النص المفهرس

صفحات 141-160

ولاية ١٢-١٤
الشروط المشتركة بين أنواع الولاية
العامة :
يشترط الفقهاء لتولي الولاية العامة توفر
الشروط التالية:
أ- الإسلام:
١٢- أجمع الفقهاء على اشتراط الإسلام
لصحة تولي جميع الولايات العامة، وذلك لقوله
تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكَِّذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ
مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ﴾(١) . حيث دل على أن الكافر لا
يستحق الولاية على المسلم بوجه(٢). ولقوله
تعالى ﴿وَهَا الّذِينَ مَامَنُوَ أَطِيعُواْ اللّه وَلِيمُواْ الرَّسُلَ وَأَوْلِ
الَّتِي مِنْهُمْ﴾ (٣). قال الشوكاني: أولو الأمر هم
الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له
ولاية شرعية (٤). فدلت الآية على أن مستحقي
الطاعة أولو الأمر من المؤمنين، فأما من لم يكن
منهم، فلا ولاية له عليهم ولا طاعة (٥).
ب- البلوغ:
١٣- أجمع العلماء على اشتراط البلوغ
(١) سورة النساء/ ١٤٤.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٢٩١/٢.
(٣) سورة النساء/ ٥٩
(٤) فتح القدير للشوكاني ١/ ٤٨١.
(٥) البحر الرائق ٢٩٩/٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
ص٢٠، ونهاية المحتاج ٤٠٩/٧، وتفسير القرطبي
٢٧٠/١، وكشاف القناع ١٥٩/٦.
لصحة تولي جميع الولايات، لأن الصغير
محتاج إلى من يلي أمره، فلا يصح أن يلي
أمور المسلمين. يدل على ذلك ما ورد عن النبي
* أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاث: عن النائم
حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر، وعن
المجنون حتى يعقل أو يفيق»(١). حيث أفاد عدم
تكليف الصغير، لأنه لا يعقل الأمور، ومن كان
هذا حاله لم يصح توليته أمور المسلمين(٢)،
وعن أبي هريرة عن النبي وسلم قال: ((تعوذوا
بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان))(٣).
جـ- العقل:
١٤- لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط العقل
لصحة تولي الولاية العامة للحديث المتقدم،
فالمجنون الذي لا يعقل لا تجوز ولا يته في قول
أحد من أهل العلم، لأنه غير مكلف شرعاً،
والتكليف ملاك الأمر، ولأنه محجور عليه في
التصرف، ويحتاج إلى من يلي أمره، فلا يلي أمر
(٤)
غيره (٤).
(١) حديث: ((رفع القلم عن ثلاث ... ))
أخرجه النسائي (١٥٦/٦ - ط المكتبة التجارية)،
والحاكم (٥٩/٢- ط دائرة المعارف العثمانية) من
حديث عائشة، واللفظ للنسائي، وصححه الحاكم
على شرط مسلم.
(٢) مغني المحتاج ١٣٠/٤، وكشاف القناع ١٥٩/٦.
(٣) حديث: ((تعوذوا بالله من رأس السبعين ... ))
أخرجه أحمد في المسند (٣٢٦/٢ - ط الميمنية).
(٤) مراتب الإجماع ص١٢٦، ومغني المحتاج ١٣٠/٤،
وكشاف القناع ١٥٩/٦.
-١٤١-

ولاية ١٥-١٨
د- الحرية:
١٥- اتفق الفقهاء على عدم صحة تولي العبد
الولاية العامة، لأنه مشغول بخدمة مالكه، ولأن
نقص العبد عن ولا یة نفسه يمنع من انعقاد ولا يته
على غيره(١).
هـ- الذكورة:
١٦- ذهب جمهور أهل العلم إلى اشتراط
الذكورة لصحة تولي الولايات العامة(٢)، وذلك
لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَ النِّسَآِ بِمَا فَضَلَ
اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَ بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾(٣)
حيث دل على أن الرجل هو القائم على المرأة،
فكيف تقوم هي على شؤون الأمة! ولما ورد عن
النبي ﴾ أنه قال: ((لن يُفلح قوم ولَّوْا أمرهم
امرأة)) (٤). فقد قرن الرسول عليه الصلاة والسلام
عدم الفلاح للأمة بتولي المرأة شؤونها.
(١) فتح الباري ١٢٢/١٣، ومغني المحتاج ١٣٠/٤،
والبحر الرائق ٢٩٩/٦، وروضة القضاة ٦٣/١،
وغياث الأمم ص٦٥، وشرح منتهى الإرادات
٣٨١/٣.
(٢) مراتب الإجماع ص١٢٦، وجواهر الإكليل ٢٢١/٢،
والبحر الرائق ٢٩٩/٦، وكشاف القناع ١٥٩/٦،
ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠.
(٣) سورة النساء/ ٣٤.
(٤) حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣/ ٥٣- ط السلفية) من
حديث أبي بكرة
و- العدالة:
١٧- ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط
العدالة لصحة تولي الولاية العامة (١).
والعدالة: هي الصلاح في الدين والمروءة،
فالصلاح في الدين هو أداء الواجبات وترك
المنھیات بعدم ارتکاب الکبائر، وعدم الإصرار
على الصغائر، وأن يكون بعيداً عن مواطن
الريب، مأموناً في الرضا والغضب.
وأما المروءة فهي: استعمال ما يجمله
ويزينه، وترك ما يدنسه ويشينه من الأفعال
والأقوال.
وإنما اشترطت العدالة ههنا، لأن الفاسق
متهم في دينه، ولا تقبل شهادته، ولا يوثق
بتصرفاته ولا يؤمن معه من الحیف في الأحكام،
فلا يصح توليته أمور المسلمين(٢).
ز- العلم بالأحكام الشرعية:
١٨- اشترط جمهور الفقهاء لتولي الولاية
العامة العلم بالأحكام الشرعية.
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٥٦/١٥، وتفسير القرطبي
٢٧١/١، وغياث الأمم ص٦٨، والأحكام السلطانية
للماوردي ص٧٣، وكشاف القناع ٦/ ٤١٣.
(٢) روضة القضاة للسمناني ٦٢/١، وتبيين الحقائق
١٧٥/٤، وشرح منتهى الإرادات ٣٨١/٣،
والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٦١.
-١٤٢-

ولاية ١٩ - ٢٠
٠
قال السمناني: يشترط في الإمام أن يكون
عالماً بأصول الدين ومن أهل الاجتهاد في
فروعه، ليمكنه حل الشبه وإرشاد الضال
وفتيا المستفتي والحكم بين الخصوم،
وهذا شرط عليه سائر فرق المسلمين في
اعتباره من الفقهاء أصحاب أبي حنيفة
والشافعي ومالك وسائر المختلفين، وعليه
جماعة فرق المتكلمين على اختلاف
مذاهبهم لا يعرف بينهم خلاف في ذلك.
ثم نقل السمناني عن بعض أهل العلم في
عصره- وهو أبو علي محمد بن أحمد بن الوليد -
أن اعتبار العلم بما ذكرناه يؤدي إلى أن لا يصح
لإمام إمامة في العصر ، بل يجب أن يكون له بصر
وعقل ورأي، ويقوي كل فريق في الأصول
والفروع ((ويتولون ذلك عنه)) كما يتولاه
بنفسه، ولو كلفناه العلم بذلك مع ضيق
الزمان وكثرة الأشغال لأدى ذلك إلى
انقطاع زمانه، وفوات تدبير أمور الخلق،
لأن العلم كثير والمسائل صعبة، ولا يكاد
يجتمع جميع العلوم في الشخص الواحد
إلا نادراً شاذاً، ويجتمع مجموع العلوم في
الأشخاص، فإذا احتاج إلى نوع من ذلك رجع
إلى أهله، وقاس ذلك على القضاء(١).
(١) روضة القضاة للسمناني ١/ ٦٢.
ح- الكفاية الجسمية:
١٩- اتفق الفقهاء لصحة تولي الولاية العامة
كون الوالي سميعاً، بصيراً، ناطقاً، لأن
الاختلال الواقع في تلك الأعضاء أو
الحواس يؤدي إلى العجز عن كمال
التصرف، ويفضي إلى الخلل في قيام ذي
الولاية العامة بما جُعل وأُسْنِد إليه القيام
به من الواجبات(١).
وقد ذكر إمام الحرمين الجويني أن فقد
الحواس كالبصر والسمع والكلام يحول
دون الانتهاض في الملمات والحقوق،
ويجر إلى المعضلات عند مسيس
الحاجات. والولاية العامة تستدعي كمال
الأوصاف، والأعمى والأصم والأبكم
ومقطوع اليدين أو الرجلين يحتاج إلى من
يقوم بمصالحه، فكيف يمكنه القيام
بالمصالح العامة للمسلمين(٢).
ط- الرأي والكفاية:
٢٠ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة تولي
(١) كشاف القناع٩ ١٥٩/٦، ومغني المحتاج ٤/ ١٣٠،
ونهاية المحتاج ٤٠٩/٧، والأحكام السلطانية
للماوردي ص٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى
ص٢١، وتفسير القرطبي ١/ ٢٧٠، ومقدمة ابن
خلدون ص١٩٣.
(٢) غياث الأمم ص٧٧-٨٩.
-١٤٣-

ولاية ٢١
الولاية العامة الرأي والكفاية. وهذه الصفة
تختلف متطلباتها بحسب الولاية التي يراد
إسنادها، فما يلزم توفره في الخطير منها
كالإمامة العظمى من المقدرة السياسية
والحربية والفكرية والصرامة والشفقة
والمضاء والدهاء لا يشترط فيما دونها من
الولايات، ومن أجل ذلك يشترط في كل
ولاية بحسبها(١).
وقد نبه النبي ◌ّار إلى هذا المعنى، فيما رواه
أبو ذر ﴾ قال: ((قلت: يا رسول الله: ألا
تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم
قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها
يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها،
وأدى الذي عليه فيها))(٢) فهذا الحديث أصل
عظيم في عدم جواز إسناد الولاية العامة لمن كان
فيه ضعف عن القيام بوظائفها وأعبائها
وموجباتها، لأنها أمانة(٣). وفي حديث أبي
هريرة أن رسول الله* قال: ((إذا ضُيعت
الأمانة فانتظر الساعة. قيل: كيف إضاعتها؟
(١) غياث الأمم ص٨٩، وتبيين الحقائق ٢٩٩/٦،
والأحكام السلطانية للماوردي ص٦، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٢٠، والسياسة الشرعية
ص١٥، وشرح صحيح مسلم للنووي ٢٠٩/١٢.
(٢) حديث: (يا أبا ذر إنك ضعيف ... )
أخرجه مسلم (١٤٥٧/٣ - ط الحلبي).
(٣) صحيح البخاري مع فتح الباري ١/ ١٤٢، ومقدمة ابن
خلدون ص١٩٣.
قال: إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر
الساعة))(١).
هذِه هي الشروط المشتركة لتولي الولاية
العامة، وهناك شروط أخرى فوقها تضاف لبعض
أنواعها، مثل شرط القرشية للخلافة.
(ر: الإمامة العظمى ف ١١، وقضاء ف١٨)
تقديم الأمثل عند الاضطرار:
٢١ - ذكر الفقهاء أنه إذا تعذر اجتماع كل هذه
الشروط في الناس، وفقد مكتمل هذه الأ وصاف
في وقت من الأوقات، فلا يعطل إسناد الولايات
العامة في الدولة، بل يجب تقديم الأصلح
والأمثل في كل ولاية بحسبها، إذ
الضرورات تبيح المحظورات، ولأن حفظ
بعض المصالح أولى من تضييعها كلها، فلا
يجوز تعطيل أصل المصالح لوجود بعض الفسق
في ولاة الأمر، ولأن البعيد مع الأبعد قريب،
وأهون الشرين خير بالإضافة، وقد قال الله
تعالى: ﴿وَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَمُْ﴾(٢) فعلق
تحصيل التقوى على الاستطاعة، فكذا
المصالح كلها.
لا يُكَلِفُ للَّهُ نَفْسًا إِلََّ
وقال سبحانه:
(١) حديث: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ١٤٢- السلفية).
(٢) سورة التغابن/ ١٦.
-١٤٤-

ولاية ٢٣ -٢٥
وُسْعَهَأَ﴾(١) فدل على أنه لا تكليف إلا مع
القدرة، وأن الأمر يسقط بالعجز(٢). وفي
ذلك يقول العز بن عبد السلام: لو تعذرت
العدالة في جميع الناس لما جاز تعطيل المصالح
المتعلقة بالقضاة والخلفاء والولاة، بل قدّمنا
أمْثَلَ الفسقة فأمثلهم، وأصلحهم للقيام بذلك
فاصلحهم، بناءً على أنّا إذا أُمرنا بأمر أتينا منه
بما قدرنا علیه، ويسقط عنا ما عجزنا عنه، ولا
شك أن حفظ البعض أولى من تضييع الكل(٣).
٢٢ - ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة
إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي
في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد
لهم منه من أمور الولایات والإمارات ونحوها،
کما يجب على المُعسر السعيُ في وفاء دینه، وإن
کان في الحال لا يُطلب منه إلا ما يقدر عليه،
وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة
ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب(٤).
(١) سورة البقرة/ ٢٨٦.
(٢) غياث الأمم ص٢٢٨، وقواعد الأحكام في مصالح
الأنام ٣٧/٢، ومغني المحتاج ١٣٠/٤، وكشاف
القناع ٦/ ٢٩١، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص٢٥،
٢٩.
(٣) قواعد الأحكام ٢/ ٣٧.
(٤) السياسة الشرعية لابن تيمية ص٣٦.
واجبات صاحب الولاية العامة:
٢٣- تختلف واجبات أصحاب الولايات
العامة بحسب الولاية التي يتقلدها كل
منهم، وذلك لتباين الوظائف والأعباء
والاختصاصات والمسئوليات المنوطة بكل
ذي ولاية، فواجبات الخليفة مثلاً مختلفة
عن واجبات والي الشرطة، وواجبات
الوزير مختلفة عن واجبات القاضي.
وواجبات أمير الجيش مختلفة عن واجبات
المحتسب، وهذه الواجبات هي كما يلي:
أ- الالتزام بأحكام الشريعة:
٢٤- الالتزام بأحكام الشريعة واجب على
صاحب الولاية. وذلك في أقواله وأعماله
وأخلاقه، فإن ملاك الأمر وجماع الخير
فيه. فمتقلد الولاية العامة ينبغي أن يكون
قدوة حسنة للناس في ذلك، بأن يتعهد
نفسه بالبر والتقوى قبل أن يطلب ذلك من
الرعية، فإنه أدعى إلى امتثالهم، وأقوى
أثراً في صلاحهم وفلاحهم.
ب- أداء الأمانة:
٢٥ - من واجبات صاحب الولاية العامة أداء
الأمانة وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّهُ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَدُّواْ
-١٤٥-

ولاية ٢٦
الْأَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾(١)، حيث إنها نزلت في ولاة
الأمور (٢).
وقد ورد عن النبي ◌َّلر قال: ((ما من عبد
يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت، وهو غاشٌ
لرعيته، إلا حرّم الله عليه الجنة))(٣).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال
رسول الله ﴾: ((من استعمل رجلاً من عصابة،
وفي تلك العصابة من هو أرضی لله منه، فقد خان
الله وخان رسوله وخان المؤمنين)) (٤).
وروي أيضاً عن أبي بكر الصديق ﴾ قال: قال
رسول الله : ((من ولي من أمر المسلمين شيئاً
فأمّرَ عليهم أحداً محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل
الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم))(٥).
وعلى ذلك فيجب على كل من ولي شيئاً من أمر
(١) سورة النساء/ ٥٨.
(٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص١٣.
(٣) حديث: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٧/١٣ - ط السلفية)،
ومسلم (١٤٦٠/٣- ط الحلبي) من حديث معقل بن
يسار، واللفظ لمسلم.
(٤) حديث: ((من استعمل رجلاً من عصابة ... ))
أخرجه الحاكم (٩٢/٤-٩٣- ط دائرة المعارف
العثمانية)، وذكر المنذري في الترغيب والترهيب
(١١٨/٣ - ط دار ابن كثير) أن في إسناده راوياً واهياً.
(٥) حديث: ((من ولى من أمر المسلمين شيئاً ... ))
أخرجه الحاكم (٩٣/٤ - ط دائرة المعارف العثمانية)،
وذكر الذهبي في تلخيصه أن في إسناده راوياً قال عنه
الدار قطني: متروك.
المسلمين أن يستعمل فيما تحت يده في كل
موضع أصلح من يقدر عليه وأمثلهم وأفضلهم،
أداءً للأمانة وبعداً عن الخيانة(١).
قال ابن تيمة: فإن عدل عن الأحق الأصلح
إلى غيره لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة، أو
صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو
جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية،
أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك
من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو
عداوة بينهما ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين،
ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَلَرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَتَتِكُمْ وَتُمْ
تَعْلَمُونَ (٨)﴾ (٢).
وأداء أولياء الأمور للأمانة- كما قال ابن
تيمية - مبني على ثلاث شعب: خشية الله تعالى،
وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً، وترك خشية
الناس(٣).
(ر: أمانة ف ٣)
جـ- العدل بين الناس:
٢٦- العدل ميزان الله في الأرض، وهو قوام
الدین والدنیا، وسبب صلاح الخلق، وبه قامت
(١) السياسة الشرعية ص ١٧، ١٨.
(٢) سورة الأنفال/ ٢٧.
(٣) السياسة الشرعية ص ٢٠، ٢٧.
-١٤٦-

ولاية ٢٧
السموات والأض. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بآلْبَيْنَتِ وَأَنْزَنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
آڵقسط﴾(١). وورد عن جابر ﴾ قال: قال رسول
الله ◌َ: ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم
القيامة))(٢).
ولهذا نص الفقهاء على أن الولاية إذا شملها
العدل كانت من أفضل الطاعات، وأن العادل من
الأئمة والولاة والقضاة أعظم أجراً من جميع
الأنام(٣).
قال العز بن عبد السلام: وذلك لكثرة ما
يجري على أيديهم من إقامة الحق ودرء الباطل،
فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع الله بها
مائة ألف مظلمة فما دونها، أو يجلب بها مائة
ألف مصلحة فما دونها، فيا له من كلام يسير
وأجر كبير.
أما ولاة الجور وقضاة السوء فأعظم الناس
وزراً، وأحطهم درجة عند الله ◌َ، لعموم ما
يجري على أيديهم من جلب المفاسد ودرء
المصالح، وإن أحدهم ليقول الكلمة
الواحدة فيأثم بها ألف إثم أو أكثر على
(١) سورة الحديد/ ٢٥.
(٢) حديث: ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات ... ))
أخرجه مسلم (١٩٩٦/٤ - ط الحلبي).
(٣) تحرير المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال
للبلاطُنُسي ص ٢٧٧، وقواعد الأحكام للعز ١/ ١٢٠.
حسب عموم المسلمين، فيا لها من صفقة
خاسرة وتجارة بايرة(١).
وقد ذكر ابن تيمية أن جماع السياسة العادلة
والولاية الصالحة: أداء الأمانات إلى أهلها،
والحكم بينهم بالعدل(٢).
وحكى إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت
كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت
مؤمنة(٣).
د- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
٢٧- إن المقصود بالولايات في الإسلام:
إصلاح دين الخَلْق الذي متى فاتهم خسروا
خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في
الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به
من أمر الدنيا(٤). وذلك حتى يكون الدين
كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا (٥).
قال ابن تيمية: وإذا كان جماع الدين وجميع
الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به
رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به
هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي
(١) قواعد الأحكام ١/ ١٢٠.
(٢) السياسة الشرعية ص١٣.
(٣) الحسبة ص٩، ١٠.
(٤) السياسة الشرعية ص٣٩.
(٥) الحسبة ص٨، ٢٧.
-١٤٧-

ولاية ٢٨
والمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بَُّ أَوْلِيَّةُ بَعْضِّ بَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنٍ
آلشُكرِ﴾(١).
وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض
على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر إذا
لم يقم به غيره، والقدرة هي السلطان والولاية،
فذووا السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من
الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب
هو القدرة، ويجب على كل إنسان بحسب قدرته.
وجميع الولايات إنما مقصودها الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في
ذلك ولاية الحرب الكبرى مثل: نيابة
السلطنة، والصغرى مثل ولاية الشرطة،
وولاية الحكم، وولاية المال وهي ولاية
الدواوين المالية، وولاية الحسبة، لكن من
المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن،
والمطلوب منه الصدق، مثل الشهود عند
الحاكم، ومثل صاحب الديوان الذي
وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف،
والنقيب والعريف الذي وظيفته إخبار ذي
الأمر بالأحوال، ومنهم من يكون بمنزلة
الأمين المطاع، والمطلوب منه العدل، مثل
الأمير والحاكم والمحتسب. وبالصدق في كل
الأخبار، والعدل في الإنشاء من الأقوال
والأعمال تصلح جميع الأحوال(١).
هـ- مشورة أهل العلم وذوي الرأي
والتجربة:
٢٨ - مشورة أهل العلم وذوي الرأي والتجربة
واجبة على صاحب الولاية العامة وذلك لظاهر
وعموم الأمر في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ
آآنّ﴾(٢).
قال ابن العربي: المشاورة أصل الدين،
وسنة الله في العالمين، وهي حق على عامة
الخليقة من الرسول إلى أقل خَلْق بعده في
درجاتهم، وهي اجتماع على أمر، يشير كل
واحد برأيه، مأخوذ من الإشارة.
وعلى ذلك فيلزم ذا الولاية العامة استشارة
أهل العلم والخبرة فيما خفي عنه أو أشكل عليه
من الأمور والمصالح المتعلقة بولايته
وسلطانه، فالشورى ألفة للجماعة، ومسبار
للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور
(١) سورة التوبة/ ٧١.
(١) الحسبة ص١٢، ١٣.
(٢) سورة آل عمران/ ١٥٩.
-١٤٨-

ولاية ٢٩ - ٣٠
قوم إلا هُدُوا(١).
قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة
مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل
عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق
بالحروب، ووجوه الناس فيما يتعلق
بالمصالح، ووجوه الكتاب والعمال
والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد
وعمارتها(٢).
وقد مدح الله من عمل بها في جميع أموره،
فقال جل وعلا : ﴿وَأَنُْمْ شُورَى بِنهُمْ﴾(٣). قال ابن
العربي: أي لا يستبدون بأمر، ويتهمون رأيهم
حتى يستعينوا بغيرهم ممن يظن به أن عنده مدركاً
لغرضه. وهذِه سيرة أولية، وسنة نبوية، وخصلة
عند جميع الأمم مرضية (٤).
(ر: شوری ف ٥-٨)
و- تعهد حاجات الأمة ورعاية مصالحها:
٢٩- وذلك في كل ولاية بحسبها، فمن
استرعاه الله أمراً من أمور المسلمين لزمه
(١) بدائع السلك في طبائع الملك ٢٩٤/١ ط الدار العربية
للكتاب، وأحكام القرآن لابن العربي ١٦٥٦/٤.
(٢) مواهب الجليل ٣٩٥/٣.
(٣) سورة الشورى/ ٣٨.
(٤) بدائع السلك ٢٩٤/١.
القيام فيما جعل إليه النظر فيه وأسند إليه
القوامة عليه دون توانٍ أو تقصير أو إهمال.
فعن أبي مريم الأزدي قال سمعت رسول الله (﴾
يقول: ((من ولاء الله شيئاً من أمر المسلمين،
فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم،
احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره))(١).
وقال القرافي : كل من ولي ولاية الخلافة فما
دونها إلى الوصية، لا يحل له أن يتصرف فيها إلا
بجلب مصلحة أو درء مفسدة ... فالولاية إنما
تتناول جلب المصلحة الخالصة أو الراجحة
ودرء المفسدة الخالصة أو الراجحة (٢).
حقوق صاحب الولاية العامة:
أ- طاعته في المعروف:
٣٠- اتفق الفقهاء على وجوب بذل الطاعة
لأولياء أمور المسلمين في كل ما يأمرون به
وينهون عنه ما لم يكن فيه معصية لله تعالى، لقوله
تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ مَامَنُواْ أَطِيعُواْاللّهُ وَلِيمُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ
الأَتِيِ مِنْكُمْ﴾(٣).
ولما روى ابن عمر رضي الله عنهما: قال
(١) حديث: ((من ولاء الله شيئاً من أمر المسلمين ... )
أخرجه أبو داود (٣٥٧/٣ - ط حمص)، والحاكم
(٤/ ٩٥- ط إدارة المعارف العثمانية)، واللفظ لأبي
داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) الفروق ٣٩/٤.
(٣) سورة النساء/ ٥٩.
-١٤٩-

ولاية ٣١-٣٢
رسول الله : ((السمع والطاعة على المرء
المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية،
فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة))(١).
كما اتفقوا على حرمة الخروج على ولي الأمر
إذا كان عادلاً، أما الخروج عليه إذا كان جائراً
فقد اختلف الفقهاء في حكمه.
وانظر التفصيل في (الإمامة الكبرى ف ١٢،
٢١، طاعة ف٧، أولو الأمر ف٥)
ب- نصيحته:
٣١- وذلك بالتنبيه والتذكير بالحق، وإعلامه
بما غفل عنه أو لم يبلغه من حقوق المسلمين،
حيث إن نصح أصحاب الولايات من التعاون
على البر والتقوى (٢).
وقد ورد عن تميم الداري أن النبي ◌ّم قال:
((الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه،
ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)(٣).
قال النووي: والمراد بأئمة المسلمين
الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين
من أصحاب الولايات (٤).
(١) حديث: ((السمع والطاعة على المرء المسلم ... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢١/١٣- ١٢٢).
(٢) النووي على صحيح مسلم ٣٨/٢.
(٣) حديث: ((الدين النصيحة ... ))
أخرجه مسلم (٧٤/١ - ط الحلبي) من حديث تميم
الداري.
(٤) شرح النووي على مسلم ٣٨/٢.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله رسطر:
إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً،
يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن
تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن
تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم
قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال))(١).
وقد ذكر العلماء أن النصيحة لما كانت
إحساناً يصدر عن رحمة وشفقة، ويقصد به
صلاح المنصوح، لزم أن تقع بالرفق
واللطف واللين والحسنى، لا بالذم والهتك
والقدح والتغيير(٢)، وذلك لما روي عن النبي
* قال: ((من أراد أن ينصح لسلطان بأمر، فلا
يُبْدِ له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن
قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه
له»(٣).
ج- جعل رزقه من بيت المال:
٣٢- نص جمهور الفقهاء على أن لمتقلد
الولاية العامة حقاً في بيت المال، بحیث یرتّب له
رزق منه يكفيه وعياله بما يتناسب مع مكانته
وحاجته، وذلك قياساً على عامل الصدقة الذي
(١) حديث: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ... ))
أخرجه أحمد (٣٦٧/٢ - ط الميمنية).
(٢) النووي على مسلم ٣٨/٢.
(٣) حديث: ((من أراد أن ينصح لسلطان بأمر ... ))
أخرجه أحمد (٤٠٤/٣- ط الميمنية)، وقال الهيثمي
في مجمع الزوائد (٢٢٩/٥): رجاله ثقات.
-١٥٠-

ولاية ٣٣
نص القرآن على استحقاقه الرزق مع غناه من مال
الزكاة لقيامه على مصالحها، كذلك أهل
الولايات العامة يستحقون رزقهم من بيت
مال المسلمين لتفرغهم بالقيام على
مصالحهم واحتسابهم بحق العامة.
فلو لم يُفرض لهم ذلك من بيت المال لتعطلت
المصالح وضاعت الحقوق لانشغالهم عنها
بالسعي في الاكتساب، وربما أدى ذلك
لأخذهم الرشوة أوغيرها من المال الحرام.
فمن أجل ذلك كان لا بد من سد الذريعة إلى
ذلك بكفايتهم ومن يعولون من بيت المال(١).
وقد روي عن المستورد بن شداد قال: سمعت
رسول الله * يقول: ((من كان لنا عاملاً فليكتسب
زوجةً، فإن لم یکن له خادم فلیکتسب خادماً،
فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً))(٢).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما
استُخْلِف أبو بكر الصديق قال: لقد علم
(١) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد ١١/٢، روضة
القضاة ٨٥/١، وروضة الطالبين ١٣٧/١١، والمهذب
٢٩٠/٢، والمبسوط ١٠٢/١٦، وشرح منتهى
الإرادات ٣/ ٤٦٢، وتحرير المقال فيما يحل ويحرم
من بيت المال ص١٤٩، والسياسة الشرعية ص٧٤،
وأحكام القرآن للجصاص ٣٦٣/٢، وأحكام القرآن
لابن العربي ٣٢٦/١.
(٢) حديث: ((من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة ... ))
أخرجه أبو داود (٣٥٤/٣ - ط حمص) والحاكم
(٤٠٦/١-ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه
الحاكم.
قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة
أهلي، وشُغِلتُ بأمر المسلمين، فسيأكل آل
أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين
فيه(١).
أنواع الولاية العامة:
٣٣- تنوعت صور الولاية العامة وأشكالها
واختصاصاتها فى الدولة الإسلامية بحسب
اختلاف الأقاليم والأمصار والأعصار
والأعراف السائدة، قال ابن تيمية: عموم
الولايات وخصوصها، وما يستفيده المتولي
بالولاية يُتلقى من الألفاظ والأحوال
والعرف، وليس لذلك حد في الشرع، فقد
يدخل في ولاية القضاء في بعض الأزمنة
والأمكنة ما يدخل في ولاية الحرب في
زمان ومكان آخر، وبالعكس، وكذلك
الحسبة وولاية المال ... (٢).
وعلى ذلك بلغ تعداد أنواع هذِه الولاية
وماصدقاتها (مدلولاتها) في تقسيمات
الفقهاء أكثر من عشرين نوعاً، نعرضها فيما
يلي :
(١) أثر عائشة: لما استخلف أبو بكر ...
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٠٣/٤ - ط السلفية).
(٢) الحسبة لابن تيمية ص ١٥ وما بعدها، وانظر الطرق
الحكمية لابن القيم ص٢٠١.
-١٥١-

ولاية ٣٤ -٣٦
أ- الإمامة الكبرى:
٣٤- وهي الرئاسة العظمى في حراسة الدين
وسياسة الدنيا خلافة عن النبي ◌َّر، وإنما سميت
((كبرى)) تمييزاً لها عن الإمامة الصغرى، وهي
إمامة الصلاة. وحقيقتها كما قال ابن خلدون:
حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في
مصالحهم الأخروية والدنيوية والراجعة إليها،
إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى
اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة
خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين
وسياسة الدنيا به(١).
(ر: الإمامة الكبرى ف ٦ وما بعدها)
ب- ولاية الوزارة:
٣٥- ولاية الوزارة هي ولاية شرعية يخوّلها
الإمام لشخص موثوق بدينه وعقله وعلمه وأمانته
ونُصحه، ليكون عوناً له في تدبير أمور الدولة.
قال ابن خلدون: واسمها يدل على مطلق
الإعانة، فإن الوزارة مأخوذة إما من
المؤازرة وهي المعاونة، أو من الوِزْر وهو
الثقل.
وقد قسمها الفقهاء إلى قسمين: وزارة
(١) مقدمة ابن خلدون ٥٧٨/٢، والأحكام السلطانية
للماوردي ص٥.
تفويض، ووزارة تنفيذ.
فالأولى: هي التي يفوض الإمام إلى الوزير
فيها تدبير الأمور برأيه وإمضاءَها بحسب
اجتهاده.
وأما الثانية: فهي التي يكون الوزير فيها مجرد
واسطة بين الإمام والرعية، فيبلّغ وينفذ ما دبره
الإمام وحكم به، ويعرض عليه ما حدث من
الأمور، دون أن يكون مخوّلاً سلطة التدبير
والحكم(١).
(ر: وزارة ف٥ وما بعدها)
ج- ولاية القضاء:
٣٦- حقيقة القضاء: تبيين الحكم الشرعي مع
الإلزام به وفصل الخصومات(٢).
ويتفرع من ولاية القضاء ولاية جزئية كمتولي
العقود والفسوخ في الأنكحة فقط، والمتولي
للنظر فيما يتعلق بالأيتام فقط، فیفوض إليه في
ذلك النقض والإبرام على ما يراه من الأوضاع
الشرعية، فهُذِه الولاية شعبة من ولاية القضاء،
فینفذ حکمه فیما فوض إليه، ولا ينفذ له حکم
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩، ٣١، ومقدمة
ابن خلدون، ٦٦٥/٢، وغياث الأمم ص١١٣،
والولايات للونشريسي ص٣، وتبصرة الحكام ١/
١٥.
(٢) تبصرة الحكام ٨/١، ومعين الحكام ص٧، وشرح
منتهى الإرادات ٤٥٦/٣، ٤٥٩.
-١٥٢-

ولاية ٣٧-٣٩
فيما عدا ذلك(١).
(ر: قضاء ف٧ وما بعدها)
د- ولاية المظالم:
٣٧- ولاية المظالم - كما قال الماوردي- هي
قَوْد المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر
المتنازعين عن التجاحد بالهيبة. ومن شرط
الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ
الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل
الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج في نظره
إلى سَطّوَة الحماة، وتثبت القضاة، فاحتاج
إلى الجمع بين صفتي الفريقين. فإن كان
ممن يملك الأمور العامة كالوزراء
والأمراء، لم يحتج النظر فيها إلى تقليد،
وكان له بعموم ولايته النظر فيها. وإن كان
ممن لم يُفَوَّض إليهم عموم الأمر احتاج
إلى تقليد وتولية إذا اجتمعت فيه الشروط
المتقدمة(٢)
(ر. مظالم فه وما بعدها)
هـ- ولاية الإمارة:
٣٨- تنقسم هذِه الولاية عند الفقهاء إلى
(١) تبصرة الحكام ١٤/١، ومعين الحكام ص١٢.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٧٧، ولأبي يعلى
ص٧٣.
قسمين: إمارة استكفاء، وإمارة استيلاء.
فأما إمارة الاستكفاء: فهي التي تنعقد عن
اختيار الإمام، وهي نوعان: عامة وخاصة،
فالعامة: أن يفوِّض إليه الخليفة إمارة بلد أو
إقليم ولاية على جميع أهله، ونظراً في المعهود
من سائر أعماله. والخاصة: هي ما كان الأمير
فيها مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة
الرعية وحماية البيضة والذب عن الحريم،
وليس له أن يتعرض للقضاء والأحكام
وجباية الخراج والصدقات وغيرها.
وأما إمارة الاستيلاء: فهي التي يعقدها
الإمام عن اضطرار، كأن يستولي الأمير
بالقوة على بلاد، فَيُقَلِّدُه الخليفة إمارتها
ويفوّض إليه تدبيرها وسياستها(١).
(ر. إمارة ف٤ وما بعدها)
و- ولاية الشرطة:
٣٩- تطلق كلمة ((الشُرْطة)) في اللغة على
الجُنْد، والجمع شُرَط، والمراد بهم أعوان
السلطان. سُمُّوا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم
علامات يعرفون بها للأعداء. والواحد شُرْطة،
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٣١ وما بعدها،
ولأبي يعلى ص٣٤ وما بعدها، وتحرير الأحكام في
تدبير أهل الإسلام لابن جماعة ص٧٩.
-١٥٣-

..
ولاية ٤٠
مثل غُرَف جمع غُرْفة. والشرطيّ: منسوب إلى
الشرطة (١).
قال ابن خلدون: ويُسمى صاحبها لهذا العهد
بإفريقية: الحاكم. وفي دولة أهل الأندلس:
صاحب المدينة. وفي دولة الترك: الوالي. وهي
وظيفة مرؤوسة لصاحب السيف في الدولة،
وحكمه نافذ في صاحبها في بعض الأحيان(٢).
وقد ذكر ابن الأمين القرطبي من المالكية أن
صاحب هذِه الولاية وُضِع لأمرين:
(أحدهما) معونة الحكام من أصحاب
المظالم وأصحاب الدواوين في حبس من
أمروه بحبسه، وإطلاق من أمروه بإطلاقه،
وإشخاص من كاتبوه بإشخاصه، وإخراج
الأيدي مما دخلت فيه وإقرارها.
(والثاني) النظر في الجنايات، وإقامة
الحدود على من وجبت إقامتها عليه(٣).
وقال القاضي ابن رضوان المالقي: ويجب
على الإمام أن يولي ذلك رجلاً ثقة ديّناً صارماً في
الحقوق والحدود، متيقظاً غير مغفل(٤).
(١) المصباح المنير، وانظر التعريفات ص٣٣٦.
(٢) مقدمة ابن خلدون ٢/ ٦٨٧، وانظر معيد النعم للتاج
السبكي ص ٤٣، وتخريج الدلالات السمعية للخزاعي
ص٣١١.
(٣) الولايات للونشريسي ص٣.
(٤) الشهب اللامعة في السياسة النافعة لأبي القاسم ابن
رضوان المالقي ص٣٢٨.
وذكر التاج السبكي من الشافعية أن من حق
والي الشرطة الفحص عن المنكرات من الخمر
والحشيش ونحو ذلك، وسد الذريعة فيه،
والستر على من ستره الله تعالى من أرباب
المعاصي، وإقالة ذوي الهيئات عثراتهم،
وليس له أن يتجسس على الناس، ويبحث
عما هم فيه من منكر، ولا كبس بيوتهم
بمجرد القيل والقال ... بل حق عليه إذا
تيقن أن يبعث سراً رجلاً مأموناً ينهى عن
المنكر بقدر ما نهى الله عنه، ولا يزيد على
ذلك. وما يفعله بعضهم من إخراج الناس من
بیوتهم وإرعابهم وإزعاجهم وهتکھم، كل ذلك
من تعدي حدود الله تعالى والظلم القبيح(١).
٤٠- وقد سمى ابن تيمية هذِه الولاية «ولاية
الحرب الصغرى))، تمييزاً لها عن ((ولاية الحرب
الكبرى)) التي تعني عنده مثل ((نيابة السلطنة))(٢).
وأشار إلى أن معتمدها المنع من الفساد في
الأرض، وقمع أهل الشر والعدوان، وذكر أنها
في عرف زمانه في البلاد الشامية والمصرية
تختص بإقامة الحدود التي فيها إتلاف، مثل قطع
يد السارق وعقوبة المحارب ونحو ذلك، وقد
(١) معيد النعم ومبيد النقم لابن السبكي ص ٤٣، ٤٤.
(٢) الحسبة ص١٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٦٦/٢٨.
-١٥٤-

ولاية ٤١- ٤٢
يدخل فيها من العقوبات ما ليس فيه إتلاف،
كجلد السارق، ويدخل فيها الحكم في
المخاصمات والمضاربات ودعاوى التهم
التي ليس فيها كتاب وشهود .. أما في بلاد
أخرى كبلاد المغرب فليس لواليها حكم في
شيء، وإنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء.
وأساس ذلك أن عموم الولايات وخصوصها،
وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ
والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع،
ولهذا قد يدخل في ولاية الحرب في بعض
الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية القضاء في
مكان وزمان آخر وبالعكس.
وقد تبعه في ذلك تلميذه ابن القيم(١).
ز- ولاية الحسبة:
٤١- الحسبة عند الفقهاء هي الأمر بالمعروف
إذا ظهر ترکه، والنهي عن المنکر إذا ظهر فعله،
وهي من الخطط الدينية الشرعية كالصلاة والفتيا
والقضاء والجهاد ..
وولاية الحسبة نوعان : ولاية أصلية مستحدثة
من الشارع، وهي الولاية التي اقتضاها التكليف
بها لتثبت لكل من طلبت منه. وولاية مستمدة،
وهي التي يستمدها من عهد إليه في ذلك من قبل
(١) الحسبة لابن تيمية ص ١٥، ١٦، ومجموع فتاوى ابن
تيمية ٦٨/٢٨، ٦٩، وانظر الطرق الحكمية ص٢٠١.
الخليفة أو الأمير، وهو المحتسب(١).
(ر. حسبة ف ٦ وما بعدها)
ح- ولاية الإمارة على الجهاد:
٤٢- ولاية الإمارة على الجهاد مختصة بقتال
المشركين. وهي على ضربين:
(أحدهما) أن تكون مقصورة على سياسة
الجيش وتدبير الحرب، فيعتبر فيها شروط
الإمارة الخاصة.
(والضرب الثاني) أن يفوض إلى الأمير فيها
جميع أحكامها من قسم الغنائم وعقد الصلح،
فيعتبر فيها شروط الإمارة العامة.
وهذِه الإمارة إذا عقدت على غزوة واحدة، لم
يكن لأميرها أن يغزو غيرها، سواء غنم فيها أو
لم يغنم. وإذا عقدت عموماً - عاماً بعد عام- لزمه
معاودة الغزو في كل وقت يقدر فیه، ولا يفتر عنه
مع ارتفاع الموانع إلا قدر الاستراحة، وأقل ما
يجزئه أن لا يعطل عاماً من جهاد.
ولهذا الأمير إذا فوضت إليه الإمارة على
المجاهدين أن ينظر في أحكامهم، ويقيم
الحدود عليهم ولا ينظر في أحكام غيرهم
ما كان سائراً إلى ثغره، فإذا استقر في
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٧٢، ولأبي يعلى
ص٢٨٦، والشهب اللامعة لابن رضوان ص٣٢٧،
والطرق الحكمية لابن القيم ص١٩٩.
-١٥٥-

ولاية ٤٣-٤٥
الثغر الذي تقلده، جاز له أن ينظر في أحكام
جميع أهله من مقاتلة ورعية. وإن كانت إمارته
خاصة أجري عليه أحكام الخصوص(١).
(ر: جهاد ف٧ وما بعدها)
ط- الولاية على حروب المصالح:
٤٣- ولاية الإمارة على حروب المصالح
مختصة بقتال غير المشركين، فتشمل قتال أهل
الردة، وقتال أهل البغي، وقتال المحاربين
(٢)
وقطاع الطريق (٢).
ار. ردة ف ٢ وما بعدها، بغي ف ٤ وما بعدها،
حرابة ف ٦ وما بعدها).
ي- ولاية السعاية وجباية الصدقة
٤٤- يُعهد لمتولي السعاية إنشاء الحكم في
الأموال الزكوية خاصة، فإن حكم في غير ذلك
لم ينفذ حكمه لعدم الولاية(٣). قال القاضي ابن
رضوان المالقي: ولا يكون من يتولى ذلك إلا
عالماً بأحكام الصدقات ومقاديرها ونصابها
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون ١٥/١، ومعين الحكام
للطرابلسي ص١٣، والولايات ص٤، والأحكام
السلطانية للماوردي ص ٣٥، ٥٤، ٥٥، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص٣٩، ٥١، ٥٤، ٥٧.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) التبصرة ١٤/١، ومعين الحكام ص ١٢، والولايات
ص٩، والأحكام السلطانية للماوردي ص١١٣،
والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١١٥، وتخريج
الدلالات السمعية ص٥٣٨.
وصفات ما يؤخذ منها، وممن تؤخذ، وكيف
تؤخذ، حليماً غير عانف، متيقظاً غير مغفل(١).
(ر: زکاة ف١٤١ وما بعدها، سعایة ف٤،
جباية ف ٧-١٥)
ثانياً: الولاية الخاصة:
٤٥- تطلق الولاية الخاصة في الاستعمال
الفقهي على ثلاثة ضروب من السلطة، وهي:
أ- النيابة الجبرية التي يفوض فيها الشرع أو
القضاء شخصاً كبيراً راشداً بأن يتصرف لمصلحة
القاصر في تدبير شؤونه الشخصية والمالية.
وبمقتضاها يعتبر الولي هو الممثل الشرعي
لذلك القاصر، فيقوم مقامه في جميع الحقوق
التي تقبل النيابة من عقود وأفعال ومخاصمات
في الحقوق ونحو ذلك.
وتكون تصرفاته نافذة عليه جبراً إذا كانت
مستوفية لشرائطها الشرعية، بحيث لا يكون
للقاصر بعد بلوغه راشداً الحق في نقض شيء
منها(٢).
وهذه الولاية تتضمن سلطة ذات فرعين:
أحدهما : سلطة على شؤون القاصر المتعلقة
(١) الشهب اللامعة للسياسة النافعة ص٣٣٢.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٥٤، والأشباه
والنظائر لابن نجيم ص١٨٦.
-١٥٦-

٠٠٠٠
ولاية ٤٦- ٤٧
بشخصه ونفسه، کالتزويج والتأدیب والتطبيب،
وتسمى: الولاية على النفس.
والثاني: سلطة على شؤونه المالية من عقود
وتصرفات وحفظ وإنفاق ونحو ذلك، وتسمى
الولاية على المال.
ب- ولاية المتولي على الوقف. وهذه الولاية
ليست نائشة عن نقص أهلية ولا علاقة لها بالنفس
أصلاً، وإنما هي ولاية مالية محضة، یفوض
صاحبها بحفظ المال الموقوف والعمل على
إبقائه صالحاً نامياً بحسب شرط الواقف.
جـ- السلطة التي جعلها الشرع بيد أهل القتيل
في استيفاء القصاص من قاتله أو العفو عنه إلى
الدية أو مطلقاً، وفقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ فُلَ
مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَرِّهِ، سَُّطَهَا﴾(١)، وقوله ◌َّ:
((من قُتل له قتيل، فأهله بين خيرتين: إما أن
يقتلوا أو يأخذوا العقل))(٢).
غير أن الضرب الأول هو المشهور والمتبادر
عند الإطلاق في لغة الفقهاء.
انتقال الولاية الخاصة للولي العام:
٤٦- الولاية الخاصة للأهل والأولياء
والأوصياء والنظار تنتقل إلى السلطان
(١) سورة الإسراء/ ٣٣.
(٢) حديث: ((من قتل له قتیل فأهله بین خیرتین ... )
أخرجه الترمذي (٢١/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي
شريح الكعبي. وقال: حديث حسن صحيح.
بمقتضى ولايته العامة عند عدمهم، لقوله
*: ((السلطان ولي من لا ولي له))(١).
فيمارسها بنفسه أو بواسطة أحد نوابه من ولاة
وقضاة ونحوهم لمصلحة المولى عليه. قال العز
ابن عبد السلام: لأنه منوط به القيام بمصالح
المسلمين، وتعارف المسلمون على أن نوابه
بمثابته(٢).
منزلة الولاية الخاصة من الولاية العامة:
٤٧- الولاية الخاصة عند وجودها مقدمة على
الولاية العامة، لأنها أقوى منها، كما جاء في
القواعد الفقهية: الولاية الخاصة أقوى من
الولاية العامة (٣)
فمثلاً: متولي الوقف ووصي اليتيم وولي
الصغير ولا يتهم خاصة، وولاية القاضي بالنسبة
إليهم عامة، وأعم منها ولاية إمام المسلمين،
فولاية المتولي والوصي أقوى من ولاية
القاضي، وولاية القاضي أقوى من ولاية
إمام المسلمين، لأن كل ما كان أقل
(١) حديث: ((السلطان ولي من ولا ولي له))
أخرجه الترمذي (٣٩٩/٣ - ط الحلبي) من حديث
عائشة، وقال: حديث حسن.
(٢) فتاوى العز بن عبد السلام ص١٥٢.
(٣) المادة ٥٩ من المجلة العدلية، والقواعد للزركشي
٣٤٥/٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص١٨٦،
والأشباه والنظائر للسيوطي ص١٥٤، وشرح
الخرشي على خليل ١٨١/٣.
-١٥٧-

ولاية ٤٨-٤٩
اشتراكاً كان أقوى تأثيراً وامتلاكاً. فكلما كانت
الولاية المتربطة بشيء أخص مما فوقها بسبب
ارتباطها به وحده، كانت أقوى تأثيراً في ذلك
الشيء مما فوقها في العموم، فتكون الولاية
العامة كأنها انفكت عما خصصت له الولاية
الخاصة، ولم يبق لها إلا الإشراف، إذ القوة
بحسب الخصوصية لا الرتبة (١). وبناءً على هذا
الأصل قال الزركشي : ولهذا لا يتصرف القاضي
مع وجود الولي الخاص وأهليته(٢).
٤٨- وقد فرَّع الفقهاء على هذا الأصل
المسائل التالية :
أ - أن القاضي لا يملك التصرف في الوقف مع
وجود متولٍ علیه، ولو من قبله، حتى لو تصرف
فيه ببيع أو شراء أو إيجار أو استئجار أو جباية لا
ينفذ، إذ لا تدخل ولاية السلطان على ولاية
المتولي في الوقف.
ب- لا يملك القاضي التصرف في مال اليتيم
مع وجود وصي الأب أو وصي الجد أو وصي
القاضي نفسه
جـ- لا يملك القاضي تزويج اليتيم أو اليتيمة
(١) شرح المجلة للأتاسي ١/ ١٤٧.
(٢) القواعد للزركشي ٣٤٥/٣، والأشباه والنظائر
للسيوطي ص١٥٤.
إلا عند عدم الولي أو عضله.
د- للولي الخاص استيفاء القصاص والعفو
على الدية ومجاناً، وليس للإمام العفو مجاناً.
هـ- لو زوج الإمام المرأة لغيبة الولي،
وزوجها الولي الغائب في وقت واحد،
وثبت ذلك بالبينة، قُدم الولي.
و - إذا أجر القاضي حانوت الوقف من زيد،
وأجره المتولي من بكر، فإن إجارة المتولي هي
المعتبرة.
والحاصل: أنه إذا وجدت الولاية الخاصة في
شيء، فلا تأثير للولاية العامة فيه، وأن تصرف
الولي العام عند وجود الولي الخاص غير
نافذ (١).
٤٩- غير أن للولي العام عند الاقتضاء حق
التدخل في الشئون المتعلقة بالولاية الخاصة،
كما إذا لحظ خيانة أو تقصيراً أو تضييعاً، لأنه
منوط به القيام بمصالح المسلمين، وله حق
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ومعه حاشية ابن عابدين
عليه نزهة النواظر ص١٨٦ وما بعدها، والأشباه
والنظائر للسيوطي ص ١٥٤، وشرح المجلة للأتاسي
١٤٧/١ وما بعدها، ودرر الحكام ١/ ٥٢، ٥٣.
والجموي على الأشباه والنظائر ١٩١/١، والخرشي
١٨١/٣، والقوانين الفقهية ص٢٠٤، والمغني
٣٦٠/٩.
-١٥٨-

ولاية ٥٠- ٥٢
٠٠٠٠٠
الإشراف العام على سائر الولايات. وعلى ذلك
فإن له أن يحاسب الأوصياء والنظار والمتولين،
ويعزل الخائن منهم، حتى لو شرط الموصي أو
الواقف عدم مداخلته(١).
واستثنى الحنفية من القاعدة ما ذكروا:
- من أن المتولي لا يملك العزل والنصب
لأرباب الجهات بدون أن يشترط الواقف له
ذلك، ويملكه القاضي بدون شرط.
- وأن القاضي يملك إقراض مال الصغیر دون
الأب والوصي(٢).
واستثنى ابن القاسم من المالكية ما إذا زوَّج
السلطان البالغة مع وجود وليها، وقال بنفاذ
النكاح وعدم رده(٣).
الشروط المشتركة بين أنواع الولاية
الخاصة :
٥٠- يشترط الفقهاء لتولي الولاية الخاصة
شروطاً اتفقوا في بعضها، واختلفوا في البعض
الآخر.
والتفصيل في (نكاح ف ٦٦ -٧٤، إيصاء
ف١١، متولي ف٦، قصاص ف٢٩، وقف).
(١) جامع أحكام الصغار للأستروشني ٤/ ١٤٠.
(٢) جامع أحكام الصغار ٢٧٤/٢، ١١١/٤، ١٥٨.
(٣) المقدمات الممهدات ٤٧٣/١.
أنواع الولاية الخاصة:
٥١- الولاية الخاصة نوعان: ولاية على
المال: وهي سلطة التصرف فيه، وولاية
على النفس: وهي سلطة التزويج والتربية.
والكلام عليهما في الفرعين التاليين:
النوع الأول: الولاية على المال:
٥٢- الولاية على المال نوعان: قاصرة،
ومتعدية.
فالقاصرة: هي سلطة المرء على مال نفسه،
وهي ثابتة لكل من له أهلية الأداء الكاملة، وهو
البالغ العاقل الرشيد من الذكور والإناث، فله أن
يتصرف في مال نفسه بما يشاء من أنواع
التصرفات السائغة شرعاً.
والولاية المتعدية: هي سلطة المرء على مال
غيره. وهي قسمان:
أ- سلطة أصلية: وهي التي تثبت بإثبات
الشارع من غير حاجة إلى مثبت من البشر، ولا
یملك صاحبها عزل نفسه منها ، لأنها لم تثبت له
بإرادته، وتنحصر في ولاية الأب والجد على مال
ولدهما القاصر.
ب- وسلطة نيابية: وهي التي يستمدها
صاحبها من شخص آخر، كالوصي الذي
يستمد ولايته من الأب أو الجد أو
-١٥٩-

ولاية ٥٣
القاضي، والوكيل الذي يستمد ولايته من
موکله، ونحو ذلك.
من تثبت عليه الولاية؟
٥٣- تثبت الولاية المتعدية شرعاً - في غير
الوكالة- على المحجور عليهم، وهم الصغير
والمجنون والمعتوه والسفيه وذو الغفلة،
وتستمر مادام الوصف الموجب لها قائماً،
فإن زال انقطعت.
وللتفصيل (ر: حجر ف٢ وما بعدها)
فأما الصغير: فهو الذي لم يبلغ الحلم ذكراً
كان أو أنثى. فإذا مات أبوه وهو صغير، فھو یتیم
أيضاً، وإذا بلغ الحلم زال عنه وصف الصغر
واليتم معاً.
والصغير نوعان: مميز، وغير مميز.
فالمميز: هو الذي يعقل معنى العقد
ويقصده، ويستطيع إلى حد ما أن يعرف
الضار من النافع، والمصلحة من غيرها في
الأمور العامة.
وغير المميز: هو الذي لم يصل إلى سن
التمييز الذي يدرك فيه ما أشرنا إليه. (ر: تمييز
ف١، صغر ف ١، ٦، ١٩، ٢٢، حجر ف٦ وما
بعدها)
وأما المجنون: فهو من زال عقله بحيث يمنع
جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادراً،
فإن استوعب جنونه جمیع أوقاته فهو المجنون
جنوناً مطبقاً، وتصرفاته كلها باطلة، لانعدام
صلاحیته للأداء، فهو كالصغير غير المميز. وإن
کان یجن تارة ویفیق أخری فهو المجنون جنوناً
متقطعاً، وتصرفاته حال جنونه باطلة، وحال
إفاقته صحيحة نافذة.
(ر: جنون ف ١، ٧، حجر ف ٩)
وأما المعتوه: فهو من كان قليل الفهم،
مختلط الكلام، فاسد التدبير، لكنه لا
يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون، وقد
يكون بحالة لا يعقل فيها ألفاظ التصرفات
وآثارها، فيكون كالصغير غير المميز، أو
يكون بحالة يعقل فيها ألفاظ التصرفات
وآثارها، فيكون كالصغير المميز.
(ر: عته ف٥، حجر ف ١٠)
وأما السفيه: فهو من یسرف في إنفاق ماله،
ويضيعه على خلاف مقتضى العقل أو الشرع فيما
لا مصلحة له فيه، وباعثه خفة تعتري الإنسان من
الفرح والغضب، فتحمله على الإنفاق من غير
ملاحظة النفع الدنيوي والديني. وقد اختلف
الفقهاء في الحجر عليه، فذهب الشافعية
والمالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية
إلى جواز ذلك، وذهب أبو حنيفة إلى عدم
جواز الحجر عليه.
(ر: سفه ف ٤ وما بعدها، حجر ف ١١-١٤)
-١٦٠-