النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
مقدمة بدائع الصنائع
يلاحَظُ أنَّه في كلُّ من العبادَاتِ والعَادَاتِ، يَرِدُ تَشْرِيعُ الأحكام مُتَضَمِّناً المعنَى العَامَّ
للتعبُّد؛ بمعنَى أنَّ هذه التشريعات صادرة عن الله تعالَى، فالاحتكَامُ إلَيْهَاَ تنفيذٌ لأوَامِرِ الله .
وأحكامُ الأفْعَالِ كلِّها عباداتٍ أو عاداتٍ، شُرِعَتْ لتحقيق منافِعَ للنَّاسِ، عَلَى أنَّ كلَّ
مصلحةٍ تحصُلُ بِحُكْمٍ مشروعٍ لمنفعةِ العِبَاد؛ فَهِيَ إذْنْ حاصلةٌ لَهُ مِنْ جهة الله تعالَى، ضمن
أوامره وتکالیفِهِ .
وأحكامُ العادَاتِ المبنيّة على المَصَالِحِ، لا يَلْزَمُ أن تَنْحَصِرَ فيها حِكْمَةُ الْحُكْمِ فِي المَعْنَى
الظَّاهرِ الَّذِي عَلِمْنَاهُ؛ لِجَوَازِ أن يكونَ لَهُ منَ الحُكْمِ ما لا يُخْصَى عند الله .
واعتبارُ المَصَالِحِ منافعَ لا يِكُونُ إلاَّ بأعْتِبَارِ الشَّارعِ لها، وكذلك المفاسدُ بأعتبارِ الشَّارِعِ
لها؛ بَيْدَ أن هناك مَصَالِحَ لَمْ نتمكَّنْ معرفتْهَا إلاَّ بالوخي، أي أنَّها مصالحُ توقيفيَّةٌ من قِبَلِ اللهَ
تعالَى؛ لا نُذْرِكُ كَوْنها مصلحةً أو لا:
مثال ذلك: قَوْلُ الله تعالَى: ﴿أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِذْرَاراً
وَيمدْدُكُمْ بِأَمْوَالِ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
فالعقلُ في هذا الأمر لا يُذْرِكُ كيفيَّةً أنْ يُمِدَّنَا الله بالأموال والبنين عَلَى عِلَّةِ استغْفَارِهِ،
ولكنَّ الشَّارعِ عنْدمَا ينصُّ علَى ذلك، ينبغي عَلَيْنا الوقُوفُ عنده.
٢ - يُبْنَى عَلَى أن المقْصُودَ الأضْلِيَّ للتشريع مصالحُ العبادِ في الدنيا والآخرة أنْ تكُونَ
المشْرُوعاتُ كلُّها عباداتٍ أو عاداتٍ تحقّق مصالِحَ النَّاس؛ وأنَّها لَيْسَتْ عبثاً، ومِنَ البديهيّ أنَّ
المصالِحَ لَيْسَتْ راجعةٌ إلى الشارع؛ لأنه سبحانه غَنِيُّ عن عباده.
وللعبادات والعادات حكَمُ شُرِعَتْ لأجْلِهَا؛ لكن هذه الحِكَمُ لَيْسَتْ عِلَلاَ تُعَلَّلُ بها
الأحكامُ، عَلى أنْ يدور الحُكْمُ مع عَلَّيَةِ وجوداً وعَدَماً، وأنَّ التعبد في العادَاتِ لا يتنافى مع
جَرَيَانِ القِيَاسِ فيها، فالشَّارع هو الذي أفْسَحَ لنا سُبُل الاستنباط والاجْتِهَادِ في العادَاتِ، مع أنَّها
أوامرُهُ، وهو الذي أوقَفَنَا في العِبَادَاتِ عِنْدَ حدودٍ لا نتعَداها.
٣ - والفرقُ بينِ العادَاتِ والمعامَلاَتِ ينْحَصِرُ في وقوعِ الاجتهاداتِ فيهِمَا؛ بِسَبَبٍ
اختلافِ الأخْوَال والظُروف والبيئَاتِ، بما لَهَا مِنْ تأثيرِ في تَجدَّد أفعال المعامَلاَتِ وتغيُّرها،
وهذا بأعتبار الغالِبِ في النوعَيْنٌ، وإلا فإنَّ النَّادِرَ القليل في بَعْضِ أحكامِ العِبَادَاتِ، اعْتُبِرَ فيه
المعاني كما سَبَقَ، وكذلك بعْضُ أحكام العادَاتِ التي حكم الشارع بعد إعْمَالِ العَقْل فيها؛
كالمُقَدَرَاتِ في المواريث؛ فإنَّها ملحقةٌ بالَعبادَاتِ فِي كَوْنِهَا لَيْسَت محلاً للقياس.
٤ - سُقْنَا فيما سبق بَعْضَ الأدِلَّة لِفَهْم عَدَمِ اعتبار المعاني في العِبَادَاتِ، وإنَّنَا الآنَ نَسُوقُ
بَعْضَ الأدلَّة، على أن الأصْلَ في العَادَاتِ اعتبارُ المَعَانِي، وتِلْكَ بعض الأدلّة:

٤٢
مقدمة بدائع الصنائع
أولاً: الاستقراءُ، وبه وجَدْنا أنَّ الشارعِ الحَكِيم قَصَدَ مَصَالح العبادِ، والأحكامُ تدورُ مع
ذلك وُجُوداً وعَدَماً، فَيُمْنَعُ الشَّيْء الواحدُ في حالٍ لا تكونُ فيه مصلَحَةٌ، فإذا كانَتْ فيه
مصلحةٌ، انتفَى المَنْعُ، مثلاً امتناعُ الدِّرْهَمِ بالدرهم إِلَى أجَلٍ في المبايعة؛ لما فيه من المغالبة
والاستفادة الماليّة، بينما يجوزُ ذلك في القَّرْض؛ لأنَّه يكون لَوجْهِ الله خالصاً.
وقد قَرَنَ الله التشريعاتِ في العادَاتِ بالمَصَالِحِ؛ كما في حُرْمَةِ الأكْلِ بِالبَاطِلِ،
والقِصَاصِ، وعَدَم ميراثِ القَاتِلِ، وهذا كالتصريح باعتبارَ المَصَالحِ، وإنَّه يدُلُّ على أن العادات
مما اعتبر الشَّارِعُ فَيها النّظر إلى المعاني.
وقد توسَّع الشَّارِعُ في باب العِلَلِ والحِكَمِ في تشريع هذا النَّوْعِ؛ حتّى إذا عُرضَتْ على
العُقُول، تَلَقَّتْهُ بالقُبُولِ؛ وذلك كما نقولُ: إنَّ علَّة وجوب القِصَاص في القَتْلِ العَمْدِ العُذْوانُ من
القاتل؛ فإنَّا قد جَعَلْنَا القَتْلَ العَمْدَ عِلَّةٌ، ترئَّب على وجُودِها وجوبُ القصاصِ؛ لحُصُولِ
مَصْلَحَةٍ حِفْظ الأنْفُس .
إِنَّ بِنَاءَ الأحكام العاديَّ عَلَى المَعَانِي، كان مَعْلُوماً في الأزمنة التي كانَتْ تمضي بَيْنَ كلٌ
رِسَالَةٍ سماويَّةٍ وأخْرَى؛ كما بيَّن سيدنا عيسَى وسيِّدنا محمَّد - عليهما الصلاة والسَّلام -،
فالعقلاءُ في مِثْل هذه الفتراتِ اعْتَمدوا على المَعَانِي، وجَرَتْ مصالحهم عَلَيْها، لكنَّ قصورَ
عُقُولِهِمْ قصَّرَ في بعْضِ التفاصِيلِ في الإسْلاَمُ الخاتَمُ لتتمَّ به مكارم الأخلاقِ.
ومن الملاحظ أنَّ الشريعة الإسلاميَّة قد أقرَّتْ كثيراً من الأحكام التي كان مَعْمُولاً بها في
الجاهليَّة، مثل كسوة الكعبة، والاجتماعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ للوَعْظِ والتَّذْكِيرِ، والقِرَاض، والقَسَامَة
والرِّيَّة .
أمَّا العباداتُ، فقد كانَتْ على العَكْس من ذلك؛ لأن أهْلَ الجاهليَّة انحرفُوا فيها، ولم
يُكُونُوا قَبْلَ الإسْلاَم على عبادةٍ صحيحةٍ.
خلاصةُ القَوَلِ: أنَّ الأصْلَ في العادَاتِ الالتفاتُ إلى المعاني، التي أفْسَحَ الشَّارِع فيها
بَابَ الاجْتِهَادِ والاستنباطِ؛ ولذلكَ تُسايِرُ مظاهِرَ التقدُّم البشريِّ، والرقيِّ الحضاريِّ، وتحصيل
المنافع الإنسانيَّة؛ وبذلك اتسعتْ مسائِلُ الفقْهِ بِتَوالِي الأجْيَال، وبإضافات علماءِ كلِّ جيلٍ
أحكامَ العَصْرِ السَّابق إلى اللأَّحِقِ، وهكذا اتسعتْ مُرُونَةُ التشْرِيع، وتأكَّدت قصّة الإيمان
والإسْلام، بعُمُوم رسالةِ محمَّدٍ - رََّ - وشمولِهَا وصلاحِهَا لكلِّ زمانٍ ومكانٍ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ
رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
الْأَحْكَامُ الْأَخْلاَقِيَةُ
تَمْتَازُ الأحكامُ الإسْلاَمِيَّةُ بقدسيَّتها ونزاهَتِهَا، وعُمومها ودوامها، ولا تزالُ دِيناً يُتعبَّدُ بها،
وقُرْبَةً يُتقرَّب بها إلى المولى عزَّ وجلَّ.
والضمير البشريُّ هو المحلِّ الكاملُ المشتملُ عَلَى مراقبةَ الله - عزَّ وجلَّ - بالتَّعبَّد

٤٣
مقدمة بدائع الصنائع
والامتثال؛ لِذَا فَقَدْ عُنِيَ الإسلامُ بتربيتِهِ، وتهذيبٍ مَشَاعِرِهِ وأحاسيسه، وتطهيرِهِ، وذلك في
القسْم الأخْلاَفِيِّ من التَّشْرِيعِ .
والتعاليمُ الخلقيَّةُ: عنصرٌ هامٍّ من عناصر التربيةِ الإسلاميَّة، فلها دَوْرٌ كَبِيرٌ في إعْدَادِ
النَّمُوذج الكامِلِ في البَشَرِ، وقد امتزجَتْ هذه التعاليمُ الخلقيَّة بالقَوَاعِدِ التشْرِيعيَّة، لتلفتَ نَظَر
التصرُّفَتِ الإنْسَانِيَّةِ إلَى ناحيةِ هامَّة تفوقُ المَصَالح الدنيويَّةَ.
والتعاليمُ الخلقيَّة منهجْ ربانِيٍّ للتربية، يرتفعُ به الإنسانُ إلَى ذِرْوَةِ الرَفعة فَوْقَ أدران
المادِّيَّةُ، فكان التواضعُ والخُشُوعُ قُوَّةً، شدَّت المتواضِعَ الخاشِعَ إلى الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعِبَادُ
الرَّحْمُنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمَا﴾ [الفرقان: ٦٣]
ويقول وَله: ((الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).
فعلى أغصانِ شَجَرَةِ الإِيمَانِ قامَتْ دعائمُ الأخلاقِ، وبها يقْوَى المُؤْمِنُ وتنمو مؤاخاتُه لأخيه
المُؤمِنِ، والعقيدةُ الحقَّةُ هي التي تَصْنَعُ المُؤْمِنَ القويَّ وتمَزِجَ نَفْسَهُ ورُوحَهُ بمكارم الأخلاق.
ولقد اتَّفَقَتْ جميعُ الشرائع السماويَّة على الأُسُسِ الأخلاقيَّة اللازمة لتربية الضَّمير
الإنساني في إرشَادِهِ إلى الخَيْرِ وتحْذِيره من الشَّرِّ.
والأخلاق في الإِسْلام اهتمَّتِ اهتماماً بالغاً بتصرُّفات الإنْسانِ وسلوكِهِ وتناوَلَتِ العلاَقَةَ
بَيْنَهُ وبَيْنَ ربِّه ونَفْسِهِ وأُسْرَتِهِ وَمجتمعِهِ.
ومن الملاحَظِ في تاريخ التَّشْرِيعِ الإسلاميِّ اقترانَ خطاباتِ الإيمانِ في ((مكَّة)) بخطابات
الحَضِّ على التمسُّكك بالمكارم الأخلاقَيَّة .
ولقد عالجَ الوحيُ ذلك في أُولَى مراحلة؛ بأنه اهتَمَّ به، وبالَغَ في تصوير المَفَاسِدِ
واقْترانها بعبارَاتِ الوَعْد والوَعِيدِ، وكان عمومُ الخطابِ وإطلاقُهُ في تكوينٍ حَقَائِقِ الأخلاق؛
لكي يَسْلُكَ المُؤمِنُونَ كلَّ أبوابِ الخَيْرِ ودُرُوبِهِ.
أما في مجتمع المَدِينةِ عندما تكوَّنَ المجتمع، وتعدَّدت الحاجات، ورسخَت العقائد
والعباداتُ في الضَّمائر والقُلُوبِ، جاءَتِ التَّغْييراتُ، وتميَّز حظُّ النَّفْسِ وقَصْدُ التوكُل، وقام
مجتمعُ المؤْمِنِينَ على أسَاس الأخوَّة الصادِقَةِ التي تتلاشَى تحتها كلُّ العَصَبِيَّاتِ والتَفَاخُرُ
بالأنسابِ والأخساب.
وجَمَعَ المؤمنين رباطُ الحُبِّ والموَدَّةِ فيما بينهُمْ؛ يقول رسولُ اللهِ وَالَ: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ
حَتَّى يَحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))(١).
(١) أخرجه البخاري (١/ ٧٣) كتاب الإيمان باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١٣) ومسلم (١/
٦٧) كتاب الإيمان باب الدليل على أن من خصال الإيمان (٧١ - ٤٥) والنساني (١١٥/٨) كتاب الإيمان باب
علامة الإيمان (٥٠١٧).

٤٤
مقدمة بدائع الصنائع
وعلى هذا الأساس الأخلاقيّ المَتِينِ قامَتِ العَلاَقَةُ بين أفراد الأُسْرَةِ تُغَلِّفُها الرحمَةُ
والعِشْرَةُ والمَعْرُوفُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
وأيضاً العلاقةُ بين الوَالِدِ وأَبَوَيْهِ - قَامَتْ على أساسِ الإحسانِ: ﴿وَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ
تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وكانت العلاقةُ بين الرسُول - وَله - وأضْحَابِهِ يتضمَّنها قولُهُ عَزَّ وجلّ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فِظًّا
غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ [آل
عمران : ١٥٩].
وكذلك حدَّد الله العلاقَةَ بين المسْلِمِينَ وأعدائهم عَلَى هذا الأساس الأخلاقيِّ؛ فلا
سُخْرِيةَ من أحدٍ: ﴿لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمِ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ عَسَى
أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١].
ونهى أيضاً عن التجسُّس والْغَيْبَةِ، ونهَى عن الأخْذِ بالظِّنَّةِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيِّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
الأَخْلاَقُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ والتَّشْرِيعِ
مما لا شَكَّ فيه أنَّ للعبادَاتِ دَوْراً كبيراً في تَهْذِيبِ النّفْسِ البشريّة بما ينْعَكِسُ على الفَرْد
والجَمَاعة بمكارم الأخلاق، فالصَّلاة - مثلاً - عبادةٌ تَظَهر الخُضُوعَ والذُّلَّ لله، وهي مع هذا
﴿تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكِرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وكذلك الضومُ سياجٌ للإنسانِ يَقِيهِ الشُّرُور والمهالِكَ: ((الصَّوْمُ جُنَّةٌ؛ فَإِنْ أَحَدٌ قَاتَلَهُ أَوْ
شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صائمٌ والزكاةُ أيضاً يتحقَّق فيها العنُصُر الاخلاقي: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتَزَكْيِهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال - تعالى - فِي الحَجِّ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ للحَجِّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي
الحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧].
ولم يقتصرْ هذا الارتباطُ الحميمُ بين الأخلاقِ والعبَادَاتِ، بل اقترن التشريعُ الإسلاميُّ في
أصوله وأهدافِهِ بالأسَاسِ الأخلاقي على العموم؛ يقول الله تعالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ
بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١].
ويقولُ: ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ [النور: ٢].
ويقول: ﴿أَتَّقُوا الله وذَرُوا مَا بَقي مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨].
ففي جميع الأحكام التشريعيَّة نُلاحِظُ بوُضُوح - بناءَهَا على الآداب الأخلاقيَّة الساميَة،
وذلك في الاقتصادِ والقانُونِ وشتى المُعَامَلاَتِ الإنسانيَّة .

٤٥
مقدمة بدائع الصنائع
إن الدِّينَ الإسلاميَّ عَلى مدار نصُوصِهِ جميعَها قد اُسْتَوْعَبَ كلَّ الفضائل التي يُمْكِنُ
تحقُّقها في الأعمال الإنسانيَّة؛ وكذلك فعْلُ الرَسُول - وَ - فَلَمْ يَدَعْ أمْراً فيه هُدّى للنَّاسِ إلاَّ
وأرشَدَهُمْ إليه؛ حتَّى أدنى الأشياءِ؛ في الكلام والاستماع والمأكَّل والمَلْبَسَ .... الخ ولم
تقفِ التشريعاتُ الأخلاقيَّةُ عند حدود الإنسانَ، بل تعدَّتْهَ إلى الحيوانِ بما وضعَتْهُ مِن الأمر
بالرُّفْقِ به، وإِحْسَان معامَلَتِهِ والانتفاع به؛ يقولُ رسولُ اللهِ وَّر: «إِذَا ذَبَحَتْمْ فَأَحْسِنُوا
الذّبْحَةَ))(١). ويقول: ((دَخَلَتِ امْرأةُ النَّارَ فِيَ هِرَّةٍ؛ حَبَسَتْهَا؛ فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتُها، وَلاَ تَرَكَتْها تَأْكُلُ
مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ»(٢).
وفي السَّغي للحصولِ على المال وقَضَاءِ المصالِحِ الدنيويَّة لم يترك الشرعُ هذا الأمْرَ إلاَّ
وقرنَهُ بالتعاليم الأخلاقيَّة التي تَحْفظُه وتصُونُه، وقد ذَكّر العلماء جملةً من هذه التَّعالِيمِ الَّتي
يجب مراعاتها :
١ - أنْ يكُون السعيُ للحُصُولِ على المَالِ خالياً من الشُّحَّ والحرص وعدم الالتزامِ بما أَمَرَ
(١) أخرجه مسلم (١٥٤٨/٣) كتاب الصيد والذبائح - باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة - حديث
(١٩٥٥/٥٧) والطيالسي (٣٤١/١ -٣٤٢) كتاب الصيد والذبائح - باب ما جاء في نحر الأبل وذبح غيرها -
حديث (١٧٤٠) وأحمد (١٢٣/٤، ١٢٤، ١٢٥) وأبو داود (٢٤٤/٣) كتاب الأضاحي - باب في النهي أن
تصبر البهائم والرفق بالذبيحة - حديث (٢٨١٥) والترمذي (٢٣/٤) كتاب الديات - باب ما جاء في النهي عن
المثلة - حديث (١٤٠٩) والنسائي (٢٢٩/٧) كتاب الضحايا - باب حسن الذبح وابن ماجه (١٠٥٨/٢)
كتاب الذبائح - باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح حديث (٣١٧٠) وابن الجارود ص (٣٠١): باب ما جاء في
الذبائح - حديث (٨٩٩).
والدارمي (٢/ ٨٢) كتاب الأضاحي: باب في حسن الذبيحة وعبد الرزاق (٤٩٢/٤) رقم (٨٦٠٣، ٨٦٠٤)
وابن حبان (٥٨٥٣ - الإحسان) والطبراني في «الكبير» (٧/ رقم ٧١١٤) وفي الصغير (١٠٥/٢) والسهمي في
((تاريخ جرجان)) (ص - ٣٨٦) والخطيب في ((تاريخه)) (٢٧٨/٥) والبيهقي (٦٠/٨) والبغوي في ((شرح
السنة)) (٦/ ٢١ - بتحقيقنا) من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله وَله :
إن الله كتب الإحسان على كل مسلم فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم
شُفرته ولیرح ذبيحته.
وللحديث لفظ آخر: بلفظ: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة.
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٩/٦) كتاب بدء الخلق: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم - حديث (٣٣١٨)
ومسلم (١٧٦٠/٤) كتاب السلام: باب تحريم قتل الهرة حديث (٢٢٤٢/١٥١)، (٢٢٤٣/١٥٢) وأحمد
(٢٦٩/٢، ٢٨٦، ٣١٧، ٤٢٤) وابن ماجة (١٤٢١/٢) كتاب الزهد: باب ذكر التوبة حديث (٤٢٥٦) وعبد
الرزاق (٢٨٤/١١ - ٢٨٥) رقم (٢٠٥٥١) وأبو يعلى (٣٤١/١٠) رقم (٥٩٣٥) وابن حبان (٥٣٥) من طرق
عن أبي هريرة به وللحديث شاهد من حديث ابن عمر.
أخرجه البخاري (٤٠٩/٦) كتاب بدء الخلق: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم حديث (٣٣١٨) ومسلم
(٤/ ١٧٦٠) كتاب السلام: باب تحريم قتل الهرة حديث (٢٢٤٢/١٥١) من طريق نافع عن ابن عمر.

٤٦
مقدمة بدائع الصنائع
به الشرعُ ونَهَى عنه، حتَّى لا يتحوَّل الإنسانُ في طَمَعِهِ إلى بهيمة ضالَّةٍ لا تَغْرِفُ إلاَّ إِشْبَاعَ
الغريزةَ بِالشَّهَوات.
٢ - أن تكون طرقُ الحُصُول على المَالِ مشروعةً حَلالاً، وأن يمتنع السَّاعِي عمَّا حَرَّم
الله، ثم ينفق ما اكْتَسَبَهُ في طُرُقٍ مشروعَةٍ لا تُذَمُّ شَرْعاً.
٣ - أن يتحلّى الإنْسَانُ بمبدإ الإيثَارِ، وعندما يَصِلُ إلى هذه الدَّرَجَة، فإنَّه قد بَلَغَ الذِّرْوَة؛
إِذْ إِنَّه ينسَى نَفسُهُ، ويُسْقِط حقّها حتَّى تصيرَ عندَهُ من قبيل ما يُنْسَى بقوَّة يقينه بالله؛ لأنه وثق أنَّ
رزقَه عند الله فلا يأْخُذُه أحدٌ، فأطْمَأنَّتْ نفسُهُ كذلك؛ يقولُ رسول الله وَلَهُ: ((إنَّ الأَشْعَرِبينَ،
إِذَا أَمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامِ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمّ
أَقْتَسَمُوهُ بينهم فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ))(١) .
وفي هؤلاءِ يقُولُ الله عزَّ وجلّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .
والمساواةُ أيضاً مبدأ من المبادىء الساميَّةِ الَّتي حضَّ عليها الإسلامُ، فلا تَمْيِيزَ بَيْنَ أحَدٍ
وأحدٍ إلاَّ بالتقوَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وليْسَتِ التعاليمُ الأخلاقيَّةُ الَّتِي حضّ عليها الشارعُ وأمَرَ بِهَا - أموراً اختياريَّةً، بلْ منها ما
فيه الإلزامُ الشرعيُّ.
وهو ما عدا ما تَدْعُو إِلَيْهِ النّفْسُ من مبالَغَةٍ في الكمال، أمَّا أصْلُ الأمُورِ الأخلاقيَّة الَّتي
تعودُ على الفَردِ والمجتمع بالإصْلاَحِ والطهارةَ، فإنَّها أمورٌ حتمية.
ومكارمُ الأخلاقِ في التشريع الإسلاميِّ شاملةٌ لكلِّ نوع من أنواع الأحكام، فَمِنْ مكَارِم
الأخلاقِ ما هو لازِمٌ؛ كالمتعة للمَطلَّقة: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَىَ المُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾
[البقرة: ٢٣٦].
كذلك قَامَتْ أحكامُ المُعَامَلاَتِ عَلى كثيرٍ من المبادىء الأخلاقيَّة، فمنع الشَّرْعُ بَيْعَ
النَّجَاسَاتِ، ونهى عن المُضَارَبَاتِ ﴿لاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أخِيهِ﴾، ونهى أيضاً عن الخِدَاع
والتَّذْلِيسِ والغِشِّ، وشرع الوديعةَ، واللُقَطَّةَ، والعَارِيَّةَ، والهِبَّةَ، والقَرْضَ، وجمع ذلك المبدأ
العامُّ في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْم والعُذْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
كذلكِ في مسائل السياسة الشرعيَّة - أرشد إلَى توفُّر الوَرَعِ، وكَمَّال المروءةِ والحِلْمِ،
فيمن يقومُ بأُمور النَّاسِ، وأمر الوُلاةَ والقُضَاة بالمواساة للرَّعيَّة، وتجنُّب الضيق والضَّجَرِ منهمَ.
وفي أحكام الجهادِ الإسلامي أدَبُ الشَّارِعُ المُجَاهِد في سَبيل الله بخصالٍ حميدةٍ؛ فَنَهَى
(١) أخرجه البخاري (١٥٣/٥) كتاب الشركة باب الشركة في الطعام والعروض (٢٤٨٦) ومسلم (٤ /١٩٤٤)
فضائل الصحابة باب فضائل الأشعريين (١٦٧/ ٢٥٠٠) والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٦٢/٤).

٤٧
مقدمة بدائع الصنائع
عن قَتْلِ النِّسَاء والصِّبْيَان والعَجَزة والرُّهْبَان، ونهى عن المُثْلَةِ بالإنْسانِ، وأمر بحفْظِ العُهُود،
وَعَدَم حَبْسِ الرَسُولِ المُرْسَلِ من قِبَلِ الْعَدُوِّ، بلْ أمَرَ بإجارَة العَدُوِّ، إذا استجار: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
المُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ خَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ثُمَّ أَبْلَغِهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
وعندما شَرَعَ الله العقوباتِ والحُدُودِ، نَهَى عن الإسْرَافِ فيها؛ فلا تُضْرَبُ الوجُوه، ولا
مواضِعُ الإيذاءِ؛ يقول عَزَّ وجلّ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي
القَتْل﴾ [الإسراء: ٣٣].
وبهذا تتَّضِحُ صورةُ الحياة في نَظَرِ الشّارعِ، حياة إنسانيَّةٌ راقيةٌ مهذَّبةٌ كلُّها خَيْرٌ ونَفْعٌ
ومصلحةٌ؛ حتَّى ليكاد الإنسانُ أنْ يصيرَ فَوْقَ الأرض، وإذا استَقَامَ الإنْسانُ عَلَى هدى
التشريعات الإسلاميَّة، تمخَّضَتِ الحياةُ خَيْراً ونَفْعاً وطهارةً وعفَّةً في الدنيا، أمَّا في الآخرة،
فالنَّعيمُ الخالدُ في جنَّةٍ عرضها السَّمواتُ والأرضُ أُعِدَّثْ للمتقين.
كَيْفِيَةُ نُزُولِ آيَاتِ التَّشْرِیع
عندما هاجر الرسول - وَ﴿ - إلى ((المَدِينَةِ))، لم تكُنْ حَينئذٍ دولةٌ لَهَا نظم قائمةٌ وأسسٌ
ثابتة تصلُحُ لأن تُؤَسَّسَ عليها دولةٌ ناشئةٌ على مبادىءَ جديدةٍ تستقيمُ عليها أمورُ النَّاس، ولِم
يكن العهدُ المَكْيُّ صالحاً لوجُودِ مِثْلِ هذه التَّشْرِيعَاتِ القادِرَةِ على تنظيم هذه الذولَةِ؛ نَظَراً لقلَّةُ
المُسْلِمِينَ وضعْفِهِمْ آنذاك.
ولما اسْتقَرَّ النبيُّ وَ ◌َّ ـ بالمدينَةِ، توالَتِ الآياتُ بالتشريعِ بَعْدَ أنْ بَدَأَ تَكْوينُ الدَّوْلَةِ،
واتخذ الوخي التشريعيُّ طرقاً متعدّدة نذكرها فيما يلي:
١ - قد يأتي الحكْمُ التشريعيُّ جواباً عن سُؤالٍ مثلاً: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ العَقْوَ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّه لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ
نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيْضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩].
٢ - وهناك طريق آخر لمعرفَةِ الحُكْم، وهو الاستفتاءُ: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي
الكَلاَلَةِ إِن امْرُؤْ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدْ وَلَهُ أُخْتَّ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمَّ يَكُنْ لَهَا وَلَدْ﴾
﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يفتيَكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٧٦].

٤٨
مقدمة بدائع الصنائع
٣ - وطريقةٌ أخرى لبيانِ الأحكام؛ وذلك من غَيْرِ سؤالِ أو استفتاءٍ، بل لإظهارِ حُكُم
الله ؛ مثل :
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخَنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ [المائدة: ٣] ﴿وَأَحَلَّ الله
البَيْعِ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
إلى أنْ أكمل الله الدِّينَ وميَّز الله الحَلاَلَ مِنَ الحَرَامِ نَزَلَ قَولُهُ تعَلَى - ﴿الْيَوْمُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لكُمُ الْإِسْلاَمَ ديناً﴾ [المائدة: ٣].
وَهَكَذَا كان التشريعُ الإسلاميَّ لبيانِ واقعِ الحَيَاةِ، وإضْلاَحِ شؤونِهِمْ، عَلَى أن القواعِدَ
والكُلْيَات التي قرَّرها القرآنُ تكونُ شاملةً ووافيةٌ بما لم يَقَعْ في حَياتِهِ مِمَّا سيجدُّ بعْدُ، وتنطبقُ
عليه مبادىءُ الدين، وكلّيَّاتُ التشريع، وتلكَ هي معجزةُ القُرْآن الدائمةُ .
والتشريع الإسلاميُّ شاملٌ لكلِّ ما اسْتَحْدَثَ من أسماءِ الفُرُوعِ والقوانين الحَدِيثَةِ، ولقد
قَسَّم الفقهاء الفقْه إلى أبواب للعباداتِ، وأبوابٍ للمعاملات، وبذلك فرَّقوا بين المَسَائِلِ الدينيّة،
وبيْنَ القانُون بمعناه الحَدِيثِ .
ولقد قسَّم القانونيُّونَ القانُونَ العامَّ تقسيماً حديثاً إلى قانونٍ خاصٍّ وقانون عامٌّ، فالقانونُ
الخاصُّ يشْمَلُ القَوَاعِدَ الخاصة بالأفراد وضبط العلاقاتِ بينَهُمْ، وتدْخُلُ تحته أبْوَابُ الأحوالِ
الشخصيَّة .
أما القانون العامُّ، فإنَّه يختصُّ بالقوانين التي تَسْرِي على السُّلُطات العامة، وضبْط
العَلاَقَاتِ بَيْنَ هذه السُّلُطَاتِ والأفراد.
وبهذا التقْسِيم نجدُ في القانونِ الإسْلاميّ قانوناً مَدَنِيًّا، وقانوناً تجاريًّا، وقانوناً
للمرافَعَاتِ، وقانوناً إِدَرًّا، وقانوناً دُسْتُوريًّا، وقانوناً جنائياً ... الخ.
أُسُسُ التَّشْرِيعِ الإسْلاَمِيِّ
قامَ التشريعُ الإسْلاَمِيُّ على جملةٍ من المبادىء الأساسِيَّة التي تجعل أحكامَهُ ميسَّرة
وسَهْلةً، ولكن يتسنَّى للمُسْلِمِ الامتثالُ لأوَامِرِ الله ونواهِيهِ في كلْ عضْرٍ ومجتمعٍ عَلَى مَرَّ
العُصُورِ .
وإنا لنذكُرُ هذه المبادىء فيما يلي:
١ - رَفْعُ الحَرَجِ:
والمرادُ به في التشْرِيع الإسْلاميِّ نفي المشَقَّة الزائِدَةِ التي تضيقُ بها النّفُوسُ، وَتَمَلُّ
القلوبُ الأعمالَ مَعَها، فتنقطَعُ عن الاسْتِمْرَارِ؛ قال تعالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].

٤٩
مقدمة بدائع الصنائع
ورفع الحَرْجِ هذا يشْمُلُ جميعَ المَجَالاَتِ: ففي العبَادَاتِ وردَتِ الرخصُ؛ کَقَصْرٍ
الصَّلاةِ، والإفْطَارَ في السَّفَر، والتَّيمُم عند عَدَمِ المَاءِ، وجوازِ الإِفْطَارِ للمَرِيضِ والحَامِلِ
المُرْضِعِ .
ويشْمُلُ مجالَ العَادَاتِ، حَيْثُ أباح الله لعبادِهِ التمتّع بالطيبات من الرزْقِ.
وفي المعاملاتِ: قرَّر الشَّارِعُ أنْ تُدْرَأَ الحدودُ بالشُّبُهاتِ، وجعل ديةَ المَقْتُولِ على عاقِلَةِ
القَاتِلِ، ورخّص في أكْلِ المَيْتَةِ عنْد خَوْف الهلاكِ من الجُوعِ، كذلكَ شَرَعَ السَّلَمَ والقَرْضَ.
٢ - قِلَةُ التَّكَالِيفِ وَسُهُولَتُهَا :
جاءت أحكامُ الشريعَةِ الإسلاميَّةِ وَسَطاً من غَيْرِ إرهَاقٍ ولا إعْنَاتٍ، فأركانُ الإسلامِ
الخَمْسِ محدودةٌ يُمْكِنُ معرفتُهَا وآمْتئالُهَا في يُسْر وسُهُولة، مع أن الثَّوَابَ الَّذِي وعدَ الله بِهَ
عبادَهُ عَلَى ذلك عَظِيمٌ، فالله سبحانه يُجَازِي على الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالها .
وهذه الأركانُ لا تحتَاجُ في الامتثالِ إلى تَفَارِيعِ وَتَفَاصِيلَ، أما كَثْرَةُ المسائِلِ الَّتِي نلاحِظُهَا
في كُتُبِ الفِقْهِ؛ فَذَلِكَ شأنُ العُلَّمَاء لبيانِ الأحكامِ عنْدَ وُجُودِ الاختمالاَتِ والعَوَارِضِ.
ولقد نَهَى الله - تعالَى - عن التعمُّق في المَسْأَلة؛ لئلاً يكونَ سبباً في فَرْض أحكام قد
تُزْهِقُ المكلَّفِين وتُعْجِزُهُمْ عن الامتثالِ لها.
ومما يذكر في ذلك أمرُ الله بني إِسْرَائِيلَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، ولو أنَّهم ذَبَحُوا أيَّ بَقرةٍ، لكفاهُمْ
ذلك، لكنَّهم تعثّتُوا وَأَلِحُوا فِي السُّؤَالِ، فَشدَّدَ الله عَلَيهم؛ يقول الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُوؤْكُمْ وإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا
وَالله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١].
هذا كلّه يبيِّن سماحة الإسْلامِ ويُسْرَهُ وعَدَم إزهَاق المكلّفين بكثرة التّكاليف والأحكام.
٣ - التَّدرُجُ فِي الأخْكَامِ :
الله - سبحانه - أعلَمُ بعبادِهِ من أنْفُسِهِمْ - ولَمَّا كانَتِ العَرَبُ قبل الإسلام قَدْ تملَّكَتْهُمُ
الغرائِزُ والشَّهَوَاتُ، وتحكّمَتْ فيهم الأهواءُ والعاداتُ المذمُومَةُ، كان من الصَّغْبِ عَلَيْهِمُ الإقلاعُ
عَمَّا اعتادُوهُ دفعةً واحدةً؛ لما فيه من المَشَقَّةِ الَّتِي تُبْعِدُهُمْ عن الامتثال للشَّرْع؛ لذلك رحمهم
الله؛ فأخذهم بالتدرُّجِ والتَّمْهِيدِ، ثم شَرَع لهم الأحكامَ؛ حيث تركَهُمْ أوَّلاً عَلَى بعْضٍ ما ألِفُوهُ؛
تأليفاً لهم، واسْتِذْراجاً؛ فقد تعوَّدوا شُرْبَ الخَمْرِ، وتمكّنَتْ مِنهم، فتركَهُمْ الشَّرَعُ في بداية
الأمْرِ بدون نَهْىٍ صريحِ، ولَمَّا تمكَّنَ الإيمانُ في القلوب، وأدركُوا عدم تناسُبِ الخَمْرِ مع الدِّينِ
وكمالِهِ - نهاهمَ المَوْلَى عنها، وصرَّح بتَخريمِها، وجزم بذلك في قَوْلِهِ: ﴿إِنَّما الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ
وَالأَنْصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وعلى أساسٍ التدرُّج في الأحكام التشريعية؛ جاءت أحكام الجهَادِ وَتَخْرِيمِ الزِّنَا.
بدائع الصنائع ج١ - م٤

٥٠
مقدمة بدائع الصنائع
وكانت الصلاةُ أولاً ركعتَيْنٍ بالغداةِ والعَشِيِّ، ثم زادَتْ بعد ذلك إلى خَمْسٍ ليلة
المعراج.
وكان الصَّوْمُ أولاً ثلاثةَ أيَّامٍ أو يَوْمَ عاشُورَاءَ، ثم استقرَّ إلى صوم رمضانَ مِنْ كُلِّ عامٍ.
وقد بيَّنت السيدةُ عائِشَةُ أثر التدرّج فيما صَحَّ عنها: ((إنَّمَا نَزَلَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ
المُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ
أَوَّلَ شَيْءٍ؛ لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الشُّرْبَ أبداً، وَلَوَّ نَزَلَ؛ لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ
الزِّنا». رواه البخاريُّ(١).
٤ - وُقُوعُ النَّسْخِ :
وضع التشريعُ الإلهيُّ في أسَاسِهِ لتَوْفِيرِ مَصَالِحِ العَبَادِ وَدَرْءِ المَفَاسد التي تضرُّهم؛ وذلك
يوضّح لنا فائدة وُقُوعِ النَّسْخِ في بعْضِ الأَحْكَامِ؛ مراعاةً لِمَصَالِحِ النَّاسِ وَتَيْسِيراً عَلَيْهِمْ:
فمثلاً: كانَتِ الوصيّةُ واجبةً قَبْل بيان أحكامِ الميرَاثِ، ثم نُسِخَتْ بآيات الموارِيثِ.
وكانَتْ عدَّةُ المتوفَّى عنها زَوْجُهَا عَاماً كاملاً، ثم نُسِخَ ذلك بأربعة أشْهُرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ
- لما اقتضته الحكْمةُ الإِلَهِيةُ في تمْهِيدِ الأحكام.
أَنْواعُ الأحكام التَّشْرِيعِيَّةِ
١ - الأحْكَامُ القَطْعِيَّةُ:
وهي الأحكامُ التي تَثْبُتُ بدليل قطعيِّ الثبوتِ وقطعِيِّ الدَّلاَلَةِ، وتثبُتُ هذه الأحكامُ
بالنصُوصِ الشرعيَّة؛ كالآياتِ والأحاديثِ المتواتِرَةِ الَّتي لا تحتملُ غَيْرَ معنَى واحدٍ، مثل قوله
تعالى: ﴿وَآَمَسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾، فهو حكمٌ قطعيُّ الدَّلاَلَةِ على ثبوتِ فَرْضِيَّةِ مَسْحِ الرأسِ في
الوضوء.
وكذلك الأحكامُ التي ثَبَتَتْ، وأصبحت معلومةً من الدين بالضَّرُورة؛ كأركان الإسلام
الخَمْسَةِ؛ وكذلك الأحكامُ التي ثبتَتْ بالإِجْمَاعِ ثبوتاً قطعيًّا، كإجماع الصَّحَابَةِ عَلَى بَعْضٍَ
الأحكام في عَصْرٍ .
وهذه الأحكامُ القطعيَّةُ لَيْسَتُ مَحَلاَّ للاجتهادِ لقطعيَّة ثبوتها ودلالَتِهَا عَلَى المَعْنَى
المَقْصُودِ .
ومثلُ ذلكَ الأحكامُ الثابتةُ بالأحَادِيثِ المتواترةِ الَّتي لا تحتملُ معانِيَ أُخَرَ غَيْرَ المعانِي
الَّتِي دَلَّتْ عليها الأحاديثُ.
(١) أخرجه البخاري ٤١٨/٦ في كتاب فضائل القرآن حديث (٤٩٩٣).

٥١
مقدمة بدائع الصنائع
٢ - الأحْكَامُ الظَّنَّةُ أَوِ الاجْتِهَادِيَّةُ:
وهي الأحكامُ الَّتِي ثَبَتَتْ بدليل قطعيِّ الثبوتِ ظَنِّيِّ الدَّلاَلَةِ بأنْ كَانَ اللفظُ مُحْتَمِلاً لأكْثَرَ
مِنْ مَعنى؛ كلفظ قُرُوء في قوله تعالى: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾
[البقرة: ٢٢٨].
لأنَّ لفظ ((القرء)) مشتركٌ في معنى الحَيْضِ والطُّهْر، فالقول بأن عدَّةَ المُطَلَّقة مِنْ ذَواتٍ
الحَيْضِ ثلاثةُ أطْهَارٍ، أو ثلاثُ حِيَضٍ - ظَنِّيّ؛ لعدم القَطْعِ بالمُرَاد من القرء.
وأيضاً: الحكْمُ الثَّابِتُ بالدَّلِيلِ الظَّنِّيّ الثبوتِ - ظَنِيٍّ، وإنْ كان قطعيَّ الدَّلآلَةِ، وكذلك
الحُكْمُ الثَّابِتُ بدلِيلٍ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ والَدَّلاَلَة معاً، فهذه الأنواعُ الثلاثةُ أحكامٌ ظَنِيّةٌ؛ لوجودِ الظَّنِّ
في الدليل.
والملاحظُ أنَّ أكثر الأحكام الفقهيَّة من باب الظَّنِّ؛ لعَدَم القَطْع في الدَّلالة، وذلك طريق
فيه تيسيرٌ على النَّاس؛ لأن الله - تُعَالَى - لَمْ يُكَلِّفِ النَّاسَ إِلاَّ بما في وُسْعِهِمْ.
وتنقسِمُ الأحكامُ التشْرِيعِيَّةُ بالنَّظَرِ إلى الخِطَابِ الشرعيِّ إلى:
١ - الأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيةِ:
وهي التي طَلَبَ الشَّارِعُ فيها تكْلِيفَ العِبَادِ بِطَلَبِ فعْلٍ أو تَرْكِهِ، وهذا النوعُ يشْمُلُ:
أ - الإيجابَ، وهو طَلَبُ الفعلِ طلباً جازماً؛ كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاة﴾ [الأنعام: ٧٢].
ب - النَّذْبَ وهو طَلَبُ الفعلِ طلباً غَيْرِ جازِم، كقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلَمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾
[النور: ٣٣].
جـ ـ التَّخْرِيمَ: إنْ كان المطلوبُ تَرْكَ الفعْلِ تركاً حازماً؛ كقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾
[الإسراء: ٣٢] .
د - الكَرَاهَةَ: إنْ كان المطلوبُ تَرْكَ الفعلِ تركاً غير جازم؛ كقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ
مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَأَسْعَوا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فالبيعُ عند أَذَانِ الجُمُعَةِ مكروهٌ،
والنهيُ عن البَيْعِ لَيْسَ لذاتِهِ، إنما لأمْرٍ خارجٍ عَنْهُ، وهو وقْتُ الأذانِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ.
هـ - التَّخْيِيَر، وهو إباحةُ الفعلِ أو تَزْكُهُ؛ كقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا
الكتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
٢ - الأحْكَامُ الوَضْعِيَّةُ:
والحكمُ الوضعيُّ هو الذي يكونُ خطَابُ الشَّارِع فيه متعلِّقاً تعلُّق شَيْء بشيءٍ، كجعل
الشارعِ الشيْءَ ركَنَا لشيء آخر، أو علَّةً له أو سبباً، أو شرطاً، أو علامةً أو مانعاً.

٥٢
مقدمة بدائع الصنائع
فالركْزُ؛ كقوله: ﴿أَزْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]؛ فإن ذلك معناه طَلَبُ الركوعِ والسُّجُودِ
في ماهيَّةِ الصَّلاة الشَّرعِيَّة .
وَالشَّرْطُ؛ مثل قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فقد علَّق
الشارِعُ الوُضُوءَ بالصَّلاة.
والعِلَّةُ؛ كقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فشهودُ هلال شَهْرِ
رمضَانَ عَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي وُجُوب الصَّوْمِ.
والعلامة؛ مثلُ الأَذَانِ في وقْتِ الصَّلاةِ للإغْلاَمِ؛ بحصُولٍ وقتها.
الأحْكَامُ القَضَائِيَّةَ وَالدِّيَانِيَّةُ
١ - الأحْكَامُ القَضَائِيَّةُ:
هي التي تنظّم العلاقةَ بين النَّاسِ بعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَفْقَ ما قرَّره الشارعُ من الأحكام، وما
يَحْكُمُ به القاضِي؛ اعتباراً للأُمُورِ الظَاهِرة، ومِنْ ذَلِك قَولُهُمْ: هذا يصحُّ قَضَاءً، وكذلك المَفتي
إذا أفتَى بظاهر القَوْلِ، وكان هناك أمْرٌ خفيٍّ يتعلَّقُ بالمُسَألة لم يَكْشِفْهُ المُسْتَفْتَى للمُفْتِي. وهكذا
أرشَدَتِ الشريعةُ النَّاسَ إلَى أنَّ وجودَهُمْ وأَعْمَالَهُمْ في هذه الحياةِ، إنَّما هُو مقدِّمَةٌ لحياة أخرَى
خَالِدَةٍ فيها ثوابٌ وحسابٌ وعقابٌ؛ ومِنْ أجْلها شُرِعَتِ العباداتُ، وجَعَلَتِ الشريعةُ ضَمِيرَ
المُسْلِمِ مُهُيْمِناً على جَوَارِحِهِ وَحَواسِه؛ يراقب الله في كلِّ أعمالِهِ وأفْعَاله.
٢ - الأحكامُ الدِّيَانِيَّةُ:
وهي الأحكامُ التَّي يحكُمُ بها الشَّارِعُ تبعاً لنيَّةِ الشخْصِ، فمرجعها إذن إلى النِيَّة الَّتي لا
يعلَمُهَا إِلَّ الله، ويترتَّب عليها الثَّوَابُ أو العِقَابُ؛ ولهذا قالُوا: هذا يصحُّ قضاءً لا ديانةً.
واعتمادُ القَاضِي في أحكامِهِ - على الظواهر لا يُصَيَّرُ الشَّيْء حَلاَلاً، أو حراماً؛ بخلاف
القوانين الوضعيّة التي تعتمدُ على الظَّواهر فقطُ، ولو كانَت النّيّةُ كاذبةً؛ إنَّما المَدَارُ في الْحِلْ
والحُرْمَة على حقيقةِ الأمْرِ وباطنِهِ .
مثلاً - إذا أدَّعَى رَجُلٌ على امْرَأةٍ، أنَّها زوجَتُهُ، وَأَتَّى بِشاهِدِيْ زُورٍ، فقضى القَاضِي
بمقتضى هذه الشَّهادة الكَاذِبَةِ؛ أنَّها زوجَتُهُ؛ فإنَّ هذا الحَكْمَ حُكْمٌ ظاهِرِيٍّ قضائيٍّ فقطْ.
أما في الباطِنِ، وفي حقيقة الأمْرِ، فهي ليْسَتْ زوْجَةً له؛ فلا يَحِلُّ له فيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الله
أنْ يعاشِرَهَا معاشرَةَ الأزْوَاجِ.
والأضْلُ فيما قَرَّرناه سابقاً قولُ الرَّسُولِ وَّهِ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ
بَعْضَكُمْ أَن يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَّهُ مِنْ حَقٌ
أَخِيهِ شَيْئاً، فَلاَ يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)).

٥٣
مقدمة بدائع الصنائع
حُقُوقُ الله - تَعَالَى - وَحُقُوقُ الْعِبَادِ
قسَّم العلماءُ حقُوقَ الله وحقوقَ العِبَادِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَام:
١ - حُقُوقٌ خَالِصَةٌ لله :
وَذَلِكَ كَوُجُوبِ الإيمانِ والصَّلاة، وضابِطُ هذه الحُقُوقِ أَنَّها الأحكامُ الَّتي يتعلَّقُ بها النفْعُ
العامُ للنَّاس مِنْ غَيْرِ اختصاصٍ بِأَحَدٍ، وَنُسِبَتْ إِلَيْهِ تعالَى؛ لِعِظَمِ خَطَرِهَا وشُمُول نَفْعَها.
٢٢ - حُقُوقْ خَالِصَةٌ لِلْعِبَادِ:
وهي الحقوقُ الَّتي تتعلَّقُ بها مصلحةٌ خاصَّةٌ لأحَدٍ من الناس؛ كبدل المُتْلِفِ، ومِلْكِ
المُتْعَةِ بالنكاح ... الخ.
٣ - حُقُوقٌ اجْتَمَعَ فِيهَا حَقُّ الله وَحَقُّ العِبَادِ، وَحَقُّ الله غَالِبٌ، وذلك مثلُ حَدِّ القَذْفِ،
فحقُّ الله فيه هو إخْلاَءُ العَالَم مِن المَفَاسِدِ وحقُّ العَبْد صيانَةُ العَرْضِ، وَدَفْعُ العارِ عن
المَقْذُوفِ.
٤ - حُقُوقٌ اجْتَمَعَ فِيهَا الحَقَّانِ، وحَقُّ العَبْدِ غَالِبٌ، ومِثْلُ ذلك القِصَاصُ، فحقُّ الله فيه
مِنْ جِهَةِ إِخْلاَءِ العَالَمِ مِنَ المَفَاسِدِ؛ ولهذا سَقَطَ بالشُّبْهَةِ، وحقُّ العَبْدِ فِيهِ مِنْ نَاحِيَةِ وُقُوعِ الجِنَايَةِ
عَلی نَفْسِهِ.
الفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ الصَّحِيحِ وغَيْرِ الصَّحيحِ
وصف الشَّارِعُ الحكيم أفْعَالَ المُكَلَّفِينَ بِأوْصَافٍ شرعيَّةٍ، وهذه الأوصاف أحكامٌ من
الشَّارع تختصُّ بأفعال العبادات، وهذه الأوصافُ هي:
١ - البُطْلاَنُ:
ومعناه: عدمُ ترتّب الأثَرَ المَقْصُود من الفِعْلِ؛ لخَلَلِ في الأركان والشَّرائط المعتَبَرةِ
شَرْعاً؛ كبيع المَيْتَةِ، وبَيْعِ الصَّبِيِّ، والمَجْنُونِ، لَعَدَمِ جَوَازٍ بَيْعِ المَيْتَةِ، وَعَدَمِ أهليَّةِ الصبيِّ
والمَجْنُونِ للتصرُّفات؛ فيتصَفُ هذا الفعلُ بالبُطْلانِ، ويكونُ باطلاً.
٢ - الفَسَادُ .
ومعناهُ: عدمُ ترتُب الأثَر المقْصُود من الفعل لأمْرٍ خارجٍ، وذلك مثلُ البَيْعِ المِنْعَقِّدِ بَيْنِ
المكلَّفِينَ عَلَى مَالٍ مُعْتَبرٍ شَرْعاً، مَعَ اشتراطِ منفعة لأحَدِ المتعاقِدَيْن لا يقتضيها العقدُ؛ كَشَرْطِ
البائِعِ على المُشْتَرِي أنْ يَخْدُمَهُ أَيَّاماً.
٣ - الصِّحَّةُ :
وهي ترتُّبُ الأثَر المقْصُودِ مِن الْفِعْلِ لاسْتِيفَائِهِ الأزكانَ والشُّرُوط الشَّرْعِيَّة المعتبرةَ،
فَيَكُونُ الفعْلُ بذلك صَحِيحاً؛ كَصِحَّة الصَّلاَةِ؛ إِذَا صَدَرَتْ على الصفةَ الشَّرعِيَّة.

٥٤٠
مقدمة بدائع الصنائع
جبتيد
أما أحكامُ المعاملاتِ، فإنَّ لها أوْصافاً خاصَّةً بها:
١ - الانْعِقَادُ :
وهو ارتباطُ أجْزاءِ التصرُّف بعْضِهَا ببَعْضٍ، وأجْزاءُ التصرُّف هي الإيجابُ والقَبولُ من
المتعاقِديْنِ، فيكونُ الفِعْلُ بذلك مُنْعَقِداً.
٢ - النَّفاذُ :
وهو ترتُب الأثَرِ المقْصُودِ كترتُب مِلْكِ العَيْن على البَيْعِ بدُون توقُّف، فمثلاً بَيْعُ الفُضُوليِّ
الذي يَبِيعُ شَيْئاً مملوكاً لغيره مُنْعَقِدٌ لكنَّه غَيْرُ نَافِذٍ؛ لأنَّه متوقّفَ على إجازَةِ المَالِكِ الأصليِّ.
٣ - اللُّزُومُ:
وهو كَوْنُ الفِعْلِ غَيْرِ قَابِلٍ لِلْفَسْخَ، ولا يمكن رَفْعُهُ؛ وذلك مثل البَيْعِ المُطْلِقِ الَّذي لم
يشترطُ فيه خيارٌ؛ فإنَّه لازمٌ؛ لأَنَّه لا يمكن فَسْخُهُ، أمَّا البَيْعُ بِشَرْط الخيارِ، فإنَّه يمكُن رَفْعُهُ
بِالشَّرْط؛ فَلا يكونُ لاَزِماً.
العَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ
وهي نوعٌ من الأحكامِ الشّرعيَّة الَّتي اعتبر فيها الشّارع المقاصد الأُخْرَوِيَّة اعتباراً أوَّلِيًّا؛
كالثَّواب والعِقَاب .
أولاً : العَزِيمَةُ :
وهي في اللُّغَةِ: مشتقةً من العَزْمِ الَّذي هو القُوَّة.
وفي الاصطلاحِ: ما شُرِعَ أوَّلاَ غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلى أعْذَارِ العِبَادِ؛ كفرضيَّة الصَّلاة والصَّوْمِ
وغيرهما .
فقد ثَبَتَتْ فرضيَّةُ الصَّلاة بقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، وهذه الفرضيَّةُ ثابتةٌ أوَّلاً بالنّسْبَة لقصر
الصَّلاة في السَّفَرِ، ولَيْسَتْ مبنيّةً على عُذْرٍ من أعذارِ العِبَادِ؛ لأنَّ الله - تَعَالى - لم يعلّقْ فرضيَّتها
على شَيْءٍ، فلم يَقُلْ مثلاً: إِذا كَانَ كَذَا، فأقيمُوا الصَّلاة.
ثانياً: الرُّخْصَةُ :
وهي ما شُرِعَ ثانياً، وكان بناؤُهُ على أعْذَارِ العِبَادِ، ومثالُنَا على ذلكَ قولُهُ تعالَى: ﴿فَمَنْ
كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخْرِ﴾ [البقرة: ١٨٤].
حيث يفيدُ إِياحَةَ الإِفِطَارِ في رمضانَ للمُسَافِرِ والمَرِيضِ، ثم يَقْضِي ما أَفْطَرَهُ في أيَّامٍ أُخْرَ
غَيْرَ رَمَضَان.

٥٥
مقدمة بدائع الصنائع
وغير هذا كثير في الأحكام التشريعيَّ الَّتي وردَتْ في القُرْآنِ والسُّنَّة .
طَبَقَاتُ الفُقَهَاء في المَذْهَبِ الحَنَفِيّ
لنتعرض لطبقات الفقهاء من السادة الحنفية إتماماً للفائدة والاحتياج إليها لديهم في كل
قضية؛ فإنه لا بد للمفتي أن يعلمها حتى يعلم حال من يفتي بقوله في مرتبة الرواية، ودرجة
الدراية، ليكون على بصيرة وافية في التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح
بين القولين المتعارضين.
فاعلم أن الفقهاء على سبع طبقات:
الطَّبَقَةُ الأوْلَى:
طبقة المجتهدين في الشرع؛ كالأئمة الأربعة رضي الله عنهم ومن سلك مسلكهم من
الأئمة، فشأنهُم تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع من الأدلة الأربعة: الكتاب،
والسُّنة، والإجماع، والقياس، على حسب تلك القواعد، من غير تقليد لأحد، لا في الفروع،
ولا في الأصول، وهي الطبقة العليا من طبقات الاجتهاد، وحال بيان السّلف متفاوتة في تلك
الطبقة كالأئمة الأربعة.
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ :
طبقة المجتهدين في المذهب؛ كتلاميذ أصحاب الطبقة الأولى؛ كأبي يوسف ومحمد
لأبي حنيفة، وكالمُزَنِيِّ والبُوَيْطِيِّ للشافعيِّ؛ وعلى هذا القياس غيرهم، فمسلكهم استخراج
الأحكام من الأدلة المذكورة على مقتضى القواعد التي قررها أساتيذهم؛ فإنهم - وإن خالفوهم
في بعض أحكام الفروع - لكنهم يقلّدونهم في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في
المذهب ويفارقونهم؛ كالشَّافعي، ونظرائه المخالفين في الأحكام لأبي حنيفة مثلاً؛ فإنهم غير
مقلدين له في الأصول.
فهذه الطبقة هي الطبقة الوسطى من طبقات الاجتهاد.
الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ :
طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب؛ كالخصَّاف،
والطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحُلْوَانِيِّ، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر
الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم من الأئمة الحنفية مثلاً، ومَنْ في طبقتهم
من الأئمة الشافعية والمالكية، وغير ذلك من الأئمة المعارضين في المذهب؛ فإنهم لا يقدرون
على المخالفة للشيوخ، لا في الأصول ولا في الفروع؛ لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل
التي لا نص فيها عنهم، على حسب أصولٍ قرَّرها شيوخهم، ومقتضى قواعدَ بَسَطَها أساتذتهم.

٥٦
مقدمة بدائع الصنائع
فهذه الطبقة هي الطبقة السفلى من طبقات الاجتهاد.
الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ :
طبقة أصحاب التَّخْرِيج من المقلِّدين كالرازيّ وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد
أصلاً؛ لكنَّهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل قولٍ مجملٍ ذي
وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن واحد من أصحابه
المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره في الفروع.
وما وقع في بعض المواضع من ((الهداية)) في قوله: ((كذا تخريج الكرخي، وتخريج
الرازي)) من هذا القبيل.
الطََّقَةُ الخامِسَةُ :
طبقة أصحاب الترجيح من المقلّدين؛ كأبي الحسين القدوري، وصاحب الهداية،
وأمثالهم، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح،
وهذا أرفق بالناس .
الطَّبَقَةُ السَّادِسَةُ:
طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقويّ، وظاهر المذهب والضعيف،
وظاهر الرواية، والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخّرين مثل صاحب ((الكنز))
وصاحب ((المختار)) وصاحب ((المجمع))، وصاحب ((الوقاية)) وشأنهم ألا ينقلوا في كتبهم
الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
الطََّقَةُ السَّابِعَةُ :
طبقة المقلِّدين الذين لا يقدرون على التمييز المذكور، ولا يفرِّقون بين الغثّ والسَّمين؛
ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب الليل؛ فالويل لهم ولمن
قلَّدهم كل الويل. كذا حقَّقه بعض الفضلاء من المتأخّرين؛ فالاحتياط في مثل هذا الزمان ألاَّ
يعمل بكل كتاب وإسناد، بل بالكتب المعتبرة بين الأئمة الأخيار، وعلم من الضابطة
المذكورة؛ أنَّ العبرة لشأنهم في مرتبة الاجتهاد والدراية، وحالهم في درجة الترجيح والرواية،
لا لتقدُّمهم في الأعصار، وتسابقهم في الأعمار، إذ كم متأخر في الزمان أعلى مرتبة في
الاجتهاد، وأفقه من المتقدم؛ قالوا في أدب القاضي والمفتي:
((إنَّ اتفاق أئمة الهدى واختلافهم رحمةً من الله، وتوسعةٌ على الناس، وإذا كان أبو حنيفة
- رحمه الله - في جانب، وأبو يوسف ومحمد في جانب، فالمفتي بالخيار، إن شاء أخذ
بقوله، وإن شاء أخذ بقولهما، وإن كان أحدهما مع أبي حنيفة يأخذ بقولهما ألبتة، إلاَّ إذا

٥٧
مقدمة بدائع الصنائع
اصطلح المشايخ بِقَوْلِ ذَلِكَ الوَاحِدِ، فيتبع اصطلاحهم؛ كاختيار الفقيه أبي الليث قول زُفَرَ
- رحمه الله - في قعود المريض للصلاة: أنه يقعد كما يقعد المصلي في التشهد؛ لأنه أيسر
على المريض، وإن كان على قول أصحابنا: أنه يقعد في حال القيام تجنباً ليكون فرقاً بين
القِعْدة والقعود الذي له حكم القيام، ولكن هذا يشق على المريض؛ لأنه لم يَعْتَدْ هذا القعود،
وكذلك اختيار تضمين الساعي، إذا سعى إلى السلطان بغير ذنب، وهذا قول زُفَرَ؛ سدًّا لباب
السعاية، وإن كان على قول أصحابنا: لا يجب الضمان؛ لأنه لم يتلف عليه مالاً.
ولا يجوز للمشايخ أن يأخذوا بقول أحد من أصحابنا؛ عملاً لمصلحة أهل الزمان، ولو
اختلف المتأخرون يختار واحداً من ذلك، فلا بد أن يعلم أحوالهم، ومراتبهم حتى يرجح
واحداً منهم عند التعارض والاختلاف، والله أعلم.
مَرَاتِبُ الْكُتُبِ فِي الْفِقْهِ الحَنَفِيِّ
من المعلوم والمقرَّر في عالم التأليف، أن الكتب التي روت الفقه الحنفي ليست على
درجة واحدة من حيثُ قُوَّةُ الروايةِ، وإذا أُضِيفَ إلى الكتب المرويَّة ما أضافه المتأخرون من
فتاوَى وتخريجاتِ المادَّة الفقهية التي أنتقلَتْ إليهم من الأئمة الذين أَنْشَؤوا المذهب، صارَتٍ
الكتب في الفقه الحنفي مراتبَ ثلاثاً:
أُوْلاَهَا: الأُصُولُ:
وتُسمى ظاهر الرواية، وهي مشتملة على أقوال أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد التي
دونها الإمام محمَّد في كتبه الستة .
الثانية: النَّوَادِرُ:
وهي مروية عن أصحاب المذهب المذكورين، ولكن في غير الكتب السِّتة المذكورة، بل
في كتب أخرى للإمام محمد، كالكَيْسَانِيَّات، والهَارُونِيَّات، والجُرْجَانِيّات، والرُّقَيَّات، أو في
کتب غيره؛ ککتب الحَسَنِ بن زياد وغيره.
ويقول ابن عابدين: إنَّ مِنْ هذا القسم كُتُبَ الأمالي لأبي يوسف، ويقول في ذلك:
«ومنها كتب الأمالي لأبي يوسف، والأمالي: جمع إِمْلاءٍ، وهو أن يقعد المجتهد، وحوله
تلامذته بِالمَحَابِرِ والقراطيس، فيتكلّم العالم بما فتحه الله تعالى عليه عَنْ ظهر قلبه في العِلْم،
ويكتبه التلامذةُ، ثم يجمعون ما يكتبونه، فيصير كتاباً؛ فيسمونه الإملاء والأمالي، وكان ذلك
عادة السَّلف من الفقهاء، والمحدِّثين، وأهل العربية، فأندرست؛ لذهاب العلم والعلماء، وإلى
الله المصير !! )).
ومن هذا القسم ما نقل بطريق الرواية المقرَّرة؛ كروايات محمد بن سَمَاعة، ومُعَلَّى بن

٥٨
مقدمة بدائع الصنائع
منصور وغيرهما في مسائل معيَّنة؛ فإن هذه - أيضاً - تُعَدُّ من النودار، ولا تعد من الأصول،
وهذا القسم في مرتبة دون مرتبة القسم السابق، ولذا لو تعارضت الأصول والنوادر في حُكُم
مسألة يُؤْخَذُ برواية الأصول؛ لأنها المعتبرة أصلاً للمذهب، وهي أقوى سنداً.
الثالثة: الفَتَاوَى وَالوَاقعَاتُ:
وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخّرون فيما سُئِلُوا عنه مِنْ مَسَائِلَ واقعةٍ لم يجدوا
رواية لأهْلِ المَذْهَب المتقدِّمين، وأولئك المتأخّرون هم أصحاب أبي يوسف ومحمد،
وأصحاب مَنْ بعدهم، وهم كثيرون، قد بينَتْ أخْبَارَهُمْ كُتُبُ الطبقات، وقد ذكر ابن عَابِدِينَ
بعض هؤلاء وعَمَلَهُمْ؛ فقال: من أصحاب أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - مثل عصام بن
يوسف، وابن رستم، ومحمد بن سماعة، وأبي سليمان الجُوزَجَانِيِّ، وأبي حفص البخاري،
ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة، ومحمد بن مقاتل، ونُصَيْر بن يحيى، وأبي النصر
القاسم بن سَلاَّم، وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب؛ لدلائل وأسباب ظهرت لهم،
وأول ما جمع فتاواهم فيما بلغنا كتابُ ((النوازل)) للفقيه أبي الليث السمرقندي، ثم جمع
المشايخُ بعده كتباً أخرى، منها: ((مجموع النوازل))، و((الواقعات)) للناطفيُّ، و((الواقعات))
للصَّذْر الشهيد، ثم ذكر المتأخّرون هذه المسائل مختلطةً غير مميزة؛ كما في فتاوى قاضيخان
وغيرهما، وميَّز بعضهم كما في ((المحيط)) لرضي الدين السَّرْخَسِيِّ؛ فإنه ذكر أولاً مسائل
الأصول، ثم النوادر، وَنِعِمًا فَعَل ... )).
ولا شك: أن مسائل الواقعات والفَتَاوَى أَنْزَلُ مرتبةً من الأصول والنوادر؛ لأن الأصول
والنوادر أقوالُ أصحاب المَذْهَبِ، وإن تفاوتَتِ الروايةُ فيهما.
أما الفتاوى والواقعات فهي تخريجاتٌ على أقوالهم، وقد تكون فيها مخالفة للمرويّ
عنهم تتقبَّل على أنها اجتهاد من أصحابها، لا على أنها أقوال لأبي حنيفة وأصحابه؛ فهي تؤخذ
على أنها آراء لهم، ولا يحمل الأقدمون شيئاً مِنْ نسبتها إليهم.
ومن مجموع هذه الأقسام الثلاثة يتكوَّن المذهب الحنفي، كما نَوَّهنا، وهو مذهب أبي
حنيفة وأصحابه، وما يذكر من المَسَائِل في هذه الكتب من غير خلاف يكون بأتفاق أبي حنيفة
وصاحبيه، وما يذكر فيه خلاف فهو على النحو الذي يبين.
وكتب بظاهر الرواية تذكر خلاف أبي حنيفة وصاحبَيْه، وقد تذكر في أحوال قليلة خلافَ
زُفَرَ، أما كتب النوادر والفتاوى، ففي الغالب تَذَكُرُ خِلاَفَه، إن كان له خلافٌ.
فِقْهُ أبي حَنِيفَةً
وقد مَنَّ الله عَلَى هذه الأمة بفقهاء أفْنَوْا حياتَهُمُ في البحث والاستنباط عن أحكام الشرع
الحنيف، ومِنْ هؤلاء الفقهاء وأولئك الأعلام: الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان.

٥٩
مقدمة بدائع الصنائع
قال الشافعي - رضي الله عنه -: ((النَّاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أبي حَنِيفَةً)).
وقال فيه عبد الله بن المبارك: ((إنه مُخَّ العِلْمِ)) أي: إنه يصل دائماً إلى اللباب الخالص
من العِلْم في غير انحراف.
وقال فيه الإمام مالك بعد أن ناقشه في مسائلَ مختلفةٍ من العلم: ((إِنَّهُ لَفَقِيةٌ)).
فأبو حنيفة كان فقيهاً جليلاً بلا رَيْبٍ، شغل عصره بفقهه، واختلفَ النَّاسُ في أمره؛ لأنه
أتاهم بطريقة في التفكير الفقهي لم يُسْبَقْ بها، أو على الأقل لم يأخذ أحدٌ بمقدار ما أخذ فيها،
مع استقلال في التفكير، واستقامة في النظر .. فغضب عليه المتمسكون بظواهر النّصوص
الذين لا يتغلغلون في أعماق معانيها، وَرَمَوهُ بالخروج عن الجادَّة، وغضب عليه أَهْل
الانحراف الفكريِّ؛ لأنهم وجدوه يضع دعائم ثابتة للاستنباط في الفقه الإسلامي، ويحُدُّ
الحدود فيها .
مِنْهَاجُهُ :
رسم أبو حنيفة منهاجاً للاستنباط، وإذا لم يكن مفصَّلاً، فإنه جامع لأنواع الاجتهاد.
ولقد روي عنه أنه قال: ((آخُذُ بِكِتَابِ الله، فإن لم أجدْ فبسنَّة رسول الله وَلَّ، فإنْ لَمْ
أجِدْ في كتاب الله تعالى، ولا سنة رسول الله وَّر، أخذت بقول أصحابه .. آخُذُ مَنْ شئت
منهم وَأَدَعُ مَنْ شئتُ مِنْهُمْ، ولا أخرج عَنْ قولهم إلى قول غيرهم، فأمَّا إذا انتهى الأمر إلى
إبراهيم - أي النخعي - والشَّعْبي وابن سِيرينَ والحَسَن وعطاء وسعيد بن المسيب ... فَقَوْمٌ
اجتهدوا، فَأَجْتهِدُ كما اجتهدوا)) .
وهذا الكلام يدلُّ على أنه يأخذ بالكتاب، ثم السُّنة، ثم أقوال الصحابة، ولا يأخذ بأقوال
التابعين ... وأن هذا هو الاجتهاد بالنصوص. أمّا الاجتهاد بغير النصوص، فقد جاء في
((المناقب)) للمكي عن أحد معاصريه ما نصه:
(«كلام أبي حنيفة أخْذٌ بالثقة، وفِرَارٌ من القُبْح، والنظرُ في معاملات الناس وما استقاموا
عليه، وصَلُحَ عليه أمورهم ... يُمْضِي الأمور علَى القياس، فإذا قبح القياس يُمْضِيَها على
الاستحسان ما دام يَمْضِي له، فإذا لم يَمْضِ له رَجَعَ إلى ما يتعامل المسلمون به ... وكان
يوصل الحديث المعروف الذي أجمع عليه، ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغاً، ثم يرجع إلى
الاستحسان، أيهما كان أوفق رَجَعَ إليه)).
قال سهل: هذا علم أبي حنيفة، وهو علم العامَّة.
وعلى ذلك يكون المنهاج الذي رسمه أبو حنيفة لنفسه يقوم على أصول سبعة:
١ - الکِتابُ:

٦٠
مقدمة بدائع الصنائع
وهو عمود الشريعة، وحبلُ الله المتين، ونور الشرع الساطعُ إلى يوم القيامة، وهو كلي
الشريعة، إليه ترجع أحكامها، وهو مصدر المصادر لها، وما من مصدر إلا يرجع إليه في أصل
ثبوته .
٢ - السُّنَّةُ:
وهي المبينة لكتاب الله، المفصّلة لمجمله، وهي تبليغ النبي ◌َّ رسالةً ربه، فهي بلاغ
لقوم يوقنون، ومن لم يأخذ بها، فإنه لا يُقِرُّ بتبليغ النبي لرسالة ربه.
٣ - أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ :
لأنهم هم الذين بلَّغوا الرسالة، وهم الذين عاينوا التنزيل، وهم الذين يعرفون المناسبات
المختلفة للآياتِ والأحاديثِ، وهم الذين حملوا عِلْمَ الرسول وَّهَ إلى الأخْلاَفِ مِنْ بعده.
وليست أقوالُ التابعين لها هذه المنزلةُ؛ لأنه فُرِضَ في أقوال الصحابة أنها كانت بالتَّلقّي
عن رسول الله وَّة، ولم تكن بالاجتهاد المجرَّد، وأن بعض أقوالهم، أو أكثرها مبنيةٌ على
أقوال النبي ◌َّر، وإن لم يَزووا الأقوال ... فإن أبا بكر وعمر وعليًّا وغيرهم لم يرووا أحاديث
عن النبي وََّ بمقادِيرَ تَتَناسَبُ مع طول صحبتهم وملازمتهم للنّبي ◌ََّ، فلا بد أنهم كان يُفتون
بأقوال النبي ◌َّ من غير أن ينسبوها إليه؛ خَشْيَةَ الكَذِبِ عليه وََّ.
٤ - القِيَاسُ :
فهو يأخذ بالقياس إذا لم يَكُنْ نَصُّ من قرآن، أو سنة، أو قول لصحابة. والقياس هو
إلحاق أمر غيرِ منصوصٍ على حُكْمِهِ بأمرٍ آخَرَ منصوصٍ على حُكْمِهِ؛ لعلَّةٍ جامعةٍ بينهما، فهو
في حقيقته حَمَّلٌ على النَّصْ، بأن تُتَعرَّفَ الأسبابُ والأَوصافُ المناسبةَ للحُكْم الذي نُصَّ عليه،
حتى إذا عُرِفَتْ علَّته طُبْق الحُكْمُ في كل موضوع تنطبق فيه العلّة. ولقد سَماه بعض العلماء
تفسيراً للنصوص، وأبو حنيفة قد بلغ في الاستنباط بالقياس الذِّروَة، وبه بَلَغَ ما بَلَغَ من المرتبة
الفقهية ... كان يبحث عن العلَّة، فإذا وصل إليها أخذ يختبرها، ويفرض الفروض، ويقدِّر
وقائع لم تقع ليطبق عليها العلّة التي وَصَلَ إليها.
وذلك النوع من الفقه يُسَمَّى الفقه التقديري؛ إذ تقدر وقائع لم تقع، ثم يذكر حكمها،
وهذا هو الاختبار لِلْعِلَّةِ التي وصل إليها.
٥ - الاسْتِخْسَانُ :
والاستحسان أن يخرج عن مقتضى القياس الظاهر، إلى حكم آخر يخالفه: إمَّا لأن
القياس الظاهر قد تبَّين من الاختبار عَدَمُ صلاحيته في بعض الجزئيات، فيبحث عن علة
أخرى، ويُسَمِّي العمل بِمُوجَبِ هذه العِلَّة: القياس الخفي، وإمَّا لأنَّ القياس الظاهر قد عارضه
نَصِّ، فإنه يُتْرِكَ لأجلِ النَّصِ؛ لأنَّ العمل بِمُوجب القياس يكون إذا لم يكن نَصِّ، وإما لأنَّ