تطهير الرجلين؛ لتعذر غسلهما عند كل حدث، خصوصاً في حق المسافر على ما مر؛
فانعقدت تحريمة الإمام للصلاة مع غسل الرجلين؛ لانعقادها لما هو بدل عن الغسل؛ فصح
بناء تحريمة المقتدي على تلك التحريمة، ولأن طهارة القدم حصلت بالغسل السابق، والخف
مانع سراية الحدث إلى القدم؛ فكان هذا اقتداء الغاسل بالغاسل فصح، وكذا يجوز اقتداء
الغاسل بالماسح على الجبائر؛ لما مر أنه بدل عن المسح قائم مقامه، فيمكن تحقيق معنى
الاقتداء فيه .
ويجوز اقتداء المتوضى بالمتيمم عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. وعند محمد: لا
يجوز. وقد مر الكلام فيه في كتاب الطهارة.
ويجوز(٣) اقتداء القائم الذي يركع ويسجد بالقاعد الذي يركع ويسجد استحساناً، وهو
قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، والقياس ألاَّ يجوز. وهو قول محمد، وعلى هذا الاختلاف
اقتداء القائم المومىء بالقاعد المومىء.
وجه القياس: ما روي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لاَ يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِساً)) (٤) أي :
(١) في هامش ب: يجوز اقتداء الفاسد بالماسح على الخف.
(٢) في ب: الخفين.
(٣) في هامش ب: يجوز اقتداء القائم بالقاعد.
(٤) أخرجه الدارقطني (٣٩٨/١): كتاب الصلاة: باب صلاة المريض جالساً، الحديث (٦)، والبيهقي (٣/
٨٠): كتاب الصلاة: باب النهي عن الإمامة جالساً، من رواية جابر الجعفي، عن الشعبي مرسلاً.
وقال الدارقطني: لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة.
وقال البيهقي: قال علي بن عمر - الدارقطني -: فذكر كلامه، وأسند عن الشافعي قال: قد علم الذي
احتج بهذا أن ليست فيه حجة، وأنه لا يثبت، وأنه مرسل، ولأنه عن رجل يرغب الناس عن الرواية عنه.
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٤٣/٦): وهو حديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث، إنما يرويه
جابر الجعفي عن الشعبي مرسلاً، وجابر الجعفي لا يحتج بشيء يرويه مسنداً، فكيف بما يرويه مرسلاً.
قال الحافظ في ((الفتح)» (٢٠٦/٢): وقد أم قاعداً جماعة من الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم، منهم:
أسيد بن خضير، وجابر، وقيس بن فهد، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة، أخرجها
عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وغيرهم، بل ادعى ابن حبان وغيره إجماع الصحابة على
صحة إمامة القاعد ... )) ثم قال:
روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن فهد - بفتح القاف وسكون الهاء - الأنصاري ((أن إماماً لهم
اشتكى لهم على عهد رسول الله وَطير، قال: فكان يؤمنا وهو جالس ونحن جلوس))، وروى ابن المنذر
بإسناد صحيح عن أسيد بن خضير («أنه كان يؤم قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمره أن يصلي
بهم فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائماً فاقعدوا، فصلى بهم قاعداً وهم قعود)).