النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب الطهارة
يستفسرْهُ أنه كان في مفازة أو مِصْرٍ، ولأنه عَلَّلَ فعله بعلَّة عامَّة، وهي خوف الهلاك، ورسول
اللهِ الَّهُ اسْتَصْوَبَ ذلك منه، والحكم يتعمَّم بعموم العلّة(١).
ورواه أبو داود (٣٣٥)، والدارقطني (١٧٨/١): كتاب الطهارة: باب التيمم (١٣)، الحاكم (١٧٧/١)
=
والبيهقي (٢٢٥/١) من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن
عبد الرحمن بن حبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان على سرية فذكر
الحدیث .
وفيه: «فغسل معابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم وليس فيه ذكر التيمم.
وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث جرير بن
حازم عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب) أ. هـ.
وللحدیث شاهد من حديث ابن عباس.
أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٢٣٤/١١) رقم (١١٥٩٣) من طريق يوسف بن خالد السمتي ثنا زياد بن
سعد عن عكرمة عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب فلما قدموا على رسول
الله ◌َّلي ذكروا ذلك له فدعاه رسول الله صل﴿ فسأله عن ذلك فقال يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد وقد
قال الله عز وجل ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ فسكت عنه رسول الله داخله.
والحديث ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد)) (٢٦٧/١) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه يوسف بن
خالد السمتي وهو كذاب.
(١) العلة: تأتي بكسر العين وبفتحها.
أما بالكسر: فإنها تأتي بمعنى المرض، يقال: اعتلَّ العليل علة صعبة، من عل يعل واعتل، أي مرض
فهو عليل، وأما بالفتح فإنها تأتي بمعنى الضرة وبنو العلات: بنو رجلٍ واحد من أمهات شتى، وإنما
سميت الزوجة الثانية علة، لأنها تعل بعد صاحبتها، من العلل الذي يعني به الشربة الثانية عند سقي
الإبل، والأولى منهما تسمى النهل.
ويقال: هذا علة لهذا، أي سبب، وفي حديث عائشة: فكان عبد الرحمن يضرب رجلي بعلة الراحلة، أي
بسببها .
أما العلة عند علماء الأصول فلها تعريفات كثيرة منها أنه يراد بها:
الوصف المؤثر في الأحكام لمعل الشارع لا لذاته، ومما صار على ضرب هذا التعريف الإمام الغزالي
وبعض الأصوليين قال حجة الإسلام قدس الله سره ونوّر ضريحه: والعلة في الأصل: عبارة عما يتأثر
المحل بوجوده، ولذلك سمى المرض علة وهي في اصطلاح الفقهاء على هذا المذاق.
وقال أيضاً: العلة عبارة عن موجب الحكم، والموجب: ما جعله الشرع وجباً، مناسباً كان أو لم يكن،
وهي كالعلل العقلية في الإيجاب، إلا أن إيجابها يجعل الشارع إياها موجبة لا بنفسها)) وقال أيضاً: والعلة
موجبة، أما العقلية فبذاتها، وأما الشرعية فيجعل الشرع إياها موجبة على معنى إضافة الوجوب إليها كافة
وجوب القطع إلى السرقة، وإن كنا نعلم أنه إنما يجب بإيجاب الله تعالى/ أنه يراد بها المعرف للحكم،
والذين صاروا إلى هذا التعريف يجعلونه بهذا المعنى - علماً - على الحكم حتى إن بعضهم صرّح بكونها
كذلك فقال: ((ما جعل علماً على حكم النص، وعنوا بقولهم علماً» الأمارة والعلامة، وبهذا تكون العلة
أمارة على وجود الحكم في الفرع والأصل معاً، أو علامة على وجوده في الفرع فقط كما يرى بعض
الأصوليين .
بدائع الصنائع ج١ - م٢١
=

٣٢٢
كتاب الطهارة
وقولهما: إن العجز في المصر نادر، فالجواب عنه: إنه في حق الفقراء الغرباء ليس
بنادر، على أن الكلام فيما إذا تحقق العجز من كل وجه، حتى لو قدر على الاغتسال بوجه من
الوجوه - لا يباح له التيمم، ولو كان مع رفيقه ماء، فإن لم يعلم به - لا يجب عليه الطلب
عندنا، وعند الشافعي يجب على ما ذكرنا، وأن علم به، ولكن لا ثمن له - فكذلك عند أبي
حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه السؤال.
وجه قوله: إن الماء مبذول في العادة لقلة خطره، فلم يعجز عن الاستعمال، ولأبي
حنيفة: إن العجز متحقق، والقدرة موهومة؛ لأن الماء من أعز الأشياء في السفر، فالظاهر عدم
البذل، فإن سأله فلم يعطه أصلاً - أجزأه التيمم؛ لأن العجز قد تقرر، وكذا إن كان يعطيه
بالثمن، ولا ثمن له لما قلنا، وإن كان له ثمن، ولكن لا يبيعه إلا بغبن فاحش - يتيمم؛ ولا
يلزمه الشراء عند عامة العلماء.
وقال الحسن البصري: يلزمه الشراء ولو بجميع ماله؛ لأن هذه تجارة رابحة.
ولنا: أنه عجز عن استعمال الماء إلا بإتلاف شيء من ماله؛ لأن ما زاد على ثمن المثل
كما أنهم أيضاً أشاروا إلى أن العلة غير مؤثر حقيقة، بل المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى، ويردون بذلك
=
على من يقول إنها هي المؤثر.
وممن ذهب إلى هذا التعريف: الإمام البيضاوي وكثير من علماء الأحناف وبعض فقهاء الحنابلة.
والثالث: أنه العلة: هي الوصف المؤثر بذاته في الحكم. وبعبارة أخرى: هي الموجب للحكم بذاته بناء
على جلب المصالح أو دفع المفاسد التي قصدها الشارع وهذا التعريف ذكره الأصوليون عن جماهير
المعتزلة .
قال أبو الحسين البصري في المعتمد :
وأما العلة في اصطلاح الفقهاء: فهي ما أثرت حكماً شرعياً، وإنما يكون الحكم شرعياً إذا كان مستفاداً
من الشرع.
ينظر. الصحاح للجوهري: (١٧٧٣/٥)، تهذيب اللغة للأزهري (١٠٥/١)، لسان العرب (٣٠٧٩/٤ -
٣٠٨٠)، ترتيب القاموس (٣٥٠/٣) البحر المحيط للزركشي (١١١/٥)، الإحكام في أصول الأحكام
للآمدي (١٨٥/٣) نهاية السول للأسنوي (٥٣/٤)، منهاج العقول للبدخشي (٥٠/٣)، غاية الوصول
للشيخ زكريا الأنصاري ص (١١٤)، التحصيل من المحصول للأرموي (٢٢٢/٢)، المستصفى للغزالي
(٢٨٧/٢، ٣٣٥)، حاشية البناني (٢٣١/٢)، الآيات البينات لابن قاسم العبادي (٣٢/٤)، تخريج
الفروع على الأصول للزنجاني ص (٤٧)، حاشية العطار على جمع الجوامع (٢٧٢/٢)، المعتمد لأبي
الحسين (٢٤٦/٢)، التحرير لابن الهمام ص (٤٣١)، تيسير التحرير لأمير بادشاه (٣٠٢/٣)، كشف
الأسرار للنسفي (٢٨١/٢)، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى (٢١٧/٢)، شرح التلويح
على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (٦٢/٢)، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص
(٢٤٣)، ميزان الأصول للسمر قندي (٨٢٥/٢)، إرشاد الفحول للشوكاني ص (٢١٠)، التقرير والتحبير
لابن أمير الحاج (١٤١/٣).

٣٢٣
كتاب الطهارة
٢٤
لا يقابله عوض، وحرمة/ مال المسلم كحرمة دمه .
قال النبيِ وَّرَ: ((حُزْمَةُ مَالِ المُسْلِم كَحُزْمَةِ دَمِهِ»(١)، لهذا أبيح له القتال دون ماله؛ كما
أبيح(٢) له دون نفسه، ثم خوف فوات بعض النفس مبيح للتيمم، فكذا [خوف](٣) فوات بعض
المال، بخلاف الغبن اليسير؛ لأن (٤) تلك الزيادة غير معتبرة لما يذكره(٥).
ثم قدر الغبن(٦) الفاحش في هذا الباب مقدر بتضعيف الثمن.
وذكر في ((النوادر)»: فقال: إن كان الماء يشترى في ذلك الموضع بدرهم، وهو لا يبيعه
إلا بدرهم ونصف - يلزمه [الشراء](٧)، وإن كان لا يبيع إلا بدرهمين - لا يلزمه [الشراء](٨) وإن
كان يبيعه بثمن المثل في ذلك الموضع - يلزمه الشراء؛ لأنه قدر على استعمال الماء بالقدرة
على بدله من غير إتلاف، فلا يجوز له التيمم، كمن قدر على ثمن الرقبة لا يجوز له التكفير
بالصوم، وإن كان لا يبيع إلا بغبن يسير فكذلك عند أصحابنا.
وقال الشافعي: لا يلزمه الشراء اعتباراً بالغبن الفاحش، وهذا الاعتبار غير سديد، لأن ما
لا يتغابن الناس فيه فهو زيادة متيقن بها؛ لأنها لا تدخل تحت اختلاف المقومين؛ فكانت
معتبرة، وما يتغابن الناس فيه يدخل تحت اختلافهم، فعند بعضهم: هو زيادة، وعند بعضهم:
ليس بزيادة، فلم تكن زيادة متحققة فلا تعتبر.
وذكر الكرخي في «جامعه» أن المصلي إذا رأى مع رفيقه ماء كثيراً، ولا يدري أيعطيه أم
لا: أنه يمضي على صلاته؛ لأن الشروع قد صح، فلا ينقطع بالشك، فإذا فرغ من صلاته
سأله، فإن أعطاه توضأ واستقبل الصلاة؛ لأن البذل بعد الفراغ دليلُ البذل قبله، وإن أبى
فصلاته ماضية؛ لأن العجز قد تقرر، فإن أعطاه بعد ذلك - لم ينتقض مَا مَضَى؛ لأن عدم الماء
استحكم بالإباء، ويلزمه الوضوء لصلاة أخرى؛ لأن حكم الإباء ارتفض بالبذل.
وقال محمد - في رجلين مع أحدهما إناء يغترف به من البئر، ووعد صاحبه أن يعطيه
١
(١) أخرجه البزار (١١٧/٤ - البحر الزخار) رثم (١٦٩٩) من حديث ابن مسعود.
وأخرجه الدارقطني (٢٦/٣) من حديث أنس وأخرجه أحمد (٧٢/٥) والدارقطني (٢٦/٣) من حديث
أبي حرة الرقاشي عن عمه .
(٢) في ب: يباح.
(٣) سقط في ط.
(٤) في ط: فأن.
(٥) في ط: يذكر.
(٦) في هامش ب: تفسير الغبن الفاحش.
(٧) سقط في ط.
1

٣٢٤
كتاب الطهارة
الإناء قال: ينتظر وإن خرج الوقت؛ لأن الظاهر هو الوفاء بالعهد(١)، فكان قادراً على استعمال
الماء بالوعد، وكان قادراً على استعمال الماء ظاهراً؛ فيمنع المصير إلى التيمم، وكذا إذا وعد
الكاسي العاري أن يعطيه الثوب إذا فرغ من صلاته - لم تجزه الصلاة عرياناً لما قلنا، وعلى هذا
الأصل، يخرج مسافر(٢) تيمم، وفي رحله ماء لم يعلم به حتى صلى، ثم علم به - أجزأه في
قول أبي حنيفة ومحمد، ولا يلزمه الإعادة، وقال أبو يوسف: [لا] (٣) لم يجزه ويلزمه الإعادة،
وهو قول الشافعي.
وأجمعوا على أنه لو صلى في ثوب نجس ناسياً، أو توضأ بماء نجس ناسياً، ثم تذكر -
لا يجزئه [وتلزمه الإعادة] (٤).
لأبي يوسف وجهان:
أحدهما: أنه نسي ما لا ينسى عادة؛ لأن الماء من أعز الأشياء في السفر؛ لكونه سبباً
لصيانة نفسه عن الهلاك، فكان القلب متعلقاً به، فالتحق النسيان فيه بالعدم.
والثاني: أن الرحل موضع الماء عاده غالباً؛ لحاجة المسافر إليه، فكان الطلب واجباً،
فإذا تيمم قبل الطلب لا يجزئه(٥) كما في العمران.
ولهما: أن العجز عن استعمال الماء قد تحقَّق بسبب الجهالة(٦) والنسيان، فيجوز التيممُ
كما لو حصل العجزُ بسبب البعد أو المرض، أو عدم الدلو والرشا، وقوله: نسي ما لا ينسى
عادة، ليس كذلك؛ لأن النسيان جبلة في البشر، خصوصاً إذا مر به أمر يشغله عما وراءه،
والسفر محل المشقات، ومكان المخاوف، فنسيان الأشياء فيه غير نادر - وأما قوله: الرحل
معدن الماء ومكانه، فليس كذلك؛ فإن الغالب في الماء الموضوع في الرحل هو النفاد لقلته،
فلا يكون بقاؤه غالباً، فيتحقق العجز ظاهراً بخلاف العمران؛ [لأنه](٧) لا يخلو عن الماء
غالباً .
ولو صلى عرياناً، أو مع ثوب نجس، وفي رحله ثوب طاهر لم يعلم به ثم علم - قال
(١) في أ، ب: الوعد.
(٢) في هامش ب: مسافر تيمم وفي رحله ماء ولم يعلم.
(٣) في ط: لم.
(٤) بدل ما بين المعكوفين في ب: ويعيد الصلاة.
(٥) في ب: يلزمه.
(٦) في ب: الجهل.
(٧) سقط في أ، ب.

٣٢٥
كتاب الطهارة
بعض مشيخنا: يلزمه الإعادة بالإجماع، وذكر الكرخي أنه على الاختلاف(١) وهو الأصح، ولو
كان عليه كفارة اليمين، وله رقبة قد نسيها وصام ـ قيل: إنه على الاختلاف، والصحيح أنه لا
يجوز بالإجماع؛ لأن المعتبر ثمة ملك الرقبة، ألا ترى أنه لو عرض عليه رقبة - كان له ألا يقبل
ويكفر بالصوم، وبالنسيان لا ينعدم الملك، وههنا المعتبر هو القدرةُ على الاستعمال،
وبالنسيان زالت القدرة.
ألا ترى [إنه] (٢) لو عرض عليه الماء - لا يجزئه(٣) التيمم؛ ولأن النسيان في هذا الباب
في غاية الندرة فكان ملحقاً بالعدم.
ولو وضع غيره في رحله ماء، وهو لا يعلم به، فتيمم وصلى، ثم علم - لا رواية لهذا
أيضاً. وقال بعض مشايخنا: إن لفظ الرواية في ((الجامع الصغير يدلّ على أنه يجوز بالإجماع،
فإنه قال في الرجل يكون في رحله ماء فينسى، والنسيان يستدعي [تقدم](٤) العلم، ثم مع ذلك
جعل عذراً عندهما، فبقي موضع لا علم فيه أصلاً، ينبغي أن يجعل عُذْراً عند الكل .
ولفظ الرواية في ((كتاب الصلاة)) يدل على أنه على الاختلاف؛ فإنه قال: مسافر تيمم،
ومعه ماء في رحله، وهو لا يعلم به، وهذا يتناول حالة النسيان وغيرها، ولو ظن أن ماءه قد
فني، فتيمم وصلى، ثم تبين له أنه/ قد بقي - لا يجزئه بالإجماع؛ لأن العلم لا يبطل بالظن، ٢٤ب
فكان الطلبُ واجباً بخلاف النسيان؛ لأنه من أضداد العلم.
ولو كان على رأسه أو ظهره ماء، أو كان معلقاً في عنقه فنسيه، فتيمم ثم تذكر - لا
يجزئه بالإجماع؛ لأن النسيان في مثل هذه الحالة - نادر، ولو كان الماء معلقاً على الأكتاف -
فلا يخلو: إما إن كان راكباً أو سائقاً، فإن كان راكباً، فإن كان الماء في مؤخر الرحل فهو على
الاختلاف، وإن كان في مقدم الرحل لا يجوزُ بالإجماع؛ لأن نسيانه نادر، وإن كان سائقاً -
فالجواب على العكس، وهو أنه إن كان في مؤخر الرحل - لا يجوز(٥) بالإجماع؛ لأنه يراه
ويبصره، فكان النسيان نادراً، وإن كان في مقدم الرحل فهو على الاختلاف.
المحبوس(٦) في المصر في مكان طاهر يتيمم ويصلي، ثم يعيد إذا خرج، وروى الحسن
(١) في ب: الخلاف.
(٢) سقط في ط.
(٣) في ب: لا يجوز له.
(٤) سقط في أ، ب.
(٥) في ب: لم يجز.
(٦) في هامش ب: المحبوس في المصر في مكان طاهر يتيمم ويصلي.

٣٢٦
كتاب الطهارة
عن أبي حنيفة أنه لا يصلي؛ وهو قول زفر، وروي عن أبي يوسف: أنه لا يعيد الصلاة.
وجه رواية أبي يوسف؛ أنه عجز عن استعمال الماء حقيقة بسبب الحبس، فأشبه العجز
بسبب المرض ونحوه، فصار الماء [معدوماً] (١) معنى في حقه، فصار مخاطباً بالصلاة بالتيمم؛
فالقدرة بعد ذلك لا تبطل الصلاة المؤداة كما في سائر المواضع، وكما في المحبوس في
السفر .
وجه رواية الحسن أنه ليس بعادم للماء حقيقة وحكماً. أما الحقيقة فظاهرة، وأما
الحكم؛ فلأن الحبس إن كان بحق فهو قادر على إزالته بإيصال الحق إلى المستحق، وإن كان
بغير حق فالظلم لا يدومُ في دار الإسلام، بل يرفع، فلا يتحقق العجز؛ فلا يكون التراب
طهوراً في حقه .
وجه ظاهر الرواية: أن العجز للحال قد تحقق، إلا أنه يحتمل الارتفاع، فإنه قادر على
رفعه إذا كان بحق، وإن كان بغير حق فكذلك؛ لأن الظلم يدفع، وله ولاية الدفع بالرفع إلى
من له الولاية، فأمر بالصلاة احتياطاً؛ [لتوجه الأمر بالصلاة بالتيمم؛ لأن احتمال الجواز
ثابت](٢) لاحتمال أن هذا القدر من العجز يكفي لتوجيه الأمر بالصلاة بالتيمم، وأمر بالقضاء
في الثاني؛ لأن احتمال عدم الجواز ثابت؛ لاحتمال أن المعتبر حقيقة القدرة دون العجز
الحالي، فيؤمر بالقضاء؛ عملا بالشبهين، وأخذا بالثقة والاحتياط، وصار كالمقيد أنه يصلي
قاعداً، ثم يعيد إذا أطلق، كذا هذا بخلاف المحبوس في السفر؛ لأن ثمة تحقق العجز من كل
وجه؛ لأنه انضاف إلى المنع الحقيقي السفر، والغالب في السفر عدم الماء.
وأما المحبوس(٣) في مكان نجس لا يجد ماء ولا تراباً نظيفاً - فإنه لا يصلي عند أبي
حنيفة .
وقال أبو يوسف: يصلي بالإيماء، ثم يعيد إذا خرج؛ وهو قول الشافعي، وقول محمد
مضطرب، وذكر في عامة الروايات [أنه](٤) مع أبي حنيفة، وفي ((نوادر أبي سليمان)) مع أبي
يوسف. وجه قول أبي يوسف: أنه إن عجز عن حقيقة الأداء - فلم يعجز عن التشبه؛ فيؤمر
بالتشبه كما في باب الصوم.
وقال بعض مشايخنا: إنما يصلي بالإيماء على مذهبه، إذا كان المكان رطباً - أما إذا كان
(١) في ط: عدما.
(٢) سقط في أ، ب.
(٣) في هامش ب: المحبوس في مكان نجس لا يجد ماء ولا تراباً نظيفاً.
(٤) سقط في ط .

٣٢٧
كتاب الطهارة
يابساً؛ فإنه يصلي بركوع وسجود، والصحيح عنده أنه يومىء كيفما كان؛ لأنه لو سجد لصار
مستعملاً للنجاسة، ولأبي حنيفة: أن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة؛ فإن الله تعالى جعل أهل
مناجاته الطاهر لا المحدث(١)، والتشبه إنما يصح من الأهل، ألا ترى أن الحائض لا يلزمها
التشبه في باب الصوم والصلاة؛ لانعدام الأهلية، بخلاف المسألة المتقدمة؛ لأن هناك حصلت
الطهارة من وجه، فكان أهلاً من وجه، فيؤدي الصلاة، ثم يقضيها احتياطاً .
مسافر مر بمسجد فيه عين ماء وهو جنب، ولا يجد غيره - جاز له التيمم لدخول
المسجد؛ لأن الجنابة مانعة من دخول المسجد عندنا على كل حال، سواء كان الدخول على
قصد المكث أو الاجتياز، على ما ذكرنا فيما تقدم، فكان عاجزاً عن استعمال هذا الماء، فكان
هذا الماء ملحقاً بالعدم في حق جواز التيمم، فلا يمنع جواز التيمم، ثم وجود الماء (٢) إنما
يمنع من جواز التيمم، إذا كان القدر الموجود يكفي للوضوء إن كان محدثاً، وللاغتسال إن
كان جنباً، فإن كان لا يكفي لذلك - فوجوده لا يمنع جواز التيمم عندنا.
وقال الشافعي: يمنع قليله وكثيره حتى إن المحدث إذا وجد من الماء قدر ما يغسل
بعض أعضاء وضوئه ـ جاز له أن يتمم عندنا، مع قيام ذلك الماء، وعنده: لا يجوز مع قيامه :
وكذلك الجنب إذا وجد من الماء قدر ما يتوضأ لا غير - اجزأه التيمم عندنا، وعنده لا يجزئه
إلا بعد تقديم الوضوء، حتى يصير عادماً للماء، واحتج بقوله تعالى في آية التيمم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا
مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، ذكر الماء نكرة في محل النفي، فيقتضي الجواز عند عَدَم كل جزء من أجزاء
الماء؛ ولأن النجاسة الحكمية وهي الحدث تعتبر بالنجاسة الحقيقية، ثم لو كان معه من الماء
ما يزيل به بعض النجاسة الحقيقية - يؤمر بالإزالة، كذا هنا.
ولنا أن المأمور به الغسل المبيح للصلاة، والغسل الذي لا يبيح الصلاة. وجوده/ والعدم ٢٥أ
[بمنزلة واحدة](٣)، كما لو كان الماء نجساً، ولأن الغسل إذا لم يفد الجواز - كان الاشتغال به
سفها، مع أن فيه تضييع الماء وأنه حرام، فصار كمن وجد ما يطعم به خمسة مساكين، فكفر
بالصوم، أنه يجوز، ولا يؤمر بإطعام الخمسة لعدم الفائدة، فكذا هذا، بل أولى؛ لأن هناك لا
يؤدي إلى تضييع المال؛ لحصول الثواب بالتصدق، ومع ذلك لم يؤمر به لما قلنا، فههنا
أولى .
وبه تبين أن المراد من الماء المطلق في الآية هو المقيد، وهو الماء المقيد لإباحة الصلاة
(١) في ب: من كان هو طاهر لا محدث.
(٢) في هامش ب: وجود الماء يمنع جواز التيمم إذا كان القدر الموجود يكفي.
(٣) في ب: سيان.

٣٢٨
كتاب الطهارة
عند الغسل به؛ كما يقيد بالماء الطاهر؛ ولأن مطلق الماء يتصرف إلى المتعارف، والمتعارف
من الماء في باب الوضوء والغسل - هو الماء الذي يكفي للوضوء والغسل، فينصرف المطلق
إليه، واعتباره بالنجاسة الحقيقية غير سديد؛ لأنهما مختلفان في الأحكام، فإن قليل الحدث
ككثيره في المنع من الجواز، بخلاف النجاسة الحقيقية؛ فيبطل الاعتبار.
ولو تيمم الجنب، ثم أحدث بعد ذلك ومعه من الماء قدر ما يتوضأ به - فإنه يتوضأ به
ولا يتيمم؛ لأن التيمم الأول أخرجه من الجنابة إلى أن يجد من الماء ما يكفيه للاغتسال، فهذا
محدث وليس بجنب، ومعه من الماء قدر ما يكفيه للوضوء - فيتوضأ به. فإن توضأ ولبس
خفيه، ثم مرّ على الماء فلم يغتسل، ثم حضرته الصلاة ومعه من الماء قدر ما يتوضأ به - فإنه
لا يتوضأ به، ولكنه يتيمم؛ لأنه بمروره على الماء عاد جنباً كما كان، فعادت المسألة الأولى.
ولا ينزع الخفين، لأن القدم ليست بمحل للتيمم، فإن تيمم، ثم أحدث وقد حضرته
صلاة أخرى، وعنده من الماء قدر ما يتوضأ به - توضأ به ولا يتيمم لما مر ونزع خفيه وغسل
رجليه، لأنه بمروره بالماء (١) عاد جنباً؛ فسرى الحدث السابق إلى القدمين؛ فلا يجوز له أن
يمسح بعد ذلك.
ولو كان ببعض أعضاء الجنب جراحة أو جدري، فإن كان الغالب هو الصحيح - غسل
الصحيح، وربط على السقيم الجبائر، ومسح عليها، وإن كان الغالب هو السقيم تيمم؛ لأن
العبرة للغالب، ولا يغسل الصحيح عندنا خلافاً للشافعي لما مر؛ ولأن الجمع بين الغسل
بالتيمم - ممتنع إلا في حال وقوع الشك في طهورية الماء، ولم يوجد، وعلى هذا لو كان
محدثاً، وببعض أعضاء وضوئه جراحة(٢) أو جدري لما قلنا.
وإن استوى الصحيح والسقيم ـ لم يذكر في ((ظاهر الرواية))، وذكر في ((النوادر)): أنه
يغسل الصحيح، ويربط الجبائر على السقيم ويمسح عليها، وليس في هذا جمع بين الغسل
والمسح؛ لأن المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها.
وهذا الشرط الذي ذكرنا لجواز التيمم، وهو عدم الماء فيما وراء صلاة الجنازة، وصلاة
العيدين، فأما في هاتين الصلاتين فليس بشرط، بل الشرط فيهما خوف الفوت لو اشتغل
بالوضوء، حتى لو حضرته الجنازة، وخاف فوت الصلاة، لو (٣) اشتغل بالوضوء - تيمم
وصلى، وهذا عند أصحابنا.
(١) في ب: على الماء.
-
(٢) في أ: جرح.
(٣) في هامش ب: إذا خاف فوت صلاة العيد والجنازة يتيمم.

٣٢٩
كتاب الطهارة
وقال الشافعي: لا يتيمم؛ استدلالاً بصلاة الجمعة وسائر الصلوات، وسجدة التلاوة.
ولنا ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إذا فجأتك جنازة تخشى فوتها،
وأنت على غير وضوء - فتيمم لها (١)، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - مثله(٢)؛ ولأن شرع
التيمم في الأصل؛ لخوف فوات الأداء، وقد وجد ههنا بل أولى؛ لأن هناك تفوت فضيلة
الأداء فقط، فأما الاستدراك بالقضاء فممكن، وههنا تفوت صلاة الجنازة أصلاً - فكان أولى
بالجوا، حتى لو كان ولي الميت لا يباح له التيمم؛ كذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن له
ولاية الإعادة، فلا يخاف القوت.
وحاصل الكلام فيه راجع إلى أن صلاة الجنازة لا تُقْضَى عندنا، وعنده تقضى على ما
نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى، بخلاف الجمعة؛ لأن فرض الوقت قائم وهو الظهر،
وبخلاف سائر الصلوات؛ لأنها تفوت إلى خلف وهو القضاء والفائت إلى خلف قائم معنى،
وسجدة التلاوة [لا يخاف فوتها رأساً] (٣)؛ لأنه ليس لأدائها وقت معين؛ لأنها وجبت مطلقة
عن الوقت .
وكذا إذا خاف فوت صلاة العيدين يتيمم عندنا لأنه لا يمكن استدراكها بالقضاء؛
لاختصاصها بشرائط يتعذر تحصيلها لكل فرد، هذا إذا خاف فوت الكل، فإن كان يرجو أن
يدرك البعض لا يتيمم؛ لأنه لا يخاف الفوت؛ لأنه إذا أدرك البعض يمكنه أداء الباقي وحده،
ولو شرع في صلاة العيد متيمماً، ثم سبقه الحدث جاز له أن يبني عليها بالتيمم بإجماع من (٤)
أصحابنا، لأنه لو ذهب وتوضأ - لبطلت صلاته من الأصل لبطلان التيمم، فلا يمكنه البناء،
وأما إذا شرع(٥) فيها متوضأ، ثم سبقه الحدث - فإن كان يخاف أنه لو اشتغل بالوضوء زالت
الشمس - تيمم وبنى، وإن كان لا يخاف زوال الشمس، فإن كان يرجو أنه لو توضأ يدرك شيئاً
من الصلاة مع الإمام - توضأ (٦) ولا يتيمم؛ لأنها لا تفوت؛ لأنه إذا أدرك البعض تم الباقي / ٢٥ب
وحده، وإن كان لا يرجو إدراك الإمام - يباح له التيمم عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف
ومحمد: لا یباح.
(١) عزاه الزيلعي في نصب الراية (١٥٨/١) للبيهقي في المعرفة.
(٢) أخرجه ابن عدي (٧/ ٢٦٤٠) عن ابن عباس مرفوعاً وضعفه ورجح وقفه على ابن عباس.
(٣) في ب: لا تفوت أصلاً.
(٤) في ب: بین.
(٥) في هامش ب: شرع في العيد متوضأ ثم سبق الحدث.
(٦) في أ: يتوضأ.

٣٣٠
كتاب الطهارة
وجه قولهما أنه لو ذهب وتوضأ لا تفوته الصلاة؛ لأنه يمكنه إتمام البقية وحده؛ لأنه لا
حق ولا عبرة بالتيمم عند عدم خوف الفوت أصلاً، ولأبي حنيفة: أنه إن كان لا يخاف الفوت من
هذا الوجه - يخاف الفوت بسبب الفساد لازدحام الناس، فقلما يسلم عن عارض يفسد عليه
صلاته، فكان في الانصراف للوضوء - تعريض صلاته للفساد، وهذا لا يجوز فيتيمم. والله أعلم.
ومنها: النية، والكلام في النية في موضعين:
أحدهما: في بيان أنها شرط جواز التيمم.
والثاني: في بیان کیفیتها.
أما الأول: فالنية شرط(١) جواز التيمم في قول أصحابنا الثلاثة.
(١) في هامش ب: النية شرط جواز التيمم.
ويحسن بنا قبل أن نذكر مسائلها وفروعها أن نتعرض لما يتعلق بها من المباحث تتميماً لما يستدعيه ...
الكلام عليها [فنقول يتعلق بالنية .. مباحث سبعة نظمت في بيت بعضهم حقيقة حكم محل وزمن ...
كيفية شرط ومقصود حسن ...
فحقيقتها لغة مطلق القصد وشرعا قصد الشيء مقترناً بفعله - فإن تراخى عنه سمي عزماً كما في الصّوم فإن
الواقع فيه عزم قائم مقام النية لضرورة عشر مراقبة الفجر وتطبيق النية عليه بل لا تكفي المقارنة فيه لمظنة
الخطأ فالواجب فيه تقديم النية احتياطاً كما قاله الميهي.
وحكمها الوجوب غالباً إذ قد تنتدب كما في غسل الميت ومحلها القلب لكن يسن النطق بها ليساعد
اللسان القلب وللخروج من خلاف من أوجبه - كما في الشبراملسي على الرملي وفي رسالة القاوقجي أن
مالكاً قال يكره النطق بها.
وزمنها أول العبادات إلا في الصوم كما تقدم على أنها عزم اكتفى به عن النية للضرورة السابقة وهنا هو
النقل .
وكيفيتها تختلف باختلاف المنوي.
وشرطها الإسلام إن كانت للتقرب فإن كانت للتمييز صحت من الكافر كنية الذمية الغسل من الحيض
لتحل لحليلها والتمييز ولا يرو صحة وضوء غير المميز في الحج وغسل المجنونة من الحيض لأن الناوي
فيها مميز وهو الولي في الأول والزوج في الثاني والعلم بالمنوي فلا يصح من جاهل به والجزم أي عدم
التعليق فلو قال نويت التيمم إن شاء الله وقصد التعليق أو أطلق لم تصح وإن قصد التبرّك أو أن كل شيء
واقع بمشيئة الله تعالى صحّت .
واستصحابها حكماً المعبر عنه بعدم الصارف وذلك بأن لا يأتي بما ينافيها فلو نوى التبرد أو التنظف في
أثناء الوضوء مثلاً مع غفلته عن نيته .. ضر بخلاف ما إذا كان متذكراً لها فإنه لا يضر على الصحيح
ومقابلة يضر لتشريكه بين قربه وغيرها وهذا هو الاستصحاب الحكمي وأما استصحابها ذكراً بضم الذال
أي تذكراً بالقلب من أول العبادة إلى آخرها فسنه.
وأما دوامها ذكراً باللسان بأن يكررها عند كل عضو كما يفعله بعض الناس فلا يسن والمقصود بها تمييز
العبادات عن العادات أو رتب العبادة بعضها عن بعض.
=

٣٣١
كتاب الطهارة
وقال(١) زفر: ليست بشرط.
وجه قوله: إن التيمم خلف، والخلف لا يخالف الأصل في الشروط، ثم الوضوء يصح
بدون النية؛ كذا التيمم.
ولنا: أن التيمم ليس بطهارة حقيقية، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف
بالنية بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية، فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة، فلا يشترط له
النية؛ ولأن مأخذ الاسم دليل كونها شرطاً؛ لما ذكرنا أنه ينبىء عن القصد، والنية هي القصد فلا
يتحقق بدونها، فأما الوضوء؛ فإنه مأخوذ من الوضاءة، وإنها تحصل بدون النية.
فالأول كتمييز غسل الجنابة من غسل التنظف والثاني كتمييز الغسل الواجب من الغسل المندوب.
=
وإذا أتينا بما يتعلق بالنية من المباحث فيحسن أن تأتي بما يتعلق بركنيتها من الخلاف في الأعمال ..
الشرعية فنقول [اتفق الكل على ركنية النية في التيمّم وسائر المقاصد كالصلاة والحج - واختلفوا في
فرضيتها في الوسائل كالوضوء والغسل فأبو حنيفة لا يرى فرضيتها فيما عدا التيمّم من الوسائل.
وإنما وجبت النيّة عنده في التيمّم لأنه مأمور به وهو القصد والقصد هو النية ولأن التراب ملوّث ومنبر.
وإنما يصير مطهراً لضرورة إرادة الصلاة وذلك بالنية بخلاف الوضوء لأن الماء مطهّر بنفسه فاسكفني في
وقوعه طهات عن النية لكن يحتاج إليها في وقوعه قربه والإمام الشافعي ومالك على فرضية النية في سائر
الوسائل کالمقاصد.
ومما يدل على فرضية النية في التيمم الآية وهو قوله تعالى ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾.
وقوله وقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) ودلالة هذا الحديث اقتضائية إذ يتوقف صحة هذا الكلام على إضمار
الصحة أو الكمال فإن الأعمال توجد بدون نية.
قال الشافعي رضي الله عنه المقدر الصحة أي إنما .. صحة الأعمال بالنيات والأعمال فيه شاملة للوسائل
والمقاصد ووافقه أحمد ومالك وجمهور أهل الحجاز.
وقال أبو حنيفة المقدر الكمال أي إنما كمال الأعمال بالنيات فتصح الوسائل عنده من غير نيّة لكن مع
النقصان وخص الحديث مع هذا التقدير بالوسائل دون المقاصد لأن الوسائل مقصودة لغيرها لا لذاتها
كالمقاصد فتسوهل فيها وخص منه التيمم لدلالة الآية على وجوبها وهي ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ والنية
عنده وعند مالك عقد القلب على إنجاز الفعل وإن تأخر يسيراً فتصح نيّة الصلاة عندهم قبل خروجه من
منزله إلى المصلي إذا دخل وقتها بشرط أن لا يوجد بينها وبين تكبيرة الإحرام ما يبطلها كأكل أو شرب أو
كلام إلا المشي والوضوء وإلا فلا تصحّ وقال أبو حنيفة ومن عجز عن إحضار النيّة كفاه نطقه بلسانه ـ
وقال سليمان الداري لا يحتاج شيء من أعمال المسلم إلى نية اكتفاء بنيّة الإسلام.
ومما يدل على وجوب النّة أيضاً قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ والإخلاص
هو النيّة.
وليس هذا المقام مقام الرد على أبي حنيفة لأنه منافي التيمم.
ينظر نص كلام شيخنا جاد ولرب في التيمّم (ص ٢٤١ - ٢٤٥).
(١) في ب: وعند.

٣٣٢
كتاب الطهارة
وأما كيفية (١) النية التيمم: فقد ذكر القدوري: أن الصحيح من المذهب؛ أنه إذا نوى
الطهارة، أو نوى استباحة الصلاة - أجزأه.
وذكر الجصاص(٢) أنه لا يجب في التيمم نية التطهير، وإنما يجب نيةُ التمييز، وهو أن
ينوي الحدث أو الجنابة؛ لأن التيمم لهما يقع على صفة واحدة، فلا بد من التمييز بالنية، كما
في صلاة الفرض أنه لا بد فيها من نية الفرض؛ لأن الفرض والنفل يتأديان على هيئة(٣)
واحدة، والصحيح أن ذلك ليس بشرط، فإن ابن سماعة (٤) روي عن محمد؛ أن الجنب إذا
تيمم يريد به الوضوء - أجزأه عن الجنابة، وهذا لما بينا أن افتقار التيمم إلى النية ليصير طهارة؛
إذ هو ليس بتطهير حقيقة، وإنما جعل تطهيراً شرعاً للحاجة، والحاجة تعرف بالنية، ونية
الطهارة تكفي دلالة على الحاجة، وكذا نية الصلاة؛ لأنه لا جواز للصلاة بدون الطهارة،
فكانت دليلاً على الحاجة فلا حاجة إلى نية التمييز؛ أنه للحدث أو للجنابة.
ولو تيمم ونوى مطلق الطهارة، أو نوى استباحة الصلاة - فله أن يفعل كل ما لا يجوز
بدون الطهارة، كصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، ومس المصحف ونحوها؛ لأنه لما أبيح له
أداء الصلاة - فلأن يباح له ما هو دونها أو ما هو جزء من أجزائها - أولى. وكذا لو تيمم لصلاة
الجنازة، أو لسجدة التلاوة، أو لقراءة القرآن بأن كان جنباً - جاز له أن يصلي به سائر
(١) في هامش ب: بيان كيفية النية في التيمّم.
(٢) وهو الإمام الجليل أحمد بن علي أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص، وكتب الأصحاب والتواريخ
مشحونة بمناقبه، تفقه على الإمام أبي الحسن الكرخي، ولم يزل حتى انتهت إليه الرياسة، وخوطب في
القضاء فلم يقبل، وتفقّه عليه جماعة منهم: أبو بكر أحمد بن موسى الخوارزمي، وأبو عبد الله محمد بن
يحيى شيخ القدوري، ومن تضانيفه المشهورة: أحكام القرآن في أربع مجلدات مطبوع، وشرح مختصر
الطحاوي وشرح أدب القاضي للخصاف، وغيرها من الكتب المفيدة، وعده الكفوي في الطبقة الثالثة من
فقهاء المذهب، وكانت وفاته: سنة (٣٧٠) رحمه الله .
ينظر: ترجمته في: تاج التراجم (ص٦) وكتائب أعلام الأخبار (ورقة ١١٩) والطبقات السنية (١/ ٢٦٠)
والفوائد البهية (ص ٢٧) والأعلام للزركلي (١/ ١٦٥) والجواهر المضية برقم (١٥٥) والأثمار الجنية
(ورقة ٨٢).
(٣) في ب: بصفة.
(٤) محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال بن وكيع بن بشر التميمي أبو عبد الله وهو إمام، أحد الثقات
الأثبات. حَدَّث عن الليث بن سعد وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. كان مولده سنة ثلاثين ومائة. كان
صادقاً في حديثه، وله مصنفات في أصول الفقه وله ((أدب القاضي) وكتاب ((المحاضر والسُّجِلاَّت))، توفي
سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
ينظر: الجواهر المضية (١٦٨/٣-١٧٠)، الفهرست ٢٨٩، تاج التراجم ٥٤، الطبقات السنية برقم
٢٠١٩، هدية العافيين ٢/ ١٢.

٣٣٣
كتاب الطهارة
الصلوات؛ لأن كل واحد من ذلك عبادة مقصودة بنفسها، وهو من جنس أجزاء الصلاة، فكان
نيتها عند التيمم كنية الصلاة، فأما إذا تيمم لدخول المسجد، أو لمس المصحف - لا يجوز له
أن يصلي به؛ [لأن دخول المسجد ومس المصحف - ليس بعبادة مقصودة بنفسه] (١)، ولا هو
من جنس أجزاء الصلاة، فيقع طهوراً لما أوقعه له لا غير.
ومنها الإسلام؛ فإنه شرط وقوعه صحيحاً عند عامة العلماء، حتى لا يصح تيمم الكافر،
وإن أراد به الإسلام، وروي عن أبي يوسف إذا تيمم ينوي الإسلام - جاز، حتى لو أسلم لا
يجوز له أن يصلي بذلك التيمم عند العامة، وعلى رواية أبي يوسف: يجوز.
وجه روايته: أن الكافر من أهل نية الإسلام، والإسلام رأس العبادة، فيصح تيممه له،
بخلاف ما إذا تيمم للصلاة؛ لأنه ليس من أهل الصلاة، فكان تيممه للصلاة سفهاً فلا يعتبر.
ولنا: أن التيمم ليس بطهور حقيقة، وإنما جعل طهوراً للحاجة إلى فعل لا صحة له
بدون الطهارة، والأسلام يصح بدون الطهارة، فلا حاجة إلى أن يجعل طهوراً في حقه بخلاف
الوضوء؛ لأنه يصح(٢) من الكافر عندنا؛ لأنه طهور حقيقة، فلا تشترط له الحاجة ليصير
طهوراً؛ ولهذا لو تيمم(٣) مسلم بنية الصوم لم يصح، وإن كان الصوم عبادة فكذا ههنا؛ بل
أولى؛ لأن هناك باشتغاله بالتيمم لم يرتكب نهياً، وههنا ارتكب أعظم نهي؛ لأنه بقدر ما
اشتغل صار باقياً على الكفر، ومؤخراً للإسلام، وتأخير الإسلام من أعظم العصيان، ثم لما لم
يصح ذاك، فلأن لا يصح هذا أولى.
مسلم تيمم(٤)، ثم ارتد عن الإسلام - والعياذ بالله - لم يبطل تيممه، حتى لو رجع إلى
الإسلام - له أن يصلي بذلك التيمم، وعند زفر: بطل تيممه، حتى لا يجوز له أن يصلي بذلك
التيمم بعد الإسلام، فالإسلام عندنا شرط وقوع التيمم صحيحاً، لا شرط بقائه على الصحة.
وعند زفر: هو شرط بقائه [على الصحة](٥) أيضاً، فزفر يجمع بين حالة الابتداء والبقاء
بعلة/ جامعة بينهما، وهي ما ذكرنا أنه جعل طهوراً مع أنه ليس بطهور حقيقة؛ لمكان الحاجة ١٢٦
إلى ما لا صحة له بدون الطهارة من الصلاة وغيرها؛ وذا لا يتصور من الكافر، فلا يبقى طهارة
في حقه؛ ولهذا لم تنعقد طهارة مع الكفر، فلا تبقى طهارة معه.
(١) سقط في ب.
(٢) في أ، ب: صح.
(٣) في أ، ب: توضأ.
(٤) في هامش ب: مسلم تيمم ثم ارتد والعياذ بالله تعالى.
(٥) سقط في ب.

٣٣٤
كتاب الطهارة
ولنا: أن التيمم وقع طهارة صحيحة، فلا يبطل بالردة؛ لأن أثر الردة في إبطال العبادات،
والتيمم ليس بعبادة عندنا، لكنه طهور، والردة لا تبطل صفة الطهورية كما لا تبطل صفة
الوضوء، واحتمال الحاجة باق؛ لأنه مجبور على الإسلام، والثابت بيقين يبقى لوهم الفائدة في
أصول الشرع، إلا أنه لم ينعقد طهارة مع الكفر؛ لأن جعله طهارة للحاجة، والحاجة زائلة
للحال بيقين، وغير الثابت بيقين لا يثبت لوهم الفائدة، مع ما أن رجاء الإسلام منه على
موجب ديانته واعتقاده - منقطع، والجبر على الإسلام منعدم، وهو الفرق بين الابتداء والبقاء.
ومنها: أن يكون(١) التراب طاهراً، فلا يجوز التيمم بالتراب النجس؛ لقوله تعالى؛
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣]. ولا يطيب مع النجاسة، ولو تيمم بأرض قد أصابتها
نجاسة، فجفت وذهب أثرها - لم يجز في ظاهر الرواية.
وروى ابن الكاس النخعي(٢) عن أصحابنا: أنه يجوز.
وجه هذه الرواية أن النجاسة قد استحالت أرضاً بذهاب أثرها؛ ولهذا جازت الصلاة
عليها، فيجوز التيمم بها أيضاً.
ولنا: أن لإحراق(٣) الشمس ونسف الرياح ونسف الأرض - أثرها في تقليل النجاسة دون
استئصالها .
والنجاسة وإن قَلَّتْ تنافي وصف الطهارة، فلم يكن إتياناً بالمأمور به؛ فلم يجز(٤)، فأما
النجاسة القليلة، فلا تمنع جواز الصلاة عند أصحابنا، ولا يمتنع أن يعتبر القليل من النجاسة في
بعض الأشياء دون البعض.
ألا ترى أن النجاسة القليلة لو وقعت في الإناء - تمنع جواز الوضوء به، ولو أصابت
الثوب لا تمنع جواز الصلاة(٥)، ولو تيمم جنب أو محدث من مكان، تيمم غيره من ذلك
المكان - أجزأه؛ لأن التراب المستعمل ما التزق بيد المتيمم الأول، لا ما بقي على الأرض،
(١) في هامش ب: في شرط التيمم أن يكون التراب طاهراً.
(٢) عليّ بن محمد بن الحسن بن كاس النخعيُّ الكاسيّ، القاضي، الكوفي، أبو القاسم. روى عن محمد بن
علي بن عفّان، وروى عنه أبو القاسم الطبراني. له ((الأركان الخمس)).
توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة .
ينظر: الجواهر المضية ٥٩٣/٢، تاج التراجم ٤٥، الطبقات السنية برقم ١٥٣٤.
(٣) في ط: إحراق.
(٤) في ب: يصح.
(٥) في ب: الطهارة.

٣٣٥
كتاب الطهارة
فنزل ذلك منزلة ماء فضل في الإناء بعد وضوء الأول، أو اغتساله به، وذلك طهور في حق
الثاني؛ كذا هذا.
فصل فيما يتيمم به
وأما بيان(١) ما يتيمم به: فقد اختلف فيه، قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز التيمم بكل ما
هو (٢) من جنس الأرض.
وعن أبي يوسف روايتان: في رواية بالتراب والرمل.
وفي رواية: لا يجوز إلا بالتراب خاصة، وهو قوله الآخر، ذكره القدوري، وبه أخذ
الشافعي، والكلام فيه يرجع إلى أن الصعيد(٣) المذكور في الآية ما هو، فقال أبو حنيفة
ومحمد: هو وجهُ الأرض.
(١) في هامش ب: بيان ما يجوز به التيمم.
(٢) في ب: ما كان.
(٣) اجمع المسلمون على جواز التيمم بتراب الحرب الطيب، واختلفوا في جواز بما عدا التراب من أجزاء ..
الأرض المتولد عنها كالحجارة.
فذهب الشافعيُّ إلى أنه لا يجوز التيمم إلاَّ بالتراب الخالص ... وذهب مالك وأصحابه إلى أنه يجوز
التيمم بكل ما صعد علي .. وجه الأرض من أجزائها من الحصباء والرمل والتراب في المشهور عنه، وزاد
((أبو حنيفة فقال: وبكل ما يتولد من الأرض مثل: الحِجارَةِ النورة والزَّرْنيخ والجص والطّين والرَّخام)).
ومنهم من شرط أن يكون التراب على وجه الأرض. وقال: ((الحنابلة)). لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر
ذي غبار يعلّق باليد، كقول ((الشافعي)) وبه قال: ((إسحاق)) و((أبو يوسف)) و(داود)).
وقال أحمد يتيمم بغبار الثوب واللبد - ونقل عن ((مالك)) في بعض رواياته جواز التيمم على الحشيش
والثلج وقال: ((ابن حزم)) من الظاهرية: لا يجوز التيمم إلاَّ ... بالأرض، ثم الأرض تنقسم إلى قسمين:
تراب، وغير تراب، فأما التراب فالتيمم به جائز كان في موضعه من الأرض أو منزوعاً مجعولاً في إناء أو
ثوب أو على يد إنسان أو حيوان، أو كان في بقاء لين أو طابية، أو غير ذلك وأما ما عدا التراب من
الحصى والحصباء والرخام والزمل والكحل والزرنيخ والجير والجص والذهب والتوتيا - والكبريت والملح
وغير ذلك، فإن كان شيء من هذه المعادن في الأرض غير مزال عنها إلى شيء آخر، فالتيمم بكل ذلك
جائز - وإن كان شيء من ذلك مزالاً إلى إناء أو ثوب أو نحو ذلك لم يجز التيمم بشيء منه ولا يجوز
التيمم بالآجر فإن رص حتى يقع عليه اسم التراب جاز التيمم به وكذلك الطِين لا يجوز التيمم به، فإن
جفّ حتى يسمى تراباً جاز التيمم به، ولا يجوز التيمم بملح انعقد من الماء كان في موضعه أو لم يكن
ولا بثلج ولا بورق ولا بحشيش ولا بخشب ولا بغير ذلك، مما يحول بين المتيمم وبين الأرض والسبب
في اختلافهم شيئان:
أحدهما: الاختلاف في معنى اسم الصعيد في ((لسان العرب)).
=

٣٣٦
كتاب الطهارة
قال في ((لسان العرب)): الصعيد المرتفع من الأرض .. وقيل: الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة -
=
وقيل: ما لم يخالطه رمل، ولا سبخة - وقيل: وجه الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِح صَعِيداً زَلَقاً﴾ أي:
أرضاً ملساء لا نبات بها .
وقال جرير:
إذا تيمم ثوب بصعيد أرض: بكت من حيث لؤمهم الصعيد.
وقيل: الصعيد الأرض، وقيل: الأرض الطيبة، وقيل: هو كل تراب طيب: وفي التنزيل: ﴿فَتَيَمَّمُوا
صَعِيداً طَيِّباً﴾. وقال ((الغراء)) في قوله: ﴿صَعِيداً جرزاً﴾: الصعيد التراب وقال غيره: هي الأرض
المستوية .
وقال ((الشافعي)): لا يقع اسم الصعيد إلاّ على تراب له غبار، فأما البطحاء الغليظة - والرقيقة، والكتيب
الغليظ - فلا يقع عليه اسم الصعيد، وإن خالطه تراب، أو صعيد، أو مدر يكون له غبار - كان الذي
خالطه الصعيد، ولا يتيمم .. بالنورة، ولا بالزرنيخ، وكل هذا حجارة.
وقال ((أبو إسحاق)): الصعيد وجه الأرض قال: وعلى الإنسان أن يضرب بيديه وجه الأرض، ولا يبالي
أكان في الموضع تراب، أو لم يكن؛ لأن الصعيد ليس هو التراب؛ إنما هو وجه الأرض، تراباً كان أو
غيره.
قال: ولو أن أرضنا كانت كلها صخراً. لا تراب عليه، ثم ضرب المتيمم يده على ذلك الصخر - لكان
ذلك طهوراً، إذا مسح به وجهه. قال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً﴾؛ لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن
الأرض.
قال ((الأزهري)): هذا الذي قاله ((أبو إسحاق)) أحسبه مذهب ((مالك)) ...
قال ((الليث)): يقال للحديقة إذا خربت، وذهب شجرها: قد صارت صعيداً، أي أرضاً مستوية لا شجر
فيها .
قال ((ابن الأعرابي)) الصعيد: الأرض بعينها، والصعيد الطريق سمي بالصعيد من التراب، والجمع من كل
ذلك صعيدان .
قال ((حميد بن ثور)): وتيه تشابه صعدانة - ويغني به الماء إلا السمل وصُعد كذلك، وصُعدات جمع
الجمع، وفي حديث علي .. (رضوان الله عليه) - ((إياكم والتعوّد بالصعدات، إلا من أدّى حقها، وهي
الطرق، وهي جمع صُعُد وصعد .. جمع صعيد، كطريق وطرق وطرقات، مأخوذ من الصعيد، وهو
التراب، وقيل: جمع صعدة كظلمة وهي فناء باب الدار، وممر الناس بين يديه، ومنه الحديث:
(وَلَخَرَ جْتُمْ إِلَى الصَّعَدَاتِ تُجَأْرُونَ إِلَى الله تَعَالَى)، والصعيد الطريق يكون واسعاً وضيّقاً والصعيد الموضع
العريض الواسع، والصعيد القبر لا الأمر الثاني إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات
الحديث المشهورة وتقييدها بالتراب في بعضها وهو قوله عليه السلام: ((جعلت لي الأرض مسجداً ...
وطهوراً)) وفي بعض رواياته وتربتها طهوراً.
وقد اختلف العلماء هل يقضي بالمطلق على المقيد .. أو بالمقيد على المطلق - والمشهور عندهم أن
يقضي بالمقيد على المطلق.
ومذهب ابن حزم أنه يقضي بالمطلق على المقيد .. لأن المطلق فيه زيادة معنى فذهب إلى ما سبق ذكره.
فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق وحمل اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز التيمم إلا .. =

٣٣٧
كتاب الطهارة
وقال أبو يوسف: هو التراب المنبت، واحتج بقول ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه
فسر الصعيد بالتراب الخالص، وهو مقلد في هذا الباب؛ ولأنه ذكر الصعيد الطيب، والصعيد
الطيب هو الذي يصلح للنبات؛ وذلك هو التراب دون السبخة ونحوها.
ولهما: أن الصعيد مشتق من الصعود وهو العلو.
قال الأصمعي(١) فعيل بمعنى فاعل وهو الصاعد، وكذا قال(٢) ابن الأعرابي(٣) أنه اسم
لما تصاعد حتى قيل للقبر، صعيد لعلوه وارتفاعه، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل
يعم جميع أنواع الأرض، فكان التخصيص ببعض [أنواع الأرض] (٤) تقييداً لمطلق الكتاب،
وذلك لا يجوز بخبر الواحد، فكيف بقول الصحابي، والدليل على أن الصعيد لا يختص
ببعض الأنواع - ما روي عن النبي وَّرِ؛ أنه قال: ((عَلَيْكُمْ بِالأَرْضِ))، [من غير فصل](٥) وقال:
(جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً))، واسمُ الأرض يتناول جميع أنواعها، ثم قال: ((أَيْئَمَا
بالتراب - ومن قضى بالمطلق على المقيّد وحمل .. اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من ..
=
أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى.
وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف إذا كان لا يتناوله اسم الصعيد فإن أعم ولآلة اسم الصعيد أو يدل
على ما يدل عليه الأرض لا أن يدل على الزرنيخ والنورة والجبس ومذهب الشافعي أن يقضي بالمقيد
على المطلق وأن الصعيد الطيب هو التراب ذو الغبار في الآية فليبن الحجاج بيننا وبينهم على هذين
الأصلین .
ينظر نص كلام شيخنا جاد الرب في التيمم (ص ٢٠٩-٢١٣).
(١) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي: رواية العرب وأحد أئمة العلم
باللغة والشعر والبلدان ولد ١٢٢ هـ ..
كان الرشيد يسميه شيطان الشعر؛ قال الأخفش: ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي وتصانيفه كثيرة
منها الإبل مطبوع؟ الأضداد مخطوط، خلق الإنسان مطبوع وغيرها توفي سنة ٢١٦ هـ.
ينظر: السيرافي ٢٥٨ جمهرة الأنساب ٢٢٣٤ ابن خلكان! ٢٨٨ تاريخ بغداد ١٠: ٤١، نزهة الألبا ١٥٠،
طبقات النحویین.
الاعلام ٤ / ١٦٢.
(٢) في أ، ب: قاله
(٣) محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي، رواية ناسب علامة باللغة ولد ١٥٠ هـ من أهل الكوفة، كان
أحول، لم يرَ أحد في علم الشعر أغزر منه له تصانيف منها أسماء الخيل وفرسانها، الأنواء، الفاضل،
البشر وغيرها، توفي ٢٣١هـ.
ينظر: وفيات الأعيان ٤٩٢:١، تاريخ بغداد ٢٨٢:٥، المقتبس ٦: ٣-٩، نزهة الألبا ٢٠٧، الاعلام ٦/
١٣١.
(٤) في ط: ببعض الأنواع.
(٥) سقط في ب.
بدائع الصنائع ج١ - م٢٢

٣٣٨
كتاب الطهارة
أَدْرَ كَثْنِي الصَّلاةُ تَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ))؛ وربما تدركه الصلاة في الرمل، وما لا يصلح للإنبات - فلا
بد وأن يكون بسبيل من التيمم به، والصلاة معه بظاهر الحديث.
وأما قوله: سماه طيباً، فنعم، لكن الطيب يستعمل بمعنى الطاهر وهو الأليق ههنا؛ لأنه
شرع مطهراً، والتطهير لا يقع إلا بالطاهر، مع أن معنى الطهارة صار مراداً بالإجماع، حتى لا
يجوز التيمم بالصعيد النجس، فخرج غيره من أن يكون مراداً؛ إذ المشترك لا عموم له (١).
(١) أعلم أن في المشترك اختلافات كثيرة: الاختلاف الأول في إمكانه، قال البعض وقوع الاشتراك ليس
بممكن لأن المقصود من وضع الألفاظ فهم المعاني، وإذا وضع لمعان كثيرة فلا يفهم واحد منها عند
خفاء القرينة وإلا يلزم الترجيح بلا مرجح، وفهم الجميع يستلزم ملاحظة النفس وتوجهها إلى أشياء كثيرة
بالتفصيل عند زمان الإطلاق، لأن ملاحظة المعاني بالأوضاع المتعددة المفصلة لا بد أن تكون على
التفصيل، وهكذا باطل لما تقرّر في موضعه وأجيب عنه بأن المقصود قد يكون الإجمال دون التفصيل،
وقد يكون في التفصيل مفسدة وفي الإجمال رفع الفساد، كما قال الصديق الأكبر عند ذهاب رسول
الله ◌َّ* في وقت الهجرة من مكة إلى المدينة حين سأله بعض الكفار عن الرسول و لر بقوله: من هذا
قدامك؟ فقال الصديق: رجل هادينا، فالتفصيل هاهنا كان موجباً الفساد العظيم، فالأصح أنه ممكن لعدم
امتناع وضع اللفظ الواحد لمعان متعددة مختلفة بأوضاع متعددة.
وقد يجاب بأنه يفهم واحد من المعاني ولا يلزم الترجيح بلا مرجح لجواز أن يكون بين بعض المعاني
والذهن مناسبة ينتقل الذهن من اللفظ إليه، أو يكون بعضها مناسباً للفظ بحيث يتبادر الذهن بسبب تلك
المناسبة إليه، أو يكون بعضها مشهوراً بحيث يتسارع الذهن بسبب الشهرة إليه، أو تكون القرينة مرجحة
لبعض المعاني على الآخر.
والاختلاف الثاني في وقوع الاشتراك في اللغة، قال البعض ليس بواقع، لأن وقوعه يوجب الإجمال
والإبهام وهو مخل بالاستعمال إذا لم يبين، وأما إذا بين المقصود فالبيان هو الكافي للمقصود ولا حاجة
إلى غيره فيلزم اللغو في وقوع المشترك، ولأن الواضع إن كان هو الله تعالى فهو متعال عن اللغو
والعبث، وإن كان غيره تعالى فلا بد لصدور الوضع من علة غائية لأن الفعل الاختياري لا بد له من علة
غائية كما تقرر في موضعه.
وأجيب بأن الإجمال والإبهام قد يكون مقصوداً في الاستعمال كما عرفت، مثل أن يريد المتكلم إفهام
مقصوده للمخاطب المعين وإخفاءه عن غيره فيتكلم بلفظ مشترك يفهم المخاطب مقصوده منه بسبب كونه
معهوداً بينهما من قبل أو سبب قرينة خفية بحيث يفهم المخاطب دون غيره، والمبين قد يكون أبلغ من البيان
وحده، وقد يحدث من اجتماعهما لطافة في الكلام لا يحصل من البيان وحده وغير ذلك من الفوائد.
وأجيب بأن الواضع، إذا كان الله تعالى فقد يكون المقصود منه ابتلاء العلماء الراسخين، وقد يكون
المقصود منه توسيع المفاهيم بالنظر إلى جماعة العلماء المجتهدين، وقد يكون المقصود تشويق
المخاطبين إلى فهم المقصود حتى إذا أدركوه بعد التأمّل وجدوه لذيذاً لأن حصول المطلوب بعد الطلب
والتعب يكون ألذّ من المنساق بلاء تعب وبغير نصب.
وإن كان الواضع غيره تعالى فالمقصود قد يكون واحداً من تلك الأغراض وقد يكون غيرها، مثل إخفاء
المقصود عن غير المخاطب ومثل اختبار ذهن المخاطب هل يفهم بالقرائن أم لا أو اختبار مقدار فهم
المخاطب هل يدرك بالقرائن الخفية أم لا وغيرها من الأغراض.
=

٣٣٩
كتاب الطهارة
ثم لا بد من معرفة(١) جنس الأرض، فكل ما يحترق بالناء فيصير رماداً؛ كالحطب
والحشيش ونحوهما، أو ما يتطبع ويلين؛ كالحديد والصفر والنحاس والزجاج وعين الذهب
والفضة ونحوها - فليس من جنس الأرض، وما كان بخلاف ذلك فهو من جنسها، ثم اختلف
أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما، فقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض؛
التزق بيده شيء أو لا، وقال محمد: لا يجوز إلا إذا التزق بيده شيء من أجزائه، فالأصل
عنده أنه لا بد من استعمال جزء من الصعيد، ولا يكون ذلك إلا بأن يلتزق بيده شَيْءٌ.
وقد يكون الواضع متعدداً: فشخص وضع لفظاً لمعنى واحد ثم شخص آخر وضعه لمعنى آخر كما في
=
الأعلام المشتركة فالأصحّ أن المشترك واقع في اللغة .
والاختلاف الثالث في كون الاشتراك بين الضدين، يعني اختلف بعد تسليم إمكانه ووقوعه في أنه هل هو
واقع بين الضدين بحيث يكون لفظ واحد مشتركاً بين معان متضادة متباينة، فقال بعضهم ليس بواقع لأن
الاشتراك يقتضي التوحّد، والتضادّ يقتضي التباين وبينهما منافاة فلا يكون واقعاً.
وأجيب بأن التوحيد والتباين ليسا من جهة واحدة ليلزم المنافاة لأن الأول من جهة اللفظ والثاني من جهة
المعاني فلا منافاة حينئذٍ لاختلاف المحل، فالأصح أنه واقع بين الضدين كالقرء للحيض والطهر.
والاختلاف الرابع في عموم المشترك يعني بعد تسليم إمكانه ووقوعه وتحققه بين الضدين، اختلف في
عموم المشترك بأن يراد بلفظ المشترك أكثر من معنى واحد معاً أولاً، الأول مذهب الشافعي والثاني
مذهب الإمام الأعظم.
ثم بعد كون المشترك عاماً اختلف في أن إرادة العموم على سبيل الحقيقة أو المجاز، فذهبت طائفة منهم
إلى أنه حقيقة لأن كلاً من معانيه موضوع له فكان مستعملاً في الموضوع له وهذا هو الحقيقة، وقال
الآخرون منهم إنه مجاز وإن لفظ المشترك ليس بموضوع لمجموع المعنيين وإلا لما كان استعماله في
أحدهما على سبيل الانفراد حقيقة، ضرورة أنه لا يكون نفس الموضوع له بل جزؤه، واللازم باطل
بالاتفاق فثبت أنه ليس المجموع فلم يكن حقيقة .
واستدل الشافعي على إرادة العموم من المشترك بقوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها
الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ الخ بأن الصلاة مشتركة بين الرحمة والاستغفار والدعاء، وفي
الآية الرحمة والاستغفار كلاهما مقصودان من لفظ واحد وهو يصلّون، لأن الصلاة من الله رحمة ومن
الملائكة استغفار.
وعند الإمام لا يجوز استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد، لا حقيقة لما مر ولأن الوضع تخصيص
اللفظ للمعنى فكل وضع في المشترك يوجب أن لا يراد به إلا هذا المعنى الموضوع له ويوجب أن يكون
هذا المعنى تمام الموضوع له، فإرادة المعني الآخر ينافي الوضع للمعنى الأول فلا يكون استعماله في كلا
المعنيين بالوضع ولا مجازاً لأنه إذا استعمل في أكثر من معنى واحد فقد استعمل في الموضوع له وغير
الموضوع له أيضاً لأن كل واحد من المعنيين موضوع له باعتبار وضع اللفظ لذلك المعنى وغير الموضوع
له باعتبار وضعه للمعنى الآخر ملزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو لا يجوز عند الإمام الأعظم.
ينظر اصطلاحات الفنون ١٥٥/٣-١٥٨.
(١) في هامش ب: بيان معرفة جنس الأرض.

٣٤٠
كتاب الطهارة
٢٦ ب
وعند أبي حنيفة: هذا ليس بشرط، وإنما / الشرط مس(١) وجه الأرض باليدين،
وإمرارهما على العضوين، وإذا عرف هذا - فعلى قول أبي حنيفة: يجوز التيمم بالجص
والنورة، والزرنيخ(٢)، والطين الأحمر والأسود والأبيض، والكحل، والحجر الأملس،
والحائط المطين والمخصص، والملح الجبلي دون المائي، والمرداسنج المعدني، والآجر،
والخزف المتخذ من طين خالص، والياقوت، والفيروزج(٣) والزمرد، والأرض الندية والطين
الرطب .
وعند محمد: إن التزق بيده شيء منها، بأن كان عليها غبار أو كان مدقوقاً - يجوز، وإلا
فلا. وجه قول محمد: أن المأمور به استعمال الصعيد، وذلك بأن يلتزق بيده شيء منه، فأما
ضرب اليد على ماله صلابة وملاسة، من غير استعمال جزء منه - فضرب من السفه.
ولأبي حنيفة أن المأمور به هو التيمم بالصعيد مطلقاً [من غير] (٤) شرط الالتزاق، ولا
يجوز تقييد المطلق إلا بدليل، وقوله: الاستعمال شرط - ممنوع؛ لأن ذلك يؤدي إلى التغيير
الذي هو شبيه المثلة، وعلامة أهل النار؛ ولهذا أمر بنفض اليدين، بل الشرط إمساس اليد
المضروبة على وجه الأرض، على الوجه واليدين تعبداً غير معقول المعنى؛ لحكمة استأثر الله
تعالی بعلمها .
ولا يجوز(٥) التيمم بالرماد بالإجماع؛ لأنه من أجزاء الخشب، وكذا باللآلىء، سواء
كانت مدقوقة أو لا؛ لأنها ليست من أجزاء(٦) الأرض، بل هي متولدة من الحيوان، ويجوز
التيمم بالغبار؛ بأن ضرب يده على ثوب أو لبد أو صفة سرج فارتفع غباراً، أو (٧)، كان على
الذهب أو الفضة، أو على الحنطة أو الشعير، أو نحوها - غبار، فتيمم به - أجزأه [في قول](٨)
أبي حنيفة ومحمد.
(١) في ب: ضرب.
(٢) في المعجم الوسيط: الزّرنِيخُ عنصر شبيه بالفلزات، له بريق الصلب ولونه، ومركباته سامة، يستخدم في
الطب وفي قتل الحشرات ينظر ٣٩٤/١.
(٣) في المعجم الوسيط: حجر كريم غير شفاف معروف بلونه الأزرق كلون السماء أو أميل إلى الخضرة،
يتحلّى به. ينظر ٧١٤/٢.
(٤) في ب: عن.
(٥) من هامش ب: يجوز التيمم بالغبار.
(٦) في ب: جنس.
(٧) في ط: و.
(٨) في ب: عند.