النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
مقدمة بدائع الصنائع
ثم انتقلَ إلى المرحلة الثانية فحرَّمها بالتلويح لا بالتصريح؛ حيثُ قِصَّ علينا سِيرَةَ اليهودِ
الَّذينِ حَرَّمَ عليهم طيباتٍ أحلَّتْ لِهِم: ﴿وَبصَدِّهِمَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا
عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَغْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيمَاً﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
ثم انتقل إلَى مرحلةٍ ثالثةٍ، وهي النَّهيُ عن الرِّبَا الفاحشِ الذي يتزايَدُ أضعافاً مضاعفةً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَأَتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
ثم تدِرَّج إلى المرحلة الأخيرة التي خَتَمَ بها تعاليمَهُ في أمْرِ الربا، وفيها النَهْيُ القاطعُ عن
الربا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا
بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسَ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
ويقاس على ذلك كلُّ ما كان يتنافى مع أصلِ الأحكامِ الإسلاميَّة؛ كالنكاح، والطلاق
والحج، والعُمْرة.
وهذا التدريجُ في التشْرِيع هو بعضُ مِنْ حكمةِ - الله تعالَى - في إنزالِ القُرْآنِ مُنَجَّماً؛
وبذلك كانَتْ مرحلةُ التمهيدِ، ثَم الأحكام للتسهيل والتيسير في الامتثالِ؛ حتَّى تمكَّنَ الدينُ
من النفوسِ وعُمِّرَتِ القلوبُ بالعقيدةِ،َ وأصبَحَ الإسلامُ عزيزاً يُقْتَدَىُ بالأزْوَاحِ، وأصبَحَ
الإقلاعُ عن هذه العاداتِ القبيحةِ أمْراً هَيِّناً لا وَزْنَ له ولا مشقَّة فيه، وتمَّتْ كلَماتُ ربِّكَ
صِدْقاً وعدلاً.
بَعْضُ الشُّبُهَاتِ المُفْتَرَاةِ وَدَخْضُهَا
لقد كان من الطبيعيِّ ألاَّ تتواءَمَ أحكامَ الإسلام التَّي انتشرَ بها العذلُ، وعمَّ الأمْنُ مع
أولئك الظّلمَة المخادعينَ الذين يتسلّطون على الضَعفاء، ويستغلُّونهم، وكم أزالت عظمةُ
الإسلام عروشاً وجبابَرَةً وطغاةً، وكم أحْنَتْ رُؤُوساً وجباهاً تطاولَتْ على رِقَاب، وعاشتْ
تَقْتَاتُ مَن أرزاقهم ودمائِهِمْ وثرواتِهِمْ.
وقد وجد هؤلاءِ الشِّرْذِمَةُ لمقاومةِ هذا الدِّين الشامخ؛ أن يَطْغَوْا فيه ويشكِّكوا في أحكامه
ومبادِئِهِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ الله ◌ِأَفْوَاهِهِمْ وَالله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
وراح هؤلاءِ الخونةُ يقولُونَ: إن القوانينَ الوضعيَّة قادرةٌ على حَلِّ كل مشاكِلِ الحياةِ،
فهي متنوّعة ومتعددة، تبعاً لتعدُّد أدواء البشرية، بينما فهموا الإسْلاَمَ على أنَّه مجموعةُ طقُوسٍ،
وشعائرَ تعبّدية؛ لا تخْرُج عن إطارِ المَسْجِدَ، ولا تصلُحُ لتقدُّمهم ولا تسايِرُ المدنية الحديثة؛
علَى حَدِّ زعمِهِمْ، ثم هم يَرْمُونَ المسلمين بالتخلّف؛ لالْتِزامِهِمْ بالإسلام.
ومن الواضح أنَّ في ادعاءاتِهِمْ هذه مغالطةً كبيرةً تنافي واقعَ وتاريخَ الإسلامِ الحنيف؛

٢٢
مقدمة بدائع الصنائع
وذلك لأنَّ المتأمِّل لأحكام الإسلام يجدُها متعدّدة ومتنوعةً لتلائم كافَّة جوانِبِ الحياة الإنسانية؛
ففيها القانونُ المدنيُّ الذي يتضمَّن كافَّة أحكام المعاملات؛ من بيع، ورهنٍ، ووكالةٍ، وَحَوَالةٍ،
وإجارةٍ، وشُفَعة، وشِرْكَة، ومُضَاربةً، وقد فصل الكتابُ والسُّنَّة أحكامَ هذه المعاملاتِ على
أكمل وجه.
ولقد أخذ العلماءُ يجتهدونَ في سَبِيل ضبْطِ القواعِدِ والأحكام، وكَتَبُوا في ذلك الكُتُبَ
والموسُوعَاتِ؛ مثل كتاب يحيى بْنِ آدَمَ في ((القانون الماليّ))، وكتاب ((الخَرَاجِ)) لأبي يوسُفَ
صاحِبٍ أبي حنيفة.
وتشتملُ أحكام الإسلام عَلى ما يُعْرَفُ الفْقِهِ الدستوريِّ))؛ ككتاب ((الأحكام السُّلْطانِيَّةِ))
لِلْمَاوَزْدِيِّ، وكتاب ((التَّصِرَةِ)) لابن فَرْحُون، وكتاب ((مُعِين الأحكام)) للطرابُلْسِيِّ.
وفيه القانونُ العامُّ؛ كأحكام الإمام في أداء الصَّلاةِ والزكاةِ، وإجراءِ العقوبات والقِصاص
والحُدُودِ والجهاد؛ ويدخل فيه قانونُ العقوباتِ، والقَانُونُ المَدَنِيُّ الذي يشملُ الضمانَ الماليَّ
والضمانَ فِي الجَرَائم .
واستمرَّ المسلمونَ متماسِكِينَ بِأداءِ هذه الأحكام، وإجرائها على وجوهها المشروعَةِ، أمَّا
الضَّغْفُ الذي أصابَهُمْ في بعض العصور؛ فإنَّه طارىء بسَبَبِ الاختلافاتِ، والعصبيَّاتِ التي
حَلَّتْ بهم، فأثّرت في تمسُّکهم بکامِلٍ دِينِهِمْ.
لكن المقارنة الحقيقية التي تنفق مع المَنْطِق والعَقْل يجبُ أن تَتَّجه إلى تاريخ الإسْلامِ،
وما فعله في قُلُوبِ العِبَادِ، وما حقَّقه من فتح البلادِ؛ بمبادئه السامية، وعدالته وتعاليمه، لقَد
غَيَّر الإسلامُ العربَ ونقَلَهُمْ من ظلمات الجهلِ والماديَّة، وعبوديَّة الحكّام والكُهَّان إلى آفاق
الإسْلام الرَّخْبَة، وعبوديَّة الواحد الخالق الرَّازق.
لقد كان للإسلام فَضْلٌ عظيمٌ على العالِم بأسره، فهو الذي عَرَّفَ أوروبا بالحضارة
والمدنيَّة، ومن بعدها قرأ النَّاسُ للغَزب حضارةً، وَلأوروبا وغيرها من بعدها تَقَدُّماً.
وقد تزامَنَ مع كَبْوةِ المسْلمين وَضَعْفِهِمْ أن تحقَّق ولأوروبا الاستعلاءُ المادِيُّ، وواتتهم
الفُرَصُ حتى سَبَقُوا أهْلَ الإسلام، ولقد كان هذا الاستعلاءُ وبالاً على الإنْسانيَّة جمعاءً؛ بما
وقع من القَتْل، والتدمير، والخَرَاب؛ لأنَّه لم يتحقَّق لهؤلاء ما كَفَلَهُ الإسلام؛ من تهذيب
للنفوسِ، ورُقيِّ للضمائر؛ لذا فقد أفلسَتْ أوروبا وصارتْ على هاوية الفَنَاء، بعدما فنيت
مُقَدَّراتَها الروحيّة، وإمكاناتها المعنوية.
والواقع أنَّ الذين يعادُونَ الإسلام تدُور عليهم الدوائرُ ويبيتونَ في قَلَقٍ واضطرابٍ وخَيْرة :
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ معيشَةً ضَنْكاً﴾ .

٢٣
مقدمة بدائع الصنائع
الْفِقْهُ الإسْلاَمِيُّ والتَّطَوُّرُ
إنَّ أحكامَ الفقْهِ الإسلاميّ ليست محصورةً في عددٍ ثابتٍ من القضايا المحدَّدة الَّتِي لا
تَقْبَلُ التجديدَ، ولا تتغيَّر.
نعمْ في الفقْه نوعٌ ثابتٌ لا يتغيَّر ولا يتبدَّل في أصوله وقواعِدِه؛ كما في العبادات، لكنَّ
هذه القواعد غيرُ جافة أو جامدَةٍ، وإنَّما هي مَرنةٌ تصلُحُ للتعميم، وتتَّسِع للتَّطْبِيق.
لقد أشَارَ القُرْآنُ الكريمُ إلى كَثِيرٍ من المصادرِ في إِثْبَاتِ الأحكام الفقهيَّة؛ وذلكَ مثلُ
القياس والاستحسانٍ، والمصالحِ المرسلَةِ، وسَدِ الذرائعِ، والعُرْف، وكلُّ هذه الأحكام تغني
بحاجاتِ الناس والحياة .
كذلك فإنَّ للفقْهِ الإسلامي نَوْعاً يتغيّر تبعاً لتغير المصْلَحَة، وتبعاً لتغيُّر الزمان، والمكانِ،
والعُزْف، وذلك مع عدم الإخلالِ بالأُصول العامَّة التي حُفِظَتْ بالتشريع .
من ناحية أخرى، فقد جَعَلَ الله عُنْصُر الاجتهادِ أساساً لفَهْم الأحكام الفقهيَّة؛ حتى
يتحقَّق عمومُهَا، ويبقى دوامُهَا، وبذلك فإنَّ التشريعَ الإسلاميَّ يمتازُ بالحيويَّةِ والمرونةِ؛ لأنَّ الله
جَعَلَ هذه الشريعة خاتمةً للشرائع وجعلها عامةً دائمةً؛ لكي يتحقَّق عمومها، ويبقَى دوامها.
الْفِقْهُ الإسْلاَمِي لَيْسَ حُلُولاً جُزْئِئَةً
ومن الشُّبهات المفتراةِ الَّتي ألحقها هؤلاءِ المبطلونَ بالتَّشْريع الإسلاميّ؛ أنهم قالُوا: إنَّ
الأحكامَ الفقهيَّة الإسلاميَّة هي حلولٌ جزئيَّةٌ لمشاكل خَاصَّةٍ، ومعنى ذلك أنَّ الحكْم الواردَ
المسألة معيَّنة لا يصلح لغَيْرِها.
ولكن نصوصَ القرآنِ الكريم والسُّنَّة الشَّريفة - تَرِدُ عَلَى هذا الافتراء حيثُ وردَتْ هذه
النصوصُ بالعموم؛ مثل: ﴿وَأَقِيمُوَاَ الصَّلاة وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ومثل قوله: ﴿وَأَحَلَّ الله
البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فكيف تُعْكَسُ هذه العموماتُ وَيُحْكَمُ عَلَيْهَا بالخصوصِ
والجزئيَّة.
وكُلُّ ما كانَ من هذه النُّصُوصِ وَارِداً عَلى سبيل الخصوص، فقد أوضح العلماءُ أنَّ العبرة
فيه بعموم اللفظِ، لا بخُصوصِ السَّبَّبِ؛ وذلك مِثْلُ تُشريع الظّهَار والخُلْع؛ حيث كان سبب كلِّ
منهما حادثة خاصَّةً لشخصٍ معيّنٍ، فجاء النَّصُ بصيغة العمومِ؛ لإثبات عمومِ الحكم لجميع
الأشخاص، وفي عموم الأحوالِ وَالأزمانِ.
خَصَائِصُ التَّشْرِيعِ الإسْلاَمِيِّ
يعتبر التشريعُ الإسلاميُّ امتداداً لما قبله من الشّرائع؛ وذلك لأنَّ جوْهَرَ التشريعاتِ واحدٌ
في المصدرِ؛ وهو الله تعالَى، وفي الموضوعِ؛ وهو توحيده وحدَهُ لا شَرِيكَ له.

٢٤
مقدمة بدائع الصنائع
وفي ذلك يقُول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى به نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾
[الشورى: ١٣].
ويقول أيضاً: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وكانت الشّريعة الإسلامية، ولا تَزَالُ، أقصَى ما وصلَتْ إليه الإنسانيةُ من رُقِيٍّ، ولهذا
كانتْ عامَّةً للنَّاسِ جميعاً، وكان النبيُّ وََّ ـ هو خَاتمُ الأنبياءِ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكِ إلَّ رَحْمَةٌ
لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وتقتضي الشَّريعَةُ الإسلاميَّةُ تصديقَ جميع الرسالاتِ السَّابقَة، مع ما
تضَّمنته هي من الجديدِ الَّذِي يناسِبُ كمالَ الإنسانِ، وخَلَتْ عمَّا لَمْ يَعُدْ صالحاً للأمَّةِ في رُقِيِّها
وتقدُّمها .
ومن مميِّزات التشريع الإسلاميِّ؛ أنَّه لم ينكر المحمُود من عاداتِ العَرَب، بل أقَرَّ بعضَ
القواعد الصالحة، ولا غضاَضَةً في ذلك أبداً.
والشريعةُ الإسلاميَّةُ شريعةُ أصيلةٌ لم تستمدَّ أحكامها من أيِّ نظام آخر، وقد بيَّنَ القرآنُ
أصولَهَا وُسُسَها، وأَزَالَ إِشْكَالَ نَظْمِها، وخَصَّصَ بعضَ عموماتها، وقيَّدَ بعض إطلاقاتها .
أنْواعُ الأحكامِ التَّشْرِيعِيَّةِ
الأحكام التشريعيَّةُ نوعان:
١ - الأحكامُ الثَّابِتَّةُ :
وهي الأحكام الَّتِي لا تختلِفُ بأختلافِ البيئَاتِ والعَادَاتِ، وتجدُّدِ الظروفِ والحوادثِ،
أي: أنَّهَا لا تتأثَّر بالزمَان والمَكَان، وهي أحكامٌ ثابتةٌ دائمةٌ للنَّاسِ جميعاً؛ ومقصود الشّارع منها
حفْظُ المصالح التي لا تتغيّر كمصلحةِ حفظ الدين والعقل والنفْسِ، وكتحريمِ السَّرِقَةِ والقَثْل
والزّنَا والظُّلْم والرِّبا ... الخ.
وهذه الأحكام الثابتة لا تناقِضُ العَقْلِ إذْ أمر الله المجتهدين بإعمالِ عُقُولِهِمْ وألبابهم لفَهْم
مقَاصِدٍ وأسْرَار النصوصِ الشريفة؛ من أجل استنباطِ أحكام تلائمُ ما يُسْتَحدَثُ في الحياةِ
الإنسانيَّةِ .
وثبوتٌ مِثْلِ هذه الأحكام يلائِمُ أيضاً الفطْرَةَ الإنسانيَّةَ ولا يخالفُها؛ فإنَّها مناسبةٌ لطبيعة
البَشَر وفطرهم.
فمثلاً القصاصُ والحدودُ تشريعُهَا ظاهرٌ في كونه مُسْتَمدًّا من حاجةٍ إنسانيَّةٍ حيويَّةٍ، هي
المحافظةُ علَى حَقِّ الحياةِ، والأمْنِ على الأرواح والأغراض، وحقُّ الحياةِ؛ كما هو معلومٌ
وبديهيٍّ، فطريٌّ إنسانيٌّ .
وعلى العموم؛ فإن هذه الأحكامَ الثابتة جاءَتْ لحفظ ضروريَّات إنسانيّة ثابتةٍ؛ حتى
يتحقَّق التَّناسُبُ بين الأحكام ومصالح الناس.

٢٥
مقدمة بدائع الصنائع
الاسْتِنْبَاطُ العَقْلي:
لقد فَتَحَ الإسْلامُ البَابَ وَاسِعاً للعَقْلِ الإنسانِيِّ كَيْ يصلَ إلى سعادة الدارَيْنِ، وهو مَعَ هَذَا
قد أَحْتَرَمَ العَقْلَ، ودَعاهُ إلى النَّظَرِ والتدبُّر في الكَوْنِ لِيَصِلَ إِلَى معرفةِ رَبِّهِ مسترشِداً في ذلك كُلُّه
بِهُدَى الله ونُورِهِ .
ولقد أفْسَحَ الله لِلعَقْلِ مجالاتِ الاجتهادِ، لاستنباطِ الأحكام من النصوص، وكان مِنْ
عمله استنباطُ العِلَّة في المنصوص، وتنقيحُهَا، ثم تحقيقُها في الفرَعَ المَسْكُوت عنه؛ لإلحاقه
بالأصل المنصوص على حكمه .
واستقراءُ الشّريعةِ الإسلاميَّة يوضّحُ أنَّها لا تصادِمُ العَقْلَ ولا تناقضُهُ، بل إنَّ الشارعَ اعتبر
نَظَرَهُ من خلال الشَّرْعِ، وحَوْلَ دائرةِ نُصُوصِهِ، وبهذا تكونُ الشريعةُ مناسبةً للفطرة الإنسانيَّة،
ومتَّفِقَة أيضاً مع نَظَرَ العَقْلِ وإدراكِهِ على أنَّها أصلٌ له. وتِلْكَ خاصِّيَّةٌ عظيمةٌ للشَّرْعِ الإسلاميّ
لأنَّ العَقْلِ بمفرده لا يَسْتَطِيعُ إدراكَ مَصَالِحِ النَّاسِ كلِّهم ولا يستطيعُ معرفَةً ما يضرُّهم، فليُسَتِ
المصالحُ التي قَصَدَهَا الشَّرْعُ هي أهواءَ النّفَوسِ وَآراءَهَا .
٢ - الأحْكَامُ المُتَغَيِّرَةُ.
وهي الأحكامُ الفقهيَّةُ التي تتغيّر وتتأثَّر، تبعاً لتغيّر الزمان والمكان والبيئة، وقد جعل
الشارعُ لهذه الاحكامِ قواعدَ كلِّيَّةٍ مرنةً تصلُحُ لِكُلِّ زمانٍ ومكانٍ، وتفتحُ للاجتهاد باباً واسعاً في
أحداثها .
وتغيُّر مثل هذه الأحكام يكون بحسَبِ ما تقتضيهِ المَصْلَحَة العامَّة، فمثلاً شُرِعَ التعزيرُ
بالقَتْلِ لِمُدْمِنِ الخَمْر في المرَّة الرابعةِ، واستمرَّ عَلَى هذا أصحابُ رسولِ اللهِوَّلَهـــ فكان عُمَرُ
رضي الله عنه - يَخْلِقُ الْرَأْسَ ويثْفِي ويَضْرِبُ وَيَحْرِقُ حوانيتَ الخَمَّارين.
والأحكام المتغيّرة هذه متنوعة ومتعدِّدة فمنها :
الأحكام السّياسِيَةُ :
وهي الأحكام الفقهيَّةُ التي تتعلَّق بالسِّيَاسَة والحُكْم، حيثُ إن هذا الأمرَ يتغيّر تبعاً لتغيُّر
مصلحة النَّاس واختلافِ الأزمنة، فَثَمَّ شَرْعْ لازمٌ لعصْرٍ مَّاَ غَيْرُ لازمٍ لِعصرٍ آخر.
خلاصة القَول أن هذه الأحكام أحكام مَصْلَحِيَّةٌ تَتْبَعُ المصلحةً وجوداً وعدماً.
وينبغي أن يُعْلَمَ أن لله حكمةً في ورود الأحكام الثابتةِ التي لا تتغيَّرُ؛ إذ لا يُعْجِزُهُ أن يأتي
بالأحكام كُلِّها مفصَّلةً، سواءٌ ما يتغيّر وما لا يتغيَّر، ولكنه - سبحانه - أراد رَفْع الحَرَج عنا،
فنظّم لَنَا أحكامَ العباداتِ، وبيَّنَ لنا أنَّها لا تتغيَّر ولا تتبدَّل؛ لأنَّ المقصود واحدٌ لا يتغيَّر، وهو
تعظيمُ الله وتقديسُهُ .

۔۔۔
٢٦
مقدمة بدائع الصنائع
وينبغي أنْ يُعْلَم أنَّ هذه الأحكام المتغيّرة بتغيُّر المصالِحِ أحكامٌ شرعيَّةٌ، لأنَّ الشارعَ رسَمَ
حُدُودَها، وأباح لنا سُلُوكَهَا.
أَمَّا وجودُهَا بالاجتهاد، وباستلهام النصوصٍ، فلا يخرجُها عن حدود الشريعةِ؛ لأنَّ الله
هو الذي كلَّفنا بالنَّظر والاجتهاد والاستنباط؛ ﴿فَأَغْتَبِرُوا يَا أَولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
تَغَيِّرُ بَعْض الأحكّامِ لَيْسَ نَسْخَاً لَهَا:
إن تغيَّر الحكْم لا يُعْتَبَرُ نَسْخاً له، ولا يَتَّصِلُ بدائرتِهِ؛ لأنَّ النَّسْخَ خاصٌّ فقط بزَمَنٍ
الوخي، أيْ: بِزَمَنِ وَجودِ الرَّسُولِ وَه، أما الحُكْمُ الذي يتغيّر بتغيُّر المصلحةِ، فهو لا يَزَالُ
باقياً، لأنَّه لا يخالِفُ أصْلَ الشريعةِ، أما الحُكْم المنْسُوخُ، فإنَّهُ ينعدمُ تماماً؛ ولنضربُ مثالاً
على ذلك بالمؤلَّفة قلوبُهُم.
والمؤلفة قلوبهم هم مَصْرِفٌ من مصارف الزكاةِ، فقد كانُوا أوَّلَ الأمْر من الضعفاءِ القَلاَئِل،
فأعطاهم رسول الله وَّرَ دَفْعاً لَشَرّهم وتأليفِهِمْ لِلدِّين، ولَمَّا قَوِيَ الإسلام، وانتشرِ، مَنَعَ عُمَرُ
- رضي الله عنه - عنهم أخَذَ شيءٍ، وقال: ((الآنَّ أَغْنَى الله عَنْهُمْ، فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدَنَا إلَّ السَّيْفُ)).
فالحُكمُ يدورُ مع المصْلَحَةِ وجوداً وعَدَماً؛ فلمَّا كانتِ المصلحةُ أوّلاً في الإعطاءِ،
أعطاهُمُ الرسُول، ولمَّا أصبحتِ المصلحةُ من منعهمْ، مَنَعَ عُمَرُ إِعطاءَهُمْ، فالإعطاءُ للمصلحةِ،
وعَدَمُهُ للمصلحة .
حِكْمَة التََّرُّجِ في بَعْضِ الأخْكَامِ:
لم تكن الدولةُ الإسلاميَّةُ قد اكتمل نموها، واستقرَّ بناؤها بعدُ؛ فكانَ تُزُولُ القرآنِ مُنَجَّماً
أَنْسَبَ لهذه الظروفِ، وقد رُوعِيَ في ذلكَ أُمَّيَّةُ العَرَبِ؛ إذْ مِنْ حَقِّهم أنْ يَحْفَظُوا الأحكامَ
ويُذْرِكُوها؛ كذلكَ كانَتْ حداثَةُ الدولة الإسلاميَّة تقتضي التدرُّج في الأحكامِ؛ حتّى تبلُغَ
أشْدَّها، وتتمكَّنَ من القلوب، فيكون من السَّهْل مسايرةُ هذه الأحكامِ والخُضُوعُ لهَا.
لقد أخذ الله - تَعَالَى - العربَ بالتدرّج؛ رأْفَةً بهم، ورحمةٌ، فقد كانُوا في فَوضَى
واضطراب، نَسُوا فيه التعاليم السماوية التي سَبَقَتِ الإسلامَ، فأخذهم الله بالتدرج؛ لئلا تثقل
عليهم الأحكام في بداية الأمر، ويظهر ذلك جَلِيًّا في تشْرِيع حُزْمَة الخمر، وفرضٍ الجهادِ،
وتنظيم الطّلاق.
وَسَائِلَ عُمُومِ الأخْكَامِ:
عَلِمْنا فيما سَبَقَ أَنَّ غاياتِ التَّشريعِ الإسلاميّ هي جلْبُ المصالح، ودرْءُ المَفَاسِدِ، وممَّا
لا شَكَّ فيه أنَّ مصالِحَ العبادِ معتبرةٌ من جهة الشّارع، وأن التشريعَ هو السّاجُ الذي يحفّظُّ الله به
الإنسانَ مِنْ أمْرَاضِ الهوى والشّهوة.

٢٧
مقدمة بدائع الصنائع
لكن الواضِحَ أنَّ النصوصَ الشّرعيَّة محدودةٌ، بينما أفعالُ العبادِ لا تنتهي، وتشريعُ أحكام
الأفعالِ سبيلُهُ الوحيدُ هو النصوصُ، وعَلَى هذا؛ فكيف تكْفِي هذه النُّصوصُ المحدودَةُ لِتَشْرِيعِ
كُلِّ أحكام الأفْعَالِ، وهي غير محدودة؛ وجوابُ ذلك أنَّ القرآن الكريمَ بيَّن التشريعَ بياناً كُلَّّا؛
بوضع القواعد الكُلّيَّةِ، وَوَضَعَ لِكلْ نوعٍ ما يناسبُهُ من الأحكام التي فيها بيانُ كلُّ شيء: ﴿مَا
فَرَّطْنَا في الكُتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وكان للسُّنَّةِ دَوْرٌ كبيرٌ في شرح القرآنِ، وتكميلِهِ، وضرب الأمثال، ثم أمر الله المجتهدين
بالنظر والاعتبارِ، فتبَّع العلماءُ المصالحَ العامَّة التي تتحقق بالتشريعِ الإسلاميِّ، وأوضحوا أنها:
١ - مصالح أَعتَبَرَهَا الشّرْعُ، فوضع لها أحكاماً تحققها، وأمرنا أن نقيسَ عليها ما يماثِلُها
في تحقيق المصْلَحَة، ولم يَرِذ بذِكرِهَا نَصِّ.
٢ - وألغى مصالحَ يترتَّب على إلغائها مَصَالِحُ أُخْرُ، وهذا النوعُ يَتْبَغِي أنْ نقفَ عنْدَهُ؛ فلا
نتعدَّاه .
٣ - ومصالحَ لَمْ نَجد التفاتاً للشَّرْع إليها بأَمْرٍ أو نَهْىٍ، وتلك المَصَالِحُ هي التي فَتَحَ فيها
باباً واسعاً من الاجتهادِ، وإعمالِ العقل.
المَصَالِحُ الَّتِي يَعْتَبِرُها الشَّارِعُ:
وهي المصالحُ الَّتي ورد بخصوصها دليلٌ معيَّنٌ، فيبنى الحكمُ عليها أو يقاسُ غيرُهَا
عليها، أو يعلَّلُ بها، فتأخُذ حُكْمَهَا، ويَدْخُلَ تحتها كُلُّ المصالح التي ورد الشرعُ بتحصيلها؛
كمصلحة حِفْظِ العَقْل والنفْس والعَرْض ... الخ.
وعلى سبيل المثال: مصلحةُ حفْظِ العقْلِ؛ حيث شَرَع الله لحفْظِهِ تحريمَ الخَمْرِ، وأوْجَبَ
عَلَى شَارِبِهَا الحَدَّ، وعلَى ذلك؛ قَامَ الدليلُ علَّى وجوب تحقيق هذه المصْلَحَة.
ومعنى الخَمْرِ الذي يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسمُ الخمر: هو النَّيِّئُ من ماء العِنَب، إذا غُلِي وَاشْتَدَّ،
وقُذِفَ بالزُّبْد.
فإذا قَصَرْنا الحَكْمَ عَلى ما ورد به النصُّ حرفيًّا، لآقْتَصَر التحريم على ماءِ العنَبِ فقطْ،
ولا يتعدَّاه إلَى أيِّ شرابٍ آخر يكون فيه ذهابٌ للعَقْلِ.
وإذَا نَظَرَ المجتهد في هذ النَّصِّ، وعلم أنَّ مصلحةَ حفْظِ العقلِ تقتضي حُرْمَةَ الخَمْرِ،
فإنه لا يتردّد في القول بتحريمِ أيِّ شرابٍ آخر يترتب علَيْه ضياعُ العَقْلِ؛ قياساً على الخمر.
ومن هنا يكون النصُّ الوارد في تحريم شُرْبِ الخَمْرِ غَيْرَ خاصٍّ، بل هو عالمٌ، وأن الآية
دلَّتْ على حُرْمَة شُرْب الخمر نصًّا، وشَمِلَتَ الحزمةُ جميع المشروباتِ الَّتي تُطيعُ مصلَحَةَ حِفْظِ
العَقْلِ لعلَّةِ الإسْكَار.

٢٨
مقدمة بدائع الصنائع
وآيةُ تحريم شُرْبِ الخمر هي: ﴿إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلٍ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تَفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وإذا نظر المجتهدُ إلَى هذا النصّ يجدُ أنَّ العلَّة من التحريمِ هي الإسكارُ المُذْهِبُ للعَقْلِ،
وهذا ما يسمَّى بتخريج العلَّةِ .
ثم يَنْظُرُ بعد ذلك في أنَّ الإِسْكَارِ وحدَهُ هو المتعيِّن بِمُفْرِدِهِ للتحريم، وليس لكون الخَمْرِ
ماءً له طَعْمٌ مُرِّ، أَثَّرَ في الحرمةِ، أو لأيّ اعتبار آخَرَ، وهذا ما يُسَمَّى بَتَنْقِيحِ العِلّة.
فإذا اجتهد المجتهدُ، ونظر في نَبِيذ التَّمْرِ أو عَصِير القَصَبِ، أو غيرهما، وتحقَّق من
وجود الإسكارِ بِشُرْبه، كان لَهُ أنْ يحكم بأنَّ شُرْبَه حرامٌ مثل الخَمْرَ، وهذا النَّظَرُ الأخيرُ يُسمَّى
تحقيقَ العِلَّةِ.
وهذا المثالُ يدلُّ على أنه ثبتتْ فيه العلَّةُ باجتهادِ المُجْتَهِد، واستنباطِهِ لها من النَّصُ،
وبهذا الاجتهادِ والاستنباطِ ظَهَر عمومُ النَّصْ وشمولُهُ للتماتُلَيْنِ في العلّة .
المَصَالِحُ الَّتِي لَمْ يَعْتَبِرْهَا الشَّرْعُ
وهي التي ورَدتِ النصوصُ الشرعيَّةُ بإلغائها، ولا يصحُّ بناءُ الأحكام عليها، أو التعليلُ
بها، وعَلَى هذا اتفاقُ العلماء.
والحكمةُ من الغاء هذه المصالح؛ أن الشارعَ علمَ أنَّ في إلغائها مصلحةً، أو دَرْءَ
مفسدةٍ، فما حكم الشارع بردِّهِ، وَجَبَ ردُّه، وإن كانت هناكَ مناسبَةٌ بَيْنَ حَكْمٍ مَّا وَمَعْنَى من
المعانِي المتعلّق به، فإِنَّ المناسبة بينهما لا تقتضِي الحُكْمَ بنَفْسِها، بَلْ منَ اعتبارِ الشارعِ
اقْتِضَاءَهَا للحُكْمِ؛ وهذه أمثلةٌ عَلَى ذلك نوضُحُ بها الأمْرَ:
١ - هل مناسبَةُ تسَاوِي البنْتِ والوَلَدِ في البَرِّ بالوالِدِ، وفي درجة القَرَابةِ، تقتضي
تساوِيَهُمَا في الميرَاثِ، أيْ تأخُذُ البِنْتُ مِثْلَ نصيب الوَلَد؟ .
والإجابَةُ عَلَى ذلك تقتضي أنَّ هذه المناسبةً وخدَهَا لا تقتضي الحُكْمَ بالتساوي في
المِيرَاثِ، بل لا بُدَّ من أن يعتبرها الشارعُ لهذا الحكم، بل وردتِ النصوصُ بإلغائها؛ بقوله
تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأَنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وإلغاءُ الشَّارع هذه المناسبة لحكمةٍ أو لمصلحةٍ
أهمّ، حيثُ راعَى ما كَلَّف به الرّجالَ من التكاليفِ والنفقَتِ الكثيرةِ؛ كالمَهْرِ عندْ الزَّواج،
والنَّفَقَّة على الزوجات والأولاد، ولم يُلْزِمِ المرأةَ بشَيْءٍ من ذلك.
وعليه؛ فقد أنْقَصَ من نصيبها، وأعفاها من الالتزامَاتِ، وفرض لها على الرجُلِ حقوقاً
تزيدُ عن نصْفِ نصيبها الَّذي خصَّ به الرَّجُلَ.

٢٩
مقدمة بدائع الصنائع
ولا يجوزُ بحالٍ من الأحوالِ اعتبارُ ما ألْغَاهُ الشَّارِعُ؛ لأنَّه افتياتٌ على حقّه، ومعارضةٌ
له؛ بمجرد الوَهم والظَّنِّ.
وهذا النَّوْعُ من المصالح الَّتي ألْغَاهَا الشَّارِع الحكيمُ يحدِّد بدقّةٍ موقفَ المؤمِنِ من التشْرِيعِ
السَّماويٍّ، إذْ ليْسَ لأيّ شخصٍ، مهما عظُمَتْ مكانته؛ أن يتوهّم مصلحةً مَّا، أو يخترعَ منفعةً
مَّا من عنده، مهما كانت مناسبْتُهَا، ثُمَّ يرتّب عليها حكماً، لأنَّ الحاكم هو الله وحده.
ولعلَّ ذلك يُلْقِي الضَّوْءَ عَلى ما يَهْدِفُ به بَعْضُ الجَهَلَة من مدَّعي العِلْمِ؛ أنهمُ اخترعوا
من عندهم مصلحةً، أو تخيَّلوا مفسدةً، ثم يقولون على الدِّينِ ما لا يعلَمُونَ، وما لَيْسَ منه.
٢ - مسألة تمليكِ الزَّوْجَةِ حَقَّ الطلاقِ:
إنَّ المعهود شرعاً أنَّ الشارع لا يُلْغِي مصلحةً إلاَّ إذا ترتَّبَ على إلغائِهَا مصْلَحَةٌ أهَمُّ
وأرجَحُ، أو لدفْع مفسَدَةٍ تزيدُ عن المصلحَةَ التي ألْغَاهَا.
وقد رتَّب الشارعُ على عَقْد الزواج إعطاءَ كلِّ من الزوجَيْنِ حقَّ الاستمتاع بالآخَرِ، ونَسَبِ
الأولادِ إلى كلا الزوجَيْنِ، وأثبت التوارُتُ بينهما، فهلْ هذه المناسبةُ تقتضي تمليكَ الزَّوجة حقَّ
الطَّلاقِ ومثلما يملكُهُ الرَّجُل؟.
نقول: هذه المناسبةُ لا تكْفِي بتشريع حُكْم تمليكِ الزوجةِ حقَّ طلاق زوجها، بل لا بدَّ
من اعتبار الشّارعِ هذه المناسبةَ؛ كي تقتضي الحكم بالتمليك، بل ألغَاهَا بالنُّصُوص التي وردَتْ
بإسناد الطَّلاق إلى الرِّجَال؛ مثلُ قوله تعالى: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ
طَلَّقَهَا﴾ [النساء: ٢٢٩].
ووردَتْ بذلك السُّنَّةَ الشريفةُ، يقولُ رسولُ اللهِ وََّ: ((الطَّلاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ)).
وإلغاءُ الشَّرْعِ مصلحةً تمليكِ الزَّوْجَةِ حقَّ طلاقٍ زَوْجِها - لِدَفْع مفاسدَ كثيرةٍ تترتَّب على
تحويلِهَا حقَّ الطلاق، ولعلَّ من أبرزها أنَّ المرأة بطبيعتها وأنوثَتِها سريعةُ الاغترارِ، سيِّئَةُ
الاختيار، تنقادُ للرغبةِ الطارئة، وتتأثَّر بسرعةٍ بالمؤثّرات الوقتيّة، فقد تثيرُهَا عبارةٌ جميلةٌ، أو
حكمة خادعةٌ معْسُولة، وليس في ذلك، إجحافٌ بالمرأةِ، أو إهدارٌ لرغبتها، فقد احترم
الإسلامُ إرادتها في كلٌ ما تستطيعُ فيه إذْرَاكَ مَصْلَحَتِهَا الآجِلة والعاجِلة، فملكها حقَّ التصرُّف
في مالها، وفي اختيارِهَا لِزَوْجِهَا.
ومن ناحيةٍ أخرَى، فقد خفَّفَ عنها الشَّرْعُ الأعباءَ والتَّكَاليفَ، بلْ قرر لها حقوقاً من
الصَّداق والنفقةِ على الرَّجُل، وذلك يَجْعَلُ حريصاً عَلَى بقاءِ العَشَرة لئلاً يستأنف السَّعي لتذْبيرِ
المَهْر، وأَعْبَاءِ الزواج من جديدٍ، فيتعلَّقُ بالإبقاءِ، على الزوجيّن، ولا يتعمَّد إنهاءَ العَقْد، إلاَّ
إذا ضاقَتْ به السُّبُل، ولم يجد سبيلاً إلاَّ ذلكَ.
ولم يغلق الشرعُ الأبوابَ أمام المَرأة التي تريدُ أن تتخلّص من زوجٍ لا تحبُّ، أي ترغَبُ

٣٠
مقدمة بدائع الصنائع
في الطَّلاق منْهُ، حيثُ قَرَّر لها الخُلْعَ؛ وهو أنْ تفتدي المَرْأةُ نفْسَها من الزوجِ بمالٍ تدْفَعُهُ له.
وقد وَرَدَتَ النصوصُ في القُرْآنِ تقرَّر هذا الأمْرَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمًا
حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اُفْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وإلزام المرأةِ أنْ تَدْفَعَ مالاً؛ كَيْ تفتديَ به نَفْسَها من الزوجِ الذي لا تحبُّه هو ميزانٌ عادلٌ
يدلُّ دلالةٌ واضحةً علَى مَدَى كراهيتها للبقاء تَحْتَ هذا الزوجِ.
٣ - مسألةٌ أخرَىُ تتعلَّقُ بنظام الأُسْرَةُ، وهي مسألةٌ تعدُّد الزوجاتِ، فقد يتخيَّلُ بعضُ
الجَهَلَةِ أنَّ منع التعدِّد يقتضي مصْلَحَةَ دِفْع مفاسدِ التَّشَاجُرِ الذي يحدُثُ بَيْنَ الزوجَاتِ ودَرْءِ
أضْرَار الخصوماتِ الَّتِي تقع بيْنَ أَفْرَادِ الأُسْرَةَ.
ثم يخلُصُ من هذه المقدّمة إلى تزتِيبِ حُكُمٍ عليها، وهو الحُكْمُ بمنع التعدُّد، وقصر
إباحة التزوُج على واحدةٍ فقَطْ.
وفي الحقيقةِ أنَّ هذه مصلحةٌ موهومةٌ لا تقتضي تشريعَ حُكْم مبنيٍّ عليها؛ لأن الشارعَ لم
يعتبرْهَا، بل ألْغَى هذه المصلحة بالنُّصوص التي وردَتْ بإباحةَ التعدُّدِ، مِثْلُ قوله تعالى:
﴿فَأَنْكَحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مِثْتَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٢٢٩].
والشَّرْعُ الحكيمُ لا يقضِي إِلْغَاءِ مصلحةٍ مَّا، إلا إذا ترتّب على إلغائها مصلحةٌ أهمُّ فيها،
أو دفْعُ مفسدةٍ تزيدُ أهميَّة عن الملغاة، والمصلحةُ الأهمُّ هنا هي صَوْنُ الرجالِ ذِي الشَّهَوَاتِ
الحاذَّة عن الوُقُوعِ في الزنَا، ويحقّق ما قد يصبُو إِلَيْهِ بَعضُ الرِّجَال من كثرة الأوْلاَد، أو أنَّ
الزوْجَة الأَولَى مُصَابةٌ بالعقْمِ.
أما القَوْلُ بأنَّ التعذُّدَ منْشَأُ الخصومةِ والمُشَاجَرَةَ، فإنَّ الشارع قد وضع لَهُ العِلاَجَ، حيثُ
اشترطَ العَدْلِ بَيْنَ الزوْجَاتِ في كلِّ الحقوق التي يستلزمُهَا الزَّوَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ
تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣].
والله - سبحانه وتعالى - أعلَمُ بما يترتَّب على التشريع من مصالح، سواءٌ ظَهَرَتْ لنا، أو
خَفِيَتْ علينا، لأن شرائع الله لا تكونُ عبثاً بلا غايةٍ، ولا تكونُ لمصلحةٍ تعودُ علَيْه سبحانه، بل
المصالحِ العبادِ في الدنيا والآخرة.
٤ - مسألةُ الجهادِ، حيثُ يتوهّم البعضُ أنَّ في وجودِ الاستسلامِ وتَرْكِ الدفاع عن الدِّين
والخُضُوع للعدُوّ، حفظاً للنفْسِ عن الهَلَك، وجَلْباً للسَّلاَمَةِ.
لكنَّ الشارعَ الْغَى هذه المصلحة المتوهَّمة، وأمَرَ بالجهادِ في كَثِيرٍ من النصوصِ أمْراً
جازماً؛ ومنه ﴿فَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِ جُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
ويقول أيضاً: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] فالشرعُ هُنَا يَرْمِي إِلَى مصلحةٍ

٣١
مقدمة بدائع الصنائع
أهَمَّ وأعظَمَ، وهي مصلحةُ حفظ كيَان الأمَّةِ وصِيَانَةُ أرواح الشّغْبِ من ظلم العُدوان، لأنَّ
الضَّرَر واقعٌ لا محالة بالاستسلام أو بالقِتَالِ؛ لذا أعلى الله شَأنَ المجاهدين، ومنحهم الحياةً
الروحيَّة الدائمة، وهي حياةُ الشهدَاءِ والصَّالِحِينَ.
مما سبَقَ يتبيَّن لَنَا أن المصالحَ التي حَكَم الشرعُ بإلغائها - ضابطً ضبط به الشرعُ
الأحكامَ، وأَوْقَفَ المكلِّفَ عند الحدِّ الذي لا يجوزُ تعدِيهِ، فلا يُعَارِضُ الإنسانُ مقْصُودَ
الشَّارع، ولا يسيرُ وراءَ ما تتوهَّمه نفْسُهُ من مصالحَ وَمَفَاسِد؛ لذا كان هذا النَّوْعُ من المصالح
لجاماً يقيّد الإنسان.
المَصَالِحُ الَّتِي سَكَتَ عنها الشَّارِعُ
وهي المصالحُ الَّتِي لَمْ يَرِدْ في الشرعِ أمرٌ باعتبارِهَا، ومن ناحيةٍ أخرَى، لم يرد أيضاً أمْرٌ
بإلغائِهَا، وقد أطلق العلماءُ علَى هذا النوعَ من المصالحِ اسْمُ المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ»، وإنَّما تثبتُ
بها الأحكامُ عن طريق الاجتهادِ والاستنباطِ .
والمصالحُ المرسَلَّةُ ليْسَ لها أصلٌ تقاسُ عَلَيْهِ، لكنَّ أصْلَها هو النصوصُ الشرعيّة الكلّية،
فَلَيْسَتْ تشريعاً بالهوَى، بل هي ثابتة عن الشارع بأدلَّةٍ متعدِّدة من الكتاب، والسُّنَّة، وقرائِنِ
الأحوال، وقد وَاجَه الصحابةُ - رضوان الله عليهم - المسائِلَ التي لا تُخْصَى من واقع حياةٍ
الدَّوْلَة الإسلاميَّة التي اتسعَتْ وأَمْتَدَّتْ في عهْدِ الخلفاءِ ال اشدِينَ، فشملتْ أمماً كثيرةً، فأمْعَنُوا
الفَهْمَ، ونظروا في مقاصِدِ التشريع، وأعطّوْا المسائلَ المستجدة أحكاماً شرعيَّةً، فأثبتوا بذلكَ
عمومَ الشريعةِ ووفاءَها بما جدَّ وَيَجَدُّ من وقائعَ خصوصاً في عَهْد سيِّدنا عُمَر - رضي الله عنه -
حَيْثُ اقتضى تنظيمَ الدَّوْلَةِ وبناءَ مرافقها.
وقد بدأَتْ هذه الوقائعُ المستجدَّة عروضها بعد وفاة الرَّسُولِ وَّهِ وما واجهه المُسْلِمُون
من أمْر الخلافة، وارتداد كَثِيرٍ من العَرَبِ، وامتناعِهِمْ عن أداءِ الزَّكَاةِ، ثمَّ في أمْر جمع القرآن
الكريم، ثم تتابَعَتِ الأحداثُ، فَدُوْنَتِ الَدواوينُ، ونُظَمَتِ الجيوشُ ... الخ.
ولِنُوضّحَ هذا الأمرَ، نسوقُ مثالاً على المَصَالِحِ التي سَكَّتَ عنها الشارِعُ:
مسألةُ جَمْعِ القُرْآنِ الكَرِيمِ :
لقد كان الرَّسُولُ :﴿ كَلَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِبَعْضِ الآياتِ يَدعو كُتَّابَ الوَخِي، ويملي عَلَيْهِمْ ما
أُوحِيَ إليه، وكان كُتَّابُ الوخي يكتبونٍ، ما يُمْلَى عليهم في الجَرِيدِ والعِظَامِ الجُلُودِ، واستمر
هذا الأمرُ حتى تُوُفِّي النبيَّ - ﴿ - والقرآنُ في صدور الصحابة، وتتابعت الأَيَامُ، واستشهد كثيرٌ
من قُرَّاءِ القرآنِ الكريم في حروب الرِّدَّة، وفي واقعة «اليَمَامَةِ))، فخاف سيِّدُنا عُمَرُ - رضي الله
عنه - من ضياع القُرْآنِ الكريم، فأشار علَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - بِجَمْعِ القرآنِ،
والعلَّة هنا في جَّمْعِ القرآنِ هي خَوْفُ المسلمين من ضَيَاعَهِ، وهي مصلحةٌ عظيمةٌ.

٣٢
مقدمة بدائع الصنائع
لكن الشرْعَ لم يرد فيه دليلٌ أو نصّ يدلُّ على اعتبار الخَوْف علَّةً في جمع القرآن؛ كذلك
لَم يَرِدْ ما يَدُلُّ عَلَّى عَدَمِ اعتبارِهِ علَّةً في جمع القُرْآنِ؛ فلم يأْمُرِ الرسولُ وَّل به ولم يَتْهَ عنه؛ لذا
قال الصِّدِّيقُ حينئذٍ: ((كَيَّفَ أَفْعَلُ شَيْئاً، لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِوَه)) فقال له عمر: ((هُوَ وَالله خَيْرٌ،
لكن الصحابة رَأَوْا ذلك مصلحةً؛ لأنَّ ذلك راجعٌ إلى حفْظِ الدينِ، والأمْر بحفظه معلومٌ بأدلَّةً
كثيرةٍ وردت في الكتاب والسُّنَّة :
فقد سمَّى الله القرآن كتاباً، فأسْتُفِيدَ من ذلك وجوبُ كتابته؛ كما أنَّ النبيَّ اتخذ كُنَّاباً
للوخي، والرسُول - وَ﴿ه - لم يَأْمُرْ بجَمْعه في حياته؛ لاحتمال المزيد من الآيات والسُّور، ما
دام حيًّا، ومما سَبَقَ يتبيَّن لنا أنَّ هذا اجتهادٌ واستنباطُ لمصلحةِ حفظِ القرآن بأدلَّةٍ عامَّة، لا
بدليلٍ معيَّنٍ واحدٍ .
وقد اشترط العلماءُ أنْ يوافق الاجتهاد أو الاستنباط مقاصِدَ الشَّرْع؛ بحيثُ لا ينافي أصلاً
من أُصُولِهِ؛ لَئِلاَّ يكون تشْرِيعاً بالهَوَى والعَقْلِ المجرَّد من الاستناد إلى الشَّرْعِ.
وجملةُ المصالح المسكُوتِ عنها في الشَّرْعِ تندرجُ تحت المعاملاتِ، أما العباداتُ فإنّ
أحكامها لا تَثْبُتُ بهذا الطريق، وليسَتْ مَحَلاً لإعمال العقلِ، بل هي مسَّلماتٌ؛ كما وردَتْ عن
الشارع من غير زيادةٍ أو نقْصَانٍ.
والأدلَّة الشرعيةُ الَّتي تَعْتَبِرُ هذه الطريق طريقاً لاستنباط الأحكام الفقهية - متعدِّدة وواضحةٌ
منها .
حديثُ معاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - حينَ سَأَلَهُ الرَّسُولُ - وَّه - بم تَقْضِي؟ قَالَ:
بِكِتَابِ الله، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قال: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ مُعَاذٌ: أَجْتَهِدُ
رَأْيِي وَلاَ أَلُو)) أيْ: لا أقصِّر.
وكان الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ الله عليهم - يبحثُونَ في الفعلْ لإدراكِ ما فيه من مَصْلَحَةٍ، أو ما
يترتَّب عليه من مفْسَدَةٍ، وقد أَثِرَ عَنهم في ذلك الكثيرُ؛ حتَّى زادَتْ مسائلُ الفقْهِ، واتَّسَعت على
مُرُور الزَّمَن .
والواقعُ الَّذي لا مراءَ فِيهِ أنَّ يُسْرَ الشريعة الإسْلاَمِيَّةِ وَمُرُونَتَها وملأَمَتها للأحوال قد حَقَّقه
العملُ بالمصالِحِ، والسَّيْرُ في ضوء قواعد الأحكام الْكلِّيَّة العامة؛ يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ويقولُ: ﴿مَا يُرِيدُ اللّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجِ﴾ [المائدة: ٦].
ويقولُ أيضاً: ﴿يُرِيدُ الله أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨].
وفي كل شُغْبَةٍ أو فَرْعٍ من فروعِ التشرِيعِ الدُّوَلِّي، أو الدُّسْتوريّ، أو الجنائي، أو المَدَنِيِّ،

٣٣
مقدمة بدائع الصنائع
نجد أن التشريع جاء في صُورَة كلِّياتٍ وضوابط التي هي بدَوْرِها راجعةٌ إلى تحقيق المصالح
النافعة لِلعبَاد، ودَزْء المفاسِدِ المُضِرَّة بهم.
وقد استقرأ العُلَمَاءُ عَلى مَرِّ التاريخ المَسَائِلَ الَّتِي أفْتَى الصَّحَابَةُ فيها والاجتهاداتِ
والاستنباطاتِ الَّتي ما رَسُوها في الوَقَائِعِ المستجدَّة؛ وذلكَ واضحٌ من أوَّلِ اجتماع للصَّحابة
- رضوان الله عليهم - في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدة للتشاور في أمْر الخلافَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ آخِرٍّ صحابيٍّ،
وهم في كلِّ ذلك يعتمدُونَ على المصالِحِ في كل ما عَرَضَ عليهم مع كَثْرَةٍ ما وَقَعَ في أَيَّامهم
من أحداثٍ ووقائعَ .
وبذلك أصْبَحَ الفقْهِ الإسلاميِّ بمسائِلِهِ وأحكامه مَصْدراً خِصْباً للأجْيَالِ عَلى مَرِّ العصور.
ولهذا كانَتْ حركاتُ الإصلاح الدينيِّ التي تزعمها علماءُ المُسْلمين وَنَبَضَتْ بها قُلُوبُهُمْ
على مرِّ الأجْيَالِ سَتَبْدأُ من باب التَّشْرِيعِ والفقْهِ ثم تتَّجِهُ إِلَى أَهَمِّ نوافذِ الاستنباطِ بالعَمَل
بالمصالح.
ومِنْ هنا تتَّضِحُ لنا أهمِّيَةِ معرفةِ هذه النظريَّة الفقهيّة لما يترتَّب عليها كثيرٌ من القضايا في
الدِّين والتَّشريع .
الْعِبَادَاتُ والْعَادَاتُ
التعبُّد بالمعنى العام حاصل في الأحكام الشرعيَّة المتعلّقة بأفعالِ الناسِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ
أفعالِ العباداتِ الخاصَّة، وبيْنَ أفْعَال العادَاتِ والمعامَلاَتِ؛ وذلك بشَرْط أَنْ تَقَعَ هذه الأفعالُ
امتثالاً لطلب الشارع، وأنْ تَكُونَ وَفق النّظام الذي حَدَّدَتْه الشَّريعَةُ الإسلاميَّةُ، فإذا تحقَّق ذلك،
كانَ الفاعلُ متبعاً - بَحقٌ - مولاَهُ، وكان الفغَلُ الذي يؤدِّيهِ خالصاً لوَجْهِ الله .
إنَّ السَّعْيَ لابتغاءِ الرِّزْقِ - مثلاً - عادَةٌ إنسانيَّةٌ، ومع هذا فهو عبادةٌ؛ إذا قصد بها وجْه الله
- تعالى، أي: إذا قَصَدَ بها فاعُلَها الاستغناءَ عَمَّا في أيدي النَّاسِ، وأنَّه حصل هذا السعيُ
بطريق مشروع خالِصٍ من الغشِّ والخداع والمُقَامَرَةَ، وأنَّه صرفه في قضاءِ الحاجَاتِ الضروريَّة
له، ولِمَنْ وِجْبَتْ عِلَيه نفقته، ونحن نستنبطُ هذا الأمرَ من أحاديثِ رسُول اللهِوَلَّ حينما سَأَلَهُ
أصحابُهُ: (أَيَقَضِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، فَتَكُونَ لَهُ صَدَقَّةً؟ فَقَالَ لَهُمْ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ))(١)؟
أي: أنَّها تكون عليه وزْراً؛ والرسول في هذا يشيرُ إلى استمتاع الرَّجُل بزوجته فيعف نفسه
وزوجَتَهُ.
ومن هنا، كانَتِ النِّيَّةُ ذَاتَ أَثَرِ هَامٌّ في تقييمِ الأفْعَالِ الإنسانيَّة، فالفعلُ يصيرُ عبادَةً، إِذا
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨) كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف
حديث (١٠٠٦/٥٣) وأحمد (١٦٧/٥، ١٦٨) من حديث أبي ذر.
بدائع الصنائع ج١ - م٣

٣٤
مقدمة بدائع الصنائع
كان المقصودُ به وجْهَ الله، وكذلك يكونُ معصيَةً، إذا قُصِدَ به ضِدُّ وجْهِ الله، أو ضِدُّ مقصود
الشَّارِعِ، ويَسْتَوِي في ذلك عَمَل القَلْبِ وأفعالُ الجوارحِ:
فمثلاً كلمةُ التوْحِيدِ؛ إذا قصد بها تقديسُ الله، وتنزيهُهُ، وإفرادُهُ وحده بالعبوديَّة، فهي
إذن إيمانٌ، وإذا قُصِدَ به وجْهُ الناسِ، والسُّمْعَةُ، فهي إذنْ نفاقٌ.
وأصلُ هذا الأمر هو حديثُ الرسُولِ - وََّ -: ((إِنَّما الأعْمَالُ بِالنِّئَاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ آمْرِىءٍ
مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله ورَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى
دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ آَمْرَأَةٍ يَنْكَحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»(١).
وأيضاً؛ قولُ الله عز وجلَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ ربِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ
بِعِبَادَةَ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠].
وهذا الأصل يؤثّر في توْجِيهِ كلِّ التصرُّفات، وإِثْبَاتِ الحقوقِ الناشئَةِ عن ظواهِرِ الأعْمَالِ،
وعليه فيكتسبُ العَمَلُ صفاتِ الصِّحَّة أو الفَسَاد، وتجري آثارُ الأفْعَالِ عَلَى حَسَب قصْدِ الفاعِل.
ولهذا السَّبَب جاءت التوجيهاتُ تحضُّ عَلى إخْلاَصِ العَمَل لله وخدَهُ، وتوجيه هذه
الأعْمَالِ إِلَى مقاصِدِ الخَيرِ والنَّفْعِ، وتربية النُفُوسِ البشريّة بآدابِ الشَّرْع، وتطْهِيرِ الضَّمِيرِ من
أدرانِ الرزائل.
وقد أَطَّرد عُمُومُ هذا المعنَى، فشملَ حقَّ الحياة التي يتمتَّع بها الإنسانُ، وكلُّ ما ثَبَتَتْ فيه
اليد الإنسانيَّةُ الظّاهرة بحكم استخلافِ الله للبَشَر، ونِيَابتهم عَنْه في جَرَيان العَذْل في النَّاسِ
والأشياء؛ فذلك لا يؤثّر في مَلكيَّة الله الحقيقيّة للمخْلُوقَات.
وعلى هذا، فكلُّ أفعالِ العبَادِ حق الله - تعالَى - بأنْ تَجْرِي المصلحة فيها على وَفْق
حکمته وعدلِهِ في خلقه.
(١) أخرجه البخاري (٩/١) كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي حديث (١)، (١٩٠/٥) كتاب العتق:
باب الخطأ والنسيان (حديث ٢٥٢٩) ٢٦٧/٧ كتاب مناقب الأنصار: باب هجرة النبي ◌َّ وأصحابه إلى
المدينة حديث (٣٨٩٨)، (١٧/٩) كتاب النكاح: باب من هاجر أو عمل خيراً لتزوج امرأة فله ما نوی حديث
(٥٠٧٠)، (٥٨٠/١١) كتاب الأيمان والنذور: باب النية في الأيمان حديث (٦٦٨٩)، (٣٤٢/١٢ - ٣٤٣)
كتاب الحيل: باب من ترك الحيل حديث (٦٩٥٣) ومسلم (١٥١٥/٣) كتاب الإمارة: باب قوله رحمهالله: إنما
الأعمال بالنيات حديث (١٩٠٧/١٥٥) وأبو داود (٢/ ٦٥١) كتاب الطلاق: باب فيما عنى به الطلاق والنيات
حديث (٢٢٠١) والنساني (٥٨/١ - ٥٩) كتاب الطهارة: باب النية في الوضوء، والترمذي (١٧٩/٤) كتاب
فضائل الجهاد: باب ما جاء فيمن يقاتل رياء حديث (١٦٤٧) وابن ماجه (١٤١٣/٢) كتاب الزهد باب النية
حديث (٤٢٢٧) وأحمد (٢٥/١، ٤٣) والحميدي (١٦/١ - ١٧) رقم (٢٨) وأبو داود الطيالسي (٢٧/٢ -
منحة) رقم (١٩٩٧: وابن خزيمة (٧٣/١ - ٧٤) رقم (١٤٢) وابن حبان ٣٨٨، ٣٨٩ - الإحسان).

٣٥
مقدمة بدائع الصنائع
نعم، للعبادِ حقُّ منحهمُ الله إيَّاه في الأفعال؛ بتنعُمهم بنعمة الله بأقصَى إكمالها؛ وذلك
بتناول الحَلاَلِ الطَّيِّب الَّذي رسم الشارعُ طريقة في الدنيا، وجعل لهم - حقًّا أعظَمَ، وهو
المجازاةُ على العَمَلِ المشروعِ بالنعيمِ والنجاةِ من الجَحِيم في الآخرة.
والعبادةُ في الإسلام - كما أوضَحَهَا العلماءُ - قسْمَانِ: عامَّة وخاصَّة:
فالعبادة العامَّة: هي كلُّ عملٍ، حتَّى لو كان دنيويًّا، ينطبقُ على أوامر الله، ويرادُ به
امتثالُ أوامِرهِ، وتحقيقُ إرادتِهِ؛ كالاتْفَاقِ على الأُسرة مثلاً، وتناوُل الطَّيُباتِ من الرِّزْق للتقوية
عَلَى القيام بواجبَاتِ الجهاد في سبيل الله، ونُصْرَة المظلومين.
والعبادةُ الخاصَّة هي الشعائِرُ التّي أمر الله بإقامتها، كالصَّلاة، والزكاة، والصوم ... الخ.
وقد بَيِّنَ الرسُولُ - وَلِّ - حقَّ الله وحقَّ العباد؛ وذلك بالحديثِ الشريف: ((حَقُّ الله عَلَى
عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا به شيئاً، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ، إِذَا عَبَدُوهُ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شيئاً؛ أَلاَّ
يُعَذَّبَهُمْ))(١) .
والحقُّ أن تسمية بعض أحكام الأفْعَالِ بحقوقِ العباد، إنَّما هو على التغليبِ، أي: غُلِّب
حقُّهم، ولم يخلُصْ عن حقِّ الله، بلَ إنَّه مع كونه من حقوقهمْ فيه أيضاً حقُّه تعالَى؛ وذلك لأنَّ
حقَّ الله - تعالى - على عباده؛ كما قدَّمْناه سابقاً، هو أنْ يعبُدُوهُ وخدَهُ لا شريك لَهُ؛ وذلك
باجتنابِ نواهِيهِ، وامْتِثَالِ أوامِرِهِ، والأحكامُ الإسلاميَّة واردةٌ بالأوامر والنواهِي، سواءً لتحصيل
مصْلَحَةٍ دنيويةٍ، أوْ أخرويَّة؛ وترتَّب على ذلك أنَّ تصرُّفَاتِ العبادِ تَرْجِعُ إلى ما جعل حقًّا لها،َ
فلا تنْسَحِبُ علَى ما هو ظاهِر حقِّ الله، فالقائِلُ عمداً حُكْمُهُ وجوبُ القِصَاصِ منه، ونرى أنَّ
القصاصَ مِمَّا غلب حقُّ العباد؛ وذلك لأنَّ حياةَ المقْتُول كانَتْ مصلحةً لأولَيائِهِ، حيثُ كان
يتكسَّب لهم ويرعَاهُمْ، وعلى هذا فالقِصَاصُ يكفُل حفْظَ الأرواح، ويحقّق الأمنَ للنَّاس،
وتلْكَ مصالحُ إنسانيَّةٌ، وذلك هو مَعْنَى قولنا: الْقِصَاصُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ)).
ومن ناحية أخرى، فإن مصْدَر تشريع القصاصِ هو الله وحده؛ وعلَيْه فهو حقُّ من حقوقِهِ
سُبْحَانه، وتنفيذُهُ طاعةٌ لأمْرِهِ؛ ولهذا كان القصاصُ ممَّا اجتمع فيه الحَقَّان: حقُّ العباد، وحقُّ
الله تعالى .
والأصلُ في العباداتِ أنها راجعةٌ إلى حقِّ الله، والأضْلُ في العاداتِ أنها راجعةٌ إلى
حقوقِ العبادِ، مع ثبوتِ المعنَى العَامِّ للتعبُّد في الجميع.
الْفَرْقُ بَيْنَ العِبَادَاتِ وَالمُعَامَلاَتِ
المرادُ بالعباداتِ كما قلنا سابقاً: مجموعةُ الشَّعَائر التعبُّدية الخاصَّة التي حدَّدها الله
(١) أخرجه البخاري (٨/ ١٨٨) كتاب الرقاق باب من جاهد نفسه (٦٥٠٠) ومسلم كتاب الإيمان (٤٩).

٣٦
مقدمة بدائع الصنائع
سبحانه وتعالى؛ كمَّا وَكَيْفاً، وهي تكُونُ خالِصَةً لله فلا تجوزُ فيها الزيادةُ ولا النُّقْصانُ، ولها
حِكَمْ وأسرارٌ شُرِعَتْ لتحقيقها، كالمقْصُودِ من تحقِيقِ أمْرِ الصَّلاةَ هو أنَّها تنهى عن الفحشاء
والمنكر، والمقصودُ من تحقيق الصوم: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وهكذا كلُّ عبادة.
وينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ هذه الحِكَمَ لَيْسَتْ عِلَلاً تستلزمُ وجودَ الحَكْم عند وجودِهَا، وانعدامَهُ
عنْد انعدامِهَا، فلا قِيَاسَ فيها، ولا تَوَسُّعَ في شأنِهَا، ولا ينبغي الاجتهادُ بالرأي، والاستنباطُ
بالهَوَىُ فيها؛ لأنَّ أمْرَ تَشْرِيعِ أحكامِهَا توقيفيٍّ من قِبَلِ الله وحدَهُ لا شَرِيكَ له.
وقد وردَتِ النصوصُ الشرعيَّةُ تفصِّلُ هذه الأحكام، وتبيِّنها، وتوضِّحها؛ ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي
الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
ولم يتركِ الله - تعالى - أمراً صغيراً أو كبيراً مِنْ أمور الناسِ وعاداتِهِمْ إلاَّ ووضع له
الجوابَ الكافِي الشَّافِيَ، وبيِّنَهُ بالقواعدِ والضَّوَابِطِ الَّتي تحدِّده.
وقد أوضَحَ لَنَا الاستقراءُ المتأنّي للنّصوصِ الشَّرْعِيَّة؛ أنَّها مبنيَّةٌ على الأمْرِ، فالطهارةُ
- مثلاً - تعدَّتْ غَسْلَ الأعضاءِ الأربَعَةِ في الوضوء إلى غَسْلِ الجَسَد كلِّه في الغسْلِ، والتيُّمم
بالتراب مع أنه مُلَوَّثْ إلاَّ أنَّه طهارةٌ كما نَصَّ على ذلك الشارِعُ، والصَّلاة مخصوصٌ بأقْوالٍ
وأفعالٍ وهيئاتٍ معيَّنة، لا تجوزُ بغيرها.
والعَقْلُ معزُولٌ عن فَهْم كلِّ أسْرارِ هذه الأحكام، والتعبُّد بها هو الانقيادُ لله وحدَهُ،
والخُضُوعُ لأمْرِهِ كما حَدَّه الله سبحانَهُ وتعالَّى.
ولو أرادَ الله أنْ يكُونَ أمْرُ العبادةِ قائماً بما حَدَّدَهُ، وبما لم يحدِّده، لسَلَك فيها ما سَلَكَهُ
في غِيْرِهَا مِنْ نَصْب الأدلّة؛ كما دلَّنا حديث معاذِ بْنِ جَبَل - رضي الله عنه - في اعتبارِ الاجتهادِ
بالرأي عند عدم النصِ، لكنه - سبحانه - لم يأُذَنْ لَنا بالاجتهادِ في أمْرِ العباداتِ إلاّ في بعض
المسائلِ القَلِيلَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ بنص خاصٍّ.
والأحكامُ المشروعةُ في العباداتِ إذا وُجِدَ فيها معنَى مناسبٌ، فهو معدودٌ من باب ما لا
نظيرَ له؛ فلا يُقَاسُ عليه؛ إذْ هو معدولٌ به عن سنن القياسِ، والعمدةُ في القِيَاسِ هو المعنَى
المَعْقُولُ الَّذِي يجوزُ به القياسُ، وما لا نَظِيرَ له لا يتعدَّى محَلَّهُ.
فمثلاً: قَصْرُ الرباعيَّة وإباحةُ الإفطارِ في رمضانَ للمُسَافِرِ بعلَّةِ السَّفَرِ لمعنًى فيه هو
المَشَقَّةُ، فلا يقاسُ على السَّفَرِ أيُّ عملِ تكونُ فيه مشَقَّةٌ، بل تقتصر الرخْصَةُ على موردِ الشَّرْعِ،
وهو السَّفَرُ، ولا أثر للسَّفَر في غير الصلاة والصوم.
ومما ينبغي أنْ يلاحَظَ أنَّه في غير أزْمِنَةِ الشَّرائع، أي: في زمن الفتراتِ لَمْ يَهْتَدِ العقلاءُ
إِلَى شيءٍ من العباداتِ بعقولهم؛ كما حَصَلَ في بعْضِ المعاملاتِ والعُقُودِ؛ ولكنَّهم ضَلُّوا في
أمْرِ العَبَادَاتِ؛ لعدم وُجُودِ هُدَى الرسُلِ، فتراهُمْ غيَّروا عما عُهِدَ في الشرائعِ السالفَةِ، ولما

٣٧
مقدمة بدائع الصنائع
جاءَتِ الشريعةُ الإسلاميَّةُ، اقْتَضَى كونها خاتمةَ الرسالاتِ؛ أنْ تُبَيِّن العباداتِ الَّتي تُخْرِجُ البَشَر
عن الحيرة والضلالِ إلى الهُدَى والإيمانِ، وقرَّرت الشّريعةُ عُذْرَ السَّابِقِينَ في عَدَمِ اهتدائِهِمْ إلى
العبادَاتِ؛ حِيْثُ يقولُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِيْنَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
وقد أُثِرَ عن الإمَامِ مَالِكِ - رضي الله عنه - أنَّه كان يتشدَّدُ في أمر العباداتِ عَنْه في أمْر
العادَاتِ؛ حَيْثُ كان يتَوسَّع في الاستنباطِ؛ بناءً على قاعدةِ المَصَالِحِ المُرْسَلَةَ، وقاعِدَةِ
الاسْتِخْسَان :
فَهُوَ في العباداتِ قد تشدَّد فيها، والتَزَمَ صُورَهَا الشرعيَّة؛ فقال بلزوم افتتاحِ الصَّلاَةَ
بالتكْبِير، ولَمْ يُجَوِّزْ أن يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَه، لو كان مفيداً للتعظيم؛ كما منع دَفْعَ الزّكاة بالقيمة .
وقد قال الغزاليُّ في ((الْإِحَياءِ): ((وَلَعَلَّ بعضَ من لم يُذْرِكِ غَرَضَ الشافعيِّ - رضي الله
عنه - تساهَلَ في ذلِكَ، ويُلاحِظُ أنَّ المقصود من الزكاةِ هُوَ سَدُّ خلَّةِ الفَقِير)).
قال الغزاليُّ: وما أبعْدَهُ عن التَّخصِيلِ؛ فإن سَدَّ الخَلَّة مقصودٌ، ولكنْ لَيْسَ هو كلُّ
المقْصُود، بل واجباتُ الشَّرْعِ ثلاثةُ أقْسَامٍ:
١ - قَسْمْ هُوَ تعبُّدٌ محض لا مَذْخَلَ للحُظُوظِ والأغراض فيه، وذلك كَرَمْي الجمراتِ
مثلاً؛ إذْ لاَ حظَّ للجَمْرَةِ في وُصُول الحَصَى إليها؛ فمقصودُ الشارعِ الابتلاءُ بالعَمَلِ؛ لِيُظْهِرَ
العَبْدُ رِقَّهُ وعبوديتَهُ بفعْلِ ما لا يَعْقِلُ له معنًى؛ لأنَّ ما يَعْقِلُ معناةً قَدْ يُسَاعِدُ الطَّبَعُ عليه،
ويدعُوهُ إِلَيْهِ، فلا يظْهَر بهَ خلوصُ الرِّقُّة والعبوديَّة؛ إذِ العبودية تَظْهَرُ بأنْ تكونَ الحركةُ لِحَقِّ أمْرٍ
المعْبُودِ فقَطْ لا لِمَعْنَى آخر، وأكثر الأعمال في الحج كذلك؛ ولذلكَ قال ◌ََّ في إخرامِه
بالحجِّ: ((لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ حَقًّا، تَعَبُّداً وَرِقًّا» مُنَبِهَا عَلى أن ذلك إظهارٌ للعبوديَّة بالانقيادِ للأمْرِ
المجرَّد وامتثاله كما أمَرَ من غير استئناس العَقْل بما يميلُ إلَيْهِ ويحثُ عليه.
٢ - ومن واجباتِ الشرع ما المقصودُ منْهُ حظّ معقولٌ، وَلَيْسَ يقصد منه التعبُّد، كَقضاء
دَيْنِ الآدميِّين، وردّ المغْصُوب، فلا يعتبرُ فيه فعلُهُ، ونيَّتُهُ، ومهْمَا وصل الحقُّ إلى صاحبه
بَعَيْنِهِ، أو بَبَدَلِهِ برضَاهُ تأدَّى الوجوبُ، وسَقَطَ خطابُ الشارع.
٣ - ما هو مركَّبٌ يقُصْدُ منه الأمران، حظُّ العبادِ، وامتحانُ المطلَّق بالاستعباد، فيجتمعُ
فيه تعبُد رمي الجمارِ، وحظُّ الحقوق، فإنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِه، وَجَبَ الجَمْعُ بَيْنِ الأمرَيْن، ولا
ينسى أدقّ المعنيين، وهو التعبُّد.
قال: الزكاةُ من جِهَة التعبُّدِ صارَتْ قرينةَ الصَّلاة والحجِّ، فكانَتْ من مباني الإسْلامِ، ومن
تفاصِيلِهَا الشرعيَّة يظهر التعبُّد واضِحاً فيها.
ويقولُ الغَزَالِيُّ أيضاً في فَهِمْ أصْل الحَجِّ والعباداتِ على العُمُومِ:
((اعلَمْ أَنَّه لا وُصُولَ إلى الله - سبحانه وتعالى - إلاَّ بالتنزُّه عن الشهوات، والكَفِّ عن

٣٨
مقدمة بدائع الصنائع
اللَّذَّاتِ؛ والاقتصار على الضَّرُوراتِ فيها، والتجرَّد لله سبحانه وتعالى في جميع الحركاتِ
والسَّكَناتِ؛ ولأجل هذا انْفَرَد الرهبانِيُّونَ في المِلل السَّابِقَةِ عن الخَلْقِ، وانْحَازُوا إلى قُلِّل
الجِبَال وآثرُوا التوخُّشَ عن الخَلْقِ بِطَلَب الأَنْسِ بالله عزَّ وجلَّ، فتركُوا الله عَزَّ وجلَّ اللَّذَّاتِ
الحاضرة، وألزمُوا أنفسَهُمْ بالمجاهَدَاتِ الشَّاقَّة طَمعاً في الآخِرَة، وأثْنَى الله عزَّ وجلَّ عليهم في
كتابه، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] فلما اندرسَ
ذَلِكَ، وأقبل الخَلْقُ على اتّباع الشهواتِ، وَهَجَرُوا التجرَّد لعبادة الله عزَّ وجلَّ، وفتَرُوا عنه،
بَعَثَ الله عَزَّ وجَلَّ نبيَّه محمداً وَّوَ الإِحْيَاءِ طريقِ الآخِرَةِ، وتَجْدِيد سُنَّةِ المرسلِينَ في سلوكها،
فسأَلَهُ أَهْلُ المَلِكِ عن الرهبانيَّة والسِّيَاحَةِ فِي دِينِهِ، فقال: ((أَبْدَلَنَا اللهُ بِهِمَا الْجِهَادَ وَالتَّكْبِيرَ عَلَى
كُلِّ شَرَفٍ)).
فأنعم الله على هذه الأمَّةِ بأن جعل الحَجَّ رهبانيَّةً لهم يَقصْدُهُ الزُّوَّار مِنْ كُلِّ فَجِّ عميق،
ومِنْ كُلِّ أَوبٍ سحيقِ شُغْئاً غُبْراً متواضِعِينَ كَرَبُ البَيْتِ وَمُستَكِينِينَ لَّهُ خُضُوعاً لِجلالِهِ واسْتكانةً
لعزَّته مع الاعتراف بتنزيهه عَنْ أنْ يَخْوِيَهُ بَيْنٌ، أو يَكْتَنِفَهُ بَلَدٌ؛ ليكون ذلك أبلغَ فِي رِقِهِمْ
وَعُبُودِيَّتِهِمْ، وأتمَّ في إذعانِهِمْ وانْقِيَادِهِمْ، ولذلك وَظَّف عليهم فِيها أَعْمَالاً لا تَأَنَسُ بها
النّفْوسُ، ولا تهتَدِي إلى معانيها العُقُول كَرَمْي الجِمَارِ بالأحْجَارِ والتردُّد بين الصَّفا والمَرْوَة عَلَى
سَبِيلِ التَّكْرَار، وبمثلِ هذه الأعمالِ يَظْهَرُ كمالُ الرِّقْ والعبودية .
أَمَّا تردُّداتُ السغي ورمي الجمارِ، فلا حَظَّ للنُّفُوسِ ولا أُنْسَ للطّبْع فيها، ولا اهتداءَ
للعَقْلِ إلى معانيها، فلا يكونُ في الإِقْدَام عليها باعثٌ إلاَّ الأَمْرُ المجرَّد وقَصْدُ الامْتِثَال للأمْرِ مِنْ
حَيْثُ إنه أمْرٌ واجبُ الاتِّباعِ فَقَطْ، وفيهَ عَزْلٌ للعَقْلِ عن تصرُّفه، وصَرْفُ النَّفْسِ والطَّبْعَ عن
محلٌ أُنْسِهِ؛ فإنَّ كلَّ ما أدرَك العقْلُ معناه مَال الطبْعُ إلَيْهِ مَيْلاً مَّا، فيكونُ ذلك المَيْلُ باعثاً على
الفعْلِ، فلا يكادُ يَظْهَرُ به كمالُ الرِّقْ والانقياد.
وإِذا أَنْقَضَتْ حِكْمَةُ الله - تعالى - ربْطَ نجاة الخَلقِ بأنْ تكُون أعمالُهُمْ عَلَى خلافِ هَوَىُ
طباعِهِمْ، وأن يكُونَ زمامُها بيدِ الشَّرْع، فيتردَّدون في أعمالِهِم عَلَى سَنَنِ الانقياد، وعلى مقتضى
الاسْتِعْباد، وكان ما لا يُهْتَدَى إِلَى مَعَانيه أبْلَغَ أنْواعِ التعبُّدات في تزكية النفوسِ، وصَرْفها عَنْ
مقتضى الطّباعِ والأخلاقِ إلَى مقتضى الاسْتِرْقَاق.
ولقد عُنِيَ العلماءُ المسلِمُونَ عَلَى مَرِّ التاريخ ببيانِ العبادَاتِ من الصَّدْرِ الأولِ، وإِلْفاتِ
النَّظر إلى قدسيتها واحترامِهَا، وصَونها عنِ النَّظر العقْلي؛ سدًّا للذرائع، وتحديداً لِمَجَالِ العَقْل
مَعَ سلْطَان التشريع، ولَطَالمَا امتنعِ الرَّسُولُ - عليه الصلاة والسلام - عَن التوغُّل مع أصحابه في
التعبّد خَوْفاً مِنْ أنْ يقرض عَلَيْهِم، ولقَدْ كَانَ من أصحابه - وََّــ قَوْمٌ يَبْغُون الاستزادَةَ في
التعبُّد، وَالمُبَالَغَةِ في التنسُّك، لكنَّهِ وَّــ حثَّهُمْ على التخْفِيفِ، ولم يَرْضَ لهم الإسراف
ونهاهُم عن السُّؤالِ عمَّا لم يُفْرَضْ؛ خَشْيَةً أن يكُونَ سَبِباً للتَّشْريع.

٣٩
مقدمة بدائع الصنائع
يُرْوَىُ أنَّه سُئِلَ الحَجِ في كُلِّ عام؟ فَقَالَ: ((لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَت(١) ذَرُوني مَا
تَرَكْتُكُمْ)). ولقد سار علَىَ هديه أصحابُّهُ - رضوان الله عليهم - فأخْسَنُوا إلى هذه الأمَّة،
بالتزامهم ما رسَمَه لهم رسولُ الله - ◌ََّ ـ، والوُقُوف عِنْدَ مَا حَدَّ وفَرَضَ لَهُمْ وها هي أمثلةٌ
على ذلك :
يُزْوَى أن حذيفة - رَضِيَ الله عنه - قَالَ: ((كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدَهَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - رَلهُ -
فَلاَ تَعَبَّدوهَا؛ فإنَّ الأوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلْآخِرِ مَقَالاً، فَأَتَّقُوا الله يَا مَعْشَرَ القُرَّاءِ، وَخُذُوا بِطَرِيقٍ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ)).
وَيُرْوَىُ أنَّ السَّيدَةَ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - سُئِلَتْ: لِمَاذَا تَقْضَيَ الحَائِضُ الصوْمَ دُونَ
الصَّلاة؟ فَأَجَابَتْ: بقَوْلِها: أَحَرُوريَّةٌ أنْتِ؟ كُنَّا نُؤْمِرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلاَ نُؤْمَر بِقَضَاءِ الصَّلاةِ(٢).
وإِجَابَةُ السيِّدة عائِشَةَ عَلَى سُؤَالِ السَّائِلَةَ إِنْكَارٌ عَلَيْهَا أَنْ سَأَلَ مِثْلَّ هَذا السؤالِ؛ لأنَّ العباداتِ لا
تحكِمَ لْعَقْلِ فيها، ولَمْ يوضَعْ التعبّد بأنْ تفهم عِلَّتُهُ الخَّصةُ، وهذا الجوابُ يرجّح معنى التعبُّدِ
بالأمرِ النبويُّ في هذه المسألة، على التعْلِيلِ بالمشَقَّة، يعني أنَّ العِلَّة في هذا هِيَ الأمْرُ، وليس
لأنَّ قَضاء الصَّلاة يَأْثَرمُ منه المَشَقَّة على المَرْأة حَيْثُ إنَّها تتكرَّر في اليوم خَمْسَ مَرَّاتٍ، فتكثُرُ
أَعْدَادُها المتروكَةُ زمانَ الحَيْض، فقضاءُ هذه الصَّلَواتِ المتروكةِ فيه مَشَقَّةٌ عليها بعد الظُّهْرِ، ولو
كان هُو المَلْحُوظَ في القَضَاء، لأَجَابَتْ به السيِّدَةُ عَائَشَةَ السَّائِلَةَ؛ لكنَّها لَمْ تَذْكُرُهُ في الجوابِ،
بل أنكرَتْ عَلَيْها السؤالَ بِقَوْلِها: أَحَرُوريَّةٌ أَنْتِ؟ فَأَرْجَعَتْ بهذا الإنكارِ الأمْرَ كلِّهِ إلى الشارعِ
بِقَوْلِهَا: ((كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْم وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ)).
وخلاصةُ الأمْرِ في أحكام العباداتِ أنَّ علَّتها المطْلُوبة هي مجرَّد الانقياد لله وحدَهُ، من
(١) أخرجه مسلم (١٠٢/٤) والنسائي (٢/٢) وأحمد (٤٤٧/٢) والبيهقي (١٧٨/٥) والحاكم (١/ ٤٧٠)
والدار قطني (٢٧٩/٢) والخطيب (٦٥/١٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٢/٦)، والدارمي (٢٣٣/١): كتاب الطهارة: باب في الحائض تقضي الصوم ولا تقضي
الصلاة، والبخاري (٤٢١/١): كتاب الحيض: باب لا تقضي الحائض الصلاة، الحديث (٣٢١)، ومسلم
(٢٦٥/١): كتاب الحيض: باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، الحديث (٣٣٥/٦٩)،
وأبو داود (١/ ١٨٠): كتاب الطهارة: باب في الحائض لا تقضي الصلاة، الحديث (٢٦٣)، والترمذي (١/
٢٣٤ - ٢٣٥): كتاب الطهارة: باب ما جاء في الحائض أنها لا تقضي الصلاة، الحديث (١٣٠)، والنسائي
(١٩١/١): كتاب الحيض: باب سقوط الصلاة عن الحائض (٢٣٥)، وابن ماجة (٢٠٧/١): كتاب
الطهارة: باب الحائض لا تقضي الصلاة، الحديث (٦٣١)، وأبو عوانة (٣٢٤/١)، وأحمد (٢٣١/٦ -
٢٣٢)، والدارمي (٢٣٣/١) والطيالسي (١٥٧٠) وابن الجارود ((المنتقى)) ص (٣٦) رقم (١٠١) والبيهقي
(٣٠٨/١) من طرق، عن معاذة قالت: ((سألت عائشة فقلت ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي
الصلاة، فقالت: كان يصيبنا مع رسول الله (َ ﴿ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) وقال الترمذي
هذا حديث حسن صحيح.

٤٠
مقدمة بدائع الصنائع
غَيْرِ زيَادَةٍ ولا تغْيِيرٍ، ولا تعليلِ؛ مِثْلُ الْعباداتِ المقدَّرات، كما سبق، وسائِرِ ما عُدِلَ بهِ عَنْ
سُنَن القياسِي؛ كما أنَّ الشارعَ الحَكَيم قَدْ ضَبَطَ بِذَلِكَ وجُوهَ المَصَالِحِ، ولم يَتْرُكِ المكلَّفِينَ
هَكَذَا لِلنَّظَرِ بُدُونِ تخْدِيدٍ خَوْفِ الزَّلَ، فكان ضَبْطُهُ أَقْرَبَ إلى الامْتِثَالِ والانْقِيادِ، وعَلَيْهِ فقد
جاءَتِ الحُدُودُ الَّتي شَرَعَها الله مقَدَّرةً بمقاديرَ محْدُودَةٍ، لأسْباب معلومة لا تُتَعَدَّى.
فمثلاً قد جعل في القذْفِ ثمانين جلدةً، وجعل في الزِّنا بلا إحْصانٍ مائةً جلْدَةٍ وتقريبَ
عام، وجعل في السَّرِّقةِ قَطْعَ اليد، وحدَّدَهُ بالكُوعِ.
لكنَّ هناك أموراً لا تنْضَبِطُ؛ فهي لا تَظْهَرَ ولا تَتَّضِحُ، إلا في سرائر العِبَادِ، ومِثْلُ هذه
الأمور قد تركَّهَا الشَّارع لأمانة العبَادِ؛ كنَفسِ الحَيْضِ، وذاتِ الطَّهْر، فخفاءُ مثل هذه الأمورِ،
يجْعَلُ الرُّجُوعَ إِلَى أصْلِ معيَّنٍ لها متعذِّراً،َ فوكَلَهَاَ الشَّارِعُ إِلى النَّاسِ، تُعْلَمُ من ضمائرهم،
وهُمْ فيها مسؤولُونَ بِيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الله تعالَى، وفي مثلها تأتِي الأحكامُ بوصفَ كونها ديانةً،
فالاستسْلاَمُ والانقيادُ لله وحدَهُ ظاهران في العباداتِ، ولا يتوقَّف أحدُهُما على معرفَةِ مصْلَحَةٍ
مَّا، شُرِعَ الحُكْمُ لأجلها، فعندما يأْمُرُ الله، فما على العَبْدِ إلا أنْ تَمْثِيلَ، ولا يَنْبَغِي أن يتخلّفَ
أمْرٌ أو نَهَي شرعها الله عن ذمَّة العَبْد؛ حتى يؤدِّيَهُ.
العَادَاتُ والمُعَامَلاَتُ
لقد وَضَع الله - سبحانه وتعالى - الشَّرائعَ السَّماويَّةِ لينظمَ بأخْكَامِها الطريقَ السَّوِيَّ لعبادِهِ،
لِينَالُوا مَرْضَاتَهُ وَغُفْرَانَهُ، ومن هذه العباداتِ ما ينظُم العلاقةَ الخاصَّة بَيْنِ العَبْد وربِّه، لَكِي يَعْرِفَ
الإنْسانُ الله سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، وهناك أحكامُ المعامَلاَتِ التي شرَعَهَا الله لِبَيَانِ السُّلُوك والعَادَات،
وتنظيم العَلاَقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمُ البَعْض، وهذه الأمورُ قدْ عَلِمَ الله - تَعَالَى - أنَّ لأحْدَاثٍ
الحياة فيها شَأْناً، وللتغييراتِ الكونِيَّةِ مَدْخَلاً، ولرِقِيَّ العَقْلِ البشريّ في تحصيلها تَأْثِيراً؛ وعَلَيْه
فقد بَيِّنَ الله تشْرِيعَها بالنُصُوصِ بِظَوَاهِرِها، وضَبَطَ معانِيهَا بالقواعِدِ العامَّة، والمبادىء الْكُلِّيَّة
الَّتِي بَيَّنَتْ مقاصِدَ الشَّارعِ، وأسْرَارَ التَّشْرِيعِ الإسْلاَمِيِّ؛ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ؛ ولذلك فإنَّنا نرى
النُّصُوصَ جمعتْ شَتَاتَ المَسَائِلِ، وَتَرَكَّتِ التفاصيل والتفاريعَ، الَّتي تتجدَّد في البيئات
والعُصُور، وذلك لاجتهادِ الفُقَهَاءِ واستنباطِهِمْ، وطلبت مَنْ المُجْتَهِدِينَ الاعتبَارَ، وَرَدَّ الأُمُور
إِلَى نظائرها؛ وَبِهَذَا فإن الشريعة تَهْدِي العُقُولَ إلَى إذْرَاكِ المَقْصُودِ، بِمَا أَوْدَعَتْهُ في نصوصٍ
التَّشْرِيعِ من أنواع البَيَان الظَّاهر؛ فأفْسَحَتْ بذلك مَجَالَ الاجتهاد.
وَاسْتَنْبَطَ العلماءُ الأحْكَامَ من العباراتِ، وطبَّقُوا كلِّيَّاتها، وهذا ما عَبَّرُوا عنْه بِقَوْلِهِمْ:
الأصْلُ في العَادَاتِ أَعْتِبَارُ المَعَانِي، وهم يَعْنُونَ بذلك؛ أنَّه إذا ورد حكْمٌ شرعِيٍّ لفعْلِ مَّا من
أفعال العبادِ، وفُهِمَ مِنْ هذا الحُكْم أنَّه له عِلَّةً، عَلى معنَى مَّا، فإنَّ هذه العلَّةَ تَكُونٌ ضابطاً
لثبوتِ الحُكْم أو انتفائِهِ، وعليه فيجوزُ قياسُ أمْر مَسْكُوتٍ عنه عَلَى أمْرٍ منصوصٍ عَلَيْهِ، وينبغي
أن نلاحظ عدَّةَ أمورٍ :