النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كتاب الصلاة
من الآيات التي فيها فرضية خمس صلوات. وقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة
الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] إشارة إلى ذلك؛ لأنه ذكر الصلوات بلفظ (١) الجمع، وعطف الصلاة
الوسطى [عليها](٢)، والمعطوف غير المعطوف عليه في الأصل فهذا يقتضي جمعاً يكون له
وسطى؛ والوسطى غير ذلك الجمع، [وأقل جمع يكون له وسطى، والوسطى غير ذلك
الجمع] - هو الخمس؛ لأن الأربع والست لا وسطى لهما. وكذا هو شفع؛ إذ الوسط ما له
حاشيتان متساويتان، ولا يوجد ذلك في الشفع والثلاث له وسطى، لكن الوسطى ليس غير
الجمع، إذ الاثنان ليسا بجمع صحيح، والسبعة وكل وتر بعدها له وسطى، لكنه ليس بأقل
الجمع؛ لأن الخمسة أقل من ذلك.
وأما السنة: فما روينا مِنَ الأحاديث، وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ: لَمَّا عَلَّمَ الأَغْرَابِيَّ
الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، فَقَالَ: ((هَلْ عَلَيَّ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟)) فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ -: ((لاَ، إِلاَّ
أَنْ تَطَوَّعَ))(٣) والأمة أجمعت على هذا من غير خلاف بينهم. ولهذا قال عامة الفقهاء: إن الوتر
سنة؛ لما أن كتاب الله والسنن المتواترة والمشهورة ما أوجبت [زيادة] (٤) على خمس صلوات،
فالقول بفرضية الزيادة(٥) عليها بأخبار الآحاد يكون قولاً بفرضية صلاة سادسة؛ وأنه خلاف
الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا يلزم هذا أبا حنيفة؛ لأنه لا يقول بفرضية الوتر، وإنما يقول
(١) في ب: بلفظة.
(٢) سقط في أ.
(٣) أخرجه مالك (١٧٥/١) كتاب قصر الصلاة في السفر: باب جامع الترغيب في الصلاة، الحديث (٩٤)،
وأحمد (١٦٢/١)، والبخاري (١٠٦/١): كتاب الإيمان: باب الزكاة من الإسلام، الحديث (٤٦)،
ومسلم (٤٠/١-٤١): كتاب الإيمان: باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، الحديث (٨/
١١)، وأبو داود (١/ ٢٧٢): كتاب الصلاة: باب فرض الصلاة، الحديث (٣٩١)، والنسائي (١/
٢٢٦ -٢٢٧): كتاب الصلاة: باب كم فرضت الصلاة في اليوم والليلة، وابن الجارود (ص - ٤٥) رقم
(١٤٤)، والشافعي في ((مسنده)) (٢٤)، وابن خزيمة (١٣٦/٢) رقم (١٠٦٦)، والبيهقي (٣٦١/١)، وأبو
عوانة (٣١٠/١ - ٣١١)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٣٥٦/١)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٩/
٢٤٦)، من حديث طلحة بن عبيد الله قال: ((جاء رجل إلى رسول الله وَّر من أهل نجد ثائر الرأس،
سمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله وَالقول: خمس
صلوات في اليوم والليلة، قال: هل على غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوّع، قال رسول اللّه ◌َلّ: ((وصيام
شهر رمضان، قال هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوّع، قال: وذكر له رسول الله وَطهر الزكاة، فقال على
غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوّع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال
رسول الله ◌َ: ((أفلح إن صدق)).
(٤) سقط في ب.
(٥) في أ: بزيادة.

٤٦٢
كتاب الصلاة
بوجوبه، والفرق بين الواجب والفرض [كالفرق](١) بين السماء والأرض على ما عرف في
موضعه. والله تعالى أعلم.
فصل في بيان عدد الركعات
وأما عدد ركعات هذه الصلوات: فالمصلي لا يخلو إما أن يكون مقيماً، وإما أن يكون
مسافراً، فإن كان مقيماً فعدد ركعاتها سبعة عشر: ركعتان، وأربع وأربع، وثلاث، وأربع،
عرفنا ذلك بفعل النبي وَّر .
وقوله: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))(٢)؛ وهذا لأنه ليس في كتاب الله عدد ركعات هذه
الصلوات؛ فكانت نصوص الكتاب العزيز مجملة في حق المقدار، ثم زال الإجمال ببيان
النبي وَّ قولاً وفعلاً، كما في نصوص الزكاة والعشر والحج وغير ذلك.
وإن كان مسافراً فعدد ركعاتها في حقه إحدى عشرة(٣) عندنا ركعات وركعتان،
وركعتان، وثلاث، وركعتان.
وعند الشافعي: سبعة عشر، كما في حق المقيم.
فصل في صلاة المسافر
والكلام في صلاة المسافر يقع في ثلاث مواضع:
أحدها: في بيان المقدار المفروض من الصلاة في حق المسافر.
والثاني: في بيان ما يصير المقيم به مسافراً.
والثالث: في بيان ما يصير به المسافر مقيماً، ويبطل به السفر ويعود إلى حكم الإقامة.
.
(١) في ط: كما.
(٢) أخرجه أحمد (٥٣/٥)، والبخاري (١١٠/٢): كتاب الأذان: باب من قال ليؤذّن في السفر مؤذن واحد،
والحديث (٦٢٨)، ومسلم (٤٦٦/١): كتاب المساجد: باب من أحق بالإمامة، والحديث (٢٩٣/
٦٧٤)، وأبو داود (٣٩٥/١-٣٩٦): كتاب الصلاة: باب من أحق بالإمامة، الحديث (٥٨٩)، والترمذي
(٣٩٩/١): كتاب الصلاة: باب ما جاء في الأذان والسفر، الحديث (٢٠٥)، والنسائي (٩٨/٢): كتاب
الأذان: باب أذان المنفرد لأن في السفر، وابن ماجه (٣١٣/١): كتاب إقامة الصلاة: باب من أحق
بالإمامة، الحديث (٩٧٩)، والدارمي (٢٨٦/١)، والبيهقي (٣٨٥/١).
(٣) في أ: أحد عشر.

٤٦٣
كتاب الصلاة
أما الأول: فقد قال أصحابنا: إن فرض المسافر من ذوات الأربع ركعتان لا غير. وقال
الشافعي: أربع كفرض المقيم، إلاَّ أن للمسافر أن يقصر رخصة. من مشايخنا من لقب المسألة
بأن القصر عندنا عزيمة والإكمال رخصة. وهذا التلقيب على أصلنا خطأ؛ لأن الركعتين من
ذوات الأربع في حق المسافر ليستا قصراً حقيقة عندنا، بل هما تمام فرض المسافر، والإكمال
ليس رخصة في حقه، بل هو إساءة ومخالفة للسنة. هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال: من أتم
الصلاة في السفر فقد أساء وخالف السنة؛ وهذا لأن الرخصة اسم لما تغيّر عن الحكم الأصلي
لعارض إلى تخفيف ويسر؛ لما عرف في أصول الفقه، ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر
رأساً؛ إذ الصلاة في الأصل فرضت ركعتين في حق المقيم والمسافر جميعاً لما يذكر، ثم
زيدت ركعتان في حق المقيم، وأقرت الركعتان على حالهما في حق المسافر، كما كانتا في
الأصل؛ فانعدم معنى التغيير(١) أصلاً في حقه، وفي حق المقيم وجد التغيير؛ لكن إلى الغلظ
والشدة لا إلى السهولة واليسر، والرخصة تنبىء عن ذلك، فلم يكن ذلك رخصة في حقه
حقيقة. ولو سمي، فإنما سمي(٢) مجازاً؛ لوجود بعنس معاني الحقيقة وهو التغيير(٣).
احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من
الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] ولفظه: ((لا جناح)) تستعمل في المباحات والمرخصات دون الفرائض
والعزائم، وروي عن النبي ◌َّرِ أنه قَالَ: ((إِنَّ الله تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِشَطْرِ الصَّلاَةِ(٤)، أَلاَ
فَأَقْبَلُوا صَدَقَتَهُ))(٥)
(١) في ب: التغيّر.
(٢) في ب: يسمى.
(٣) في ب: التغيّر.
(٤) في أ: صلاتكم.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٣/٢): باب من كان يقصر الصلاة، وأحمد (٣٦/١)، والدارمي (٣٥٤/١):
كتاب الصلاة: باب قصر الصلاة في السفر، ومسلم (٤٧٨/١): كتاب صلاة المسافرين: باب صلاة
المسافرين، وقصرها، الحديث (٦٨٦/٤)، وأبو داود (٧/٢): كتاب الصلاة: باب صلاة المسافر،
الحديث (١١٩٩)، والترمذي (٣٠٩/٤): كتاب التفسير، الحديث (٥٠٢٥)، والنسائي (١١٦/٣): كتاب
تقصير الصلاة في السفر، الحديث (١)، وابن ماجه (٣٣٩/١): كتاب إقامة الصلاة: باب تقصير الصلاة
في السفر، الحديث (١٠٦٥)، وابن جرير (١٥٤/٥)، والبيهقي (١٣٤/٣) كتاب الصلاة: باب رخصة
القصر في كل سفر، وأبو جعفر النحاس، في ((الناسخ والمنسوخ)) (ص - ١٦١)، وابن الجارود (ص -
٤٦)، رقم (١٤٦)، وابن خزيمة (٧١/٢)، رقم (٩٤٥)، وأبو يعلى (١٦٣/١)، رقم (١٨١).
والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور» (٣٧١/٢)، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والطحاوي، وابن
المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

٤٦٤
كتاب الصلاة
والمتصدَّق(١) عليه يكون مختاراً في قبول الصدقة، كما في التصدق من العباد؛ ولأن القصر
ثبت نظراً للمسافر؛ تخفيفاً عليه في السفر الذي هو محل المشقات المتضاعفة، والتخفيف في
٤٥ ب التخيير، فإن/ شاء مال إلى القصر، وإن شاء مال إلى الإكمال، كما في الإفطار في شهر
رمضان .
ولنا: ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وصلاة الجمعة
ركعتان تام غير(٢) قصر على لسان نبيكم محمد زَّل وروي: تمام غير قصر(٣).
وروى الفقيه الجليل أبو أحمد العياضي السمرقندي، وأبو الحسن الكرخي عن ابن عباس
- رضي الله عنه - هكذا، وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: فرضت الصلاة [في
الأصل] ركعتين، إلا المغرب فإنها وتر النهار، ثم زيدت في الحضر، وأقرت في السفر على ما
كانت .
وروي عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنه قال: ما سافر رسول الله وَل إلا
وصلّى ركعتين [إلا المغرب](٤) ولو كان القصر رخصة، والإكمال هو العزيمة - لما ترك
العزيمة إلا أحياناً - إذ العزيمة أفضل؛ وكان رسول الله وَ ل و لا يختار من الأعمال إلا أفضلها،
وكان لا يترك الأفضل إلا مرة أو مرتين؛ تعليماً للرخصة في حق الأمة، فأما ترك الأفضل أبداً -
وفيه تضييع الفضيلة عن النبي ◌ِ ◌ّ في جميع عمره - فيما لا يحتمل؛ والدليل عَلَيْهِ: (أَنَّهُ وَه
قَصَرَ بِمَكَّةٍ، وَقَالَ لأَهْلِ مَكَّةَ: أَتِمُوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ؛ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ))(٥) فلو جاز الأربع لما اقتصر
على الركعتين؛ لوجهين :
أحدهما: أنه كان يغتنم زيادة العمل في الحرم؛ لما للعبادة(٦) فيه من تضاعف الأجر.
(١) في أ: فالمتصدق.
(٢) في أ، ب: من غيره.
(٣) أخرجه البيهقي (١٩٩/٣) كتاب الجمعة: باب صلاة الجملة ركعتان.
(٤) ذكره الهيثمي في المجمع (١٥٨/٢). وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٥) قال الزيلعي في نصب الراية (١٨٧/٢): وهو عند البيهقي في السنن (١٢٦/٣)، والطبراني في الكبير
(٢٠٩/١٨).
وقال الحافظ في الفتح (٦٥٦/٢) بعد عزوه للترمذي: وهذا ضعيف لأن الحديث من رواية علي بن
زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولو صح فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة الوداع، وكان لا بد
من بيان ذلك لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث مبني على تسليم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا
يقصر فيها، وهو من محال الخلاف.
(٦) في ب: للعبادات.

٤٦٥
كتاب الصلاة
والثاني: أنه وَير كان إماماً وخلفه المقيمون من أهل مكة؛ فكان ينبغي أن يتم أربعاً؛ كيلا
يحتاج أولئك القوم إلى التفرّد، ولينالوا فضيلة الائتمام به في جميع الصلاة؛ وحيث لم يفعل
دل ذلك على صحة ما قلنا.
وروي: أن عثمان - رضي الله عنه - أتم الصلاة بمنى فأنكر عليه أصحاب رسول الله وَليل
حتى قال لهم: إني تأهّلت بمكة، وقد سمعتُ رَسُولَ اللهِ وَّ يَقُولُ: ((مَنْ تَأَهَّلَ بِقَوْمٍ فَهُوَ
مِنْهُمْ))(١) فدل إنكار الصحابة - رضي الله عنهم - واعتذار عثمان - رضي الله عنه - أن الفرضَ ما
قلنا؛ إذ لو كان الأربع عزيمة لما أنكرت الصحابة عليه، ولما اعتذر هو؛ إذ لا يلام على
العزائم، ولا يعتذر عنها؛ فكان ذلك إجماعاً من الصحابة - رضي الله عنهم - على ما قلنا.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سئل عن الصلاة في السفر، فقال: ركعتان
ركعتان، من خالف السنة كفر(٢)، أي: خالف السنة اعتقاداً لا فعلاً. وروي عن ابن عباس -
رضي الله عنهما - أن رجلين سألاه - وكان أحدهما يتم الصلاة في السفر، والآخر يقصر عن
حالهما - فقال للذي قصر: أنت أكملت، وقال للآخر: أنت قصرت. ولا حجة له في الآية؛
لأن المذكور فيها أصل القصر لا صفته وكيفيته، والقصر قد يكون عن الركعات، وقد يكون
عن القيام إلى القعود، وقد يكون عن الركوع والسجود إلى الإيماء؛ لخوف العدو؛ لا بترك
شطر الصلاة، وذلك مباح مرخص عندنا، فلا يكون حجة مع الاحتمال، مع ما أن في الآية ما
يدل على أن المراد منه ليس هو القصر عن الركعات، وهو ترك شطر الصلاة؛ لأنه علق القصر
بشرط الخوف، وهو خوف فتنة الكفار بقوله: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ... ﴾ [النساء:
١٠١] والقصر عن الركعات لا يتعلق بشرط الخوف، بل يجوز من غير خوف.
والحديث دليلنا؛ لأنه أمر بالقبول، فلا يبقى له خيار الرد شرعاً؛ إذ الأمر للوجوب.
وقوله: المتصدق عليه يكون مختاراً في القبول.
(١) ذكره الزيلعي في النصب (٢٧١/٣) بلفظ: ((من تأهّل ببلدة ... )) فذكره وقال: رواه ابن أبي شيبة في
(«مسنده)) حدثنا المعلى بن منصور عن عكرمة بن إبراهيم الأزدي عن عبد الله بن عبد الرحمن بن
الحارث بن أبي ذئاب عن أبيه أن عثمان صلّى بمنى أربعاً، ثم قال: قال رسول الله وَلير: ((من تأهل في
بلدة فهو من أهلها يصلّي صلاة المقيم، وإني تأهّلت منذ قدمت مكة))، انتهى. ورواه أبو يعلى الموصلي
في ((مسنده)) كذلك، ولفظه: سمعت رسول اللّه ◌َ﴿ يقول: إذا تزوّج الرجل ببلد فهو من أهله، وإنما
أتممت لأني تزوجت بها منذ قدمتها، انتهى. ورواه أحمد في ((مسنده))، ولفظه: سمعت رسول الله وَليه
يقول: من تأهّل في بلد فليصل صلاة مقيم، انتهى. وذكره البيهقي في ((المعرفة - في باب صلاة
المسافر)»، ولم يصل سنده به، ثم قال: هذا حديث منقطع، وعكرمة الأزدي ضعيف، انتهى.
(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٥٨١٥٧/٢) وقال رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
بدائع الصنائع ج١ - م٣٠

٤٦٦
كتاب الصلاة
قلنا: معنى قوله: تصدّق عليكم: أي: حكم عليكم على أن التصدق من الله - تعالى -
فيما لا يحتمل التمليك - يكون عبارة عن الإسقاط، كالعفو من الله - تعالى - وما ذكر من
المعنى غير سديد؛ لأن هذا ليس ترفيهاً بقصر شطر الصلاة، بل لم يشرع في السفر إلاَّ هذا
القدر؛ لما ذكرنا من الدلائل، ولقول ابن عباس - رضي الله عنه -: لا تقولوا قصرا، فإن الذي
فرضها في الحضر أربعاً هو الذي فرضها في السفر ركعتين. وليس إلى العباد إبطال قدر
العبادات الموظفة عليهم بالزيادة والنقصان.
ألا ترى أن من أراد أن يتم المغرب أربعاً أو الفجر ثلاثاً أو أربعاً - لا يقدر على ذلك؛
كذا هذا. ولا قصر في الفجر والمغرب؛ لأن القصر بسقوط شطر الصلاة، وبعد سقوط الشطر
منهما لا يبقى نصف مشروع؛ بخلاف ذوات الأربع.
وكذا لا قصر في السنن والتطوعات؛ لأن القصر بالتوقيف، ولا توقيف ثمة، ومن الناس
من قال بترك السنن في السفر.
وروي عن بعض الصحابة أنه قال: لو أتيت بالسنن في السفر لأتممت الفريضة.
وذلك عندنا محمول على حالة الخوف؛ على وجه لا يمكنه المكث لأداء السنن. وعلى
[هذا الأصل](١) يبني: أن المسافر لو اختار الأربع لا يقع الكل فرضاً، بل المفروض ركعتان لا
غير .
١٤٦
والشطر الثاني يقع تطوعاً عندنا/ وعنده: يقع الكل فرضاً، حتى لو لم يقعد على رأس
الركعتين قدر التشهّد فسدت صلاته عندنا؛ لأنها القعدة الأخيرة في حقه، وهي فرض وعنده لا
تفسد، لأنها القعدة الأولى عنده، وهي ليست بفرض في المكتوبات بلا خلاف. وعلى هذا
الأصل يبني: اقتداء(٢) المقيم بالمسافر؛ أنه يجوز في الوقت وفي خارج الوقت؛ وفي ذوات
الأربع.
واقتداء المسافر بالمقيم يجوز في الوقت، ولا يجوز في خارج الوقت عندنا؛ لأن فرض
المسافر قد تقرّر ركعتين؛ على وجه لا يحتمل التغيير(٣) بالاقتداء بالمقيم، فكانت القعدة
الأولى فرضاً في حقه؛ فيكون هذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة؛ وهذا لا يجوز
على أصل أصحابنا.
(١) سقط في ب.
(٢) في هامش ب: اقتداء المقيم بالمسافر.
(٣) في ب: التغيّر.

٤٦٧
كتاب الصلاة
وهذا المعنى لا يوجد في الوقت، ولا في اقتداء المقيم بالمسافر، ولو ترك القراءة في
الأوليين، أو في واحدة منهما - تفسد صلاته؛ لأن القراءة في الركعتين في صلاة ذات ركعتين
فرض، وقد فات على وجه لا يحتمل التدارك بالقضاء؛ فتفسد صلاته. وعند الشافعي - أيضاً
-: تفسد؛ لأن العزيمة وإن كانت هي الأربع عنده، لكن القراءة في الركعات كلها فرض عنده.
ولو اقتدى المسافر بالمقيم [عندنا](١) في الظهر، ثم أفسدها على نفسه في الوقت، أو
بعدما خرج الوقت؛ فإن عليه أن يصلي ركعتين عندنا، وعنده: يصلي أربعاً، ولا يجوز له
القصر؛ لأن العزيمة في حق المسافر هي ركعتان عندنا؛ وإنما صار فرضه أربعاً؛ بحكم التبعية
للمقيم بالاقتداء به، وقد بطلت التبعية ببطلان الاقتداء؛ فيعود حكم الأصل. وعنده: لما كانت
العزيمة هي الأربع، وإنما أبيح القصر رخصة - فإذا اقتدى بالمقيم فقد اختار العزيمة، فتأكد
عليه وجوب الأربع، فلا تجوز له الرخصة بعد ذلك ويستوي في المقدار المفروض على
المسافر من الصلاة سفر الطاعة، من الحج والجهاد وطلب العلم، وسفر المباح، كسفر التجارة
ونحوه، وسفر المعصية، كقطع الطريق والبغي، وهذا عندنا(٢).
وقال الشافعي: لا تثبت رخصة القصر في سفر المعصية.
وجه قوله: أن رخصة القصر تثبت تخفيفاً أو نظراً على المسافر، والجاني لا يستحق
النظر والتخفيف .
ولنا: أن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بين مسافر ومسافر؛ فوجب العمل
بعمومها وإطلاقها، ويستوي فيما ذكرنا من أعداد الركعات في حق المقيم والمسافر، صلاة
الأمن والخوف، فالخوف لا يؤثر في نقصان العدد، مقيماً كان الخائف. أو مسافراً، وهو قول
عامة الصحابة - رضي الله عنهم - وإنما يؤثر في سقوط اعتبار بعض ما ينافي الصلاة في الأصل
من المشي ونحو ذلك؛ على ما نذكره في صلاة الخوف إن شاء الله تعالى.
فصل فيما يصير به المقيم مسافراً
وأما بيان(٣) ما يصير به المقيم مسافراً: فالذي يصير المقيم به مسافراً: نية مدة السفر،
والخروج من عمران المصر، فلا بد من اعتبار ثلاثة أشياء.
أحدها: مدة السفر، وأقلها غير مقدر عند أصحاب الظواهر.
(١) سقط في ط.
(٢) في هامش ب: العاص والمطيع في الرخصة سواء.
(٣) في هامش ب: بيان ما يصير به المسافر مسافراً.

٤٦٨
كتاب الصلاة
وعند عامة العلماء مقدر، واختلفوا في التقدير.
قال أصحابنا: مسير ثلاثة أيام سير الإبل ومشي الأقدام. وهو المذكور في ظاهر
الروايات .
وروي عن أبي يوسف: يومان وأكثر [اليوم] (١) الثالث، وكذا روى الحسن عن أبي
حنيفة، وابن سماعة عن محمد. ومن مشايخنا من قدر بخمسة عشر فرسخاً، وجعل لكل يوم
خمس فراسخ، ومنهم من قدّره بثلاث مراحل. وقال مالك: أربعة برد كل بريد اثنا عشر ميلاً.
واختلفت أقوال الشافعي فيه، قيل: ستة وأربعون ميلاً(٢)، وهو قريب من قول بعض
(١) سقط في ط.
(٢) قد بيّنت مسافة القصر في كتب الشافعية والمالكية والحنابلة بطريقين:
الأول: زمان السير. والثاني: مقدار الطول بالمساحة وقد اعتمد علماء المذاهب الثلاثة أن مقدار المسافة
بالزمن: سير يوم وليلة، أو يومين معتدلين أو ليلتين معتدلتين، بحيث يقطع المسافر أربعاً وعشرين ساعة
بسير الإبل مثقلة بالأحمال، ودبيب الأقدام ذهاباً دون الإياب بما في ذلك زمن استراحة المسافر الذي
يقضي فيه مصالحه من أكل وشرب وقضاء حاجة ووضوء وصلاة وإصلاح متاع فيعتبر زمن ذلك، وأن لم
يوجد، وقدر زمن الاستراحة في اليومين بساعتين، وأن مقدارها بالمسافة أربعة برد، وصرحوا بأن البريد
أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال: واختلفوا في ذرع تلك الأميال على ستة أقوال: الأول: أن الميل أربعة
آلاف خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام، وكل قدمين ذراع، فيكون الميل ستة آلاف ذراع وهذا القول مذكور
في شارحي ((الرملي)) ((وابن حجر)) على ((المنهاج)) وفي شرح ((الروض)) وفي كتاب «نيل المآرب للحنابلة))
الثاني: أنه ألف باع، والباع أربعة أذرع فيكون الميل أربعة آلاف ذراع وقد ذكره ((ابن حجر)) في الكلام
على حدود الحرم، وهو مذكور في بعض كتب الحنفية ((كالزيلعي)) و((الجوهرة)). وهو المشهور عندهم.
الثالث: أنه ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع وقد نقله ابن حجر في شرح المنهاج عن ابن عبد البر، وهو ما
صححه الشيخ محمد عليش من المالكية في شرحه منهج الجليل على مختصر العلامة خليل. ونقل في
((فتح القدير)) للحنفية عن ابن شجاع. الرابع: ثلاثة آلاف ذراع. وقد ذكره ابن حجر في الكلام على حدود
الحرم، وهو مذكور في ((حاشية الشيخ حجازي على شرح الأمير للمالكية)). الخامس: ألفا ذراع. وقد
ذكره ابن حجر في الكلام على حدود الحرم ونقل في بعض كتب المالكية عن ابن رشيد وهو المشهور
عندهم قاله الشيخ محمد عليش في شرحه .
السادس: أنه ألف ذراع، قال في ((بغية المسترشدين)): وقيل هو ألف ذراع باليد، وهو ذراع إلا ثمنا
بالحديد ا.هـ. واختلفوا في الخطوة فمنهم من قال خطوة إنسان، ومنهم من قال خطوة بعير، واختلفوا
كذلك في القدم، فمنهم من قال: قدم الإنسان، ومنهم من قال قدم البعير، وكذلك اختلفوا في الذراع،
فمنهم من قال: أربعاً وعشرين أصبعاً، كما في ((الرملي)) ((وابن حجر)) و((شرح الروض))، ومنهم من اعتبره
ثمانية وعشرين، كما قاله الشيخ (محمد عليش)) في ((شرحه))، ومنهم من اعتبره اثنين وثلاثين قال في
((شرح المنية)) للعلامة ((ابن أمير حاج)): وقال المتقدمون: مقداره اثنان وثلاثون أصبعاً ا.هـ، ومنهم من
اعتبره ستة وثلاثين، قال الشيخ ((محمد الخرشي)) على مختصر سيدي خليل: والذراع ستة وثلاثون =

٤٦٩
كتاب الصلاة
أصبعاً ا. هـ، وبعضهم صرح بأن المراد من الذراع: ذراع الآدمي من طي المرفق إلى طرف الوسطى،
وكذلك اختلفوا في عرض الإصبع، فمنهم من اعتبره ست شعيرات معتدلات معترضات، ومنهم من
اعتبره ست شعيرات بطن إحداهما إلى بطن الأخرى، ومنهم من اعتبره ست شعيرات بطن إحداهما إلى
ظهر الأخرى .
قال ((السيد أحمد بك الحسيني)): مما تقدم بعلم أنهم اختلفوا في قدر الميل والذراع، ومع تعدّد الأقوال
وتضاريها لم أرَ أحداً تعرّض للجمع بينها أو أبطل قولاً منها ببرهان، ولم أرَ من حدد الأميال وقارنها
بالسير المعتدل مع أن السير المذكور هو في الحقيقة ميزان ضبط الأميال مع أننا لو قارنًا بين السير المعتدل
وبين اعتبار الميل أربعة آلاف خطوة لوجدنا فرقاً كبيراً لا يمكن التسامح فيه، وذلك لأننا لو اعتبرنا الميل
أربعة آلاف خطوة واعتبرنا الخطوة ذراعاً ونصفاً؛ لكان الميل ستة آلاف ذراع كما عليه الأكثرون ولو
اعتبرنا الذراع قدمين وأنهما سبعة أثمان الذراع الحديد المستعمل بمصر والحجاز لكان الذراع يقرب من
أحد وخمسين سنتياً وحينئذٍ تكون المسافة هكذا.
٠٠ ٦٠٠ ذراع × ٥١ سنتياً × ٤٨ ميلاً = ١٤٦٨٨٠ متراً فيكون مجموع المسافة نحواً من ماية وسبعة
وأربعين ألف متر.
قال: وقد اختبرت بنفسي وبواسطة غيري ممن أثق به سير الأقدام المعتدل فلم يزد عدد الخطوات في
الدقيقة الواحدة عن ماية خطوة وخطوتين ولم يزد اتساع الخطوة عن خمسة وستين سنتياً فيكون سير
الإنسان في الساعة الواحدة ١٠٢ خطوة ٦٥ سنتياً ٦٠ دقيقة= ٣٩٧٨ متراً في الساعة. ويكون مجموع
سيره في مسافة القصر ٣٩٧٨ متراً × ٢٢ ساعة = ٥١٦ر٨٧ متراً أي: ٨٧ كيلو متر و٥١٦ متراً.
قال: وقد تحرّيت سير الإبل أيضاً واستقصيت ذلك من عدد كثير ممن لهم وقوف وخبرة على مقدار ما
يمكن أن تسيره الإبل المثقّلة بالأحمال في أرض سهلة، كالأرض التي بين جهة القنطرة، وبين العرين من
أرض مصر فعلمت ممن أثق به وأعتقد صدقه أن البعير في مثل هذه الأرض لا يسير أكثر من أربعة آلاف
متر في الساعة الواحدة، فإذا ضربنا هذا العدو في مقدار مسافة القصر، وهو اثنان وعشرون ساعة كان
المجموع = ٨٨٠٠٠ متر، وهو قريب جداً من سير القدم المتقدم ذكره.
قال: وقد أحضرت إبلاً وسارت أمامي، فلم يتغيّر سيرها عن ذلك، وظاهر أن الفرق عظيم بين هذه
المسافة، وبين تلك المسافة التي قدّرت بنحو مائة وسبعة وأربعين ألف متر، فتلخّص من ذلك أن الميل
الذي جعلوا مسافة القصر منه ثمانية وأربعين ميلاً لا يمكن اعتباره ستة آلاف ذراع، ولا يمكن أن تكون
الخطوة التي قدر بها الميل خطوة الإنسان ولا خطوة البعير مما لا يوافق التحديد بالزمن، إذ الحس يشهد
بأن ما بين خفي البعير يبلغ نحو المتر بل أن تقدير المساحة مبني على اصطلاح علماء الهيئة بأن علماء
الهيئة المشتغلين بمساحة الأرض ومقاييسها نسبوا الذراع والباع والخطوة إليها فلعلّ الفقهاء لم يلاحظوا
أنها اصطلاحات خاصة بعلماء الهيئة، فلذلك وقع الاشتباه والاختلاف العظيم الذي مر ذكره، فأخذوا اسم
القدم مثلاً وفسروه بما لا ينطبق على اصطلاح علماء الهيئة مع أنه كان من الواجب حيث عبّروا بالباع
والذراع والخطوة والقدم أن يرجعوا في بياعه ذلك إلى ما قاله أهل ذلك الاصطلاح، وذلك أنهم قسموا
محيط الأرض إلى ٣٦٠ درجة. وقسموا الدرجة إلى ستين جزءاً، وسموه بالدقيقة الأرضية وطول الواحدة
١٨٥٥ متراً، وقسموا تلك الدقيقة إلى ألف جزء وسمّوه بالخطوة الأرضية أو بالمباع أو بالقامة. ويبلغ
طول ذلك الجزء (٢/١) ١٨٥ سنتياً فالخطوة والباع والقامة جميعها واحد اسم للجزء المذكور، ثم قسّموا=

٤٧٠
كتاب الصلاة
الخطوة إلى أربعة أقسام، وسمّوا القسم الواحد منها بالذراع وعلى ذلك يبلغ طوله ٤٦ سنتياً، ٤/١، ٨/١
=
ستة وأربعين سنتياً وربعاً وثمناً من السنتي، ثم قسّموا الذراع إلى قدم فلكي ونصف، فيكون القدم ثلاثين
سنتياً وثلثي سنتي وربع سانتي، ثم اعتبروا القدم أربع قبضات، والذراع ست قبضات، واعتبروا القبضة
الواحدة أربع أصابع، فيكون حينئذٍ الذراع أربعة وعشرين أصبعاً. فإذا اعتبرنا الذراع المقدّر بأربع وعشرين
إصبعاً في نصوص الفقهاء المتقدمة هو الذراع الفلكي، وأردنا من القدم القدم الفلكية كان الميل = ١٨٥٥
متراً ألفاً وثمانمائة وخمسة وخمسين متراً، وهو مساوٍ للدقيقة الأرضية تماماً على ما سيأتي في تحقيق كل
قول من الأقوال في الميل، فإذا ضربنا عدد الأميال المصرّح بأنها مسيرة يوم وليلة، وهي ٤٨ ميلاً في
١٨٥٥ متراً، وهو طول الميل كان مجموع ذلك= ٨٩٠٤٠ متراً أي ٨٩ كيلو متر، ٤٠ متراً، وهو قريب
جداً من تقدير مسافة السير بثمانية وثمانين ألف متر ويكون الفرق ألف متر وأربعين متراً، وهو فرق قليل
دون الميل الواحد يمكن أن يدخل في تحديد مسافة السير.
وإنما عول على هذا الحساب، لأن بعض الرياضيين صرّح بأن الميل الذي كان مستعملاً عند الرومانيين
الذين كانوا قبل الإسلام كان ألف خطوة وكان ١٨٥٥ متراً ولأن الفلكيين هم المختصون بالبحث عن
حقيقة المقاييس والفقهاء إنما قلّدوا غيرهم من غير تحقيق كما صرّح به الإمام ((ابن حجر))، قال إنه لم
يبلغنا عن أحد من المختلفين أنه قال ما ذكره بعد تحريره بالذراع، فيتعيّن بعد إذ علم تحريره به تأويل ما
خالفه، ورد هذه الأقوال المتباينة إلى تلك الأقوال في الميل ا. هـ ولأننا لو لم نعتبر هذه المقاييس الفلكية
للزم أن تكون مسافة القصر أطول من سير اثنين وعشرين ساعة، وقد تقدّم أنّا اعتبرنا مسافة السير بالزمن
ضابطاً ودليلاً لضبط ذراع المقاييس فوجب حينئذٍ أن تعتبر في كل ما تقدّم من المقاييس المقادير الفلكية
إلا فيما صحّحه ((ابن عبد البر)) فإنّا لا نعتبر فيه تلك المقادير، لأن تقديره مبني على اعتبار خاص به. على
أن اعتبار الذراع الفلكي المذكور موافق لما قدّره الفقهاء في باب القلتين من أن الذراع شبران تقريباً،
وحيث تقرّر ذلك وتبيّن لنا أن الذراع الفلكي هو المراد بتحديده بأربع وعشرين إصبعاً أمكننا جمع تلك
الأقوال على الصورة الآتية:
القول بأن الميل ستة آلاف ذراع: قد تقدم أن القائل باعتبار الميل ستة آلاف ذراع قدره بأربعة آلاف
خطوة، وجعل الخطوة ثلاثة أقدام وقد سبق بيان عدم انطباق تلك الخطوة على خطوة الإنسان، ولا
خطوة البعير وكذلك لا تصلح أن تكون خطوة فلكية، وحيث تعذّر حمل تلك الخطوة على خطوة معلومة
تعيّن حملها على خطوة اصطلاحية مقدّرة بثلاثة أقدام وقد صرّح بعض الرياضيين بأنه يطلق على الثلاثة
أقدام الفلكية اسم خطوة واسعة فتعيّن أن يكون المراد بالقدم قدماً فلكية، والذراع قدمان فيكون الذراع
أحداً وستين سنتياً ونصفاً وثلثاً على ما تقدّم في القدم، فإذا ضربنا هذا الطول في عدد الأذرع، وهي ستة
آلاف كان مجموع ذلك يساوي ٣٧١٠ متراً، وهو قدر ميلين تماماً. ويخرج حينئذٍ على القول بأن البريد
فرسخان والفرسخ ثلاثة أميال، فتكون مسافة القصر حينئذٍ أربعة وعشرين ميلاً لا ثمانية وأربعين ميلاً،
والقول باعتبار البريد فرسخين صحيح مشهور قال في ((لسان العرب)): البريد فرسخان، وكذلك صاحب
القاموس .
القول بأن الميل أربعة آلاف ذراع:
أن بعض من قدّر الميل بأربعة آلاف ذراع اعتبره ألف باع. ولا يمكن أن يراد بالباع باع الإنسان المعتدل.
وذراع الإنسان المعتدل، لعدم توافقهما فإن باع الإنسان المعتدل يبلغ طوله ١٨٠ سنتياً، وذراع الإنسان =

٤٧١
كتاب الصلاة
المعتدل يبلغ طوله ٤٨ سنتياً فإذا ضربنا أربعة في ثمانية وأربعين يبلغ المجموع ١٩٢ سنتياً وهو يزيد على
=
الباع بكثير، وإذا اعتبرنا الباع أصلاً وأخذنا ربعه، كان الذراع حينئذٍ ٤٥ سنتياً، وهو دون ذراع الإنسان
المعتدل، فتعيّن ليطرد كون الذراع ربع الباع أن يكون المراد بالذراع: الذراع الفلكي، وبالباع الباع
الفلكي، ومقدار ذلك الذراع ٤٦ سنتياً و٤/١ و٨/١ ستة وأربعون سنتياً وربع وثمن سنتي، فإذا ضربنا
٤٠٠٠ وهو عدد أذرع الميل في ٤٦ سنتي و٤/١ ٨/١، وهو طول الذراع يكون المجموع = ١٨٥٥
متراً، وذلك مقدار الدقيقة الأرضية.
القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع:
قال في ((القاموس)) أن الميل ثلاثة آلاف ذراع أو أربعة آلاف ذراع بناء على الخلف في الفرسخ، هل هو
تسعة آلاف ذراع بذراع الأقدمين أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المحدثين؟
فاعتبر أن الثلاثة أذرع من أذرع الأقدمين تساوي أربعة من أذرع المحدثين، فإذا اعتبرنا ذراع المحدثين هو
الذراع الفلكي وهو أربعة وعشرون أصبعاً يكون ذراع الأقدمين حينئذٍ اثنين وثلاثين أصبعاً والقدم الفلكي
معتبر في اصطلاح الفلكيين بستة عشر أصبعاً. وعليه يكون هذا الذراع قدمين فلكيين ويبلغ طولها إحدى
وستين سنتياً ونصفاً وثلثاً كما تقدم.
فإذا ضربنا هذا وهو طول الذراع في ثلاثة آلاف وهو عدد الأذرع يبلغ مجموع ذلك ١٨٥٥ متراً، وهو
عين القدر السابق في القول الثاني.
القول بأن الميل ألفا ذراع:
قال صاحب ((تاج العروس)): أن الفرسخ ثلاثة أميال. وقيل ستة فإذا جرينا على القول بأن البريد أربعة
فراسخ: وقلنا بأن الفرسخ ستة أميال كان البريد حينئذٍ أربعة وعشرين ميلاً وتكون مسافة القصر ستة
وتسعين ميلاً على هذا القول، ويكون الميل ألفي ذراع باعتبار الذراع أربعة وعشرين إصبعاً، فإذا ضربت
٤٦ سنتياً و٤/١ ٨/١، وهو طول الذراع في ألفين، وهو عدد أذرع الميل، يكون المجموع = (٢/١)
٩٢٧، وهو مقدار طول الميل، فإذا ضرب في ٩٦، وهو عدد الأميال يكون المجموع = ٨٩٠٤٠ متراً،
وهو مسافة القصر على ما تقدّم.
القول بأن الميل ألفي ذراع:
يمكن حمل الذراع على ما يذرع به، وليس القصد منه ذلك الذراع الذي قدّر بأربعة وعشرين إصبعاً أو
باثنين وثلاثين. وإنما المقصود به الباع، فألف باع على ما تقدم تساوي أربعة آلاف ذراع كل ذراع أربعة
وعشرون إصبعاً.
القول بأن الميل ثلاثة آلاف وخمسماية ذراع:
هذا القول منسوب إلى الامام ((ابن عبد البر))، والظاهر أنه اجتهد وقدر مسافة القصر ومسحها بذراع، ولم
يبين ذلك الذراع، فلا يمكن حمله على ذراع فلكي، وبالبحث عن ذلك الذراع بما يطابق الأقوال السابقة
تبيناً أن المأمون مسح الأرض. وقدر ذراعاً لمساحتها بمحضر العلماء، وقد وجد ذراع مقياس روضة النيل
بمصر الذي نقس بأمر المتوكل على الله، وهو من العباسيين على جدرانه سنة ٢٤٧ هجرية يبلغ طوله ثلاثة
وخمسين سنتياً، والقريب الذي يميل إليه الإنسان أن ذلك الذراع هو الذي وضعه المأمون وهو الذي كان
معلوماً ومشهوراً في ذلك الوقت. وأن الإمام ((ابن عبد البر)) تبع الذراع المذكور، والذي يؤيّد ذلك أننا لو
ضربنا ٥٣ سنتياً، وهو طول الذراع في ٣٥٠٠، وهو عدد الأذرع كان مجموع ذلك = ١٨٥٥ متراً تماماً، =

٤٧٢
كتاب الصلاة
بلا فرق، فاتفاق طول هذا الذراع مع عدد أذرع الميل على قول ((ابن عبد البر»، ومطابقته لتلك المقاييس
=
الخمس المتقدمة يعيّن حمل الذراع على الذراع المذكور، وتقديره بذلك المقدار.
قال في مبسوط السرخسي أن مدة السفر ثلاثة أيام ولا معنى للتقدير بالفراسخ فإن ذلك يختلف باختلاف
الطرق في السهولة والجبال والبر والبحر وإنما التقدير بالأيام وذلك معلوم عند الناس فيرجع إليه عند
الاشتباه ا. هـ.
وفي الهداية قدر بمسيرة ثلاثة أيام ونقل عن أبي يوسف تقديره بيومين وأكثر الثالث ولا معتبر بالفراسخ هو
الصحيح.
قال في الفتح قوله هو الصحيح أحترز عما قيل يقدّر بها فقيل بأحد وعشرين وقيل بثمانية عشر وقيل
بخمسة عشر وكل من قدّر بقدر منها اعتقد أنه مسيرة ثلاثة أيام .. وإنما كان الصحيح أن لا قدّر بها لأنه
لو كان الطريق وعراً بحيث يقطع في ثلاثة أيام أقل من خمسة عشر فرسخاً قصر بالنص وعلى التقدير بأحد
هذه التقديرات لا يقصر فيعارض النص فلا يعتبر سوى سير الثلاثة ا. هـ.
وفي الكفاية قوله ولا معتبر بالفراسخ هو الصحيح احترز عن قول عامة المشايخ فإن عامة المشايخ قدروها
بالفراسخ أيضاً ثم اختلفوا وساق الخلاف.
وفي البحر وأما التقدير بثلاثة أيام فهو ظاهر المذهب وهو الصحيح والمراد باليوم النهار والنهار دون الليل
لأن الليل للاستراحة فلا يعتبر. والمراد ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة وهل يشترط كل اليوم إلى الليل
اختلفوا فيه والصحيح أنه لا يشترط حتى لو بكر ومشى في اليوم الأول إلى الزوال ثم في اليوم الثاني
كذلك ثم في اليوم الثالث كذلك فإنه يصير مسافراً لأن المسافر لا بد له من النزول لاستراحة نفسه ودابته
فلا يشترط أن يسافر من الفجر إلى الفجر لأن الآدمي لا يطيق ذلك ا. هـ.
وعبارة تنوير الأبصار مع شرح الدر من خرج من عمارة موضع إقامته قاصداً مسيرة ثلاثة أيام ولياليها من
أقصر أيام السنة ولا يشترط سفر كل اليوم إلى الليل بل إلى الزوال ولا اعتبار بالفراسخ على المذهب
بالسير الوسط مع الأستراحات المعتادة حتى لو أسرع فوصل في يومين قصر قال محشية ابن عابدين قوله
مسيرة ثلاثة أيام ولياليها الأولى حذف الليالي كما فعل في الكنز والجامع الصغير إذ لا يشترط السير فيها
مع الأيام ثم قال قوله من أقصر أيام السنة كذا في البحر والنهر وبحث فيه في الحلية بأن الظاهر إبقاؤها
على إطلاقها بحسب ما يصادفه من الوقوع فيها طولاً وقصراً واعتدالاً أن لم نقدر بالمعتدلة التي هي
الوسط وقوله ولا يشترط سفر كل يوم إلى الليل إذ لا بد للمسافرين من النزول للأكل والشرب والصلاة
ولأكثر النهار حكم كله فإن المسافر إذا بكر في اليوم الأول وسار إلى وقت الزوال حتى بلغ
المرحلة .. الخ ما نقل عن البحر ثم قال وفي قوله حتى بلغ المرحلة إشارة إلى أنه لا بد أن يقطع في ذلك
اليوم الذي ترك في أوله الأستراحات المرحلة المعتادة التي يقطعها في يوم كامل مع الأستراحات وبهذا
يظهر لك أن المراد بالتقدير بأقصر أيام السنة إنما هو في البلاد المعتدلة التي يمكن قطع المرحلة المذكورة
في معظم اليوم من أقصر أيامها فلا يرد أن أقصر أيام السنة في بلاد بلغار قد يكون ساعة أو أكثر أو أقل
فيلزم أن تكون مسافة السير فيها ثلاث ساعات أو أقل لأن القصر الفاحش غير معتبر كالطول الفاحش قوله
بل إلى الزوال قائمة الزوال أكثر النهار الشرعي الذي هو من الفجر إلى الغروب ثم أن من الفجر إلى
الزوال في أقصر أيام السنة في مصر وما سواها في العرض سبع ساعات إلا ربعاً فمجموع الثلاثة أيام
عشرون ساعة وربع ويختلف بحسب اختلاف البلاد في العرض وإن اعتبر ذلك في الأيام المعتدلة كان =

٤٧٣
كتاب الصلاة
مجموع الثلاثة أيام اثنين وعشرين ساعة ونصف ساعة تقريباً لأن من الفجر إلى الزوال سبع ساعات ونصفاً
تقريباً ا. هـ.
ومن تلك النصوص تبيّن أن المراد بسير الثلاثة أيام على ما اعتمده الحنفية سير المسافر أكثر اليوم من أقصر أيام
السنة. وعلى تقدير ابن عابدين لها في القطر المعتدل كالقطر المصري بعشرين ساعة وربع وأن من قطع هذا
الزمن يترخّص يكون مقدار السير مدة هذا الزمن بسير الأثقال ودبيب الأقدام لا يزيد عن ٨١٠٠٠ متر أي ٨١
كيلو متر وهو قريب من تقدير من قدر المسافة من الحنفية بخمسة عشر فرسخاً وقد تبيّن مما تقدّم أن هذا التقدير
يلاحظ فيه الطريق السهل وانه متى كان الطريق وعراً كانت المسافة التي يقطعها المسافر في تلك المدة أقل من
خمسة عشر فرسخاً بحسب صعوبة الطريق. وإذا جرينا على القول باعتبار أعدل أيام السنة وكان تقدير زمن
السير باثنين وعشرين ساعة ونصف كما قدّر ابن عابدين فلا تزيد المسافة عن الستة عشر فرسخاً وهي الأربعة
برد التي قدّر بها السادة الشافعية والسادة المالكية والسادة الحنابلة .
وحاصل المعتمد أن مسافة القصر عندنا وعند الحنابلة والمشهور عن المالكية أربعة برد وهي ستة عشر
فرسخاً وتبلغ مساحتها ٨٩٠٤٠ متراً وعند السادة الحنفي على المعتمد من اعتباراً آخر أيام السنة في بلد
معتدل على تقدير ابن عابدين تكون المسافة ٨١٠٠٠ متر وهي دون خمسة عشر فرسخاً بثلاثة آلاف متر
هذا إذا كان الطريق سهلاً أما إذا كان وعراً فتنتقص المسافة عندهم إلى حد يختلف تقديره باشتداد الوعورة
وعدمه إذ قد تكون ثلاثة فراسخ أو أقل.
وحيث اتضح ذلك يعلم أن من قصد طنطا من أهل مصر يترخص عند السادة الحنفية لأن مسافتها نحو
٨٦٠٠٠ متر ولا يترخّص عند الأئمة الثلاثة لأنها أقل من أربعة برد بنحو الثلاثة آلاف متر. وأن من قصد
محلة مرحوم من أهل مصر يترخّص لأن المسافة إليها تزيد على المسافة إلى طنطا نحو ٤٠٠٠ متر أي
أربعة كيلو متر وبه يعلم أن ما نقله العلامة الباجوري عن تقرير الحفناوي بقوله وضبطت مسافة القصر من
مصر القاهرة إلى محلة روح أو المحلة الكبرى لا إلى طنطا ولا إلى محلة مرحوم لأن هذه المسافة لا تبلغ
مسافة القصر في سفر البر بخلاف سفر البحر فإنها تزيد عن ذلك وتبلغ مسافة القصر ا. هـ ليس مبنياً على
تحقیق .
ولا يخفى أن تحديد مسافة القصر بما تقدم مبني على الأحوط في كل التقديرات ولم يعتبر لمسافة الحط
أكثر من ساعة واحدة في اليوم وهي أقل ما يمكن أن يقدر على أن الثمانية والأربعين في ذلك التقدير تزيد
على سير اثنين وعشرين ساعة بألف وأربعين متراً وهذا القدر يقدر بسير ربع ساعة فتكون مسافة الحط في
اليوم والليلة ساعتين إلا ربعاً وهو نهاية ما يمكن في التقدير ومحلة مرحوم تزيد عن المسافة التي قدّرت
وهي ٨٩٠٤٠ متراً نحو ربع ساعة أما محلة روح فتبعد عن محلة مرحوم بنحو تسعة آلاف متر والمحلة
الكبرى تزيد عن محلة روح نحو ١٢٠٠٠ متر وعليه فالمحلة الكبرى تبلغ مقدار السير إليها من مصر نحو
٢٨ ساعة من دون حط وهو قدر زائد عن مسافة القصر بكثير. ولا فرق في ذلك بين طريق السكة
الحديدية وغيرها لأن التفاوت بينهما قريب وهو ملخّص من كلام الحسيني.
وفي كتاب الإرشادات السنية للشيخ عبد المعطي السقًا أن مقدار المسافة يبلغ ٩٤٦٩٤ متراً أي أربعة
وتسعين كيلو متر و٦٩٤ متراً وهو مبني على ما في كتب الحساب أن الذراع الشرعي المستعمل في الغزل
والشرع يساوي ٤٩٫٣٢ سنتميتراً ولكن التحقيق ما قدمنا.
ينظر: نص كلام شيخنا محمد البيومي أبو ريا في الجمع والقصر ص (١٨-٢٩).

٤٧٤
كتاب الصلاة
مشايخنا؛ لأن العادة أن القافلة لا تقطع في يوم أكثر من خمسة فراسخ. وقيل: يوم وليلة، وهو
قول الزهري والأوزاعي؛ وأثبت أقواله: إنه مقدّر بيومين. أما أصحاب الظواهر: فاحتجوا
بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾
[النساء: ١٠١]، علق القصر بمطلق الضرب في الأرض، فالتقدير: تقييد لمطلق الكتاب، ولا
يجوز إلا بدلیل.
ولنا: ما رُوِيّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((يَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْماً وَلَيْلَةً، وَالمُسَافِرُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
وَلَيَالِيهَا))(١) جعل لكل مسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليها، ولن يتصور أن يمسح المسافر ثلاثةً
أيام ولياليها، ومدة السفر أقل من هذه المدة.
وقال النبيُّ ◌َ: ((لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ مَعَ مَخْرَمٍ
أَوْ زَوْجٍ))(٢) فلو لم تكن المدة مقدرة بالثلاث لم يكن لتخصيص [المدة بـ](٣) لثلاث معنى،
والحديثان في حد الاستفاضة والاشتهار؛ فيجوز نسخ الكتاب بهما إن كان تقييد المطلق نسخاً،
٤٦ ب مع ما أنه لا حجة لهم في الآية؛ لأن الضرب في الأرض/ في اللغة عبارة عن السير فيها
(١) تقدم تخريجه في كتاب الطهارة.
(٢) ورد من حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس.
حديث ابن عباس :
أخرجه البخاري (١٤٢/٦، ١٤٣): كتاب الجهاد: باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة أو كان
له عذر هل يؤذّن له؟، حديث (٣٠٠٦)، ومسلم (٩٧٨/٢): كتاب الحج: باب سفر المرأة مع محرم إلى
الحج أو غيره) حج أو غيره، حديث (١٣٤١/٤٢٤) وأحمد (٢٢٢/١) والطيالسي (١٢٤/١ - منحة) رقم
(٥٨٣) وأبو يعلى (٢٧٩/٤) رقم (٢٣٩١) وابن خزيمة (٢٥٢٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢)
١١٢) وابن حبان (٣٧٦٣، ٣٧٦٤٢ - الإحسان) من طريق عمرو عن ابن معبد عن ابن عباس قال: سمعت
رسول الله وَليقول يقول: لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم.
حديث أبي سعيد الخدري:
أخرجه البخاري (٧٣/٤) كتاب جزاء الصيد: باب حج النساء، حديث (١٨٦٤)، ومسلم (٢/
٩٧٥، ٩٧٦). كتاب الحج: باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، حديث (٤١٥، ٨٢٧/٤١٦).
وأحمد (٧١،٣٤/٣) والحميدي رقم (٧٥٠) وأبو يعلى (٣٨٨/٢_٣٨٩) رقم (١١٦٠) من طريق قزعة عن
أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها.
(أخرجه أبو داود (٥٣٩/١) كتاب المناسك: باب في المرأة تحج بغير محرم حديث (١٧٢٦) والترمذي
(٤٧٢/٣) كتاب الرضاع: باب كراهية أن تسافر المرأة وحدها حديث (٦٩ (١) من طريق الأعمش عن
أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَلاتر: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً
فوق ثلاثة أيام فصاعداً إلا معها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذووا محرم منها»، وقال الترمذي:
حسن صحيح.
(٣) سقط في ط

٤٧٥
كتاب الصلاة
مسافراً، يقال: ضرب في الأرض، أي: سار فيها مسافراً؛ فكان الضرب في الأرض عبارة عن
سير يصير الإنسان به مسافراً [لا مطلق السير، والكلام في أنه: هل يصير مسافراً] (١) بسير
مطلق من غير اعتبار المدة وكذا مطلق الضرب في الأرض يقع على سير يسمى سفراً؟
والنزاع(٢) في تقديره شرعاً، والآية ساكتة عن ذلك، وقد ورد الحديث بالتقدير، فوجب العمل
به. والله الموفق.
واحتج مالك بما رويٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لاَ تَقْصُرُوا الصَّلاَةَ فِيمَا دُونَ
مَكَّةً إِلَى عُسْفَانَ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ))(٣). وهو غريب، فلا يقبل خصوصاً في معارضة(٤)
المشهور.
وجه قول الشافعي: أن الرخصة إنما ثبتت لضرب مشقة يختص بها المسافرون، وهي
مشقة الحمل والسير والنزول؛ لأن المسافر يحتاج إلى حمل رحله من غير أهله، وحطه في غير
أهله والسير، وهذه المشقات تجتمع في يومين؛ لأنه في اليوم الأول يحط الرحل في غير
أهله، وفي اليوم الثاني يحمله من غير أهله، والسير موجود في اليومين؛ بخلاف اليوم الواحد؛
لأنه لا يوجد فيه إلا مشقة السير؛ لأنه يحمل الرحل من وطنه ويحطه في موضع الإقامة؛ فيقدر
بيومين لهذا .
ولنا: ما روينا من الحديثين؛ ولأن وجوب(٥) الإكمال كان ثابتاً بدليل مقطوع به؛ فلا
يجوز رفعه إلا بمثله، وما دون الثلاث مختلف فيه، والثلاث مجمع عليه؛ فلا يجوز رفعه بما
دون الثلاث، وما ذكر من المعنى يبطل بمن سافر يوماً على قصد الرجوع إلى وطنه؛ فإنه
يلحقه مشقة الحمل والحط والسير على ما ذكر(٦)، ومع هذا لا يقصر عنده.
وبه تبين أن الاعتبار لاجتماع المشقات في يوم واحد، وذلك بثلاثة أيام؛ لأنه يلحقه في
اليوم الثاني مشفّة حمل الرحل من غير أهله، والسير وحطه في غير أهله، وإنما قدرنا(٧) بسير
الإبل ومشي الأقدام؛ لأنه الوسط؛ لأن أبطأ السير سير العجلة، والأسرع سير الفرس والبريد؛
(١) سقط في ب.
(٢) في ب: الكلام.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٩٧/١١)، والدارقطني في السنن (٣٨٧/١) في الصلاة، باب: قدر المسافة
التي تقصّر ... الخ، والبيهقي في السنن (١٣٧/٣)، وقال صاحب الإرواء: إنه موضوع.
(٤) في ب: مقابلة.
(٥) في ب: وجود.
(٦) في ب: ذكره.
(٧) في هامش ب: التقدير بسير الإبل ومشي الأقدام.

٤٧٦
كتاب الصلاة
فكان أوسط أنواع السير سير الإبل ومشي الأقدام. وقد قال النبي وَّل: ((خَيْرُ الأُمُورِ
أَوْسَاطُهَا))(١) ولأن الأقل والأكثر يتجاذبان فيستقر الأمر على الوسط؛ وعلى هذا يخرج ما روي
عن أبي حنيفة فيمن سار في الماء يوماً، وذلك في البر ثلاثة أيام: أنه يقصر الصلاة؛ لأنه لا
عبرة للاسراع.
وكذا لو سار [في البر](٢) إلى موضع في يوم أو يومين، وأنه بسير الإبل والمشي المعتاد
ثلاثة أيام (٣) يقصر، اعتباراً للسير المعتاد، وعلى هذا إذا سافر في الجبال والعقبات؛ أنه يعتبر
مسيرة ثلاثة أيام فيها لا في السهل، فالحاصل: أن التقدير بمسيرة ثلاثة أيام أو بالمراحل، في
السهل والجبل والبر والبحر، ثم يعتبر في كل ذلك السير المعتاد فيه، وذلك معلوم عند الناس؛
فيرجع إليهم عند الاشتباه. والتقدير بالفراسخ غير سديد؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الطريق.
وقال أبو حنيفة: إذا خرج إلى مصر في ثلاثة أيام، وأمكنه أن يصل إليه من طريق آخر
في يوم واحد - قصر.
وقال الشافعي: إن كان لغرض صحيح قصر، وإن كان من غير غرض صحيح لم يقصر،
ويكون كالعاصي في سفره، والصحيح: قولنا؛ لأن الحكم معلّق بالسفر؛ فكان المعتبر مسيرة
ثلاثة أيام على قصد السفر، وقد وجد.
والثاني: نية(٤) مدة السفر؛ لأن السير قد يكون سفراً، وقد لا يكون؛ لأن الإنسان قد
يخرج من مصره إلى موضع الإصلاح الضيعة، ثم تبدو له حاجة أخرى إلى المجاوزة عنه إلى
موضع آخر، ليس بينهما مدة سفر، ثم وثم إلى أن يقطع مسافة بعيدة أكثر من مدة السفر، لا
لقصد السفر؛ فلا بد من النية للتمييز.
والمعتبر في النية هو نية الأصل دون التابع، حتى يصير العبد مسافراً بنية مولاه، والزوجة
بنية الزوج، وكل من لزمه طاعة غيره كالسلطان؛ وأمير الجيش؛ لأن حكم التبع حكم الأصل،
وأما الغريم مع صاحب الدين: فإن كان ملياً فالنية إليه؛ لأنه يمكنه قضاء الدين والخروج من
يده، وإن كان مفلساً فالنية إلى الطالب؛ لأنه لا يمكنه الخروج من يده، فكان تابعاً له.
والثالث: الخروج(٥) من عمران المصر؛ فلا يصير مسافراً بمجرد نية السفر، ما [لم] (٦)
(١) تقدم تخريجه .
(٢) سقط في ب.
(٣)
في ب: مسيرة ثلاثة أيام.
(٤)
في هامش ب: نية السفر شرط.
(٥) في هامش ب: الخروج من عمران المصر شرط مع النية.
(٦) سقط في ط .

٤٧٧
كتاب الصلاة
يخرج من عمران المصر. وأصله: ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه لما خرج من البصرة
يريد الكوفة، صلى الظهر أربعاً، ثم نظر إلى خص أمامه، وقال: لو جاوزنا الخص صلينا
ركعتين، ولأن النية إنما تعتبر إذا إذا كانت مقارنة للفعل؛ لأن مجرّد العزم عفو، وفعل السفر
لا يتحقق إلا بعد الخروج من المصر، فما لم يخرج لا يتحقق قران النية بالفعل، فلا يصير
مسافراً.
وهذا بخلاف المسافر إذا نوى/ الإقامة في موضع(١) صالح للإقامة؛ حيث يصير مقيماً ١٤٧
للحال؛ لأن نية الإقامة هناك قارنت الفعل وهو ترك السفر؛ لأن ترك الفعل فعل فكانت
معتبرة؛ وههنا بخلافه، وسواء خرج في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره، حتى لو بقي
من الوقت مقدار ما يسع لأداء ركعتين - فإنه يقصر في ظاهر قول أصحابنا.
وقال محمد بن شجاع الثلجي، وإبراهيم النخعي: إنما يقصر إذا خرج قبل الزوال، فأما
إذا خرج بعد الزوال؛ فإنه يكمل الظهر، وإنما يقصر العصر.
وقال الشافعي: إذا مضى من الوقت مقدار ما يمكنه أداء أربع ركعات فيه - يجب عليه
الإكمال، ولا يجوز له القصر، وإن مضى دون ذلك اختلف أصحابه فيه، وإن بقي من الوقت
مقدار ما يسع لركعة واحدة لا غير، أو للتحريمة(٢) فقط - يصلي ركعتين عندنا. وعند زفر:
يصلي أربعاً.
أما الكلام في المسألة الأولى: فبناء على أن لاصلاة تجب في أول الوقت، أو في آخره.
فعندهم: تجب في أول الوقت، فكلما دخل الوقت، أو مضى منه مقدار ما يسع لأداء الأربع .
وجب عليه أداء أربع ركعات، فلا يسقط شطرها بسبب السفر بعد ذلك، كما إذا صارت ديناً
في الذمة بمضي الوقت ثم سافر - لا يسقط الشطر؛ كذا ههنا.
وعند المحققين من أصحابنا: لا تجب في أول الوقت على التعيين، وإنما تجب في جزء
من الوقت غير معيّن(٣)، وإنما التعيين إلى المصلي من حيث الفعل، حتى أنه إذا شرع في أول
الوقت يجب في ذلك الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره، ومتى لم يعيّن بالفعل، حتى
بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه أربعاً وهو مقيم - يجب عليه تعيين ذلك الوقت للأداء فعلاً؛
حتى يأثم بترك التعيين، وإن كان لا يتعيّن للأداء بنفسه شرعاً، حتى لو صلى فيه التطوع -
جاز، وإذا كان كذلك لم يكن أداء الأربع واجباً قبل الشروع.
(١) في ب: مكان.
(٢) في ب: التحريمة.
(٣) في ب: عين.

٤٧٨
كتاب الصلاة
فإذا نوى السفر، وخرج من العمران حتى صار مسافراً - تجب عليه صلاة المسافرين، ثم إن
كان الوقت فاضلاً على الأداء يجب عليه أداء ركعتين في جزء من الوقت غير معيّن؛ ويتعيّن ذلك
بعضله، وإن لم يتعيّن بالفعل إلى آخر الوقت يتعيّن آخر الوقت؛ لوجوب تعيينه للأداء فعلاً .
وكذا إذا لم يكن الوقت فاضلاً على الأداء، ولكنه يسع للركعتين - يتعين للوجوب.
ويبني على هذا الأصل: الطاهرة إذا حاضت في آخر الوقت، أو نفست، والعاقل إذا جن أو
أغمي عليه، والمسلم إذا ارتد - والعياذ بالله - وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض - لا يلزمهم
الفرض عند أصحابنا؛ لأن الوجوب يتعيّن في آخر الوقت عندنا إذا لم يوجد الأداء قبله،
فيستدعي الأهلية فيه؛ لاستحالة الإيجاب على غير الأهل ولم يوجد، وعندهم: يلزمهم
الفرض، لأن الوجوب عندهم بأول الوقت، والأهلية ثابتة في أوله. ودلائل هذا الأصل تعرف
في أصول الفقه، ولو صلى الصبي الفرض في أول الوقت ثم بلغ - تلزمه الإعادة عندنا؛ خلافاً
للشافعي. وكذا إذا أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة - لا يجزيه عن حجة الإسلام - عندنا
- خلافاً له .
وجه قوله: أن عدم الوجوب عليه كان نظراً له، والنظر له هنا الوجوب، كيلا تلزمه
الإعادة، فأشبه الوصية؛ حيث صحت منه نظراً له، وهو الثواب ولا ضرر فيه؛ لأن ملكه يزول
بالميراث إن لم يزل بالوصية .
ولنا: أن في نفس الوجوب ضرراً، فلا يثبت مع الصبي، كما لو لم يبلغ فيه، وإنما
انقلب نفعاً بحالة اتفقت وهي البلوغ فيه؛ وإنه نادر فبقي عدم الوجوب؛ لأنه نفع في الأصل -
المسلم: إذا صلى ثم ارتد عن الإسلام - والعياذ بالله - تم أسلم في الوقت - فعليه إعادة الصلاة
عندنا. وعند الشافعي: لا إعادة عليه؛ وعلى هذا الحج، واحتج بقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد
منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ [البقرة: ٢١٧] علق
حبط العمل بالموت على الردة دون نفس الردة؛ لأن الردة حصلت بعد الفراغ من القربة فلا
يبطلها، كما لو تيمم ثم ارتد عن الإسلام ثم أسلم.
ولنا: قوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: ٥] وقوله تعالى: ﴿ولو
أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: ٨٨] علق حبط العمل بنفس الاشراك بعد
الإيمان. وأما الآية فنقول: من علق حكماً بشرطين، وعلّقه بشرط - فالحكم يتعلق بكل واحد
من التعليقين، وينزل عند أيهما وجد، كمن قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم الخميس. ثم قال
له: أنت حر إذا جاء يوم الجمعة - لا يبطل واحد منهما، بل إذا جاء يوم الخميس عتق، ولو
كان باعه فجاء يوم الخميس ولم يكن في ملكه، ثم اشتراه فجاء يوم الجمعة وهو في ملكه -
عتق بالتعليق الآخر .

٤٧٩
كتاب الصلاة
وأما التيمّم: فهو (١) وليس بعبادة، وإنما هو طهارة، وأثره/ الردة في إبطال العبادات، ٤٧ ب
إلا أنه لا ينعقد مع الكفر لعدم الحاجة، والحاجة ــ ههنا - متحققة، والردة لا تبطلها؛ لكونه
مجبوراً على الإسلام - فبقيت الحاجة على ما ذكرنا في فصل التيمم. والله أعلم.
وأما الكلام في المسألة الثانية: فبناء على أصل مختلف بين أصحابنا، وهو مقدار ما
يتعلق به الوجوب في آخر الوقت.
قال الكرخي، وأكثر المحققين من أصحابنا: إِنَّ الوجوب يتعلق بآخر الوقت بمقدار
التحريمة .
وقال زفر: لا يجب إلا إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدي فيه الفرض. وهو اختيار
القدوري، وبنى على هذا الأصل الحائض إذا طهرت في آخر الوقت، وبلغ الصبي، وأسلم
الكافر، وأفاق المجنون، والمغمى عليه، وأقام المسافر، أو سافر المقيم؛ وهي مسألة الكتاب.
فعلى قول زفر، ومن تابعه من أصحابنا: لا يجب الفرض، ولا يتغيّر إلا إذا بقي من الوقت
مقدار ما يمكن فيه الأداء؛ وعلى القول المختار: يجب الفرض، ويتغيّر الأداء، وإن بقي [من
الوقت](٢) مقدار ما يسع للتحريمة فقط.
وجه قول زفر: أن وجوب الأداء يقتضي تصوّر الأداء، وأداء كل الفرض في هذا القدر لا
يتصوّر؛ فاستحال وجوب الأداء.
ولنا: أن آخر الوقت يجب تعيينه على المكلّف للأداء فعلاً على ما مر، فإن بقي مقدار ما
يسع لكل الصلاة يجب تعيينه لكل الصلاة فعلاً بالأداء، وإن بقي مقدار ما يسع للبعض وجب
تعيينه لذلك البعض؛ لأن تعيين كل الوقت لكل العبادة، تعيين كل أجزائه لكل أجزائها
ضرورة .
وفي تعيين جزء من الوقت لجزء من الصلاة فائدة، وهي أن الصلاة لا تتجزّأ، فإذا وجب
البعض فيه وجب الكل فيما يتعقّبه من الوقت، إن كان لا يتعقّبه وقت مكروه، وإن تعقّبه يجب
الكل ليؤدي في وقت آخر، وإذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما يسع التحريمة - وجب تحصيل
التحريمة، ثم تجب بقية الصلاة؛ لضرورة وجوب التحريمة، فيؤديها في الوقت المتصل به فيما
وراء الفجر، وفي الفجر يؤديها في وقت آخر؛ لأن الوجوب على التدريج الذي ذكرنا قد تقرّر،
وقد عجز عن الأداء فيقضي؛ وهذا بخلاف الكافر إذا أسلم بعد طلوع الفجر من يوم رمضان،
(١) في ب: فالتيمم.
(٢) سقط في أ، ط.

٤٨٠
كتاب الصلاة
حيث لا يلزمه صوم ذلك اليوم؛ لأن هناك الوقت معيار للصوم، فكل جزء منه على الإطلاق لا
يصلح للجزء الأول من العبادة، بل الجزء الأول من الوقت متعيّن للجزء الأول من العبادة، ثم
الثاني منه للثاني منها، والثالث للثالث وهكذا، فلا يتصوّر وجوب الجزء الأول من العبادة في
الجزء الثاني أو الخامس من الوقت ولا الجزء الخامس من العبادة من الجزء السادس من
الوقت، فإذا فات الجزء الأول من الوقت؛ وهو ليس بأهل - فلم يجب الجزء الأول من
العبادة؛ لاستحالة الوجوب على غير الأهل، فبعد ذلك، وإن أسلم في الجزء الثاني أو العاشر -
لا يتصور وجوب الجزء الأول من الصوم في ذلك الجزء من الوقت؛ لأنه ليس بمحل لوجوبه
فيه، ولأن وجوب كل جزء من الصوم في جزء من الوقت؛ وهو محل أدائه، والجزء الثاني من
اليوم لا يتصور أن يكون محلاً للجزء الأول من العبادة، فلا يتصوّر وجوب الجزء الأول؛ فلا
يتصوّر وجوب الجزء الآخر؛ لأن الصوم لا يتجزأ وجوباً ولا أداء؛ بخلاف الصلاة؛ لأن هناك
كل جزء مطلق من الوقت يصلح أن يجب فيه الجزء الأول من الصلاة؛ إذ التحريمة منها في
ذلك الوقت؛ لأن الوقت ليس بمعيار للصلاة؛ فهو الفرق. والله الموفق.
ثم ما ذكرنا من تعلّق الوجوب [في آخر الوقت] (١) بمقدار التحريمة في حق الحائض إذا
كانت أيامها عشراً، فأما إذا كانت أيامها دون العشرة، فإنما تجب عليها الصلاة إذا طهرت
وعليها من الوقت مقدار ما تغتسل فيه، فإن كان عليها من الوقت ما لا تستطيع أن تغتسل فيه،
أو لا تستطيع أن تتحرم للصلاة - فليس عليها تلك الصلاة؛ حتى لا يجب عليها القضاء.
والفرق: أن أيامها إذا كانت أقل من عشرة، لا يحكم بخروجها من(٢) الحيض بمجرد
انقطاع الدم، ما لم تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة؛ تصير تلك الصلاة ديناً عليها، وإذا
كانت أيامها عشرة؛ بمجرد الانقطاع يحكم بخروجها عن الحيض، فإذا أدركت جزءاً من الوقت
يلزمها قضاء تلك الصلاة، سواء تمكنت من الاغتسال أو لم تتمكن، بمنزلة كافر أسلم وهو
جنب، أو صبي بلغ بالاحتلام في آخر الوقت؛ فعليه قضاء تلك الصلاة، سواء تمكّن من
الاغتسال في الوقت أو لم يتمكن؛ وهذا لأن الحيض هو خروج الدم(٣) في وقت معتاد، فإذا
انقطع (٤) الدم كان ينبغي أن يحكم بزواله؛ لأن الأصل أن ما انعدم حقيقة انعدم حكماً، إلا أنّا
لا نحكم بخروجها من الحيض ما لم تغتسل إذا كانت أيامها أقل من عشرة؛ لإجماع الصحابة
٤٨ أ رضي الله/ عنهم.
(١) سقط في ط .
(٢) في ب: عن.
(٣) في ب: اللوث.
(٤) في ب: اللوث.