النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ كتاب الصلاة وقال الشافعي: يجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر، وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بعذر السفر والمطر(١). واحتج بما روى ابن عباس(٢)، وابن عمر - رضي الله عنهما -: ((أن النبي وَّ كان يجمع [بعرفة] بين الظهر والعصر، [وبمزدلفة](٣) بين المغرب والعشاء، ولأنه يحتاج إلى ذلك في السفر؛ كيلا ينقطع به السير، وفي المطر كي تكثر الجماعة؛ إذ لو رجعوا إلى منازلهم لا يمكنهم الرجوع؛ [فيجوز الجمع بهذا] (٤) كما يجوز الجمع بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء. ولنا: أن/ تأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر، فلا يباح بعذر السفر والمطر كسائر ٦٢ب الكبائر، والدليل على أنه من الكبائر: ما روي عن ابن عَبَّاسٍ(٥) - رضي الله عنهما - (٦)، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلاَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ أَتَى بَاباً مِنَ الكَبَائِرِ))(٧) . وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ((الجمع بين الصلاتين من الكبائر(٨)، ولأن هذه الصلوات عرفت مؤقتة بأوقاتها، بالدلائل المقطوع بها من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بضرب من الاستدلال، أو بغير الواحد، مع أن الاستدلال فاسد؛ لأن السفر والمطر لا أثر لهما في إباحة تفويت الصلاة عن وقتها. ألا ترى أنه لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر مع ما ذكرتم من العذر، والجمع بعرفة ما (١) في ب: المرض. (٢) في أ: عن ابن عباس. (٣) سقط في ب. (٤) في ب: فيجمع بينهما. (٥) في أ، ب: عن ابن مسعود. (٦) في أ، ب: عنه. (٧) أخرجه الترمذي (٣٥٦/١) أبواب الصلاة باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين (١٨٨). والحاكم في المستدرك (٢٧٥/١) والبيهقي في السنن (١٦٩/٣) وذكره الزيلعي في النصب (١٩٣/٢): وقال قال الحاكم: حنش بن قيس ثقة قال في ((تنقيح التحقيق)): لم يتابع الحاكم على توثيقه، فقد كذبه أحمد وقال مرة: هو متروك الحديث وكذلك قال النسائي. والدارقطني، وقال البيهقي: تفرد به أبو علي الرحبي المعروف بحنش، وهو ضعيف، لا يحتج بخبره، ورواه ابن حبان في ((كتاب الضعفاء)) وقال: حنش بن قيس الرحبي، أبو علي، ولقبه: ((حنش)) كذبه ابن حنبل، وتركه ابن معين. (٨) له شاهد مرفوع ولكنه ضعيف وينظر الحديث السابق. ٥٨٢ كتاب الصلاة كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة؛ لأن الصلاة لا تضاد الوقوف بعرفة، بل ثبّت غير معقول المضي، بدليل الإجماع والتواتر عن النبي و ﴿ فصلح معارضاً [للدليل](١) المقطوع به، وكذا الجمع بمزدلفة غير معلول بالسير. ألا ترى أنه لا يفيد إباحة الجمع بين الفجر والظهر. وما روي من الحديث في خبر الآحاد، فلا يقبل في معارضة الدليل المقطوع به، مع أنه غريب ورد في حادثة تعمّ بها البلوي، ومثله غير مقبول عندنا؛ ثم هو مؤول، وتأويله: أنه جمع بينهما فعلاً لا وقتاً؛ بأن أخر الأولى منهما إلى آخر الوقت، ثم أدى الأخرى في أول الوقت، ولا واسطة بين الوقتين، فوقعتا مجتمعتين فعلاً. كذا فعل ابن عمر - رضي الله عنه - في سفر، وقال: ((هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ بِنَا رَسُولُ اللهِ وَلِ))(٢) دلَّ عليه ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: ((عن النبي ◌َّر جمع من غير مطر ولا سفر))(٣)، وذلك لا يجوز إلا فعلاً، (١) سقط في ب. (٢) تقدم. (٣) أخرجه البخاري (٢٣/٢): كتاب مواقيت الصلاة: باب تأخير الظهر إلى العصر، الحديث (٥٤٣)، ومسلم (٤٨٩/١): كتاب صلاة المسافرين: باب الجمع بين صلاتين في الحضر، الحديث (٧٠٥/٤٩)، ومالك (١٤٤/١): كتاب قصر الصلاة في السفر: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، الحديث (٤)، مختصراً من طريق جابر بن زيد، عن ابن عباس أن النبي وَ﴿ صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. وأخرجه الطيالسي (١٢٧/١): كتاب الصلاة: باب الجمع بين الصلاتين، الحديث (٦٠٠)، وأحمد (١/ ٢٢٣)، وأبو داود (١٤/٢ - ١٦): كتاب الصلاة: باب الجمع بين الصلاتين، الحديث (١٢١٤)، والترمذي (١٢١/١): كتاب الصلاة: باب الجمع بين الصلاتين، الحديث (١٨٧)، والنسائي (٢٩٠/١): كتاب المواقيت: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١/ ١٦٠): كتاب الصلاة: باب الجمع بين الصلاتين، والبيهقي (١٦٦/٣): كتاب الصلاة: باب الجمع في المطر بين الصلاتين، وأبو نعيم في الحلية (٢٨/١٠)، والخطيب (١٩٥/٥)، عن ابن عباس من طرق عنه. وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة. حديث ابن مسعود. قال: ((جمع رسول الله وَّله بين الأولى والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك فقال: صنعت هذا لكي لا تحرج أمتي)). ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٦٤/٢)؛ وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد الله بن عبد القدوس ضعفه ابن معين والنسائي ووثقه ابن حبان وقال البخاري: صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعفاء قلت: وقد روى هذا عن الأعمش وهو ثقة أ. هـ. حديث أبي هريرة: قال: ((جمع رسول الله ◌َّلو بين الصلاتين بالمدينة من غير خوف. ٥٨٣ كتاب الصلاة وعن علي - رضي الله عنه -: أنه جمع بينهما. فعلاً، ثم قال: هكذا فعل بنا رسول الله وَ له، وهكذا روي عن أنس بن مالك: أنه جمع بينهما فعلاً، ثم قال: هكذا فعل بنا رسول الله وَلـ وأما الوقت (١) المكروه لبعض الصلوات المفروضة: فهو وقت تغير الشمس للمغيب لأداء صلاة العصر، يكره أداؤها عنده؛ للنهي عن عموم الصلوات في الأوقات الثلاثة منها، إذا تضيّفت الشمس للمغيب على ما يذكر. وقد ورد وعيد خاص في أداء صلاة العصر في هذا الوقت، وهو ما روي عن رسول الله وَل﴿ أنه قال: ((يَجْلِسُ أَحَدُكُمْ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعاً لاَ يَذْكُرُ الله فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً؛ تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ)؛ قَالَهَا ثَلاَثً(٢) لكن يجوز أداؤها مع الكراهة حتى يسقط الفرض عن ذمته، ولا يتصوّر أداء الفرض وقت الاستواء قبل الزوال؛ لأنه لا فرض قبله، وكذا لا يتصور أداء الفجر مع طلوع الشمس عندنا، حتى لو طلعت الشمس وهو في خلال الصلاة تفسد صلاته عندنا. وعند الشافعي: لا تفسد، ويقول: إن النهي عن النوافل لا عن الفرائض، بدليل أن عصر يومه جائز بالإجماع. ونحن نقول: النهي عام بصيغته ومعناه أيضاً؛ لما يذكر في قضاء الفرائض في هذه الأوقات. وروي عن أبي يوسف: أن الفجر لا تفسد بطلوع الشمس، لكنه يصبر حتى ترتفع الشمس فيتم صلاته؛ لأنا لو قلنا كذلك لكان مؤدياً بعض الصلاة في الوقت، ولو أفسدنا لوقع الكل خارج الوقت، ولا شك أن الأول أولى، والله أعلم (٣). والفرق بينه وبين مؤدي العصر، إذا غربت عليه الشمس، وهو في خلال الصلاة قد ذكرناه فيما تقدم. أخرجه البزار (٣٣٢/١ - كشف) رقم (٦٨٩) من طريق عثمان بن خالد ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن = أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة به. قال البزار: تفرد به عثمان بن خالد ولم يتابع عليه. وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٦٤/٢) وقال: رواه البزار وفيه عثمان بن خالد وهو ضعيف. (١) في هامش ب: بيان الوقت المكروه لبعض الصلوات. (٢) أخرجه مسلم (٤٣٤/١) كتاب المساجد: باب استحباب التبكير بالعصر (٦٢٢/١٩٥) ومالك (٢٢٠/١)، كتاب القرآن: باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر (٤٦)، وأبو داود (١١٢/١) كتاب ((الصلاة)) (باب في وقت صلاة العصر)) حديث (٤١٣) والترمذي (٣٠١/١) كتاب الصلاة («باب ما جاء في تعجيل العصر)) حديث (١٦٠) والنسائي (٢٥٤/١) كتاب ((المواقيت)) ((باب التشديد في ترك العصر)) حديث [٥١١، ٥١٢]. (٣) سقط في أ. ٥٨٤ كتاب الصلاة ومنها: النية، وأنها شرط صحة الشروع فى الصلاة؛ لأن الصلاة عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله - تعالى - قال الله - تعالى -: ﴿وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ والإخلاص لا يحصل بدون النية، وقال النبيُّ نَّ((لاَ عَمَلَ لِمَنْ لاَ نِيَّةَ لَهُ)) (١) وقال: ((الأَعْمَالُ بِالنَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِىءُ مَا نَوَى))(٢) والكلام في النية في ثلاث مواضع: (١) تقدم. (٢) أخرجه البخاري (٩/١) كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي حديث (١)، (١٩٠/٥) كتاب العتق: باب الخطأ والنسيان حديث (٢٥٢٩)، (٢٦٧/٧) كتاب مناقب الأنصار: باب هجرة النبي و ◌َلِّر وأصحابه إلى المدينة حديث (٣٨٩٨)، (١٧/٩) كتاب النكاح: باب من هاجر أو عمل خيراً لتزوج امرأة فله ما نوى حديث (٥٠٧٠)، (١١/ ٥٨٠) كتاب الأيمان والنذور: باب النية في الأيمان حديث (٦٦٨٩)، (٣٤٢/١٢ - ٣٤٣) كتاب الحيل: باب من ترك الحيل حديث (٦٩٥٣) ومسلم (١٥١٥/٣) كتاب الإمارة: باب قوله ◌َله: إنما الأعمال بالنيات حديث (١٩٠٧/١٥٥) وأبو داود (٦٥١/٢) كتاب الطلاق: باب فيما عنى به الطلاق والنيات حديث (٢٢٠١) والنسائي (٥٨/١ - ٥٩) كتاب الطهارة: باب النية في الوضوء، والترمذي (١٧٩/٤) كتاب فضائل الجهاد: باب ما جاء فيمن يقاتل رياء حديث (١٦٤٧) وابن ماجة (١٤١٣/٢) كتاب الزهد باب النية حديث (٤٢٢٧) وأحمد (٢٥/١، ٤٣) والحميدي (١٦/١ - ١٧) رقم (٢٨) وأبو داود الطيالسي (٢/ ٢٧ - منحة) رقم (١٩٩٧) وابن خزيمة (٧٣/١ - ٧٤) رقم (١٤٢) وابن حبان (٣٨٨، ٣٨٩ - الإحسان) وابن الجارود في ((المنتقى)) رقم (٦٤) وابن المبارك في الزهد ص (٦٢، ٦٣) وابن أبي عاصم في ((الزهد)) ص (١٠١) رقم (٢٠٦) وهناد بن السري في ((الزهد)) (٢/ ٤٤٠) رقم (٨٧١) ووكيع في ((الزهد)) رقم (٣٥١) وابن المنذر في («الأوسط)) (٣٦٩/١) وابن أبي حاتم في (مقدمة الجرح والتعديل)) ص (٢١٣) والدارقطني (٥٠/١ - ٥١) كتاب الطهارة: باب النية حديث (١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٩٦/٣) كتاب الطلاق: باب طلاق المكره، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٤٢/٨) وفي («تاريخ أصبهان)» (١١٥/٢، ٢٧) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠٣/١ - تهذيب) والقضاعي في ((مسند الشهاب (١، ٢، ١١٧٢، ١١٧٣) وابن حزم في ((المحلى)) (١/ ٧٣) والبيهقي (١/ ٤١) كتاب الطهارة: باب النية في الطهارة، وفي ((معرفة السنن والآثار)) (١٥٢/١)، و(«شعب الإيمان)) (٣٣٦/٥) رقم (٦٨٣٧) و((الاعتقاد)) رقم (٢٥٤) وفي ((الزهد الكبير ص (١٣٢) رقم (٢٤١) وفي ((الآداب)) رقم (١١٣٨) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٤٤/٤، ١٥٣/٦، ٣٤٥/٩ - ٣٤٦) والقاضي عياض في الالماع ص (٥٤ - ٥٥) باب ما يلزم من إخلاص النية في طلب الحديث وانتقاد ما يؤخذ عنه، وابن جميع في ((معجم شيوخه)) ص (١١٧) رقم (٦٦) والبغوي في ((شرح السنة)) (٥٤/١ - بتحقيقنا) والرافعي في ((تاريخ قزوين)) (٧٧/٤) والنووي في ((الأذكار)) ص (٣٣) والذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٧٧٤) والحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث المختصر)) (٢٤٢/٢، ٢٤٣) كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله وله ((إنما الأعمال بالنيات وإن لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح: أ. هـ. وقال أبو نعيم: هذا الحديث من صحاح الأحاديث وعيونها. أ. هـ. = ٥٨٥ كتاب الصلاة وقال ابن عساكر: هذا حديث صحيح من حديث أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب وثابت من = حديث علقمة بن وقاص الليثي لم يروه عنه غير أبي عبد الله محمد بن إبراهيم التيمي واشتهر عنه برواية أبي سعد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني القاضي وهو ممن انفرد به كل واحد من هؤلاء عن صاحبه ورواه عن يحيى العدد الكثير والجم الغفير. أ. هـ. قال الحافظ في ((التلخيص)) (٥٥/١): وقال الحافظ أبو سعيد محمد بن علي الخشاب: رواه عن يحيى بن سعيد نحو من مائتين وخمسين إنساناً، وقال الحافظ أبو موسى: سمعت عبد الجليل بن أحمد في المذاكرة يقول: قال أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد الأنصاري كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد قلت - أي الحافظ - تتبعه من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقاً وقال البزار والخطابي وأبو علي بن السكن ومحمد بن عتاب وابن الجوزي وغيرهم: إنه لا يصح عن النبي 9َّ إلا عن عمر بن الخطاب ... أ. هـ. قلت: وقد روى هذا الحديث غير يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١٣٦/٣) من طريق الربيع بن زياد أبو عمرو الضبي عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب عن النبي وَّر قال: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). قال ابن عدي: وهذا الأصل فيه يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم وقد رواه عن يحيى أئمة الناس وأما عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم لم يروه عنه غير الربيع بن زياد وقد روى الربيع بن زياد عن غير محمد بن عمرو من أهل المدينة بأحاديث لا يتابع عليها أ. هـ. وفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة وهزال بن يزيد الأسلمي. ١ - حديث أبي سعيد الخدري : أخرجه الخليلي في ((الإرشاد)) (٢٣٣/١) والدارقطني في ((غرائب مالك)) والحاكم في ((تاريخ نيسابور)) كما في ((تخريج أحاديث المختصر)) لابن حجر (٢٤٧/٢ - ٢٤٨) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٢/٦) والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٧٧٣) كلهم من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَالر: إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. قال الخليلي: وعبد المجيد قد أخطأ في هذا الحديث الذي يرويه عن مالك في الحديث الذي يرويه مالك والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه أ. هـ. وقال الدارقطني: تفرد به عبد المجيد عن مالك أ. هـ. وقال أبو نعيم: غريب من حديث مالك عن زيد تفرد به عبد المجيد ومشهوره وصحيحه ما في الموطأ مالك عن يحيى بن سعيد أ. هـ. وقد حكم ببطلان هذا الطريق أبو حاتم الرازي فقال ولده في ((العلل)) (١٣١/١) رقم (٣٦٢): = ٥٨٦ كتاب الصلاة سئل أبي عن حديث رواه نوح بن حبيب عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن مالك بن أنس = عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي وتطر: ((إنما الأعمال بالنيات)) قال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له إنما هو مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر عن النبي وَل قر أ. هـ. وقد أخرجه الحافظ ابن حجر في ((تخريج المختصر)) (٢٤٧/٢) من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز عن مالك عن زيد ... به. وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال أيضاً: وعبد المجيد وثقه أحمد وابن معين والنسائي وتكلم فيه أبو حاتم والدارقطني وقيل إن هذا مما أخطأ فيه على مالك والمحفوظ عن مالك عن يحيى بن سعيد بالسند المعروف المتقدم أ. هـ. قلت: وقد حاول بعضهم إلصاق الخطأ بنوح بن حبيب الراوي عن عبد المجيد كالبزار مثلاً. فقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٠٢/١): وقال - يعني البزار - في مسند الخدري حديث روي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّلقر قال: ((الأعمال بالنية)) أخطاء فيه نوح بن حبيب ولم يتابع عليه وليس له أصل عن أبي سعيد أ. هـ. قلت: وفي كلام البزار نظر أما إن الحديث ليس له أصل عن أبي سعيد فهذا صواب أما إلصاق الخطأ بنوح بن حبيب ودعواه أنه تفرد به ولم يتابع عليه فهنا الخطأ. فقد توبع نوح بن حبيب على هذا الحديث تابعه اثنان وهما إبراهيم بن محمد بن مروان بن هشام عند الدارقطني في ((غرائب مالك)) وعلي بن الحسن الذهلي عند الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) ينظر ((تخريج المختصر)) لابن حجر (٢٤٧/٢ - ٢٤٨). ومنه نعلم أن نوحاً لم يتفرد به بل تابعه اثنان وأن الذي تفرد به هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وهو الذي أخطأ في الحديث. ٢ - حديث أنس بن مالك: أخرجه ابن عساكر في أماليه كما في ((تخريج المختصر)) لابن حجر (٢٤٦/٢). وقال الحافظ: وفي سنده ضعف. وقال الحافظ العراقي في ((طرح التشريب)) (٤/٢): رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب جداً والمحفوظ حديث عمر. ٣ - حديث أبي هريرة: قال العراقي في ((طرح التشريب)) (٤/٢): رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه وهو وهم أيضاً. وقال ابن حجر في ((تخريج أحاديث المختصر)) (٢٤٦/٢): أخرجه الرشيد العطار في فوائده بسند ضعيف. ٤ - حديث علي بن أبي طالب: قال الحافظ العراقي في ((طرح التشريب)) (٤/٢): رواه محمد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل البيت اسنادها ضعيف. وقال الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث المختصر)) (٢٤٦/٢): أخرجه أبو علي بن الأشعث وهو واهٍ جداً . = ٥٨٧ كتاب الصلاة أحدها: في تفسير النية . والثاني: في كيفية النية . والثالث: في وقت النية. أما الأول: فالنية هى الإرادة، فنية الصلاة هي إرادة الصلاة الله - تعالى - على الخلوص والإرادة عمل القلب. وأما كيفية النية: فالمصلي لا يخلو إما أن يكون منفرداً، وإما أن يكون إماماً وإما أن يكون مقتدياً، فإن كان منفرداً، إن كان يصلي التطوّع تكفيه نية الصلاة [الله تعالى](١)؛ لأنه ليس لصلاة التطوّع صفة زائدة على أصل الصلاة ليحتاج إلى أن ينويها - فكان شرط النية فيها لتصير لله - تعالى - وأنها تصير لله - تعالى - بنية مطلق الصلاة، ولهذا يتأذى(٢) صوم النفل خارج رمضان بمطلق النية، وإن كان يصلي الفرض لا يكفيه نية مطلق الصلاة؛ لأن الفرضية صفة زائدة على أصل الصلاة، فلا بد وأن ينويها، فينوي فرض الوقت، أو ظهر الوقت، أو نحو ذلك. ولا تكفيه نية مطلق الفرض؛ لأن غيرها من الصلوات المفروضة مشروعة في الوقت، فلا بد من التعيين. وقال بعضهم: تكفيه نية الظهر والعصر؛ لأن ظهر الوقت هو المشروع الأصلي فيه وغيره عارض، فعند الإطلاق ينصرف إلى ما هو الأصل، كمطلق اسم الدرهم(٣)/ أنه ينصرف إلى ١٦٣ نقد البلد، والأول أحوط. وحكي عن الشافعي: أنه يحتاج مع نية ظهر الوقت إلى نية الفرض، وهذا بعيد؛ لأنه إذا نوى الظهر فقد نوى الفرض؛ إذ الظهر لا يكون إلا فرضاً، وكذا ينبغي أن ينوي صلاة الجمعة، ٥ - حديث هزال بن يزيد الأسلمي: = أخرجه الحاكم في (تاريخ نيسابور)) كما في ((تخريج أحاديث المختصر» (٢٤٨/٢) في ترجمة أبي بكر محمد بن أحمد بن بالويه، من طريق محمد بن يونس عن روح بن عبادة عن شعبة عن محمد بن المنكدر عن ابن هزال عن أبيه عن النبي وَطير ... فذكره ... قال الحاكم: ذكرته لأبي علي الحافظ فأنكره جداً وقال لي: قل لأبي بكر لا يحدث به بعد هذا أ. هـ. قال الحافظ: محمد بن يونس شيخه هو الكديمي وهو معروف بالضعف والمحفوظ بالسند المذكور قصة ماعز فلعله دخل عليه حديث في حديث وهزال هو ابن يزيد الأسلمي وهو صحابي معروف واسم ابنه نعيم وهو مختلف في صحبته أ. هـ. قلت: مما سبق تبين أن حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) لم يصح إلا من حديث عمر. (١) سقط في ط. (٢) في أ: تأدى. (٣) في أ: دراهم. ٥٨٨ كتاب الصلاة وصلاة العيدين، وصلاة الجنازة، وصلاة الوتر؛ لأن التعيين يحصل بهذا. وإن كان إماماً فكذلك الجواب؛ لأنه منفرد فينوي ما ينوي المنفرد، وهل يحتاج إلى نية الإمامة؟ أما نية إمامة الرجال: فلا يحتاج إليها، ويصحّ اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم، وأما نية إمامة(١) النساء: فشرط لصحة اقتدائهن به عند أصحابنا الثلاثة. وعند زفر: وليس بشرط. حتى لو لم ينو لم يصح اقتداؤهن به عندنا خلافاً لزفر [وهو] (٢) قاس إمامة النساء بإمامة الرجال، وهناك النية ليست بشرط؛ كذا هذا وهذا القياس غير سديد؛ لأن المعنى يوجب الفرق بينهما، وهو أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل فربما تحاذيه؛ فتفسد صلاته، فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نية اقتدائها به، حتى لا يلزمه الضرر من غير الزامه ورضاه، وهذا المعنى منعدم في جانب الرجال، ولأنه مأمور بأداء الصلاة؛ فلا بد من أن (٣) يكون متمكناً من صيانتها عن النواقض. ولو صح اقتداؤها من غير نية لم يتمكن من الصيانة؛ لأن المرأة تأتي فتقتدي به، ثم تحاذیه فتفسد صلاته . وأما في الجمعة والعيدين: فأكثر مشايخنا قالوا: إن نية إمامتهن شرط فيهما. ومنهم من قال: ليست بشرط؛ لأنها لو شرطت للحقها الضرر؛ لأنها لا تقدر على أداء الجمعة والعيدين وحدها، ولا تجد إماماً آخر تقتدي به، والظاهر: أنها لا تتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هاتين الصلاتين؛ لازدحام الناس؛ فصحّ اقتداؤها لدفع الضرر عنها؛ بخلاف سائر الصلوات. وإن كان مقتدياً(٤)؛ فإنه يحتاج إلى ما يحتاج إليه المنفرد، ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام؛ لأنه ربما يلحقه الضرر بالاقتداء، فتفسد صلاته بفساد صلاة الإمام، فشرط نية الاقتداء؛ حتى يكون لزوم الضرر مضافاً إلى التزامه. ثم تفسير(٥) نية الاقتداء بالإمام هو: أن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته. ولو نوى الاقتداء بالإمام، ولم يعين صلاة الإمام، ولا نوى فرض الوقت - هل يجزيه عن الفرض؟ اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: لا يجزيه(٦)؛ لأن اقتداءه به يصح في الفرض والنفل جميعاً فلا بد من التعيين، مع أن النفل أدناهما، فعند الإطلاق ينصرف إلى الأدنى ما لم يعيّن الأعلى. (١) في هامش ب: شرط إمامة النساء لصحة إقتدائهن. (٢) سقط في ط. (٣) في أ: وأن (٤) في هامش ب: بيان فيه المقتدي للصلاة. (٥) ف هامش ب: تفسير نية الاقتداء. (٦) في ب: لا يصح. ٥٨٩ كتاب الصلاة وقال بعضهم: يجزيه؛ لأن الاقتداء عبارة عن المتابعة والشركة، فيقتضي المساواة، ولا مساواة إلا إذا كانت صلاته مثل صلاة الإمام، فعند الإطلاق ينصرف إلى الفرض، إلاّ إذا نوى الاقتداء به في النفل، ولو نوى صلاة الإمام ولم ينو الاقتداء به - لم يصح الاقتداء به؛ لأنه نوى أن يصلي مثل صلاة الإمام، وذلك قد يكون بطريق الانفراد، وقد يكون بطريق التبعية للإمام؛ فلا تتعيّن جهة التبعية بدون النية. من مشايخنا من قال: إذا انتظر تكبير الإمام ثم كبّر بعده ـ كفاه عن نية الاقتداء؛ لأن انتظاره تكبيرة الإمام قصد منه الاقتداء به، وهو تفسير النية؛ وهذا غير سديد؛ لأن الانتظار متردّد، قد يكون لقصد الاقتداء، وقد يكون بحكم العادة، فلا يصير مقتدياً بالشك والاحتمال. ولو اقتدى(١) بإمام ينوي صلاته، ولم يدر أنها الظهر أو الجمعة - أجزأه أيهما كان؛ لأنه بنى صلاته على صلاة الإمام، وذلك معلوم عند الإمام، والعلم [في حق](٢) الأصل يغني عن العلم في حق التبع. والأصل فيه ما روي: أن علياً، وأبا موسى الأشعري - رضي الله عنهما - قدما من اليمن على رسول الله وَالر بمكة، فقال ◌َلير: ((بم أهللتما؟)) فقالا: بإهلال كإهلال رسول الله ◌َ﴾(٣) وجوز ذلك لهما، وإن لم يكن معلوماً وقت الإهلال. فإن لم ينو صلاة الإمام، ولكنه نوى الظهر والاقتداء فإذا هي جمعة - فصلاته فاسدة؛ لأنه نوى غير صلاة الإمام، وتغاير الفرضين يمنع صحة الاقتداء على ما نذكر. ولو نوى صلاة الإمام والجمعة فإذا هي الظهر - جازت صلاته؛ لأنه لما نوى صلاة الإمام فقد تحقق البناء، فلا يعتبر ما زاد عليه بعد ذلك، كمن نوى الاقتداء بهذا الإمام وعنده أنه زيد، فإذا هو عمرو - كان اقتداؤه صحيحاً؛ بخلاف ما إذا نوى الاقتداء بزيد والإمام عمرو. ثم المقتدي(٤) إذا وجد الإمام في حال القيام يكبّر للافتتاح قائماً، ثم يتابعه في القيام / ٦٣ب ويأتي بالثناء، وإن وجده في الركوع يكبّر للافتتاح قائماً ثم يكبّر أخرى مع الانحطاط للركوع، ويتابعه في الركوع، ويأتي بتسبيحات لاركوع. وإن وجده في القومة التي بين الركوع والسجود، أو في القعدة التي بين السجدتين - يتابعه في ذلك ويسكت. ولا خلاف في أن المسبوق(٥) يتابع الإمام في مقدار التشهّد إلى قوله: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وهل يتابعه في الزيادة عليه؟ (١) في هامش ب: اقتدى بإمام ينوي صلاته ولم يدر أنها الظهر أو العصر. (٢) في ب: عند. (٣) سيأتي تخريجه. (٤) في هامش ب: المقتدي إذا وجد الإمام في حال القيام. (٥) في هامش ب: متابعة المسبوق للإمام في التشهد. ٥٩٠ كتاب الصلاة ذكر القدوري أنه لا يتابعه [عليه](١) لأن الدعاء مؤخّر إلى القعدة الأخيرة، وهذه قعدة أولى في حقه. وروى إبراهيم بن رستم عن محمد أنه قال: يدعو بالدعوات التي في القرآن. وروى هشام عن محمد: أنه يدعو بالدعوات التي في القرآن، ويصلي على النبي وَال وقال بعضهم: يسكت. وعن هشام: من ذات نفسه. ومحمد بن شجاع البلخي: أنه يكرر التشهّد - إلى أن يسلّم الإمام؛ لأن هذه قعدة أولى في حقه، والزيادة على التشهّد في القعدة الأولى غير مسنونة؛ ولا معنى للسكوت في الصلاة إلا الاستماع؛ فينبغي أن يكرر التشهد مرة بعد أخرى. وأما بيان(٢) وقت النية: فقد ذكر الطحاوي: أنه يكبّر تكبيرة الافتتاح مخالطاً لنيته إياها، أي: مقارناً. أشار إلى أن وقت النية وقت التكبير، [هو] عندنا محمول على الندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب، فإن تقديم النية على التحريمة جائز عندنا إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر، والقرآن(٣) ليس بشرط. وعند الشافعي: القران شرط . وجه قوله: إن الحاجة إلى النية لتحقيق معنى الإخلاص وذلك عند الشروع لا قبله - فكانت النية قبل التكبير هدراً. وهذا هو القياس في باب الصوم، إلاّ أنه (٤) سقط القران هناك لمكان الحرج؛ لأن وقت الشروع في الصوم وقت غفلة ونوم، ولا حرج في باب الصلاة فوجب اعتباره. ولنا: قول النبي ◌َّهَ: ((الأَعْمَالُ بِالنَّّاتِ)) مطلقاً عن شرط القران، وقوله: ((لكل امرىء ما نوى)) مطلقاً أيضاً. وعنده: لو تقدمت النية لا يكون له ما نوى؛ وهذا خلاف النص، ولأن شرط القران لا يخلو عن الحرج، فلا يشترط كما في [باب](٥) الصوم، فإذا قدم النية، ولم يشتغل بعمل يقطع نيته - يجزئه؛ كذا روي عن أبي يوسف، ومحمد. فإن محمداً ذكر في: ((كتاب المناسك)): أن من خرج من بيته يريد الحج، فأحرم ولم تحضره نية الحج عند الإحرام - يجزئه . وذكر في: ((كتاب التحري)): أن من أخرج زكاة ماله يريد أن يتصدق به على الفقراء، فدفع ولم تحضره نية عند الدفع - أجزأه. (١) سقط في أ. (٢) في هامش ب: بيان وقت النية للصلاة. (٣) في هامش ب: قران النية بالتكبير ليس بشرط. (٤) في ط : به. (٥) سقط في ب. ٥٩١ كتاب الصلاة وذكر محمد بن شجاع الثلجي في ((نوادره)» عن محمد: في رجل توضّأ يريد الصلاة، فلم يشتغل بعمل آخر، وشرع في الصلاة - جازت صلاته، وإن [عزبت](١) النية وقت الشروع. وروي عن أبي يوسف: فيمن خرج من منزله يريد الفرض في الجماعة(٢)، فلما انتهى إلى الإمام كبّر ولم تحضره النية في تلك الساعة - أنه يجوز. قال الكرخي: ولا أعلم أحداً من أصحابنا (٣) خالف أبا يوسف في ذلك؛ وذلك (٤) لأنه لما عزم على تحقيق ما نوى فهو على عزمه ونيته إلى أن يوجد القاطع، ولم يوجد؛ وبه تبيّن أن معنى الإخلاص يحصل بنية متقدمة؛ لأنها موجودة وقت الشروع تقديراً على ما مرّ. وعن محمد بن سلمة: أنه إذا كان بحال لو سئل عند [الشروع](٥) أي صلاة تصلي؟ يمكنه الجواب على البديهة من غير تأمّل يجزئه وإلا فلا. وإن نوى بعد التكبير لا يجوز، إلا ما روى الكرخي: أنه إذا نوى وقت الثناء يجوز؛ لأن الثناء من توابع التكبير، وهذا فاسد؛ لأن سقوط القران لمكان الحرج، والحرج يندفع بتقديم النية؛ فلا ضرورة إلى التأخير ولو نوى بعد قوله: الله؛ قبل قوله: أكبر - لا يجوز؛ لأن الشروع يصح بقوله: الله [لما يذكر](٦) فكأنه نوى بعد التكبير. وأما نية (٧) الكعبة: فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنها شرط؛ لأن التوجه إلى الكعبة هو الواجب في الأصل، وقد عجز عنه بالبعد فينويها بقلبه؛ والصحيح: أنه ليس بشرط؛ لأن قبلته حالة البعد جهة الكعبة وهي المحاريب، لا عين الكعبة؛ لما بينا فيما تقدّم ــ فلا حاجة إلى النية . وقال بعضهم: إن أتى به فحسن، وإن تركه لا يضره. وإن نوى نوى مقام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أو المسجد الحرام، ولم ينو الكعبة - لا يجوز؛ لأنه ليس من الكعبة. وعن الفقيه الجليل أبي أحمد العياضي: أنه سئل عمن نوى مقام إبراهيم - عليه السلام - فقال: إن كان هذا الرجل لم يأتِ مكة أجزأه؛ لأن عنده: أن البيت والمقام واحد، وإن كان قد (١) في ط: عريته. (٢) في أ: الجماعات. (٣) في ب: علمائنا. (٤) في ب: وهذا. (٥) سقط في ب. (٦) سقط في أ، ب. (٧) في هامش ب: هل نية الكعبة شرط في الصلاة. ٥٩٢ كتاب الصلاة ٦٤أ أتى مكة لا يجوز؛ لأنه عرف أن المقام غير البيت. ومنها/ التحريمة، وهي تكبيرة الافتتاح؛ وأنها شرط (١) صحة الشروع في الصلاة عند عامة العلماء. وقال ابن عُلية(٢) وأبو بكر الأصم: إنها ليست بشرط، ويصح الشروع في الصلاة بمجرد النية من غير تكبير، فزعما أن الصلاة أفعال وليست بأذكار، حتى أنكر افتراض القراءة في الصلاة على ما ذكرنا فيما تقدّم. ولنا: قولُ النّبِّ وَّ: ((لاَ يَقْبَلُ اللهِ صَلاةَ أمْرِىءٍ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مَوَاضِعَهُ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولَ: الله أَكْبَرُ))(٣) في قَبُولَ الصلاةِ بدون الكبير؛ فدل على كونه شرطاً، لكن إنما يؤخذ هذا الشرط على القادر دون العاجز؛ فلذلك جازت صلاة الأخرس، ولأن الأفعال أكثر من الأذكار، فالقادر على الأفعال يكون قادراً على الأكثر، وللأكثر حكم الكل، فكأنه قدر على الأذكار تقديراً. ثم لا بد من بيان(٤) صفة الذكر الذي يصير به شارعاً في الصلاة، وقد اختلف فيه: فقال أبو حنيفة، ومحمد: يصح الشروع في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص لله - تعالى - يراد به تعظيمه لا غير. مثل أن يقول: الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، الله أجل، الله أعظم، أو يقول: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله. وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة، نحو أن يقول: الرحمن أعظم، الرحيم أجل، سواء كان يحسن التكبير أو لا يحسن، وهو قول إبراهيم النخعي . وقال أبو يوسف: لا يَضْيِرُ شارعاً إلا بألفاظ مشتقّة من التكبير، وهي ثلاثة: الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، إلا إذا كان لا يحسن التكبير، أو لا يعلم أن الشروع بالتكبير. وقال الشافعي: لا يصير شارعاً إلا بلفظين: الله أكبر، الله الأكبر. (١) في هامش ب: تكبيرة الافتتاح شرط صحة الشروع. (٢) اسماعيل بن مِقسَم الأسدي القرش مولاهم أبو بشر البصري ابن عُلَيَّة، وهي أمه مولاة لبني أسد بن خزيمة، الحافظ أحد الأئمة الأعلام. قال شعبة: ابن علية ريحانة الفقهاء وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت، وقال ابن معين: كان ثقة مأموناً ورعاً تقياً. قال عمرو بن زرارة: صحبت ابن علية أربع عشرة سنة فما رأيته ضحك. ولد سنة عشر ومائة ومات سنة ثلاث وتسعين. ينظر الخلاصة (٨٣/١)، تهذيب التهذيب (٢٧٩/١)، تقريب التهذيب (٦٦/١). (٣) تقدم. (٤) في هامش ب: بيان صفة الذكر الذي يصير شارعاً في الصلاة. ٥٩٣ كتاب الصلاة وقال مالك: لا يصير شارعاً إلا بلفظ واحد وهو: الله أكبر. واحتج بما روينا من الحديث، وهو قوله وَله: ((لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه)» . ويستقبل القبلة ويقول: الله أكبر، نفى القبول بدون هذه اللفظة، فيجب مراعاة عين ما ورد به النص دون التعليل؛ إذ التعليل للتعدية لا لإبطال حكم النص كما في الأذان، ولهذا لا يقام السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة، وبهذا يحتج الشافعي، إلا أنه يقول في الأكبر: أتى بالمشروع وزيادة شيء، فلم تكن الزيادة مانعة، كما إذا قال: الله أكبر كبيراً. فأما العدول عما ورد الشرع به فغير جائز. وأبو يوسف يحتج بقول النّبِيِّ وَّهِ: ((وَتَخْرِيمُها التَّكْبِيرُ))(١) والتكبير حاصل بهذه الألفاظ الثلاثة؛ فإن أكبر هو الكبير. قال الله - تعالى -: ﴿وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧] أي: هين عليه عند بعضهم؛ إذ ليس شيء أهون على الله من شيء، بل الأشياء كلها بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشيءٍ(٢) واحد، والتكبير مشتقّ من الكبرياء، والكبرياء تنبىء عن العظمة والقدم، يقال: هذا أكبر القوم، أي: أعظمهم منزلة وأشرفهم قدراً. ويقال: هو أكبر من فلان، أي: أقدم منه، فلا يمكن إقامة غيره من الألفاظ مقامه؛ لانعدام المساواة في المعنى، إلا أنا حكمنا بالجواز، إذا لم يحسن أو لا يعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير للضرورة. وأبو حنيفة، ومحمد احتجا بقوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلّى﴾ [الأعلى: ١٥] والمراد منه: ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة؛ لأنَّه عَقَّبَ(٣) الصلاة الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح. فقد شرع الدخول في الصلاة بمطلق الذكر، فلا يجوز التقييد باللفظ المشتقّ من الكبرياء بأخبار الآحاد. وبه تبيّن أن الحكم تعلّق بتلك الألفاظ؛ من حيث هي مطلق الذكر، لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص، وأن الحديث معلول به؛ لأنّا إذا علّلناه بما ذكر بقي معمولاً به؛ من حيث (١) تقدم. (٢) في أ: بمحل. (٣) في ب: عقيب. بدائع الصنائع ج١ - ٣٨٢ ٥٩٤ كتاب الصلاة اشتراط مطلق الذكر، ولو لم نعلّل احتجنا إلى رده أصلاً؛ لمخالفته الكتاب، فإِذا ترك التعليل هو المؤدي إلى إيطال حكم النص دون التعليل. على أن التكبير يذكر ويراد به التعظيم؛ قال تعالى: ﴿وكْبره تكبيراً﴾ [الإسراء: ١١١] أي: عظمه تعظمياً. [وقال تعالى: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ [يوسف: ٣١] أي: عظمنه. وقال تعالى: ﴿وربك فكبّر﴾ [المدثر: ٣] أي: فعظم] (١) فكان الحديث وارد بالتعظيم؛ وبأي اسم ذكر فقد عظم الله - تعالى - وكذا من سبّح الله - تعالى - فقد عظمه ونزهه عما لا يليق به من صفات النقص، وسمات الحدث، فصار واصفاً له بالعظمة والقدم، وكذا إذا هلّل؛ لأنه إذا وصفه بالتفرّد والألوهية(٢) وصفه بالعظمة والقدم؛ لاستحالة ثبوت الإلهية دونهما، وإنما لم يقم السجود على الخد مقام السجود على الجبهة؛ للتفاوت في التعظيم كما في الشاهد؛ بخلاف الأذان؛ لأن المقصود منه هو الإعلام؛ وأنه لا يحصل إلا بهذه الكلمات المشهورة المتعارفة فيما بين الناس، حتى لو حصل الإعلام بغير هذه الألفاظ يجوز؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة، وكذا روى أبو يوسف في ((الأمالي))، والحاكم في ((المنتقى))، والدليل على أن قوله: ٦٤ ب الله أكبر، أو الرحمن/ أكبر سواء - قوله تعالى: ﴿قل أدعو الله أو أدعو الرحمن أيًّا مّا تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠] ولهذا يجوز الذبح باسم الرحمن أو باسم الرحيم؛ فكذا هذا. والذي يحقّق مذهبهما: ما روي عن [أبي] عبد الرحمن السلمي: أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله، ولنا بهم أسوة، هذا إذا ذكر(٣) الاسم والصفة، فأما إذا ذكر الاسم لا غير، بأن قال: الله - لا يصير شارعاً عند محمد. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يصير شارعاً، وكذا روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. لمحمد: أن النص ورد بالاسم والصفة، فلا يجوز الاكتفاء بمجرد الاسم، ولأبي حنيفة: أن النص معلول بمعنى التعظيم، وأنه يحصل بالاسم المجرد. والدليل عليه: أنه يصير شارعاً بقوله: لا إله إلا الله، والشروع إنما يحصل بقوله: الله؛ لا بالنفي. ولو قال: اللهم اغفر لي لا يصير شارعاً بالإجماع؛ لأنه لم يخلص تعظيماً لله - تعالى - بل هو للمسألة والدعاء دون خالص الثناء والتعظيم. ولو قال: ((اللهم)) اختلف المشايخ فيه؛ لاختلاف أهل اللغة في معناه: قال بعضهم: يصير شارعاً؛ لأن ((الميم)) في قوله: اللهم بدلٌ عن النداء، كأنه قال: يا الله. وقال بعضهم: لا (١) سقط في ب. (٢) في ب: بالألوهية. (٣) في هامش ب: إذا ذكر الاسم دون الصفة هل يصير شارعاً. ٥٩٥ كتاب الصلاة يصير شارعاً؛ لأن ((الميم)) في قوله: اللهم: بمعنى السؤال معناه: اللهم آمنا بخير، أردنا به، فيكون دعاء لا ثناء خالصاً، كقوله: اللهم اغفر لي. ولو افتتح(١) الصلاة بالفارسية بأن قال: خداي بزر كنر، أو خداي بزرك - يصير شارعاً عند أبي حنيفة. وعندهما: لا يصير شارعاً إلا إذا كان لا يحسن العربية. ولو ذبح وسمى بالفارسية يجوز بالإجماع. فأبو يوسف مر على أصله في مراعاة المنصوص عليه، والمنصوص عليه لفظة التكبير بقوله وق ير ((وتحريمها التكبير)) وهي لا تحصل بالفارسية. وفي باب الذبح: المنصوص عليه هو مطلق الذكر بقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ وذا يحصل بالفارسية، ومحمد فرق فجوز النقل إلى(٢) لفظ آخر من العربية، ولم يجوز النقل إلى الفارسية، فقال: العربية لبلاغتها ووجازتها تدل على معان لا تدل عليها الفارسية، فتحتمل الخلل في المعنى عند النقل منها إلى الفارسية؛ وكذا للعربية من الفضيلة ما ليس لسائر الألسنة؛ ولهذا كان الدعاء بالعربية أقرب إلى (٣) الإجابة؛ ولذلك خص الله - تعالى - أهل كرامته في الجنة بالتكلّم بهذه اللغة، فلا يقع غيرها من الألسنة موقع كلام العرب، إلا أنه إذا لم يحسن جاز لمكان العذر. وأبو حنيفة اعتمد كتاب الله - تعالى - في اعتبار مطلق الذكر، واعتبر معنى التعظيم، وكل ذلك حاصل بالفارسية. ثم شرط صحة التكبير: أن يوجد في حالة القيام في حق القادر على القيام، سواء كان إماماً أو منفرداً أو مقتدياً، حتى لو كبّر قاعداً ثم قام لا يصير شارعاً. ولو وجد الإمام في الركوع أو السجود أو القعود - ينبغي أن يكبّر قائماً، ثم يتبعه في الركن الذي هو فيه. ولو كبّر للافتتاح في الركن الذي هو فيه لا يصير شارعاً؛ لعدم التكبير قائماً مع القدرة عليه. ومنها: تقديم (٤) قضاء الفائتة التي يتذكرها، إذا كانت الفوائت قليلة وفي الوقت سعة - هو شرط(٥) جواز أداء الوقتية؛ فهذا عندنا. وعند الشافعي: ليس بشرط. ولقب المسألة أن الترتيب بين القضاء والأداء شرط جواز الأداء عندنا، وإنما يسقط بمسقط. وعنده: ليس بشرط أصلاً، ويجوز أداء الوقتية قبل قضاء الفائتة، فيقع الكلام فيه في الأصل في موضعين: أحدهما: في اشتراط هذا النوع من الترتيب. (١) في هامش ب: لو افتتح الصلاة بالفارسية. (٢) في أ: من. (٣) في أ: من. (٤) في ط: تقدم. (٥) في هامش ب: شرط جواز الوقتية تقديم الفائتة. ٥٩٦ كتاب الصلاة والثاني: في بيان ما يسقطه. أما الأول: فجملة الكلام فيه: أن الترتيب في الصلاة على أربعة أقسام: أحدها: الترتيب في أداء هذه الصلوات الخمس. والثاني: الترتيب في قضاء الفائتة وأداء الوقتية. والثالث: الترتيب في الفوائت. والرابع: الترتيب في أفعال الصلاة. أما الأول: فلا خلاف في أن الترتيب في أداء الصلوات المكتوبات في أوقاتها - شرط جواز أدائها؛ حتى لا يجوز أداء الظهر في وقت الفجر، ولا أداء العصر في وقت الظهر؛ لأن كل واحدة من هذه الصلوات لا تجب قبل دخول وقتها، وأداء الواجب قبل وجوبه محال، واختلف فيما سوى ذلك. أما الترتيب(١) بين قضاء الفائتة وأداء الوقتية: فقد قال أصحابنا: إنه شرط. وقال الشافعي: ليس بشرط. وجه قوله: إن هذا الوقت صار للوقتية بالكتاب والسنّة المتواترة وإجماع الأمة، فيجب أداؤها في وقتها، كما في حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان. ولنا: قولُ النّبِّ وَِّ: ((مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيهَا، فَلْيُصَلُّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا))(٢) . ١٦٥ (١) في هامش ب: بيان الترتيب بين قضاء الفائتة وأداء الوقتية. (٢) أخرجه أحمد (٢٦٩/٣)، والبخاري (٢/ ٧٠): كتاب مواقيت الصلاة: باب من نسي صلاة، الحديث (٥٩٧)، ومسلم (٤٧٧/١): كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة، الحديث (٦٨٤/٣١٤)، والترمذي (٣٣٥/١ - ٣٣٦): كتاب الصلاة: باب ما جاء في الرجل ينسى، الحديث (١٧٨)، وابن ماجة (٢٢٧/١): كتاب الصلاة: باب من نام عن الصلاة أو نسيها، حديث (٦٩٦)، والنسائي (٢٩٣/١): كتاب المواقيت: باب فيمن نسي صلاة (٦١٣)، وأبو داود (١/ ١٧٤): كتاب الصلاة: باب من نام عن صلاة أو نسيها (٤٤٢)، وأبو عوانة (٣٨٥/١)، والدارمي (٢٨٠/١)، وابن خزيمة (٩٧/٢) رقم (٩٩٣)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤٦٥/١)، وفي ((المشكل)) (١٨٧/١)، والبيهقي (٢) ٢١٨)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٦/ ٢٧٠)، من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَلقوله: ((من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)). وأخرجه مسلم (١/ ٤٧٧): كتاب المساجد: باب قضاء الصلاة الفائتة (٣١٦)، وأحمد (٣٦٩/٣)، وأبو نعيم (٥٢/٩)، بلفظ: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكره فإن الله تعالى يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾. ٥٩٧ كتاب الصلاة وفي بعض الروايات: ((لاَ وَقْتَ لَهَا إِلَّ ذَلِكَ، فَقَدْ جَعَلَ وَقْتَ التَّذَكَّرِ وَقْت الفائتة، فكان أداء الوقتية قبل قضاء الفائتة أداء قبل وقتها - فلا يجوز -. وروي عن ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّ وَهُوَ مَعَ الإِمَام، فَلْيُصَلْ مَعَ الإِمَامِ وَلْيَجْعَلْهَا تَطَوُّعاً، ثُمَّ لِيَقْضِ مَا تَذَكَّرَ، ثُمَّ لْيُعِدْ مَا كَانَ صَلاَةٍ مَعَ الإمَامَ))(١) وهذا عين مذهبنا: أنه تفسد الفرضية للصلاة إذا تذكر الفائتة فيها ويلزمه الإعادة؛ بخلافَ حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان؛ لأنا إنما عرفنا كون هذا الوقت وقتاً للوقتية بنص الكتاب والسنّة المتواترة والإجماع، وعرفنا كونه وقتاً للفائتة بخبر الواحد؛ والعمل بخبر (١) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤٦٧/١): كتاب الصلاة: باب الرجل ينام عن الصلاة، والدار قطني (٤٢١/١): كتاب الصلاة: باب الرجل يذكر صلاة وهو في أُخرى، الحديث (٢)، والبيهقي (٢٢١/٢): كتاب الصلاة: باب من ذكر صلاة وهو في أخرى، من طريق أبي إبراهيم اسماعيل بن إبراهيم الترجماني، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله بن عمرو عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ێ به. قال البيهقي: تفرد أبو إبراهيم الترجماني برواية هذا الحديث مرفوعاً، والصحيح أنه من قول ابن عمر موقوفاً؛ وهكذا رواه غير أبي إبراهيم، عن سعيد، ثم أخرجه (٢٢١/٢): كتاب الصلاة: باب من ذكر صلاة وهو في أُخرى، من طريق يحيى بن أيوب، عن سعيد به، موقافاً على ابن عمر، ثم قال: (وكذلك رواه مالك بن أنس، وعبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً). وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٠٨/١)، رقم (٢٩٣): سألت أبا زرعة عن حديث رواه اسماعيل بن إبراهيم بن بسام الترجماني، عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ قال: من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي ثم لم يعد الصلاة التي صلى مع الإمام. قال أبو زرعة: هذا خطأ رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر موقوف، وهو الصحيح، وأخبرت أن يحيى بن معين انتخب على إسماعيل بن إبراهيم، فلما بلغ هذا الحديث جاوزه، فقيل له كيف لا تكتب هذا الحديث، فقال يحيى: فعل الله بي إن كتب هذا الحديث أ. هـ. وقال الزيلعي في نصب الراية (١٦٣/٢): ورواه النسائي في ((الكنى)) عن الترجماني مرفوعاً، ثم قال: رفعه غير محفوظ، وأخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت يحيى بن معين عن إبراهيم الترجماني، فقال: لا بأس به، انتهى. وكذلك قال أبو داود، وأحمد: ليس به بأس، ونقل ابن أبي حاتم في ((علله))، عن أبي زرعة، أنه قال: رفعه خطأ، والصحيح وقفه، وقال عبد الحق في ((أحكامه)): رفعه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وقد وثقه النسائي وابن معين، وذكر شيخنا الذهبي في ((ميزانه)) توثيقه عن جماعة، ثم قال: وابن حبان، قال فيه: روى عن الثقات أشياء موضوعة وذكر من مناكيره هذا الحديث، انتهى. وقال ابن عدي في ((الكامل)): لا أعلم رفعه عن عبيد الله غير سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، وقد وثقه ابن معين، وأرجو أن أحاديثه مستقيمة، لكنه يهمُ، فيرفع موقوفاً، ويصل مرسلاً، لا عن تعمد، انتهى. فقد اضطرب كلامهم، فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد، ومنهم من ينسبه للترجماني، الراوي عن سعيد، والله أعلم. ٥٩٨ كتاب الصلاة الواحد إنما يجب على وجه لا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به، والاشتغال بالفائتة عند ضيق الوقت إبطال العمل به؛ لأن تفويت للوقتية عن الوقت؛ وكذا عند كثرة الفوائت؛ لأن الفوائت إذا كثرت تستغرق الوقت؛ فتفوت الوقتية عن وقتها؛ ولأن الشرع إنما جعل الوقت وقتاً للفائتة؛ لتدارك ما فات، فلا يصير وقتاً لها على وجه يؤدي إلى تفويت صلاة أخرى، وهي الوقتية، ولأن جعل الشرع وقت التذكّر وقتا للفائتة على الإطلاق - ينصرف إلى وقت ليس بمشغول؛ لأن المشغول لا يشغل، كما انصرف إلى وقت لا تكره الصلاة فيه . وأما النسيان: فلأن خبر الواحد جعل وقت التذكّر وقتاً للفائتة، [ولا تذكر - ههنا - فلم يصر الوقت وقتاً للفائتة - فبقي وقتاً للوقتية] (١) فأما ههنا: فقد وجد التذكر، فكان الوقت للفائتة بخبر الواحد، وليس في هذا إبطال العمل بالدليل المقطوع به، بل هو جمع بين الدلائل؛ إذ لا يفوته شيء من الصلوات عن وقتها؛ وليس فيه أيضاً شغل ما هو مشغول(٢): وهذا لأنه لو أخّر الوقتية وقضى الفائتة تبيّن أن وقت الوقتية ما اتصل(٣) به الأداء، وأن ما قبل ذلك لم يكن وقتاً لها، بل كان وقتاً للفائتة بخبر الواحد، فلا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به، فأمّا عند ضيق(٤) الوقت، وإن لم يتصل به أداء الوقتية - لا يتبيّن أنه ما كان وقتاً له حتى تصير الصلاة فائتة، وتبقی دیناً عليه . وعلى هذا الخلاف: (٥) الترتيب في الفوائت؛ أنه كما يجب مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائتة عندنا - يجب مراعاته بين الفوائت، إذا كانت الفوائت في حد القلة عندنا - أيضاً - لأن قلة الفوائت لم تمنع وجوب الترتيب في الأداء، فكذا في القضاء. والأصل فيه: ما روي: أن النبي وَلّ لما شغل عن أربع صلوات يوم الخندق - قضاهن بعد هوى من الليل على الترتيب، ثم قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(٦). ويبني على هذا: إذا ترك (٧) الظهر والعصر من يومين مختلفين، ولا يدري أيتهما أول(٨)، فإنه يتحرّى؛ لأنه اشتبه عليه أمر لا سبيل إلى الوصول إليه بيقين، وهو الترتيب، فيصار إلى التحري، لأنه عند (١) سقط في ب. (٢) في أ: المشغول. (٣) في ط: فصل. (٤) في ب: تضيق. (٥) في هامش ب: بيان الترتيب في الفوائت. (٦) تقدم. (٧) في هامش ب: لو ترك الظهر والعصر من يومين مختلفين ولا يدري أيهما أوَّل. (٨) في ط: أولى. ٥٩٩ كتاب الصلاة انعدام الأدلة قام مقام الدليل الشرعي، كما إذا اشتبهت عليه القبلة، فإن مال قلبه إلى شيء عمل به؛ لأنه [جعل](١) كالثابت بالدليل، وإن لم يستقر قلبه على شيء وأراد الأخذ بالثقة - يصليهما، ثم يعيد ما صلّى أولاً - أيتهما كانت - إلاَّ أن البداءة بالظهر أولى؛ لأنها أسبق وجوباً في الأصل، فيصلّي الظهر ثم العصر ثم الظهر؛ لأن الظهر لو كانت هي التي فاتت أولاً فقد وقعت موقعها وجازت، وكانت الظهر التي أداها بعد العصر ثانية نافلة له. ولو كانت العصر هي المتروكة أولاً كانت الظهر التي أداها قبل العصر نافلة له، فإذا أدى العصر بعدها، فقد وقعت موقعها وجازت، ثم إذا أدى الظهر بعدها، وقعت موقعها وجازت، فيعمل (٢) كذلك ليخرج عما عليه بيقين، وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا نأمره إلاَّ بالتحري؛ كذا ذكره أبو الليث(٣)، ولم يذكر أنه [إن لم يستقر](٤) قلبه على شيء كيف يصنع عندهما؟ وذكر(٥) الشيخ الإمام الزاهد سيف الحق صدر الدين أبو المعين: (٦) أنه يصلّي كل صلاة مرة واحدة . وقيل: لا خلاف في هذه المسألة على التحقيق؛ لأنه ذكر الاستحباب على قول أبي حنيفة؛ وهما ما بَيَّنَّا الاستحباب وذكر عدم وجوب الإعادة على قولهما وأبو حنيفة ما أوجب الإعادة . وجه قولهما: أن الواجب في موضع الشك، والاشتباه هو التحري والعمل به لا الأخذ بالیقین . ألا ترى أن من شك في جهة القبلة يعمل بالتحري ولا يأخذ باليقين؛ بأن يصلي (٧) صلاة واحدة أربع مرات إلى أربع جهات، وكذا من شك في صلاة واحدة، فلم يدر أثلاثاً صلّى أم (١) سقط في ب. (٢) في أ: فيفعل. (٣) في ب: كذا ذُكِرَ في الكتب. (٤) في ط: إذا استقر. (٥) في ب: وروی. (٦) ميمون بن محمد بن محمد بن معتمد بن محمد بن محمد بن مكحول بن أبي الفضل، أبو المعين، النسفي، المكحول، الإمام، الزاهد. وصنف ((التمهيد لقواعد التوحيد))، و«تبصرة الأدلة)). ينظر ترجمته في: الجواهر المضية (٥٢٧/٣)، وتاج التراجم (٧٨)، الطبقات السنية (٢٥٧٧)، الفوائد البهية (٢١٦). (٧) في ب: مصلي. ٦٠٠ كتاب الصلاة أربعاً - يتحرّى ولا يبني على اليقين وهو الأقل؛ كذا هذا، ولأنه لو صلّى إحدى الصلاتين ٦٥ب مرتين/ فإنما يصلّي مراعاةً للترتيب، والترتيب في هذه الحالة ساقط؛ لأنه حين(١) بدأ بإحداهما لم يعلم يقيناً أن عليه صلاة أخرى قبل هذه، لتصير هذه مؤداة قبل وقتها فسقط عنه الترتيب. ولأبي حنيفة: أنه مهما أمكن الأخذ باليقين كان أولى، إلا إذا تضمن فساداً، كما في مسألة القبلة؛ فإن الأخذ بالثقة ثمة يؤدي إلى الفساد؛ حيث يقع ثلاث من الصلوات إلى غير القبلة بيقين، ولا تجوز الصلاة إلى غير القبلة بيقين من غير ضرورة - فيتعذر العمل باليقين دفعاً للفساد، وههنا لا فساد؛ لأن أكثر ما في الباب أنه يصلّي إحدى الصلاتين مرتين، فتكون إحداهما تطوّعاً. وكذا في المسألة الثانية: إنما لا يبني على الأقل لاحتمال الفساد؛ لجواز أنه قد صلّى أربعاً، فيصير بالقيام إلى الأخرى تاركاً للقعدة الأخيرة وهي فرض، فتفسد صلاته. ولو أمر بالقعدة أولاً ثم بالركعة لحصلت في الثالثة؛ وإنه غير مشروع، وهاهنا يصير آتياً بالواجب، وهو الترتيب من غير أن يتضمن فساداً - فكان الأخذ بالاحتياط أولى، وصار هذا كما إذا فاتته واحدة من الصلوات الخمس، ولا يدري أيتها هي؛ أنه يؤمر بإعادة صلاة يوم وليلة احتياطاً؛ وكذا هاهنا. أما قولهما حين بدأ بإحداهما: لا يعلم يقيناً أن عليه أخرى قبل هذه، فكان الترتيب عنه ساقطاً - فنقول: حين صلّى هذه يعلم يقيناً أن عليه أخرى؛ لكنه لا يعلم أنها سابقة على [هذه] (٢) أو متأخرة عنها، فإن كانت سابقة عليها لم تجز المؤداة؛ لعدم مراعاة الترتيب، وإن كانت المؤاداة سابقة جازت(٣)، فوقع الشك [في الجواز] (٤) فصارت المؤداة أول مرة دائرة بين الجواز والفساد، فلا يسقط عنه الواجب بيقين عند وقوع الشك في الجواز، فيؤمر بالإعادة. والله أعلم. ولو شك(٥) في [ثلاث صلوات] (٦) الظهر من يوم، والعصر من يوم، والمغرب من يوم: ذكر القدوري أن المتأخرين اختلفوا في هذا: منهم [من](٧) قال: إنه يسقط الترتيب؛ لأن (١) في أ: لما. (٢) سقط في ب. (٣) في ب: لجازق. (٤) سقط في أ. (٥) في هامش ب: لو شك في صلاة العصر والظهر من يوم والعصر من يوم والمغرب من يوم. (٦) في أ: صلاة. (٧) سقط في أ.