النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الطهارة
العدة، وصيرورة المرأة نفساء؛ لحصول العلم بكونه ولداً مخلوقاً عن الذكر والأنثى، بخلاف
ما إذا لم يكن استبان من خلقه شيء؛ لأنّا (١) لا ندري ذاك هو المخلوق من مائهما، أو دم
جامد، أو شيء من الأخلاط الردية استحال إلى صورة لحم، فلا يتعلَّق به شيء من أحكام
الولادة .
وأما(٢) أحوال الدم فنقول: الدم قد يدر دروراً متصلاً، وقد يدر مرة وينقطع أخرى،
ويسمى الأول استمراراً متصلاً، والثانى منفصلاً.
أما الاستمرار المتصل فحكمه ظاهر، وهو أن ينظر إن كانت المرأة مبتدأة - فالعشرة من
أول ما رأت حيض، والعشرون/ بعد ذلك طهرها، هكذا إلى أن يفرج الله عنها، وإن كانت ٢١ب
صاحبة عادة - فعادتها في الحيض حيضها، وعادتها في الطهر طهرها، وتكون مستحاضة في
أيام طهرها .
وأما الاستمرار المنفصل فهو أن ترى المرأة مرة دماً ومرة طهراً هكذا، فنقول: لا خلاف
في أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوماً فصاعداً - يكون فاصلاً بين الدمين،
ثم بعد ذلك إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضاً - يجعل ذلك حيضاً، وإن أمكن جعل كل
واحد منهما حيضاً يجعل [في كل واحدة منهم](٣) حيضاً، وإن كان لا يمكن أن يجعل أحدهما
حيضاً - لا يجعل شيء من ذلك حيضاً، وكذا لا خلاف بين أصحابنا في أن الطهر المتخلل بين
الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام - لا يكون فاصلاً بين الدمين، وإن كان أكثر من الدمين،
واختلفوا فيما بين ذلك.
وعن أبي حنيفة فيه أربع روايات، روى أبو يوسف عنه، أنه قال: الطهر المتخلل بين
الدمين، إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً - يكون طهراً فاسداً.
ولا يكون فاصلاً بين الدمين، بل يكون كله كدم متوالٍ ثم يقدر ما ينبغي أن يكون (٤)
حيضاً يجعل حيضاً؛ والباقي يكون استحاضة. وروى محمد عن أبي حنيفة أن الدم إذا كان في
طرف العشرة فالطهر المتخلل بينهما لا يكون فاصلاً ويجعل كله كدم متوالٍ وإذا لم يكن الدم
في طرفي العشرة كان الطهر فاصلاً بين الدمين ثم بعد ذلك إن أمكن أن يجعل أحد الدمين
(١) في ب: لأنه.
(٢) في هامش ب: بيان أحوال الدم ودروراً متصله ومنفصله
(٣) سقط في ط.
(٤) في ط: يجعل.

٣٠٢
كتاب الطهارة
حيضاً بجعل ذلك حيضاً. وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضاً يجعل أسرعهما حيضاً
وهو أولهما، وإن لم يمكن جعل أحدهما حيضاً لا يجعل شيء من ذلك حيضاً.
وروى عبد الله بن المبارك (١) عن أبي حنيفة: أن الدم إذا كان في طرفي العشرة، وكان
بحال لو جمعت الدماء المتفرقة تبلغ حيضاً - لا يصير الطهر فاصلاً بين الدمين، ويكون كله
حيضاً، وإن كان بحال لو جمع لا يبلغ حيضاً، يصير فاصلاً بين الدمين، ثم ينظر إن أمكن أن
يجعل أحد الدمين حيضاً، يجعل ذلك حيضاً، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حیضاً،
يجعل أسرعهما حيضاً، وإن لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضاً، لا يجعل شيء من ذلك
حیضاً.
وروى الحسن عن أبي حنيفة؛ أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام -
لا يكون فاصلاً بين الدمين وكله بمنزلة [الدم] (٢) المتوالي، وإذا كان ثلاثة أيام كان فاصلاً
بينهما، ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضاً - جعل، وإن أمكن أن يجعل كل واحد
منهما حيضاً - جُعِلَ(٣) أسرعهما، وإن لم يمكن أن يجعل شيء من ذلك حيضاً - لا يجعل
حيضاً.
واختار محمد لنفسه في ((كتاب الحيض)) مذهباً، فقال: الطهر المتخلل بين الدمين إذا
كان أقل من ثلاثة أيام - لا يعتبر فاصلاً، وإن كان أكثر من الدمين، ويكون بمنزلة الدم
المتوالي، وإذا كان ثلاثة أيام فصاعداً فهو طهر كثير فيعتبر، لكن ينظر بعد ذلك إن كان الطهر
مثل الدمين، أو أقل من الدمين في العشرة - لا يكون فاصلاً، وإن كان أكثر من الدمين يكون
فاصلاً، ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحد الدمين(٤) حيضاً - جعل، وإن أمكن أن يجعل كل
واحد منهما حيضاً - يجعل أسرعهما حيضاً، وإن لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضاً - لا يجعل
(١) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ
الإسلام. روى عن حميد واسماعيل وغيرهم.
كتب عن أربعة آلاف شيخ وروى عن ألف، عالم المشرق والمغرب، وكان ثقة صحيح، ولد سنة (١٨١)
هـ. وتوفي سنة ١٨١ هـ.
ينظر الخلاصة ٩٣/٢ (٣٧٦٧) ابن سعد ج ٧ ق ٢/ ١٠٤ - ١٠٥ والحلية (١٦٢/٨ - ١٩٠)، الوفيات
(٣٢/٣ - ٣٤).
(٢) سقط في ط.
(٣) في ط: يجعل.
(٤) في ط: أحدهما.

٣٠٣
كتاب الطهارة
شيء من ذلك حيضاً، وتقرير هذه الأقوال(١) وتفسيرها يذكر في كتاب الحيض، إن شاء الله
تعالی.
وأما حكم الحيض والنفاس: فمنع جواز الصلاة والصوم، وقراءة القرآن ومس المصحف
إلا بغلاف، ودخول المسجد والطواف بالبيت؛ لما ذكرنا في الجنب، إلا أن الجنب يجوز له أداء
الصوم مع الجنابة، ولا يجوز للحائض والنفساء؛ لأن الحيض والنفاس أغلظ من الحدث، أو بأن
النص غير معقول المعنى، وهو قوله وَلّ: ((تَقْعُدُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا تَصُومُ وَلاَ تُصَلِّي))، أو
ثبت(٢) معلولاً بدفع الحرج؛ لأن درور الدم يضعفهن مع أنهن خلقن ضعيفات في الجبلة، فلو
كلفن بالصوم لا يقدرن على القيام به إلا بحرج، وهذا لا يوجد في الجنابة؛ ولهذا الجنب يقضي
الصلاة والصوم؛ وهن لا يقضين الصلاة؛ لأن الحيض يتكرر في كل شهر ثلاثة أيام إلى العشرة،
فيجتمع عليها صلوات كثيرة، فتحرج في قضائها؛ ولا حرج في قضاء صيام ثلاثة أيام أو عشرة
أيام في السنة، وكذا يحرم القربان في حالتي الحيض والنفاس، ولا يحرم قربان(٣) المرأة التي
أجنبت؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. ومثل هذا لم
يرد في الجنابة، بل وردت الإباحة بقوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ أي
الولد، فقد أباح المباشرة وطلب الولد؛ وذلك بالجماع مطلقاً عن الأحوال.
وأما حكم(٤) المستحاضة(٥) فحكمها حكم الطاهرات، غير أنها تتوضأ لوقت كل صلاة
على ما بينا.
(١) في أ، ب: الأصول.
(٢) في أ، ب: وثبت.
(٣) في ب: جماع.
(٤) في ط: وأما حكم الاستحاضة فلاستحاضة.
(٥) الاسْتِحَاضَةُ: استفعال من الخَيْضِ، وقالت فاطمة بنت قيس للنبي وَّهـ: ((إني أستحيض فلا أطهر)).
وفي اللسان: استحيضتِ المَرْأَةُ، أي: استمرَّ بها الدَّمُ بعد أيامها، فهي مُسْتَخَاضة.
والمستحاضة التي لا يَرْقَاَ دم حيضها، ولا يسيل من المَحِيضِ، ولكنه يسيل من عِرْقٍ، يقال له: العَازِلُ.
ينظر اللسان (٢/ ١٠٧١).
اصطلاحاً :
عرفه الشّافعية: بأنه الدَّمُ الخارج في غير أيام الحَيْضِ والنفاس لعلة، من عرق في أدنى الرحم، يقال له:
العَازِلُ.
ينظر: الإقناع (٤٠/١).
وعرفه القونوي من الحنفية: بأنه خصّ الاسم بدم دون دم، ومن شخص دون شخص.
وفي ((الإفصاح)) لابن هبيرة (١/ ٩٧).
أما الفرق بين الدَّمَيْنِ، فدم الحيض ثَخينٌ منتن، ودم الاستحاضة أحمر لا نتن فیه.

٣٠٤
كتاب الطهارة
١٢٢
فصل (١) وأما التيمم فالكلام في التيمم يقع في مواضع،
في بيان جوازه وفي بيان معناه لغة وشرعاً، وفي بيان/ ركنه، وفي كيفيته
[وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان ما يتيمم به، وفي بيان وقت التيمم؛ وفي بيان صفة
التيمم، وفي بيان ما يتيمم منه](٢)، وفي بيان ما ينقضه.
أما الأول: فلا خلاف في أن التيمم من الحدث جائز، عرف جوازه بالكتاب والسنة
والإجماع :
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ
أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ .
وقيل: إن الآية نزلت في غزوة ذات الرقاع (٣)، نزل رسول الله وَالر للتعريس، فسقط من
عائشة - رضي الله عنها - قلادة لأسماء - رضي الله عنها - فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول
اللهِ وَّ فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ فِي طَلَبِهَا فَأَقَامَ يَنْتَظِرُهُمَا، فَعَدِمَ النَّاسُ الْمَاءَ، وَحَضَرَتِ صَلاَةُ الْفَجْرِ،
فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - على عَائِشَةَ - رضي الله عنها - وَقَالَ لَهَا: حَبَسْتِ الْمُسْلِمِينَ (٤).
فنزلت الآية، فقال أسيد بن حضير(٥): يرحمك الله يا عائشة؛ ما نزل بك أمر تكرهينه؛ إلاَّ
جعل الله للمسلمين فيه فرجاً.
وأما السنة: فما روي عَنِ النّبِيِّ وَّ أَنَّهُ قَالَ: ((التَّيَّمُمُ وُضُوءُ المُسْلِمِ))، وَلَوْ إِلَى عَشْرِ
حِجَجٍ؛ مَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ أَوْ يُحْدِثْ))(٦).
(١) في هامش ب: الكلام في التميم في أوله في الجواز.
(٢) سقط في ب.
(٣) غزوة ذات الرقاع: في جمادى الأولى من السنة الرابعة غزا رسول الله ويّيقر نجداً يريد بني محارب، وبني
ثعلبة من غطفان فلقي بها جمعاً عظيماً فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب.
(٤) في ب: الناس.
(٥) أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل ..
قيل كنيته: أبو حضير، أبو عمرو، أبو عيسى، أبو يحيى، أبو عتيك. الأنصاري، الأشهلي الأوسي.
شهد العقبة الثانية وكان نقيباً لبني عبد الأشهل. اختلف في شهوده بدراً وشهد أحد وكان ممن ثبت يومها
وجرح حينئذٍ سبع جراحات. قال ابن إسحاق: حدثنا يحيى بن عيادٍ بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن
عائشة قالت ((ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن
معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر. توفي سنة (٢٠) وقيل (٢١) وقيل في إمارة عمر.
ينظر ترجمته في تجريد أسماء الصحابة (٢١/١)، الثقات (٦/٣)، أسد الغابة (١١١/١)، الإصابة (١/
٤٨)، الإكمال (٢/ ٤٨٢)، الاستيعاب (٩٢/١)، تهذيب الكمال (١١٣/١).
(٦) أخرجه الطيالسي ص (٦٦)، وابن أبي شيبة (١٥٦/١ - ١٥٧): كتاب الطهارات: باب الرجل يجنب =

٣٠٥
كتاب الطهارة
وليس يقدر على الماء، وأحمد (١٤٦/٥ - ١٤٧، ١٥٥)، وأبو داود (٢٣٥/١ - ٢٣٦): كتاب الطهارة:
=
باب الجنب يتيمم، الحديث (٣٣٢ - ٣٣٣)، والترمذي (٢١١/١ - ٢١٢): كتاب الطهارة: باب التَّيمم
للجنب إذا لم يجد الماء، الحديث (١٢٤)، والنسائي (١/ ١٧١): كتاب الطهارة: باب الصلوات بتيمم
واحد، وابن حبان (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص (٧٥)، والدارقطني (١/ ١٨٧): كتاب الطهارة:
باب في جواز التيمم لمن لم يجد الماء سنين كثيرة، الأحاديث (١ - ٦)، والحاكم (١٧٦/١ - ١٧٧):
كتاب الطهارة، والبيهقي (١/ ٢١٢): كتاب الطهارة: باب التيمم بالصعيد الطيب.
والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣١٧/٦) من حديث أبي ذر، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح،
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه أبو حاتم كما في ((علل الحديث)) (١١/١) لابنه
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٤٩/١٤٨/١): وضعف ابن القطان في كتابه ((الوهم والإيهام)) هذا
الحديث فقال: وهذا حديث ضعيف بلا شك، إذ لا بد فيه عمرو بن بجدان، وعمرو بن بجدان لا يعرف
له حال، وإنما روى عنه أبو قلابة، واختلف عنه فقال: خالد بن الحذاء عنه عن عمرو بن بجدان، ولم
يختلف على خالد في ذلك، وأما أيوب، فإنه رواه عن أبي قلابة، واختلف عليه، فمنهم من يقول: عنه
عن أبي قلابة عن رجل من بني قلابة، ومنهم من يقول: عن رجل فقط، ومنهم من يقول: عن عمرو بن
بجدان كقول خالد، ومنهم من يقول: عن أبي المهلب، ومنهم من لا يجعل بينهما أحداً، فيجعله عن أبي
قلابة عن أبي ذر، ومنهم من يقول: عن أبي قلابة أن رجلاً من بني قشير قال: يا نبي الله هذا كله اختلاف
على أيوب في روايته عن أبي قلابة، وجميعه في ((سنن الدارقطني)) وعلله، انتهى.
قال الشيخ تقي الدين في ((الإمام)): ومن العجيب كون القطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال
عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: هذا حديث حسن صحيح، وأي فرق بين أن
يقول: هو ثقة، أو يصحح له حديث انفرد به؟ وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة،
فليس هذا: بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة
الحال بانفراد راوٍ واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله، وهو تصحيح الترمذي، وأما الإختلاف الذي
ذكره من ((كتاب الدارقطني)) فينبغي على طريقته. وطريقة الفقه أن ينظر في ذلك، إذ لا تعارض بين قولنا:
عن رجل، وبين قولنا: عن رجل من بني عامر، وبين قولنا: عن عمرو بن بجدان، وأما من أسقط ذكر
هذا الرجل فيأخذ بالزيادة، ويحكم بها، وأما من قال: عن أبي المهلب، فإن كان كنية لعمرو فلا
اختلاف، وإلا فهي رواية واحدة مخالفة احتمالاً لا يقينا، وأما من قال: إن رجلاً من بني قشير قال: يا
نبي الله، فهي مخالفة، فكان يجب أن ينظر في إسناده على طريقته. فإن لم يكن ثابتاً لم يعلل بها. أ. هـ.
وقد ورد هذا الحديث عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار (١/ ١٥٧ - كشف) رقم (٣١٠) من طريق مقدم بن محمد، ثنى القاسم بن يحيى بن
عطاء بن مقدم، ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به.
قال البرار: لا نعلمه يروي عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ومقدم ثقة معروف النسب، قال الزيلعي في
(نصب الراية)) (١/ ١٥٠): وذكره ابن القطان، في كتابه من جهة البزار وقال: إسناده صحيح.
وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٦٤/١) وقال: ورجاله رجال الصحيح.
=
وله طريق آخر عن أبي هريرة:
بدائع الصنائع ج١ - ٢٠٣

٣٠٦
كتاب الطهارة
وقال بَّ: ((جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً؛ أَيْنَمَا أَدْرَكَثْنِي الصَّلاَةُ تَيَمَّمْتُ
وَصَلَّيْتُ))(١)، وَرُوِيَ عنه؛ أَنَّهُ قَالَ: ((التُّرَابُ طَهُورُ المُسْلِمِ؛ مَا لَمْ يَجِدِ
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) (١٤٩/١) ثنا أحمد بن محمد بن صدقة ثنا
=
مقدم بن محمد المقدمي بمثل إسناد البزار، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٦٦/١) وقال: رواه
الطبراني في «الأوسط)) ورجاله رجال الصحيح.
(١) ورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وهم جابر، وحذيفة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وابن
عمر، وأَبو ذر الغفاري، وابن عباس، وأبو موسى، وأبو الدرداء، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة
الباهلي، والسائب بن يزيد.
حديث جابر:
أخرجه البخاري (٤٣٥/١ - ٤٣٦) كتاب التيمم: باب (١) حديث (٣٣٥)، ومسلم (٣٧٠/١ - ٣٧١):
كتاب المساجد، حديث (٥٢١/٣)، والنسائي (١/ ٢١٠ - ٢١١) كتاب الطهارة: باب التيمم بالصعيد
(٤٣٢)، والدارمي (٣٢٢/١)، والبيهقي (٢١٢/١)، وأحمد (٣٠٤/٣) عنه مرفوعاً بلفظ: أعطيت خمساً
لم يعطيهن أحد من الأنبياء قبلي ((فذكر منها)): وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً.
حديث حذيفة :
أخرجه مسلم (٣٧١/١): كتاب المساجد: حديث (٥٢٢/٤)، وابن أبي شيبة (١٥٧/١)، والطيالسي ص
(٥٦) رقم (٤١٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٥/٥) كتاب فضائل القرآن: باب الآيتان في آخر سورة
البقرة رقم (٨٠٢٢)، وابن خزيمة (١٣٣/١) رقم (٢٥٦) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٢١/٥)،
والدارقطني (١٧٥/١ - ١٧٦)، والبيهقي (٢١٣/١)، من طريق ربعى بن خراش عنه مرفوعاً بلفظ:
((فضلنا عن الناس بثلاث)) فذكر منها: ((وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وترابها طهوراً).
حديث علي:
أخرجه أحمد (٩٨/١)، والبيهقي (٢١٣/١ - ٢١٤)، من طريق زهير بن محمد، عن عبد الله بن
محمد بن عقيل، عن محمد بن علي عنه بلفظ: أعطيت ما لم يعط أحد ... وذكر منها: ((وجعل التراب
لي طهوراً.
وهذا الطريق رجحه أبو زرعة وقال: وهذا عندي الصحيح كما في ((العلل)) (٣٩٩/٢)، والحديث ذكره
الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٥/١ - ٢٦٦) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو
سيىء الحفظ، قال الترمذي: صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن
اسماعيل البخاري يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن ابراهيم، والحميدي يحتجون بحديث ابن
عقيل، قلت: فالحديث حسن والله أعلم.
حديث أبي هريرة:
أخرجه مسلم (٣٧١/١): كتاب المساجد: حديث (٥٢٣/٥)، والترمذي (١٠٥/١): كتاب السير: باب
ما جاء في العنيمة (١٥٥٣) وأحمد (٤١٢/٢)، وأبو عوانة (٣٩٥/١، والبيهقي (٤٣٢/٢)، وفي ((دلائل
النبوة)) (٤٧٢/٥)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٦/٧ - بتحقيقنا)، من طريق العلاء بن عبد الرحمن عنه
بلفظ: ((فضلت على الأنبياء بست ((فذكر منها)) وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً.
حديث ابن عمرو:
=

٣٠٧
كتاب الطهارة
أخرجه أحمد (٢٢٢/٢) بلفظ: ((لقد أعطيت الليلة خمساً ما أعطهن أحد قبلي: فذكر منها: ((وجعلت لي
=
الأرض مسجداً وطهوراً))، وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٧٠)، وقال: رواه أحمد ورجاله
ثقات.
حديث ابن عمر:
أخرجه البزار (١٥٧/١ - ١٥٨ كشف)، ثنا ابراهيم بن اسماعيل بن سلمة بن كهيل، ثنا أبي، عن أبيه،
عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعاً ولفظه: ((أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي)) فذكر
منها: ((وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)).
وقال البزار: لا نعلمه يروي عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٦٦/١)
وقال: رواه البزار، والطبراني ... وفيه ابراهيم بن اسماعيل بن يحيى بن كهيل، وهو ضعيف، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال في روايته عن أبيه بعض المناكير.
حديث أبي ذر:
أخرجه أبو داود (١٨٦/١): كتاب الصلاة: باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (٤٨٩)، وأحمد
(١٤٥/٥) والدارمي (٢٢٤/٢) ولفظه: ((أعطيت خمساً ... )) وفيها: ((وجعلت لي الأرض مسجداً
وطهوراً».
ولفظ أبي داود: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً.
حديث ابن عباس :
أخرجه أحمد (٢٥٠/١) وفيه: ((وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٨)
٢٦١) وقال: رواه أحمد والبزار، والطبراني بنحوه ... ورجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي
زياد، وهو حسن الحديث.
وله طریق آخر عن ابن عباس :
أخرجه البزار (٢٤٤١ - كشف) وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦١/٨) وقال: وفيه من لم أعرفهم.
حديث أبي موسى:
أخرجه أحمد (٤١٦/٤) عنه بلفظ: «أعطيت خمساً بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض
طهوراً)).
وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٦١/٨) وقال: رواه أحمد متصلاً، ومرسلاً، والطبراني ورجاله
رجال الصحيح.
حديث أبي الدرداء:
ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٩٣/٢) بلفظ: ((فضلت بأربع خصال)) وفيها: ((وجعلت لي الأرض
مسجداً)) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده منقطع.
حديث أبي سعيد:
ذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٢٧٢/٨)، وفيه: ((وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)).
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وإسناده حسن.
حديث أبي أمامة :

٣٠٨
كتاب الطهارة
المَاءَ))(١). وعليه إجماع الأمة.
واختلف الصحابة في جوازه من الجنابة، فقال عليّ، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهما
- جائز، وقال عمر - رضي الله عنه - وعبد الله بن مسعود: لا يجوز وقال الضحاك: رجع ابن
مسعود عن هذا، وحاصل اختلافهم راجع إلى تأويل قوله تعالى: [في آية التيمم](٢) ﴿أَوْ لاَمَسْتُمْ
النِّسَاء، أَوْ لَمَسْتُمُ﴾ [النساء: ٤٣]. فعليّ، وابن عباس أَوَّلا ذلك بالجماع، وقالا: كنى الله تعالى
عن الوطء بالمسيس، والغشيان، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، وعمر وابن مسعود أولاه
بالمس باليد؛ فلم يكن الجنب داخلاً في هذه الآية، فبقي الغسل واجباً عليه بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ
جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وأصحابنا أخذوا بقول علي، وابن عباس؛ لموافقة الأحاديث المروية
عن النبي ◌ِّرَ، أنه قال: ((لِلْجُنُبِ مِنَ الْجِمَاعِ أَنْ يَمَّمَ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءِ)).
وعن أبي هريرة أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَِّّ نَّهِ وَقَالَ: ((يَا رَسُولَ الله، إِنَّا قَوْمٌ نَسْكُنُ الرِّمَالَ،
وَلاَ نَجِدُ إِلاَّ الْمَاءَ شَهْراً أَوْ شَهْرَيْنِ، وَفِينَا الْجُنُبُ وَالنَّفَسَاءُ وَالْخَائِضُ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ فَقَالَ وَّى:
((عَلَيْكُمْ بِالأرضِ))(٣)، وفي رواية: ((عَلَيْكُمْ بِالصَّعِيدِ))، وكذا حديثُ عمَّار - رضي الله عنه -
وغيره؛ على ما نذكره.
أخرجه أحمد (٢٤٨/٥، ٢٥٦)، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢٦٢/٨) ولفظة: ((فضلت بأربع: جعلت
=
الأرض لأمتي مسجداً وطهوراً».
وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني بنحوه ... ، ورجال أحمد ثقات.
حدیث السائب بن يزيد :
رواه الطبراني في ((الكبير)) كما في ((المجمع)) (٢٦٢/٨)، وقال الهيثمي: ((وفيه إسحاق بن عبد الله بن
أبي فروة وهو متروك.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) سقط في أ، ب.
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٨/٢) وعبد الرزاق (٢٣٦/١) رقم (٩١١) والبيهقي (٢١٦/١) كتاب الطهارة: باب ما
روي في الحائض والنفساء أيكفيهما التيمم عند انقطاع الدم إذا عدمتا الماء قال البيهقي: هذا حديث يعرف
بالمثنى بن الصباح عن عمرو والمثنى غير قوي.
قلت: وقد تابعه ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رجالاً أتوا رسول
الله ﴿ فقالوا: إنا نكون بالرمل فتصيبنا الجنابة وفينا الحائض والنفساء ولا نجد الماء أربعة أشهر فقال
النبي ◌َّر عليكم بالأرض.
أخرجه أبو يعلى (٢٦٩/١٠) رقم (٥٨٧٠).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٦٤/١): رواه أحمد وأبو يعلى ... والطبراني في الأوسط وفيه المثنى بن
الصباح والأكثر على تضعيفه. قلت: وهذا فيه نظر فإنه ليس في سند أبي يعلى.
والحديث عزاه الحافظ في ((المطالب العالية)) (١٦٧) لأبي يعلى وقال: متنه ضعيف.

٣٠٩
كتاب الطهارة
ويجوز التيمم من الحيض والنفاس؛ لما روينا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -
ولأنهما بمنزلة الجنابة، فكان ورود النص في الجنابة وروداً فيهما دلالة.
وللمسافر (١) أن يجامع امرأته، وإن كان لا يجد الماء.
وقال مالك : يكره.
وجه قوله: إن جواز التيمم للجنب، اختلف فيه كبار الصحابة - رضي الله عنهم - فكان
الجماع اكتساباً لسبب وقوع الشّكُ في جواز الصلاة، فيكره.
ولنا ما روي عن أبي مَالِكِ الغفَارِيِّ(٢) - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َّ:
(أَأُجَامِعُ امْرَأَتِي، وَأَنَا لاَ أَجِدُ المَاءَ؟ فَقَالَ: ((جَامِعِ امْرَأَتَكَ، وَإِنْ كُنْتَ لاَ تَجِدُ المَاءَ إِلَى عَشْرِ
حِجَجٍ؛ فَإِنَّ التُّرَابَ كَافِيكَ))(٣) .
وأما بيان معناه، فالتيمم في اللغة القَصْدُ، يقال: تَيَمَّمَ وَيَمَّمَ: إذا قَصَدَ؛ ومنه قولُ
الشاعر :
وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضاً أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي:
أَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِ أَم الشَّرُ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِيْنِي؟!(٤)
قوله: يَمَّمْتُ، أي: قصدت.
وفي عرف الشرع: عبارة عن استعمالِ الصعيدِ في عضوين مخصوصين على قصد
التطهير بشرائط مخصوصة(٥)، نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
(١) في هامش ب: للمسافر أن يجامع امرأته وإن كان لا يجد الماء.
(٢) غزوان الغفاري أبو مالك الكوفي، عن البراء وابن عباس وعنه سلمة بن كهيل والسدي. وثقه ابن معين.
ينظر: الخلاصة (٢ /٣٣٠) (٥٦٧٠).
(٣) تقدم تخريجه .
(٤) البيت للمثقب العبدي في ديوانه ص (٢١٢)، وخزانة الأدب (١١/ ٨٠)، وشرح اختيارات المفضل ص
(١٢٦٧)، وشرح شواهد المغني (١٩١/١)، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص (١٤٥)، وخزانة الأدب
(٣٧/٦).
(٥) التيمم في ((لسان العرب)): القَضْدُ يقال تَيَمَّمْتُ فلاناً، ويَمَّمْتُهُ، وأمَّمْته، وتأمَّمته، أي: قصدته.
والأَوَّلان منها مصدرهما: تيمُّماً، ومصدر الثالث: تأميماً، ومَصْدَرُ الرابع تأمُّماً.
وأمَّمته بوزن قَصَدْتُهُ.
وفي ((المختار)) أمَّه من باب روّ، وأمّمه تأميماً. وتأمَّمه إذا قصده.
وهو يفيد أنه بالتشديد. وقال بعضُهم: أمَّمْته بتشديد الميم لا بتخفيفها، كما في ((المختار))، و(المصباح))
وغيرهما.
=

٣١٠
كتاب الطهارة
فصل في بيان ركن التيمم
وأما ركنه: فقد اختلف فيه؛ قال أصحابنا: هو ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين
إلى المرفقين، وهو أحد قولي الشافعي، وفي قوله الآخر، وهو قول مالك: ضربة للوجه،
وضربة لليدين إلى الرسغين.
وقال الزهري : (١) ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الآباط.
وأما أَمَمْتُهُ مخففاً، فمعناه: ضربت أُمَّ رأسه.
=
قال في ((المُغرب)) - أممته بالعَصَا أمماً من باب طَلَبَ، إذا ضربت أُمّ رأسه، وهي الجِلْدَةُ التي تجمع
الدِّمَاغَ.
وقال في ((القاموس)): أمه: قصيدة، كأتمه وأممّه، وتأمّمه، ويممه، وتيممه والتيمم أصله: التأمّم، فمعنا
هنا القصد قال الله تعالى ﴿فَتَمِّمُوا صَعِيداً طَيِباً﴾ أي: اقصدوه.
وقال: ﴿وَلاَ تَيَمِّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: لا تقصدوه.
وقال ((امرؤ القيس)) في روايةٍ: [الطويل]:
تَيَمَّمْتُهَا مِنْه أَذْزِعَاتٍ، وَأَهْلُهَا لا يَثْرِبَ أَعْلَى دَارَهَا نَظَرّ عَالِي
أَي قَصَدْتُهَا - وقال أيضاً [الطويل]:
يفِىءُ وَعَلَيْهَا الظُّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي
تَيَمَّمتِ الْعَيْنَ الْتِي عِنْدَ ضَارِج
أي: قصدت.
وقال الشاعر [الوافر]:
فَلاَ أَذْرِي إِذَا تَبَمَّمْتُ أَرْضاً أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِيني
أي: قصدتها.
وقال البوصيري [البسيط]:
يَا خَيْرَ مَنْ تيهَّم العَافُونَ سَاعَتَهُ سَعْياً وَفَوْقَ مُتُونِ الأَيْثُقِ الرُّسُم
أي: قصدتها .
ويقال: تأمَّم العطف والعدالة من عَالِم، ولا تأممها من جاهل، أي: اقصد ولا تقصد.
ينظر لسان العرب: (٦ /٤٩٦٦) ت ترتيب القاموس (٦٨١/٤)، المعجم الوسيط: (١٠٧٩/٢).
واصطلاحاً:
عرفه الحَنَفِيَّةُ بأنه: قَصْدُ الصعيد الطّاهِرِ، واستعماله بصفة مَخْصُوصَةٍ؛ لإقامة القُرْبَةِ.
وعرفه الشَّافِعِيَّةُ بأنه: إِيصَالُ تُرَابٍ إلى الوجه واليَدَيْنِ، بشروط مخصوصة.
وَعرَّفَهُ المالكية بأنه: طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ تشتمل على مَسْحِ الوجه والْيَدَيْنِ بنِيَّةِ .
وعرفه الحَنَابِلَةُ بأنه: عبارة عن قَصْدِ شيء مَخْصُوصٍ على وَجْهٍ مخصوص.
ينظر: الاختيار (٢٠/١)، فتح الوهاب (٢١/١)، مغني المحتاج (٨٧/١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٤٧)،
المبدع (٢٠٥/١).
(١) محمد بن مُسْلم بن عُبَيْد الله بن عبد الله بن شِهَاب بن عبد الله بن الحارث بن زَهرة القرشى الزهري أبو
بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام. عن ابن عمر وسهل بن سعد وأنس ومحمود بن =

٣١١
كتاب الطهارة
وقال ابن أبي ليلى: (١) ضربتان، يمسح بكل واحدة منهما الوجه والذراعين جميعاً.
وقال ابن سيرين: (٢) ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة أخرى
لهما جميعاً.
وقال بعض الناس: هو ضربة واحدة يستعملها في وجهه ويديه، وحجتهم ظاهر قوله
تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] أمر بالتيمم، وفسره
بمسح الوجه واليدين بالصَّعيد مطلقاً عن شرط الضربة والضربتين، فيجري على إطلاقه؛ وبه
يحتج الزهري، فيقول: إن الله تعالى أمر بمسح اليد، واليد اسم لهذه الجارحة من رؤوس
الأصابع إلى الآباط، ولولا ذكر المرافق غاية للأمر بالغسل في باب الوضوء - لوجب غسلُ هذا
المحدود، والغاية ذكرت في الوضوء(٣) دون التيمم.
الربيع وابن المُسَيِّب وخلق. وعنه أَبَان بن صالح أيوب وابراهيم بن أبي عَبْلة وجعفر بن بُزْقان وابن عيينة
=
وابن جريج والليث ومالك وأمم. قال ابن المديني: له نحو ألفي حديثٍ قال ابن شهاب: ما استودعت
قلبي شيئاً فنسيته. وقال الليث: ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب. وقال أيوب: ما رأيت أعلم من
الزهري. وقال مالك: كان ابن شهاب من أسخى الناس وتَقِيّاً، ما له في الناس نظير. قال ابراهيم بن
سعد: مات سنة أربع وعشرين ومائة. ينظر تهذيب الكمال (١٢٦٩/٣) وتهذيب التهذيب (٤٤٥/٩)،
وتقريب التهذيب (٢٠٧/٢)، خلاصة التهذيب الكمال (٤٥٧/٢)، الكاشف (٩٦/٣)، تاريخ البخاري
الكبير (٢٢٠/١)، تاريخ البخاري الصغير (٥٦/١، ٣٢٠)، الجرح والتعديل (٣١٨/٨).
(١) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبو عبد الرحمن، قاضي الكوفة وأحد الأعلام. عن أخيه
عيسى والشعبي وعطاء ونافع وعنه شعبة والسفيانان ووكيع وأبو نعيم. قال أبو حاتم: محله الصدق شغل
بالقضاء فساء حفظه. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العجلي: كان فقيهاً صاحب سنة، جائز
الحديث، قال البخاري: مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
ينظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (٤٣٠/٢).
(٢) محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم أبو بكر البصري إمام وقته، عن مولاه أنس وزيد بن ثابت
وعِمْرَان بن حُصَيْن وأبي هريرة وعائشة وطائفة من كبار التابعين، وعنه الشعبي وثابت، وقتادة وأيوب
ومالك بن دينار وسليمان التَّيْمِي وخالد الْحَذَّاء والأوزاعي وخلق كثير قال أحمد: لم يسمع من ابن
عباس، وقال خالد الْحَذَّاء: كل شيء يقول يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من عِكُرِمة أيام المُخْتَار قال
ابن سعد: كان ثقة مأموناً عالياً رفيعاً فقيهاً إماماً كثير العلم. وقال أبو عَوَانة: رأيت ابن سيرين في السوق
فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى. وقال بكر المزني: والله ما أدركنا من هو أورع منه وروى أنه اشترى بيتاً،
فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه منه شيء فتركه. قال حماد بن زيد: مات سنة عشر
ومائة. ينظر الخلاصة (٤١٢/٢)، تهذيب التهذيب (٢١٤/٩) والكاشف (٥١/٣)، تاريخ البخاري الكبير
(٩٠/١)، الوافي بالوفيات (١٤٦/٣).
(٣) في أ، ب: الصوم.

٣١٢
كتاب الطهارة
واحتجَّ مالكٌ والشافعيُّ بما رُوِيَ أَنَّ عَمَّارَ بنَ يَاسِرٍ(١) - رضي الله عنه - أَجْنَبَ فَتَمَّمَكَ فِي
التّرَابِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ يَكْفِيكَ الوَجْهُ وَالْكَفَّانِ))(٢).
ولنا الكتاب والسنَّةُ، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَتَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. والآية حجة على مالك والشافعي، لأن الله تعالى أمر بمسح اليد،
٢٢ ب فلا يجوز التقييد بالرسغ إلا بدليل، وقد قام [لنا] دليلُ/ التقييد بالمرفق وهو أن المرفق جعل
غاية للأمر بالغسل، وهو الوضوء، والتيمم بدل عن الوضوء والبدل لا يخالف المبدل، فذكر
الغاية هناك يكون ذكراً ههنا دلالة، وهو الجواب عن قول من يقول: إن التيمم ضربة واحدة؛
(١) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم ... المذحجي أبو اليقظان،
العنسي. حليف بني مخزوم. أمه: سمية بنت خياط. هومن السابقين الأولين إلى الإسلام .. وأمه سمية
وهي أول من استشهد في سبيل الله عز وجل وأبوه وأمه من السابقين وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين
وهو ممن عذب في الله. قال عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله وَلّر فيها
فقلت ما تريد؟ فقال: ما تريد أنت؟ قلت أريد أن أدخل على محمد وأسمع منه كلامه. فقال: وأنا أريد
ذلك فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا. وهو من مشاهير الصحابة.
قتل مع علي بصفين سنة (٣٧) وله (٩٣ سنة).
ينظر ترجمته في: أسد الغابة (١٢٩/٤)، الإصابة (٣٧٣/٤)، الثقات (٢٠٢/٣) الاستيعاب (١١٣٥/٣)
تجريد أسماء الصحابة (٣٩٤/١)، التاريخ الصغير (٧٩/١)، الجرح والتعديل (٣٨٩/٦).
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٣/١): كتاب التيمم: باب المتيمم هل ينفُح فيهما، الحديث (٣٣٨)، ومسلم (١/
٢٨٠): كتاب الحيض: باب التيمم، الحديث (٣٦٨/١١٢)، والطيالسي ص (٨٨ - ٨٩)، الحديث
(٢٤٥ - منحة)، وأحمد (٢٦٥/٤)، والدارمي (١٩٠/١): كتاب الطهارة: باب التيمم مرة، وأبو داود
(٢٢٨/١ -٢٢٩): كتاب الطهارة: باب التيمم، الحديث (٣٢٢)، والترمذي (٢٦٨/١ - ٢٦٩): كتاب
الطهارة: باب ما جاء في التيمم، الحديث (١٤٤)، والنسائي (١٦٥/١ - ١٦٦): كتاب الطهارة: باب
التيمم في الحضر، وابن ماجة (١٨٨/١): كتاب الطهارة: باب ما جاء في التيمم ضربة واحدة، الحديث
(٥٦٩)، وابن الجارود ص (٥١ - ٥٢): كتاب الطهارة: باب التيمم، الحديث (١٢٥)، والطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) (١٢٢/١): كتاب الطهارة: باب صفة التيمم كيف هي، الدارقطني (١٨٢/١): كتاب
الطهارة: باب التيمم، الحديث (٢٧)، والبيهقي (٢٠٩/١ - ٢١١): كتاب الطهارة: باب ذكر الروايات
في كيفية التيمم عن عمار بن ياسر رضي الله عنه، وأبو عوانة (٣٠٥/١) وابن خزيمة (١٣٥/١) رقم
(٢٦٨)، وابن حبان (٤٣٣/٢، ٤٣٤ - الإحسان) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٩٨/١ - بتحقيقنا) من
طريق عبد الرحمن بن أبزى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء
فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصلي وأما أنا
فتمعكت فصليت فذكرت ذلك لرسول الله # فقال النبي ◌ّار: إنما يكفيك هذا فضرب النبي وَلقول بكفيه
الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

٣١٣
كتاب الطهارة
لأن النص لم يتعرض للتكرار، لأن النص إن كان لم يتعرض للتكرار [أصلاً] (١) نصاً، فهو
متعرض له دلالة، لأن التيمم خُلف عن الوضوء، ولا يجوز استعمال ماء واحد في عضوين في
الوضوء، فلا يجوز استعمال تراب واحد في عضوين في التيمم، لأن الخلف لا يخالف
الأصل، وكذا [هو] (٢) حجة على ابن أبي ليلى، وابن سيرين، لأن الله تعالى أمر بمسح الوجه
واليدين، فيقتضي وجود فعل المسح على كُلُّ واحد منهما مرة واحدة؛ لأن الآمر المطلق لا
يقتضي التكرار، وفيما قالاه تكرار، فلا تجوز الزيادة على الكتاب إلا بدليل صالح للزيادة.
وأما السنة: فما رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِّ وََّ أَنَّهُ قَالَ: ((التَّيَمُمُ ضَرْبَتَانِ:
ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الَمِرْفَقَيْنِ)) (٣)، والحديثُ حُجَّةٌ على الكلِّ.
وأما حديث عمَّار: ففيه تعارُضٌ، لأنه روي في رواية أخرَى؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ:
(يَكْفِيكَ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لليدين إِلَى المِرْفَقَيْنِ)) (٤) والمتعارِضُ لا يصلُحُ حجةً.
فصل في بيان كيفية التيمم
وأما كيفية التيمم(٥) فذكر أبو يوسف في ((الأمالي)) قال: سألت أبا حنيفة عن التيمم،
فقال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين(٦) إلى المرفقين، فقلت له: كيف هو؟
(١) سقط في: ب.
(٢) في ط: هن.
(٣) أخرجه الدارقطني (١٨١/١): كتاب الطهارة: باب التيمم، الحديث (٢٢)، والحاكم (١/ ١٨٠): كتاب
الطهارة، والبيهقي (٢٠٧/١): كتاب الطهارة: باب كيف التيمم، من رواية عثمان بن محمد الأنماطي،
عن حرمي بن عمارة، عن عزيرة بن ثابت عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي وَ ل قال: ((التيمم ضربة
للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين)) قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف.
وقد خولف عثمان بن محمد الأنماطي، خالفه أبو نعيم فرواه عن عزيرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر
موقوفاً .
وخالفه في متنه أيضاً فقال أن رجلاً أتى جابر فقال أصابتني جنابة وإني تمعكت في التراب فقال: أصرت
حماراً، وضرب بيديه إلى الأرض فمسح وجههُ، ثم ضرب بيديه إلى الأرض فمسح بيديه إلى المرفقين
وقال هذا التيمم.
أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١١٤/١)، والدارقطني (١٨٢/١)، والحاكم (١٨٠/١)،
والبيهقي (٢٠٧/١)
وسكت عنه الحاكم وتعقبه الذهبي فصححه وقال البيهقي: إسناده صحيح.
(٤) ينظر: حديث عمار بن ياسر.
(٥) في هامش ب: بيان كيفية التيمم.
(٦) في ب: الذراعين.

٣١٤
كتاب الطهارة
فضرب بيديه على الأرض، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أعاد كفيه
على الصعيد ثانياً، فأقبل بهما وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح بذلك ظاهر الذراعين وباطنهما إلى
المرفقين .
وقال بعض مشايخنا: ينبغي أن يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى - ظاهر يده اليمنى
[من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع - باطن يده پاليمنى](١)
من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم بفعل باليد
اليسرى كذلك.
وقال بعضهم: يمسح بالضربة الثانية بباطن كفه اليسرى مع الأصابع - ظاهر [يده](٢)
اليمنى إلى المرفق، ثم يمسح به أيضاً باطن يده اليمنى إلى أصل الإبهام، ثم يفعل بيده اليسرى
كذلك ولا يتكلف، والأول أقرب إلى الاحتياط؛ لما فيه من الاحتراز عن استعمال التراب
المستعمل بالقدر الممكن؛ لأن التراب الذي على اليد يصير مستعملاً بالمسح؛ حتى لا يتأدى
فرض الوجه واليدين بمسحة واحدة بضربة واحدة.
ثم ذكر في ((ظاهر الرواية)) أنه ينفضهما نفضةٌ.
وروي عن أبي يوسف؛ أنه ينفضهما نفضتين.
وقيل: إن هذا لا يوجب اختلافاً؛ لأن المقصود من النفض تناثر التراب؛ صيانة عن
التلوث(٣) الذي يشبه المثلة؛ إذ التعبد [ورد بمسح كَفِّ مسه التراب على العضوين] (٤) لا
تلويثهما به؛ فلذلك ينفضهما، وهذا الغرض قد يحصل بالنفض مرة، وقد لا يحصل إلا
بالنفض مرتين، على قدر ما يلتصق باليدين من التراب، فإن حصل المقصود بنفضة واحدة -
[اكتفى بها](٥)، وإن لم يحصل نفض نفضتين.
وأما استيعاب(٢) العضوين بالتيمم، فهل هو من تمام الركن؟ لم يذكره في الأصل نصاً،
لكنه ذكر ما يدل عليه؛ فإنه قال: إذا ترك ظاهر كفيه لم يجزه، ونص الكرخي أنه إذا ترك شيئاً
(١) سقط في ب.
(٢) سقط في ب.
(٣) في ب: التلويث.
(٤) في ب: ورد بمسح كفه على التراب ثم على العضوين.
(٥) بدل ما بين المعكوفين في أ، ب: فيها ونعمت.
(٦) في هامش ب: الاستيعاب بالتيمم هل هو ركن أم لا؟

٣١٥
كتاب الطهارة
من مواضع التيمم، قليلاً أو كثيراً - لا يجوز. وذكر الحسن في ((المجرد)) عن أبي حنيفة أنه إذا
یمم الأكثر جاز.
وجه رواية الحسن أن هذا مسح، فلا يجب فيه الاستيعاب كمسح الرأس.
وجه ما ذكر في الأصل أن الأمر بالمسح في باب التيمم تعلق باسم الوجه واليد، وأنه
يعم الكل؛ ولأن التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الركن؛ فكذا في
البدل، وعلى ظاهر الرواية يلزم تخليل الأصابع، ونزع الخاتم، ولو ترك لم يجز، وعلى رواية
الحسن لا يلزم ويجوز، ويمسح المرفقين مع الذراعين عند أصحابنا الثلاثة خلافاً لزفر، حتى
إنه لو كان مقطوع اليدين من المرفق يمسح موضع القطع عندنا خلافاً له، والكلام فيه كالكلام
في الوضوء، وقد مر. والله تعالى أعلم.
فصل في بيان شرائط الركن
وأما شرائط (١) الركن فأنواع:
منها: ألاَّ يكون واجداً للماء قدر ما يكفي، الوضوء، أو الغسل في الصلاة، التي تفوت
إلى خلف وما هو من أجزاء الصلاة، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءَ فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾
[النساء: ٤٣] شرط عدم وجدان الماء لجواز التيمم، وقول النبي نَّهُ: ((التَّيَّمُمُ وُضُوءِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ
إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ، مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَوْ يُحدِثْ))، جعله وضوء المسلم إلى غاية وجود المَاء أو
الحدث، والممدود إلى غاية ينتهي عند(٢) وجود الغاية، ولا وجود للشيء [مع وجود ما ينتهي
وجوده عند وجوده](٣). وقال رَّ: ((التَّرَابُ طَهُورُ المُسْلِمِ مَا لَمْ يَجِدَ الْمَاءَ أَوْ يُخْدِثْ))؛ ولأنه
بدل، ووجود الأصل يمنع المصير إلى البدل.
ثم عدم الماء نوعان: عدم من حيث الصورة والمعنى، وعدم من حيث المعنى لا من
حيث الصورة .
أما العدم(٤) من حيث الصورة والمعنى: فهو أن/ يكون الماء بعيداً عنه، ولم يذكر حد ٣
البعد في ((ظاهر الرواية))(٥).
(١) في هامش ب: في شرط التيمم ألا يكون واجداً للماء.
(٢) في ب: إلى.
(٣) في ب: مع ما ينتهي عند وجوده.
(٤) في هامش ب: حد البعد الذي يجوز التيمم معه.
(٥) في ب: الروايات.

٣١٦
كتاب الطهارة
وروي عن محمد أنه قدره بالميل(١)، وهو أن يكون ميلاً فصاعداً؛ فإن كان أقل من (٢)
ميل لم يجز التيمم، والميل ثلث فرسخ.
وقال الحسن بن زياد من تلقاء نفسه: إن كان الماء أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمنة أو
يسرة يعتبر ميلاً واحداً، وبعضهم فصل بين المقيم والمسافر، فقالوا: إن كان مقيماً يعتبر قدر
ميل كيفما كان، وإن كان مسافراً والماء على يمينه أو يساره - فكذلك، وإن كان أمامه يعتبر
میلین .
وروي عن أبي يوسف: أنه إن كان الماء بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير،
ويحس أصواتهم أو أصوات الدواب - فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك فهو بعيد. وقال
" بعضهم: إن كان بحيث يسمع أصوات أهل الماء فهو قريب، وإن كان لا يسمع فهو بعيد.
وكذا ذكر الكرخي.
وقال بعضهم: قدر فرسخ.
وقال بعضهم مقدار ما لا يسمع الأذان.
وقال بعضهم: إذا خرج من المصر مقدار ما لا يسمع، لو نودي من أقصى المصر فهو
بعيد، وأقرب الأقاويل: اعتبار الميل؛ لأن الجواز لدفع الحرج، وإليه وقعت الإشارة في آية
التيمم؛ وهو قوله تعالى على أثر الآية: ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَّيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ
يُرِيدُ لِيُطَهْرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ولا حرج فيما دون الميل، فأما الميل فصاعداً فلا يخّلو عن
حرج، وسواء خرج من المصر للسفر أو لأمر آخر.
وقال بعض الناس: لا يتيمم إلا أن يكون قصد سفراً، وأنه ليس بسديد؛ لأن ما له ثبت
الجواز، وهو دفع الحرج، لا يفصل بين المسافر وغيره.
هذا إذا كان علم ببعد الماء بيقين أو بغلبة الرأي أو أكبر الظن أو أخبره بذلك رجل
عَذْلٌ، وأما إذا علم أن الماء قريب منه إما قطعاً أو ظاهراً أو أخبره عدل بذلك - لا يجوز له
(١) الميل: حسب ما رجح واختار الأستاذ أحمد الحسيني في كتابه (دليل المسافر) ص (١٥) وما بعدها.
أن الميل يقدر: بألف وثمانمائة وخمسة وخمسين متراً (١٨٥٥) متراً، بناء على أن المراد بالذراع والقدم
عند الفقهاء، هو الذراع والقدم الفلكيان. فقد عقب بعد ذكر هذا التقدير بقوله: وهو القريب للعقل والذي
يسلم به الباحث .
والذراع الفلكي = (٨/٣) ٤٦ سنتياً.
والقدم الفلكي = (١٢/١١) ٣٠ سنتياً.
(٢) في أ، ب: منه.

٣١٧
كتاب الطهارة
التيمم؛ لأن شرط جواز التيمم لم يوجد وهو عدم الماء، ولكن يجب عليه الطلب، هكذا روي
عن محمد أنه قال: إذا كان الماء على ميل فصاعداً - لم يلزمه طلبه، وإن كان أقل من ميل
أتيت الماء وإن طلعت الشمس. هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة، ولا يبلغ بالطلب ميلاً.
وروي عن محمد أنه يبلغ به ميلاً؛ فإن طلب أقل من ذلك لم يجز التيمم، وإن خاف
فوت الوقت، وهو رواية عن أبي حنيفة، والأصح أنه يطلب قدر ما لا يضر بنفسه ورفقته
بالانتظار، وكذلك إذا كان يقرب من العمران يجب عليه الطلب، حتى لو تيمم وصلى، ثم
ظهر الماء - لم تجز صلاته؛ لأن العمران لا يخلو عن الماء ظاهراً وغالباً، والظاهر ملحق
بالمتيقن في الأحكام.
ولو كان بحضرته رجل يسأله عن قرب الماء، فلم يسأله حتى تيمم وصلى، ثم سأله،
فإن لم يخبره بقرب الماء - فصلاته ماضية، وإن أخبره بقرب الماء - توضأ وأعاد الصلاة، لأنه
تبين أن الماء بقرب منه، ولو سأله لأخبره فلم يوجد الشرط وهو عدم الماء، وإن سأله في
الابتداء، فلم يخبره حتى تيمم وصلى، ثم أخبره بقرب الماء - لا يجب عليه إعادة الصلاة،
لأن المتعنت لا قول له، فإن لم يكن بحضرته أحد يخبره بقرب الماء، ولا غلب على ظنه
أيضاً قرب الماء - لا يجب عليه الطلب عندنا، وقال الشافعي: يجب عليه أن يطلب عن يمين
الطريق ويساره قدر غلوة، حتى لو تيمم وصلى قبل الطلب، ثم ظهر أن الماء قريب منه -
فصلاته ماضية عندنا، وعنده لم تجز، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]،
وهذا يقتضي سابقية الطلب، فكان الطلب شرطاً، وصار كما لو كان في العمران.
ولنا: أن الشرط عَدَمُ الماء، وقد تحقَّق من حيثُ الظاهر؛ إذ المفازَةُ مَكَانُ عَدَمِ الماءِ
غالباً بخلاف العمران. وقوله الوجود يقتضي سابقية الطلب [فكان الطلب شرطاً، وصار كما لو
كان في العمران](١) من الواجد؛ ممنوع؛ ألا تَرَى إِلَى قولِ النّبِيِّ نَّهِ: (مَنْ وَجَدَ لُقَطَةٌ،
فَلْيُعَرِّفْهَا))(٢) ولا طلب مِنَ الملتقِطِ، ولأن الطلب لا يفيد إذا لم يكن على طمع من وجود الماء
(١) سقط في: ط .
(٢) أخرجه الطيالسي (٢٧٩/١ - منحة) كتاب الشفعة واللقطة: باب اللقطة حديث (١٤٠٩) وأحمد (٤ /١٦١)
وأبو داود (٣٣٥/٢) كتاب اللقطة: باب التعريف باللقطة حديث (١٧٠٩) وابن ماجة (٨٣٧/٢) كتاب
اللقطة: باب اللقطة (٢٥٠٥) والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٨/ ٢٥٠) وابن حبان
(١١٦٩ - موارد) وابن الجارود رقم (٦٧١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (١٣٦/٤) كتاب
الإجارات: باب اللقطة والضوال، وفي ((مشكل الآثار)) (٢٠٧/٤ - ٢٠٨) والطبراني في ((الكبير)) (١٧ / رقم
(٩٨٦، ٩٨٧، ٩٨٩، ٩٩٠) والبيهقي (١٨٧/٦) كتاب اللقطة: باب اللقطة يأكلها الغني والفقير، وابن
عبد البر في ((التمهيد)» (١٢١/٣ - ١٢٢) كلهم من طريق خالد الحذاء عن يزيد بن عبد الله بن الشخير
عن مطرف عن عياض بن حمارية.

٣١٨
كتاب الطهارة
والكلام فيه، وربما ينقطع عن أصحابه فيلحقه الضرر، فلا يجب عليه الطلب، ولكن يستحبُّ
له ذلك إذا كان على طمع من وجود الماء، فإن أبا يوسف قال في ((الأمالي)): سألت أبا حنيفة
عن المسافر لا يجد الماء، أيطلب عن يمين الطريق ويساره؟ قال: إن طمع في ذلك فليفعل،
ولا يبعد فيضر بأصحابه إن انتظروه، أو بنفسه إن انقطع عنهم.
ثم ما ذكرنا من اعتبار البعد والقرب ــ مذهب أصحابنا الثلاثة. فأما على مذهب زفر: فلا
عبرة للبعد والقرب في هذا الباب، بل العبرة للوقت بقاء وخروجاً؛ فإن كان يصل الماء قبل
خروج الوقت - لا يجزيه التيمم، وإن كان الماء بعيداً، وإن كان لا يصل إليه قبل خروج الوقت
- يجزئه التيمم، وإن كان الماء قريباً. والمسألة نذكرها بعد أن شاء الله تعالى.
وأما العدم من حيث المعنى لا من حيث الصورة: فهو أن يعجز عن استعمال الماء لمانع
مع قرب الماء منه، نحو ما إذا كان على رأس البئر، ولم يجد آلة الاستقاء؛ فيباح له التيمم؛
٢٣ب لأنه إذا عجز عن استعمال الماء/ لم يكن واجداً له من حيث المعنى؛ فيدخل تحت النص،
وكذا إذا كان بينه وبين الماء عدو أو لصوص أو سبع أو حية، يخاف على نفسه الهلاك إذا أتاه؛
لأن إلقاء النفس في التهلكة حرام، فيتحقق العجز عن استعمال الماء، وكذا إذا كان معه ماء،
وهو يخاف على نفسه العطش؛ لأنه مستحق الصرف إلى العطش، والمستحق كالمصروف،
فكان عادماً للماء معنى .
وسئل نصر بن يحيى عن ماء موضوع في الفلاة في الجب أو نحو ذلك، أيكون للمسافر
أن يتيمم أو يتوضأ به؟ قال: يتيمم ولا يتوضأ به؛ لأنه لم يوضع للوضوء، وإنما وضع
للشرب، إلا أن يكون(١) كثيراً، فيستدل بكثرته(٢) على أنه وضع للشرب والوضوء جميعاً
فيتوضأ به ولا يتيمم، وكذا إذا كان به جراحة أو جدري(٣) أو مرض يضره استعمال الماء،
فیخاف زیادة المرض باستعمال الماء - یتیمم عندنا.
وقال الشافعي: لا يجوز التيمم حتى يخاف التلف.
وجه قوله: إن العجز عن استعمال الماء شرط جواز التيمم، ولا يتحقق العجز إلا عند
خوف الهلاك. ولنا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ .... . إلى قوله - ﴿فَتَمَّمُوا
صَعِيداً طَيِّباً﴾. أباح التيمم للمريض مطلقاً من غير فصل بين مرض ومرض، إلا أن المرض
الذي لا يضرُّ معه استعمال الماء ليس بمراد، فبقي المرض الذي يضر معه استعمالُ الماء مراداً
(١) في ب: إذا كان.
(٢) في ب: بالكثرة.
(٣) الجُدَرِيّ: فُرُوح في البدنِ تنفط عن الجلد ممتلئة ماء وقيحاً ينظر المعجم الوسيط ١/ ١١٠.

٣١٩
كتاب الطهارة
بالنَّصِّ، وَرُوِيَ أن واحداً مِنَ الصحابة - رضي الله عنهم - أَجْنَبَ، وبه جُذْرِيٍّ، فاستفتَى
أصحابَهُ، فَأَفْتُوهُ بالاغتسال، فاغتَسَلَ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِّهِ فَقَّالَ: ((قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ
الله! هَلَّ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟! (١) فإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؛ كَانَ يَكْفِيهِ النََّمُمُ)) (٢) هذا نص،
ولأن زيادة المرض سبب الموت، وخوف الموت مبيح، فكذا خوف سبب الموت؛ لأنه خوف
الموت بواسطة، والدليل عليه أنه أثر في إباحة الإفطار وترك القيام بلا خلاف، فههنا أولى؛
لأن القيام ركن في [باب] (٣) الصلاة، والوضوء شرط، فخوف زيادة المرض لما أثر في إسقاط
(١) في أ، ب: يعرفوا ألم يكن.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٩/١ - ٢٤٠): كتاب الطهارة: باب في المجروح يتيمم، الحديث (٣٣٦)،
والدارقطني (١٨٩/١) كتاب الطهارة: باب جواز التيمم لصاحب الجراح، الحديث (٣)، والبيهقي (١/
٢٢٧): كتاب الطهارة: باب الجرح إذا كان في بعض جسده دون بعض، كلهم من طريق الزبير بن
خريق، عن عطاء، عن جابر قال: ((خرجنا في سفر فأصاب رجل منا حجر، فشجه في رأسه ثم احتلم،
فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم، قالوا ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء
فاغتسل، فمات. فلما قدمنا على النبي وَّ أخبر بذلك فقال: ((قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا
فإنما شفاء العمى السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ــ شك الراوي - على جرحِه خرقه
ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده)). وقال الدارقطني (قال أبو بكر بن أبي بن أبي داود: هذه سنة تفرد
بها أهل مكة وحملها أهل الجزيرة، ولم يروه عن عطاء، عن جابر، غير الزبير بن خريق، وليس بالقوي.
وخالفه الأوزاعي، فرواه عن عطاء، عن ابن عباس).
والذي أشار إليه أبو بكر بن أبي داود:
أخرجه الدارمي (١٩٢/١)، والحاكم (١٧٨/١)، وأبو داود (٣٣٧)، وابن ماجة (٥٧٢) وأحمد (٣٣/١)
من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس به.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٤٧/١): وهو الصواب رواه أبو داود أيضاً من حديث الأوزاعي قال، عن
عطاء، عن ابن عباسٍ، ورواه الحاكم من حديث بشر بن بكر عن الأوزاعي، حدثني عطاء عن ابن عباس
به، وقال الدارقطني: اختلف فيه الأوزاعي والصواب أن الأوزاعي أرسل آخره، عن عطاء قلت - أي ابن
حجر - هي رواية ابن ماجة، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: لم يسمعه الأوزاعي. من عطاء، إنما سمعه من
اسماعيل بن مسلم، عن عطاء، بين ذلك ابن أبي العشرين في روايته عن الأوزاعي أ. هـ.
وللحديث طريق آخر:
أخرجه ابن أبي خزيمة (١٣٨/١) كتاب التيمم: باب الرخصة في التيمم للمجدور والمجروح (٢٧٣)،
وابن حبان (٢٠١ - مواد)، وابن الجارود (١٢٨) من طريق الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح عن عطاء عن
ابن عباس أن رجلاً أجنب في شتاء فسأل فأمر بالغسل فمات فذكر للنبي وَّر فقال: ((ما لهم قتلوه قتلهم
الله - ثلاثاً - جعل الله الصعيد - أو التيمم - طهوراً)) قال: شك ابن عباس ثم أثبته .
صححه ابن خزيمة وابن حبان.
(٣) سقط في، ب.

٣٢٠
كتاب الطهارة
الركن؛ فلأن يؤثر في إسقاط الشرط [كان ذلك](١) أولى.
ولو كان مريضاً (٢) لا يضره استعمال الماء، لكنه عاجز عن الاستعمال بنفسه، وليس له
خادم ولا مال يستأجر به أجيراً، فيعينه على الوضوء - أجزأه التيمم، سواء كان في المفازة أو
في المصر، وهو ظاهر المذهب، لأن العجز متحقق، والقدرة موهومة، فوجد شرط الجواز.
وروي عن محمد أنه إن كان في المصر لا يجزيه، إلا أن يكون مقطوع اليد؛ لأن الظاهر
أنه يجد أحداً من قريب أو بعيد يعينه، وكذا العجز لعارض على شرف الزوال، بخلاف مقطوع
الیدین.
ولو أجنب؟(٣) في ليلة باردة يخاف على نفسه الهلاك لو اغتسل، ولم يقدر على تسخين
الماء، ولا على أجرة الحمام في المصر - أجزأه التيمم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف
ومحمد: إن كان في المصر لا يجزئه [التيمم] (٤) .
وجه قولهما: إن الظاهر في المصر وجود الماء المسخن والدفء، فكان العجز نادراً،
فكان ملحقاً بالعدم، ولأبي حنيفة ما روي عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: (بَعَثَ سَرَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ
عَمْرُو بْنَ العَاصِ) - رضي الله عنه - وَكَانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ ذَاتَ السَّلاَسِلِ، فَلَمَّا رَجَعُوا شَكَوْا مِنْهُ
أَشْيَاءَ، مِنْ جُمْلَّتِهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: صَلَّى بِنَا وَهُوَ جُنْبٌ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ ونَهَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
الله، أَجْنَبْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي الهَلاَكَ لَوْ أَغْتَسَلْتُ، فَذَكَرْتُ مَا قَالَ الله تَعَالَى:
﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] فَتَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ بِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللهِ وَّ: ((أَلاَ تَرَوْنَ صَاحِبَكُمْ كَيْفَ نَظَرَ لِنَفْسِهِ وَلَكُمْ))(٥)، ولم يأمره بالإعادة، ولم
(١) سقط في ط .
(٢) في هامش ب: مرض مرضاً لا يضره استعمال الماء لكنه عاجز عن الاستعمال بنفسه.
(٣) في هامش ب: لو أجنب في ليلة باردة فخاف الهلاك لو اغتسل.
(٤) سقط في ط.
(٥) أخرجه البخاري (٤٥٤/١): كتاب التيمم: باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض، تعليقاً في أول
الباب، وأحمد (٢٠٣/٤)، وأبو داود (٣٣٨/١): كتاب الطهارة: باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم،
الحديث (٣٣٤)، والدارقطني (١٧٨/١): كتاب الطهارة: باب التيمم، الحديث، والحاكم (١/ ١٧٧):
كتاب الطهارة، والبيهقي (٢٢٥/١): كتاب الطهارة: باب التيمم في السفر إذا خاف الموت، فأما أحمد
فمن طريق ابن لهيعة، وأما الباقون، فمن طريق جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، كلاهما عن
يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال:
((احتلمت في ليلة باردة في عزوة ذات السلاسل وأشفقت أن أغتسل فأهلك فتممت ثم صليت بأصحابي
الصبح فذكروا ذلك لرسول الله 8* فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي مغني
من الإغتسال وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ [النساء
٤ : ٢٩] فضحك رسول الله وَ له ولم يقل شيئاً)).
=