النص المفهرس
صفحات 161-180
ولاية ٥٤ وأما ذو الغفلة: فهو من لا يهتدي إلى التصرفات الموفقة أو الرابحة، فيغبن في البيع والشراء لسلامة قلبه، فهو لا يتبع هواه، ولا يقصد الفساد كالسفيه. وحكمه من حيث الحجر عليه حكم السفيه، وقد جاء في المادة ٩٤٦ من المجلة العدلية: والذين لا يزالون يغفلون في أخذهم وعطائهم، ولم يعرفوا طريق تجارتهم وتمتعهم بحسب بلاهتهم وخلو قلوبهم يعدون من السفهاء. (ر: غفلة ف٤ وما بعدها، حجر ف ١٥) من له الولاية على مال المحجور عليهم: ٥٤- اختلف الفقهاء فيمن له الولاية على مال المحجور عليهم : فذهب الحنفية إلى أن أولى الأولياء الأب، ثم وصيه، ثم وصي وصیه، ثم الجد، ثم وصيه، ثم وصي وصيه، ثم القاضي، ثم من نصبه القاضي وهو وصي القاضي، وإنما تثبت الولاية على هذا الترتيب، لأن الولاية على الصغار باعتبار النظر لهم لعجزهم عن التصرف بأنفسهم والنظر على هذا الترتيب، لأن ذلك مبني على الشفقة، وشفقة الأب فوق شفقة الكل، وشفقة وصيه فوق شفقة الجد، لأنه مرضي الأب ومختاره فكان خلف الأب في الشفقة، وخلف الشيء قائم مقامه كأنه هو، وشفقة الجد فوق شفقة القاضي، لأن شفقته تنشأ عن القرابة، والقاضي أجنبي، ولا شك أن شفقة القريب على قريبه فوق شفقة الأجنبي، وكذا شفقة وصيه لأنه مرضي الجد وخلفه، فكان شفقته مثل شفقته، وإذا كان ما جعل له الولاية على هذا الترتيب كانت الولاية على هذا الترتيب ضرورة، لأن ترتيب الحكم على حسب ترتيب العلة. وليس لمن سوى هؤلاء من الأم والأخ والعم وغيرهم ولاية التصرف على مال الصغير، لأن الأخ والعم قاصرا الشفقة، وفي التصرفات تجري جنايات لا يهتم لها إلا ذو الشفقة الوافرة، والأم وإن كانت لها وفور الشفقة لكن ليس لها كمال الرأي لقصور عقل النساء عادة، فلا تثبت لهن ولاية التصرف في المال، ولا لوصيهن لأن الوصي خلف الموصي قائم مقامه، فلا يثبت له إلا قدر ما كان للموصي، وهو قضاء الدين والحفظ لكن عند عدم هؤلاء(١). وقال المالكية: هي للأب ثم وصيه ثم وصي الوصي وإن بعد، ثم للحاكم أو وصیه، ولا ولا یة للجد ولا للأخ ولا للعم إلا بإیصاء من الأب(٢). (١) بدائع الصنائع ١٥٥/٥. (٢) المنتقى للباجي ١٠٦/٦، ١٠٧، والشرح الصغير ٣٨٩/٢-٣٩١. -١٦١- ولاية ٥٥ -٥٦ وعند الشافعية: الولاية للأب، ثم للجد، ثم لمن يوصي إليه المتأخر منهما، ثم للقاضي أو أمينه لخبر: ((السلطان ولي من ولا ولي له))(١)، ولا تلي الأم في الأصح كولاية النكاح، ومقابل الأصح تلي بعد الأب والجد وتقدم على وصيهما لکمال شفقتها ، ولا ولا یة لسائر العصبات کالأخ والعم. وإذا فقد الأولياء تصرف صلحاء بلد المحجور في ماله كالقاضي (٢). وقال الحنابلة: والولاية تكون للأب لكمال شفقته، ثم لوصیه لأنه نائب الأب أشبه و کیله في الحياة، ثم بعد الأب ووصيه فالولاية للحاكم لانقطاع الولاية من جهة الأب، فتكون للحاكم كولاية النكاح، لأنه ولي من لا ولي له، فإِنْ عُدِمَ حاكمٌ أهلٌ فأمينٌ يقوم مقام الحاكم. ولا ولاية للجد والأم وباقي العصبات(٣). ما يجوز للولي من التصرفات وما لا يجوز: ٥٥- لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يجوز (١) حديث: ((السلطان ولي من لا ولي له)) تقدم تخريجه فقرة (٤٦). (٢) مغني المحتاج ١٧٣/٢، وتحفة المحتاج ١٧٩/٥، وكفاية الأخيار ١٦٦/١. (٣) شرح منتهى الإرادات ٢٩١/٢، وكشاف القناع ٣٣٤/٣. للولي أن يتصرف في مال المحجور إلا على النظر والاحتياط، وبما فيه حظ له واغتباط (١) لحديث: ((لا ضرر ولا ضرار))(٢). وقد فرعوا على ذلك: ٥٦- إن ما لاحظ للمحجور فيه كالهبة بغير العوض والوصية والصدقة والعتق والمحاباة في المعاوضة لا يملكه الولي، ويلزمه ضمان ما تبرع به من هبة أو صدقة أو عتق أو حابى به أو ما زاد في النفقة على المعروف أو دفعه لغير أمين، لأنه إزالة ملكه من غير عوض فكان ضرراً محضاً (٣). أما الهبة بعوض فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه ليس له أن يهب بها، لأنها هبة ابتداء، بدليل أن الملك فيها يقف على القبض، وإنما تصير معاوضة في الانتهاء وهو لا يملك فلم تنعقد هبته. (١) المهذب ٣٣٥/١، والقوانين الفقهية ص٣٢٧، والمبدع ٣٣٧/٤، وانظر م (١٤٧٩) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد، والبدائع ١٥٣/٥. (٢) حدیث: ((لا ضرر ولا ضرار)) أخرجه مالك في الموطأ (٧٤٥/٢ - ط الحلبي) من حديث يحيى المازني مرسلاً، وذكر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص٢٨٦-٢٨٧) شواهد یتقوى بها، وحسنه النووي. (٣) المهذب ٣٣٥/١، وشرح المنتهى ٢٩٢/٢،= = والقوانين الفقهية ص٣٢٦، وجامع أحكام الصغار ٣٠٥/٢، ومغني المحتاج ٢/ ١٧٤. -١٦٢- ... ولاية ٥٧-٥٨ وعند الحنابلة ومحمد بن الحسن له أن يهب بعوض، لأنها معاوضة المال بالمال فكانت في معنى البيع(١). ٥٧- للولي مطلقاً الاتجار بمال المحجور، وله دفعه لغيره مضاربة بجزء شائع من ربحه، وكذا بيعه نسيئةً لمصلحته، وإيداعه عند أمين ثقة عند قيام الحاجة إلى ذلك. وله شراء عقار له بمثل القيمة أو بأقل لاستغلاله بما فيه مصلحته، كما أن له بيع عقاره ومنقوله وإجارته للغير بثمن المثل أو بما فيه حظ للمولى علیه، وله أن یو کل الغير بذلك(٢). ٥٨- أما إقراض ماله، فقد اختلف الفقهاء فيه : فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه ليس للولي إقراضه للغير ولا اقتراضه لنفسه. قال الحنفية: ليس له أن يقرض ماله، لأن القرض إزالة الملك من غير عوض للحال، بخلاف القاضي فإنه یقرض مال اليتيم. ووجه الفرق: أن الإقراض من القاضي من باب حفظ الدين، لأن توى الدين بالإفلاس أو بالإنكار، والظاهر أن القاضي يختار أملى الناس وأوثقهم، وله ولاية التفحص عن أحوالهم، (١) البدائع ١٥٣/٥، وشرح منتهى الإرادات ٢٩٣/٢. (٢) شرح متنهى الإرادات ٢٩٢/٢، والمهذب ٣٣٥/١، والقوانين الفقهية ص٣٢٦، ٣٢٧، وجامع أحكام الصغار ٣٠٧/٢، والمنتقى للباجي ١١١/٢. فيختار من لا يتحقق إفلاسه ظاهراً أو غالباً، وكذا القاضي يقضي بعلمه فلا يتحقق التوى بالإنكار، وليس لغير القاضي هذه الولاية، فبقي الإقراض من الولي إزالة الملك من غير أن يقابله عوض للحال، فكان ضرراً فلا يملكه(١). وقال الشافعية: ليس له إقراض ماله من غیر حاجة، فإن خاف من نهب أو حريق أو غرق، أو أراد سفراً وخاف عليه، جاز له إقراضه من ثقة مليء، لأن غير الثقة يجحد، وغير المليء لا يمكن أخذ البدل منه. فإن أقرض ورای أخذ الرهن علیه أخذ، وإن رأى ترك الرهن لم يأخذ. وإن قدر على الإيداع والإقراض فالإقراض أولى، لأن القرض مضمون بالبدل، والوديعة غير مضمونة، فكان القرض أحوط. وقالوا : أما الحاكم فيجوز له إقراضه من غير ضرورة - خلافاً للسبكي - بشرط يسار المقترض وأمانته وعدم الشبهة في ماله إن سلم منها مال المحجور، والإشهاد عليه ويأخذ رهناً إن رأی ذلك(٢). (١) بدائع الصنائع ١٥٣/٥، ١٥٤، وجامع أحكام الصغار ١٠٤/٤، وم (٨٠١) من مرشد الحيران، ورد المحتار ٣٤٠/٤، والمنتقى للباجي ١١١/٢. (٢) المهذب ٣٣٦/١، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٢١٩/٤، وتحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ٤١/٥. -١٦٣- ولاية ٥٩ - ٦٠ وقال الحنابلة: يجوز له قرضہ ولو بلا رهن لمصلحة، بأن أقرضه لمليء يأمن جحوده، خوفاً على المال لسفر ونحوه. والأولى أن يأخذ به كفيلاً أو رهناً إن أمكنه احتياطاً(١). ٥٩- كذلك للولي أن يطالب بحقوق المولى عليه، فيدعي بها ويقيم البينات، ويحلِّفَ الخصمَ إن أنكرها، ويصالح بدفع بعض ما على المحجور من دين أوعين إذا كانت به بينة، ويقبض بعض ما للمحجور إن لم تكن به بينة(٢). ٦٠ - أما شراء الولي مال المحجور لنفسه أو بيع ماله له، فقد اختلف الفقهاء فيه. فذهب المالكية إلى أنه يجوز للأب أن يشتري من نفسه لا بنه الصغير، وأن يشتري لنفسه من ماله إن كان ذلك نظراً للولد (٣). وقال الشافعية: للأب والجد فقط بيع مال الصغير لنفسه وبيع ماله للصغير، لأنهما لا يتهمان في ذلك لكمال شفقتهما، وإن كان غيرهما لم يجز، لأنه متهم في طلب الحظ له في بيع ماله من نفسه، فلم يجعل ذلك إليه (٤). (١) شرح منتهى الإرادات ٢٩٣/٢. (٢) شرح منتهى الإرادات ٢٩٣/٢، ٢٩٦. (٣) القوانين الفقهية ص٣٢٦. (٤) المهذب ٣٣٧/١، والأشباه والنظائر لابن السبكي ١/ ٢٥٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٨١، وقواعد الأحكام للعز ١/ ٦٧. وقال الحنابلة وزفر من الحنفية: لا يصح أن يبيع ولي المحجور من مال المحجور لنفسه أو يشتري من ماله لنفسه لأنه مظنة التهمة، إلا الأب فإن له ذلك، ويلي طرفي العقد، لأنه يلي بنفسه، والتهمة منتفية بين الوالد وولده، إذ من طبعه الشفقة عليه والميل إليه، وترك حظ نفسه لحظه، بخلاف غيره(١). وقال الحنفية: للأب شراء مال ولده لنفسه وبيع ماله لولده بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس بمثله، فإن اشترى مال ولده فلا يبرأ عن الثمن حتى ينصب القاضي لولده وصياً يأخذ الثمن من أبيه، ثم يرده عليه ليحفظه للصغير، دفعاً للتهمة عن الأب، وإن باع مال نفسه لولده، فلا يصير قابضاً له بمجرد البيع، بل لابد من التمكن من قبضه حقیقة، حتى لو هلك المبيع قبل التمكن من قبضه- بأن كان في بلد آخر فلم يحضر لتسلمه بالنيابة عن ولده- فإنه يهلك على الأب لا على الولد. ويجوز لوصي الأب أن يبيع مال نفسه للیتیم، وأن يشتري لنفسه مال اليتيم إن كان فيه خير له عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد لا يجوز. أما إذا لم يكن خيراً له، بأن لم يكن فيه نفع ظاهر، فلا يجوز باتفاق الحنفية. (١) شرح منتهى الإرادات ٢٩٢/٢، وبدائع الصنائع ١٣٦/٥. -١٦٤- ولاية ٦١ والخيرية في العقار: في الشراء التضعيف، وفي البيع التنصيف، وفي غير العقار أن يبيع ما يساوي خمسة عشر بعشرة من الصغير، ويشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر لنفسه من مال الصغير. ولا يجوز لوصي القاضي أن يشتري لنفسه شيئاً من مال اليتيم، ولا أن يبيع مال نفسه لليتيم مطلقاً (١). ٦١- أما أكل الولي من مال موليه، فقد اختلف الفقهاء فيه : فذهب الحنفية إلى أن للوصي إذا عمل أجرة مثل عمله إن كان محتاجاً استحساناً، وإلا فلا أجرة له. وقال بعض الحنفية: لا يجوز وهو القیاس. وقال المالكية: ليس له أن یأکل منه إذا كان غنياً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا ◌َلْيَسْتَعْفِفْ﴾(٢) أما إذا كان فقيراً فيجوز له أخذ كفايته منه لقوله سبحانه ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرَا فَلْيَأْكُلُ بِلْمَعْرُوفِ﴾ (٣). وقال الشافعية: لا يستحق الولي في مال محجوره نفقة ولا أجرة، فإن كان فقيراً وشغل (١) جامع أحكام الصغار ٢٦١/٢، ٢٦٢، ٢٦٧، ٣١١، وبدائع الصنائع ١٣٦/٥. (٢) سورة النساء/ ٦. (٣) سورة النساء/ ٦. بسببه عن الاكتساب أخذ أقل الأمرين من الأجرة والنفقة بالمعروف، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَغْفِفٌ وَمَن كَانَ فَقِيَا فَلْيَأْكُلُّ بِلْمَعْرُوفِ﴾(١). ولأنه تصرف في مال من لا تمکن موافقته، فجاز له الأخذ بغير إذنه كعامل الصدقات. وكالأكل غيره من بقية المؤن. وهذا كله في الولي غیر الحاکم، أما هو فلیس له ذلك، لعدم اختصاص ولايته بالمحجور عليه. وقال الحنابلة: للولي - غير الحاكم وأمينه- الأكل لحاجة من مال موليه: الأقل من أجرة مثله أو كفايته، أما مع عدم الحاجة فليس له، إلا إذا فرض الحاكم له شيئاً. أما الحاكم وأمينه فلا يأكلان شيئاً منه لاستغنائهما بما لهما في بيت المال. ومنع الجصاص من الحنفية الولي من الأكل من مال اليتيم مطلقاً لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ بَأْكُلُونَ أَقْوَلَ اَلْبَعَلَى كُلْمَا إِنَّمَا يَأْكُنَ فِي بُطُونِهِمْ قَارًا﴾(٢) وحمل الأكل بالمعروف الوارد في حق الفقير في الآية السابقة على أكله من مال نفسه بالمعروف لئلا يحتاج إلى مال (٣) اليتيم(٣). (١) سورة النساء/ ٦. (٢) سورة النساء/ ٩. (٣) المهذب ٣٣٧/١، ومغني المحتاج ١٧٦/٢،= -١٦٥- ولاية ٦٢ -٦٥ ٦٢- وقد اختلف الفقهاء المجيزون للولي الفقير الأكل من مال المحجور عليه، هل يلزمه رد بدل ما أكل عند يساره؟ فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في الأظهر إلى أنه لا يلزمه، لأنه عوض عن عمله، فلم يلزمه رد بدله مطلقاً، كالأجير والمضارب، وكالرزق الذي يأكله الإمام من بيت المال. وقال أبو العالية وعَبِيدة السلماني والشافعية في مقابل الأظهر: يضمن عوضه في ذمته، لأنه مال لغيره أجيز له أكله للحاجة، فوجب عليه ضمانه، كمن اضطر إلى مال غيره في مخمصة(١). ٦٣- وهل يجوز للولي قضاء دينه بمال المحجور؟ قال الحنفية : لو قضى الوصي دين نفسه بمال الیتیم لا يجوز، والأب لو فعل ذلك جاز، لأن الأب لو باع مال الصغير من نفسه بمثل القيمة جاز، والوصي لا يملك البيع من نفسه إلا أن ونهاية المحتاج ٧٨/٤، وشرح منتهى الإرادات ٢/ = ٢٩٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٣٢٥/١، ٣٢٦، وأحكام القرآن للجصاص ٣٦١/٢، وحاشية ابن عابدين ٤٥٥/٥-٤٥٦. (١) المراجع السابقة. يكون خيراً لليتيم(١). ٦٤- ولا خلاف بين الفقهاء في أن على الولي الإنفاق على موليه من ماله وعلى من تلزمه مؤنته بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير، لقوله تعالى: ﴿وَأَِّينَ إِنَّ أَنْفَقُوْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾(٢). وزاد الشافعية والحنابلة: إن قتر أثم، وإن أسرف أثم وضمن لتفريطه(٣). تنمية الولي مال اليتيم: ٦٥ - تعرض الفقهاء لحكم تثمير مال اليتيم وتنميته من قبل الولي على ماله، واختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وهو أن للولي أن يتجر في مال اليتيم وينميه له، لأن ذلك أصلح لليتيم، إذ لا فائدة في إبقاء أمواله بدون استثمار، أما أن يتسلفها ویتجر فیھا لنفسه فلا يجوز له ذلك، لأن الأصل في تصرفات الولي في مال اليتيم أنها (١) جامع أحكام الصغار ٢٧٤/٢، والقتاوى الخانية بهامش الهندية ٥٢١/٣. (٢) سورة الفرقان/ ٦٧. (٣) شرح منتهى الإرادات ٢٩٢/٢، والمهذب ١/ ٣٣٧، وجامع أحكام الصغار ١٤٧/٤، وكشاف القناع ٤٣٥/٣، ومغني المحتاج ١٧٦/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٣٢٤/١، وتفسير القرطبي ٤٠/٥. -١٦٦- ولاية ٦٥ مقیدة بمصلحته، وعلى محور هذا الأصل تدور جميع تصرفات الولي. قال مالك : لا بأس بالتجارة في أموال اليتامى لهم، إذا كان الولي مأموناً فلا أرى عليه ضماناً (١). وروي عن عمر بن الخطاب ﴾ قال: ابتغوا في أموال اليتامى، لا تأكلها الصدقة(٢). قال الباجي: فهذا إذن منه في إدارتها وتنميتها، وذلك أن الناظر لليتيم إنما يقوم مقام الأب له، فمن حكمه أن ينمي ماله ويثمره له، ولا يثمره لنفسه، لأنه حينئذ لا ينظر لليتيم وإنما ينظر لنفسه، فإن استطاع أن يعمل فيه لليتيم، وإلا فليدفعه إلى ثقة يعمل فيه(٣). وقال الحنفية: كما أن للوصي أن يتجر في مال الیتیم، فله أن يدفعه لغيره مضاربة، وله أن يعمل به مضاربة أيضاً بحصة شائعة من الربح، فإن جعل ماله مضاربةً عند نفسه، فينبغي عليه أن یشهد علی ذلك عند الا بتداء، فإن لم يشهد يحل (١) الموطأ ٢٥١/١، والمنتقى للباجي ١١١/٢، وجامع أحكام الصغار ٣٠٥/٢، ٩٥-٩٧، وشرح المنتهى ٢٩٢/٢. (٢) أثر عمر: ((ابتغوا في ... )) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٠٧- ط دائرة العثمانية)، وصحح إسناده. (٣) المنتقى ١١٠/٢. له الربح فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن القاضي لا يصدقه في ذلك. وكذا إذا شاركه ورأس ماله أقل من مال الصغير، فإن أشهد على ذلك يكون الربح بينهما على الشرط، وإن لم يشهد يحل له فيما بينه وبين الله تعالى، غير أن القاضي لا يصدقه، ويجعل الربح على قدر رأس مالهما(١). وقال الحنابلة: للولي مطلقاً الاتجار بمال المحجور عليه، وهو أولى من تركه، لما روى ابن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ويصلفي ((ألا من ولي يتيماً له مال فلیتجر فیه، ولا یتر که حتى تأكله الصدقة))(٢)، ولأنه أحظ له، ويكون للمولى عليه ربحه كله، لأنه نماء ماله، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يعقد الولي المضاربة لنفسه للتهمة. غير أن للولي دفع ماله إلى أمين يتجر به مضاربةً بجزء مشاع معلوم من ربحه، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها «كانت تعطي أموال اليتامى الذين في حجرها مَنْ يتجر لهم فيها))(٣)، ولنيابة الولي عن محجوره في كل ما فيه مصلحته، وهذا مصلحة له، لما فيه من استبقاء ماله، وحينئذ (١) المبسوط السرخسي ١٨/٢٢، ١٨٦، ١٨٧، وأحكام القرآن للجصاص ١٣/٢، ٣٦٢، وجامع أحكام الصغار ٩٦/٣-٩٧، وحاشية ابن عابدين ٤٥٥/٥. (٢) حديث: ((ألا من ولي يتيماً له مال ... )) أخرجه الترمذي (٢٤/٣ - ط الحلبي) ثم قال: في إسناده مقال. ثم ذكر تضعيف أحد رواته. (٣) أثر عائشة في الاتجار بأموال اليتامى، رواه مالك في الموطأ ٢٥١/١ بلاغاً. -١٦٧- ولاية ٦٦ -٦٧ ٠٠٠٠ فللعامل ما شورط عليه من الربح(١). وهناك وجه آخر عند الحنابلة وهو أنه يجوز للولي أن يأخذ مال اليتيم مضاربة لنفسه، لأنه جاز له أن يدفعه بذلك لغيره، فجاز له أخذه(٢). القول الثاني للشافعية في الأصح: وهو أنه يجب على الولي تنمية مال الصبي بقدر النفقة والزكاة وغيرها إن أمكن، ولا تلزمه المبالغة(٣). القول الثالث للجصاص وبعض الشافعية وابن تيمية: وهو أنه مندوب إليه وليس بواجب. واستدل الجصاص بقوله تعالى (٤). ﴿وَ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْبَتَّ قُلْ إِصْلٌَ لَمْ خَ قال رحمه الله: فدل على أنه ليس بواجب عليه التصرف في ماله بالتجارة، لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد. وقال ابن تيمية: ويستحب التجارة بمال اليتيم لقول عمر وغيره (اتجروا بأموال اليتامى، كيلا تأكلها الصدقة))(٥) (١) كشاف القناع ٤٣٧/٣، والمبدع ٣٣٨/٤، وشرح منتهى الإرادات ٢٩٢/٢. (٢) المبدع ٣٣٨/٤. (٣) فتاوى العز بن عبد السلام ص١٢٢. (٤) سورة البقرة/ ٢٢٠. (٥) أحكام القرآن للجصاص ١٣/٢، ١٤، وفتاوى السبكي ٣٢٦/١، ومعيد النعم ومبيد النقم لابن السبكي ص٦٤، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تیمیة ص١٣٨. النوع الثاني: الولاية على النفس: ٦٦- الولاية على النفس عند الفقهاء: سلطة على شؤون القاصر ونحوه المتعلقة بشخصه ونفسه، كالتزويج والتعليم والتطبيب والتشغيل ونحو ذلك، تقتضي تنفيذ القول عليه شاء أم أبى(١). وعلى ذلك قرر الفقهاء أن أسباب الولاية على النفس ثلاثة: الصغر، والجنون- ويلحق به العته - والأنوثة. السبب الأول: الصغر: محور الولاية على نفس الصغير يدور على أمرین : أحدهما : القيام على شؤونه بالتربية والتعليم والتأديب والتطبيب والتشغيل ونحو ذلك. ثانيهما : ولاية التزويج. الأمر الأول: ولاية التربية والتأديب: ٦٧- إن منشأ الولاية على تربية الصغار وتأديبهم- ذكوراً كانوا أو إناثاً - مسؤولية الأبوين عن القيام بأمرهم ورعاية حالهم (١) التعريفات للجرجاني ١٣٢، والتوقيف للمناوي ص٧٣٤، وأنيس الفقهاء للقونوي ١٤٨. -١٦٨- ولاية ٦٧ في شؤونهم الدنيوية والأخروية، لقوله تعالى ﴿بَأَيّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا قُوا أَنفُسُ وأَقِگُ نَارًا﴾(١)، وقوله وَل: ((إن لولدك عليك حقاً)(٢). وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... والرجلُ راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم»(٣). قال النووي: إن على الأب تأديب ولده وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدین، وهذا التعليم واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية(٤). فالطفل- كما قال الغزالي - أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، وقابل لكل ما يمال به إليه، فإن عُوّد الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، يشاركه في ثوابه أبواه و کل معلم له ومؤدب، وإن عُود الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له(٥). (١) سورة التحريم/ ٦. (٢) حديث: ((إن لولدك عليك حقا)) أخرجه مسلم (٨١٤/٢ - ط الجلبي). (٣) حديث: ((ألا كلكم راع .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١١١/١٣ - ط السلفية) ومسلم (١٤٥٩/٣ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٤٤/٨. (٥) إحياء علوم الدين ٣/ ٦٢، وانظر المدخل لابن الحاج ٢٩٥/٤. وقد روي عن النبي ێے أنه قال: «ما نحل والد ولداً من نحل أفضل من أدب حسن))(١)، وقال ابن عمر : أدّب ابنك فإنك مسؤول عنه: ماذا أدبته، وماذا علمته؟ وهو مسؤول عن برك وطواعيته لك (٢) بل ذكر بعض العلماء أن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده(٣). ومن المعلوم بالنظر والاعتبار أنه ما أفسد الأبناء مثل إهمال الآباء في تأديبهم وتعليمهم وما يصلح دنياهم وآخرتهم، وتفريطهم في حملهم على طاعة الله وزجرهم عن معصيته، وإعانتهم على شهواتهم، يَحْسَب الوالد أنه يكرمه بذلك وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة(٤). وقد أكد ثبوت هذه الولاية قول النبي أل *: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا (١) حديث: ((ما نحل والد ولداً من نحل ... )) أخرجه الترمذي (٣٣٨/٤ - ط الحلبي)، وقال: هذا حديث غريب، وهذا عندي حديث مرسل. (٢) تحفة المودود لابن القيم ص١٣٧. (٣) تحفة المودود لابن القيم ص١٣٩. (٤) تحفة المودود ص١٤٧. -١٦٩- ولاية ٦٨ بينهم في المضاجع»(١). قال النووي: والاستدلال به واضح، لأنه يتناول الصبي والصبية في الأمر بالصلاة والضرب عليها (٢). وعلى ذلك نص الفقهاء على أنه يجب على الولي أمره بها لتمام سبع سنين، وتعليمه إياها، وضربه على تركها لعشر سنين، ليتخلق بفعلها ویعتادها - لا لا فتراضھا علیه- کما یلزمه کفه عن المفاسد كلها، لينشأ على الكمال وكريم الخلال(٣). ومن ثم ذهب جمهور الفقهاء إلى ثبوت ولا یة الأب والأم والجد والوصي والقيم من جهة القاضي على تأديب الصغير، وذلك بأمره بفعل الطاعات كالصلاة والطهارة والصيام ونحوها، ونهيه عن اقتراف المحظورات، سواء أكانت لحق الله تعالى أم لحق العباد، وتأديبه على الإخلال بذلك تعويداً له على الخير والبر، ثم بزجره عن سيء الأخلاق وقبيح العادات- ولو لم يكن فيها معصية - استصلاحاً (٤). (١) حديث: ((مروا أولادكم بالصلاة ... )) أخرجه أبو داود (٣٣٤/١ - ط حمص) من حديث عبدالله بن عمرو، وحسنه النووي في المجموع (١٠/٣). (٢) المجموع شرح المهذب ١١/٣. (٣) رد المحتار ٢٣٥/١، والمغني ٣٥٠/٢، والمجموع ١١/٣، وشرح منتهى الإرادات ١١٩/١. (٤) الفروق للقرافي ٤/ ١٨٠، والآداب الشرعية لابن مفلح ٤٥١/١، وروضة الطالبين ١٠/ ١٧٥، ورد المحتار= قال النووي: قال أصحابنا: ويأمره الولي بحضور الصلوات في الجماعة وبالسواك وسائر الوظائف الدينية، ويعرفه تحريم الزنا واللواط والخمر والكذب والغيبة وشبهها. قال الرافعي : قال الأئمة: يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة والشرائع بعد سبع سنين، وضربهم على تركها بعد عشر سنين(١). وعلة ذلك - كما قال ابن القيم - أن الصبي وإن لم يكن مكلفاً، فوليُّهُ مكلف، لا يحل له تمكينه من المحرم، فإنه يعتاده، ويعسر فطامه، وهذا أصح قولي العلماء(٢). ٦٨- على أن تأديب الصغير إنما يبدأ فيه بالقول، ثم بالوعيد، ثم بالتعنيف، ثم بالضرب. وهذا الترتيب تلزم مراعاته، فلا يرقى إلى مرتبة إذا كان ما قبلها يفي بالغرض، وهو الإصلاح. وفي ذلك يقول العز بن عبد السلام: ومهما حصل التأديب بالأخف من الأفعال والأقوال، لم يعدل إلى الأغلظ، إذ هو مفسدة لا فائدة فيه، لحصول الغرض بما دونه (٣) ٢٣٥/١، وتحفة المحتاج ٩/ ١٨٠، وأسنى المطالب ٤ / ١٦٢. (١) المجموع ١١/٣. (٢) تحفة المودود ص١٤٧، والمدخل لابن الحاج ٤/ ٢٩٥. (٣) قواعد الأحكام ٢/ ٧٥. -١٧٠- ولاية ٦٩ - ٧٠ كذلك يشترط في الضرب- عند مشروعية اللجوء إليه- أن يغلب على الظن تحقيقه للمصلحة المرجوة منه، وأن يكون غير مبرّح ولا شاق، وأن يتوقى فيه الوجه والمواضع المهلكة (١). قال العز بن عبد السلام: ومن أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها : ضرب الصبيان على ترك الصلاة والصيام وغير ذلك من المصالح. فإن قيل: إذا كان الصبي لا يصلحه إلا الضرب المبرح، فهل يجوز ضربه تحصيلاً لمصلحة تأديبه؟ قلنا: لا يجوز ذلك. بل لا يجوز أن يضربه ضرباً غير مبرح؛ لأن الضرب الذي لا يبرح مفسدة، وإنما جاز لكونه وسيلة إلى مصلحة التأديب، فإذا لم يحصل التأديب به، سقط الضرب الخفيف كما يسقط الضرب الشديد، لأن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد(٢). ثم إن الحنفية قيّدوا جواز ضرب الولد حيث لزم ضربه بأن يكون باليد فقط، فلا يضربه الولي بغيرها من سوْط أو عصا. ونص الحنابلة (١) جامع أحكام الصغار ١٣٨/١، وتحفة المحتاج ١٧٩/٩، وروضة الطالبين ١٧٥/١٠. (٢) قواعد الأحكام ١/ ١٠٢، وانظر أيضاً روضة الطالبين ١٠ / ١٧٥. والحنفية على أنه ليس له أن يجاوز بضربه الثلاث(١). ٦٩- وإذا ضرب الأب أو الجد أو الوصي الصبي تأديباً، فهلك من ذلك، فقد اختلف الفقهاء في تضمينهم على أقوال(٢). وينتظر تفصيلها في مصطلح (تأديب ف٩- ١١). ٧٠- ومن موجبات ولاية تربية الصغار التي نص عليها الفقهاء: مداواة الصغير ورعايته الصحية، ونَظْمُهُ في سلك تعليم ما هو مستعد له من العلوم والمعارف أو الحرف والصنائع- ولو بأجرة من ماله، لأن ذلك من مصالحه، فأشبه ثمن مأكوله، وله أن يؤجر نفس الصبي المميز بالمعروف، وأن يأذن له في التجارة بماله بما يناسب حاله، من أجل تهيئته وتأهيله عند جمهور الفقهاء(٣). والتفصيل في (إجارة ف ٢٤، صغر ف٣٩) (١) رد المحتار ٢٣٥/١، وجامع أحكام الصغار ١٣٨/١، والمغني لابن قدامة ٥٢٨/١٢. (٢) المغني ٥٢٨/١٢، ٦١٥/١-٦١٦، وروضة الطالبين ١٠/ ١٧٥، ورد المحتار ٣٦٣/٥، وجامع أحكام الصغار ٤٥/٤. (٣) كشاف القناع ٤٥٠/٣، ٤٥١، وشرح منتهى الإرادات ٢٩٦/٢، والمهذب ٣٣٧/١، والبدائع / ١٥٣-١٥٤. -١٧١- ولاية ٧١- ٧٣ الأمر الثاني: ولاية التزويج ٧١- ذهب الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن للأب ولاية تزويج ابنه الصغير وابنته الصغيرة، إلا ما روي عن ابن شبرمة وعثمان البتي. وأما هل يزوج الولي - غيرُ الأب - الصغير أو الصغيرة؟ فیری الحنفية أن لغیر الأب من الأولياء کالجد والأخ تزويجهما إلا أن لهما الخيار إذا بلغا، خلافاً لأبي يوسف، الذي یری أنه لا خيار لهما لو زوجهما الأب والجد. وإن زوجهما غیر الأب والجد من غیر کفء أو بغبن فاحش، فقد قال ابن عابدين: لا يصح النكاح، وأجازه مالك للوصي. وقال الشافعية: ليس لغير الأب والجد عند عدمه إنكاحهما. وسبب اختلافهم: قياس غير الأب في ذلك على الأب، فَمَنْ رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز للأب به أن يزوج الصغير من ولده لا يوجد في غير الأب لم يجز ذلك، ومَنْ رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك. وقال الحنابلة: ليس لغير الأب ولاية تزويج الصغير والصغيرة (١). والتفصيل في (نكاح ف ٨١-٨٥) السبب الثاني: الجنون: ٧٢- نص الفقهاء على أنه يلزم على ولي المجنون والمجنونة تدبير شئونه ورعاية أموره بما فيه حظ المجنون، وبما يحقق مصلحته، فينفق عليه في کل حوائجه من ماله بالمعروف، ويداویه ویرعی صحته، ویقیّده ويحجزه عن أن ینال الناس بالأذى أو ینالوه به إن خیف ذلك منه، صوناً له، وحفظاً للمجتمع من ضرره(٢). ٧٣- ونص الفقهاء على أن لولي المجنون تزويجه إذا اقتضت مصلحته ذلك (٣) قال الشيرازي: وأما المجنون فإن كان له حال إفاقة لم يجز تزويجه بغير إذنه، لأنه يمكن استئذانه فلا يجوز الافتيات عليه، وإن لم يكن له حال إفاقة ورأى الولي تزويجه للعفة أو الخدمة زوّجه، لأن له فيه مصلحة (٤). (١) بداية المجتهد ٦/٢-٧، والمهذب ٤١/٢، والمبدع ٢٢/٧، وابن عابدين ٣٠٤/٢، ومغني المحتاج ١٦٨/٣، والبدائع ٢/ ٢٤٠، والمغني ٣٩٨/٩. (٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٩٢. (٣) شرح منتهى الإرادات ١٤/٣. (٤) المهذب ٤/٢. وانظر روضة الطالبين ٩٤/٧، والمبدع لبرهان الدين ابن مفلح ٢٢/٧. -١٧٢- ولاية ٧٤-٧٧ وللفقهاء في ذلك تفصيل، انظر مصطلح (نكاح ف ٨١ وما بعدها). السبب الثالث: الأنوثة: ٧٤- من أسباب الولاية على النفس: الأنوثة، من غير أن تكون مرتبطة بصغر أو آفة من آفات العقل، لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَ النَِّذِ﴾(١). وتنحصر هذِه الولاية في أمرين: في تزويج المرأة، وفي تأديب الزوجة عند النشوز. أولاً: ولاية التزويج: وهذه الولاية تنقسم عند الفقهاء إلى قسمين : ولاية إجبار، وولاية اختيار. (أ) ولاية الإجبار: ٧٥- اختلف الفقهاء في علة ولاية الإجبار على قولين: (الأول) للمالكية والشافعية والحنابلة في الراجح عندهم: وهو أن علة ثبوت ولاية الإجبار هي البكارة، ولذلك يجوز للولي إجبار البكر البالغة العاقلة على النكاح، وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة. (الثاني) للحنفية: وهو أن علة الإجبار هي (١) سورة النساء/ ٣٤. الصغر، ولذلك لا يجوز للولي إجبار البكر البالغة العاقلة، لأن الولاية على الصغير والصغيرة إنما ثبتت لقصور العقل، وبعد البلوغ يكمل العقل بدليل توجه الخطاب إليهما، وإلى ذلك ذهب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية(١). (ب) ولاية الاختيار: ٧٦- ولاية الاختيار هي ولاية الندب والاستحباب على الحرة البالغة العاقلة. والتفصيل في (نكاح ف ٨٦-٩٠) ولاية المرأة في تزويج نفسها: ٧٧- اختلف الفقهاء في ولاية المرأة الحرة البالغة العاقلة في تزويج نفسها على ثلاثة أقوال : الأول: ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة : إلى أنه لا يصح النكاح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها، فإن فعلت لم يصح النكاح. الثاني: ذهب أبو حنيفة إلى أن الولي ليس (١) المهذب ٣٨/٢، والقوانين الفقهية ص٢٠٣، والمبدع ٢٣/٧، وبدائع الصنائع ٢٤١/٢، وشرح منتهى الإرادات ١٤/٣، والمغني ٣٩٨/٩، ٤٠٢، وزاد المعاد ٩٧/٥، ٩٨، والفتاوى الكبرى لابن تيمية (ط. الريان) ١٣٥/٣، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ٢ /٩٠. -١٧٣- ولاية ٧٨-٨٢ شرطاً لصحة نكاح الحرة البالغة العاقلة، فيجوز لها أن تتولى عقد نكاحها بنفسها، وأن توكل به من تشاء إذا كان حراً عاقلاً بالغاً، وهو صحيح نافذ بلا ولي. الثالث: روي عن ابن سيرين والقاسم بن محمد والحسن بن صالح وأبي يوسف: أنه لا يجوز لها ذلك بغير إذن الولي، فإن فعلت كان موقوفاً على إجازته(١). (ر: نكاح فى ٧١) عَضْل الولي: ٧٨- المراد بالعَضْل: منع الولي المرأة من التزويج بکفئها إذا طلبت ذلك، ورغب کل واحد منهما في صاحبه. وموجب العضل انتقال الولاية من الولي العاضل إلى غيره. والتفصيل في (عضل ف ٢- ٥، نكاح ف ٩٦) غيبة الولي: ٧٩- اختلف الفقهاء في انتقال ولاية التزويج عند غيبة الولي. (١) المغني ٣٤٥/٩، وكفاية الأخيار ٣٠/٢، والمبسوط ١٢/٥، والبدائع ٢٤٧/٢، وكفاية الطالب الرباني ٣٥/٢، والخرشي ١٧٢/٣، والقوانين الفقهية ص٢٠٣، والمقدمات الممهدات ٤١٧/١، وشرح منتهى الإرادات ١٦/٣، والمبدع ٢٧/٧، والمهذب ٣٦/٢، وأحكام القرآن للجصاص ١٠٠/٢ وما بعدها. والتفصيل في (نكاح ف ٩٧-١٠١). ترتیب الأولیاء: ٨٠- اختلف الفقهاء في ترتيب الأولياء في النكاح. والتفصيل في مصطلح (نكاح ف ٩١ - ٩٥). ثانياً: ولاية الزوج التأديبية: ٨١- ذهب أهل العلم إلى أن من أحكام عقد النكاح ولاية الزوج على تأديب زوجته إذا استعصت عليه وترفعت عن مطاوعته ومتابعته فيما يجب عليها من ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَِّي تََّانُوَنَ نُوَّهُنَ فَمِظُهُرَ وَأَهْجُوهُنَّ فِ اَلْمَضَلِحِ وَأَشْرِبُهُنٍّ فَإِنْ أَعْنَكُمْ فَلَ نَّغُواْ عَلَيْنَ سَبِيلاً﴾(١). فيعظها أولاً بالرفق واللين، لعلها تقبل الموعظة فتدع النشوز، فإن لم ينفع معها ذلك هجرها في المضجع، فإن أصرت على البغض والعصيان ضربها ضرباً غير مبرح بالقدر الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه. والتفصيل في (نشوز ف ١٢ -١٩). ولاية ناظر الوقف: ٨٢- النظارة على الوقف ضرب من الولاية (١) سورة النساء/ ٣٤. -١٧٤- ولاية ٨٣ الخاصة التي تقتضي تنفيذ القول على الغير، شاء الغير أم أبى، وهي حق مقرر شرعاً على كل عين موقوفة، إذ لا بد للموقوف من يد ترعاه وتتولاه، وتعمل على إبقائه صالحاً نامياً محققاً للغرض المقصود من الوقف، وذلك بعمارته وصيانته، وإجارته وزراعة أرضه، واستغلال مستغلاته، وصرف ريعها إلى الجهة المستحقة، ثم أداء ديونه، والمطالبة بحقوقه والدفاع عنها، والمحافظة عليها، كل ذلك بحسب شروط الواقف المعتبرة شرعاً. ومن المعلوم أن هذا لا يتأتى إلا بولاية صالحة تحفظ الأعيان الموقوفة وترعى شؤونها بأمانة، وتوصل الحقوق إلى أهلها بلا توانٍ أو خيانة، ولهذا لا يولى نظارة الوقف إلا الأمين القادر، لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن أو العاجز. وهذِه الولاية على الوقف تنقسم عند الفقهاء إلى قسمين : (أ) ولاية أصلية: وتثبت للواقف أو للموقوف عليه أو للقاضي. (ب) ولاية فرعية: وهي التي تثبت بموجب شرط أو تفويض أو توكيل أو إيصاء أو إقرار ممن يملك ذلك. والتفصيل في (وقف). ولاية الله تعالى: مفهوم ولاية الله تعالى: ٨٣- ذكر ابن القيم أن ولاية الله تعالى نوعان: عامة، وخاصة : فأما الولاية العامة فهي ولا یة کل مؤمن، فمن كان مؤمناً لله تقیاً، کان الله له ولياً. وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه(١). يدل على هذا قوله تعالى ﴿وَلَهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٢)، وقوله سبحانه ﴿اللَّهُ وَإِىُّ الَّذِينَ مَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ (٣). وفي هذا النوع من الولاية قال ابن تيمية: فالظالم لنفسه من أهل الإيمان معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، کما معه من ضد ذلك بقدر فجوره، إذ الشخص الواحد تجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب، حتى يمكن أن يثاب ويعاقب، وهذا قول جميع أصحاب رسول الله ﴿ وأئمة الإسلام وأهل السنة (٤). (١) بدائع الفوائد ١٠٦/٣، وانظر حاشية المدابغي على فتح المعين لابن حجر المكي ص٢٦٩، وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي ص١٠٣. (٢) سورة آل عمران/ ٦٨. (٣) سورة البقرة/ ٢٥٧. (٤) مختصر الفتاوى المصرية ص٥٨٨، والتحفة العراقية في أعمال القلوب ص١٥ وما بعدها. - ١٧٥- ولاية ٨٣ وأما الولاية الخاصة فهي القيام الله بجميع حقوقه، وإيثاره على كل ما سواه في جميع الأحوال، حتى تصير مراضي الله ومحابه هي همه ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه وإن سخط الخلق(١). وفي هذا النوع من الولاية يقول الشوكاني: الولي في اللغة: القريب. والمراد بأولياء الله: خُلَّصُ المؤمنين، لأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته(٢) . وقد تنوعت تعریفات العلماء لھذہ الولا یة، فقال الغنيمي الميداني: الأولياء جمع ولي، بوزن فعیل (بمعنی مفعول) کقتیل بمعنی مقتول، أو (بمعنى فاعل) كعلیم بمعنى عالم، قال ابن عبد السلام: وكونه بمعنى فاعل أرجح، لأن الإنسان لا یمدح إلا علی فعل نفسه، وقد مدحهم الله تعالی. - فعلى الأول يكون الولي من تولى الله گۆق رعايته وحفظه، فلا يكله إلى نفسه، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ يَوَلَى الْقَّذِينَ﴾ (٣). (١) بدائع الفوائد ١٠٧/٣. (٢) فتح القدير ٤٣٦/٢. (٣) سورة الأعراف/ ١٩٦. - وعلى الثاني يكون الولي من تولى عبادة الله وطاعته، فهو يأتي بها على التوالي، آناء الليل وأطراف النهار. ويجنح إلى هذا ما عرّف به السعد في ((شرح العقائد)) حيث قال عن الولي: هو العارف بالله حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المجتنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك باللذات والشهوات(١). وكذا تعريف الهيتمي للأولياء بأنهم: القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، بجمعهم بين العلم والعمل، وسلامتهم من الهفوات والزلل(٢). ولا يخفى أن سلامتهم من الهفوات والزلل لا تعني العصمة، إذ لا عصمة إلا لنبي، ولکن- كما قال ابن عابدين- على معنى أن الله يحفظه من تماديه في الزلل والخطأ إن وقع فيهما ، بأن يلهمه التوبة فيتوب منهما، وإلا فهما لا يقدحان في ولا يته(٣). (١) شرح العقيدة الطحاوية للميداني ص١٠٣، وانظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٣٩٢/٢، والمحلي على جمع الجوامع وحاشية العطار عليه ٢/ ٤٨١، وتعريفات الجرجاني ص١٣٢، وكشاف اصطلاحات الفنون ١٥٢٨/٢، وفتح الباري ٣٤٢/١١، وبستان العارفين للنووي ص١٧١، ومجموعة رسائل ابن عابدين ٢٧٧/٢، وحاشية المدابغي على فتح المعين ص٢٦٩. (٢) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ٣٠١. (٣) مجموعة رسائل ابن عابدين ٢٧٧/٢. -١٧٦- ولاية ٨٤-٨٨ الفرق بين الولي والنبي: ذكر العلماء أن مما يفترق الولي عن النبي فيه (١) : أ) العصمة: ٨٤- فالأنبياء معصومون وجوباً، وليس الأولياء كذلك، فيجوز عليهم ما يجوز على سائر عباد الله المؤمنین من اقتراف الذنوب. قال الشوكاني: لكنهم قد صاروا إلى رتبة رفيعة ومنزلة علية، فقل أن يقع منهم ما يخالف الصواب وينافي الحق، وإذا وقع ذلك فلا يخرجهم عن كونهم أولياء ش (٢). وقال النووي: وأما أن يكون الولي محفوظاً، فلا یصر على الذنوب، وإن حصلت منه هفوات في أوقات أو زلات، فلا يمتنع ذلك في حقهم(٣). ب) الإيمان به ووجوب الاتباع: ٨٥- الأنبياء صلوات الله عليهم يجب لهم الإیمان بجیمع ما یخبرون به عن الله ڭ، وتجب طاعتهم فيما يأمرون به، بخلاف الأولياء فإنهم (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠٨/١١، ٢٢١، ٢٢٣، ولوامع الأنوار البهية ٣٠١/٢، وقطر الولي للشوكاني ص٢٤٨، وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي الميداني ص١٣٩، وكشاف اصطلاحات الفنون ١٥٢٩/٢. (٢) قطر الولي ص٢٤٨. (٣) بستان العارفين ص١٧٣. لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به. قال ابن تيمية: بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله، وما خالف الكتاب والسنة كان مردوداً، ثم قال: ذلك أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة، وأنه ليس فيهم معصوم يسوّغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة(١). جـ) الوحي: ٨٦- الأنبياء مكرمون بتلقي الوحي ومشاهدة المَلَك، وليس الأولياء كذلك فالولي لا يسعه إلا اتباع النبي، حتى إن الولي لو ادعى النبوة صار عدواً لله، لا ولیاً له. د) وجوب تبليغ الوحي : ٨٧- الأنبياء مأمورون بتبليغ الأحكام وسائر ما یوحی إلیهم به من الله وإرشاد الأنام لدينه، وليس الأولياء كذلك، لأنهم لا يتلقون ذلك مباشرة بواسطة الوحي، وإنما يتبعون الأنبياء. هـ) الأمن من سوء الخاتمة: ٨٨- فالأنبياء مأمونون عن خوف سوء الخاتمة، أما الولي فلا يعلم هو ولا غيره- ما دام حياً- هل سيختم له بالموافاة على (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠٨/١١-٢٠٩. -١٧٧- ولاية ٨٩- ٩٣ الإيمان، أم أنه سيلقى الله غير ذلك. و) ختم النبوة: ٨٩- فالنبوة مختومة من حيث الإنباء والإخبار عن الله ك بنبينا محمد *، إذ لا نبي بعده، أما الولاية فدائمة إلى قيام الساعة. ز) حكم السبّ: ٩٠- أجمع المسلمون على أن من سب نبياً فقد كفر، ومن سب أحداً من الأولياء الذين لسيوا بأنبياء فإنه لا يكفر، إلا إذا كان سبه مخالفاً لأصل من أصول الإيمان، مثل أن يتخذ ذلك السبّ ديناً، وقد عُلم أنه ليس بدين(١). فضل النبي على الولي: ٩١ - اتفق سلف الأمة وخلفها من أهل السنة والجماعة على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، وأنه لا يجوز تفضيل أحد من الأولياء على أحد من الأنبياء. قال القشيري: رتبة الأولياء لا تبلغ رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام للإجماع المنعقد على ذلك(٢). أما ما نقل عن بعض الكرامية وغلاة المتصوفة من جواز كون الولي أفضل من النبي فهو باطل. (١) مختصر الفتاوى المصرية ص ٥٦٠، ومغني المحتاج ١٣٥/٤. (٢) بستان العارفين ص١٦٩. قال الغنيمي الميداني: هو كفر وضلال(١). ٩٢- أما أفضل الأولياء والأنبياء، فقد قال ابن تيمية : أفضل أولياء الله تعالی هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون، وأفضل الرسل هم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم. وأفضل أولي العزم: نبينا محمد عليه الصلاة والسلام(٢). ثم قال: وإذا كان أولياء الله ك هم المؤمنون المتقون، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته الله تعالى، فمن كان أكمل إيماناً وتقوى، كان أكمل ولاية الله، فالناس متفاضلون في ولاية الله 885 حسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى(٣). معيار التفرقة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ٩٣- نبه العلماء على أن أولياء الله تعالى لا يميزون عمن سواهم بخوارق العادات، لأن هذه الخوارق كما تقع لأولياء الله، فقد تظهر على أيدي أعدائه، وإنما يعرفون ويميزون بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل على خبرها الكتاب (١) شرح العقيدة الطحاوية للميداني الحنفي ص١٣٩. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦١/١١، وانظر قطر الولي. ص٢٣٨. (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/ ١٧٥. -١٧٨- ولاية ٩٤ والسنة (١). وفي ذلك يقول الشوكاني: والحاصل أن من كان من المعدودين من الأولياء، إن كان من المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله، مقيماً لما أوجب الله عليه، تاركاً لما نهاه عنه، مستكثراً من طاعاته، فهو من أولياء الله تعالى، وما ظهر عليه من الكرامات التي لم تخالف الشرع، فهي موهبة من الله شك لا يحل لمسلم أن ینکرها. ومن كان بعكس هذِه الصفات، فليس من أولياء الله سبحانه، وليست ولا يته رحمانية، بل شيطانية، وخوارقه من تلبيس الشيطان عليه وعلى الناس، وليس هذا بغريب ولا مستنكر، فكثير من الناس مَنْ يكون مخدوماً بخادم من الجن أو بأكثر، فيخدمونه في تحصيل ما يشتهيه، وربما كان محرماً من المحرمات، والمعيار الذي لا يزيغ، والميزان الذي لا يجور هو ميزان الكتاب والسنة، فمن كان متبعاً لهما معتمداً علیھما ، فکراماته وجمیع أحواله رحمانية، ومن لم يتمسك بهما ولم يقف عند حدودهما فأحواله . شيطانية (٢ (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٣١/١٠، ٢١٤/١١، ٢٧١، ٢٧٤. (٢) قطر الولي للشوكاني ص ٢٧٢. وقد ذكر ابن القيم أن ضابط التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ما يتلبس به العبد من قول وفعل وحال، فإن كان وفق ما يحبه الله ويرضاه في الأمور الباطنة التي في القلوب وفي الأعمال الظاهرة التي على الجوارح، كان صاحبه من أولياء الله، وإن كان معرضاً في ذلك عن كتاب الله وهدي رسوله ول﴾، مخالفاً لهما إلى غيره، فهو من أولياء الشيطان. ثم قال: فإن اشتبه عليك، فاكشفه في ثلاثة مواطن: في صلاته، ومحبته للسنة وأهلها أو نفرته عنهم، ودعوته إلى الله ورسوله وتجريد الوحيد والمتابعة وتحكيم السنة، فزنه بذلك، ولا تزنه بحال ولا كشف ولا خارق، ولو مشی على الماء وطار في الهواء (١). كرامات الأولياء: ٩٤- الكرامات جمع كرامة، وهي في اللغة : الشرف، من الكرم الذي يعني شرف الشيء في نفسه أو في خلق من الأخلاق، أو الإكرام: الذي هو إيصال نفع إلى الإنسان، لا يلحقه فيه غضاضة، أو أن يجعل ما يوصل إليه شيئاً كريماً، أي شريفاً (٢). (١) الروح لابن القيم ص٣٥٩. (٢) معجم مقاييس اللغة ١٧٢/٥، ومفردات الراغب ص٧٠٧. -١٧٩- ولاية ٩٥ -٩٦ أما في الاصطلاح الشرعي، فقد عرف ابن عابدين الكرامة بأنها: ظهور أمر خارق للعادة، على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبي من الأنبياء، مقترناً بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح غير مقارن لدعوى النبوة(١). فامتازت الكرامة بعدم الاقتران بدعوى النبوة عن المعجزة، وبكونها على يد ظاهر الصلاح وهو الولي عما يسمونه معونة وهي الخارق الظاهر على أيدي عوام المؤمنين، تخلصاً لهم من المحن والمكاره، وبمقارنة صحيح الاعتقاد والعمل الصالح عن الاستدراج، وبمتابعة نبي قبله عن خوارق مدعي النبوة المؤكدة لكذبه المعروفة بالإهانة، كبصق مسيلمة في بئر عذبة الماء ليزداد ماؤها حلاوة، فصار ملحاً أجاجاً (٢). ٩٥- وقد ذهب أهل السنة والجماعة من الفقهاء والأصوليين والمحدثين وغيرهم- خلافاً للمعتزلة ومن وافقهم- إلى أن ظهور الكرامة على الأولياء جائز عقلاً، لأنها من جملة الممكنات، وأنها واقعة نقلاً مفيداً لليقين من (١) مجموعة رسائل ابن عابدين ٢٧٨/٢. (٢) المحلي على جمع الجوامع مع حاشية العطار ٢/ ٤٨١، وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي الميداني ص١٣٩، وكشاف اصطلاحات الفنون ٢/ ٩٧٥، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني ٣٩٢/٢، ومجموعة رسائل ابن عابدين ٢٧٨/٢، وتعريفات الجرجاني : ص١١٥. جهة مجيء القرآن بها، ووقوع التواتر عليها قرناً بعد قرن و جيلاً بعد جيل، وبعد ثبوت الوقوع لا حاجة إلى إثبات الجواز (١) قال ابن تيمية: وكرامات الأولياء حق باتفاق أهل الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم، وإنما أنكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم، ولكن كثيراً ممن يدعيها أو تُدّعى له يكون كذاباً أو ملبوساً عليه(٢). الفرق بين الكرامة والمعجزة: ٩٦- المعجزة- اسم فاعل- مأخوذة من العجز المقابل للقدرة، لما فيها من إعجاز الخصم عند التحدي، والهاء في كلمة (معجزة) للمبالغة. والمعجزة في الشرع: ما خرق العادة من قول أو فعل، إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها (١) قطر الولي للشوكاني ص٢٥٧ وما بعدها، وبستان العارفين للنووي ص١٤١- ١٥٥، والمعتمد لأبي يعلى ص ١٦١، والفتاوى الحديثية لابن حجر المكي ص٣٠١، وشرح الطحاوية للغنيمي ص١٣٩، ولوامع الأنوار البهية ٣٩٤/٢، والمحلي على جمع الجوامع وحاشية العطار عليه ٢/ ٤٨١. (٢) مختصر الفتاوى المصرية ص ٦٠٠. -١٨٠-